Полный текст (2 797 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
في «التسهيل» وشرحه جعل الهمزة الصالح موضعها لأي شاملة لكلا الهمزتين, وأقره عليه من شراحه أبو حيان والمرادي وابن عقيل, وهذا هو الموافق لصريح كلام سيبويه كما يأتي نصه.
وثانيهما: أنه جعل الهمزة بعد ما أبالي, وبعد لا أدري لغير التسوية, وهو الاستفهام الحقيقي, لصلاحية «أي» موضع الهمزة وأم ومدخولهما, ولهذا قال: لأن المعنى معنى أي, ومدار الاستفهام مع أم عنده صحة حاول أي محلهما, سواء كان قبلهما ما أدري أم لا أبالي, أم ليت شعري, أم سواء أم لا, وحينئذ لم يبق لهمزة التسوية موضع يخصها, فإن في هذه المواضع الأربعة يصح حاول أي موضع الهمزة وأم, فلا وجه حينئذ لجعل همزة التسوية عديلة لهمزة الاستفهام الحقيقي, وهذا مخالف لكلام النحويين, فإنهم قالوا: إن همزة التسوية هي المسوقة بسواء, أو ما أبالي, أو ما أدري, أو ليست شعري ونحوهن, وجعلوها قسيمة لهمزة الاستفهام الحقيقي.
قال سيبويه في باب «أم إذا كانالكلام بها بمنزلة أيهما وأيهم» وذلك [قولك]: أزيد عندك أم عمرو, وأزيدًا لقبيت أم بشرا؟ فأنت الآن مدع أن عنده أحدهما, لأنك إذا قلت: أيهما عندك؟ أو: أيهما لقيت؟ فأنت مدع أن المسؤول قد لقي أحدهما, أو أن أحدهما عنده إلا أن علمك استوي فيهما, لا تدري أيهما هو, إلى أن قال: ومن هذا الباب قوله: ما أبالي لزيدًا لقيت أم عمرًا, وسواء على أزيدًا كلمت أم عمرًا, وإنما جاز حرف الاستفهام هنا لأنك سويت الأمر [ين] عليك كما استويا حين قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فجرى هذا على حرف الاستفهام, كما جرى على حرف النداء قولك: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة,
стр. 212
وإنما لزمت أم هنا لأنك تريد معنى أيهما, ألا ترى أنك تقول: ما أبالي أي ذلك كان, وسواء على أي ذلك كان, والمعنى واحد. وأي ههنا تحسن وتجوز كما جازت في المسألة, ومثل ذلك: ما أدري أزيد ثم أم عمرو, وليت شعري, أزيد ثم أم عمرو, فأوقعت أم ههنا كما أوقعته في الذي قبله, لأن هذا يجري على حرف الاستفهام حيث استوى علمك كما جرى الأول, ألا ترى أنك تقول ليت شعري أيهما ثم, وما أدري أيهما, فيجوز أي ويحسن, كما جاز في قولك: أيهما ثم. هذا كله كلام سيبويه.
فأنت ترى كيف أشرك الهمزتين في أي, وفصل الكلام على همزة التسوية الواقعة بعد تلك الكلمات الأربع عن همزة الاستفهام الحقيقي بقوله: ومن هذا الباب, ومثل لهمزة التسوية بأمثلة وقعت أم فيها بين مفردي جملة واحدة, وأقره عليه السيرافي وأبو علي الفارسي في تعليقته على «الكتاب».
قال السيرافي بعدما قرر كلام سيبويه وشرحه: وقد اتسعت العرب في ذلك, أي: في الاستفهام, فاستعماوه في غير الاستفهام في مواضع مختلفة إلى أن قال: ومنه: م أدري أزيد في الدار أم عمرو؟ فهذه حال السائل. فإذا سأل وهذه حاله قال: أزيد في الدار أم عمرو, ومنه قول القائل: ليت شعري أزيد في الدار أم عمرو, وتمنى أن يعلم ما يسأل عنه السائل إذا قال: أزيد في الدار أم عمرو, ومنه: ما أبالي أزيد جاءك أم عمرو, سويت بين الأمرين في منزلتهما عندك, وهو أنهما عليك سواء, ومنه: سواء علي أقمت أم قعدت, ومعناه: قيامك وقعودك علي مستويان, وإنما جاز الاستفهام وأم في هذه الأشياء, وإن لم تكن استفهامًا, لما فيها من التسوية والمعادلة, فشبهت من الاستفهام بما فيها من التسوية والمعادلة, لاجتماعهما في التسوية والمعادلة, لا في حرف الاستفهام, كما جرى
стр. 213
حرف النداء في قولك: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة, ولست تناديه, وإنما تخصه فتجريه على حرف النداء, لأن النداء فيه اختصاص, فيشبه به الاختصاص لا لأنه منادى. انتهى.
ولما رأى ناظر الجيش المخالفة بين كلامي ابن مالك, حاول التوفيق بينهما, فقال في «شرح التسهيل»: لأا شك أن المسألة تحتاج إلى تحقيق, ويظهر أن يقال: إن «ما أبالي» يمكن أن يقال لإرادة معنى التسوية بالكلام الي هي فيه, بمعنى أن الأمرين المذكورين بعدهما مستويان عند المتكلم بهما, ويمكن أن يقال: لإرادة عدم المبالاة, أي: لا أبالي فعلك, وكذا لا أدري يمكن أن يراد بهما استواء الأمرين عند المتكلم بها, بمعنى أنهما استويا عنده في عدم العلم, ويمكن أن يراد بها عدم الالتفات, والمعنى حينئذ يرجع إلى معنى عدم المبالاة, وإذا كان كذلك, كان لكل من الكلمتين اعتباران فيحسن الاستشهاد بهما لمعنى التسوية, وللمعنى الآخر.
هذا كلامه. فعلى ما ذكرنا, كيف يجوز تغليط ابن الشجري مع إمامته, وهو في ذلك تابع لكلام سيبويه وأصحابه! وعلى فرض أنه لم يوجد لسيبويه نص ينزل على نحو ما ذكره ناظر الجيش, وما قاله ابن الشجري في بيت زهير أورده في موضعين من «أماليه» أولهما في المجلس الرابع والثلاثين في بحث همزة الاستفهام وثانيهما في المجلس السابع والسبعين في بحث «أم».
وقول المصنف: وأن الكلام معها قابل للتصديق والتكذيب لأنه خبر .. الخ, منقوض بصور وقعت فيها أم متصلة بعد همزة ليست للتسوية ولا للاستفهام الحقيقي بل للإنكار أو التعجب, وقد ذكره المصنف في قوله تعالى: ﴿أمن هو قانت﴾ [الزمر/٩] وأم المقدرة فيه متصلة وتقديرها: أمن هوقانت خير أم هذا الكافر,
стр. 214
والهمزة لغير الاستفهام الحقيقي كما صرح به, وليست أم منقطعة, لأن حرف الإضراب لا يقدر لعدم الدال عليه.
وأجاب الدماميني بأن المراد بقوله: الاستفهام معها على حقيقته ليس كونه كذلك دائمًا, وإنما المراد في الجملة, فوجه الفرق أن «أم» في التسوية لا استفهام معها البتة, لأنه خبر محض دائمًا, والواقعة بعد غيرها يوجد معها الاستفهام الحقيقي في الجملة في بعض الصور, ثم قال: إنه يأباه قوله بعده: إن الهمزة إذا كانت للإنكار كانت بمزلة النفي, والمتصلة لا تقع بعده, وهذا يقدح في هذا الجواب, فالإشكال باق على حاله.
قال شيخنا الخفاجي: الجواب المذكور لا يدفع الإشكال, فإنه إذا ثبت ما يخالفه ولو في صورة واحدة, لم يحصل الفرق, فالإشكال باق مجاله, وإن تبعه جميع الشراح فيما قال. انتهى.
وقول المصنف في أم بعد همزة التسوية: لا تقع إلا بين جملتين, لم أره بالحصر لأحد إلا لناظر الجيش, فإنه قال في «شرح التسهيل»: إن كانت الهمزة للتسوية فلا يكون مصحوباهما إلا جملتين, والجملتان في تأويل مفردين, ويكونان فعليتين واسميتين ومختلفتين, ومثل بما مثل به المصنف, وهو مخالف لما مثل به سيبويه في كلامه الذي نقلناه من وقوع أم بين مفردي جملة, ومن شواهده بيت زهير المذكور, وقول بثينة ترثي جميلًا:
سواء علينا يا جميل بن معمرٍ ... إذا مت بأساء الحياة ولينها
وقول الآخر:
سواء إذا ما أصلح الله أمرهم ... علي أوفر ما لهم أم أصارم
стр. 215
وقال أبو حيان في «شرح التسهيل»: ومما عودل فيه بين الجملة وبين المفرد قوله:
سواء عليك النفر أم بت ليلة ... بأرض القنان من نمير وعامر
وكذا قال في «الارتشاف» وقول المصنف: إن أم الأخرى تقع بين جملتين ليستا في تأويل المفرد, هذا القيد لم أره في كلام أحد, بل رأيت ابن الناظم صرح بخلافه في شرح الألفية, قال: وتقع أم بعد هذه الهمزة بين مفردين نحو: أزيد في الدار أم عمرو, وبين جملتين في تأويل المفردين, وقد يكونان فعليتين أو ابتدائيتين, أو إحداهما فعلية والأخرى ابتدائية, ومثل بالأبيات التي مثل بها المصنف. ولأبي حيان مثله, قال في «شرح التسهيل»: ويأتي بعد أم هذه المفرد والجملة في تقدير المفرد أو في معناه, فالجملة في تقدير المفرد, نحو قوله:
أمخدج اليدين أم أتمت
فأتم في تقدير المفرد, وتقديره: أمخدج اليدين أم متمًا, والجملة في معنى المفرد: أقام زيد أم قعد, تريد: أي الفعلين كان, والمعنى: أكان من زيد قيام أم قعود. انتهى. وكذا في «الارتشاف» وهذا هو الصواب, لأن الجمل التي بعد: ليت شعري, وما أبالي وما أدري, وقعت معلقة بالاستفهام عن العامل, وهو طالب للعمل في محلها.
والقاعدة: أن كل جملة لها محل من الإعراب لابد أن تكون حالة محل المفرد, وأبو حيان حكم لها بالإفراد حتى في الجمل المستأنفة التي لم يطلبها عامل, كما رأيت في كلامه. وقول المصنف: ومثله بيت زهير السابق, أراد أن معنى بين زهير: ما أدري أي الفريقين آل حسن. كما قال في بيت شعيث, والمعنى:
стр. 216
ما أدري أي النسبين هو الصحيح, لأن بيت زهير على معنى أي, كبيت شعيث, وأي لا تكون خلفًا عن همزة التسوية, وأم عنده وعند ابن مالك في أحد قوله, فصحة حاول أي موضعها دل على أن الهمزة ليست للتسوية, وقد قدمنا ما يرده, وهو أن سيبويه وأصحابه وابن مالك في «التسهيل» وشرحه يجوز عندهم أن تخلف أي همزة التسوية وأم, وليس المثلية في بيت زهير لبيت شعيث أن يجعل ما بعد أم جملة اسمية بتقدير مبتدأ, والتقدير: أم نساء هم, وأم هم نساء, لأن المصنف عنده أن الهمزة في بيت زهير لغير تسوية, و «أم» الواقعة بعد همزة غير التسوية تقع بين مفردين كما قرره المصنف, فكيف يقدر ما هو مستغنى عنه! ؟ ولم يفهم الدماميني غير هذا, وتبعه من جاء بعده من الشراح, قال: يريد أن بيت زهير مثل بيت شعيث بن سهم من حيث وقوع أم فيه بين جملتين وهو معترض بحسب الظاهر, إنما وقعت بين جملة اسمية ومفرد, فإن قلت: التقدير أم هم نساء, قلت: هو ممكن لكن يبقى النظر في تفريقه بين الآية الشريعة, وهو قوله تعالى: ﴿أأنتم أشد خلقًا أم السماء﴾ [النازعات/٢٧] وبين بيت زهير, فتقدير جزء تتم به الجملة في البيت دون الآية تحكم, انتهى كلامه.
وقول المصنف إن ابن الشجري توهم أن معنى الاستفهام فيه غير مقصود, أقول: قائل البيت, وهو زهير, يعلم قطعًا أن آل حسن من أي الفريقين, وإنما أورده بصورة الاستفهام لغرض التجاهل والتهكم, فكيف يكون استفهامًا يطلب بالهمزة وأم التعيين! وما ذكره من قوله: علمت أزيد في الدار أم عمرو, حققه السيرافي فقال: وقد اتسعت العرب في ذلك فاستعملوه في غير الاستفهام
стр. 217
في مواضع مختلفة, فمن ذلك قول القائل: قد علمت أزيد في الدار أم عمرو, فهذا ليس باستفهام, والمتكلم فيه بمنزلة المسؤول, والمخاطب يصير بمنزلة السائل, لأن الذي يقول: قد علمت أزيد في الدار أم عمرو, قد عرفه بعينه, فهو بمنزلة المسؤول الذي يقال له: أزيد في الدار أم عمرو؟ ولأنه يعرفه بعينه, والمخاطب إذا قال له القال: قد علمت أزيد في الدار أم عمرو, يعتقد من قول المتكلم له أن أحدهما في الدار ولا يعرفه بعينه, فهو بمنزلة السائل في الأول. انتهى كلامه.
ومن هنا نرجع إلى شرح البيت فنقول: قوله: لعمرك ما أدري وإن كنت داريًا .. تقدم الكلام عليه في شرح الشاهد السادس, وقوله: شعيث ابن سهم .. الخ, قال الأعلم: المعنى: ما أدري أشعيث من بني سهم أم هم من بني منقر؟ وشعيث: حي من تميم من بني منقر, فجعلهم أدعياء وشك في كونهم منهم أو من بني سهم. وسهم هنا حي من قيس. انتهى. وكذا في شرح السيرافي, قال يهجو هذه القبيلة, فيقول: لم تستقر على أب لأن بعضها يعزوها إلى منقر, وبعضها يعزوها إلى سهم. انتهى.
وشعيث: بضم الشين وفتح العين المهملة وآخره ثاء مثلثة قال العسكري في كتاب «التصحيف» والأعلم: ومن رواه بالباء الموحدة فقد صحفه, ومنقر بكسر الميم وفتح القاف: بطن من تميم وهو منقر بن عبيد – بالتصغير – ابن مقاعس ابن عمرو بن كعب بن زيد مناة بن تميم, كذا في «جمهرة الأنساب» وقوله: وسهم حي من قيس, أي: من قيس عيلان, وهو سهم بن عمرو بن ثعلبة بن غنم بن قتيبة بن باهلة, وينتهي نسبه إلى غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر, وفي قريش أيضًا سهم أبو حي, وهو سهم بن عمرو بن هصيص – بالتصغير –
стр. 218
ابن عمرو بن جمح - بضم الجيم وفتح الميم - ابن كعب بن لؤي, ومنهم قيس بن عدي بن سعد بن سهم.
وشعيث المذكور لم أر له ذكرًا في «جمهرة الأنساب» ولا في «الصحاح» ولا في «تهذيب الأزهري» وفي «القاموس»: شعيث كزبير: ابن محرز.
والبيت أنشده سيبويه للأسود بن يعفر, وقال السيرافي: وفي نسخة عتيقة من «الكتاب»: قال أوس بن حجر, بدل الأسود بن يعفر. انتهى.
وأنشده المبرد في موضعين من «الكامل» للشعين المنقري والله تعالى أعلم.
ونقل أبو الوليد الوقشي فيما كتبه على «كامل المبرد» عن «البيان» للجاحظ أنه قال: ذكروا أن شعيث بن سهم بن محرز بن حزن أغير على إبله, فأتى أوس بن حجر يستنجده, فقال أوس: أوخير من ذلك! احضض لك قيس بن عاصم, وكان يقول: إن حزن بن الحارث هو حزن بن منقر, فقال:
سائل بها مولاك قيس بن عاصم ... فمولاك مولى السوء إن لم يعير
لعمري ما أدري أمن حزن محرز ... شعيث ابن سهم أم الحزن ابن منقر
وكتب الوقشي على الموضع الثاني من «الكامل» بعد إنشاد البيت الثاني: قال الجاحظ: كان يقال: إن حزن بن الحارث يكون أبا جد شعيث بن سهم بن محرز بن حزن بن الحارث أحد بني العتبر بن عمرو بن تميم, وهو حزن بن منقر,
стр. 219
ولشعيث بن سهم وقول أوس هذا فيه خبر أثبته الجاحظ في «البيان». انتهى.
فظهر مما ذكرنا أن شعيثًا ليس بأبي قبيلة, وظهر قول من قال: إن تنوينه حذف للضرورة, ولا يتأتى دعوى منع الصرف للعلمية والتأنيث باعتبار القبيلة, وإنما اعتبر منونًا حذف تنوينه للضرورة لأنه أخبر عنه بابن, والعلم المنون إنما يحذف تنوينه إذا وصف بابن, ومن ثم يكتب ألف ابن أيضًا وإن كان واقعًا بين علمين.
وقول المصنف: والأصل: أشعيث بالهمزة في أول, والتنوين في آخره, فحذفهما للضرورة. انتهى. مذكور في غالب كتب النحو المبسوطة, كشروح «التسهيل» وغيرها, وحكمه هنا بأن حذف الهمزة ضرورة يخالف ما قدمه في بحث الهمزة من إطلاق جواز حذفها, سواء تقدمت على أم, أم لا.
وقائل البيت: هو أبو الجراح الأسود بن يعفر بن عبد الأسود بن جندل ابن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم.
قال صاحب «الصحاح»: والأسود ابن يعفر الشاعر إذا قلته بفتح الياء لم تصرفه, لأنه مثل يقتل, وقال يونس: سمعت رؤبة يقول: أسود بن يعفر بضم الياء, وهذا ينصرف لأنه قد زال عنه شبه الفعل. انتهى.
وذكره الآمدي في «المؤتلف والمختلف» فيمن لقب بالأعشى, فقال: ومنهم أعشى بن نهشل, وهو الأسود بن يعفر بن عبد الأسود بن حارثة بن جندل بن نهشل بن دارم, الشاعر المشهور. انتهى. قال السيوطي: وجعله محمد بن سلام الجمحي في الطبقة الثانية مع خداش بن زهير والمخبل السعدي والنمر بن تولب.
стр. 220
وهو شاعر مقدم من شعراء الجاهلية, وكان ممن يهجو قومه وليس بمكثر, وله القصيدة المشهورة التي أولها:
نام الخلي وما أحس رقادي ... والهم محتضر لدي وسادي
وفيها أبيات شواهد تأني في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وكان ينادم النعمان بن المنذر, ولما أسن كف بصره فكان يقاد. وابنه الجراح وأخوه حطائط شاعران, ومن شعر حطائط يقول لأمه وقد عاتبته على جوده:
أرني جوادًا مات هزلًا لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلًا مخلدا
ذريني أكن للمال ربا ولا يكن ... لي المال ربا تحمدي غبه غدا
ذريني يكن ما لي لعرضي واقيةً ... يقي المال عرضي قبل أن يتبددا
وأنشد بعده, وهو الانشاد الرابع والخمسون:
(٥٤)
تقول عجوز مدرجي متروحًا ... على بابها من عند أهلي وغاديا
أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومةٍ ... أراك لها بالبصرة العام ثاويا
فقلت لها لا إن أهلي لجيرة ... لأكثبة الدهنا جميعًا وماليا
стр. 221
وما كنت مذ أبصرتني في خصومةٍ ... أراجع فيها يا ابنة العم قاضيا
على أن قوله: «لا» ليس جوابًا لسؤالها, بل رد لما توهمته من وقوع أحد الأمرين: كونه ذا زوجة, وكونه ذا خصومة, ولهذا لم يكتف بقوله: لا, إذ كان رد ما لم يلفظ به إنما يكون بالكلام التام, فلهذا قال: إن أهلي جيرة .. البيت, وما كنت مذ أبصرتني .. البيت. قال الدماميني: وهذا السؤال والجواب مسطوران في «شرح الجمل» لابن عصفور, ومذكوران فيما وجد له من «شرح الجزولية» ولعل المصنف وقع له ذلك على سبيل المواردة ولاتفاق, ولم يطلق على كلامه. انتهى. قال شيخنا الشهاب الخفاجي: قلت: لا وجه لما ذكره من أن المصنف توارد فيه مع غيره, وأي مانع من أخذه من كلام غيره! وليس هذا بأحسن من عدم وقوفه على كتب من قبله. انتهى.
وهذه عبارة ابن عصفور: إن قال قائل: فكيف قال ذو الرمة: تقول عجوز .. الأبيات الأربعة؟ فأجاب «أم» من قوله:
أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة
بقوله: «لا» وهي متصلة, ألا ترى أنها تقدمنها الهمزة وما بعدها مفرد, فالجواب أن قوله: «لا» جواب لاعتقادها, وذلك أنها لم تسأل بأم المتصلة إلا بعدما قطعت في ظنها بأنه إما ذو زوجة وإما ذو خصومة, فأجابها عن ذلك بلا, كأنه قال: لست ذا زوجة ولا ذا خصومة. ولو كان سؤالها بأم سؤالًا صحيحًا, لم يكن الجواب إلا بأن يقول: ذو زوجة, أو: ذو خصومة, فإن قال قائل: فلعل أم هذه منفصلة, ويكون ذوخصومة خبر ابتداء مضمر, كأنه قيل: أم أنت ذو خصومة, فيكون ما بعدها جملة, ولذلك أجاب بلا, فالجواب أن أم المنقطعة إنما يجاب ما بعدها خاصة, لأن ما قبلها مضرب عنه, فلا يحتاج إلى جواب,
стр. 222
وهو ههنا قد أجاب عن قولها: أذو زوجة, وعن قولها: أم ذو خصومة, فنفى أن يكون ذا زوجة بالمصر بقوله: إن أهلي جيرة .. البيت. ونفى أن يكون ذا خصومة بقوله: وما كنت مذ أبصرتني في خصومة .. , فلم يبق إلا أن يكون محمولًا على ما ذكرنا. انتهى كلامه.
وأخذ الجواب أبو حيان أيضًا فقال في «شرح التسهيل»: لما رأته يتردد على بابها رواحًا وغدوًا, توهمت أنه ذو زوجة أو ذو خصومة: فأجابها بلا, أي: لست واحدًا من هذين, وأعلمها أنما توهمته لم يكن فتسألي عن تعيين ما توهمت أني متلبس به. انتهى.
وأخذه الخفاف أيضًا برمته, وأورده في «شرح الجمل» ولم يعزه إليه, وأخذه التاج التبريزي أيضًا وأورده في «شرح الكافية الحاجبية» بمقدار ما أورده المصنف, ثم قال: وقال مولانا عز الدين: إنما جاء بلا لأنه جعلها منقطعة, كأنها قالت: أذو زوجة بالمصر بل أنت ذو خصومة. انتهى كلامه. ولم يتعقبه بشيء, وهو مردود بما قاله ابن عصفور. ونقل ناظر الجيش كلام ابن عصفور برمته في «شرح التسهيل» وعزاه إليه. وأخذه الصفار أيضًا, وأورده في شرح «كتاب سيبويه» ولم يعزه إليه. ونقله عن الدماميني في «المزج» وعقبه بقوله: قلت: وظاهر كلامهم أن «لا» في كلام ذي الرمة هي الجوابية أخت «نعم» ولو قيل بأنها الناهية, والمعنى: لا تظني ما ذكرت من أني متصف بأحد ذينك الأمرين, وحذف الفعل المنهي عنه لقرينة قوله: إن أهلي جيرة .. الخ, لكان حسنًا, واندفع السؤال بذلك لابتنائه على أن «لا» هو الجوابية, وقد منعناه فتأمله.
стр. 223
أقول: تأملناه فوجدناه غير جائز, فإنه لم يسمع حذف جملة المنهي عنه مع بقاء حرفه.
قال المرزباني في «الموشح» أخبرني الصولي قال: حدثني القاسم بن إسماعيل قال: حدثني أبو عمر الجرمي قال: قدم ذو الرمة على بلال بن أبي بردة, فجعل يتردد إليه, وأراد أن يبتدئ قصيدة فيه فعي, فقالت له عجوز مر بها – وكان جميلا –: قد طال تردادك أفإلى زوجة سعدت بها, أم إلى خصومة شقيت بها؟ ! فقال لراويته: جاء والله ما أريد, ثم قال: تقول عجوز مرجي متروحًا .. البيتين. ثم مر في القصيدة. انتهى. وهذه الأبيات من قصيدة مدح بها بلال بن أبي بردة, وذكر في أول القصيدة ديارمي, ثم نسب بها في أبيات أكثر من عشرين بيتًا, ثم قال:
تقول عجوز مدرجي متروحًا ... على بابها من عند رحلي وغاديا
وقد عرفت وجهي مع اسم مشهر ... على أننا كنا نطيل التنائيا
أذو زوجة بالمصر .. إلى آخر الأبيات الثلاثة.
وبعدها:
ولكنني أقبلت من جانبي قسا ... أزور امرءا محضًا نجيبًا يمانيا
من ال أبي موسى ترى الناس حوله ... كأنهم الكروان أبصرن بازيا
مرمين من ليث عليه مهابة ... تفادى الأسود الغلب منه تفاديا
стр. 224
فما يغربون الضحك إلا تبسما ... ولا ينسبون القول إلا تناجيا
لدى ملك يعلو الرجال بهيبةٍ ... كما يبهر البدر النجوم السواريا
فلا الفحش منه يرهبون ولا الخنا ... عليهم ولكن هيبة هي ماهيا
فتى السن كهل الحلم ت سمع قوله ... يوازن أدناه الجبال الرواسيا
وهي طويلة عدتها تسعة وخمسون بيتًا. وقوله: مدرجي متروحًا على بابها, مدرجي: بفتح الميم: مصدر درج الرجل بمعنى مشى.
ومتروح: اسم فاعل, قال صاحب «المصباح»: راح يروح رواحة, وتروج مثله, يكون بمعنى الغدو, وبمعنى الرجوع, وقد طابق بينهما في قوله تعالى: ﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾ [سبأ /١٢] أي: ذهابها ورجوعها. وقد يتوهم بعض الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار, وليس كذلك, بل الرواح والغدو عند العرب يستعملان في المسير أي وقت كان من ليل أو نهار, قاله الأزهري. انتهى. وهو في البيت بمعنى الرجوع لمقابلته بغاديًا من الغدو, وهو الذهاب في الغدوة, قال صاحب «المصباح»: غدا غدوًا, من باب قعد: ذهب غدوة, وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس, هذا أصله, ثم كثر حتى استعمل في الذهاب والانطلاق أي وقت كان. انتهى.
والرحل: بالحاء المهملة, قال صاحب «المصباح»: ورحل الشخص: مأواه في الحضر, ثم أطلق على أمتعة المسافر, لأنها هناك مأواه. انتهى. ووقع في «المغني» وغيره: «أهلي» بدله, والأول أولى. ومدرجي مبتدأ, ومتروحًا حال من ياء المتكلم, وصح مجيء الحال من المضاف إليه, لأن المضاف مصدر عامل في صاحب الحال والحال, وغاديا معطوف على متروحًا. قال الدماميني في
стр. 225
«المزج»: وقد يستكشل عطف قوله: غاديًا, مع أنه من معمولات المصدر المخبر عنه بقوله: على بابها, أو بقوله: من عند أهلي, ففيه الإخبار عن المصدر قبل استكمال معمولاته وهوممتنع, ويجاب بمنع أن يكون «على بابها» أو «من عند أهلي» خبرًا, بل الكل من معمولات المصدر, والخبر محذوف: أي حاصل. انتهى. وجملة المبتدأ والخبر صفة عجوز.
وقد أورد المبرد في «الكامل»: المقدار الذي أوردناه من شعر ذي الرمة وتكلم عليها. قال: قوله: مدرجي, يقول: ممري, فأما قولهم في المثل: خير من دب ودرج, فمعناه: من حيي ومن مات, يريدون: دب على وجه الأرض, ومن درج عنها فذهب. انتهى.
وقوله: وقد عرفت وجهي .. الخ, يقول: عرفت وجهي لكثرة ترددي على بابها لشهرة اسمي على أنني قد كنت أطيل الغيبة أحيانًا عن المصر.
وقوله: أذو زوجة بالمضر .. الخ, ذو: خبر مبتدأ محذوف تقديره: أذو زوجة بالمصر أنت, وقوله: بالمصر: ظرف في موضع الصفة لزوجة, والمصر: المدينة, وأوراد به البصرة, وثاويًا: حال من الكاف إن كانت الرؤبة بصرية, ومفعول ثان إن كانت الرؤية علمية.
والثاوي: المقيم, قال المبرد: يقال: ثوى الرجل فهو ثاو يا فتى: إذا أقام, وهي أكثر, ويقال: أثوى فهو مثو يا فتى, وهي أقل, ومن ذلك قول الأعشى:
أثوى وقصر ليلة ليزودا ... ومضى وأخلف من قتيلة موعدا
انتهى.
стр. 226
وفي البيت رد على من زعم أنه لا يقال زوجة.
قال المرزباني في «التوشيح»: أخبرني محمد بن العباس قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال: حدثنا عبد الله بن محمد التوري قال: سمعت الأصمعي يقول: ما أقل ما تقول العرب الفصحاء: فلانة زوجة فلان, إنما يقولون: زوج فلان, فقال له السدري: أليس قد قال ذو الرمة: أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة .. البيت! ؟ فقال: إن ذا الرمة قد أكل البقل والمماوح في حوانيت البقالين حتى يشم! انتهى.
وكذا نقل ابن جني في «الخصائص» عن أبي حاتم عن الأصمعي.
وقد أجاد أبو القاسم علي بن حمزة اللغوي البصري في الرد على الأصمعي, قال في الجزء الرابع من «التنبيهات على أغلاط الرواة» وهو الجزء الذي رد فيه على أبي عبيد في «الغريب المصنف» قال أبو عبيد قال الأصمعي: حنة الرجل: امرأته, وهي طلته وعرسه وقعيدته وربضه وظعينته وزوجته, ولا تكاد العرب تقول زوجته. قال أبو عبيد: هذا الحرف بلغني عنه, قال أبو القاسم: هذا صحيح من قول الأصمعي, وقد أساء فيه, وسنوضح ذلك إن شاء الله تعالى, وإنما ننبه على أغلاط الأصمعي في جملة مما ننبه عليه من كتب المصنفين, لأنها ليست له في كتاب مصنف يشمله التنبيه, وإنما جاءت في روايتهم عنه, فمتى مر منها شيء في كتبهم نبهنا عليه, ونسبنا الغلط في ذلك إليه, ولا شيء على الراوي إلا عيب التقصير في أن لم ينبه على غلطه قبلنا, والرواية ناقل, والمصنف ثاقد, وكذلك نفعل فيمن حاله حال الأصمعي ممن أغلاطه في كتب المصنفين موجودة.
стр. 227
وقول الأصمعي: لا تكاد العرب تعرف زوجته, غلط, وفصحاء العرب يقولون: زوج وزوجة, فمن قال في ذلك لقمان بن عاد, رواه عنه أهل الضبط الثقات, فقالوا: قال لقمان في خبر له:
يا ذا النجاد الحلكه والزوجة المشتركه
ليست لمن ليس لكه
ومنهم الفرزدق, وهو الذي يقول:
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
ومنهم العجاج, وهو الذي يقول:
لا تسأل الزوجة ريح العطر
ومنهم الشماخ حيث يقول:
قد أصبحت زوجة شماخ بشر ... فما أنال اليوم منها من خبر
ومنهم عمرة الخثعمية حيث تقول في مرثية ابنيها:
لقد ساءني أن عنست زوجتاهما ... وأن عريت بعد الوجا فرساهما
وقالت أخرى:
стр. 228
ترى زوجة الشيخ مغمومةً ... وتمسي الصحبته قاليه
وروى الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: سمعت عليًا ﵇ ينشد, والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم يسمع:
أنا أخو المصطفى لا شك في نسبي ... معه ربيت وسبطاه هما ولدي
جدي وجد رسول الله منفرد ... وفاطم زوجتي لا قول ذي فند
وأنشد ابن الأعرابي:
قد ثبت قبل الشيب من لداتي ... وذاك ما ألقى من الأذاة
من زوجة كثيرة السنبات
قال: أراد سوء الخلق وسرعة الغضب, وهي السنبة. رجل سنوب, أي: غضوب. وقال البحراني:
من منزلي قد أخبرجتني زوجتي ... تهر في وجهي هرير الكلبة
زوجتها فقيرة من حرفتي
ومنهم ذو الرمة:
أذو زوجة في المصر أم ذو خصومة .. البيت
وأنشد أبو عمرو:
وزوجةٍ كثيرة السنبات
وأنشد غيره لأخي المرار بن منقذ العدوي:
стр. 229
تحب زوجات أقوام حليلته ... إذا الأنوف امترى مكنونها الشم
وقال آخر:
تحب زوجات أآقوام حليلته ... إذا الدخان يغشي الأشمط البر ما
وأنشد ابن الأعرابي عن أبي زياد الكلابي.
وكانت من الزوجات يومن غيبها ... وترتاد فيها العين منتجعا حمدا
والزوجات: جمع زوجة, فأما جمع زوج فأزواج, قال : ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك﴾ [التحريم/١] فهذا قول فصحاء العرب, ولكن الأصمعي ينسى فيشترط, فيفسد عليه شرطه حفظ غيره, ولو ترك الشرط نجا من كثير مما غلط فيه. انتهى كلام علي بن حمزة البصري, ونقلناه برمته.
стр. 230
وقوله: فقلت لها لا .. الخ, أي: فقلت للعجوز إني لا زوجة لي ههنا, ولم أجئ في خصومة, إن أهلي. ومالي لأكثبة الدهنا, أي: ثم منزلي ومالي, قاله شارح الديوان. وجيرة: جمع جار, واللام للتأكيد تأتي في خبر إن, وأكثبة: جمع كثيب وهو التل من الرمل. قال المبرد: أكثبة جمع كثيب وهو أقل العدد, والكثير كثب وكثبان. انتهى. والدهنا قال المبرد: من بلاد بني تميم, ولم أسمع فيها إلا القصر من أهل العلم والعرب, وسمعت بعد من يروي مدها, ولا أعرفه. انتهى وقال صاحب «القاموس»: والدهناء: الفلاة, وموضع لتميم بنجد ويقصر. انتهى. فيجعل المد أكثر.
وقال أبو عبيد البكري في «معجم ما استعجم»: الدهنا بفتح أوله يمد ويقصر, قال ابن حبيب: الدهنا: رمال في طريق اليمامة إلى مكة لا يعرف طولها, وأما عرضها فثلاث ليال, وهي على أربعة أميال من هجر, ويقال في المثل: «أوسع من الدهنا». وعلم الدهنا هو قسًا, وأورد للمقصور والمدود يتبين. ومالي معطوف على جيرة, والألف للإطلاق, وقوله: وما كنت مذ أبصرتني بكسر التاء: خطاب للعجوز, وقاضيًا: مفعول أراجع, وقوله: يا ابنة العم, جعلها بنت عمه تلطفًا في خطابها, وفي ديوانه: «يا ابنة القرم» بفتح القاف وسكون الراء, قال شارحه: والقرم: الفحل, وفي رواية المبرد: «يا ابنة الخير» وهو مخفف خير بالتشديد, وجملة أراجع: خبر كنت.
وقوله: ولكنني أقبلت من جانبي قسًا, هو بفتح القاف والسين المهملة وألف مقصورة, قال المبرد: هو موضع من بلاد بني تميم, وقال أبو عبيد البكري:
стр. 231
هو مقصور [على وزن فعل] يكتب بالألف: على بالدهنا, جبيل صغير لبني ضة, وهذا خلاف المشهور. وجبيل – بالتصغير – تفسير لقوله: علم. وعبر عنه صاحب «القاموس» بقوله: قارة لتميم, ويمد. والمحض: الكريم الخالص.
وقوله: ترى القوم حوله, قال المبرد: كانت المخاطبة أولًا لامرأة ألا تراه يقول: وما كنت مذ أبصرتني .. البيت, ثم حول المخاطبة إلى رجل, والعرب تفعل ذلك, قال الله تعالى: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم﴾ [يونس/٢٢]. انتهى. يريد أنه من باب الالتفات. وقوله: كأنهم الكروان, هو بكسر الكاف وسكون الراء جمع كروان بفتحهما, كما يجمع ورشان على ورشان بكسر الواو وسكون الراء. وقال المبرد: الكروان: جماعة كروان, وهو طائر معروف, وليس هذا الجمع لهذا الاسم بكماله, ولكنه على حذف الزيادة وتقديره كرًا وكروان, كما تقول: أخ وإخوان, وو رل وورلان, وبرق وبرقان, والبرق أعجمي ولكنه قد أعرب وجمع كما تجمع العربية. واستعمل الكروان جمعًا على حذف الزيادة, واستعمل في الواحد, تقول العرب في أمثالها:
أطرق كرا أطرق كرا ... إن النعام في القرى
стр. 232
يريدون الكروان انتهى.
ورأيت بخط الحافظ مغلطاي في هامشه على هذا البيت: يشبه أن يكون هذا من قول مكي بن سواد البرجمي صاحب أبي عبيدة في خالد بن صفوان, أو مكي أخذه من ذي الرمة لكونهما في عصر واحد:
عليم بترتيب الكلام ملقن ... ذكور لما سداه أول أولا
يبذ خطيب القوم في كل مشهدٍ ... وإن كان سحبان الخطيب ودغفلا
ترى خطباء القوم يوم ارتجاله ... كأنهم الكروان أبصرن أجدلا
انتهى. والأجدل: الصقر. وقوله: مرمين .. الخو قال شارح الديوان: قوله: مرمين, أي: مطرقين من هيبته, يقال: أرم الرجل إرمامًا, والغلب: الغلاظ الأرقاب جمع أغلب, والأنثى: غلباء, وتفادى الأسود, أي: يتقي بعضها ببعض, أي يشهي ذا أن يقدم ذا. انتهى. وقال المبرد: مرمين, يريد: سكوتًا مطرقين, يقال: أرم إذا أطرق ساكتًا, وقوله: تفادى الأسود, معناه: تفتدي منه بعضها ببعض. انتهى. وقوله: فما يغربون الضحك .. البيت. قال شارح ديوانه: يقال: أغرب في الضحك إذا أكثر, فيقول: من هيبته إنما يتبسمون عنده, ويقال: ما نيس بكلمة, أي: ما تكلم بكلمة, وقوله: إلا تناجيًا, أي: إلا إسرارًا من هيبته. انتهى.
стр. 233
وقوله: لدى ملك .. البيت. لدى: ظرف, تنازعه يغربون وينسبون, ويجوز أن يتعلق بنتاجيًا. قال شارح ديوانه: لدى ملك, أي: عند ملك, وقوله: كما يبهر البدر النجوم, يقلو: يلعو الرجال بضوئه, كما يغلب ضوء البدر النجوم السواري, وهي التي تسري بالليل, انتهى. والمبرد لم يورد هذين البيتين.
وقوله: فلا الفحش منه يرهبون .. البيت. قال شارحه: أراد: لا يرهبون فحشه ولا خناه, قد أمنوا ذلك. وهيبة هي ماهيه: تعجب من عظمها, انتهى. وروى المبرد: «وما الخرق منه يرهبون» والخرق: بضم الخاء المعجمة: العنف, وقال: إذا رفعت هيبة, فالمعنى: ولكن أمره هيبة, كما قال تعالى: ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ﴾ [الأحقاف/٣٥] أي: ذلك بلاغ. ومن نصب هيبة أراد المصدر, أي: ولكن يهاب هيبة.
وأحسن ما قيل في هذا المعنى:
يغضي حياء ويغضي من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
وقال الفرزدق يعني يزيد بن الملهب:
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار
стр. 234
انتهى. وقوله: فتى السن .. البيت, قال شارحه: يريد هو كهل في حلمه, وفتى في سنه, وقوله: يوازن, أي: يحاذي أدناه الجبال الثابتة, وأراد: أدنى قوله يوازن الجبال, انتهى.
وذو الرمة: اسمه غيلان – بالعمعجمة – ابن عقبة من بني صعب بن مالك بن عدي, ولقب ذا الرمة لقوله:
أشعث باقي رمة التقليد
والرمة بضم الراء وتشديد الميم: قطعة من الحبل الخلق, وقيل لغير ذلك. قال: حماد الرواية: امرؤ القيس أحسن الجاهلية تشبيهًا, وذو الرمة أحسن الإسلام تشبيهًا, وما أخر القوم ذكره إلا لحداثة سنه, وأنهم حسدوه, وكان الفرزدق وجرير مجسدانه على شعره, وقال أبو المطرف: لم يكن أحد من القوم في زمانه أبلغ منه ولا أحسن جوابًا, ولقد عارضه رجل بسوق الإبل في البصرة يهزأ به, فقال: يا أعرابي أنشهد بما لا ترى؟ قال: نعم, أشهد أن أباك تاك أمك.
وقال أبو عمرو بن العلاء: ختم الشعر بذي الرمة, والرجز برؤبة, ومات بالبادية, ولما حضرته الوفاة قال: أنا ابن نصف الهرم, أي: ابن الأربعين, وقال السيوطي: مات ذو الرمة بأصبهان سنة سبع عشرة ومائة عن أربعين سنة, وقال الأصمعي: مات ذو الرمة عطشان, وأني بالماءوما به رمق فلم ينتفع به, وكان آخر ما تكلم به قوله:
يا مخرج الروح من نفسي إذا احتضرت
وفارج الكرب زحزحني من النار
стр. 235
أخرجه ابن عساكر. انتهى. وقد بسطنا ترجمته في الشاهد الثامن من أوائل شرح شواهد شرح الكافية للمحقق الرضي.
وبلال الممدوح هو بلال بن أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري. قال ابن حجر في «التهذيب»: هو من الطبقة الخامسة من التابعين, مات سنة نيف وعشرين ومائة, وقال في «تهذيب التهذيب»: هو أمير البصرة وقاضيها وروى عن أنس فيما قيل, وعن أبيه وعمه, روى له الترمذي حديثًا واحدًا, وذكره البخاري في «الأحكام» وذكره الصقلي في كتاب «الضعفاء» قال: خليفة الخياط ولاه خالد القسري القضاء سنة تسع ومائة. وحكي عن مالك بن دينار أنه قال لما ولي بلال القضاء: يا لك أمة هلكت ضياعًا. فلم يزل قاضيًا حتى قد يوسف بن عمر سنة عشرين ومائة, فعزله وروى المبرد أن أول من أظهر الجور من القضاة في الحكم بلال, وكان يقول: إن الرجلين ليختصمان إلي, فأجد أحدهما أخف على قلبي فأقضي له. وروى ابن الأنباري أنه مات في حبس يوسف بن عمر, وأنه قتله دهاؤه, قال للسجان: اعلم يوسف أني قدمت ولك مني ما يغنيك, فأعلمه, فقال يوسف: أحب أن أراه ميتًا, فرجع إليه السجان فألقى عليه شيئًا فغمه حتى مات, ثم أراه يوسف.
وقال جويرية ابن أسماء: لما ولي عمر بن عبد العزيز وفد إليه بلال فهنأه, ثم لزم المسجد يصلي, ويقرأ ليله ونهاره, فدس عمر إليه ثقله له, فقال له: إن عملت لك ولاية العراق
стр. 236
ما تعطينى؟ فضمن له مالا جزيلًا, فأخبر بذلكعمر فنفاه وأخرجه, وكتب إلى عامله على الكوفة: إن بلالًا غرنا بالله فكدنا نغتر به, ثم سبكناه فوجدناه كله خبثًا.
وأنشد بعده:
دعاني إليها القلب إني لأمره ... سميع فما أدري أرشد طلابها
على أنه حذف منه أم مع معطوفها, تقديره: أم غي. وفيه بحث كما تقدم توجيهه وما يرد عليه في الشاهد الخامس.
وأنشد بعده, وهو الانشاد الخامس والخمسون:
(٥٤) كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا
على أن أبا عبيدة زعم أن «أم» تأتي بمعنى الاستفهام المجرد, وقال: إن المعنى في هذا البيت: هل رأيت؟
والذي رأيته في «شروح التسهيل» لأبي حيان وناظر الجيش والمرادي وغيرهم أن أبا عبيدة ذهب إلى أن أم بمعنى ألف الاستفهام, قال: ومنه قوله تعالى: ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم﴾ [البقرة /١٠٨] وقال حذاق النحويين: لا تأتي بمعنى الألف, لو كان ذلك لوقعت في أول الكلام كالألف, ولا يجوز ذلك فيها, وأما: ﴿أم تريدون﴾ فهي المنقطعة, بتقدير بل والهمزة, أي: بل أتريدون, وكأنه أشار المصنف إلى أن الاستفهام الذي قاله أبو عبيدة في البيت
стр. 237
للتصديق بمعنى هل, وهو السؤال عن إدراك النسبة, لا الاستفهام التصوري الذي هو سؤال عن إدراك غير النسبة.
ونقل سيبويه عن الخليل أن أم في هذا البيت منقطعة, وجوز أن تكون متصلة بتقدير الهمزة.
قال الأعلم: الشاهد فيه إتيانه بأم منقطعة بعد الخبر, حملًا على قولهم إنها لإبل أم شاء. ويجوز أن تحذف ألف الاستفهام ضرورة لدلالة أم عليها, والتقدير: أكذبتك علينك أم رأيت؟ ونظير إضرابه عن الخبر الأول وتكذيبه لنفسه بقوله: أم رأيت بواسط, قول زهير:
قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم
فقال: لم يعفها القدم [ثم أكذب نفسه فقال]: بلىوغيرها الأرواح, فكذلك قال: كذبتك عينك فيما تخيل [لك] ثم [رجع عن ذلك فقال]: أم رأيت بواسط خيالًا, والمعنى [بل] هل رأيته ولم تشك فيه. انتهى.
وقال ابن الحنبلي: إن جعل الخليل التقدير في المثال: بل أهي شاء, كان مراد الأخطل: كذبتك عينك في رؤية الرباب نفسها, بل لم تر خيالًا منها فضلًا عن أن تراها نفسها, على أن أم بمعنى بل وهمزة الإنكار. وإن جعله: بل هي شاء, كان مراده: كذبتك عينك فلم تكن رأيتها, بل رأيت خيالًا منها. انتهى. ولا يخفى أن الشق الثاني لم يقل به, وإما أم المنقطعة عنده معناها بل والهمزة جميعًا, كما نقله المصنف وغيره.
والبيت مطلع قصيدة للأخطل النصراني التغلبي هجا بها جريرًا وبعده:
стр. 238
وتعرضت لك بالأبالخ بعدما ... قطعت بأبرق خلة ووصالا
وتغولت لتروعنا جنية ... والغانيات يرينك الأهوالا
يمددن من هفواتهن إلى الصبا ... سببًا يصدن به الغواة طوالا
ما إن رأيت كمكر هن إذا جرى ... فينا ولا كحبالهن حبالا
المهديات لمن هو ين مسبة ... والمحسنات لمن قلين مقالا
يرعين عهدك ما رأينك شاهدا ... وإذا مذلت يصرن عنك مذالا
وإذا وعدنك نائلًا أخلفنه ... ووجدت عند عداتهن مطالا
وإذا دعوتك عمهن فإنه ... نسب يزيدك عندهن خبالا
وإذا وزنت حلومهن إلى الصبا ... رجح الصبا بحلومهن فمالا
إلى أن قال بعد أربعة أبيات:
أبيني كليب إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا
ومن أبيات الهجو:
فانعق بضأنك يا جرير فإنما ... منتك الملوك وفككا الأغلالا
ومن أبيات الهجو:
فانعق بضأنك يا جرير فإنما ... منتك نفسك في الخلاء ضلالا
منتك نفسك أن تسامي دارمًا ... أو أن توازن حاجبًا وعقالا
قال ابن الأعرابي في «نوادره»: روي عن جرير أنه قال: ما غلبني الأخطل إلا في هذه القصيدة, ولقد قلت بيتًا في القصيدة التي عارضت قصيدته بها, لو أن أحدهم نهشته أفعى في استه ما حكها, وهو:
والتغلبي إذا تنحنح للقرى ... حك استه وتمثل الأمثالا
стр. 239
وقوله: كذبتك عينك, قال ابن الأثير في «النهاية»: قد استعملت العرب الكذب في موضع الخطأ, قال الأخطل: كذبتك عينك, ومنه حديث عروة, قيل له: إن ابن عباس يقول: إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لبث بمكة بضع عشرة سنة, فقال: كذب, أي: أخطأ. وقد تكرر في الحديث انتهى. يعني: أن عينه أخطأت في دعواها أنها رأت الرباب في المنام, بل إنما رأت في المنام خيالها لا نفسها.
وواسط هنا: موضع بجزيرة ابن عمر في الموصل, وهو من منازل بني تغلب التي ينزلون بها, قال ياقوت في «معجم البلدان»: واسط: قرية بالخابور قرب قرقيا, وإياها على الأخطل فيما أحسب, لأن الجزيرة منازل تغلب, وقال ابن السيرافي في «شرح شواهد سيبويه»: واسط في هذا البيت موضع بنواحي الشام, وغلطه الأسود أبو محمد الأعرابي في «فرحة الأديب» فقال: واسط في هذا البيت هو واسط الجزيرة, وقال الدماميني: واسط بلد في العراق, اختطها الحجاج في سنتين, وتبعه سائر الشراح, ولا يخفى أن هذا الشعر قبل أن ينبي الحجاج واسط, والأخطل لم يفارق بلاده وإنما كان يتردد إلى دار الخلافة بالشام, وهو من شعراء معاوية ويزيد وعبد الملك بن مروان وغيرهم, فإنه عمر عمرًا طويلًا.
وغلس الظلام منصوب على ظرف الزمان, يريد: ريأت خبالها في آخر الليل في النوم, والغلس بفتحتين: آخر الليل, والرباب بفتح الراء: اسم امرأة, والخيال أراد به الطيف الذي يراه النائم بخيل إليه أنه عين الذي رآه. وقوله: وتعرضت لك بالأبالح, قال ياقوت في «معجم البلدان»: الأبالح بفتح
стр. 240
الهمزة بعدها موحدة وآخره معجمة: جمع بليخ على غير قياس, والبليخ: نهر بالرقة يسقي قرى ومزارع وبساتين, والرقة بفتح الراء وتشديد القاف: مدينة مشهورة على ضفة شرقي الفرات بالجزيرة, وأبرق: موضع أيضًا, والخلة بالضم: الصداقة, يقول: تعرضت لك بالأبالخ بعدما قطعت صداقتك ووصلك في أبرق وهجرتك.
وتغولت: تاونت, وتروعنا: تخوفنا, والغانية: الحسناء التي استغنت بحسنها عن الزينة. وهفواتهن: جهلهن, والسبب: الحبل, وطوالا صفته, وهو بالضم بمعنى الطويل, والغواة: جمع غاوٍ, بمعنى الراغب والمائل إليهن.
وشاهدًا: حاضرًا, ومذلت نفسه بالشيء - مثلثة العين - سمحت به, ومذال - بالكسر - جمع مذلىو كعطاش جمع عطشى, من مذلت من كلامه بمعنى قلقت وضجرت, أو من مذل بسره: أفشاه, وحلومهن: عقولهن, ولقد أجاد في وصفهن بالغدر وقلة الوفاء.
وقوله: أبني كليب .. البيت, قد شرحناه في الشاهد الثالث والعشرين بعد الأربعمائة من شواهد الرضي.
وقوله: فانعق بطأنك .. البيت, استشاهد به صاحب «الكشاف» عند قوله تعالى: ﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق﴾ [البقرة/١٧١] على أن النعيق التصويت, يقال: نعق المؤذن ونعق الراعي بغنمه ينعق, من باب منع وضرب, نعقًا ونعيقًا: صاح بها وزجرها, ونعق الغراب: صاح, والمعنى: أنك من رعاة الغنم لا من الأِراف, وما منتك نفسك به في الخلاء أنك من العظماء, فضلال باطل لا تقدر على إظهاره في الملأ, وهم الأشراف.
وحاجب وعقال: من أشراف قوم الفرزدق, وهم من قبيلة دارم, يفضل الفرزدق عليه.
стр. 241
وترجمة الأخطل تقدمت في الشاهد السابع والأربعين.
وأنشد بعده, وهو الانشاد السادس والخمسون:
(٥٦)
أنى جزوا عامرا سوأى بفعلهم ... أم كيف يجزونني السوأى من الحسن
أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به ... رثمان أنفٍ إذا ما ضن باللبن
على أن «أم» هنا بمعنى «بل» فقط مجردة من الاستفهام, لدخولها على أداة استفهام, وهذا مذهب أبي علي الفارسي, قال في «المسائل المنثورة» بعد إنشاد هذا البيت: هذه المسألة فيها إشكال, وهو أن «أم» للاستفهام, كما أنك إذا قلت ما جاءني زيد ولكن عمرو, فالواو فيه عاطفة, وخرجت لكن من معنى العطف لدخول الواو, فكذا إذا قيل: «أم هل» تخرج هل من معنى الاستفهام لدخول أم, فكذلك تخرج أم من معنى الاستفهام إلى العطف. انتهى كلامه, فعنده أم المنقطعة عاطفة, وعند الجمهور غير عاطفة, سواء تضمنت معنى الاستفهام أو لا, وتبعه ابن جني, فقال في «الخصائص» فإن تقول: فما تقول في قوله: أم كيف
стр. 242
ينقع .. البيت, وجمعه بين أم وكيف؟ فالقول إنهما ليسا المعنى واحد, وذلك أن أم جردت لمعنى الترك والتحول, وجردت من معنى الاستفهام, وأفيد ذلك من كيف, لامنها, فإن قيل: فهلا وكدت إحداهما بالأخرى, كتوكيد اللام لمعنى الإضافة وباءي النسب لمعنى الصفة, قيل: يمنع من ذلك أن كيف لما بنيت, واقتصر بها على الاستفهام البتة, جرت مجرى الحرف البتة, وليس في الكلام اجتماع حرفين لمعنى واحد, لأن في ذلك تفضًا لما اعتزم عليه من الاختصار في استعمال الحرف, وليس كذلك: «يا بؤس للحرب» واحمري, وذلك أن هنا إنما انضم الحرف إلى اسم, فهما مختلفان فجاز أن يترادفا في موضعهما لاختلاف جنسهما, فإن قلت: فقد قال: «وما إن طبنا جبن» فجمع بن ما وإن, وكلاهما بمعنى النفي, وهما كما ترى حرفان, قيل: ليست إن حرف نفي, وإنما هي حرف يؤكد به بمنزلة ما ولا والباء ومن, وغير ذلك, وأما قوله:
طعامهم لئن أكلوا معد ... وما إن لا تخال لهم ثياب
فإن «ما» وحدها للنفي, و «إن ولا» جميعًا للتوكيد, ولا ينكر اجتماع حرفين للتوكيد لجملة الكلام. انتهى كلامه باختصار.
فعلم مما نقلناه أن ما نقل ابن الشجري من إجماع البصريين ليس بصحيح,
стр. 243
ودعوى ابن جني عدم اجتماع حرفين لمعنى واحد محمولة على غير ما وقع في الشعر من نحو قوله:
ولا للما بهم أبدًا دواء
وقوله:
فأصبحن لا يسألنه عن بما به
وقوله:
أجل جير إن كانت رواء أسافله
والبيتان آخر أبيات تسعة لأفنون التغلبي أوردها لو أبو عمرو الشيباني في «أشعار تغلب» والمفضل في «المفضليات» وهي:
أبلغ حبيبًا وخلل في سراتهم ... أن الفؤاد انطوى منهم على حزن
قد كنت أسبق من جاروا على مهلٍ ... من ولد آدم ما لم يخلفعوا رسني
قالوا علي ولم أملك فيالتهم ... حتى انتحيت على الأرساع والثنن
لو أنني كنت من عادٍ ومن إرمٍ ... ربيت فيهم ولقمان ومن حدن
لما فدوا بأخيهم من مهولةٍ ... أخا السكون ولا جازوا على السنن
سألت قومي وقد سدت أباعرهم ... ما بين رحبة ذات العيص والعدن
إذا قربوا لابن سوار أباعرهم ... لله در عطاء كان ذا غبن
стр. 244
أنى جزوا عامرًا .. إلى آخر البيتين
قوله: أبلغ حبيبا بضم الحاء المهملة, وفتح الموحدة الأولى: قبيلة أفنون, وهو حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل. وخلل, أي: اجعل بلاغك يتخللهم, والسراة: جمع سري وهو الشريف, وقوله: أن الفؤاد, بالفتح: مفعول بلغ, يريد أنه قد تألم منهم لما طلب منهم أباعر فخيبوا أمله, ولم يتحملوا عنه ديات من قتلهم.
وقوله: قد كنت أسبق .. البيت, على متعلقة بأسبق, ومن: بيان لمن وما مصدرية ظرفية, أي: كنت أسبق من فاخرهم وطلب مغالبتهم على مهل مني ما لم يتخلوا عني, وجعل خلع الرسن مثلًا, كأنهم تبرؤوا منه لكثرة جرائره.
وقوله: قالوا علي .. الخ, بالفاء: من الفيلولة, وهي ضعف الرأي, والفيالة الاسم, أي: أخطؤوا علي في رأيهم. وقوله: حتى انتحيت .. الخ, حتى بمعنى إلى, وانتحيت: اعتمدت, والأرساغ: جمع رسغ, وهو الموضع المستدق بين الحافر وموصل الوظيف, والثنن: جمع ثنة – بضم المثلثة وتشديد النون – وهو الشعر في مؤخر الرسغ, وضربهما مثلًا لأسافل الناس, يقول: لما أخطؤوا في أمري وأصروا, قصدت أراذل الناس. وقوله: لو أنني كنت من عاد .. الخو جملة ربيت حال من الضمير المستقر في الظرف الواقع خبرًا لكنت, وهو قوله: من عاد. وربيت, أي: نشأت فيهم, وإرم – بكسر ففتح – قبيلة مشهورة بالقوة وعظم الأبدان, وعاد: اسم أبيهم, ولقمان, أي: ومن نسل لقمان صاحب النسور, وهو منسوب إلى عاد, كما قال الشاعر:
تراه يطوف الآفاق حرصًا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد
وجدن, بفتح الجيم: قيل من أقيال اليمن, والمشهور فيه ذو جدن, أي: ومن نسل ذي جدن.
стр. 245
وقوله: لما فدوا .. الخ, اللام في جواب لو, ودخولها على حرف النفي نادر, والسكون بفتح السين: قبيلة من كندة من قبائل اليمن, وأخا السكون: مفعول فدا, وهو رجل من السكون وكان أسيرًا عند قوم أفنون, وأراد بأخيهم نفسه, والباء للبدل, ومن مهولة: من أجل مصيبة هائلة, ولا جازورا: من المجازاة, والسنن: جمع سنة, وهي السيرة, بالغ في ذكر تبريهم منه وجفائهم له.
وقوله: سألت قومي, السؤال هنا: الاستعطاء, وجملة: وقد سدت, حالية, والرحبة: الفضاء, وقال أبو عبيد البكري: رحبة: بضم أوله وإسكان ثانيه بعده باء معجمة, وهي من بلاد عذرة, وأنشد هذا البيت.
وقوله: إذا قربوا, متعلق بألت. وقوله: لله در .. الخ, تهكم في صورة المدح, والغبين بفتحتين: ضعف الرأي, يتهكم برأيهم الضعيف حيث منعوه الإعطاء مع السؤال, وهو منهم, وأعطوا الأجنبي ولم يسألهم.
وقوله: أنى جزوا عامرًا: استفهام تعجبي, وأنى بمعنى كيف, والواو ضمير عشيرته, وعامر: هو عامر بن صعصعة, وهو أبو قبيلة, والمراد هنا القبيلة, وصرفه باعتبار الحي, والباء للمقابلة, والهاء والميم ضمير عامرز
والسوأى: فعلى, نقيض الحسنى, وهما مؤنث الأسوأ والأحسن, ولأجل القافية قابل السوأى بالحسن, وروري: «السوؤ» وهو اسم من ساءه يسوؤه تسوءًا ومساءة نقيض سره, يقول: أتعجب لقومي كيف عاملوا بني عامر بالسوء في مقابلة فعلهم الجميل! وقوله: أم كيف يجزونني, أم للإضراب عن الأول, يقول: بل أتعجب من قومي كيف يعاملونني بالسوء حال كونه بدلًا من الفعل الحسن والصنيع الجميل, وأضرب عن الأول للإشارة إلى أن إساءتهم لبني عامر سهل بالنسبة إلى إساءتهم إليه, بادعاء أنه ربما كان لهم عذر في الإساءة لأولئك, وأما في الإساءة إليه
стр. 246
فلا عذر لهم أصلًا, ولما تخيل أنهم ربما غالطوا واعتذروا ترقى بقوله: أم كيف ينقع .. البيت, كأنه يقول: هو ظاهر لا يساعده باطن, وقال: لا يصدقه حال.
قووله: أم كيف ينقع .. الخ, أم هذه أيضًا للإضراب, وكيف للاستفهام الإنكاري, والرثمان بكسر الراء والهمز: مصدر رثمت الناقة ولدها, من باب فرح, إذا أحبته وعطفت عليه, وفي الأمثال: «لا أحب رثمان أنف وأمنع الضرغ» , يضرب لمن يظهر الشفقة ويمنع خيره, كذا في «أمثال الزمخشري» وقوله: إذا ما ضن, بالبناء للمجهول, أي: حصل الضن, وهو البخل والشح, قال ابن جني في «المحتسب»: ألحق الباء في به لما كان «تعطي» في معنى تسمح به, ألا تراه قال في آخر البيت: إذا ما ضن باللبن, فالضن: نقيض السماحة والبذل, انتهى. والهاء في «به» راجعة إلى ما, ولولا التضمين لقيل: تعطيه, و «ما» وإن كانت في اللفظ فاعل ينفع, فهي في المعنى مفعول, وهو الشيء المعطى, وهو اسم موصول واقع على الرثمان كما يأتي بيانه.
وقول المصنف: العلوق بتفح العين المهملة, إلى آخر قوله: وهذا البيت ينشد لمن يعد بالجميل .. الخ, قال الزجاجي في «أماليه الصغرى»: هذا البيت مثل يضرب لكل من يعد بلسانه كل جميل, ولا يفعل منه, لأن قلبه منطو على ضده, كأنه قيل: كيف ينفعني قولك الجميل, إذا كنت لا تفي به؟ ! وأصله أن العلوق هي الناقة التي تفقد ولدها بنحر أو موت, فيسلخ جلده ويحشى تبنًا أو حشيشًا, ويقدم إليها لترأمه, أي: لتعطف عليه ويدر لينها فينتفع به,
стр. 247
فهي تشمه بأنفها وينكره قلبها, فتعطف عليه ولا ترسل اللبن, فشبه ذاك بهذا انتهى.
وقال المبرد في «الكامل»: الناقة إذا ألقت سقبها أو نحر, فخيف انقطاع لبنها, أخذوا جلد حوار فحشوه تبنًا, ولطخوه بشيء من سلاها, ثم حشوا أنفها, فتجد لذلك كربًا, ويقال للخرقة التي تجعل في أنفها غمامة, ثم تسل تلك الخرقة من أنفها, فتجد روحًا, وترى ذلك البو تحتها, وهو جلد الحوار المحشو, فترأمه, فإن درت عليه قيل: ناقة درور, وترأمه: تشمه. ويقال في هذا المعنى: ناقة ظؤور, فينتفع بلبنها, ويقال: ناقة راثم ورؤوم, إذا كانت ترأم ولدها أبو بوها, فإن رثمته ولم تدر عليه, فتلك العلوق, ولا خير عندها, انتهى كلامه.
وقال ابن السيد البطليوسي فيما كتبه على «الكامل»: قال أبو الحسن الأخفش: يقال: للناقة إذا مات ولدها أو ذبح: سلوب, فإن عطفت على غير ولدها فرثمته, فهي رثام, وإن لم ترأمه ولم تدر عليه فهي علوق, ويقال: العلوق التي قد علقت فذهب لبنها. انتهى. وعلقت بمعنى حبلت.
وقال ابن الشجري في «أماليه»: العلوق من النوق: التي تأبى أن ترأم ولدها أو بوها, والبو جلد الحوار يحشى ثمامًا أو حشيشًا ويقدم إليها لترأمه فتدر عليه فتحلب, فهي ترأمه بأنفها وينكره قلبها, فرأمها له أن تشمه فقط, ولا ترسل لبنها, وهذا يضرب مثلًا لمن يعد بكل جميل ولا يفعل منه شيئًا.
وقوله: وقد أنشد الكسائي في مجلس الرشيد .. الخ, هذه الحكاية حكاها الزجاكي في «أماليه» قال: أخبرنا أحمد بن الحسين المعروف بابن شقير النحوي
стр. 248
وعلي بن سليمان, قالا: أخبرنا يحيى ثعلب قال: اجتمع الكسائي والأصمعي بحضرة الرشيد, وكانا ملازمين له يقيمان بإقامته, ويظعنان بظعنه, فأنشد الكسائي:
أنى جزوا عامرا سوأى بفعلهم .. إلى آخر البيتين
فقال الأصمعي: إنما هو رثمان أنف بالنصب, فقال له الكسائي: أسكت ما أنت وهذا! يجوز بالرفع والنصب والخفض, أما الرفع فعلى الرد على ما, لأنها في موضع رفم بينفع, فيصير التقدير: أم كيف ينفع رثمان أنف, والنصب بتعطي, والخفض على الرد على الهاء التي في به, قال: فسكت الأصمعي, ولم يكن له علم بالعربية, كان صاحب لغة, ولم يكن صاحب إعراب. انتهى كلام الزجاكي.
ومثله حكى ابن الشجري في المجلس السادس من أماليه, ونقل السيوطي هذه الحكاية في «الأشباه والنظائر» نم «معجم الأدباء» لياقوت الحموي, وهي: قال أبو عبد الله بن مقلة: حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى قال: اجتمع الكسائي والأصمعي عند الرشيد, وكانا يقيمان بمقامه, ويظعنان بظعنه, فقال الكسائي:
أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به .. البيت
فقال الأصمعي: «رثمان» بالرفع, فقال الكسائي: اسكت ما أنت وهذا! يجوز رثمان ورثمان ورثمان. ولم يك الأصمعي عربية, فسألت أبا العباس:
стр. 249
كيف جاز ذلك؟ فقال: إذا رفع رفع بينفع, أي: أم كيف ينفع رثمان أنف؟ وإذا نصب نصب بتعطي, وإذا جر جر برده على الهاء في به, قال: والمعنى ما ينفعني إذا وعدتني بلسانك, ثم لم تصدقه بفعلك, يقال ذلك للذي يبر ولا يكون منه تقع, كهذه الناقة التي تشم بأنفها وتمنع درتها.
وقول المصنف: ووجهه أن الرفع على الإبدال من ما, وهو المعبر عنه عند الكوفيين بالردو وهو بدل كل من كل, ويجوز رفعه أيضًا على أنه خبر لمبتدأ محذوف, أي: هو رثمان.
وقد جوز هذين الوجهين أبو علي الفارسي في «البغداديات» قال فيها: حكي لنا أن أبا العباس محمدًا وأبا العباس أحمد كانا يلقين هذا البيت, ويسألان عن وجه الإعراب فيه, ورثمان بالرفع والنصب والجر, والمعنى: وما ينفع عطفها عليه, إذا لم يدر لبنها.
وأقول: إن الرفع في رثمان يجوز فيه من وجهين, فأحدهما: أن تبدل رثمان من الموصول فتجعله إياه في المعنى, ألا ترى أن رثمان أنف هو ما تعطيه العلوق. والآخر: أن تجعله خبر مبتدأ محذوف كأنه لما قال: أم كيف ينفع ما تعطي العلوق, قيل له: وما تعطي العلوق؟ فقال: رثمان أنف, أي: هو كقوله تعالى: ﴿قل: أفأنبكئكم بشر من ذلكم النار﴾ [الحج/٧٣] أي: هي. انتهى.
وقول المصنف: والصنب بتعطي, قال أبو علي بعد ذاك: وأما نصب رثمان فعلى ثلاث جهات:
أحدها: على معنى: أم كيف ينفع ما تعطيه من رثمان, فحذف الحرف وأوصل الفعل.
стр. 250
ثانيها: أن يكون من باب (صنع الله) و (وعد الله) , كأنه لما قيل: تعطي العلوق, دل على ترأم, لأن إعطاءها رثمان, فنصبه على هذا الحد لما دل عليه تعطي.
ثالثها: أن ينتصب على الحال, مثل: جاء ركضًا, على قياس إجازة أبي العباس في هذا الباب, ويجعل تعطي بمنزلة تعطف, كأنه قيل: أم كيف ينفع ما تعطف به العلوق رثمان, أي: كيف ينفع تعطفها راثمة مع منعها لبنها! فهذه ثلاثة أوجه في النصب. انتهى كلامه.
وأشار في الوجه الثالث إلى أن ما مصدرية, وعليه يكون ضمير به عائدًا على البو المفهوم من المقام, وإذا ضم هذه الثلاثة إلىما قاله الكسائي وثعلب وابن الشجري والمصنف, وهو نصب رثمان بتعطي, يصير وجوه النصب أربعة.
ولم يذكر أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي الأخفش في كتاب «المعاياة» إلا النصب بتعطي, قال: نصب الرثمان وذلك أن الناقة تعطف على غير ولدها فترأمه, ولا تدر عليه وتمنعه اللبن, فقال: كيف ينفعه رثمان أنف إذا ما ضن عليه باللبن, والرثمان: مصدر, والعلوق: التي تعلق غير ولدها.
انتهى كلامه. ونصب رثمان بتعطي هو الوجه الظاهر من وجوه النصب.
وقول المصنف: وصوب ابن الشجري إنكار الأصمعي .. الخ, وهذه عبارة ابن الشجري: وقوله: ما تعطي العلوق به رثمان أنف, ما: خبرية بمعنى الذي,
следующие страницы →