← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والتسعون بعد الأربعمائة: أنَّا قَتَلنَا بِقَتَلانَا سَرَاتَكُمُ ... أهلَ اللواءِ ففِيمَأ يَكثُرُ القِيلُ لما تقدَّم قبله من ثبوت ألف ما الاستفهامية المجرورية لضرورة الشعر، وتقدَّم ما فيه. وقوله: أنّا قتلنا بفتح الهمزة لأنها مع معمولها في تأويل مصدر مفعول لأبلغ في بيت قبله كما سيأتي، وروي: أن قد قتلنا، فتكون أن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والباء للمقابلة، أي: قتلنا منكم نظير من قتلتم منّا، والقتلى: جمع قتيل، والسراة بفتح السين: اسم جمع بمعنى الأشراف، وتقدَّم تحقيقه في "أما" بالتخفيف، وأهل اللواء: بدل من سراتكم أو عطف بيان، قال ابن الأنباري في كتاب "المقصور والممدود": اللواء الذي يُعقد للموالي ممدود، قالت ليلى الأخيلية: حَتَّى إذَا برزَ اللواءُ رأيتَهُ ... تحتَ اللواءِ على الخمِيسِ زَعِيما وقال كعب بن مالك: أنّا قتلنَا بقتلانَا سرَاتَكُمُ ... البيت. وأهل اللواء: هم بنو عبد الدار من مشركي قريش كانوا أصحاب اللواء في وقعة بدر، وفي وقعة أحد، وكان عثمان بن أبي طلحة يوم أُحد حامل لواء المشركين، وهو يقول: إنَّ عَلى أهلِ اللِّوَاء حقّا ... أن يخضِبُوا الصَّعْدَةَ أَوْ تنْدقَّا فقتله حمزة ﵁، والتقى حنظلة بن أبي عامر الغسيل وأبو سُفيان، فلمّا استعلاه حنظلة رآه شداد بن الأسود وهو ابن شَعوب، وقد علا أبا سفيان، فضربه شداد، فقتله، فقال رسول الله ﷺ يعني حنظلة: "إنَّ صاحِبَكُم لتُغَسِّلُهُ الملائكةُ، فسلوا أهله ما شأنه؟ "، فسئلت امرأته عنه،

стр. 1822

فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة، ثمَّ أنزل الله نصره على المسلمين، فحسوهم بالسّيوف حتى كشفوهم عن العسكر، وهربت النساء مشمرات، ولم يزل اللواء صريعًا حتى أخذته عمرة الحارثية، فرفعته لقريش، فلاثوا به، وكان اللَّواء مع صُؤاب، غلام حبشي لبني أبي طلحة، وكان آخر من أخذه منهم، فقاتل به حتى قطعت يداه، ثم برك عليه، فأخذ اللواء بصدره وعنقه، حتى قتل عليه، وهو يقول: اللهمَّ هل أعذرت، فقال حسان في ذلك: فَخَرْتُمْ باللواءِ وشرُّ فَخْرٍ ... لِواءٌ حينَ رُدَّ إلى صُؤابِ جعلتُمْ فخرَكُمْ فيهِ لعبدٍ ... وألأمُ مَنْ يطَا عَفَرَ التُّرَابِ ولما مالت الرماة إلى العسكر، وخلا ظهور المسلمين للخيل، فجاء المشركون من خلفهم، وصرخ صارخ: إلا إنَّ محمدًا قد قُتل، فانكفؤوا على المسلمين بعد أن أصابوا أصحاب اللواء حتى ما يدنو أحد من القوم إليه، وانكشف المسلمون، فأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء وتمحيص أكرم الله فيه من أكرم بالشهادة، وهذا معنى قول كعب بن مالك ﵁: فَفِيمَا يكثُرُ القِيلُ يعني، إنّا نلنا منكم، ونلتم منّا، ففي أيّ شيء يكثر قولكم وفخركم؟ وقد تصحفت الكلمة الأخيرة من البيت بالقتل بالمثناة الفوقية، فقال في البيت كلام من جهة العروض، وذلك أنه من بحر البسيط من عروضه الأولى وضربها الثاني وهو المقطوع، كأنَّ أصله (فاعلن) حذفت نونه، وسكنت لامه، فصارت (فعلن) بإسكان العين، فقد ذهب منه زنة متحرك، وما ذهب ذلك منه وجب أن يكون مردفًا، أي: يؤتى قبل حرف الروي بحرف لين، وهذا البيت غير مردوف،

стр. 1823

ففيه مخالفة لما قرّره العروضيّون. انتهى كلامه. وتبعه جميع من بعده من الشراح كالشّمُنِّي وابن الملا الحلبي وابن وحيي الرّومي، والسيوطي لم يقل شيئًا، بل بيض له ومضى، والعجب منهم، فإنَّ هذا البيت في غالب كتب النحو، وهو مكتوب فيها "القيل" بالمثناة التحتية، وهو من قصيدة مشهورة في كتب السير كسيرة ابن هشام وسيرة الكلاعي وغيرهما، لكعب بن مالك الصحابي ﵁ أجاب بها ضرار ابن الخطاب، وعمرو بن العاص لما افتخرا بانكشاف المسلمين يوم أحد، وهذا مطلعها: أَبْلِغْ قُريشًا وخيرُ القولِ أصدَقُهُ ... والصِّدقٌ عندَ ذوِي الألباب مقبولُ أنْ قدْ قتلنَا بِقتْلانا سَرَاتَكُمُ ... أهلَ اللواءِ ففيما يكثُرُ القيلُ ويومَ بدرٍ لقناكم لنا مددٌ ... فيه مع النصرِ ميكالٌ وجبريلُ إن تقتلونا فدينُ الحقِّ فِطرتُنَا ... والقتلُ في الحقِّ عندَ اللهِ تفضِيلُ وإن تروا أمرنا في رأيِكم سَفَهًا ... فرأيُ مَنْ خالفَ الإسلامَ تضليلُ إنا بَنُو الحربِ نمرِيها ونَنْتُجُهَا ... وعِندَنَا لذّوي الأضغانِ تنكيلُ إن ينجُ منهَا ابنُ حَرِبٍ بعدما بَلَغَتْ ... مِنْهُ التَّرَاقي وَأَمْرُ اللهِ مفعُولُ فقدْ أفادتْ لَهُ حِلْمًا وموعِظَةً ... لمَنْ يكونُ لهُ لُبٌّ ومَعْقُولُ ولو هبطتُم بِبَطْنِ السيلِ كافحكمْ ... ضربٌ بشاكلةِ البطحاءِ ترْعيلُ تَلْقاكُمُ عَصَبٌ حولَ النبيِّ لهُمْ ... ممّا يُعِدُّونَ للهَيْجَا سَرَابيلُ مِنْ جِذْمِ غَسَّانَ مُستَرْخٍ حمائلهم ... لا جُبَنَاءُ ولا مِيْلٌ مَعَازِيلُ وبقي بعد هذا اثنا عشر بيتًا. وترجمة كعب بن مالك الأنصاري تقدَّمت في الإنشاد السابع والخمسين بعد المائة.

стр. 1824

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والتشعون بعد الأربعمائة: ألَا تَسْأَلَانِ المرءَ مَاذَا يُحَاوِلُ ... أنَحْبٌ فَيُقضَى أمْ ضَلَالٌ وَبَاطِلُ على أنَّ ما استفهامية مبتدأ، وذا، اسم موصول، خبره، ويحاول: صلته، وهذا مذهب سيبويه في البيت، قال في "الكتاب" أما إجراؤهم "ذا" بمنزلة الذي، فهو قولهم: ماذا رأيت؟ فيقول: متاع حسن، وقال لبيد: ألاّ تسألانيِ المَرْءَ ماذا يحاوِلُ ... البيت. قال الأعلم: التقدير ما الذي يحاول، فما: مبتدأ، وذا: خبره، ويحاول: صلة ذا، كأنه قال: أي شيء الذي يحاوله، بدليل قوله: أنحب، ولو كان ذا مع ما كشيء واحد، لكان ماذا منصوبًا بيحاول، وكان مفسره الذي هو نحب منصوبًا، لأنه استفهام مفسر للاستفهام الأول، فهو على إعرابه، ولوجب أن يقال: أنحبًا فيقضي أم ضلالًا وباطلًا. انتهى. وكذا مذهب أبي علي في "الحجة" قال عند قوله تعالى: (قُلِ الْعَفْوَ) [٢١٩] من سورة البقرة كأنه لما قال: ما الذي يحاوله أبدل بعدُ؛ فقال: أنحب، أي: الذي يحاوله نحب فيقضى، أم ضلال وباطل، فقوله: فيُقضى في موضع نصب على أنّه جواب الاستفهام، وليس بمعطوف على ما في الصلة، ولو كان كذلك لكان رفعًا، ومثله في "إيضاح الشعر" قال: كأنّه قال: ما الذي يحاوله، آلذي يحاوله نحب أم ضلال؟ ولو كان ذا مع "ما" في

стр. 1825

البيت اسمًا كان كما كان في قوله تعالى: (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا) [النحل/ ٣٠] لكان النحب نصبًا. انتهى. وقال ابن السيد في شرح "أبيات الجمل": من اعتقد في نحب البدل، فموضع "ما" رفع على كلّ حال، ومن اعتقد أن قوله: أنحب خبر مبتدأ مضمر كأنّه قال: أهو نحب، جاز أنت تكون "ما" مرفوعة المحل، وجاز أن تكون منصوبة الموضع. انتهى. أقول: من هذا أخذ الدماميني اعتراضه على المصنف، وشذ المحقق الرضي فجعل "ذا" زائدة، وقوله: ألا تسألان، خطاب لصاحبين له، وقيل: إنما هو خطاب واحد، فزعم بعضهم أنَّ العرب تخاطب الواحد بخطاب الاثنين، وحكي عن بعض الفصحاء وهو الحجاج، يا حرسي اضربا عنقه، ومثله قوله تعالى: (ألْقِيَا فِي جَهَنَّمَ) [ق/ ٢٤] فإنه خطاب للملك، وهذا شيء ينكره حذاق البصريين، لأنه إذا خوطب الواحد بخطاب الاثنين يقع اللّبس، وذهب المبرد إلى أن التثنية للتوكيد تؤدي عن معنى: ألقِ ألقِ. والسؤال هنا بمعنى الاستفهام، وألا: للاستفتاح، والمحاولة: استعمال الحيلة، وهي الحذق في تدبير الأمور، ولام المرء للعهد الذهني وهو الساعي في تحصيل الدّنيا، وقيل: يعني به نفسه، وقيل: اللاّم للجنس لا يعني به معينًا، والنحب: النذر، يقول: اسألوا هذا الحريصَ على الدّنيا عن هذا الّذي هو فيه، أهو نذر نذره على نفسه فرأى أنَّه لا بدَّ من فعله، أم هو ضلال وباطل من أمره. وقد أخطأ العيني هنا في زعمه أن جملة "يقضي" صفة لنحب، فإنَّ الفاء مانعة من الوصفية.

стр. 1826

والبيت مطلع قصيدة للبيد العامري الصحابي، وتقدَّم بعض منها مع ترجمته في الإنشاد الواحد والستين، وبعض آخر في الإنشاد الرابع بعد المائتين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والتسعون بعد الأربعمائة: يَا خُرزَ تَغلِبَ مَاذَا بالُ نِسوَتِكُمْ وتمامه: لَا يَسْتَفِقْنَ إلى الدَّيْرَيْنِ تَحْنَانَا على أنَّ "ماذا" كلّه استفهام مركب في محلّ رفع على الابتداء، وبال: خبره، واعترض الدماميني بأنَّ هذا لا يتعين لجواز أن تكون ما استفهامية، وذا موصولًا، وصدر الصلة محذوفًا، أي: ما الذي هو حال نسوتكم، وبردّه قول أبي علي في "الحجة": إنما قوله: ماذا بال نسوتكم بمنزلة: ما بال نسوتكم، فاستعملوا ماذا استعمال ما، من غير أن ينضم إليها ذا، ألا ترى أنَّك لو حملت ذا على الذي في البيت لم يسهل ما الذي هو بال نسوتكم، لأن السمتعمل: ما بالك، دون الآخر. فإنما جعل ماذا بمنزلة ما. انتهى. ولقد أجاد ابن المنلافي الرد بقوله: ولا يخفى ما فيه من الركاكة مع أنَّه لم يُسمع: ما الذي هو بالك، وسُمِع: ما بالك؟ والبيت من قصيدة لجرير هجا بها الأخطل النصراني، وقد أورد ابن خلكان هذا البيت في ترجمة جرير، وقال: خُزر جمع أخزر وهو الذي في عينه ضيق [وصغر]، وهذا وصف العجم، فكأنه نسبه إلى العجم، وأخرجه عن العرب

стр. 1827

وهذا عند العرب من النقائص الشنيعة، وقال ابن جني في بحث النّون من "سرّ السناعة": قيل في قول جرير: لا تفخَرَنَّ فإنَّ اللهَ أنزلكُمْ ... يا خُزْرَ تَغْلِبَ دَارَ الذُّلِّ والعارِ إنَّه أراد بالخُزر: الخنازير، لأنَّ كلّ خنزير عندهم أخزر، وأنكر ذلك أحمد بن يحيى، فقال: خزر جماعة خنزير على حذف الزوائد، ظنَّ النّون زائدة، وإنما هي هنا أصل. انتهى. والبال: الحال والشأن، ولا يستفقن: من استفاق من سكره: إذا صحا، وهو استئناف بياني، كأنه قيل: ما استشعرت من حالهنّ حتى استفهمت عنهنّ، و"إلى" متعلقة بتحنان على القول بجوازه، وتحنان: تمييز، وقيل: مفعول لأجله، والتحنان: مصدر كالحنين بمعنى الشوق، يقال: حنَّ إليه إذا اشتاقه، والديرين، مثنى دبر، وهو خان النّصارى، كذا في "القاموس"، قال الأصمعي في قول جرير: لمَّا تذكَّرْتُ بالدَّيرينِ أرَّقَني ... صَوْتُ الدَّجاجِ وضَرْبٌ بالنواقيسِ أراد: ديرًا واحدًا، كما قال بشر: وفيهّا عَنْ أبانين ازوِرَارُ أراد أبانا فثناه للضرورة. نقله عنه البكري في "معجم ما استعجم" عند ذكر أبان. وبعد هذا البيت: لمَّا رّوِيْنض على الخِنزيرِ مِنْ سَكَرٍ ... ناديْنَ يا أعظَمَ القَسَّينِ جُرْدَانا هل تترُكُنَّ إلى القسَّينِ هِجرَتَكم ... ومَسْحَهُمْ صُلْبَهُم رْخَمان قربانا

стр. 1828

لن تَدرِكوا المجدَ أو تشروا عباءتكمْ ... بالحَزِّ أو تجعَلُوا التَّنوُّمَ ضُمْرَانَا وهذا آخر القصيدة. وروين بكسر الواو: ارتوين، والسَّكَر بفتحتين: الخمر والنبيذ، وقوله: على الخنزير، أي: على لحم الخنزير: والقسين، بالفتح وتشديد السين المفتوحة، قال السيوطي: موضع، وقال ابن عصفور في كتاب "الضرائر" يريد: هل تتركن مسحكم صلبكم، وقولكم: يا رخمان قربانًا، كأنه عيَّرهم اللُّكنة التي في النصارى، فحذف المصدر "قولكم" وهو من قبيل الموصولات، وأبقى صلته وهو: يا رحمن قربانًا، لأنَّه في موضع مفعول به. انتهى. وتشروا: تبيعوا علق دركهم المجد بالمحال، لأنَّ العباءة لا يشترى بها الخزّ، ولا يصير التنوم ضمران، بالفتح، وهما شجرات. وترجمة جرير تقدَّمت في الإنشاد الحادي عشر. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والتسعون بعد الأربعمائة: دَعِي مّاذَا عَلِمْتِ سأتَّقِيهِ ... ولكِنْ بالمُغَيَّبِ نَبِّئِيني على أنَّ في ماذا الواقعة فيه خلافًا بين النحويين، قال سيبويه: وأما إجراؤهم ذا مع ما بمنزلة اسم واحد، فهو قولك: ماذا رأيت؟ فتقول خيرًا، كأنك قلت: ما رأيت، فلو كانت ذا لغوًا لما قالت العرب: عماذا تسأل، ولقالوا: عم ذا تسأل، ولكنهم جعلوا ما وذا اسمًا واحدًا، كما جعلوا ما وإنَّ حرفًا واحدًا حين قالوا: إنما، ومثل ذلك كأنما وحيثما في الجزاء، ولو كان ذا بمنزلة الذي [في ذا الموضع البتة] لكان الوجه في ماذا رأيت إذا أراد الجواب أن يقول: خير، وقال الشاعر،

стр. 1829

وسمعنا بعض العرب يقوله: دَعِي مَاذَا عَلِمْتِ سأتَّقيهِ ... البيت. فـ "الذي" لا يجوز في هذا الموضع، و"ما" لا يحسن أن تلغيها، إلى هنا كلام سيبويه. قال السيرافي: إن قيل: هلا جعلتم "ذا" زائدة، وجعلتم "ما" للاستفهام، أو بمعنى الذي كما كانت قبل "ذا" ويكون (مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ) [النحل/ ٣٠] بتقدير ما أنزل، ودعي ماذا علمت بتقدير: دعي ما علمت، كما يقال: دعي الذي علمت سأتقيه، فإنَّ سيبويه استدلَّ على بطلان هذا بشيئين، أحدهما: أن "ذا" لو كانت زائدة، لوجب أن يُقال: عم ذا تسأل، وثانيهما أنها لو كانت زائدة، وقيل: ماذا تصنع كانت ما في موضع نصب، ويكون حقيقة جوابه منصوبًا، فلما قال: أنحب فيقضى، وهو بدل من "ما" عُلم أنَّ "ما" في موضع رفع، وقد يجوز أن يكون حرف الاستفهام في كلام السائل نصبًا، وفي كلام المجيب رفعًا على الاستئناف، والوجه حمل الجواب علا ما يوجبه إعراب السؤال، ويجوز أيضًا أن يكون لفظ الاستفهام في موضع رفع، ويكون الجواب نصبًا محمولًا على الفعل الذي في الكلام، لأنَّ المعنى لا يتغير كقولك: زيدًا، إذا قيل لك: من الذي رأيت؟ كأنك قلت: رأيت زيدًا، وأما قوله: دّعِي مّاذّا عَلِمْتِ سأتَّقِيهِ فالحرفان جميعًا بمعنى الذي، وعلمت صلة، والعائد محذوف، أي: علمته، وسبيل "ماذا" في كونها بمعنى الذي كسبيل "ما" وحدها إذا كانت بمعنى الذي. فإن قيل: هلا جعلتم ما زائدة، وجعلتم "ذا" وحدها بمعنى الذي، كما قال تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ) [طه: ١٧] تلك بمعنى التي، وبيمينك صلة؟ فالجواب: أنَّ تلك وهذا وما جرى مجراهما من أسماء الإشارة لا يكنّ عند أصحابنا بمعنى الذي

стр. 1830

وأخواتها، إلاَّ "ذا" وحدها إذا كان قبلها ما، فلمّا كانت ذا لا تكون بمنزلة الذي حتى يكون قبلها ما، لم يجز أن تكون "ما" زائدة إذا كان إخراجها من الكلام يبطل المعنى المقصود بذا. إلى هنا كلام السيرافي. وقال أبو علي في "الحجة": كأنه قال: دعي شيئًا علمت، ألا ترى أنَّك لو لم تجعلها اسمًا واحدًا لجعلت "ما" استفهامًا ولاي جوز وقوع "دعي" ونحوه من الأفعال قبل الاستفهام، ولا يعلق عنه. انتهى. وكذا قال في "المسائل المنثورة" ونقلنا كلامه وكلام غيره في الشاهد الرابع والأربعين بعد الأربعمائة من شواهد الرضي. والتاء من علمتِ مكسورة: خطاب لامرأة، فإن كانت مضمومة فلا استفهام إذ المعنى دعي ما علمته أنا، وخبريني ما جهلته. والبيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف أصحابها، وزعم العيني، وتبعه السيوطي أنه من قصيدة للمثقب العبدي التي مطلعها: أفاطِمُ قبلَ بينكِ متِّعيني ... ومنعُكِ مَا سألتُ كأنْ تَبِيني وهذا لا أصل له، وإن كان الروي والوزن متفقين، فإنَّ قصيدة المثقب قد رواها جماعة منهم المفضل الضبي في "المفضليات"، ومنهم أبو علي القالي في "أماليه" وفي "ذيل أماليه" وليس هذا البيت فيها، ولم يعزه أحد من خدمة كتاب

стр. 1831

وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والتسعون بعد الأربعمائة: أَنَوْرًا سَرْعَ مّاذَا يَا فَرُوقُ وتمامه: وحَبْلُ الوصلِ مُنتَكِثٌ حّذِيقُ على أنَّ ما فيه زائدة، وذا للإشارة، والهمزة في أوله للاستفهام التوبيخي، قال ابن السكيت في أوائل "إصلاح المنطق": يقال: امرأة نَوار، ونسوةٌ نُور: إذا كانت تنفر من الريبة وغيرها مما يكره، يقال: قد نارت تنور نَوْرًا ونِوارًا، قال العجَّاج: يخلِطْنَ بالتأنُّسِ النِّوَارَا وقال الباهلي: أنَوْرًا سَرْعَ ماذَا يا فَرُوقُ وقوله: سَرْعَ، أراد سَرُعَ ماذا، فخفّف، كما يقال: عَظُمَ البطنَ بَطْنُكَ، و: عَظْمَ البطنُ بطنُكَ، ويقال: عُظْمَ البطنُ بطنُكَ، يخففون ضمة الظاء، وينقلونها إلى العين، وغنما يكون النقل فيما كان مدحًا أو ذمًا، فإذا لم يكن أحدهما، كان الضم والتخفيف، ولم يكن النقل. انتهى. فسرع فيه التخفيف بحذف الضمة، ولا نقل. قال التبريزي في "تهذيب إصلاح المنطق": الشعر لزغبة الباهلي، أو لمالك بن زغبة، والحذيق: المقطوع، يقال: حذق الشيء: إذا قطعه، والمنتكث: المنتقض من قولك: نكثت العهد: إذا نقضته، والفروق: التي تفْرَق، وحبل الوصل الذي بينه وبينها، أراد: أنفارًا يا فروق؟ انتهى. قال الصَّاغاني في "العباب" في مادة نور، وفي مادة حذق: هذا البيت أنشده

стр. 1832

الأزهري لمالك بن زُغْبة الباهلية، وإنما هو لجزء بن رياح الباهلية. قال السيوطي: ثم وقفت على القصيدة بتمامها في "القصائد الأصمعيات"، وعزاها لأبي شقيق الباهلي، واسمه جزء بن رباح الباهلي قالها في يوم إرمام وهي نيّف وعشرون بيتًا، ثمَّ أورد بيتين من أوّلها. وجزَء، بفتح الجيم وسكون الزّاء المعجمة بعدها همزة، ورياح بالمثناة التحتية، ولم أر في أيّام العرب يوم إرمام، وذكره ياقوت في "معجم البلدان" قال: إرمام اسم جبل في ديار باهلة بن أعصُر، وقيل: إرمام واد من ديار بني أسد، وقيل: واد بين الحاجر وفيد، ويوم إرمام من أيام العرب. انتهى. ولم يضبطه على خلاف عادته، والذي قاله أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": إرمام بكسر أوَّلِه وبميمين كأنّه مصدر أرمّ إرمامًا: موضع في ديار طيَ أو ما يليها. انتهى. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخمسمائة: إنِ العقلُ في أموالِنَا لا نضِقْ بها ... ذِرَاعًا وإنْ صبْرًا فنصبِرُ للصَّبْرِ على أنَّ فعل الشرط محذوف تقديره: إن يكن العقل، وإن نُحبسْ حبسًا. كذا رواه ابن الشجري في المجلس الثامن والستين من "أماليه" وقدر المضمر، وتبعه المصنف، فيكون المحذوف في الأول فعل الشرط فقط، والعقل فاعله، والمحذوف في الثاني جملة الشرط من الفعل والفاعل، ويكون الصبر بمعنى الحبس، وهذا خلاف ما رواه سيبويه، أورده في باب ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره بعد حرف، قال فيه بعد أن مثل بقولك: المرء مقتول بما قتل به إن خنجرًا فخنجر، وإن سيفًا

стр. 1833

فسيف، وزعم يونس أنَّ العرب تنشد هذا البيت لهدبة: فَإنْ تَكُ في أموالِنَا لا نَضِقْ بها ... ذِرَاعًا وإنْ صبْرٌ فنصبرُ للصَّبرِ والنصب فيه جيّد بالغ على التفسير الأوَّل، والرفع على قوله: وإن وقع صبر، وإن كان فينا صبر فنصبر. انتهى. قال الأعلم: "الشاهد فيه حمل ما بعد إن على إضمار فعل مع جواز الرفع والنصب فيه، وتقدير الرفع: إن وقع صبر، وتقدير النصب: إن كان الذي يقع ويجب صبرًا. انتهى. وقال ابن خلف: الشاهد أنه رفع صبرًا بإضمار كان، وجعلها سيبوية تامّة لا تحتاج إلى خبر محذوف، ذكره سيبويه في أوَّل هذا الباب، وليس في كلّ شيء من هذا الباب تقع كان تامّة نحو قولهم: المرء مقتول بما قتل به .. الخ، لا يحسن فيه أن يقال: إن وقع خنجر، وإن حدث خنجر، والمعنى: إن كان فيما قتل به خنجر لا يحسن فيه إلاَّ كان الناقصة. انتهى. وكذا رواه المبرد في أواخر "الكامل". وهو من أبيات لهُدْبة بن خشرَم قالها عند معاوية، وذلك أنَّ هُدبة قتل ابن عمه زيادة بن زيد، فرفعه أخوه عبد الرحمن بن زيد إلى ابن العاصي، وكان أمير المدينة، فكره سعيد الحكم بينهما فأرسلهما إلى معاوية بالشام، فلمّا صارا بين يديه، قال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين، أشكو إليك مظلمتي وقتل أخي، فقال معاوية لهدبة: ما تقول؟ قال هدبة: أتحب أن يكون الجواب شعرًا أم نثرًا؟ قال: بل شعرًا، فإنّه أنفع، فقال هُدبة: ألا يا لقومي للنوائبِ والدَّهْرِ وللمرء يُرْدِي نفسَهُ وهوَ لا يدري إلى أن قال: فلمَّا رأيتُ أنما هي ضربةٌ ... من السيفِ أو إغضاءُ عينٍ على وِتْرِ عمدْتُ لأمرِ لا يُعَيِّرُ والدِي ... خَزَايَتُهُه ولا يسَبُّ به قبرِي رُمينا فرامينَا فصادَفَ سَهْمُنا ... منيةَ نفسٍ في كتابٍ وفي قَدْرِ

стр. 1834

فَمَا تقضِ فينا اليومَ بالحقِّ لا يبُؤْ ... بخزيٍ ولا يخرُجْ عنِ الحقِّ من شِبرِ وأنتَ أميرُ المؤمنينَ فما لنَا ... وراءَكَ مِنْ مَعْدىً ولا عنكَ منْ قصرِ فإِنْ تَكُ في أموالِنَا لا نضِقْ بهَا ... البيت فقال له معاوية: أراك قد أقررت يا هُدبة، قال: هو ذاك، فقال له عبد الرحمن: أقدني، فكره ذلك معاوية، وضنَّ بهُدْبة عن القتل، وكان ابنُ زيادة صغيرًا، فقال له معاوية: وما عليك أن تشفي صدرك، وتحرِم غيركّ ثم وجه به إلى المدينة، فقال: يحبس إلى أني بلغ ابن زيادة، وقد ذكرنا بقية خبره إلى أن قُتل في الإنشاد الواحد والثلاثين بعد المائة. قال ابن خلف: يقول: رمينا من جهة بني عمّنا، فراميناهم، فأصاب رميُنا من لم نرد قتله منهم إلا أنه كان قد قضى عليه القتل، يقول: وأنت أمير المؤمنين، والغاية في الحكام، فما لنا وراءك من معدىً، أي: من مُتَجاوزٍ، يعني: أنّه ليس فوقك من يحكم من أحد، وينظر في أمور الناس نتجاوزك إليه، والأمراء والحكّام والولاة كلّهم من قِبَلِكَ، ولا عنك من قصر، أي: لا يمكننا أن نقصر عنك في إتيانك، فنأتي غيرك، فما تقض فين اليوم لا يبوء بخزي، أي: لا يرجع بخزي في شيء تقضيه علينا، لأنه لا بدَّ من التزام أمر السلطان، وقوله: ولا يخرج عن الحق من بشر، يقول: لا يخرج قضاؤك عن الحق قدر شبر، ففي يخرج ضمير القضاء، وإن لم يجر ذكره، لأن قوله: فما تقض يدل عليه، وكذلك ضمير تك للدية، لأنها معلومة من المقام، والصبر: القتل موثقًا. انتهى. والعقل في رواية المصنف: الدية أيضًا، قال الأصمعي: سميت عقلًا تسمية بالمصدر، لأنَّ الإبل كانت تعقل بفناء ولي القتيل، والمال عند العرب: الإبل، وضاق بالأمر ذرعًا وذراعًا: عجز عن احتماله، وهما طاقة الإنسان التي يبلغها، والخزاية، بالفتح: الفضيحة، وقصر، بالضم: التقصير، ويبوء: مضارع باء بمعنى: رجع.

стр. 1835

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد بعد الخمسمائة: بما تكُ يا ابنَ عبدِ اللهِ فينا ... فلا ظُلمًا نخافُ ولا افتقارَا على أنَّ ابن مالك قال: إنَّ "ما" فيه زمانية بمعنى، أيّ زمن، قال في "الكافية": وقد أتتْ مهمَا ومَا ظَرفَيْنِ في ... شواهِدٍ مَنْ يعتضِدْ بها كُفِي وقال في شرحها: وإنما قلت ذلك، لأنَّ جميع النحويين يجعلون ما ومهما مثل من في لزوم التجرّد عن الظرفية، مع أنَّ استعمالهما ظرفين ثابت في أشعار الفصحاء من العرب، كقول الفرزدق: وما تحي لا أرهَب وإن كنتُ جارِمًا ... ولو عُدًّ أعدائي عليَّ لهُمْ دَخْلا وكقوله: وما تَكُ يا ابن عبد الله فينا ... فلا ظُلمًا نخافُ ولا افتقارا وكقوله: فما تحي لا أخشَ العدوَّ ولا أزَلْ ... على الناسِ أعلو من ذُرى المجدِ مفرَعا وكقول تميم العجلاني: ولوْ كُحِلَتْ حَوَاجِبُ خَيْلِ قَيْسٍ ... بتغلِبَ بعدَ كلبٍ ما قذيِنَا فما تسلمْ لكُمْ أفراس قيسٍ ... فلا ترجُو البناتِ ولا البنينا وكقول عبد الله بن الزبير الأسدي فما تحيّ لا نسأَمْ حياةً وإن تمُتْ ... فلا خيرَ في الدُّنيا ولا العيش أجمَعا

стр. 1836

وقال طُفيل الغنوي: نُبِّئْتُ أنَّ أبَا شُيَيْمٍ يدَّعي مَهْمَا نَعِشْ نسَمَعْ بما لم نَسْمَعِ وكقول حاتم الطائي: وإنَّكَ مَهْما تُعْطِ بطنَكَ سُؤْلَهُ ... وفرْجَكَ نالا مُنتهى الذَّمِّ أجْمَعَا هذا آخر كلامه. قال أبو حيان في "شرح التسهيل" بعد ما نقل هذا وغيره: قد ردَّ على المصنف دعواه أنَّ ما ومهما يكونان ظرفين في الشرط ابنُهُ بدر الدين، فكفانا الرد عليه، فقال: لا أدري في هذه الأبيات حجة، لأنه كما يصح تقدير ما ومهما بظرف زمان، كذلك يصح تقديرها بالمصدر على معنى: أيّ كون قصير أو طويل تكون فينا، وأيّ! حياة هنيَّةٍ أو غير هنيَّةٍ تحي لا نسأم، وأيّ عطاء قليلًا أو كثيرًا تُعط بطنك، لكن يتعين جعل ما ومهما في الأبيات المذكورة مصدرين، لأنَّ في كونهما ظرفين شذوذًا وقولًا بما لا يعرفه جميع النحويين، بخلاف كونهما مصدرين، لأنه لا مانع من أن يكني بما ومهما عن مصدر فعل الشرط، كما لا مانع أن يكنّي بهما عن المفعول به، إذ لا فرق. انتهى ما ردَّ به ابن المصنف على والده، رحمهما الله. ويحتمل عندي بيت حاتم توجيهًا آخر غير ما ذكره ابن المصنّف، وهو أن يكون "مهما" مفعولًا ثانيًا لتعط، بطنك مفعولًا أوَّل، وسؤله بدل من بطنك لا مفعول ثان، فلا يكون في البيت حجة على استعمال مهما ظرفًا، فتكون مهما في البيت نظيرها في قول امرئ القيس: وأنَّكِ مَهْمَا تأمُرِي القلب يَفْعَلِ إلى هنا كلام أبي حيّان. والبيت الشاهد من قصيدة للفرزدق، كما قال ابن مالك، وأنشده أبو علي أيضًا في "البغداديات" قال: وأخبرني أبو بكر عن أبي العباس قال: أنشدني أبو عثمان للفرزدق:

стр. 1837

فَما تَكُ يَا ابْنَ عبدِ اللهِ فينَا ... فلا ظُلْمًا نخافُ ولا افتِقَارَا قال: يريدكم كنت فينا، فأدخل "ما" على "كم" هذا لفظ كتابي عن أبي بكر. انتهى. وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أوَّل الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني بعد الخمسمائة: ومَا بأْسَ لَوْ رَدَّتْ علينَا تحيَّةً ... قَليلٌ على من يعرِفُ الحقَّ عابُهَا على أنَّ تركيبها مع النكرة تشبيهًا لها بلا نادر. قال أبو حيان في "تذكرته": بنى بأس مع ما كما بناها مع لا، وهذا قليل لم نره إلاَّ في هذا البيت. انتهى. والبأس: الشدَّة، وقليل: خبر مقدَّم، وعابها: مبتدأ مؤخر، وألعاب والعيب سواء، ووقع في "الارتشاف" و"التذكرة" نصب قليل على أنَّه نعت تحيّة، وعابها: فاعل قليل، وتخريج الدماميني لهذا البيت بما ذكره خلاف المتبادر. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث بعد الخمسمائة: أجارَتَنَا إنَّ الخُطُوبَ تَنُوبُ ... وإنِّي مُقِيمٌ مَا أقامَ عسيبُ على أنَّ ما مصدرية زمانية، ومن الغريب قول ابن الحاج في نقد "المقرِّب" لابن عصفور: إني تأملت ما المصدرية، فلاح لي أنه لا وجود لها، وإنما هي موصولة

стр. 1838

يراد بها المصدر، وحذف الضمير معها كثير لأمر خاص بالمصدر لا يتسع لي الآن ذكره، ومما يدل على أنه لا وجود لها أنه لا يقال: يعجبني ما لا يقوم زيد، كما يقال: أن لا يقوم زيد، ونص أبو علي على أنه يقال: ما لا أقوم، وفي قوله هذا عندي نظر. انتهى كلامه. وبعده: أجارَتَنَا إنَّا غريبانِ ههُنا ... وكلُّ غريبٍ للغريبِ نسيبُ الهمزة: للنداء، والخطوب جمع خطب، الأمر الشديد ينزل، وتنوب: مضارع نابه بمعنى أصابه، قال الأزهري في "تهذيب اللغة": عسيب: جبل بعالية نجد معروف يقال: لا أفعل كذا ما أقام عسيب. انتهى. وقال ابن دُريد في "الجمهرة": عسيب: جبل معروف، وأنشد هذا البيت، وقال الزمخشري في كتاب "الأماكن": عسيب: جبل لقريش، والبيتان لامرئ القيس، وفي "العباب" للصاغاني: وعسيب: اسم جبل قيل إنَّ امرأ القيس لما سُمَّ وأحسَّ بالموت عند هذا الجبل أمر أن يدفن بجنب قبر امرأة كانت دفنت هناك، وأنشد البيتين، وقال ابن الحباب السعدي، في كتاب "مساوئ الخمر": قدم امرؤ القيس أنقرة، فأقام بها مدنفًا يعالج قروحه، قال: ونزل إلى جنب جبل يقال له: عسيب، وإلى جنبه قبر لابنة بعض الرّوم، فسأل عن القبر، فأخبر به، فقال: أجارتنا إنَّ الخطوب .. إلى آخر البيتين. أقول: شعره لا يدلُّ على أنه دفن عند جب لاسمه عسيب، وإنما ذكر عسيب هنا مثلًا لطول مكثه في المكان الذي دفن فيه، وليس في أنقرة جبل اسمه عسيب، وأنقرة من بلاد الروم يقال لها: عمورية وأنكورية، وعسيب من جبال بلاد العرب، قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": عسيب، بفتح أوَّله وكسر السّين غير المنقوطة بعدها ياء معجمة باثنتين من تحها وباء معجمة بواحدة: جبل قد تقدَّم

стр. 1839

ذكره، وتحديده في رسم النقيع، وهو في ديار بني سليم إلى جنب المدينة المنورة، وهناك قبر صخر بن عمرو أخي الخنساء، وهو القائل: أجارتَنَا لسْتُ الغَدَاةَ بِظَاعِنٍ ... ولكنْ مُقيمٌ ما أقامَ عسيبُ انتهى. وقال الحازمي في كتاب "المؤتلف والمختلف في أسماء الأماكن": عسيب بالسهين المهملة: جبل حجازي دفن عنده صخر أخو الخنساء، قالت الخنساء: أجارتَنَا لستُ الغَدَاةَ بظاعنٍ ... البيت. انتهى. والصواب: أنَّ البيت لصخر لا للخنساء، قال الأخفش جامع ديوان الخنساء: لما يئس صخر من نفسه قال: أجارَتَنَا إنَّ الخُطوبَ قريبُ ... على الناسِ كلَّ المخطئينَ تُصيبُ أجارَتَنَا إنَّ تسأليني فإنَّني ... مُقيمٌ لَعَمْرِي مَا أقامَ عسيبُ كأني وقد أدنُو لِحَزِّ شِفارِهِمْ ... من الصَّبْرِدَامي الصَّفْحَتَيْنِ نكيبُ فمات فدفنوه إلى جنب عسيب، وعسيب جبل في بلاد بني سُليم إلى جنْبِ المدينة فها هو ذاك قبره معلمًا، والمعلم: المعروف الذي عليه علامة. انتهى. وشعر صخر وارد على أسلوب شعر امرئ القيس، وليس في شعره ما يدل على أنه مدفون بجنب عسيب، وإنما الخبر أثبته.

стр. 1840

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع بعد الخمسمائة: مِنَّا الذِي هو مَا إنْ شَارِبُهُ ... والعَانِسُونض ومِنَّا المُرْدُ والشيبُ على أنَّ ابن السكيت قال: "ما" فيه اسم بمعنى حين، حكاه عنه ابن الشجري قال في المجلس الثامن والستين من "أماليه" في بيان معنى "١٠" قال: السادس أن تكون "ما" اسمًا بمعنى الحين كقوله تعالى: (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا) [الإسراء/ ٩٧]، (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ) [النساء / ٥٦]، (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ) [البقرة/ ٢٠] أي: في كلّ حين خبت، وفي كلّ حين نضجت جلودهم، وفي كل حين أضاء لهم، ومنه قول الشاعر: منَّأ الذِي هُوَ مَا إنْ طَرَّ شَارِبُهُ ... البيت. قال ابن السكيت: يريد: حين أن طرَّ شاربه، يقال: رجل عانس، وهو الذي أخّر التزويج بعد ما أدرك. انتهى كلامه، وقد فتشت تصانييف ابن السكيت لأقف على كلامه هذا فلم أقف عليه، وقد راجعت كتاب "أبيات المعاني" وكتاب "الألفاظ" وكتاب "المذكر والمؤنث" فلم أجد هذا البيت في واحد منها وإنما رأيته في كتاب "إصلاح المنطق" قال في باب ما جاء على فَعُول: ورجل عانِس، وامرأة عانس، وقد عنست تعنُسُ عَناسًا، وذلك إذا طالَ مُكثُها في منزل أهلها بعد إدراكِها، لم تتزوج، قال الأعشى: والبِيضُ قَدْ عَنَسَتْ وطالَ جِراؤُها وقال [أبو] قيس بن رفاعة: مِنّا الذِي هُوَ مَا إن طَرَّ شارِبُه .. البيت.

стр. 1841

انتهى. قالب التبريزي في "تهذيب إصلاح المنطق": يقال: طرَّ شارب الغلام، إذا ابتدأ نبات شعر شفته العليا يطرُّ طُرورًا، فهو طارَ، والذي مبتدأ، وصلته: هو ما إن طرّ شاربه، وهو مبتدأ في الصلة، وما: جحد و"إن" زائدة بعدها، وما بعدها خبر لـ "هو"، والجملة صلة الذي، والعانسون عطف على الذي، والذي ههنا بمعنى: الذين، يريد: إنَّ منا الصغارَ والكبارَ. وروى ابن دريد "أن" بفتح الهمزة ويعقوب بكسرها، وهما سواء. انتهى كلامه. وجميعه كلام ابن السيرافي في شرح أبياته. وقد أورد الصاغاني البيت في "العباب" قال: عنست الجارية تعنُسُ وتعنِسُ عُنُوسًا وعِنَاسًا، فهي عانس، وذلك إذا طال مكثها في أهلها بعد إدراكها حتى خرجت من عداد الأبكار هذا ما لم تتزوج، فإن تزوجت مرة، فلا يقال: عنسَتْ، وعنِست بابلكسر لغة في عنَست، بالفتح، ويقال للرجل أيضًا عانس، قال أبو قيس بن رفاعة: مِنَّا الذي هُوَ مَا إنْ طرَّ شارِبُه ... البيت. وأبو قيس بن رفاعة من يهود لمدينة المنورة في الجاهلية، ذكره محمد بن سلام الجمحي في شعراء يهود المدينة، وقال أبو عبيد البكري في شرح "نوادر القالي": البيت لأبي قيس بن رفاعة هكذا يقول يعقوب، وغيره يقول قيس بن رفاعة. انتهى. وأنشد بعده: وَرَجِّ الفَتى للخيرِ ما إنْ رأيتَهُ ... عضلَى السِّنِّ خيرًا لا يزالُ يزيدُ وتقدَّم شرحه في الإنشاد السابع والعشرين.

стр. 1842

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس بعد الخمسمائة: وتاللهِ ما إنْ شهلةٌ أُمُّ واحدٍ ... بأوجَدَ مِنِّي أنْ يُهَانَ صغِيرُها على أنَّ ابن جني قال: "إن" تشارك "ما" في النيابة عن الزمان، والتقدير هنا: وقت أن يهان صغيرها، والبيت من قصيدة طويلة لمساعدة بن جؤبة مذكورة في "أشعار الهذليين"، وبعده: رأتْهٌ على يَأسٍ، وقد شابَ رأسُها ... وحينَ تصدَّى للهوانِ عشيرُهَا فشبَّ لها مثلُ السنانِ مبرأٌ ... إمامٌ لنادي دارِها وأميرُها قال أبو بكر القاري في شرحه: شهلة: امرأة كبيرة، بأوجد: بأشد وجدًا مني، وصغيرها: ولدها، وتصدَّى: تعرَّض لهوانها زوجها، كبرت فهانت عليه، والنادي: المجلس. انتهى. ومطلع القصيدة: أهاجكَ مِنْ عيرِ الحبيبِ بُكورُها ... أجدَّت بليلٍ لم يُعَرِّجْ أميرُها تحمَّلْنَ مِنْ ذاتِ السُّليمِ كأنَّهَا ... سفائنُ يمٍ ينتحيها دبُورُهَا والهمزة في أهاجك للاستفهام، وبكورها: فاعله، ولم يعرج: لم يعطف، ولم يمل، وأميرها: الذي يأمرها بالسير، وسفائن: جمع سفينة، اليمّ: البحر، وينتحيها: يقصدها، والدبور: الريح التي من ناحية المغرب، وساعدة بن جؤية تقدمت ترجمته في الإنشاد الثالث من أول الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس بعد الخمسمائة: أليسَ أميري في الأمورِ بأنتما ... بما لستُما أهلَ الخيانةِ والغدرِ على أنَّ وصل ما المصدرية بالفعل الجامد نادر، ولم يرتضه أبو علي في "الشيرازيات"

стр. 1843

وقال: تقديره بما لستما له، أي: لأجله، ولم يجز أن تكون ما مصدرية، لأن ليس لا تكون صلة لما المصدرية، لا تقول: ما أحسن ما ليس زيد قائمًا. انتهى. كذا في "تذكرة أبي حيان" فتكون ما نكرة موصوفة أو موصولة اسمية، وأورد الأخفش أبو الحسن المجاشعي هذا البيت في كتاب "المعاياه" وقال: سمعت من خلفٍ جعل الباء في أنتما زائدة، وأضمر في ليس اسمًا، أراد: أليس الأمر أميري أنتما. انتهى. وما أدري ما السبب في جعل اسم ليس ضمير الشأن مع أنه يجوز كونه أميري اسمها، والخبر بأنتما، والباء تزاد في خبر ليس، وجازَ ذلك لتساويهما في الرتبة، فإنَّ المضاف إلى الضمير في رتبة الضمير على أنه يجوز في باب "كان وإنَّ" الإخبار بالأعرف، وقول ابن المنلا: لم يجعل أميري اسم ليس، وبأنتما الخبر، لئلا يقع غير الأعرف مسندًا إليه مع وجود الأعرف - ناشٍ عن غفلة، وجعل الشمني بأنتما فاعل أميري مغنيًا عن الخبر. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع بعد الخمسمائة: قَلَّلما يبرَحُ اللَّبيبُ إلى ما ... يُورِثُ المجدَ داعيًا أو مُجيبًا على أنَّ "ما" كافة كفت قل عن طلب الفاعل، والقلة في معنى النفي ولهذا اكتفى به في عمل "يبرح" واللبيب: العاقل، اسمها، وداعيًا، خبرها، وإلى: متعلقة به، ومجيبًا: يتعلق به "إلى" أخرى محذوفة، وبعضهم أجاز التنازع في المعمول المتقدم على العاملين، والمعنى: لا يزال العاقل على إحدى هاتين الحالتين، إما أن يدعو إلى ما يورث المجد أو يجيب إليه إذا دُعي.

стр. 1844

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن بعد الخمسمائة: صَددْتِ فأطولتِ الصُّدُوج وقلَّما ... وِصَالٌ على طُولِ الصُّدُودِ يَدُومُ على أنَّ سيبويه قال: إنه ضرورة. أقول: أورده سيبويه في موضعين من كتابه الأوَّل في باب ما يحتمل الشعر، وقال: إنما الكلام: وقلَّما يدوم وصال، والثاني في باب الحروف التي لا يليها بعدها إلا الفعل، ولا تغير الفعل عن حاله، قال فيه: وقد يجوز في الشعر تقديم الاسم، قال: صَدَدْتِ وأطْوَلْتِ الصُّدُودَ ... البيت قال النحاس: أخبرنا علي بن سليمان، عن محمد بن يزيد المبرد أنّه خالف سيبويه في هذا، وجعل "ما" زائدة، وقدره: وقل وصال يدوم على طول الصدود، قال: والصواب عندي ما ذهب إليه سيبويه، لأنه إنما أراد تقليل الدوام، وقلما نقيضه كثر ما، وجعل سيبويه ما كافة. انتهى. وقال الأعلم: أراد: وقلما يدوم وصال، فقدَّم وأخر مضطرًا لإقامة الوزن، والوصال على هذا التقدير فاعل مقدّم، والفاعل لا يتقدَّم في الكلام، وفيه تقدير آخر وهو أن يرتفع بفعل مضمر يدلّ عليه الظاهر، فكأنه قال: وقلما يدوم، وهذا أسهل في الضرورة، والأول أصح معنى، وإن كان أبعد في اللَّفظ. وقال ابن السرج في فصل الضرائر من كتاب "الأصول": ليس يجوز أن ترفع وصالًا بيدوم، ولكن يجوز عندي على إضمار يكون كأنه قال: قلَّما يكون

стр. 1845

وصال يدوم على طول الصدود. انتهى. ولا يخفى أنَّ هذا ليس من مواضع حذف كان، وقول المصنف في تقرير كلام المبرّد: ووصال فاعل لا مبتدأ غير جيد، فإنَّ المبرد مراده أنَّ وصالًا فاعل قل، لا فاعل يدوم المذكور ولا غيره من الأوجه المذكورة، واختاره أبو علي، وأيّده، وناقشناه في تأييده في شرح الشاهد الأربعين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي. والبيت من أبيات للمرَّار الفقعسي أوردها أبو محمد الأعرابي في "ضالة الأديب" وفي "فرحة الأدريب" وهي: صَرَمْتَ ولمْ تصرِمْ وأنتَ صَرُومُ ... وكيف تصابي مَنْ يُقَالُ حليمُ صَدَدْتَ فأطوّلْتَ الصُّدُودَ ولا أرَى ... وِصالًا على طُولِ الصُّدُودُ يَدُومُ وليس الغواني للجفاء ولا الذي ... لَهُ عن تقاضي دينهن هُمُومُ ولكنَّمَا يستنجِزُ الوعدَ تابِعٌ ... هواهُنَّ حلاَّفٌ لَهُنَّ أثِيمُ وعلى هذه الرواية لا ضرورة في البيت، قال أبو محمد: يقول: صرمت ولم تصرم صرم بتات، ولكن صرم دلال؛ يخاطب نفسه ويلومُها على طول الصُّدود، أي: ولا يدوم وصال الغواني إلا لمن يلازمهن ويخضع لهن، وفسر ذلك بالبيتين بعدهما. انتهى. ولمّا كان الصرم لا يتصوَّر إلاَّ من المعشوقة، أجاب بأنَّ العائق صَرَم صُرمَ دلال وتجلد. والمرار، بفتح الميم وتشديد الراء: هو ابن سعيد الفقعسي، نسب إلى فقعس وهو أحد أجداده، وتارة ينسب إلى جدّه الأبعد، فيقال: المرّار الأسدي، وهو أسد بن خزيمة بن مدركة، والمرار بن سعيد بن حبيب من شعراء الدولة الأموية، وقد أدرك العباسية، وكان مفرد القصر حقيرًا، وكان يهاجي المساور بن هند، قاله ابن قتيبة في كتاب "الشعراء".

стр. 1846

وأنشد بعده: فهلَّا نفسُ ليلى شفيعها وصدره: وَنُبِّئْتُ لَيْلى أرْسَلَتْ بشفاعةٍ ... إليَّ .. وتقدَّم الكلام عليه في الإنشاد الثامن بعد المائة. وأنشد بعده: قالتْ ألَا ليتَمَا هذَا الحَمَامُ لَنَا تمامه: إلى حمامَتِنًا أو نصفُهُ فَقَدِ وتقدَّم شرحه في الإنشاد الواحد والتسعين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع بعد الخمسمائة: أنَا الفَارِسُ الحامي الذِّمَارَ وإنَّمَأ ... يُدَافِعُ عَنْ أحسابِهِمْ أنَا أو مِثْلي على أنَّ أبا علي قال في "الشيرازيات": إنَهم عاملوا "إنما" معاملة النفي، وإلا في فصل الضمير، وأنشد البيت. اعلم أنَّ النحاة اختلفوا في إفادة "إنما" الحصر، وفي انفصال الضمير بعدها، أما الأول: فقد قال الزركشي في "بحر الأصول": إفادة إنما الحصر بالمنطوق بمعنى أنها وضعت لإثبات المذكور، ونفي ما عداه، أو لنفيه وإثبات ما عداه، وقيل: غنه بطريق المفهوم، لكن نقل الماوردي أنَّ حكم

стр. 1847

ما عدا المذكور موقوف على الدليل، وقال الجويني: الخلاف مبني على أنَّ الاستثناء من النفي إثبات أم لا؟ فإن قلنا: إنه إثبات، فالحصر ثابت بالمنطوق، وإلا فهو مفهوم، وإجراء هذا الخلاف في ما وإلا بعيد، والقول بأنها لا تفيد الحصر أصلًا، وإنما تفيد التأكيد مذهب الجباوي والآمدي ومن تبعهما، وهو المنقول عن أهل اللغة وارتضاه أبو حيان، وأيّده، ونقله عن البصريين، وقال القاضي والكِيًا: إنها محتملة التأكيد والحصر، وعليه استعمال العرب، ومن المفسرين من قال: إنها للحصر، كالرماني وابن عطية، والزمخشري، والفراء، وحجته "إنما الولاء لمن أعتق" ولا تكون ابتداء، بل رد الأمر محقق أو مقدر، واستدلوا بقوله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة/ ٢٧] وآيات أخر، وحكى ابن فارس أنها جاءت للتحقير، كقولك: "إنما أنا بشر"، وحكى ابن بابشاذ مجيئها للتقليل، ومجرد التأكيد، وقال ابن دقيق العيد: إنها للحصر مجازًا، والظاهر أنها وضعت للحصر من غير تركيب ونقل، وقال الفخر الرازي في توجيهه: إنَّ "إنَّ" للإثبات و"ما" للنفي، والأصل بقاؤهما على أصلهما، ولا يتوجهات معًا للمذكور والآخر لغيره، وليست ما لنفي المذكور وفاقًا، فتعين عكسه، وهو معنى القصر، وردَّ بأنَّ حكم الإفراد غير حكم التركيب، ولا نسلم أنه مركب، لأن الأصل عدم التركيب والنقل، وكون "إنَّ" للإثبات، وما النفي هنا ممنوع لدخولهما على المثبت والمنفي، فما كافة لا نافية للزوم اجتماع حرفي نفي وإثبات بلا فاصل، وخروجهما عن حقهما من الصدارة، والنصب في لغة، ويكون معنى "إنما زيد قائم" عدم قيامه. وقال أبو حيّان: هذا كلام من لم يشمّ رائحة العربية، وقال العضد: مراد الإمام أنها للحصر، وفيه إثبات ونفي لا أنها باقية على أصلها، وحكاه في "المحصول" عن

стр. 1848

أبي علي، وهو حكاه عن النحاة، وفي "المغني" لم يقله أبو علي في "الشيرازيات" ولا نحوي غيره، وإنما قال أبو علي: إنَّ العرب عاملتها معاملة ما وإلاَّ، وإنها أشربت معنى النفى، وفي "شرح اللمع" لابن برهان: من النحويين من أوَّل إنما بما وإلا، وحكاه أبو علي على بعض البغداديين، لقول الفرزدق، وقوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ) [الأعراف/٣٣] ولا يتبين صحته عندنا لقوله: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) [النحل/ ١٠٥] وأجيب بأنه حصر مجازي، ومنهم من قال: إنَّ "إنَّ" للتأكيد، وما للتأكيد أيضًا، فلذا أفادت الحصر، كما حكاه من عيسى الربعي، واستلطفه، وليس بشيء، لأنَّ زيادة التأكيد لا تفيد الحصر، وفي "المعالم": إنَّ أهل اللسان فهموا الحصر من كلام العرب كما فهمه ابن عبّاس من قوله: "إنما الربا في النسيئة" وخالفه الصحابة بدليل ربا الفضل، فهو إجماع منهم، وهو حسن، إلاَّ أنّه لو قيل عليه: إنه إنما فهمه من رواية: "لا ربا إلا في النسيئة" لا من إنما، ,الصحابة فهموه من قوله: "إنما الماء من الماء" كان أولى، واختار السكاكي أنَّ العرب عاملتها معاملة ما وإلاَّ في انفصال الضمير، كقوله: ما قطَّرَ الفارِسَ إلاَّ أنَا وزعم النحويون أنَّ المحصور يجب تأخيره وتقدُّم غيره مع إنَّما، واختلفوا في

стр. 1849

ما وإلا فذهب الكسائي إلى جواز التقديم والتأخير فيه، وذهب البصريون والفراء إلى أنه إن كان الفاعل هو المقرون بإلا وجب تقديم المفعول، وإن كان المقرون بإلا هو المفعول، لم يجب تقديم الفاعل، بل يجوز كما حكاه ابن النحاس. واعلم أنَّ الزمخشري قال: أنما المفتوحة للحصر أيضًا كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) [الأنبياء/ ١١٨] وبه صرَّح التنوخي في "الأقصى القريب" وأنكره أبو حيّان، ورد بأنَّ المكسورة أصل المفتوحة، فالظّاهر أنها مثلها، وفي "كتاب سيبويه" ما يدلّ على أنها لا تفيد القصر، فإنه قال في باب إنَّمَا: اعلم أنَّ كلَّ موضع تقع فيه أنَّ تقع فيه أنما، وما بعدها صلة لها كما في الذي، ولا تكون عاملة فيما بعدها كما لا يكون الذي عاملًا فيما بعده، فمن ذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) [الكهف/ ١١٠] الآية فإنما وقعت أنما ها هنا، لأنك لو قلت: أنَّ إلهكم إله واحد، كان حسنًا، هذا آخر كلام الزركشي في "البحر". وأما الثاني، فقد قال ناظر الجيش في "شرح التسهيل": في فصل الضمير بعد إنما مذهبان فمذهب سيبويه أنه ضرورة، لأنه لم يذهب إلى أنه بعد إلاَّ، وذهب الزجّاج إلى أنّه ليس بضرورة نظرًا للمعنى، فهو جائز عنده لا واجب، قال أبو حيّان: فقول ابن مالك: إنه يتعين الفصل مذهب ثالث، وصحح ابن عصفور أنه ضرورة، لدلالة قول العرب: أدافع عن أحسابهم، على أنّه من مواضع الاتصال وليس لشيء، لأنَّ الفصل إنَّمَأ يجب إذا قصر الحصر، وليس كلام العرب فيه، وأمّا قول سيبويه: إنَّ الفصل ضرورة في قوله: كأنَّا يومَ قُرَّى إنَّمَا نَقْتُلُ إيّانَا

стр. 1850

فإنما منعه من وجه آخر، وقال ابن مالك: قول الزمخشري في قوله: إنما نقتل إيَّانَا، إنه من وقوع المنفصل موقع المتصل وهمٌ منه، لأنّه لو قال: إنما نقتلنا جمع ضميرين بمعنى، أحدهما فاعل والآخر مفعول، وهو مختص بأفعال القلوب، وإنَّمَا غرَّه ذكره في باب الضرورة كقوله: إليكَ حتَّى بَلَغَتْ إيّاكَا فقول أبي حيّان: إنَّ ما ذكر في "التسهيل" خطأ وجهل بلسان العرب، لقوله تعالى: (إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ) [سبأ/ ٤٦] وقوله: (إِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ) [آل عمران/ ١٨٥] و (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) [يوسف/ ٨٦] فإنها لم تبرز فيها الضمائر. والمخطئ مخطئ لأنه ليس مما نحن فيه، ولسان حال المصنف يقول: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وخفاءُ مثله على الشيخ مما يتعجب منه. وقولهم: إنِّ سيبويه يقول: إنها لا تفيد الحصر مدخول، لأنَّ ما تمسكوا به من كلام الكتاب قد فسر بما يخالف ما قالوه، لأنَّ ما قاله من أنَّ انفصال الضمير ضرورة له وجه آخر غير ما قالوه، وهو أنَّ انفصال الضميرين في مثله ممنوع، فحقّه أن يقول إلاَّ أنفسنا، وقوله: إنَّ "إنما يعني إنَّ" بيان لأصل معناه، وهو الوكيد، والحصر لا يبحث عنه النجاة، فإنه وظيفة علم البيان إن قلنا إنه بطريق المفهوم، واعلم أن النحاة استدلوا على أنه بمعنى ما وإلا بانفصال الضمير، فإنه ينفصل بعد إلا، وهو المسموع من العرب، وعليه قول الفرزدق، وقيل: إنه ليس بضرورة لإمكان أن يقول: أدافع أنا، وأنا تأكيد للضمير المستتر، وقول أبي حيان ردًا عليه: إنه لم يقل أحد بوجوب انفصال الضمير بعد إنما، فإن سيبويه منعه، والزجاج جوزه: لا وجه له، لما علمت من توجيه كلام سيبويه،

стр. 1851

ومراد الزجاج بالجواز ورود الوجهين بعد إنما، أحدهما في البيت، والآخر في الايات بقطع النظر عما يعين أحدهما، وقد غفل عن هذا من ظنه واردا غير مندفع، وتوجهه بأنه بمعنى ما وإلا فيه أنه لا يلزم من كون شيء، بمعنى شيء أن يُعطى حكمه من سائر الوجوه، مع أنه قياس مع الفارق، لأن ما بعد إلا ليس فاعلًا، بل بدل مفرغ بتقدير: ما يضرب أحد، فيلزم انفصاله للفصل بينه وبين العامل، وأيضًا عامل أن لا يكون ماضيًا ولا مضارعًا، مبدوءًا بياء تحتية كقام أنا، ويضرب أنا، بخلافه بعد إلا، وقول السعد: إنا لا نسلّم أنَّ العل هنا غائب، لأنَّ غيبته وتكلمه وخطابه باعتبار المسند إليه، فليس غائبًا في: ما يقوم إلا أنا، ولو سلم فالمسند إليه هو المستثنى منه وهو غائب: لا وجه له لما قدمناه، ولم يأتوا من كلام العرب بما يشهد لانفصال الضمير في السعة، وبيت الفرزدق قد قيل: إنه ضرورة، وادّعاء مراعاة المعطوف وهو "مثلي" عكس المسموع في نحو: (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) [البقرة/ ٣٥]، وأما قوله: إنما نقتل إيانا، فقد تقدم ما فيه، وقول السيرافي: إنه بمعنى: ما يقتل بعضنا بعضًا، فلا محذور فيه: فيه بُعد لركاكته. واعلم أنَّ الحقَّ في دلالة إنما على الحصر أنّه إن قيل بانفصال الضمير بعدها، فهو بطريق المنطوق، وإلَّ فلا. هذا والبيت من قصيدة طويلة للفرزدق هِجا بها جريرًا، قال ابن حبيب في شرح المناقضات، قال أبو عبيدة: حدثني مِسْحل بن كُسَيْب، قال: حدثني أمي ربداء بنت جرير قالت: مر بنا الفرزدق حاجًا وهو مُعادِلٌ النوار بنتَ أعين بن ضُبيعة امرأتَه، حتى نزل بِلُعاظ ونحن بها، فأهدى له جرير، ثم أتاه، فاعتذر إليه من هجائه البعيثَ، وقال: فَعَلَ وفَعَلَ، ثمَّ أنشده جرير والنوارُ خلفه في فسيطيط صغير، فقالت: قاتله الله ما أرقَّ منسبتَهُ، وأشدَّ هجاءه، فقال الفرزدق: أترين هذا، أما إني لن أموت حتى أبتلى بمهاجاته، قالت: فلم يلبث من وجهه أن هجا جريرًا، فلمّا حجَّ عاهج الله بين الباب والمقام أن لا يهجو

стр. 1852

أحدًا أبدًا، وأن يقيد نفسه حتى يجمع القرآن، فلمّا قدم البصرة قيّد نفسه، وقال: أَلَمْ تَرَنِي عَاهَدْتُ رَبِّي وَإِنَّنِي ... لَبَيْنَ رِتَاجٍ قَائِمٌ وَمَقَامِ عَلى قَسَمٍ لا أَشْتِمُ الدَّهْرَ مسلِمًا ... وَلا خَارِجًا مِنْ فِيَّ زُورُ كَلامِ قال: وبلغ نساء بني مُجاشع فحشُ جرير بهنًّ، فأتين الفرزدق مقيدًا، فقلت: قَبَّحَ اللهُ قيدَك، وقد هتك جرير عوراتِ نسائِك، فَلُحِيتَ شاعرَ قومٍ، فأغضبنه، ففضَّ قيده، وقال: أَلا اسْتَهْزأتْ مِني هُنَيدةُ أن رَأَتْ ... أسِيرًا يُدانِي خَطْوَهُ حَلَقُ الحِجْلِ وَلَوْ عَلِمَتْ أَنَّ الوَثَاق أَشَدُّهُ ... إلى النَّارِ قَالَتْ لي مَقَالَةَ ذي عَقْلِ لَعَمْرِي لَئِنْ قَيَّدْتُ نَفْسي لطالمَا ... سَعَيْتُ وَأَوْضَعْتُ المَطْيَّةَ فِي جَهْلِ ثَلاثِينَ عَامَا مَا أَرَى مِنْ عَمَايَة ... إذَا بَرَقَتْ إلاَّ أشُدُّ لهَا رَحْلي أتَتْنِي أحَاديثُ البَعيثِ ودُونَهُ ... زَرُودُ فَشَامَاتُ الشَّقِيقِ مِنَ الرَّمْلِ فَقُلْتُ أَظَنَّ ابنُ الخَبيثةِ أنَّني ... شُغِلْتُ عَنِ الرَّامي الكِنَانَةَ بالنَّبْلِ فَإنِ يَكُ قَيْدِي كانَ قَيْدًا نذَرْتُه ... فَمَا بِي عَنْ أَحْسَابِ قَوْمِي مِنْ شُغْلِ أَنَا الضَّامِنُ الرَّاعي عَلَيْهِمْ وَإنَّمَا ... يُدَافعُ عَنْ أَحْسَابِهِم أَنا أَوْ مِثْلي قوله: يداني خطوها خطوَ: مفعول يداني، وحلق فاعل مؤخر، والحِجل بالكسر: القيدـ، وقوله: ولو علمت أن الوثاق، قال ابن حبيب: يريد استهزأت به حين رأته يرسف في القيد، ولو علمت أن أشد الوثاق وثاق النار ما استهزأت به، ولا لامت رجلًا قيد نفسه خوف النار. وأوضعت المطية إيضاعًا: رفعتها في السير، ووضعت هي تضع وضعًا: إذا أسرعت، والعماية بالفتح: الجهالة، يقول: لم أكن أرى جهلًا، إلا قصدتُ إليه وركبته، [وزرود: لبني مجاشع بين الثعلبية والأجفر]، ليس بني دارم بالطرق ماء غيره، والشقيقة: الجددُ بين الرملتين،

стр. 1853

وربما كان أميالًا، وأراد بأحاديث البعيث هجوَ جرير إيّاهُ، وكان يتحدَّثُ به الناس، والبعيث من رهط الفرزدق. وقوله: فقلت أظن: الهمزة للاستفهام، وابن الخبيثة فاعل ظن، قال ابن حبيب: يريد بابن الخبيثة جريرًا، يقول: إنما أراد جرير بهجاء البعيث غيره، كما صنع رامي الكنانة بصاحبها، وذلك أنَّ رجلًا من بني فزارة ورجلًا منبني أسد كانا راميين، فالتقيا، ومع الفزاري كنانة جديدة، ومع الأسدي كنانة رثة، فقال الأسديُّ للفزاري: أنا أرمي [أو أنت؟ قال الفزاري: أنا أرمي] منك، فقال له الأسدي: فإن أنصب كنانتي، وتنصب كنانتك حتى نرمي فيهما، فنصبَ الأسدي كنانته، فجعل الفزاري يرميها، فيقرطس حتى أنفّد سِهَامَهُ كلّها، فلما رأى الأسدي أن سهام الفزاري قد نفدت، قال: انصب لي كنانتك حتى أرميها فرمى فسدد السهم نحوه حتى قتله، فضربه الفرزدق مثلًا. انتهى. وقوله: أنا الضامن الراعي عليهم المشهور من غير هذه الرواية: "أنا الذائد الحامي الذمار" والذائد من الذود وهو الطردُ، والذمار بالكسر، قال الزمخشري في "الأساس": هو الحامي الذمار: إذا حمى ما لو لم يحمه ليم، وعنَّف عليه، والحسب: ما يعدّه الإنسان من مفاخِر آبائه، ومراده أنه الذي يدافع عن أحسابهم لا غيره، ولو قال: وإنما أدافع عن أحسابهم، لكان معناه: إنّه يدافع عن أحسابهم لا عن أحساب غيرهم، وهو غير مراده، وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أوَّل الكتاب.

стр. 1854

وأنشد بعده، وهو الإنشاد العاشر بعد الخمسمائة: قَدْ عَلْمَتْ سَلمَى وَجَارَاتُهَا ... مَا قَطَّرَ الْفَارِسَ إلَّا أَنَا لما تقدم قبله، قال سيبويه: وتقول: ما جاء إلا أنا قال عمرو بن معدي كرب: قَدْ عَلْمَتْ سَلمَى وَجَارَاتُهَا .. البيت. قال الأعلم: الشاعد في إظهار "أنا" وانفصاله بعد إلا حيث لم يقدر على الضمير المتصل بالفعل، ومعنى قطّر: صرعه على أحد قُطِرَيْه، أي: على أحد جانبيه، والقطر: الجانب. انتهى. والبيت من قطعة لعمرو بن معدي كرب في ديوانه. وهي: ألْمِمْ بِسَلْمَى قَبِلَ أَنْ تَظْعَنَا ... إنَّ بِنَا مِنْ حُبِّهَا دَيْدَنَا كأنَّ سلمى ظيبةٌ مُطْفِلٌ ... يرعَى حِقَافَ الرَّمْلِ مِنْ أَرْزَنَا تنشُرُ وَحْفًا مُسْبَكِرًا عَلى ... لَبَّاتِهَا أَسْوَدَ مُغْدَوْدِنَا قَدْ عَلِمْتْ سَلْمَى وَجَارَاتُهَا ... مَا قَطَّرَ الفَارِسَ إلاَّ أَنَا شَكَكْتُ بِالرُّمْحِ حَيَازِيمَهُ ... والخَيْلُ تَعْدُو زيِمًا حَوْلَنَا وَأَلْمِمْ: انزل، والدَّيْدَنُ: العادَةُ، وتظعن: ترتحل، ومطفل: ذات طفل، وحقاف جمع حِقف بالكسر: وهو التل من الرمل، وأرزن: موضع، والوحف: الشعر الكثير الأسود، واسبكرّ الشعر: استرسل، والحيازيم جمع حيزوم وهو ما حول الصدر، والزيم: المتفرقة، يقول: طعنت بالرمح في صدره، والخيل تجري بفرسانها يحمل بعضُهم على بعض، وزيمًا، منصوب على الحال. روى صاحب "الأغاني" بسنده عن قيس قال: شهدت القادسية، وكان سعد على الناس، فجاء رستم يمر بنا، وعمرو بن معدي كرب يمرّ على الصّفوف يحض

стр. 1855

الناس، ويقول: يا معشر المهاجرين كونوا أسودًا، وإنما الفارسي تيس، قال: وكان مع رستم إسوار لا تسقط له نشابة، فقيل له: يا أبا ثور اتق ذاك، فإنا لنقول له ذلك إذ رماه رمية، فأصاب فرسه، وحمل عليه عمرو فاعتنقه، ثم ذَبَحَهُ، وسلبه سوارين كانا عليه وقباء ديباج. قال أبو زيد: ذكر أبو عُبيدة أنَّ عمرًا يومئذ حمل على رجل، فقتله، ثم صاح: يا معشر بني زبيد دونكم القوم، فإنهم يموتون، قال: وحضر عمرو الناس وهم يقاتلون، فرماه رجل من العجم بنشابة، فوقعت في كتفه، وكانت عليه درع حصينة، فلم تنفذ، وحمل على العلج فعانقه، فسقط إلى الأرض، فقتله عمرو، سولبه ورجع بسلبه وهو يقول: أنَا أَبُو ثَوْرٍ وسيفي ذُو النونْ ... أضربهم ضرب غلامٍ مجنونْ يالَ زبيدٍ إنهمْ يموتونْ قال أبو عبيدة: وقال في ذرك عمرو بن معدى كرب: أَلْمِمْ بِسَلْمَى قَبْلَ أَنْ تَظْعَنَا إلى قوله: والخيلُ تَعْدُو زِيَمًا بينَنَا وشهد عمرو وقعة القادسية وهو ابن مائة وعشرين سنة. انتهى. وتقدَّمت ترجمته في افنشاد الخامس بعد المائة. وأنشد بعده: رُبَّمَا أَوْفَيْتُ في عَلَمٍ ... ـتَرْفَعَنْ ثَوْبي شِمَالاتُ وتقدَّم شرحه في الإنشاد السادس بعد المائتين.

стр. 1856

وأنشد بعده: رُبَّمَا الجَاهِلُ المُؤَبَّلُ فِيهِمْ تمامُه: وعَنَاجِيحُ بينَهُنَّ المِهَارُ وتقدَّم شرحه في الإنشاد الرابع عشر بعد المائتين. وأنشد بعده: كمَا سيفُ عَمْرٍو لمْ تخُنْهُ مَضَارِبُهْ صدره: أخٌ ماجِدٌ لَمْ يخزِني في يومَ مشهدٍ وتقدَّم الكلام عليه في الإنشاد الثالث والتسعين بعد المائتين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الحادي عشر بعد الخمسمائة: فَلَئِنْ صِرْتَ لا تُحِيرُ جَوَابًا ... لَبِمَا قَدْ تُرَى وَأَنْتَ خَطِيبُ على أنَّ ما كفّت الباء عن العمل، قال أبو حيان في "شرح التسهيل": قال المصنف في الشرح: وتحدث ما الكافة في الباء معنى ربما فمعنى: لبِمَا قَدْ تُرَى وَأَنْتَ خَطِيبُ ربما قد ترى، ومثله قول كثير: مَغَانٍ يُهَيِّجْنَ الحَليمَ إلى الهوَى ... وَهُنَّ قَدِيماتُ العُهُودِ دوَائِرُ بما قَدْ أَرَى تِلْكَ الدِّيَار وأَهْلَهَا ... وَهُنَّ جَمِيِعَاتُ الأنيسِ عَوَامِرُ أرادَ: ربما أرى، وقد مع المضارع يفيد هذا المعنى، ولكن اجتمعتا توكيدًا،

стр. 1857

كما اجتمعت عن والباء التي بمعناها في قول الشاعر: فأصبحْنَ لا يَسْألْنَه عَنْ بما بِهِ انتهى. وما ذهب إليه من أنَّ فيما ذكر كافة، وأنها أحدثت معنى التقليل غير صحيح، بل "ما" في ذلك مصدرية، والباء السببية المجازية، والمعنى على التكثير لا على التقليل، ونظيره قول الآخر: فَلَئِنْ فَلَّتْ هُذَيْلٌ شَبَاهُ ... لَبِمَا كَانَ هُذَيْلًا يَفُلُّ والفعل الذي تعلّق به الباء مقدّر قبلها، والتقدير: "لانتفاء إحارتك جوابًا برؤيتك وأنت خطيب". "وهنَّ قديمات العهود دواثر برؤيتي تلك الديّار". لفلّته بما كان يفلّها" والسببيَة ظاهرة في هذا البيت، وأمّا في البيتين قبله، فسبب خرسه بالموت كونه كان خطيبًا في الحياة، إذ ينشأ عن الحياة الموت، إذ مصير كلَ حيّ إلى الممات، وكذلك البيت الثاني سبب دثور الديار كونها كانت عامرة بأهلها، إذ مصير العمران للخراب، ولذلك جاء: لِدُوا للموتِ وابنُوا للخرابِ هذا آخر كلام أبي حيان. وقال تلميذه ناظر الجيش: ولا يخفى أنَّ ما قرره بعيد أن يكون مراد الشاعر، ولكن قول المصنف: إنَّ المراد التقليل غير ظاهر. انتهى. والبيت من أبيات أوردها أبو علي القالي في "أماليه" قال: أنشدنا أبو عبد الله نفطويه قال: أنشدنا أبو العبّاس أحمد بن يحيى النحوي لمطيع بن إياس الكوفي يرثي يحيى بن زياد الحارثي:

стр. 1858

ويُنَادُونَهُ وقدْ صُمَّ عنهُمْ ... ثمَّ قالوا وللنساءِ نَحِيبُ ما الذي غَالَ أن تُحِيرُ جَوَابًا ... أيُّهَا المصقَعُ الخطِيبُ الأديبُ فلئن كنتَ لا تُحِيرُ جَوَابًا ... فبما قد تُرَى وأنْتَ خَطيبُ في مقالٍ وَمَا وعظْتَ بشيءٍ ... مثلَ وعظٍ بالصمتِ إذْ لا تُجِيبْ انتهى. ورأيت في "تهذيب الطبع" وهو كتاب في نقد الشعر والبديع لم أعرف مؤلفه، نسبة هذه الأبيات لصالح بن عبد القدوس قال: ولما مات الاسكندر ندبه أرسطاليس، فقال: طالما كان هذا الشخص واعظًا بليغًا، وما وعظ بكلامه موعظة قط أبلغ من موعظته اليوم بسكوته، فأخذه صالح بن عبد القدوس، فقال: ويُنَادُونَهُ وَقَدْ صُمَّ عَنْهُمْ ... ثُمَّ قالُوا ولِلنِّسَاءِ نَحِيبُ مَا الذي عَاقَ أنْ تَرُدَّ جَوَابًا ... أيها المِقْوَلُ الخطيبُ الأَديبُ إنْ تكَنْ لا تُطيِقُ رَجْعَ جَوَابٍ ... فَبِمَا قَدْ تُرَى وَأَنْتَ خَطِيبُ ذُو عِظَاتٍ وَمَا وَعَظْتَ بشيءٍ واختصره أبو العتاهية في بيت فقال: وكانَتْ في حياتِكَ لي عِظَاتٌ ... فَأَنْتَ اليَوْمَ خَيْرٌ مِنْكَ أَمْسِ ومثله لإسماعيل بن القاسم: وكانتْ في حياتِكَ لي عِظَاتٌ ... فأنتَ اليومَ أوعَظُ مِنْكَ حيّا انتهى. وقوله: فَبِما قد ترى وأنت خَطِيب، كذا رأيته في الكتابين فبما بالفاء موضع اللام، وهو مبني على مذهب الكوفيين في جعل الجملة لعد لئن جوابًا للشرط دون القسم، ورواية البصريين لَبِما باللام على جعل الجملة جوابًا للقسم المقدر لسبقه لا للشرط، لأنه متأخر عن اللام الموطئة للقسم، وهذا في الحقيقة سبب، والجواب محذوف، أي: لم يقدح في فصاحتك. وأقول: إسماعيل بن القاسم هو الملقب بأبي العتاهية، وقد أنشد المبرد في "الكامل" البيت الأخير من أبيات له وهي:

стр. 1859

طَوَتْكَ خُطُوبُ دَهْرِكَ بعدَ نَشْرٍ ... كَذَاكَ خُطُوبُهُ نُشْرًا وَطَيَّا فَلَوْ نَشَرَتْ قُوَاكَ لِيَ المَنَايَا ... شَكَوْتُ إِلَيْكَ مَا صَنَعَتْ إلَيَّا بَكَيْتُكَ يَا أُخَيَّ بِدَمْعِ عَيْنِي ... فلَمْ يُغْنِ البُكَاءُ عَلَيْكَ شَيَّا كَفَى حُزنًا بِدَفْنِكَ ثُمَّ إنِّي ... نَفَضْتُ تُرَابَ قَبْرِكَ عَنْ يَدَيَّا وكانَتْ في حَيَاتِكَ لي عِظَاتٌ ... فَأَنْتَ اليَوْمَ أَوْعَظُ مِنْكَ حَيَّا وكان إسماعيل بن القاسم لا يكاد يًخلي شعره مما تقدَّم من الأخبار والآثار، فينظم ذلك الكلام المنشور، ويتناوله أقرب متناول، ويسرته أخفى سرقة. فقوله: فَأَنْتَ الْيَوْمَ أَوْعَظُ مِنْكَ حَيَّا إنما أخذه من قول الموبذِ الحاضر لقُبّاذ حيث مات، فإنه قال في ذلك الوقت: كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليومَ أوعظُ منه أمس، وأخذ قوله: قَدْ لَعَمْرِي حكيْتَ لي غُصَصَ المَوْ ... تِ وحَرَّكْتَني لَهَا وَسَكَنْتَا من قول نادب الإسكندر، فإنَّه لما مات، بكى من كان بحضرته، فقال نادبه: حركنا بسكونه. انتهى كلام المبرد. وكذا روى هذه الأبيات لأبي العتاهية ابن عبد ربه في "العقد الفريد" وعليّ بن أبي الفرج في "الحماسة البصرية" وقال أبو علي القالي في "ذيل الأمالي": حدَّثنا أبو بكر قال: حدَّثنا ابن الأنباري، قال: حدَّثنا أبو الحسن الأسدي، قال: حدَّثنا الرياشي، عن العتبيَّ عن أبيه، قال: رأيت امرأة بِضَرِيّة جالسة عند قبر تبكي وتقول: ألا مَنْ لي بِأُنْسِكَ يَا أُخَيَّا ... وَمَنْ لي أَنْ أَبُثَّك مَا لَدَيَّا طَوَتْكَ خُطُوبُ دَهْرٍ بَعْدَ نشرٍ ... كذَاكَ خُطُوبُهُ نَشْرًا وَطَيَّا إلى آخر الأبيات، والله أعلم بحقيقة الحال.

стр. 1860

وقوله: وينادونه وقد صُمَّ عنهم بالبناء للمفعول، والنحيب: رفع الصوت بالبكاء، وغال بالغبن المعجمة بمعنى: أهلك، وأن تحير مفعوله، أي: ما الذي أهلك ردّ جوابك، وروي بدله "عاق" من العوق"، وهو المنع والتأخير، وتحير مضارع أحار الجواب بالحاء المهملة، أي: رده، والمصقع بكسر الميم: الجهير الصوت، وترى بالبناء للمفعول، أي: كثيرًا ما ترى خطيبًا واعظًا بلسان الحال، فإن من نظر إلى ما كنت عليه، وما أُلت إليه، اتعظ بذلك. ومطيع بن إياس أبو سلمى الكناني الكوفي، قدم بغداد، وصحب المنصور والمهدي من بعده، وكان شاعرًا ماجنًا، ورمى بالزندقة، كذا في "تاريخ بغداد". وأما يحيى بن زياد الحارثي، فهو يحيى بن زياد بن عبيد الله [بن عبد الله] بن عبد المدان بن الديان الحارثي الكوفي، وزياد بن عبيد الله هو حال أبي [العبّاس] السفاح، ويكني يحيى أبا الفضل، وكان يعرف بالزنديق، وكانوا إذا وصفوا إنسانًا بالظرف قالوا: هو أظرف من الزنديق، يعنون يحيى، لأنه كان ظريفًا، وهذا المعنى قَصَدَ أبو نواس بقوله: تِيهُ مُغَنٍّ وَظَرْفُ زِنْدِيقِ قال الصولي: وإنما قال ذلك، لأنَّ الزنديق لا يَرَعُ عن شيءٍ، ولا يمتنع مما يُدعى إليه، فنسبه إلى الظرف لمساعدته على كلّ شيء، وقلة خلافه كذا في "أمالي السيد المرتضى" قدَّس الله روحه. وأمّا صالح بن عبد القدّوس أبو الفضل البصري مولى الأزد، فهو أحد الشعراء، اتهمه المهدي بالزندقة، فأمر بحمله إليه، فلمَّا خاطبه، أعجب بغزارة أدبه وعلمه، وبراعته وحسن ثباته، وكثرة حكمته، فامر بتخلية سبيله، فلمّا ولي، ردّه، وقال له ألست القائل:
следующие страницы →