← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

كذا في ديوان عدي بن زيد، وبعدها أبيات أخر تركناها. وقوله: ألا يا انعمن بالًا: ألا للتنبيه، ويا: حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره يا نعما، وهو النعمان بن المنذر ملك الحيرة وقد ذكرنا سبب قتله عديًا في ترجمته، في الإنشاد الواحد والسبعين بعد المائتين. وانعمن: فعل أمر من النعمة، بالفتح، وهو الخفض والدّعة والترفّه، وفعله كسمع ونصر وضرب، والبال: الحال والخاطر، يقال هو رخي البال، أ: مترفه الحال، وبالًا: منصوب على التمييز المحول عن الفاعل، والمسمى بالضم: الإمساء وهو الدخول في المساء، وقوله: أجدَّك: الهمزة للاستفهام، وجدّك منصوب بنزع الباء، وهو بالكسر، نقيض الهزل، والمعنى أبجد منك، ومثله: أحقًا، ومعنى أحقًا وجدك متقاربان، وتعذرني من عذرته فيما صنع عذرًا من باب ضرب: رفعت عنه اللوم، والاسم: العذر. وقوله: ألم يشفينك مؤكد بالنون الخفيفة، وتوكيد الفعل في هذا شاذ، لأنه ماض معنى، ولا حظّ للماضي في التوكيد بالنون، ولما كان الغضب الكامن كالدّاء، كان النيل بالمكروه كالشفاء وأني مسهد: في تأويل مفرد فاعل يشفي، وشوقي معطوف على الفاعل المؤوَّل، وهو مصدر مضاف إلى المفعول من شاقه: إذا ربطه وأوثقه، ويعتريني: يصيبني ويحدث بي من العقوبة، والتسهال: مصدر سُهِل زيد بالبناء للمفعول: إذا انطلقت بطنه، ومصدر الثلاثي إذا أريد به المبالغة بنوه على التفعال كالتلعاب والترداد والتجوال، فإنكار الأخفش لهذه الكلمة لا وجه له، ورواية تسآلي غير مناسبة، وقوله: على ما خيّلت، هذا التركيب قد صار كالمثل في استعماله بالماضي، وجعل فاعله ضمير النفس المعلومة من المقام، قال المفضل بن سلمة الضبي، في "الفاخر": قولهم: على ما خيلت، أي: أرت وأوهمت، وأصل ذلك في السحاب يقال: قد خيَلَّت السحابة وتخيلتْ: إذا أرَتْ أنها ماطرة، والخال: السحابُ الذي يُخيلُك المطر. انتهى.

стр. 1787

وقال ابن قتيبة في أوائل "أدب الكاتب": أفعل ذلك على ما خيّلت، أي: على ما شبهت من قولك هو مخيلٌ للخير، أي: خليق له. قال شارحه الحواليقي: وقولهم على ما خيّلت معناه: على أرت الحال، وشبّهت، فأضمر الحال، ولم يجر لها ذكر لعلم المخاطب بها، كما قال تعالى: (حتى توارت بالحجاب) [ص/ ٣٢] يعني الشمس، فأضمرها، ولم يجر لها ذكر، ويقال: معنى قولهم: على ما خيلت، أي: على ما أرتك نفسُك أنه الصواب، ويقال: على ما تخيلت وخيّلت هو الكلام الجيّد، والأصل فيه من قولهم: خيّلت السّحابة، وتخيّلت: إذا أرت مخيلة المطر والمخيلة نفسُ السحابة، فإذا أردت الفعل قلت: مخيلة والفعل منه خالت وأخالت وأخيلتت وتخيلت. انتهى كلامه، وقال الزمخشري في "مستقصى الأمثال": على ما خيلت الضمير للنفس أو للحال، المعنى: افعل ذلك، ما أرتك نفسك وأوهمتك من سهولة وصعب يضرب في إيجاب الفعل. وقال في "أساس البلاغة": افعل ذلك على ما خيّلت، أي على ما أرتك وشبّهت وأوهمت، وفلان يمضي على المخيّل، أي: على ما خيّلت. انتهى. وفي "عباب الصاغاني": وفلان يمضي على المخيّل، أي: على ما خيّلت. أي شبّهت يعني على غرر من غير يقين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والسبعون بعد الأربعمائة: (٤٧٧) ولوْ أنَّ واشٍ باليمامةِ دارُهُ ... وداريِ بأعلى حَضَرَموَتَ اهتدَى لِيَا على أنَّ أصله: فلو أنَّ واشيًا، فسكّن الياء لضرورة الشعر، ثمَّ حذفها لالتقاء السّاكنين، وروى: "فلو كان واشٍ" فلا شاهد فيه، وبعده: وماذا لهم لا أحسن الله حفظهمْ ... من الحظُ في تصريم ليلى حباليا وهما من قصيدة طويلة شهيرة لمجنون ليلى، ومنها:

стр. 1788

خليلي لا والله لا أملك الذي ... قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليَا قضاها لغيري وابتلاني بحبهَا ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيَا روى صاحب "الأغاني" بسنده عن ابن الكلبي أن المجنون لما قال هذا نودي في الليل أأنت المتسخط لقضاء الله وقدره، والمعترض في أحكامه! ؟ واختلس عقله، وتوحش منذ تلك الساعة، وذهب مع الوحش على وجهه. والواشي: النمام الذي يزوق الكلام ليفسد بين اثنين، من وشى الثوب يشيه وشيئًا: إذا نقشه وحسّنه. واليمامة: اسم بلد كان في الجاهلية اسمها الجوّ، وحضر موت بفتح الميم وضمها: مدينة باليمن، وقوله: اهتدى ليا اللام بمعنى إلى، والتصريم: التقطيع، والحبال: جمع حبل، مستعار للوصلة والألفة بين اثنين، واختلف في اسم مجنون ليلى، ويقال له: مجنون بني عامر، والأشهر أن اسمه قيس بن الملوح وتقدمت ترجمته في الإنشاد السابع عشر من أوائل الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والسبعون بعد الأربعمائة: (٤٧٨) أكل امرئٍ تحسبين امرًا ... ونارٍ توقد بالليل نارَا على أن أصله: وكل نارٍ، فحذف "كل" وبقي المضاف إليه على جرّه، كذا قال سيبويه فيه، قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه أراد أن يقول: وكل نارّ، فحذف "كلًا" وهو يريدها وقد جربها نارًا، واكتفى بذكر "كل" في اول البيت. قال سيبويه: ومثله: ما كل سوداء تمرة، ولا بيضاء شحمة، قال أبو جعفر: استشهد بهذا، لأنه عطف على عاملين فخفض النار، عطفها على امرئٍ، ونصب نارًا

стр. 1789

الثانية عطفها على امرئٍ الثاني، قال أبو جعفر: ومن لم يعطف على عاملين. رواه: ونارًا، قال أبو الحسن: تقديره: وكل نار، ثم تحذف، كقوله تعالى: (وَاسأَلِ القَريَةَ) [يوسف/٨٢] وقال ابن الحاجب في "أماليه": أكلَّ امرئٍ وامرءًا مفعولان لتحسبين، وقوله: ونار عند سيبويه مخفوض على حذف المضاف الذي هو "كل" لدلالة الأول عليه، وأراد به موجودًا مقدرًا، فلذلك بقي المضاف إليه على إعرابه، وهذا وإن كان على خلاف قياس حذف المضاف مخصوص عنده بكل ومثل إذا قصد بها التحقيق، لا التشبيه، كقولك: ما مثل عبد الله ولا أخيه يقولان ذلك، وإنما اختصتا بذلك من حيث كانا لذات واحدة في المعنى، فلما تقدم ما يدل على ذلك، اغتفر في الحذف، وبقي أثره على ما كان عليه، فعلى ذلك لا يكون قوله: "ونار" عطفًا على عاملين من حيث كان "نار" مخفوضًا بكل مقدرة في حكم الوجود، فكأنه قال: وكل نار، ولو صرح وقال: وكل نار لم يكن عطفًا على عاملين اتفاقًا وكذلك إذا كان "كل" مرادًا وجودها، لأنه يكون عطفًا على معمولي "تحسبين" خاصة، وهو عامل واحد، وكثير من النحويين لا يقدر تقدير سيبويه، لأنه عنده يوجب إعرابه بإعراب المحذوف على القياس المعروف في حذف المضاف، فيجعله معطوفًا على امرئ المخفوض أولًا ويجعل نارًا المنصوبة معطوفًا على امرءًا، ويجوز هذا الضرب من العطف على عاملين، وهو أن يكون الأول منها مخفوضًا، وأن يكون المعطوف جاء على الترتيب الأول، كقولك: في الدار زيد واحجرة عمرو، وأشباه ذلك، وسيبويه يمنع في هذه المسائل، ويتأول ذلك كله فرارًا من العطف على عاملين، انتهى المقصود منه. والبيت آخر قصيدة عدتها خمسة عشر بيتًا لأبي الإيادي ذكر فيها أنه صاد بمهره ثورًا وبقرة وحشيين، ثم خاطب امرأته على سبيل الافتخار والتمدّح: أكل امرئ تحسبينه مثلث، وكل نار توقد بالليل تحسبينها نار قرى وضيافة. وتوقد: مضارع، واصله تتوقد، وروي بدله: تحرّق مثله، وأولها:

стр. 1790

ودار يقول لها الرائدُو ... ن ويل ام دار الحذاقي دارا فلما وضعنا به بيتنَا ... نتجنا حوارًا وصدنا حمارَا يقول. رب منزل ينزل فيه يقول لها الرائدون –وهم الذين يترددون في طلب المرعى والمنزل- ذلك تعجبًا منها. وفي "جمهرة أنساب العرب": ومن بني حذاقة أبو داود الشاعر، واسمه جارية بن حمران بن بحر بن عصام بن نبهان بن منبّه بن حذاقة وأخواه مارية وآرية، ومنهم الأعور الذي ينسب إليه دير الأعور، ولموضع الدير يقول أبو داود: ودارٍ يقول لها الرائدون .. البيت انتهى. وحذاقة، بضم الحاء المهملة بعدها ذال معجمة: قبيلة إيادهم رهط أبي دواد، وهو حذاقة بن زهر بن إياد بن نزار بن معد بن عدنان. وقوله: وضعنا بها بيتنا، أي: نصبنا بها خباءنا، ونتجنا من النتاج بالكسر: وهو اسم يشمل وضع البهائم من الإبل والغنم وغيرهما، وإذا ولي الإنسان ناقة أو شاة ما خضًا حتى تضع قيل: نتجها نتجًا، من باب ضرب، فالإنسان كالقابلة، لأنه يتلقى الولد ويصلح من شأنه، والبهيمة منتوجة، والأصل في الفعل أن يتعدى إلى مفعولين، فيقال: نتجها ولدًا لأنه بمعنى ولدها ولدًا كذا في "المصباح"، وأردا بالحمار: حمار الوحش، وأورد المبرد في "الكامل" البيت الشاهد نظيرًا لقول أعرابيّ: ألا تسأل المكي ذا العلم ما الذي ... يحل من التقبيل في رمضانِ فقال لي المكي أما لزوجةٍ ... فسبع وأما خلة فثمانِ أي: وأما لخلة فحذف اللام، وقال: أنشد سيبويه لعدي بن زيد:

стр. 1791

أكل امرئ تحسبين امرءًا .. البيت. وأقول: سيبويه إنما أنشده لأبي دواد، وكذا نسبة خدمة كتابه، وقد سها أبو العباس في هذه النسبة. والبيت من قصيدة لأبي دواد وهي ثابتة في ديوانه، وهو شاعر جاهلي تقدمت ترجمته في الإنشاد الخامس والسبعين بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والسبعون بعد الأربعمائة: (٤٧٩) وجبت هجيرًا يترك الماء صاديًا على أنه جعل الماء صاديًا مجازًا، وهو عجز وصدره: لقيت المرورى والشناخيبُ دونهُ وهذا المصراع أورده ابن الشجري مع البيتين قبله في شرح قوله: فليت كفافًا كان خيرك كلُّهُ .. البيت. قال: أجاز بعض المتأخرين أن يكون الماء رفعًا بأنه فاعل "ارتوى" من غير تقدير مضاف قال: وجاز وصف الماء بالارتواء للمبالغة، كما جاز وصفه بالعطش لذلك في قوله: وجبت هجيرًا يترك الماء صاديًا انتهى. وهو من قصيدة لأبي الطيب المتنبي مدح بها كافورًا الإخشيدي، وهي أول قصيدة مدحه بها، وقبله: أبا المسك ذا الوجه الذي كنت تائقًا إليهِ ... وذا الوقت الذي كنت راجيًا قال الواحدي: يقول: وجهك الذي أراه الوجه الذي كنت أشتاق إليه، وهذا الوقت الذي أنا فيه، الوقت الذي كنت أرجو دركه، يعني وقت لقائه، والمرورى بفتحتين وسكون الواو وبالقصر، قال الواحدي: جمع المروراة وهي الفلاة الواسعة، والشناخيب: جمع شنخوب وشنخاب، وهي ناحية الجبل المشرقة وفيها حجارة

стр. 1792

ناتئة، والصادي: العطشان، يذكر ما لقي من التعب في الطريق إليه، وما قاسى من حر الهواء والهواجر التي تيبس الماء، والماء لا يكون صاديًا، و لكن ه مبالغة. انتهى. وهذا المصراع أورده ابن جني أيضًا في "المحتسب" قال: قرأ علي ﵇ (فِيهَا لُغُوبٌ) [فاطر/ ٣٥] بفتح اللام، ولك فيه وجهان إن شئت أنه مصدر كالوضوء والولوغ، وإن شئت أنه صفة لمصدر محذوف أي: لا يمسنا فيها لغوب لغوب، على قولهم: شعر شاعر، كأنه يصف اللغوب بأنه قد لغب، أي: أعيا وتعب، وهذا ضرب من المبالغة، ومن طريف ما ما مر بنا المولدين في هذا قول شاعرنا: وجبت هجيرًا يترك الماء صاديًا فهذا مع ما فيه من المبالغة حلو وواصل إلى الفكر. انتهى المراد منه. وترجمه المتنبي تقدمت في الإنشاد التاسع من أوائل الكتاب. (لكِن) أنشد فيه، وهو الإنشاد الثمانون بعد الأربعمائة: (٤٨٠) ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضلِ على أن أصله: ولكن اسقني، فحذفت النون لضرورة الشعر، وكذا اورده سيبويه في باب ضرورة الشعر من أول كتابه، قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه حذف النون من "لكن" وهي متحركة، وإنما تحذف إذا كانت ساكنة، لأنها تشبه حروف المد واللين، وذلك لأنها تكون إعرابًا مثلهن، وتحذف للجزم كما يحذفن، فإذا تحركت لم يجز أن تحذف، لأنها قد زال عنها شبههن، فإن اضطر شاعر شبهها بالساكنة، لأن حركتها في كلا الموضعين عارضة، لأن أصلها السكون، وإن كان

стр. 1793

الاختيار فيه التحريك، والتنوين نون ساكنة، فشبهوا هذه النون التي وصفنا بالتنوين. انتهى. والبيت من قصيدة للنجاشي الحارثي وقبله: وماء كلون الغسل قد عاد آجنًا ... قليل به الأصوات في بلد محلِ وجدت عليه الذئب يعوي كأنهُ ... خليع خلا من كل مال ومن أهلِ فقلت له يا ذئب هل لك في فتىً ... يواسي بلا من عليك ولا بخلِ فقال هداك الله للرشد إنمّا ... دعوت لما لم يأته سبع قبْلي فلست بآتيه ولا أستطيعهُ ... ولا ك اسقني إن كان ماؤك ذا فضلِ فقلت عليك الحوض إني تركتُه ... وفي صفوه فضل القلوص من السجلِ فطرب يستعوى ذنابًا كثيرةً ... وعديت كل من هواه على شغلِ وهذا المقدار أورده ابن قتيبة في كتاب "أبيات المعاني" والشريف المرتضى في "أماليه"، والشريف الحسيني في "حماسته"، وابن خلف في "شرح شواهد سيبويه" وكان النجاشي عرض في سفر له ذئب، فدعاه إلى الطعام، وقال له: هل لك ميل في أخ يواسيك في طعامه بغير من ولا بخل، فقال له الذئب: قد دعوتني إلى شيء لم يفعله السباع قبلي من مؤاكلة بني آدم، وهذا لا يمكنني فعله، وإن كان في مائك فضل فاسقني منه، وهذا الكلام، وضعه النجاشي على لسان الذئب، وأشار بهذا إلى تعسفه بالفلوات التي لا ماء بها فيهتدي الذئب إلى مظانه فيها لاعتياده لها، والغسل بكسر المعجمة: ما يغسل به الرأس من سدر وخطمي، يريد أن ذلك الماء كان متغير اللون من طول المكث مخضرًا ومصفرًا ونحوهما، والآجن بالمد وكسر الجيم: الماء المتغير الطعم واللون. وقوله: قليل به الأصوات، يريد أنه قفر لا حيوان فيه، والبلد: الأرض والمكان، والمحل: الجدب، وهو انقطاع المطر ويبس

стр. 1794

الأرض من الكلأ، والخليع: الذي خلعه أهله لجناياته، وتبرؤوا منه. وعليك: اسم فعل بمعنى الزم، والحوض: مفعوله، والصفو، بفتح الصاد المعجمة وكسرها وسكون الغين المعجمة: الجانب المائل، والسجل: الدلو العظيمة، وطرّب في صوته بالتشديد: رجّعه ومدده. والنجاشي: اسمه قيس بن عمرو بن مالك من بني الحارث بن كعب، قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": كان النجاشي فاسقًا، رقيق الإسلام، ومر في شهر رمضان بأبي سماك العدوي بالكوفة فأخذه إلى منزله، فأكلا وشربا، فلما أخذ فيهما الشراب، تفاخرا وعلت أصواتهما، فسمع جار لهما فأتى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فأخبره، فأرسل في طلبهما فأما أبو سماك فإنه شق الخص فهرب، وأخذ النجاشي، فأتي به عليّ بن أبي طالب، فقال: ويحك ولداننا صيام وأنت مفطر؟ ! فضربه ثمانين سوطًا، وزاده عشرين سوطًا، فقال: ما هذه العلاوة يا أبا الحسن؟ قال: هذه لجراءتك على الله في شهر رمضان، ثم رفعه للناس في تبان- كرمان- وهو شبه السراويل يستر العورة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثمانون بعد الأربعمائة: (٤٨١) فلو كنت ضبيًا عرفت قرابَنْي ... ولكن زنجي عظيم المشافرِ على أن اسم "لكن" محذوف تقديره: ولكنك، قد قدمنا في شرح قوله: "فليت دفعت الهم عني ساعة" أن صاحب "اللباب" وغيره منعوا حذف اسم إن إذا كان غير ضمير الشأن، وجوزه الرضي في الشعر بقلة، وضعفوه، وأنشد هذا البيت، فغن قلت كيف يصنع صاحب "اللباب" بهذا البيت؟ قلت: إما يذهب إلى ما ذهب إليه الرضي، وإمّا أن اسم لكن ضمير الشأن، وزنجي خبر مبتدأ محذوف،

стр. 1795

والتقدير: ولكنه أنت زنجيٌ، وفيه أن خبر ضمير الشأن لا بدّ من التصريح بذكر جزئي الجملة، قال سيبويه في باب الحروف الخمسة: وروى الخليل أن ناسًا يقولون: إن ربك زيد مأخوذ، فقال: هذا على قوله: إنه ربك زيدٌ مأخوذٌ، وشبَّههُ بما يجوز في الشعر نحو قوله: ويومًا توافينا بوجهٍ مقسمٍ ... كأن ظبيبة تعطو إلى وارقِ السلَمش أي: كأنها، وقال الآخر: ووجهٍ مشرقِ اللونِ ... كأن ثدياهُ حقَّانِ لأنه لا يحسن ههنا إلا الإضمار، وزعم الخليل أن هذا يشبه قول الفرزدق: فلو كنت ضبيًّا ... البيت. والنصب أكثر في كلام العرب، كأنه قال: ولكن زنجيًا عظيم المشافر لا يعرف قرابي، ولكنه أضمر هذا كما يضمر ما بني على الابتداء، نحو قوله تعالى: (طاعة وقولٌ معروفٌ) [محمد/٢١] أي: طاعة وقول معروف أمثل، وقال الشاعر: فما كنت ضفاطًا ولكن طالبًا ... أناخ قليلًا فوق ظهرِ سبيلٍ أي: ولكن طالبًا منيخًا أنا، فالنصب أجود، لأنه لو أراد إضمارًا لخفف، ولجع المضمر مبتدأ، كقولك: ما أنت صالحًا، ولكن طالح، ورفعه على قوله: ولكن زنجيّ. انتهى كلام سيبويه. قال السيرافي: من نصب حذف الخبر، وهو لا يعرف قربني، وإنما صار النصب أكثر وأولى، لأنّ إظهار ما هو الأصل المبني عليه أولى إذا حُذف المفهوم، ومن رفع، حذف الاسم، ويكون تقديره: ولكنك

стр. 1796

زنجي، وجاز الوجهات كما يجوز في باب الابتداء حذف الاسم مرة، وحذف الخبر مرة، ومثله في الحذف: وما كنت ضفاطًا ... فالنصب أجود، لأنه لو أراد إضمارًا لخفف، ولجعل المضمر مبتدأ، ورفعه على قوله: ولكن زنجي والضفاط: الذي يحمل طعامه إلى مكان فيبيعه. وأخبرنا ابن دريد أن الضفاف لِعابُ الدفِّ. انتهى. وقال أبو علي في تعليقته على "الكتاب": قوله: وزعم الخليل أن هذا يشبه قول الفرزدق، قال أبو علي: فيشبهه في أن الإضمار مراد في لكنّ، كما أنه مراد في "كأن ثدياه" إلا أن النصب بعد لكنّ أحسن، والرفع في "كأن ظبية" و"كأن ثدياه" أحسن، لأنهم جعلوا حذف أن وتخفيفها علامة لحذف الإظهار، وحذف الضمير من إن وكأن حسن عنده، لأن تحفيفهما يدل على الإضمار، فيهما إذا لم يخففا إلا على هذه الشريطة، فكأنَّ المحذوف مثبت لوجود ما يدل عليه، وليس هذا في لكنّ وإنّ. انتهى. والبيت من قصيدة للفرزدق في هجو رجل من ضبة نفاه عن ضبة، ونسبه إلى الزنج، وأما القرابة التي بينه وبينه فهي أن الفرزدق من تميم بن مُرّ بن أُدّ بن طانجة وضبة هو ابن أدّ بن طانجة، والمشافر: جمع مشفر، بكسر الميم، وهي شفة البعير، واستعيرت هما لذلك الرجل لما قصده من بشاعة خلقته، وقافية البيت هكذا اشتهرت عند النحويين، وصوابه: ولكنّ زنجيٌ غليظٌ مشافرُهْ وهو من قصيدة هجا بها أيوب بن عيسى الضبي، وبعده: متت له بالرحم بيني وبينهُ ... فألفيته مني بعيدًا أواصرهُ وقلتُ امرؤ من آل ضبة فاعتزِي ... لغيرهم لون استه ومحاجرُهْ فسوف يرى النوبي ما اكتدحت له ... يداهُ إذا ما الشعرُ عنت نواقرُهْ

стр. 1797

ستلقى عليك الخنفساء إذا فستْ ... عليك من الشعر الذي أنت حاذرهْ وتأتي ابن زبِ الخنفساء قصيدةٌ ... تكون له مني عذابًا يباشرُهْ والسبب في هذا ما حكاه صاحب "الأغاني" أن الفرزدق هجا خالد بن عبد الله القسري، وذكر المبارك النهر الذي حفره بواسط، فبلغه ذلك، فكتب خالد إلى مالك ابن المنذر أن احبس الفرزدق، فإنه هجا نهر أمير المؤمنين بقوله: أهلكتْ مال الله في غير حقهِ ... على النهرِ المشؤومِ غير المباركِ فأرسل مالك إلى أيوب بن عيسى الضبي فقال: ائتني بالفرزدق، فلم يزل يعمل فيه حتى أخذه، فلما قيل لمالك، هذا الفرزدق، انتفخ وريده غضبًا، فلما أُدخِلَ عليه قال: أقول لنفسي حين غصت بريقِها ... ألا ليت شعري ما لها عندَ مالكِ لها عنده أن يرجع الله روحهُ ... إليها ونتجو من عَظِيمِ المهالكِ فسكت مالك وأمر به إلى السِّجن، فهجا أيوب بن عيسى بتلك القصيدة، ثمَّ مدح خالد القسري ومالك بن المنذر، فلما لم ينفعه مدحهما مدح هشامًا، واعتذر إليه: ألكني إلى راعي البرية والذي ... له العدلُ في الأرضِ العريضةِ نورًا إذا قال غاوٍ من معدّ قصيدةً ... بها جربٌ كانت وبالًا مدمرًا أينظمها غيري وأرمى بجرمِهَا ... وكيف ألومُ الدهر أن يتغيرَا لئن صبرتْ نفسي لقد أُمرتْ بهِ ... وخيرُ عباد الله من كان أصْبرَأ وكنت ابن أحذار ولو كنت خائفًا ... لكنت من العصماءِ في الطّودِ أحذرا ولكن أتوني آمنًا لا أخافُهُمْ ... نهارًا وكان اللهُ ما شاء قدَّرا ثمّ إنه مدحه بقصيدة، وأشخص بها ابنه إلى هشام، فأعانته القيسية،

стр. 1798

وقالوا: كلما ظهر شاعر، أو سيد، وثب عليه خالد! وكان كتب الفرزدق أبياتًا إلى سعيد بن الوليد الأبرشي يكلم له هشامًا وهي: إلى الأبرش الكلبي أسديت حاجتي ... تواكلها حيًا تميم ووائلِ على حين أن زلت بي النعل زلةً ... وأخلف ظني كل حاف وناعلِ فدونكما يا ابن الوليد فقم بها ... قيام امرئ في قومه غير خاملِ فكلم هشام فكتب بتخليته. انتهى كلام "الأغاني" باختصار. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثمانون بعد الأربعمائة: وَما كنتُ ممّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قلبَه ... وَلكِنّ مَن يُبصِرْ جفونَكِ يَعشَقِ على أنه مثل بيت الفرزدق فيقدر: ولكنّك من يبصر جفونك يَعشقِ، ولا يخفى أنَّ التقدير المتفق عليه إنما هو تقدير ضمير الشأن، أي: لكنه من يبصر إلى آخره، وهو أفخم أيضًا. وما قبله، وهو مطلع القصيدة: لعَيْنَيْكِ ما يَلقَى الفُؤادُ وَمَا لَقي ... وللحُبّ ما لم يَبقَ منّي وما بَقي قال الواحدي: عيناك دائي، فما يلقاه قلبي من برح الهوى وما لقيه، فهل لأجل عينيك، والحبُّ هو الذي يذيبُ جسم، ويفني لحمي، فما لم يبق مني مما ذهب، فهو الذي أذهبه، وما بقى هو له أيضًا يفنيه ويذهبه، وذكر أنه عِزْ هاةٌ لا يحب الغزل ولا يميل إلى العشق، ولكن جفون حبيبته فتانة لرائها يعشق من يبصرها كيف ما كان. انتهى. والكاف في الموضعين مكسورة لأنه خطاب لمؤنث، وهذه القصيدة مدح بها سيف الدولة الحمداني، وترجمة المتنبي تقدمت في الإنشاد التاسع.

стр. 1799

وأنشد بعده وهو الإنشاد الثالث والثمانون بعد الأربعمائة: (٤٣٨) ولكن من لم يلق أمرا ينوبه ... بعدته ينزل به وهو أعزلُ على أنَّ اسم لكن محذوف وهو ضمير الشأن، قال سيبويه في باب مت يأتي آته، قال الأعشي: إن مَن لام في بني بِنتِ حسا ... نَ ألمْهُ وأعصهِ في الخُطوبِ وقال أمية بن أبي الصلت: ... ولكنَّ مَن لا يلق أمرًا ينوبه ... . . . . . البيت فلو أن حقُ اليوم منكم إقامةٌ ... وإن كان سرحٌ قد مضى فتسرعا فزعم الخليل ﵀ أنه إنما جازي حيث أضمر الهاء، وأراد أنه كما قال الراعي: أراد: فلو انه حق، ولم يرد الهاء كان الكلام محالًا. انتهى. وقال أبو علي في كتاب"الحجة": وقد جاء حذف ضمير القصة، والحديث مع لكنَّ في نحو قول أمية: ولكن من لا يليق أمرًا ينوبُهُ ... البيت. كما جاء في قوله: فلو أن حق اليوم منكم إقامةٌ فولا أن الضمير معه مراد لما دخل على الجزاء. انتهى. والبيت قد كشفت عنه في ديوان أمية المذكور، فلم أجده فيه، ولعله موجود فه من رواية أخرى، وينوبه: يصيبه من النائبة، والعُدة بالضم: ما يهيئه الإنسان لحوادث الدهر، والباء متعلقة بيلق، والضمير في به لمن، والأعزل: الذي لا سلاح له، يقول: من لم يستعد لما ينوبه من الزمان قبل حلوله، ضعف عند عند نزوله. والكتاب

стр. 1800

إذا أطلق عند النحويين يراد به "كتاب سيبويه" كما أن الكتاب إذا ذكر عند خدمة الشرع من المفسرين والمحدثين والفقهاء يراد به كتاب الله جل ذكره. وأمية بن أبي الصلت: شاعر واعظ جاهلي تقدمت ترجمته في الشاهد الواحد بعد الأربعمائة. وأنشد بعده: و لكن ي من حبُها لعميدُ (لكِنْ) أنشد فيه، وهو الإنشاد الرابع والثمانون بعد الأربعمائة: (٤٨٤) إن ابن ورقاء لا تُخشي بوادره ... لكنْ وقائعهُ في الحرب تُنتظرُ على أنَّ لكن فيه حرف ابتداء، وهو من أبيات لزهير بن أبي سُلمى مدح بها الحارث بن ورقاء الصيداوي، وكان الحارث مرَّ بيسار غلام لزهير راجعًا من غزوة بني سليم، فاستاقه معه، فبعث إليه زهير: اردد غلامي، فأبى، فهجاه بقصيدة، وتوعده بقصائد أخرى، فلما بلغهم هجوه، كساه ورده، فقالوا للحارث: اقتل يسارًا ولا ترده عليه، فأبى، وقال: أخاف أن يتفاقم الأمر إلى ما هو أشد من هذا، فقال زهير بعد أن وصله يسار يمدحه ويهجوهم: أبلِغْ بَني نَوْفَلٍ عَنّي وقَدْ بَلَغوا ... مِنّي الحَفيظَةَ لمّا جاءَني الخَبَرُ القائِلينَ: يَسَارًا لا تُنَاظِرُهُ ... غِشًّا لسَيّدِهمْ في الأمْرِ إذْ أمرُوا إنّ ابنَ وَرْقاءَ لا تُخْشَى غَوَائِلُهُ ... لكِنْ وَقائِعُهُ في الحَرْبِ تُنتَظَرُ لَوْلا ابنُ وَرْقاءَ والمَجدُ التّليدُ لَهُ ... كانوا قَليلًا فَما عزّوا ولا كثُرُوا

стр. 1801

المَجْدُ في غَيْرِهمْ لَوْلا مَآثِرُه ... وَصَبْرُهُ نَفْسَهُ والحَرْبُ تَستَعِرُ أوْلى لكمْ ثمّ أوْلى أنْ تُصِيبَكمُ ... مِنّي نوَاقِرُ لا تُبْقي وَلا تَذَرُ فأرضوه واعتذروا إليه، فمدحهم بعد هذا، وبنو نوفل من بني أسد، وهم رهط الحارث بن ورقاء، والحفيظة: الغضب، يقول: أغضبوني بهذا الخبر الذي بلغني عنهم، وقول: يسارًا منصوب يفسره ما بعده، ولا تناظره: لا تؤخره، وهو نفي، ومعناه نهي، ونصب " غشا" على المصدر المؤكد به معنى قولهم: لا تناظره، وقوله: إن ابن ورقاء إلى آخره، يقول: ليس ابن ورقاء ممن يغتال ويغدر، ولكنه ممن يجاهر بالحرب، وتتوقع فيها وقائعه، وروى "بوادره" جمع بادرة وهي الحدة تسبق صاحبها، فلا يقدر ردها، والمآثر جمع مأثرة: وهي ما يُؤثر، ويُتحدث به من الأفعال الكريم، وقوله: وصبره نفسه، أي: وحبسه إياها على شدة الحرب ومكروهها، وتستعر: تتقد، وأولى لهم كلمة تهدد ووعيد، ومعناه: وليهم الشر، ونواقر بالنون، أي: قواف مقرطسات، يقال: سهام نواقر، أي: لا تخطئ القرطاس، قاله صعوداء، ورواه الأعلم: بواقر بالموحدة قال: والبواقر: المصائب والدواهي، وأصله من بقرت بطنه، كما أن الفاقرة من فقرت ظهره، أراد بها الهجاء. وقوله: لا تبقي، أي: لا تبقي من أعراضهم بقية. انتهى. وترجمت زهير تقدمت في الإنشاد الخمسين.

стр. 1802

(لَيْسَ) أنشد فيه، وهو الإنشاد الخامس والثمانون بعد الأربعمائة: (٤٨٥) له نافلات ما يُغيب نوالُها ... وليس عطاءُ اليوم مانعه غدَا على أن "ليس" في البيت لنفي المستقبل. والبيت من قصيدة للأعشى ميمون مدح النبي صل الله عليه وسلم، ولم يوفق للإيمان، وتقدم بيانه مع شرح أبيات من أولها في الإنشاد الخامس والخمسين بعد الثلاثمائة، وهذه أبيات قبله: فإنْ تسألي عني فيا ربّ سائلٍ ... حفيٍ عنِ الأعشى به حيثُ أصعدا ألا أيها السّائلي: أينَ أصعدت، ... فإنّ لها في أهلِ يثربَ موعدا فأمّا إذا ما أدلجتْ، فترى لها ... رقيبينِ جديًا لا يغيبُ وفرقدا وفيها إذا ما هجرتْ عجرفيَّةٌ ... إذا خِلْتَ حِرْبَاءَ الظّهِيرَةِ أصْيَدَا وأذرت برجليها النفي وراجعتْ ... يَدَاهَا خِنَافًا لَيّنًا غَيرَ أحْرَدَا فمالك عندي مشتكى مِنْ كَلالَةٍ ... ولا منْ حفىً حتى تُلاقي محمّدا نبيًا يرى ما لاترونَ، وقولهُ ... أغَارَ، لَعَمْرِي، في البِلادِ وَأنجَدَا مَتى مَا تُنَاخي عندَ بابِ ابنِ هاشِمٍ ... تراحي وتلقي منْ فواضلهِ ندا لهُ صدقاتٌ ما تغبّ ... البيت قوله: فإن تسألي عني ... الخ، يخاطب امرأة يقول لها: إن تسألي عني، فلا عجب، فإن السائلين عني كثير، وحيث ظرف متعلق بسائل، وفاعل أصعد: ضمير الأعشى، والحفي: المبالغ في السؤال، وعن: متعلقة بسائل، والباء: متعلقة بحفي، وإصعاده: إتيانه مكة، لأن مكة تهامية وهي أعلا نجد، وفاعل أصعدت ضمير الناقة المعلومة من قوله: وإتعابي العيس، في بيت قبله، ويثرب: المدينة المنورة،

стр. 1803

والموعد: الوعد، كأن ناقته وعدت أهل المدينة في ذهابها إليهم، والإدلاج بسكون الدال: سير جميع الليل، أخبر أنها تسير بالفرقدين والجدي لا دليل لها غيرهما، وفي "القاموس": الفرقد النجم الذي يهتدي به، وهما فرقدان، وجاء في الشعر مثنى وموحدًا، وهجّرت: سارت في الهاجرة، وفيها تضعف الإبل وتخور، والعجرفية: النشاط، يقول: لها نشاط في السير في هذا الوقت المضعف، فكيف يكون نشاطها في غيره، وإذا: ظرف متعلق بعجرفية، وخلت: ظننت، والحرباء بالمد: دويبة تستقبل الشمس، وتدور معها كيفما دارت إلى أن تغرب، وتتلون ألوانًا، والأصيد: البعير يكون به الصاد، وهو قروح من المنخرين لا يكاد يضع منها رأسه، والنفي: الحصا الذي ينفي ويتطاير من شدة وطء أخفاقها، وأذرت: فرّقت، والخناق بكسر الخاء بعدها نون: سرعة قلبها يديها إلى وحشيها: والحرد، بفتح الحاء والراء المهملتين: داء في قوائم الإبل وفي اليدين، أو يبس عصب إحداها من العقال، فيخبط بيديه إذا مشى. وقال السهيلي: خنفت الدابة تخنف بيديها في السير: إذا مالت بها نشاطًا، وناقة خنوف. وقوله: لينًا غير أحرد، أي تفعل ذلك من غير حرد في يديها، أي: اعوجاج، انتهى كلامه. وقوله: فمالك عندي ... الخ، هذا التفات من الإخبار عن ناقته إلى خطابها، ومشتكى: مصدر ميمي من الإشتكاء، وهو على حذف مضاف، والتقدير: فما لك عندي سماع شكاية، والكلالة مصدر كل بمعنى أعيا، والحفى: مصدر حفيت: رجله من باب فرح: إذا رقت من كثرة المشي، وروي: فآليت لا آوي: أي لا أرق لها من أويت للضعيف أية: إذا رقت له كبدك، وروي أيضًا: لا أرثي لها من رثيت له، إذا رحمته، ورققت له، وآليت: حلفت، وهذه رواية أبي على في "إيضاح الشعر"، وقال: يجوز أن تكون التاء في تلاقي في فعل الغيبة، وفي الفعل ضمير الغائبة، كما تقول: هند تلاقي زيدًا، واسكن الياء ضرورة، ويجوز أن تكون التاء لاحقة فعل المخاطب بعد الغيبة، كقوله

стр. 1804

تعالى: (إياك نعبد) الفاتحة: ٥] بعد الغيبة، وتكون الياء ضميرًا، والنون محذوفة، ويجوز أن تكون الياء للمخاطب، والمعنى حتى ألاقي، إلا أنه نزل نفسه منزلة المخاطب، كقوله: وهل تطيق وداعًا أيها الرجلُ انتهى كلامه. وقوله: نبيًا يرى، بدل من محمد، وروي بالرفع على أنه خبر مبتدأ، أي: هو نبي، وروي: وذكره أغار، أي: صار إلى الغور، يقال: غار يغور غورًا، وإنما قال أغار ليزدوج مع قوله أنجد، أي: صار إلى نجد، كما قالوا: مأزورات غير مأجورات، وإنما هو موزورات من الوزر، وقال العسكري في كتاب "التصحيف": الخلاف في غار، وهو مذهب البصريين، وأغار وهو مذهب البغداديين، وسمعت أبا بكر بن دريد يقول من رواه أغار، فقد أخطأ، وأخبرني أبي عسل بن ذكوان عن الرياشي عن الأصمعي: "وذكره لعمرك غار" قال: ويروى: " وذكره غار لعمري" فإذا كان كذا، فإنه خرم في النصف الثاني وهو صالح، كما قال: والموت يجشمه من جشم ... . . . . انتهى. وقال ابن السير في شرح أبيات "إصلاح المنطق" وقد روي: وذكره لعمري غار في البلاد. فمن روى هذا أراد: أتى الغور، وأنجد: أتى نجدًا، وقد رد قوم قول من قال: أغار بمعنى غار إذا أتى الغور، وزعموا أن معنى أغار: أسرع، قالوا: والدليل على صحة ذلك أن النبي صل الله عليه وسلم كان بمكة في ذلك الوقت وهي من الغور، ولم يرد الشاعر الغور ولا نجدًا، ولكنه أراد أسرع ذكره في البلاد، والإنجاد: الارتفاع يعني ارتفاع الذكر ههنا هذا كلامه، وصوابه:

стр. 1805

كان في المدينة في ذلك الوقت كما حققناه في شرح أولها، وقوله: ما تناخي يأتي إن شاء الله في بحث "ما" الزائدة، وقوله: له صدقات ما تغيب الخ. أي: ما تنقطع من أغبهم: إذا جاءهم يومًا، وتركهم يومًا. قال السهيلي في "الروض الأنف": قوله: وليس عطاء اليوم مانعه غدًا، معناه على رفع العطاء ونصب مانع، أي: ليس العطاء الذي يعطيه اليوم مانعًا له غدًا من أن يعطيه، فالهاء عائدة على الممدوح، ولو كانت عائدة على العطاء، لقال: وليس عطاء اليوم مانعه هو، بإبراز الضمير الفاعل، لأن الصفة إذا جرت على غير من هي له، برز الضمير المستتر بخلاف الفعل، ولو نصب العطاء لجاز على إضمار الفعل المتروك إظهاره، لأنه من باب اشتغال الفعل عن المفعول بضميره، ويكون اسم ليس على هذا مضمرًا فيه عائدًا على النبي صل الله عليه وسلم. انتهى، وقد اخذ معنى هذا البيت الأحوص، فقال في قصيدة مدح بها يزيد بن عبد الملك: وليس عطاء كان في اليوم مانِعي ... إذا عدت من إعطاء أضعافه غدا وأخذه الفرزدق أيضًا فقال: وأنت امرؤ لا نائل اليوم مانعٌ ... من المال شيئًا في غدٍ أنت واهبهْ وقد تكلم عليه أبو علي في كتاب "إيضاح الشعر" فلا باس بنقله لفوائده، قال: تقديره فيمن رفع "النائل": وأنت امرؤ لا نائل اليوم شيئًا من المال تمنعه في غد، فالهاء في "مانعه" مراده كما تراد فيمن رفع في قول الشاعر: وما كل مَنْ وافى منى أنا عارفُ

стр. 1806

وفصل بقوله: مانع بين نائل ومعموله الذي هو شيئًا من المال وهو أجنبي منه وفصل أيضًا بين مانع، وبين قوله: في غد بما هو أجنبي منها، والمعنى أنت امرؤٌ لا تنال اليوم شيئًا من المال، وتمنعه غدًا، أي: لا تدخر ولا تخزن، ولكن تجود به وتهبه، فقوله: أنت تأكيد لما في مانع، وجعلت واهبة بدلًا مما في مانع، لأنه هو هو كما أبدلت قوله سبحانه: (إن ربي يقذفُ بالحق علّام الغيوب) [سبأ: ٤٨]، فيمن رفع من الذكر المرفوع في (يقذف) وإن شئت جعلت النائل اسم العطاء، كما قال: له صدقاتٌ ما تغبُّ ونائلٌ فتنصب النائل بمانع، كأنه لا مانع نائل اليوم من المال شيئًا فيكون انتصاب شيء على أحد أمرين، إما أن يكون وضعه موضع المصدر، أو قدّر فيه الباء وحذفها، وفي غد: متعلق بمانع، كأنه: لا يمنع ما تناله اليوم في غد، أي: تجود بما تنال اليوم في غد، وانت واهبه: ابتداء وخبر، وإن جعلت أنت تأكيدًا لما في مانع على المعنى، أضمرت مبتدأ، وإن شئت أبدلت اسم الفاعل من الذكر كما تقدم. انتهى كلامه وأنشد فيه، وهو الإنشاد السادس والثمانون بعد الأربعمائة: (٤٨٦) ألا ليس إلا ما قضى الله كائن ... وما يستطيع المرء نفعًا ولا ضرًا على أن في "ليس" ضمير الشأن، وما مبتدأ موصول، وقضى الله صلته، والعائد محذوف، أي: قضاه الله، وكائن: خبر المبتدأ، والجملة في موضع خبر ليس على بسيل التفريغ، وهذا البحث ملخص من "شرح التسهيل" لأبي حيان، وهذا البيت والمصراع الذي بعده فيه، ولم أقف على قائله، والله أعلم.

стр. 1807

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثمانون بعد الأربعمائة: (٤٨٧) وما اغتره الشيب إلا اغترارا وقال ابن السيد في شرح أبيات الجمل: صدره: أحل به الشيب أثقالهُ قال: والبيت من قصيدة لأعشى ميمون البكري، وكذا نسبة السمين وغيره. وأحل: أنزل، والأثقال جمع ثقل بفتحتين، وهو متاع المسافر. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثمانون بعد الأربعمائة: (٤٨٨) هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها ... وليس منها شفاء النفس مبذولُ على أن اسم "ليس" ضمير الشأن، والجملة بعدها خبرها ومنها: متعلق بمبذول. وأورده سيبويه في باب الإضمار في ليس من أوائل كتابه قال: الإضمار فيها كالإضمار في "إن" إذا قلت: إنه من يأتنا نأته، ومن ذلك قول العرب: "ليس خلق الله مِثلَه" .. إلى أن قال بعد أبيات، وقال هشام أخو زي الرمية: هي الشفاء لدائي. البيت. ثم أورده بعده قولهم: " ليس الطيب إلا المسك" وتكلم عليه.

стр. 1808

قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه جعل في "ليس" ضمير الأمر والشأن، والجملة التي بعد ليس في موضع خبرها، وفي "مبذول" ضمير يرجع إلى المبتدأ ويجوز أن تجعل ليس بمنزلة ما لا يعمل شيئًا وهي لغة بعض العرب والباء متعلقة بظفرت، ومن مبذول، ويجوز في "لو" أن تكون للشرط، والجواب محذوف، والتقدير: اشتفيت، فأغنى ما تقدّم عن ذكره، ويجوز أن تكون للشرط، والجواب محذوف، والتقدير: اشتفيت، فأغنى ما تقدّم عن ذكره، ويجوز أن تكون للمني، كأنه قال: يا ليتني ظفرت بها أو برؤيتها والاجتماع معها ليست تبذل لي شيئًا أشتفي به من نظرة أو سلام، وإنما يعني أنه قد انقطع طمعه منها. انتهى. وهذا كله مأخوذ من كلام ابن السيد في شرح أبيات الجمل. قال وبعد هذا البيت: تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمتْ ... كأنه منهل بالراح معلولُ ومعنى تجلو: تكشف وتظهر، والعوارض: الضواحك، والظلم: الماء الجاري على الأسنلن، والمنه: الذي يسقى سقية أولى، والعلول: الذي يسقى سقية ثانية، والراح: الحمر. ويروى هذا البيت لكعب بن زهير، ويروى لهشام. انتهى كلام ابن السيد، وكذا قال ابن هشام اللخمي في"شرح أبيات الجمل" أيضًا، وقال: والعرب تصف النساء بالبخل والتمنع، وهو لهن مدح، كما أن وصفهن بالكرم، وترك التمنع ذم. وهشام أخو ذو الرمة: هشام بن عقب، وله أربعة إخوة: ذو الرمة واسمه غيلات وأوفى، وذكرهما في رثاثه، فقال: تعزيت عن أوفى بغيلان بعدهُ ... عزاء وجفن العين بالماء مترعُ ومسعود وحرباس، وحكى ابن سلام أنهم ثلاثة، ولم يذكر حرباسًا معهم. انتهى.

стр. 1809

وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثمانون بعد الأربعمائة: (٤٨٩) أين المفر والإله الطالبُ ... والأشرم المغلوب ليس الغالبُ على أن" ليس" خبرها ضمير مستر فيها تقديره ليسه الغالب، خلافًا للكويين في زعمهم أنها عاطفة بمعنى لا. والأشم في اللغة: المشقوق الأنف، وهو لقب أبرهة ملك الحبش، والسبب في هذا الشعر ما حكاه ابن شام في" السيرة" قال: فلما أسبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله، وعبى جيشه، وكان اسم الفيل محمودًا، وأبرهة مجمع لهدم البيت الشريف، فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأذنه، فقال: ابرك حمودًا، وارجع راشدًا من حيث أتيت، فإنك في بلد الله الحرا، ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل، وخرج نفيل يشتد حنى أصعد في الجبل، ضربوا الفيل ليقوم فأني، فضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم، فأني، فأدخوا محاجن لهم في مراقه، فنزعوه بها ليقوم، فأبي فوجهوه راجعًا إلى اليمن، فقام يهروك، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففع مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، وأرسل الله إليهم طيرًا من البحر أمثال الحطاطيف مع كل طائر ثلاثة أحجار: حجر في منقاره، وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس لا تصيب منهم أحدًا إلًا هلك، وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا يسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل حين رأيى ماأنزل الله بهم من نقمته: أبن المفر والإله الطالبُ ... والأشوم المغلوب ليس الغالبُ انتهى المقصود منه، ونفي بن حبيب خثعمى، فلما كان أبرهة في مسيره إلى مكة، ونزل بأرض خثعم، عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي مع من تبعه من العرب فقاتله، فهزمه أبرهة، وأخذ نفيل أسيرًا، فلما هم قتله، قال له نفيل: أيها الملك لا تقتلني، فإني دللك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيلي خثعم بالسمع والطاعة فخلى سبيله، وخرج معه يدله. كذا في سير ابن هشام.

стр. 1810

(حرف الميم) " ما " أنشد فيه، وهو الإنشاد التسعون بعد الأربعمائة: (٤٩٠) لمَا نافعٍ يسْعَى اللبّيبُ فَلا تَكُنْ ... لِشَيءٍ بًعِيد نَفْعُهُ الدّهْر سَاعِيًا على أن "ما" نكرة موصوفة بنافع بمعنى شيء، وبعيد بالجر صفة جرت على غير من هي له، ونفعه فاعل بعيد، والدهر: ظرف لما بعده. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والتسعون بعد الأربعمائة: (٤٩١) رُبّما تَكْرهُ النفُوسُ من الأمْر ... لهُ فرجةٌ كحلّ العقالِ على أن "ما" يه أيضًا نكرة موصوفة، وقد أورده سيبويه في كتابه مرتين لذلك ال: رب لا يكون بعدها إلا نكرة، قال الأعلم: استشهد به على أن ما نكرة بتأويل شيء، ولذلك دخلت عليها رُبّ، لأنها لا تعمل إلا في نكرة، ولا تكون "ما" نا كافة، لأن في" تكره" ضميرًا عائدًا عليها ولا يضمر إلا الاسم، وكذلك الضمير في له عائد عليها، والمعنى: ربّ شيء تكرهه النفوس من الأمور الحادثة الشديدة وله فرجة تعقب الضيق والشدة كحل عقال المقيد. والرجة، بالفتح في الأمر، وبالضم في الحائط ونحوه. انتهى. ومثله في"إيضاح الشعر" لأبي على قال فيه: "ما" اسم منكور يدل على ذلك على ذلك دخول رب عليه، ولا يجوز أن تكون كافة كالتي في قوله تعالى: (ربما يود الذين كفروا) [الحجر/٢] لأن الذكر

стр. 1811

قد عاد إليها من قوله: له فرجة فلا يجوز مع رجوع الذكر أن تكون حرفًا، فالهاء في قولهط تكره" مرادة، والتقدير: تكرهه النفوس، وفرجة: مرتفعة بالظرف، وموضع الجملة جر. انتهى. وبقى كلام فيه فوائد شى أوردناه في الشاهد السابع والثلاثين بعد الأربعمائة من شواهد الرضى. والبيت من قصيدة طويلة لأمية بن أبي الصلت ذكر فيها قصص الأنبياء وذكر فيها قصة إبراهيم وإسحاق ﵉، وزعم أنه هو الذبيح، وهو قول مشهور للعلماء، وهذه أبيات منها إلى البيت الشاهد: قال يا أبي إني نذرتك للهِ ... شحيطًا فاصبر فدى لك خالي فأجاب الغلام أن قال فيهِ ... كل شيء لله غير التحالِ أبي إني جزيتك باللهِ ... تقيًا به على كل حالِ فاقض ما قد نذرت لله واكففْ ... عن دمي أن يمسه سربالي واشدد الصفد أن أحيدَ ... من السكين حيد الأسير ذي الأغلالِ إنني آلم المح وإني ... لا أمس الأذقان ذات السبالِ وله مدية نجيل في اللحم ... هذام جلية كالهلالِ بينما يخلع السرابيل ابنك إني ... للذي قد فعلتما غير قاليِ والد يتقي وآخر مولود ... فطار منه بسمع معالِ ربما تكره النفوس من الأمرِ ... له فرجة كحل العقالِ قال جامع ديوانه: جزيتك بالله: أطعتك بالله لما تقدم لك عندي. انتهى. والصفد: الحبل الذي يربط به، وقوله: أن أحيد، أي: خشية أن أحيد مضارع حاد عنه، أي مال عنه، وقوله: لا أمس الأذقان قال: إن كان ذبحتي

стр. 1812

لم أمسس ذقن إني لا أجزع، ولا أمنعك. انتهى. وذقن الإنسان مجمع لحيه، وأصل في الجمل يحمل الثقيل، فلا يقدر على النهوض، فيعتمد بذقته على الأرض، والبال: جمع سبة، وقوله: وله مدية الخ. قال: المدية السكين، تخيل: تمضي فيه من الخيلاء، والهدام: القاطعة السريعة، وجلية. انتهي. وجلاب بضم الجيم بمعنى جليل، وقال: السمع بالكسر: الذكر: الذكر، يقال: إن له لسمعًا حسنًا، أي: للذكرًا، والمعال: الشريف المرتفع، أي صار لهما شرفًا يذكرون به. انتهى. وترجمة أمية بن أبي الصلت تقدمت في الأنشاد الواحد بعد الأربعمائة. ووجدت البيت الشاهد في شعر لحنيف بن عمير اليشكري قاله لما قتل حكم بن الطفيل يوم اليمامة وهو: يا سعاد الفؤاد بنت أثالِ ... طال ليلي بفتنه الرحالِ إنها ياسعاد من حدث الدهرِ ... عليكم كفتنه الدجالِ إن دين الرسول ديني وفي القومِ ... رجال على الهدى أمثاليِ أهلك القوم محكم بن طفيل ... ورجال ليسوا لنا برجالِ ربما تجزع النفوس من الأمر ... وحنيف بالتصغير، قال ابن حجر: هو مخضرم ذكره المزباني، وروى. له هذه الأبيات عمر بن شبة، ووجد أيضًا في أبيات لأعرابي وهي: ياقليل العزاء في الأهوالِ ... وكثير الهموم والأوجالِ اصبر النفس عند كل ملمِ ... إن في الصبر حيلة المحتالِ لا تضيقن بالأمر فقد ... يكشف ماؤها بغير احتيالِ ربما تكره النفوس من الأمر .. البيت. قال الصاغاني في" العباب": قال الأصمعي: سمعت أبا عمرو بن العلاء وكان قد هرب من الحجاج إلى اليمن يقول: كنت مختفيًا لا أخرج بالنهار، فطال على

стр. 1813

ذلك، فيينا أنا اعد وقت السحر مفكرًا سمعت رجلًا ينشد وهو مارُ: رما تكره النفوس من الأمر .. البيت. ومر خلفه رجل يقول: مات الحاج، قال أبو عمرو: فما أدري بأيهما كنت أفرح، أبموت الحجا، أم بقوله: رجة، بفتح الفاء، وكنا نقوله بضمها! انتهى. وروى السيد المرتضى ﵀ عليه في"أماليه" عن الصولي أن منشدًا أنش إبراهيم بن العباس وهو في مجلسه في ديوان الضياع: ربما تكره النفوس من الأمر ... البيت. قال: فنكت بقلمه ساعة، ثم قال: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعًا وعند الله منها المخرجُ كملت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكان يظنها لا تفرجُ فعجب من جودة ديهته. انتهى. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والتسعون بعد الأربعمائة: (٤٩٢) فتلك ولاةُ السوء قد طال مكثها ... فحتام حتام العناء المولُ على أن" ما" الاستفهامية يحذف ألفها إذا جرت بحرف جر بدليل التمثيل، قال الليلي في " شرح أدب الكاتب": أن كان الجار اسمًا متمكنًا لم يفعلوا ذلك، وقول العرب: محبيء م جئت ومثل م أنت، شاذ، وإنما جاء مع بعد وعند، لأنهما غير متمكنين، فألحقا بحروف الجر. انتهى.

стр. 1814

وقول المصنف يجب مسول "ما" نقله أبو حيان في "تذكرته" من كتاب "الترشيح" لخطاب بن يوسف المادري قال فيه: والمعروفة في اللغة أن تحذف ألف ما الاستفهامية مع حروف الجر، ومن العرب من يثبنها، فيقولك عن ما تسأل، وفيما ترغب، وذلك قليل قبيح. انتهى. وخالف الرضى في "شرح الكافية" فقال: وقد تحذف ألف ما الاستفهامية في الألعب عند انخرارها بحرف جر أو مضاف، وقال أيضًا في باب الوقف من "شرح الشافية": وبعض العرب ى يحذف الألف من ما الاستفهامية المجرورة، وهو في هذا تابع للفراء قال عند قوله تعالى) فناظرة بم يرجع المرسلين) [النمل/٣٥] إذا كانت "ما" في موضع أي، ثم وصلت بحرف خافض، نصت الألف من ما يعرف الاستفهام من الخبر، وأن أتممتها فصواب أنشدني المفضل: أنا قتلنا بقتلانا سراتكم ... البيت وأنشدني المفضل أيضًا: على ما قام يشتمنا لئيم ... البيت. انتهي. وقال الفراء عند قوله تعالى أيضًا: (بما غفر لي ربي) [يس/٢٧] ولو جعلت ما في معنى أي: كان صوابًا، ولو كان كذلك، لجاز فيه (بم غفرلي ربي) بنقصان الألف، وقد أتمها الشاعر وهي استفهام فقال: أنا قتلتل بفتلاتا سراتكم ... البيت. انتهى. وقد تبعه ابن الشجري أيضًا قال في المجلس الثامن والستين من" أماليه": فإن أدخلت عليها حرف خفض، لزمك في الأغلب حذف ألفها في اللفظ والخط,

стр. 1815

ومن العرب من يثبت الألف، قال حسان: علاما قام يشتمي لشيمِ ... كخنزير تمرغ في دمانِ والدمان: السرجين، وقال آخر: إنا قتلنا بقتلانا سراتكمُ ... البيت. وقال آخر: فتلك ولا هى السوء قد طال عهدهاُ ... البيت. انتهى. وأما حذف ألفها من غير جار، فنادر، قال صاحب" الترشيح": وقد يحذفها قوم، يعني ألف ما الاستفهامية في الوصل، فيقولون: م صنعت؟ و: م قلت؟ فأن لم تصلها بشيء بعدها، وقفت بالهاء، فقلت مه، قال: ألام يقول النائحات ألامهْ ... ألا تندبا أهل الندى والكرامهْ انتهى. وقول المصنف: وعلة حذف الألف الفرق بين الاستفهام والخبر يستثنى من ما الخبرية ما إذا كانت مع شئت قال ابن قتيبة في "أدب الكتاب" تقول: ادع بم شئت، وسل عم شئت، وخذه بم شئت، وكن فيم شئت، إذا أردت معنى سل عن أي شيء شئت، نقصت الألف، وإن أردت: سل عن الذي أحببت، أتممت الألف إى مع شئت خاصة، فإن العرب تنقص الألف منها خاصة، تقول: ادع بم شئت في المعنيين جميعًا. انتهى، وكذا قال صاحب "الترشيح" قال: فأن كانت بمعنى الذي، أثبت الألف، وحكى أبو زيد أن من العرب من يقول: سل عم شئت، كأنهم حذفوا لكثرة الاستعمال، وهذا شاذ يحفظ كما وقع، ولا يصرف من لفظه غير ما سمع، لوقت: سل عما تشاء لم يجز، لأن لك أنما سمه مع شئت. انتهى. قوله: فتلك ولاة السوء: مبتدأ، وخبره جملة "قد طال مكثها" إما خبر آخر،

стр. 1816

وإما حال من الولاة، والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل، والأجود أن يكون ولاة الوء بدلا من اسم الإشارة، وجملة" قد طال مكثها" الخبر، لأنه محط الفائدة، والولاة: جمع وال وهو الذي يتولى أمور الناس، ويحكم بينهم من الخلفاء والعلماء والقضاة، وقوله: فحتام ... إلخ الجار والمجرور خبر مقدم، والعناء مبتدأ مؤخر، ووجب تقديم الخبر هنا، لأن الاستفهام له الصدر، وكرر توكيدًا وروي: قد طال عهدها، أي: زمنها. وفي "المصباح": وعني يعني من باب تعب: إذا أصابه مشقة، ويعدى بالتضعيف، فيقال: عناه تعنية: إذا كلفه ما يشق عليه، والاسم العناء بالمد. انتهى. وقال العيني: العناء مبتدأ خبره محذوف تقديره منهم أو بين الناس، ونحو ذلك. انتهى، ونقله السيوطي وأقره، ولا يخفى أن قولخ: " فحتام" يبقى ضائعًا غير مرتبط بشيء، هذه والبين من قصيدة طويلة من القسائد السبع الهامشيات للكميت بن زيد الأسدي، حدث محمد بن سهل قال: دخلت مع الكميت على أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق في أيام التشريق، فقال له: جعلت فداك ألا أنشدك؟ قال: إفيكم، قال: هات فأنشده: ألا هل عم في رأيه متأملٍ ... وهل مدبر بعد الإساءه مقبلُ وهل أمة مستيقظون لدينهمِ ... فيكشف عنه النعسة المتزملُ فقد طال هذا النوم واستخرج لبكرِى ... مساويهم لو أن ذا الميل يعدلُ وعطلت الأحكام حتى كأننا ... على ملة غير التي نتنحلُ كلام النبيين الهداه كلامنا ... وأفعال أهل الجاهلية نفعلُ رضينا بدنيا لا نريد فراقها ... على أننا فيها نموت ونقتلُ ونحن بها مستمسكون كأنها ... لنا جنة مما نخاف ومعقلُ

стр. 1817

فكثر البكاء، وارتفعت الأصوات، فلما مر على قوله في الحسين رضى الله عنه: كأن حسينا والبهاليل حوله ... لأسيافهم ما يختلي المتقبلُ وغاب نبي الله عنه وفقده ... على الناس رزء ما هناك مجللُ فلم أر مخذولا أجل مصيبة ... وأوجب منه نصرة حين يخذلُ يصيب به الرامون عن قوس غيرهم ... فيا آخرأ أسرى له الغي أولُ فتلك ولاة السوءقد طال عهدها ... فحتام حتام العناء المطولُ فرفع أبو عبداله يديه، وقال: اللهم اغفر للكميت ما قدم وما أخر، وما أسر وما أعلن، وأعطه حتى يرضى. انتهى. وقد تقدمت ترجمة الكميت في الإنشاد السابع من أوائل الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والتسعون بعد الأربعمائة: (٤٩٣) يا أبا الأسود لم خلفتنى ... لهوم طارقات وذكرْ على أن تسكين الميم مخصوص بالشعر، أقول: لم يذكر هذا ابن عصفور في" الرائد الشعرية" بل رح ابن الشجري بأن تسكين الميم لغة قال: ومن العرب من يقول: لم فعلت بإسكان الميم، قال ابن مقبل: أأخطل لم ذكرت نسا قيسٍ ... فما روعن منك ولا سبينا وقال آخر: ياأبا الأسود لم خلفتنى ... البيت. وأنشد الفراء أيضًا هذا البيت، ولم يقل: إنه ضرورة، وخلفتني معناه: أخرتني، وروي بدله" خليني"، أي: تركتني، والطروق: الإتيان ليلًا، وإنما جعل الهموم طارلت، لأن الليل وقت اجتماع الأخران والمصائب، وذكر بكسر

стр. 1818

ففتح: جمع ذكرى على خلاف القياس، وقيل: جمع ذكرة على القياس، يقال: ذكرته بلساني وبقلبي ذكرى. والبيت مع كثرة تداوله في كتب الصرف والنحو لم يعرف قائله، والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والتسعون بعد الأربعمائة: (٤٩٤) على ما قامَ يشتمُني لئيمٌ ... كخنزيرٍ تمرَّغ في دَمانِ على أن ثبوت ألف "ما" الاستفهامية المجرورة لضرورة الشعر، وقول المصنف: والدمان كالرماد وزنًا ومعنى، إلى آخر تفسيره، ورده إنما يصح بعد الثبوت، وإنما الرواية "في رماد" فإنّ رويّ الشعر دال، وإنما الرواة قد حرفوه، وتبعهم أبو علي في "الحجة" وابن جني في "المحتسب" وغيرهما، ورواه صاحب "اللباب" وشارحه القالي "في الدهان" بالهاء بعد الدال، ورواه المرادي في شرح الألفية "في تراب"، ورواه بعضهم "في رمال" وهذا كله خلاف الصّواب، ورواه السكري في ديوان حسان: ففيم تقولُ يشتمني لئيمٌ عليه لا شاهد فيه و"على" تعليلة، وقال ابن بري وابن يسعون في شرح أبيات "إيضاح الفارسي": زعم أبو الفتح أن قام هنا حشو زائد، وليس كذلك، لأنها تقتضي النهوض بالشمّ والتشمير فيه كما قال: لدى باب هندٍ إذ تجرّد قائمًا فليس هناك تجرد ولا قيام، ولكنّه يريد الجدّ والتشمير. وقال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": فأمّا قول حسان: على ما قامَ يشتمني ... البيت.

стр. 1819

وقول الآخر: فإنْ كُنتَ سيِّدَنَا سُدْتَنَا ... وإنْ كنتَ للخالِ فاذهبْ فخَل فزعم أبو الفتح أن قام في البيت الأول، و"فاذهب" في البيت الثاني زائدتان، لأن المعنى: وإن كنت الخال فخل، وعلى م يشتمني، وأنهما زيدتا توكيدًا للكلام، وتمكينًا له، والصحيح أنهما غير زائدتين، لأنه لا موجب لزيادتهما، بل "قام" في بيت حسان ليست ضد فعل، بل معنى ثبت من قوله تعالى: (إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) [آل عمران/ ٧٥]، وكأنه قال: ما ثبت يشتمني لئيم، وكذلك: اذهب، له معنى لا يفهم إلا منه، ألا ترى أنَّ المعنى: إن سرتَ فينا سيرَ السادة المرضية، سُدتَنَا، وإن كنت تبغي الخال، فاذهب فاطلب لذلك قابلًا، وبه راضيًا، فإننا لا نقبل ذلك ولا نرضاه، ولو جعلت زائدة لا معنى لها، لكان الكلام يعطي ظاهره الرضى بالخال على الإدلال وهو خلاف مراد الشاعر. انتهى كلامه. وقوله: كخنزير تفريض بكفره أو قبح منظره، لأنه مسخ مشوه أكَّال للقذر. وقوله: تمرغ في رماد، تتميم لذّمِّه، والتغالي في هجوه، وإخساس لشأنه، واستهانة لأمره. انتهى كلامهما، والخنزير يدلُكُ نفسه بالشجر، ثم ليأتي للطين والحمأة، فيتلطخ بهما، وكلما يتساقط منه شيء عاد فيهما، فيكون في أقبح منظر. قال الجاحظ في كتاب "الحيوان": العين تكره الخنزير جملة دون سائر المسوخ، لأن القرد وإن كان مسيخًا، فهو مستملح، والفيل عجيب ظريف بهي وإن كان سمجًا قبيحًا. انتهى. والبيت من أبيات قالها حسان ﵁ في هجو بني عابد - بموحدة بعدها دال مهملة - ابن عبد الله بن عمير بن مخزوم، قال البلاذري: لم يكن لهم

стр. 1820

هجرة ولا سابقة قال: وقال الأثرم عن أبي حبيرة: قال حسان هذا الشعر في رفيع ابن صيفي بن عابد، وقتل رفيع يوم بدر كافرًا، والأبيات هذه: إنْ تصلُحْ فإنَّكَ عابديٌ ... وصُلْحُ العابديِّ إلى فسادِ وإنْ تفسُدْ فمَا أُلفيتَ إلاَّ ... بعيدًا ما عَلِمْتُ من السَّدادِ وتلقاهُ على ما كان فيهِ ... من الهفواتِ أو نُوكِ الفؤادِ مبينَ الغيِّ لا يعيي عليهِ ... ويعيي بعدُ عنْ سُبُلِ الرشادِ ففيم تقولُ يشتمني لئيمٌ ... كخنزيرٍ تمرَّغَ في رمادِ فأشهَدُ أن أمَّكض مِ البغايَا ... وأنَّ أباكَ من شرِّ العبادِ فلنْ أنفَكَّ أهْجُو عابديَّا ... طوالَ الدهرِ ما نادَى المنادِي وقد سارتْ قوافٍ باقياتٌ تناشدها الرُّواةُ بكلِّ وادٍ فقبحَ عابدٌ وبني أبيهِ فإنَّ معادَهُمْ شرُّ المعادِ وقوله: "إن تصلح" فيه خرم، ورواه بعضهم: "وإن تصلح" فلا خرم. والسداد بالفتح: الرشد والاستقامة، والهفوات: السقطات، والنوك بالضم: الحمق، وهو نقص في العقل، وأراد به البلادة، وعدم الاهتداء للمقصود، ولهذا أضافه إلى الفؤاد، وقوله: مُبينَ الغيِّ بالنصب: حال من مفعول تلقاه، وقوله: م البغايا أصله: من البغايا، وهو لغة في "من"، والبغي: المرأة الفاجرة، وطوال الدهر بالفتح: طول الدهر، وقوله: فقبح بالبناء للمفعول على الدعاء، وبني أبيه: مفعول معه. وتجرمة حسان تقدمت في الإنشاد التاسع والتسعين.

стр. 1821

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والتسعون بعد الأربعمائة: أنَّا قَتَلنَا بِقَتَلانَا سَرَاتَكُمُ ... أهلَ اللواءِ ففِيمَأ يَكثُرُ القِيلُ لما تقدَّم قبله من ثبوت ألف ما الاستفهامية المجرورية لضرورة الشعر، وتقدَّم ما فيه. وقوله: أنّا قتلنا بفتح الهمزة لأنها مع معمولها في تأويل مصدر مفعول لأبلغ في بيت قبله كما سيأتي، وروي: أن قد قتلنا، فتكون أن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والباء للمقابلة، أي: قتلنا منكم نظير من قتلتم منّا، والقتلى: جمع قتيل، والسراة بفتح السين: اسم جمع بمعنى الأشراف، وتقدَّم تحقيقه في "أما" بالتخفيف، وأهل اللواء: بدل من سراتكم أو عطف بيان، قال ابن الأنباري في كتاب "المقصور والممدود": اللواء الذي يُعقد للموالي ممدود، قالت ليلى الأخيلية: حَتَّى إذَا برزَ اللواءُ رأيتَهُ ... تحتَ اللواءِ على الخمِيسِ زَعِيما وقال كعب بن مالك: أنّا قتلنَا بقتلانَا سرَاتَكُمُ ... البيت. وأهل اللواء: هم بنو عبد الدار من مشركي قريش كانوا أصحاب اللواء في وقعة بدر، وفي وقعة أحد، وكان عثمان بن أبي طلحة يوم أُحد حامل لواء المشركين، وهو يقول: إنَّ عَلى أهلِ اللِّوَاء حقّا ... أن يخضِبُوا الصَّعْدَةَ أَوْ تنْدقَّا فقتله حمزة ﵁، والتقى حنظلة بن أبي عامر الغسيل وأبو سُفيان، فلمّا استعلاه حنظلة رآه شداد بن الأسود وهو ابن شَعوب، وقد علا أبا سفيان، فضربه شداد، فقتله، فقال رسول الله ﷺ يعني حنظلة: "إنَّ صاحِبَكُم لتُغَسِّلُهُ الملائكةُ، فسلوا أهله ما شأنه؟ "، فسئلت امرأته عنه،

стр. 1822

فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة، ثمَّ أنزل الله نصره على المسلمين، فحسوهم بالسّيوف حتى كشفوهم عن العسكر، وهربت النساء مشمرات، ولم يزل اللواء صريعًا حتى أخذته عمرة الحارثية، فرفعته لقريش، فلاثوا به، وكان اللَّواء مع صُؤاب، غلام حبشي لبني أبي طلحة، وكان آخر من أخذه منهم، فقاتل به حتى قطعت يداه، ثم برك عليه، فأخذ اللواء بصدره وعنقه، حتى قتل عليه، وهو يقول: اللهمَّ هل أعذرت، فقال حسان في ذلك: فَخَرْتُمْ باللواءِ وشرُّ فَخْرٍ ... لِواءٌ حينَ رُدَّ إلى صُؤابِ جعلتُمْ فخرَكُمْ فيهِ لعبدٍ ... وألأمُ مَنْ يطَا عَفَرَ التُّرَابِ ولما مالت الرماة إلى العسكر، وخلا ظهور المسلمين للخيل، فجاء المشركون من خلفهم، وصرخ صارخ: إلا إنَّ محمدًا قد قُتل، فانكفؤوا على المسلمين بعد أن أصابوا أصحاب اللواء حتى ما يدنو أحد من القوم إليه، وانكشف المسلمون، فأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء وتمحيص أكرم الله فيه من أكرم بالشهادة، وهذا معنى قول كعب بن مالك ﵁: فَفِيمَا يكثُرُ القِيلُ يعني، إنّا نلنا منكم، ونلتم منّا، ففي أيّ شيء يكثر قولكم وفخركم؟ وقد تصحفت الكلمة الأخيرة من البيت بالقتل بالمثناة الفوقية، فقال في البيت كلام من جهة العروض، وذلك أنه من بحر البسيط من عروضه الأولى وضربها الثاني وهو المقطوع، كأنَّ أصله (فاعلن) حذفت نونه، وسكنت لامه، فصارت (فعلن) بإسكان العين، فقد ذهب منه زنة متحرك، وما ذهب ذلك منه وجب أن يكون مردفًا، أي: يؤتى قبل حرف الروي بحرف لين، وهذا البيت غير مردوف،

стр. 1823

ففيه مخالفة لما قرّره العروضيّون. انتهى كلامه. وتبعه جميع من بعده من الشراح كالشّمُنِّي وابن الملا الحلبي وابن وحيي الرّومي، والسيوطي لم يقل شيئًا، بل بيض له ومضى، والعجب منهم، فإنَّ هذا البيت في غالب كتب النحو، وهو مكتوب فيها "القيل" بالمثناة التحتية، وهو من قصيدة مشهورة في كتب السير كسيرة ابن هشام وسيرة الكلاعي وغيرهما، لكعب بن مالك الصحابي ﵁ أجاب بها ضرار ابن الخطاب، وعمرو بن العاص لما افتخرا بانكشاف المسلمين يوم أحد، وهذا مطلعها: أَبْلِغْ قُريشًا وخيرُ القولِ أصدَقُهُ ... والصِّدقٌ عندَ ذوِي الألباب مقبولُ أنْ قدْ قتلنَا بِقتْلانا سَرَاتَكُمُ ... أهلَ اللواءِ ففيما يكثُرُ القيلُ ويومَ بدرٍ لقناكم لنا مددٌ ... فيه مع النصرِ ميكالٌ وجبريلُ إن تقتلونا فدينُ الحقِّ فِطرتُنَا ... والقتلُ في الحقِّ عندَ اللهِ تفضِيلُ وإن تروا أمرنا في رأيِكم سَفَهًا ... فرأيُ مَنْ خالفَ الإسلامَ تضليلُ إنا بَنُو الحربِ نمرِيها ونَنْتُجُهَا ... وعِندَنَا لذّوي الأضغانِ تنكيلُ إن ينجُ منهَا ابنُ حَرِبٍ بعدما بَلَغَتْ ... مِنْهُ التَّرَاقي وَأَمْرُ اللهِ مفعُولُ فقدْ أفادتْ لَهُ حِلْمًا وموعِظَةً ... لمَنْ يكونُ لهُ لُبٌّ ومَعْقُولُ ولو هبطتُم بِبَطْنِ السيلِ كافحكمْ ... ضربٌ بشاكلةِ البطحاءِ ترْعيلُ تَلْقاكُمُ عَصَبٌ حولَ النبيِّ لهُمْ ... ممّا يُعِدُّونَ للهَيْجَا سَرَابيلُ مِنْ جِذْمِ غَسَّانَ مُستَرْخٍ حمائلهم ... لا جُبَنَاءُ ولا مِيْلٌ مَعَازِيلُ وبقي بعد هذا اثنا عشر بيتًا. وترجمة كعب بن مالك الأنصاري تقدَّمت في الإنشاد السابع والخمسين بعد المائة.

стр. 1824

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والتشعون بعد الأربعمائة: ألَا تَسْأَلَانِ المرءَ مَاذَا يُحَاوِلُ ... أنَحْبٌ فَيُقضَى أمْ ضَلَالٌ وَبَاطِلُ على أنَّ ما استفهامية مبتدأ، وذا، اسم موصول، خبره، ويحاول: صلته، وهذا مذهب سيبويه في البيت، قال في "الكتاب" أما إجراؤهم "ذا" بمنزلة الذي، فهو قولهم: ماذا رأيت؟ فيقول: متاع حسن، وقال لبيد: ألاّ تسألانيِ المَرْءَ ماذا يحاوِلُ ... البيت. قال الأعلم: التقدير ما الذي يحاول، فما: مبتدأ، وذا: خبره، ويحاول: صلة ذا، كأنه قال: أي شيء الذي يحاوله، بدليل قوله: أنحب، ولو كان ذا مع ما كشيء واحد، لكان ماذا منصوبًا بيحاول، وكان مفسره الذي هو نحب منصوبًا، لأنه استفهام مفسر للاستفهام الأول، فهو على إعرابه، ولوجب أن يقال: أنحبًا فيقضي أم ضلالًا وباطلًا. انتهى. وكذا مذهب أبي علي في "الحجة" قال عند قوله تعالى: (قُلِ الْعَفْوَ) [٢١٩] من سورة البقرة كأنه لما قال: ما الذي يحاوله أبدل بعدُ؛ فقال: أنحب، أي: الذي يحاوله نحب فيقضى، أم ضلال وباطل، فقوله: فيُقضى في موضع نصب على أنّه جواب الاستفهام، وليس بمعطوف على ما في الصلة، ولو كان كذلك لكان رفعًا، ومثله في "إيضاح الشعر" قال: كأنّه قال: ما الذي يحاوله، آلذي يحاوله نحب أم ضلال؟ ولو كان ذا مع "ما" في

стр. 1825

البيت اسمًا كان كما كان في قوله تعالى: (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا) [النحل/ ٣٠] لكان النحب نصبًا. انتهى. وقال ابن السيد في شرح "أبيات الجمل": من اعتقد في نحب البدل، فموضع "ما" رفع على كلّ حال، ومن اعتقد أن قوله: أنحب خبر مبتدأ مضمر كأنّه قال: أهو نحب، جاز أنت تكون "ما" مرفوعة المحل، وجاز أن تكون منصوبة الموضع. انتهى. أقول: من هذا أخذ الدماميني اعتراضه على المصنف، وشذ المحقق الرضي فجعل "ذا" زائدة، وقوله: ألا تسألان، خطاب لصاحبين له، وقيل: إنما هو خطاب واحد، فزعم بعضهم أنَّ العرب تخاطب الواحد بخطاب الاثنين، وحكي عن بعض الفصحاء وهو الحجاج، يا حرسي اضربا عنقه، ومثله قوله تعالى: (ألْقِيَا فِي جَهَنَّمَ) [ق/ ٢٤] فإنه خطاب للملك، وهذا شيء ينكره حذاق البصريين، لأنه إذا خوطب الواحد بخطاب الاثنين يقع اللّبس، وذهب المبرد إلى أن التثنية للتوكيد تؤدي عن معنى: ألقِ ألقِ. والسؤال هنا بمعنى الاستفهام، وألا: للاستفتاح، والمحاولة: استعمال الحيلة، وهي الحذق في تدبير الأمور، ولام المرء للعهد الذهني وهو الساعي في تحصيل الدّنيا، وقيل: يعني به نفسه، وقيل: اللاّم للجنس لا يعني به معينًا، والنحب: النذر، يقول: اسألوا هذا الحريصَ على الدّنيا عن هذا الّذي هو فيه، أهو نذر نذره على نفسه فرأى أنَّه لا بدَّ من فعله، أم هو ضلال وباطل من أمره. وقد أخطأ العيني هنا في زعمه أن جملة "يقضي" صفة لنحب، فإنَّ الفاء مانعة من الوصفية.
следующие страницы →