← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وأنشد بعده: رُبَّمَا الجَاهِلُ المُؤَبَّلُ فِيهِمْ تمامُه: وعَنَاجِيحُ بينَهُنَّ المِهَارُ وتقدَّم شرحه في الإنشاد الرابع عشر بعد المائتين. وأنشد بعده: كمَا سيفُ عَمْرٍو لمْ تخُنْهُ مَضَارِبُهْ صدره: أخٌ ماجِدٌ لَمْ يخزِني في يومَ مشهدٍ وتقدَّم الكلام عليه في الإنشاد الثالث والتسعين بعد المائتين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الحادي عشر بعد الخمسمائة: فَلَئِنْ صِرْتَ لا تُحِيرُ جَوَابًا ... لَبِمَا قَدْ تُرَى وَأَنْتَ خَطِيبُ على أنَّ ما كفّت الباء عن العمل، قال أبو حيان في "شرح التسهيل": قال المصنف في الشرح: وتحدث ما الكافة في الباء معنى ربما فمعنى: لبِمَا قَدْ تُرَى وَأَنْتَ خَطِيبُ ربما قد ترى، ومثله قول كثير: مَغَانٍ يُهَيِّجْنَ الحَليمَ إلى الهوَى ... وَهُنَّ قَدِيماتُ العُهُودِ دوَائِرُ بما قَدْ أَرَى تِلْكَ الدِّيَار وأَهْلَهَا ... وَهُنَّ جَمِيِعَاتُ الأنيسِ عَوَامِرُ أرادَ: ربما أرى، وقد مع المضارع يفيد هذا المعنى، ولكن اجتمعتا توكيدًا،

стр. 1857

كما اجتمعت عن والباء التي بمعناها في قول الشاعر: فأصبحْنَ لا يَسْألْنَه عَنْ بما بِهِ انتهى. وما ذهب إليه من أنَّ فيما ذكر كافة، وأنها أحدثت معنى التقليل غير صحيح، بل "ما" في ذلك مصدرية، والباء السببية المجازية، والمعنى على التكثير لا على التقليل، ونظيره قول الآخر: فَلَئِنْ فَلَّتْ هُذَيْلٌ شَبَاهُ ... لَبِمَا كَانَ هُذَيْلًا يَفُلُّ والفعل الذي تعلّق به الباء مقدّر قبلها، والتقدير: "لانتفاء إحارتك جوابًا برؤيتك وأنت خطيب". "وهنَّ قديمات العهود دواثر برؤيتي تلك الديّار". لفلّته بما كان يفلّها" والسببيَة ظاهرة في هذا البيت، وأمّا في البيتين قبله، فسبب خرسه بالموت كونه كان خطيبًا في الحياة، إذ ينشأ عن الحياة الموت، إذ مصير كلَ حيّ إلى الممات، وكذلك البيت الثاني سبب دثور الديار كونها كانت عامرة بأهلها، إذ مصير العمران للخراب، ولذلك جاء: لِدُوا للموتِ وابنُوا للخرابِ هذا آخر كلام أبي حيان. وقال تلميذه ناظر الجيش: ولا يخفى أنَّ ما قرره بعيد أن يكون مراد الشاعر، ولكن قول المصنف: إنَّ المراد التقليل غير ظاهر. انتهى. والبيت من أبيات أوردها أبو علي القالي في "أماليه" قال: أنشدنا أبو عبد الله نفطويه قال: أنشدنا أبو العبّاس أحمد بن يحيى النحوي لمطيع بن إياس الكوفي يرثي يحيى بن زياد الحارثي:

стр. 1858

ويُنَادُونَهُ وقدْ صُمَّ عنهُمْ ... ثمَّ قالوا وللنساءِ نَحِيبُ ما الذي غَالَ أن تُحِيرُ جَوَابًا ... أيُّهَا المصقَعُ الخطِيبُ الأديبُ فلئن كنتَ لا تُحِيرُ جَوَابًا ... فبما قد تُرَى وأنْتَ خَطيبُ في مقالٍ وَمَا وعظْتَ بشيءٍ ... مثلَ وعظٍ بالصمتِ إذْ لا تُجِيبْ انتهى. ورأيت في "تهذيب الطبع" وهو كتاب في نقد الشعر والبديع لم أعرف مؤلفه، نسبة هذه الأبيات لصالح بن عبد القدوس قال: ولما مات الاسكندر ندبه أرسطاليس، فقال: طالما كان هذا الشخص واعظًا بليغًا، وما وعظ بكلامه موعظة قط أبلغ من موعظته اليوم بسكوته، فأخذه صالح بن عبد القدوس، فقال: ويُنَادُونَهُ وَقَدْ صُمَّ عَنْهُمْ ... ثُمَّ قالُوا ولِلنِّسَاءِ نَحِيبُ مَا الذي عَاقَ أنْ تَرُدَّ جَوَابًا ... أيها المِقْوَلُ الخطيبُ الأَديبُ إنْ تكَنْ لا تُطيِقُ رَجْعَ جَوَابٍ ... فَبِمَا قَدْ تُرَى وَأَنْتَ خَطِيبُ ذُو عِظَاتٍ وَمَا وَعَظْتَ بشيءٍ واختصره أبو العتاهية في بيت فقال: وكانَتْ في حياتِكَ لي عِظَاتٌ ... فَأَنْتَ اليَوْمَ خَيْرٌ مِنْكَ أَمْسِ ومثله لإسماعيل بن القاسم: وكانتْ في حياتِكَ لي عِظَاتٌ ... فأنتَ اليومَ أوعَظُ مِنْكَ حيّا انتهى. وقوله: فَبِما قد ترى وأنت خَطِيب، كذا رأيته في الكتابين فبما بالفاء موضع اللام، وهو مبني على مذهب الكوفيين في جعل الجملة لعد لئن جوابًا للشرط دون القسم، ورواية البصريين لَبِما باللام على جعل الجملة جوابًا للقسم المقدر لسبقه لا للشرط، لأنه متأخر عن اللام الموطئة للقسم، وهذا في الحقيقة سبب، والجواب محذوف، أي: لم يقدح في فصاحتك. وأقول: إسماعيل بن القاسم هو الملقب بأبي العتاهية، وقد أنشد المبرد في "الكامل" البيت الأخير من أبيات له وهي:

стр. 1859

طَوَتْكَ خُطُوبُ دَهْرِكَ بعدَ نَشْرٍ ... كَذَاكَ خُطُوبُهُ نُشْرًا وَطَيَّا فَلَوْ نَشَرَتْ قُوَاكَ لِيَ المَنَايَا ... شَكَوْتُ إِلَيْكَ مَا صَنَعَتْ إلَيَّا بَكَيْتُكَ يَا أُخَيَّ بِدَمْعِ عَيْنِي ... فلَمْ يُغْنِ البُكَاءُ عَلَيْكَ شَيَّا كَفَى حُزنًا بِدَفْنِكَ ثُمَّ إنِّي ... نَفَضْتُ تُرَابَ قَبْرِكَ عَنْ يَدَيَّا وكانَتْ في حَيَاتِكَ لي عِظَاتٌ ... فَأَنْتَ اليَوْمَ أَوْعَظُ مِنْكَ حَيَّا وكان إسماعيل بن القاسم لا يكاد يًخلي شعره مما تقدَّم من الأخبار والآثار، فينظم ذلك الكلام المنشور، ويتناوله أقرب متناول، ويسرته أخفى سرقة. فقوله: فَأَنْتَ الْيَوْمَ أَوْعَظُ مِنْكَ حَيَّا إنما أخذه من قول الموبذِ الحاضر لقُبّاذ حيث مات، فإنه قال في ذلك الوقت: كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليومَ أوعظُ منه أمس، وأخذ قوله: قَدْ لَعَمْرِي حكيْتَ لي غُصَصَ المَوْ ... تِ وحَرَّكْتَني لَهَا وَسَكَنْتَا من قول نادب الإسكندر، فإنَّه لما مات، بكى من كان بحضرته، فقال نادبه: حركنا بسكونه. انتهى كلام المبرد. وكذا روى هذه الأبيات لأبي العتاهية ابن عبد ربه في "العقد الفريد" وعليّ بن أبي الفرج في "الحماسة البصرية" وقال أبو علي القالي في "ذيل الأمالي": حدَّثنا أبو بكر قال: حدَّثنا ابن الأنباري، قال: حدَّثنا أبو الحسن الأسدي، قال: حدَّثنا الرياشي، عن العتبيَّ عن أبيه، قال: رأيت امرأة بِضَرِيّة جالسة عند قبر تبكي وتقول: ألا مَنْ لي بِأُنْسِكَ يَا أُخَيَّا ... وَمَنْ لي أَنْ أَبُثَّك مَا لَدَيَّا طَوَتْكَ خُطُوبُ دَهْرٍ بَعْدَ نشرٍ ... كذَاكَ خُطُوبُهُ نَشْرًا وَطَيَّا إلى آخر الأبيات، والله أعلم بحقيقة الحال.

стр. 1860

وقوله: وينادونه وقد صُمَّ عنهم بالبناء للمفعول، والنحيب: رفع الصوت بالبكاء، وغال بالغبن المعجمة بمعنى: أهلك، وأن تحير مفعوله، أي: ما الذي أهلك ردّ جوابك، وروي بدله "عاق" من العوق"، وهو المنع والتأخير، وتحير مضارع أحار الجواب بالحاء المهملة، أي: رده، والمصقع بكسر الميم: الجهير الصوت، وترى بالبناء للمفعول، أي: كثيرًا ما ترى خطيبًا واعظًا بلسان الحال، فإن من نظر إلى ما كنت عليه، وما أُلت إليه، اتعظ بذلك. ومطيع بن إياس أبو سلمى الكناني الكوفي، قدم بغداد، وصحب المنصور والمهدي من بعده، وكان شاعرًا ماجنًا، ورمى بالزندقة، كذا في "تاريخ بغداد". وأما يحيى بن زياد الحارثي، فهو يحيى بن زياد بن عبيد الله [بن عبد الله] بن عبد المدان بن الديان الحارثي الكوفي، وزياد بن عبيد الله هو حال أبي [العبّاس] السفاح، ويكني يحيى أبا الفضل، وكان يعرف بالزنديق، وكانوا إذا وصفوا إنسانًا بالظرف قالوا: هو أظرف من الزنديق، يعنون يحيى، لأنه كان ظريفًا، وهذا المعنى قَصَدَ أبو نواس بقوله: تِيهُ مُغَنٍّ وَظَرْفُ زِنْدِيقِ قال الصولي: وإنما قال ذلك، لأنَّ الزنديق لا يَرَعُ عن شيءٍ، ولا يمتنع مما يُدعى إليه، فنسبه إلى الظرف لمساعدته على كلّ شيء، وقلة خلافه كذا في "أمالي السيد المرتضى" قدَّس الله روحه. وأمّا صالح بن عبد القدّوس أبو الفضل البصري مولى الأزد، فهو أحد الشعراء، اتهمه المهدي بالزندقة، فأمر بحمله إليه، فلمَّا خاطبه، أعجب بغزارة أدبه وعلمه، وبراعته وحسن ثباته، وكثرة حكمته، فامر بتخلية سبيله، فلمّا ولي، ردّه، وقال له ألست القائل:

стр. 1861

وَالشَّيْخُ لا يَتْرُكُ أخْلَاقَهُ ... حَتَّى يُوَارَى فِي ثَرَى رَمْسِه قال: بلى يا أمير المؤمنين، قال: فأنت لا تترك أخلاقك، ونحن نحكم فيك بحكمك في نفسك، ثم أمر به فقُتل، وصُلب على الجسر، ورؤي بعد قتله في المنام ضاحكًا مستبشرًان فقيل له: ما فعل بك ربَّك؟ وكيف نجوت مما كنت تُرمى به؟ قال: وردت على ربي لا تخفى عليه خافية، فاستقبلني برحمته، وقال: قد علمت براءتك مما كنت فيه، كذا في "تاريخ بغداد" أيضًا. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني عشر بعد الخمسمائة: وَإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِب الكَبْشَ ضَربةً تمامه: عَلَى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الْفَمِ على أن ما كفت "من" عن الجر، قال ابن الشجري في المجلس الثامن والستين من "أماليه": وق كفوا من بما، فقالوا: إني لمما أفعل، قال أبو العباس المبرد: يريدون: لربما أفعل، وأنشد لأبي حيّة النميري: وّإِنّا لّمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً ... عَلَى رَأْسِهِ نُلْقي اللِّسَانَ مِنَ الفَمِ على أنَّ ما كفت "من" عن الجر، قال ابن الشجري في المجلس الثامن والستين من "أماليه": وقد كفوا من بما، فقالوا: إني لمما أفعل، قال أبو العباس المبرد: يريدون: لربما أفعل، وأنشد لأبي حيّة النميري: وَإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَربةً ... عَلَى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الْفَمِ انتهى. فهو ناقل عن المبرد، وكذا نقله صاحب "اللباب" قال: وتستعمل من مكفوفة بمعناها، أي: بمعنى ربّ نحو: إني لمما أفعل، قال المبرد: أريد لربما أفعل، وأنشد: وإنَّا لمما .. البيت، وعزاه المصنف في بحث "من" إلى جماعة غير المبرد، وقال أبو علي في "البغداديّات": ومن ذلك قولهم: إني ممّا أفعل،

стр. 1862

قال سيبويه: إني مما أفعل ذاك، فتكون ما مع أفعل بمنزلة كلمة واحدة، وأنشد لأبي حيَّة: وإنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الكبشَ ضَرْبَةً وقال أبو العباس: تقول: إني مما أفعل، على معنى: ربما أفعل إن أراد به أن "ما" كافة لمن كما أنها كافة لربّ، فهو كما قال سيبويه: وإن أراد أنّه للتقليل كما أنَّ ربّما للتقليل، كان ذلك مسوّغًا إذا ثبت مسموعًا، ويبعد ذلك في البيت، فإنّه ينبغي أن يكون غير مقلل لضربه للكبش على رأسه، وقد يجوز أن يتغير معنى الحرف لانضمام "ما" إليه، كما تغير معنى لو بانضمام "لا" إليه. انتهى كلامه. وأورده سيبويه في باب ان والتي تكون والفعل بمنزلة مصدره، وتقول: إني مما أفعل ذلك، كأنّه قال: إني من الأمر أو من الشأن أن أفعل ذلك، فوقعت ما في هذا الموضع، وإن شئت، قلت: إني مما أفعل فتكون ما مع من بمنزلة كلمة واحدة نحو: ربّما، قال أبو حية النميري: وإنّا لمِمَّا نَضْرِبُ الكَبْشَ .. البيت ولم يكتب السيرافي هنا شيئًا، وكتب أبو علي في "التعليقة" على الشق الأوَّل قال: قوله: وتقول: إني مما أن أفعل .. الخ، قال أبو علي: موضع "أن" في قولك إني مما أن أفعل ذلك رفع، وقد أقيم المضاف إليه مقام المضاف، كأنّك قلتِ: إني من الأمر صاحب أن أفعل، أي: صاحب فعل ذلك، فحذف المضاف أعني: صاحب المقدر. انتهى. وقال الأعلم: الشاهد في قوله: لمما، ومعناه كربّما، وهي مِنْ زيدت إليها ما، وجعلت معها على معنى ربّما، وأراد بالكبش الرئيس. لأنه يقارع دون القوم ويحميهم. انتهى. مدح نفسه أو قومه بالشجاعة، والمصراع الأوَّل أخذه من قول الفرزدق: وَإِنَّا لَمِمًا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً ... عَلى رَأسِهِ وًالْحَربُ قَدْ لاحَ نارُها

стр. 1863

وتقدَّمت ترجمة أبي حيّة النميري في الإنشاد الواحد بعد المائتين، وكان جبانًا كذَّابًا، وكان له سيف يسمّيه لعاب المنية ليس بينه وبين الخشب فرق، حدَّث جار له قال: دخل إلى بيته كلب في بعض الليالي، فظنّه لصًا، فانتضى سيفه، ووقف في وسط الدار، وقال: أيّها المغتر بنا، والمجترئ علينا، بِئس والله ما اخترت لنفسك، خيرٌ قليلٌ، وسيف صقيل، اخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك، إن أدع لك قيسًا لا تقوم لها، وما قيس! تملأ والله لك الفضاء خيلًا ورجلًا، فخرج الكلب، فقال: الحمد لله الذي مسخك كلبًا وكفانا حربًا. قال الأصمعي: أبو حية النميري شاعر، وكان أجبن العرب، وأكذبهم، فمن جبنه خبره مع الكلب إذ دخل بيته، وهو خبر معروف، ومن كذبه ما حكاه قال: كنت في بعض الفلوات، فأرملت أيامًا من الزاد، ثمَّ عنَّ لي سرب ظباء، فتعمدت بسهمي ظبية من السرب، فلمّا أطلقت السهم وكاد أن يخالطها، ذكرت هوى لي بالرمل، وشبّهتُ الظبية به، فلحقت السهم، وقد كاد أن يصل إليها حتى قبضتُ عليه، فلم يصبها. ولا يجوز أن يكون في الكذب أعظم من ذلك. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث عشر بعد الخمسمائة: وَضنَّتْ علَيْنَا والضَّنِينُ مِنْ البُخْلِ على أنَّ فيه مبالغة بكون البخيل مخلوقًا من البخل، قال ابن جني في باب تجاذب المعنى والإعراب من "الخصائص": ومنه ما جرى من المصادر وصفًا نحو: رجل عدلٌ، وإنما انصرفت العرب عن الصفة الصريحة في بعض الأحوال إلى أن وصفت بالمصدر لأمرين: أحدهما صناعي، والآخر معنوي. أما الصناعي، فليزيدك أنسًا بشبه المصدر للصفة حتى أوقعته موقعها، كما أوقعت الصفة موقع المصدر، وأما

стр. 1864

المعنوي، فلأنه إذا وصف بالمصدر صار الموصوف كأنه في الحقيقة مخلوق من ذلك الفعل، وذلك لكثرة تعاطيه له، واعتداده إيّاه، ويدلّ على أنَّ هذا معنى لهم، ومتصوّر في نفوسهم قوله: ألا أصْبَحَتْ أَسْمَاءُ جاذِمَهَ الحَبْلَ ... وَضَنَّتْ عَلَيْنَا وَالضَّنِينُ مِنَ البُخْلِ لكثرة ما يأتي منه، ومنه قول الآخر: وَهُنَّ مِنَ الإخْلافِ بَعْدَكَ والمَطْلِ وأصل هذا الباب عندي قول الله : (خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء: ٣٧]، وقال ابن الأنباري في كتاب "الأضداد": إنّه من القلب، ومعناه: والبخل من الضنين، وقال ابن حبيب: هو على حذف مضاف، والتقدير: من أهل البخل، والبيت من قصيدة للبعيث وبعده: وَصَدَّتْ فَأَعْدَانَا بِهَجْرٍ صُدُودُها ... وَهُنَّ مِنَ الإِخْلَافِ قَبْلَكَ وَالْمَطْلِ أَنَاةٌ كَأَنَّ المِسْكَ تَحْتَ ثِيَابِهَا ... وَرِيحَ الخُزَامَي الطَّلَ فِي دَمَثِ الرَّمْلِ إلى أن قال: لَعَمْرِي لَقَدْ أَلْهَى الفَرَزْدَق قَيْدُهُ ... وَدُرْجُ نَوَارِذُ والدِّهَانِ وَذُو الغِسْلِ فيا لَيْتَ شِعْرِي هَل تَرَى لِي مُجاشِعٌ ... غَنَائيَ فِي جُلِّ الحَوَادِثِ أوْ بَذْلي وَذَبِّيَ عَنْ أَعْرَاضِهِمْ كُلَّ مُتْرَفٍ ... وَجِدِّي إذا كَانَ القِيَامُ عَلى رِجْلِ

стр. 1865

وكان سبب هذه القصيدة أنَّ الفرزدق لما قال قصيدته التي منها: وإنَّمَا ... يُدَافِعُ عَنْ أحْسابِهِمْ أَنا أَوْ مِثْلي وفيها: أَتَتَنِي أحاديثُ البَعِيثِ وَدُونَهُ ... زَرُود .. البيت. وتقدَّم قبل هذا بأربع إنشادات، ومعناه: أتتني أحاديث الناس بأنَّ جريرًا غلب البعيث في هجوه، ولم يقاومه البعيث وهو مجاشعي من رهط الفرزدق، فلمّا سمع البعيث هذه القصيدة حمي، فأجابه بهذه القصيدة. وقوله: ألا أصبحت أسماء جّاذِمة الحبل. جاذمة بالجيم والذال المعجمة، من حذمه يجذِمه ويجذُمه جذمًا: إذا قطعه، وروي بالحاء المهملة من حذمه يحذِمه حذمًا، أي: قطعه بسرعة، والحبل: الوصلة بين اثنين، ورواه ابن حبيب في "النقائض": أَلَا أَصْبَحَتْ خَنْساءُ جّاذِبَةَ الوَصْلِ بالجيم والذال المعجمة بعدها موحدة، قال ابن حبيب: الجاذبة المنقطعة كما تجذب الناقةُ، يقال: ناقة جاذبة وجذوب: إذا انقطع لبنها، ويقال للرجل: قد جذب أيضًا: إذا أسنَّ. وقوله: والضنين من البخل، كقولك: أنت من أهل الجود وأنت من الكرم، تريد: من أهل الجود والكرم. انتهى. وقوله: وصدَّت فأعدانا الخ. قال ابن حبيب: يريد: صدت، فصددنا فكأنَّ صدودها أعدانا صدودًا كعدو [ى]، الجرب، وهنَّ من الإخلاف: أراد من أهل الإخلاف. انتهى. والصراع الأخير: هو الذي أورده ابن جني في "الخصائص" والصدود: الإعراض والهجر، وَالعَدْوَ [ى]: تجاوز العلّة من شخص إلى آخر وسرايتها إليه، والإخلاف مصدر أخلف في وعده: إذا لم يصدق فيه.

стр. 1866

وقوله: أناة كأنَّ المسك .. الخ، الأناة بفتح الهمزة: المتأنية الرزينة، وريح معطوف على المسك، والخُزامَى بالضم والقصر: خيري البر، ويقال له: المنثور، والدمث بفتحتين: السهولة واللين، والوصف بكسر الميم، قال ابن حبيب: الدَّمَثُ السهل، يقال: فلان دمث الخلق: إذا كان سهله. انتهى. وقوله: لعمري لقد ألهى الفرزدق .. الخ، نوار: زوجة الفرزدق، والدُّرج بالضم: الحُقّة، والدِّهان بالكسر: جمع دُهن، والغِسل بالكسر: كلّ ما غُسِل به الرأس، تهكم بالفرزدق، وقال: إنه مشغول بامرأته وما يزينها، فلا يخلص إلى الذَّبِّ عن أحساب قومه، وإنما قال هذا ليحميه، والغناء بالفتح والمدّ: الكفاية والمدافعة، والمُترَفُ: المتكبّر، والجِدّ بكسر الجيم: الاجتهاد، وقوله: إذا كان القيام على رِجْل: يعني للمفاخرة يضع إحدى رجليه على الأرى للتحدّي، يباري ويفاخر، قاله ابن حبيب. ومطلع القصيدة: أَهَاجَ عليكَ الشَّوْقَ أطَلالُ دِمْنَةٍ ... بناصفةِ الجوينِ أو جانبِ الهَجْلِ الهمزة للاستفهام، والشوق: مفعول هاج، وأطلال: فاعله، والهجل بفتح الهاء، وسكون الجيم، قال ابن حبيب: الناصفة: المسيلُ الواسِعُ، وأوسع منه الميثاء، والجوّ: المنخفض من الأرض، والهجل: الخفض بين ربوتين، وهو ما ارتفع من الأرض. انتهى. والبَعِيث: بفتح الموحدة وكسر المهملة وآخره مثلثة، أورده محمد بن سلام الجمحي في الطبقة الرّابعة من الإسلاميين، وقال: البعيث واسمه خِدَاش بن بشر ابن خالد بن الحارث بن بيبة بن قُرط [بن سفيان] بن مُجاشع وسُمِّي البعيث لقوله: تَبَعَّث مِنِّي مَا تَبَعَّث بَعْدَمَا ... أُمِرَّتْ حِبَالي كُلّ مرَّتها شَزْرا وهو أوَّل شعر قاله، وكان شاعرًا فاخر الكلام، حُرَّ اللّفظ، وقد غلبه جرير

стр. 1867

وأخمله، وكان قد قاوم جريرًا في قصائد، ثم ضج إلى الفرزدق، واستغاث به، وذلك قوله: لَعَمْرِي لَقَدْ أَلْهَى الفَرَزْدق قَيْدُهُ وعدَّه الناسُ مغلبًا. انتهى. وقال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": كان البعيث أخطب بني تميم إذا أخذ القناة، وله عقب بالبادية، وكان يُهاجي جريرًا، وقال أبو عبيدة: سألتُ بعض بني كليب ما أشدّ ما هُجيتُم به؟ قال: قول البعيث: أَلَسْتَ كُلَيْبيًا إِذَا سِيمَ خُطَّةً ... أَقَرَّ كَإِقْرَارِ الحَلِيلَةِ لِلْبَعْلِ وَكُلُّ كُلَيْبِيٍّ صَفِيحَةُ وَجْهِهِ ... أَذَلُّ لِأَقْدَامِ الرِّجَالِ مِن النَّعْلِ وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع عشر بعد الخمسمائة: أَعَلَاقَةً أُمَّ الْوُلَيِّدِ بَعْدَمَا ... أَفْنَانُ رَأْسِكَ كَالثَّغَامِ المُخْلِسِ على أنه قيل: ما كافة لـ "بعد" عن الإضافة، وقيل: مصدريّة، وهو الظاهر، وهو قول جماعة منهم الإسفراييني صاحب "اللباب" قال فيه: ليست ما في البيت بكافة لبعْد عن الإضافة، بل مهيئة للإضافة إلى الجملة، وقال في ما علقه عليه: و"ما" في البيت وإن حكم بأنّها كافة إلاَّ أنَّ ذلك لا يعجبني، فإنَّ "بعد" في البيت على معناه الأصلي من اقتضاء الإضافة إلى شيء، وهو في المعنى مضاف لما بعده، كأنه قيل: بعد حصول رأسك أشمط كالثغام المخلس، فما ذكرت أقرب إلى الصّواب إن شاء الله تعالى. انتهى. وتبعه المحقق الرضي قال: ما فيه مصدريّة على قول بعضهم خلافًا لسيبويه، وسبقهما الأعلم وابن خلف، وأورده سبيويه في

стр. 1868

موضعين من كتابه، أورده أولًا في باب ما جرى في الاستفهام من أسماء الفاعلين والمفعولين مجرى الفعل من أوائل كتابه، قال ابن خلف: الشاهد فيه إعمال المصدر عمل الفعل، ونصب أم الوليد بعلاقة، لأنَّها بدل من اللفظ، فعملت عمله، كأنه قال: أتعلّق أمّ الوليد بعد الكبرّ وأورده ثانيًا في باب الحروف المشبهة بالفعل، فإنّه بعد أن ذكر أنَّ "ما" تكفها عن العمل قال: ونظير إنما قول المرار الفقعسي. أَعَلَاقَةً أُمَّ الوُلَيِّدِ ... البيت. "بعد" مع "ما" بمنزلة حرف واحد، وابتداء ما بعده. انتهى. وكذا قرَّره أبو علي في "البغداديّأت" في فصل "كسر لما" وابن الشجري في "أماليه" في فصل عقده لمعاني ما، وقال الأعلم وتبعه ابن خلف: بعد لا يليها الجمل، وجاز ذلك، لأنَّ ما وصلت بها لتتهيأ للجملة بعدها، كما فعل بقلما وربَّما، وما مع الجملة في موضع جر بإضافتها إليها، والمعنى: بعد شبه رأسك بالثغام المخلس، فما مع ما بعدها بمنزلة المصدر، هذا كلامهما، وهو خلاف كلام سيبويه، فإنَّه جعل ما كافّة عن الإضافة، وهما جعلاها مصدريّة، والعلاقة: مصدر علق الرّجل المرأة من باب فرح، وعلاقة إذا أحبّها، والعلاقة: الحب، وتكون العلاقة أيضًا الارتباط في الأمور المعنوية، كعلاقة الخصومة، والعلاقة بالكسر: هي علاقة السوط ونحوه من الأمور الحسِّيَّة، والوليّد بتشديد الياء، مصغر الوليد بمعنى الولد، قال الأعلم وابن خلف: صغَّره ليدلَّ على شباب أمّه، لأنَّ صغر ولدها لا يكون إلا في عصر شبابها، وهذا الحصر غير صحيح، فإنّها قد تكون مُسنو ولها ولد صغير، والأولى أن يكون التصغير للتحبيب، ونكتة إضافتها إليه دون البِنْت ملحها، فإنَّ قولهم أمّ الوليد، وأمّ الصبيين صفة مادحة للمرأة، وقال السّيرافي: الرواية الصحيحة أم الوليد بالتكبير، ويكون مزاحفًا بالوقص، وهو إسقاط الحرف الثاني من متفاعلن، بعد إسكانه، قال: وإنما جعلته الرواة بالتصغير، لأنّه أحسن في الوزن، والوليد:

стр. 1869

الصبيّ. انتهى. والأفنان جمع فنن بفتحتين: وأراد بها ذوائب شعره على سبيل الاستعارة، والثغام بفتح المثلثة والغين المعجمة، قال الدينوري في كتاب "النبات": أخبرني بعض الأعراب قال: تنبت الثغامة خيوطًا طوالًا دِقاقًا من أصل واحد، وإذا جفّت ابيضّت كلّها، وهو مرعى تعلفه الخيل، وإذا أمحل الثغام كان أشدّ ما يكون بياضًا، ويشبّه به الشيب قال حسّان: إمَّا تَرَىْ رَأسي تَغَيَّرَ لَوْنُهُ ... شَمطًا فَأَصْبَحَ كَالثَّغَامِ المُمْحِلِ وإذا كان الثغام مخلسًا شبّه به الشعر الشميط، وهو الذي اختلط بياضه بالسواد، والخليس من النبات: الذي ينبت الأخضر منه في خلال يبسه، قال المرار الفقعسي: أَعَلاقَةً أُمَّ الوُلَيِّدِ ... البيت أي: بعد ما شمطت، والرأس الشميط: الذي نصفه أبيض، ونصفه أسود. انتهى. والهمزة للتوبيخ خاطب نفسه، وقال: أتعلق أم الوليد وتحبها وقد كبرت وشبت، كما قال العجاج: أَطَرَبًا وَأَنْتَ قِنِّسْرِي وقال الأسود أبو محمد الأعرابيّ: ليس الشاعر موبخًا نفسه، وإنما يحكي مّنْ عذله من أصحابه يوضحه قوله: فَتَهَامَسُوا دُونِي أشَوْقٌ هَاجَهُ ... وَهْنًا فَقَالَ مُعَالِنٌ لَمْ يَهْمِسِ أَعَلَاقَةً .. ألبيت، فالقول لمعالن لم يهمس، وليس يقوله الشاعر لنفسه، وتقدَّمت ترجمته في الإنشاد الثامن بعد الخمسمائة.

стр. 1870

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس عشر بعد الخمسمائة: بَيْنَمَا نَحْنُ بِالْأَرَاكِ مَعًا ... إذْ أَتَى رَاكِبٌ عَلَى جَمَلِهْ لما ذكره. والبيت من قطعة لجميل العذري، تقدَّم بعضها في الإنشاد الواحد والثمانين بعد المائة، وقبله: يَا خَلِيلَيَّ إنَّ أُمَّ جُسَيرٍ ... حِينَ يَدْنُو الضَّجِيعُ مِنْ عِلَلِهْ رَوْضَةٌ ذَاتُ حُوَّةٍ أُنُفٌ ... جَادَ فِيهَا الرَّبيعُ مِنْ سَبَلِهْ بَيْنَمَا هُنَّ بِالأَرَاكِ مَعًا ... إِذْ أَتَى رَاكِبٌ عَلَى جَمَلِهْ فَتَأَطَّرْنَ ثُمَّ قُلْنَ لَهَا ... أَكْرِمِيهِ حُبِيتِ فِي نُزُلِهْ فَظَلِلْنَا بِنِعْمَةٍ فَاتَّكَأنَا ... وَشَرِبْنَا الحَلَالَ مِنْ قُلَلِهْ وَخَلِيلٍ صَافَيْتُ مُرْتَضِيًا ... وَخَلِيلٍ فَارَقْتُ مِنْ مَلَلِهْ غَيْرَ بُغْضٍ لَهُ وَلَا مَلَقٍ ... غَيْرَ أَنِّي أَلَحْتُ مِنْ وَجَلِهْ وهذا آخر القطعة، وروضة: هخبر أمّ جُسير، والحوَّة: شديدة الخُضرة، والأُنُف بضمتين: الروضة التي لم تُرع، ولم تدسْها الأقدام، والسبل بفتحتين: المطر. وقوله: بينما هنَّ بالأراك، هنَّ ضمير النسوة، وإن لم يتقدَّم ذكرهنَّ، ووقع بدله في كتب النحو بينما نحن، والأراك: موقف بعرفة من ناحية الشام، ونمِرة من مواقف عرفة من ناحية اليمن، وتأطّرن: تعطّفن، وحُبِيتِ: أُعْطِيتِ، والنُّزُل بضمتين: طعام النزيل الذي يُهيَّأ له، والقُلَل: جمع قُلّة بالضمّ: الجرَّة، والضمير للراكب، وقوله: وخليل، أي: رُبَّ خليل، والملل: السآمة، وألحت: أشفقت، يُقال: ألاح من كذا.

стр. 1871

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس عشر بعد الخمسمائة: فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ والأَمْرُ أَمْرُنَا ... إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ لَيْسَ نُنْصَفُ لما ذكره، وبعده: فَأُفٍّ لِدُنيَا لا يَدُومُ نَعِيمُهَا ... تَقَلَّبُ تَارَاتٍ بِنَا وَتَصَرَّفُ والبيتان لحرقة بنت النعمان بن المنذر أوردهما أبو تمام في "الحماسة"، والرواية: "بينا نسوس الناس" بلا فاء، وساس الأمر يسوسه سياسة: دبره وقام بإصلاحه، والسوقة بالضم: خلال الملك، يطلق على الواحد والاثنين والجمع، وليس نُنصفُ: لا نعامَلُ بالإنصاف، وروي: "إذا نحنُ فيه سُوقَةٌ نتنصفٌ" بالبناء للفاعل، أي: نخدُمُ، قال ابن السكيت: نصفهم وتنصفهم، أي: خدمهم، وتقلَّب وتصرف أصلهما: تنقلب وتتصرف، وحُرَقة، بضم الحاء وفتح الراء المهملتين بعدهما قاف، هي بنت النعمان بن المنذر اللخمي ملك الحيرة بظهر الكوفة، وهي امرأة شريفة شاعرة، كذا ذكرها الآمدي في "المؤتلف والمختلف" وأنشد لها هذين البيتين، وقد أوسعنا الكلام بما يتعلّق بالبيتين، وبها في شرح الشاهد الثامن بعد الخمسمائة من شواهد الرضي.

стр. 1872

وأنشد بعدَهُ، وهو الإنشاد السابع عشر بعد الخمسمائة: لَوْ بِأَبَانَيْنِ جَاءَ يَخْطُبُهَا ... زُمِّلَ مَا أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمِ على أنَّ ما زائدة. وهو من أبيات لمهلهل قالها حين تنقَّل في القبائل بعد حربِ البسوس حتى جاور قومًا من مذحج يقال لهم: جّنْب، وخطبوا إليه أخته، وكان مهرهم الأَدَمَ، فقال بعد أبيات خمسة عشر: عَزَّ عَلى تَغْلِبٍ بما لقِيتْ ... أُخْتُ بني المالِكينَ مِنْ جُشمِ أَنْكَحَهَا فَقْدُهَا الأَرَاقِمَ فِي ... جَنْبِ وَكَان الحِبَاءُ مِنْ أَدَمِ لَوْ بِأَبَانَيْنِ جَاءِ يَخْطُبُهَا ... زُمِّلَ مَا أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمِ لَيْسُوا بِأَخْتَانِ مَا البَنَاتِ وَلَا ... يُغْنُونَ مِنْ عَيْلَةٍ وَلَا عَدَمِ وقد قدَّمنا في الإنشاد الثالث والعشرين بعد الأربعمائة ذكر حرب البسوس، وما آل إليه أمر مهلهل حتى نزل في جنب، وهم ستة رجال، كلّ منهم أبو بطن وهم مُنبَّه، والحارثُ، والغلْيُ، وسيحان، وشمران، وهَفّان كلّهم بنو يزيد ابن حرب المذحجي، وَسُمُّوا جَنْبًا لأنهم جانبوا أخاهم يزيد بن يزيد الملقب بصُداء، كغراب، فلما نزل فيهم، خطبوا إليه أخته، فامتنع، فأكرهوه حتى زوَّجهم، وكان الذي تزوَّجها معاوية بن الحارث بن منبّه. وقوله: عزَّ على تغلب، من عزَّ عليَّ فعل كذا من باب ضرب، أي: اشتدَّ كناية عن الأنفة عنه، وتغلب: قبيلة مهلهل بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم ابن بكر بن حُبَيْب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل، والأراقم ستة إخوة: هم جُشَم، ومالك، وعمرو، وثعلبة، ومعاوية، والحارث بنو بكر بن حُبَيْب بالتصغير المذكور، وسبب تسميتهم بالأراقم أنَّ كاهنًا مرَّ بأمهم وهم ستة ملتفون

стр. 1873

في قطيفة لها، فقالت: انظر إلى بنيَّ هؤلاء، فقال: والله لكأنما رموني بعيون الأراقم. وقال أبو عبيدة: إنَّ أباهم نظر إليهم لما ترعرعوا، فإذا لهم جُرْأَةً وحِدَّة، فقال لغلام له: إذا كان الليل، فاستغث حتى أنظر إلى ما يفعل أولادي، فذهب إلى حيث أمره مولاه، فاستغاث، فَسَمعوا صوته، فقصدوا قصده، فقالوا له: ويلك ما دهاك؟ وأين القوم؟ فتعلقوا به، ولم يفارقوه، فأقبلوا يهزونه، فلمّا رأى ذلك، قال لمولاه: كفّ عليَّ هؤلاء الأراقم، فقد كادوا يقتلونني. وأراد بالمالكين: الملوك والسلاطين، وفقدها: فاعل أنكحها، والأراقم فاعل فقدها، وهو مصدر مضاف للفاعل، وفقدته بمعنى طلبته عند غيبته، وفي متعلقة بفقدها، والحباء بكسر المهملة بعدها موحدة: العطية، يريد به المهر، والأدّم، بفتحتين: الجلد المدبوغ، قال الأزهري: الحباء: عطاء بلا منّ ولا جزاء، تقول: حبوته أحبوه حباء، ومنه اشتقت المحاباة، وجعل المهلهل مهر المرأة حباء، وأراد أنهم لم يكونوا أرباب نعم، فيمهرونها الإبل، وجعلهم دبّاغين للأدم. انتهى. وقوله: لو بأبانين، الباء متعلّقة بجاء، وقدم الظرف، وفصل به بين لو وشرطها لضرورة الشعر، قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": أبان، بفتح أوَّله: جبل، وهما أبانان: أبان الأبيض، وأبان الأسود بينهما نحو فرسخ، ووادي الرُّمّة يقطع بينهما، والأول لبني حريد من بني فزارة خاصة، والثاني لبني والبة الأسدي، وقال بعضهم: ويشركهم فيه فزارة، وقال مهلهل: لَوْ بِأَبَانَينِ جَاءَ يَخْطُبُهَا .. البيت. يدل قول مهلهل على أنَّ لتغلب في أبانين اشتراكًا مع القبيلتين المذكورتين، أو أنَّ مهلهلًا جاورهما أو إحداهما، وانظر أبانين في رسم شّمام أيضًا. انتهى. قال هناك: قال الخليل: شمام جبل له رأسان يسمّيان ابني شمام، وقال في موضع

стр. 1874

آخر: يسمّيها العرب أبانين، ولمحمد بن حبيب تأليف في "المثنى على التغليب" وغيره لم يذكر هذا فيه. وقال ياقوت في "معجم البلدان": أبان الأبيض: شرقي الحاجر، فيه نخل وماء، يقال له: أكره وهو العَلَمُ لبني فزارة وعبس، وأبان الأسود: جبل لبني فزارة خاصة، وبينه وبين الأبيض ميلان. وقال أبو بكر بن موسى: أبان جبل بين فيّدْ والنبهانية أبيض، وأبان جبل أسود، وهما أبانان، كلاهما محدّد الرأس كالسنان، وهما لبني مناف بن دارم من تميم، وقال آخرون: أبانان تثنية أبان، ومُتالع، غلب أحدهما، وهما بنواحي البحرين، فاستدلّوا على ذلك بقول لبيد: دَرَسَ المنَا بمُتَالِعٍ فَأَبَانِ أراد: درس المنازل، وقيل: ثنية أبان وشَرْورى، وهما جبلان، فغلبوا أبانًا عليه، ثمَّ ذكر ياقوت أبيات مهلهل. وقال في كتاب "المشترك وضعًا والمفترق صقعًا": أبان الأول: جبل شرقي الحاجر فيه نخل وماء، يقال له: الأكره وهو العلم لبني فزارة وعبس، والثاني: أبان الأسود، جبل لبني فزارة خاصّة، وبينهما ميلان وهما اللذان ذكرهما مهلهل بقوله: لَوْ بأَبَانَيْنِ جَاء يخْطُبُهَا .. البيت. وزُمّلٍ: بالبناء للمفعول، من التزميل بالزاء المعجمة، وهو الإخفاء واللّف في الثوب، يقول: لو خطبها في بلادي لهشمت أنفه حتى كان يخفيه بالثوب، وروى المبرد في "الكامل" بدله: "ضرج" من التضريج وهو صبغ الأنف بالدم، وقوله: ليسوا بأختان ما البنات "ما" زائدة بين المضاف والمضاف إليه، والأختان: جمع خَتَنٍ - بفتحتين - وهو الصهر، ومن كان من قبل المرأة كالأب والأخ، والعيلة: الفقر، والعدم، بفتحتين: القلّة. وهذه الأبيات نقلتها من كتاب "أشعار تغلب" للسكري.

стр. 1875

وأنشد بعده: أَنْورًا سَرْعَ مَاذَا يَا فَرُوقُ وتقدَّم شرحه في الإنشاد التاسع والتسعين بعد الأربعمائة. وَأَنْشَدَ بَعْدَهُ، وهو الإنشاد الثامن عشر بعد الخمسمائة: مَتى مَا تُنَاخِي عِنْدَ بَابِ ابْنِ هَاشِمٍ ... تُرَاحِي وَتَلْقَيْ مِنْ فَوَاضِلِه نَدَا على أنَّ ما زائدة، وتناخي بكسر الخاء مجزوم بمتى حذفت النون للجزم، وهو فعل مضارع بالبناء للمجهول من الإناخة، يقال: أناخ الرجل الحمل فَبَرَكَ وتنوّخ، ولا يقال: ناخ، بل قد يقال: استناخ، كذا في "المصباح" وتُراحي جزاء الشرط مجزوم مثله بحذف النون وهو بكسر الحاء بالبناء للمفعول، ومعناه: يحصل لك الراحة وهي زوال المشقة والتعب، يقال: أرحته فاستراح، وتلقي معطوف على الجزاء مجزوم بحذف النون أيضًا، وهو بفتح القاف من لقيته من باب تعب، وكل شيء استقبل شيئًا أو صادفه، فقد لقيه، وفي "القاموس": الفواضل: الأيادي الجسيمة والجميلة، والندى: بالفتح والقصر: الخير والإحسان. وابن هاشم أراد به النبيّ ﷺ ، وهو جد والده ﷺ ، واسمه عمرو، وسمّي هاشمًا، لأنه كان يهضم الثريد للفقراء أيّام القحط والجَدْب، قال الشاعر: عَمْرُو الذي هَشم الثَّرِيد لِقَوْمِهِ ... وَرِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ

стр. 1876

والبيت من قصيدة للأعشى ميمون البكري الذي مدح بها النبي ﷺ ، ولم يوفّق للإسلام، وتقدَّم شرح أوَّلها إلى بيت بعد هذا البيت بعضها في الإنشاد الخامس والخمسين بعد الثلاثمائة، وبعضها في الخامس والثمانين بعد الأربعمائة، وبقي شاهد منها نشرحه إن شاء الله تعالى مع ما بقي من القصيدة في حرف الألف. والأعشى هو أوَّل من وعد ناقته بالخير والجميل إذا بلغته إلى ممدوحه، وتبعه الفرزدق، فقال يخاطبها: إلى مَ تَلَفَّتِينَ وَأَنْتِ تَحْتِي ... وَخَيْرُ النَّاسِ كُلُّهُمُ أَمِامِي مَتَى تَرِدِي الرُّصَافَةَ تَسْتَرِيحِي ... مِنَ التَّصْدِيرِ وَالدَّبَرِ الدَّوِامِي وأوَّل من وعدها بالسوء والشرّ المرأة الغفارية المأسورة بمكّة وقد نجت على ناقة رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها، فقال رسول الله ﷺ : "لبئسما جزيتها" وقال ﷺ : "لا نذر في معصية الله جلّ وعزّ، ولا نذر للإنسان في ملك غيره"، وتبعها الشمّاخ فقال: رَأَيْتُ عَرَابَةَ الأَوْسِيَّ يَسْمُو ... إِلَى الخَيْرَاتِ مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لمَجْدٍ ... تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِاليَمِينِ إذَا بَلَّغْتِني وَحَمَلْتِ رَحْلي ... عَرَابَةَ فَاشْرَقي بِدَمِ الوَتِيِنِ وقد تبع أبو نواس الفرزدق، وردَّ على الشمّاح في قوله: أقُولُ لِنَاقَتِي إذْ قَرَّبَتْني ... لَقَدْ أَصْبَحْتِ عِنْدِي بِاليَمِينِ فَلَمْ أَجْعَلْكِ لِلْغِرْبَانِ نُحْلًا ... وَلَا قُلْتُ اشْرَقي بِدَمِ الْوَتِينِ

стр. 1877

وما أحسن قوله في محمّد الأمين: وَإِذَا المَطِيّ بِنَا بَلَغْنَ مُحَمَّدًا ... فَظُهُورُهُنَّ عَلى الرِّحَالِ حَرَامُ قَرِّبْنَنَا مِنْ خَيْرِ مَنْ وَطِئ الحَصَا ... فَلَهَا عَليْنا حُرْمةٌ وَذِمامُ وقد تتبعنا نظائر الوعدين، وأودعناها في شرح الشاهد الستين بعد المائة من شواهد الرضي. وأنشد بعده: رُبَّمَا ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ صَقِيلٍ .. البيت. وتقدم شرحه في الإنشاد الثالث عشر بعد المائتين. وأنشد بعده: وَنَنْصُرُ مُوْلَانَا وَنَعْلَمُ أَنَّهُ .. البيت. وتقدَّم م الكلام عليه في الإنشاد الرابع والتسعين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع عشر بعد الخمسمائة: نَامَ الْخَلِيُّ فَمَا أُحِسُّ رُقَادِي ... وَالْهَمُّ مُحْتَضِرٌ لَدَيَّ وَسَادَي مِنْ غَيْر مَا سقْمٍ وَلكِنْ شَفَّني ... هُمٌّ أَرَاهُ قَدْ أصَابَ فُؤَادِي على أنَّ ما زائدة بين المضاف والمضاف إليه، وهما مطلع قصيدة للأسود بن يعفر النهشلي الجاهلي أوردها المفضل في "المفضليات"، قال ابن الأنباري في شرحه: الخلي: الخالي من الهموم، ويقال في مثلٍ: "ويل للشجى من الحلي"، الشجي: الحزين، شجاني الشيء يشجوني: حزنني، وقوله: ما أحسّ، أي: ما أجد منه أثرًا، يقال: أحسست الخبر وحسسته وحسيت به، وشفني: جهدني.

стр. 1878

فأنا مشفوف، والفاعل شافٌّ، وسقم يروى بفتحتين وبالضمّ. انتهى. ومحتضر اسم فاعل، يقال: حضره، واحتضره وتحضّره بمعنى، ووسادي: بدل اشتمال من الياء، والوساد مثلث الواو: المخدّة في لديّ، والسقم: المرض، وشفَّني: أنحلني، وقد شرحنا أبياتًا كثيرة منها بعدهما في الإنشاد السّادس والثلاثين بعد الثلاثمائة. قال ابن الأنباري: حدَّثني عبد الله بن عمرو، قال: حدَّثني الحكم بن موسى ابن الحسين السَّلولي، قال: حدَّثني أبي، قال: بينا نحن بالرافقة على باب الرشيد وقوف، وما نَفقِدُ أحدًا من وجُوه العرب ولا أشرافها من أهل الجزيرة والشام وأهل العراق، إذ خرج وصيف كأنه درّة، فقال: يا معشر الصحابة، أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام، ويقول لكم: من منكم ينشد قصيدة الأسود بن يعفر: نامَ الخَلِيّ فَمَا أُحِسُّ رُقَادِي فليدخل فليمشدها أمير المؤمنين، وله عشرة آلاف، قال: فنظر بعضنا إلى بعض، فلم يكن فينا أحد يرويها، قال: فكأنما سقطت البدرة عن قربوسي، قال الحكم بن موسى: وأمرني أبي، فرويت شعر الأسود من أجل هذا الحديث. انتهى. تنبيه: لم يتعرض ابن الأنباري لتخفيف الياء من الشجي ولا لتشديدها ومراده التشديد، لأنّه قال: شجاني الشيء يشجوني، فهو فعل متعد يأتي اسم مفعوله على مفعول وفعيل، فيقال مشجو وشجي، قال صاحب الصحاح: فإن جعلت الشَّجيّ فعيلًا من شجاه الحزن، فهو مشجو وشجيّ بالتشديد لا غير، وقال قبل هذا: ورجل شج، أي: حزين، وامرأة شجيّةٌ على فَعِلَة، ويقال: "ويل للشجى من الخليّ" قال المبرّد: ياء الحليّ مشددة، وياء الشجي مخفّفة، وقد شدّدت

стр. 1879

في الشعر، وأنشد: نَامَ الخَلِيُّونَ عَنْ لَيْلِ الشَّجِييِّنا انتهى. وتبعه صاحب "القاموس" فقال: وقد تشدّد ياؤه في الشعر، وقال ابن برّي في أماليه على "الصّحاح" قوله: قال المبرد: ياء الخلي مشدّدة .. الخ. قال أبو جعفر أحمد بن عبيد المعروف بأبي عَصِيدة: الصَّواب تشديد الياء فيهما، وأما الشجيّ بالتخفيف، فهو الذي أصابه الشجى، وهو الغّصَصُ، وأمّا الحزين فهو الشجيّ بتشديد الياء، وقد رواه بعضهم: "ويل اللشجي" بتخفيف الياء وهو غلط ممن رواه، وصوابه تشديد الياء، وعليه قول أبي الأسود الدؤلي: ويل الشجي من الحلي فإنه ... نصب الفؤاد لشجوه مغموم ومنه قول أبي داود: من لعين بدمعها موليه ... ولنفس بما عراها شجيه قال ابن بري: فإذا ثبت هذا من جهة السماع، وجب أن ينظر توجهه من جهة القياس، ووجهه أن يكون اسم المفعول من شجوته أشجوه، فهو مشجو وشجي، كما تقول: جرحته، فهو مجروح وجريح، وأما شج بالتخفيف، فهو اسم الفاعل من شَجِيَ يشجى، فهو شج. انتهى. والسّابق إلى منع تشديد الياء ثعلب، قال في "فصيحه": وتقول: ويل للشّجِي من الخليّ، ياء الشجي مخففة، وياء الخلي مشدَّدة. انتهى. وقد رده عليه شراحه منهم أبو سهل الهروي، قال في شرحه المسمّى "التلويح في شرح الفصيح".

стр. 1880

قد تبعه ابن قتيبة، وابن السكيت، وإني لأعجب من إنكار التشديد في هذه اللفظة، لأنه لا خلاف بين اللغويين في أنه يقال: شجوت الرجل أشجوه: إذا حزنته، وشجي هو يشجي شجوًا: إذا حزن، فإذا قلنا: شج، بالتخفيف كان اسمَ الفاعل من شجي يشجى، وإذا قلنا: شجيّ، بالتشديد، كان اسم المفعول من شجوته أشجوه، فهو مشجو وشجي، كقولك: مقتول وقتيل، قال أبو الأسود الدؤلي: ويل الشجي من الخلي فإنه ... البيت. وقال أبو داود: ولنفس بما عراها شجيه وناهيك بما، فقد طابق اسلماع القياس كما ترى. انتهى. وكذلك رد عليه الإمام المرزوقي وغيره من الشراح. وأنشد بعده: ولا سيما يوم بدارة جلجل وتقدم شرحه في الإنشاد الثامن عشر بعد المائتين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد العشرون بعد الخمسمائة: إما ترينا حفاة لا نعال لنا إنا كذلك ما نخفى وننتعل على أن "ما" زيدت في موضعين منه، وروي: "إنا كذلك قد نحفى" فتكون زائدة في موضع فقط، وهو مع "إن" الشرطية، فإن "إما" أصله إن ما، واللام الموطئة مقدرة قبل إن، وجملة: إنا كذلك. الخ، جواب القسم المقدر، وهو دليل جواب الشرط، والذي دلنا على أن ههذ الجملة جواب القسم عدم اقترانها بالفاء، ولا يحسن جعلها جواب الشرط بادعاء حذفها، لأن حذفها خاص بالشعر

стр. 1881

كما تقدم مرارًا، وجعل التبريزي في شرح هذه القصيدة الجملة جواب الشرط، وقال: حذفت الفاء لعلم السامع، والتقدير: فإنا كذلك، وهذا مذهب الكوفيين، وترينا: خطاب لامرأة، وحُفاة: جمع حافٍ، وهو الذي يمشي بلا نعل، وجملة "لا نعال لنا" صفة كاشفة لحفاة، والمعنى: إن ترينا نتبذل مرة، ونتنعم أخرى، فكذلك سبيلُنا، وقيل: المعنى إن ترينا نستغني مرة، ونفتقر أخرى. والبيت من قصيدة للأعشى ميمون البكري قد ألحقت بالمعلقات السبعة، وشرحها التبريزي معها، وقبله: قالت هريرة لما جئت زائرها ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل قالوا: هذا البيت أخنث بيت قالته العرب، وزائرها حال من التاء، أي: زائرًا لها، وإنما قالت له كذا لسوء حاله، وقولها: ويلي عليك، أي: لفقردك، وقولها: وويلي منك، أي: لعدم استفادتي منك شيئًا، وبعد هذا أخذ في تبيين سبب سوء حاله بأنه أفنى ماله في لذاته، فأجابها بقوله: إما ترينا حفاة الخ، فيكون بتقدير القول، أي: فقلت لها: إمّا ترينا حفاة .. ألبيت. ومطلع القصيدة: ودِّع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل وقد شرحنا مع هذا عدة أبيات منها في شرح الشاهد الثامن والثلاثين بعد التسهمائة من شواهد الرضي، وترجمة الأعشى تقدمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والعشرون بعد الخمسمائة: سلع ما ومثله عشر ما عائل ما وعالت البيقورا على أن ما قد زيدت في ثلاثة مواضع، قال ابن الشجري في المجلس الثامن والستين من "أماليه" وزادها الأعشى في موضعين من بيت: إما ترينا حفاةً .. البيت، وزادها أمية بن أبي الصلت في ثلاثة مواضع من بيت وهو:

стр. 1882

سلعٌ ما ومِثلُه عُشَرٌ ما .. البيت، وذكر ابن قتيبة في كتاب "معاني الشعر" أنَّ الأصمعي ذكر عن عيسى بن عمر أنّه قال: ما أدري ما معنى هذا البيت، ولا رأيت أحدًا يعرف معناه، وقال غيره: إن أمية قال هذا البيت في سنة جدبٍ وكانوا في سنة الجدب يجمعون ما يقدرون عليه من البقر، ثم يعقدون في أذنابها وثنن عراقيبها، السلع والعشر: ضربين من الشجر، ثمَّ يعلون بها في جبل وعر، ويشعلون فيه النار، ويضجّون بالدعاء والتضرَع، وكانوا يرون ذلك من أسباب السقيا، والبيقور: البقر، والعائل: الفقير، وفي التنزيل: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) [الضحى/ ٨]، وعالت البيقور يعني: سنة الجدب، أي: أثقلت البقر بما حُمِّلَتْ من السلع والعشر، يقال: عالني الأمر، أي: أثقلني. وقوله: وثنن عراقيبها، الثنن: جمع ثنّة، وهو الشعر المحيط بالعرقوب وبالظلف وبالحافر، إلى هنا كلام ابن الشجري. وكلّ من تكلّم على هذا البيت بزيادة "ما" لم يجوِّز أن تكون إبهامية، وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته، وزادته شياعًا وعمومًا، كقولك: أعطني كتابًا ما، تريد: أيّ كتاب كان، لأنّه لا مقتضى لقصدها. والبيت من قصيدة لأميّة بن أبي الصّلت مطلعها: مَجِّدوا الله وهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرًا إلى أن ذكر قصة ناقة صالح وتعدي قدار عليها وهلاك قوم ثمود، ثم ذكر فرعون وادعاءه الألوهية وهلاكه مع قومه في اليمّ، ثم ذكر قوم فرعون وما كشف الله عنهم بدعاء سيدنا موسى ﵇، ثمَّ ذكر عصيانهم له، وما نزل بهم من القحط، والبلاء، فقال: لا يصيخون للأمير ولا ينفك .. بر من بينهم منحورا سنة أزمة تخيل بالنا ... س ترى للعضاه منها صريرا لا علقى كوكب تنوء ولا ريح ... جنوب ولا ترى طمرورا إذ يسفون بالدقيق وكانوا ... قبل لا يأكلون شيئا فطيرا

стр. 1883

قد ثروه بماء ذي الفلك حتى ... أجمعوه مرارة يمقورا ويسوقون باقر الطود للسهل ... مهازئل خشية أن تبيرا عاقدين النيران في ثكن الأذ ... ناب منها لكي تهيج البخورا فاستوت كلها فهاجت عليهم ... ثم هاجت إلى صبير صبيرا فرآها الإله توشم بالقطر ... وأمسى جنابهم ممطورا فقفاها بأمره واكم النبت ... أراهم إذ خادعوه النكيرا سلعا ما ومثله عشرا ما ... عائلا ما قد عالت البيقورا هو أبدى لكل ما يأثر النا ... س أماثيل باقيات سفورا ثمَّ ذكر أنَّ الله تعالى يرزق جميع المخلوقات من الوحش والطير وغيرهما. وقوله: للأمير .. الخ، الضمير لقوم فرعون، وأصاخ بالخاء المعجمة: استمع، والبرّ.: الصالح، والمنحور: المذبوح، أشار إلى بني إسرائيل لا يستمعون كلامَ ولاتهم، وأنهم يقتلون الأنبياء والصلحاء. وقوله: سنة أزمة .. الخ، السنة: القحط، وانكشاف الأرض عن النبات، وأزمة: شديدة، وسنة: مبتدأ، خبره محذوف تقديره: من عذابهم سنة أزمة، وتخيّل أصله تتخيّل، بتاءين، أي: تتلوَّن، وقال شارح ديوانه: أي: تلتوي، والعِضاه بالكسر، وآخره هاء، كل شجر عظيم شائك، الواحدة عضاهة، يقول: تسمع صوته من شدَّة البرد والرّيح لشدّة السنة، والشجر إذا يبس سمع له عند هبوب الرياح صوت. وقوله: لا على كوكب تنوه .. الخ. قال شارحه يقول: هذه السنة لا تمطر على كوكب، والطمرور: العُودُ اليابس. انتهى. وقال الجواليقي في شرح "أدب الكاتب": يقول: لم يمطر فيها نوء، ولا هبّت جَنوبٌ، ومع الجنوب يكون

стр. 1884

السّحاب والمطر. انتهى. وأراد بالكوكب نجوم الأخذ وهي منازل القمر الثمانية والعشرون، والعرب تضيف المطر إليها، وروي: "ولا ترى طخرورا" بالخاء المعجمة وبالمهملة، ومعناهما قطعة من السحاب، وروي أيضًا: "صمرورا" وهو الذي يلقّحج النَّخْلَ. وقوله: إذ يسفّون بالدّقيق .. الخ، أورده ابن قتيبة في "أدب الكاتب" على أنَّ الباء زائدة، قال شارحه ابن السيّد البطليوسي: أراد يسفَون الدَّقيق، فزاد الباء، وأظنه يصف بني إسرائيل. انتهى. وقال شارحه الجواليقي، أي: يستفّون الدَّقيق، والاستفاف: الاقتماح، ولا يكون إلاَّ في شيء يابس صغار كالسمسمس والخشهاش. ونحو ذلك. انتهى. وقوله وكانوا قبل، أي: قبل هذه السنة، يخبزون الدَّقيق، ولا يسفونه فطيرًا. وقوله: قد ثروه بماء .. الخ، قال شارحه: ثروه: بلّوه من الثرى، وأجمّعُوهُ: كرهوه من كثرة ما يأكلونه صار مُرًّا، واليمقور: الصَّبر. وقوله: ويسوقون باقر الطود .. الخ، قال شارحه: خشية أن تبيرا، أي: أن تهلكهم السَّنَة، والباقر: جماعة البقر، والطود: الجبل، وقوله: ويسوقون يقول: يستسقون بها، ويستنزلون المطر. انتهى. ومنه علم أنَّ البقر يحدرونها من الجبل إلى السهل، لا العكس، وكذا قالق الصّاغاني في مادة سلع من "العباب" قال: والتسليع: ما كان أهل الجاهلية يفعلون إذا أسنتوا، كانوا يعلقون السلع مع العُشرِ بثيران الوحش، وحّدّرُوها من الجبال، وأشعلوا في ذلك السّلع والعُشرِ النّارَ يستمطرون. انتهى. وبهذا عبر صاحب "القاموس" لما روى البيت الجوهري في مادة "العَول": ويسوقون باقر السهل للطود

стр. 1885

قال في مادة "السلع": كانوا في الجدب يعلّقون شيئًا من هذا الشجر ومن العشر بأذناب البقر، ثم يضرمون فيها النَّار، وهم يصعدونها في الجبل فيُمْطَرُون: زعموا. انتهى. وقوله: عاقدين النيران .. الخ، قال شارحه: كانوا يعقدون النيران في أصول ذنب البقر يستسقون بها، ويستبرقون من البرق، والثكنة: مجتمع الشعر في لاذنب، وهاجني هذا الشيء وهجته أنا. انتهى. وأشار بهذا إلى ما عليه العرب والحكماء من أنَّ السحاب ينعقد من الأبخرة المتصاعدة من البحار وغيرها في كرّة الزمهرير، ثمَّ يتقاطر مطرًا، ,النيران جمع نار، والثكنة بضم المثلثة وسكون الكاف بعدها نون، وليس في "الصّحاح" و"القاموس" هذا المعنى. وقوله: فاستوت، كلّها أضمر في استوت ضمير السماء، لكونه معلومًا من المقام، كقوله تعالى: (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) [ص/ ٣٢] يعني الشمس، قال شارحه: فاستوت يعني السماء، والصبير: السحاب الأبيض يعترض في السماء. وقوله: فرآها الإله توشم .. الخ، قال شارحه: يقال: أوشمت السماءُ: إذا برقت، وأخالت للمطر، والجناب: الناحية. وقوله: فقفاها الخ، قال شارحه: قوله: قفاها، أي: رماها من خلفها واكم النبت، أي: لم يدعه يخرج. انتهى. والضمير في "رآها" وفي "قفاها" للسماء، وفاعل قفا ضمير الإله، وواكم النبت: حال من الضمير، وهو اسم فاعل من وكمه بمعنى قَمَعَهُ، يريد: أنَّ السّماء لما بدأت بالإمطار والأرض بالإنبات، قشع الله السحاب، ومنع النبت، والنكير: الإنكار، وأصله: إذ خادعوه خداع النكير، فلمّا حذف المضاف، أعرب بإعرابه، وإذ ظرف لأراهم، وقوله: سلعًا ما ومثله عشَرًا ما عَائِلًا مًا

стр. 1886

هكذا الرواية في ديوانه، وكذا رواه الصاغاني في "العباب" في مادة السلع، وفي مادة العول، فيكون سلعًا مفعولًا ثانيًا لأراهم من قولك: أريته الشيء من رؤية العين، أي: جعلته رائيًا، وفاعل أراهم ضمير الإله، ومثله معطوف على سلعًا، وعشُرًا بدل منه، وعائلًا صفة عشُرًا، وحذف صفة الأوَّل لدلالة الثاني عليه، وفاعل قد عالت ضمير السنة الأزمة، أي: قد عالت السنة البقر بها، والبيقور: اسم جمع للبقر، يعني أراهم تعذيبهم البقر بهذين من غير فائدة لهم، لكونهم خادعوا الله خداع المنكر، كما حكاه الله تعالى بقوله: (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ) [الأعراف/ ١٣٤، ١٣٥]، قال شارحه: السلع شجر إذا أكلته الدواب ماتت، وقوله: عائلًا، أي: غالبًا، عالني هذا الأمر، أي: غلبني، وما الأولى والثانية والثالثة صلات، والبيقور: جماعة البقر، انتهى. وقال الصاغاني في "العباب": والسلع بالتحريك شجر مرٌّ، قال أميّة بن أبي الصّلت: سلعًا ما ومثله عشرًا ما .. البيت. وقال الدينوري: أخبرني أعرابي من أهل السراة قال: السلع شجر مثل السعبق إلا أنه ينبث بقرب الشجرة ثم يتعلق بها، فيرتقي فيها حبالًا خضرًا لا ورق فيها، ولكن قضبان تلتف على الغصون، وتتشبك، وله ثمر مثل عناقيد العنب صغار، فإذا أينع، اسودَّ، فتأكله القرود فقط، ولا يأكله الناس، ولا السائمة، قال: ولم أذقه وأحسبه مُرًّا، قال: فإذا قصقف سال منه ماء لزج صاف له سعابيب، وقال أبو زياد: السلع، نبت وهو سم كله، وهو لقط قليل في الأرض، وله وريقة صفراء شاكة كان شوكها بزُغبٍ وهو بقلة تَفَرَّش كأنها راحة القلب لا أرومة لها، وقال أبو نصر: السّلع بقلة خبيثة الطعم، وعن الأعراب القدم: السلع يخرج في أول البقل لا يذاق إنما هو سمّ، وهو مثل الزرع أوَّل ما يخرج، ويقال: هو ضرب من الصبر. انتهى. وقال أيضًا:

стр. 1887

إنَّ العشرَ مثال صرد: شجر له صمغ ولبن وهو من العضاه وثمرته نفاخة كنفاخة القتاد الأصفر، الواحدة عُشَرِة، وله سُكّر يخرج في فُصُوصِ شعبهِ ومواضع زهره، يجمع منه الناس شيئًا صالحًا، وفي سكّره شيء من مرارة. انتهى. وقال أيضًا: وعيل صبري، أي: غلب، وقولهم: "عيل ما هو عائل" أي: غُلِب ما هو غالبه، يضرب الرجل الذي يعجب من كلامه أو غير ذلك، وهو على مذهب الدعاء، قال النمر بن تولب: فأحبب حبيبك حبًا رويدًا ... فليس يعولك أن تصرما وقال أمية: سلعا ما ومثله عشرًا .. البيت أي: إنَّ السنة المجدبة أثقلت البقر بما حُمِّلت من السلع والعشر، وإنما كانوا يفعلون ذلك في السنة المجدبة، فيعمدون إلى البقر، فيعقدون في أذنابها السلع والعشر، ثم يضرمون فيها النار، وهم يُصعِّدونها في الجبل، فيمطرون لوقتهم [كما] زعموا. انتهى. واعلم أن المشهور في كتب النحو رواية البيت: سلع ما ومثله عشر ما عائل ما وعالت البيقورا برفع الكلمات الأربعة، ولم أر من تكلم على إعرابه غير أبي علي، لكنه لم يرو الغليل، ولم يشف العليل، قال في "البغداديات": "ما" في كل ذا زائدة، وسلع مرتفع بالابتداء، وعائل خبره، وجاز هذا الفصل بين المبتدأ وخبره، لأنَّ الجملة الفاصلة ملتبسة بالجملة المفصول بها، وأصل العول في اللغة الميل من قوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) [النساء/ ٣]، أي: لا تميلوا، أو الإرادة به

стр. 1888

في البيت: الثقل، كأنه أثقل الناس والبيقور، وإنما جاز هذا التوسع، لأنَّ الميل مما يتبع الثقل. هذا كلامه برمته، وتبعه تلميذه الجوهري، فرواه في "الصّحاح" كذلك، وضمَّ إليه أبياتًا قبله من القصيدة، وحذف ما بينها من الأبيات، فقال في مادة "العَول" مثل ما نقلناه من "العباب" بعينه، وقول الشاعر: وعالت البيقور، أي: أن السنة الجدبة أثقلت البقر بما حملت من السلع والعشر، وإنما كانوا يفعلون ذلك في السنة الجدبة، فيعمدون إلى البقر، فيعقدون في أذنابها السلع والعشر، ثمَّ يضرمون فيها لانار، وهم يصعدونها في الجبل، فيمطرون لوقتهم [كما] زعموا. قال أمية بن أبي الصلت يذكر ذلك: سنة أزمة تخيل بالنا ... س ترى للعضاه فيها صريرا لا على كوكب تنوء ولا ريح ... جنوب ولا ترى طخرورا ويسوقون باقر السهل للطو ... د مهازيل خشية أن تبورا عاقدين النيران في ثكن الأذ ... ناب منها لكي تهيج البحورا سلع ما ومثله ... البيت. انتهى. ولو كان ترتيب الأبيات كذا لكان سلع خبر مبتدأ محذوف، أي: المقصود سلع، ومثله معطوف على سلع، وعشر بدل منه، وعائل صفة عشر، وحذف صفة سلع لدلالة صفة عشر عليه، لكن ترتيب الأبيات ليست كذا كما رأيت. وقوله: هو أبدي ... الخ، الضمير لله جل ذكره، وأبدى: أظهر، وأماثيل جمع أمثال، وهو جمع مثل بالتحريك، وقال شارحه: يأثر، أي: يروي، يقال: أنا آثر هذا الحديث عن فلان، والسفور: الآثار ههنا، والسفور: الكتب واحدها من الكتب سِفر بالكسر، ومن الآثار سَفر بالفتح. انتهى. وإنما أطنبت في شرح هذا الشاهد، لأني لم أرّ من شرحه شرحًا وافيًا بحل تركيبه، وتفهيم معناه، وقد أنعم الله تعالى على عبده بذلك، فلله الحمد على هذه النعمة، وترجمة أمية قد تقدَّمت في الإنشاد الواحد بعد الأربعمائة.

стр. 1889

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والعشرون بعد الخمسمائة: أجاعل أنت بيقورا مسلعة ... ذريعة لك بين الله والمطر هذا إنكار لما تقدم من أفعال العرب، قال الصاغاني في "العباب": والتسليع: ما كان أهل الجاهلية يفعلون إذا أسنتوا، كانوا يعلقون السلعَ مع العُشَر بثيران الوحش، وحدورها من الجبال، وأشعلوا في ذلك السلع والعُشَر النارَ يستمطرون قال: لا در در رجال خاب سعيهم ... يستمطرون لدى الأزمات بالعشر أجاعل أنت بيقورا مسلغة ... البيت وقوله: لا درَّ دّرُّ رجال، أي: لا كثر خيرهم، وهي جملة دعائية، وكذلك قوله: خاب سعيهم، وجملة: يستمطرون .. الخ، صفة لرجال، والأزمات: السنين المجدبة الشديدة، والأزمة: صفة، يقال: سنة أزمة كما تقدَّم، وسكون الزاي في الجمع قياس، ولو كانت اسمًا لفتحت الزاي، وغفل ابن المنلا فقال: والأزمات بسكون الزاي، وقياسها الفتح، لأنها جمع أزمة بالسكون. وقوله: أجاعل؟ الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، والذريعة: الوسيلة، وقال الجوهري: والسلع بالتحريك: شجر منه، ومنه السلعة، لأنهم كانوا في الجدب يعلقون شيئًا من هذا الشجر ومن العشر بأذناب البقر، ثم يضرمون فيها النار وهم يصعدونها في الجبل، فيمطرون، زعموا، قال الشاعر: أجاعل أنت بيقورًا .. البيت انتهى. ونقلته من نسخة صحيحة جدًا، وفي هامشها قال ياقوت الموصلي: كان في الأصل بذنابي البقر، وقد أصلح من خط أبي زكريا بأذناب البقر، وهو الصواب لأنَّ الذنابي واحد، وفي هامش آخر، قال أبو سهل: قوله: بذنابي البقر

стр. 1890

خطأ، والصواب بأذناب البقر، لأنَّ الذُنابي واحد مثل الذنب. انتهى. وقد تبعهما صاحب "القاموس" فقال: وقول الجوهريّ: علَّقوا بذنابي البقر غلط، والصَّواب بأذناب. انتهى. وأقول: الغلط منهم لا منه، فإنَّ غاية ما في التعبير بالواحد عن الجمع، وهو سائغ سائغ، قال الله تعالى: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) [القمر/ ٤٥] أي: الأدبار، وأمّا غلطهم، فجهلهم بصحّة ذلك، وزعمهم أنّه خطأ، على أنَّ نسخ "الصحاح" غالبها كما نقلناه، ولو كان فيها ذنابي كما زعموا، لنبّه عليها أبو محمّد عبد الله بن بري في "أماليه" على "الصحاح" والصّاغاني في "العباب" والصّلاح الصفدي في كتابه ""نفوذ السهم فيما وقع في صحاح الجوهري من الخطأ والوهم" ولم ينبّه أحد منهم على ذلك، وهو دليل على أنّه لم يقع في نسخهم ذنابى، ثمَّ إنَّ في بعض نسخ "القاموس" زيادة على هذا الاعتراض وهي: وفي البيت الذي استشهد به تسعة أغلاط. انتهى. وعندي نسختان من "القاموس" وما فيها شيء من هذا، والذي أجزم به أنَّ هذه الزيادة ليست لصاحب "القاموس" بل هي مدرجة فيه لوجهين: أحدهما: أنَّ قائل الشعر عربيّ قحّ من بني مازن الطائيّ، وهو شاعر إسلاميّ قديم، وأظنّ أنه مخضرم، ونسبه إليه صاحب "العباب" كما نقلناه، وكذا نسبه إليه ابن برّي قال: والبيت الذي أنشده لودّاك الطائي، وقبله: لا دّرُّ دَرٌّ رِجَالٍ خَابَ سَعيُهُمُ ... البيت. وقال صاحب "العباب": الوَدَك دَسَمُ اللّحم، والوَدَّاك: الّذي يبيع الوَدَّك، وودّاك بن ثميل المازني الطائي شاعر. انتهى. وَثُمَيل بضمّ المثلثة وفتح الميم وسكون المثناة التحتيّة، ومعلوم أنَّ العربيّ الصّريح لا يجوز أن ينسب إليه الغلط في الألفاظ، وإنما يجوز غلطه في ما يتعلق بالمعنى، يقال: غلط في منطقه غلطًا من باب فرح: إذا أخطأ وجه الصواب. والوجه الثاني: أنَّ هذه الزيادة لو كانت لصاحب "القاموس"، لبيّن وجوه الأغلاط إجمالًا، أو أحال بيانها على كتاب كما هو المعتاد في إطلاق مثله عند العلماء،

стр. 1891

وإلًا كان نوعًا من التكليف بِعِلْم الغَيْبِن وقد تمحَّل وتعسف بعض الفضلاء لبيان هذه الأغلاط، فكتب على هامش نسخته من "القاموس" ما نصّه: أقول: قد لاح لي في هذه الإغلاط التسعة، تسعة وجوه خطرت بالبال، والله أعلم بحقيقة الحال. الأوَّل: إدخال الهمزة على غير محلّ الإنكار، وهو جاعل، والواجب إدخالها على المسلّعة، لأنها محلّ الإنكار. انتهى. وأقول: المنكر إنما هو فعلهم، وإنكار المسلعة بالتبعيّة، والقاعدة أن يلي همزة الإنكار ما كان منكرًا بالأصالة. الثاني: تقديم المسند الذي هو خلاف الأصل، فلا يرتكب إلا لسبب من الأسباب، قال في "المطوّل": وأمّا تقديم المسند، فتلخيصصه بالمسند إليه، أي: لقصر المسند إليه على المسند، لأنَّ معنى قولنا: قائم زيد، أنّه مقصور على القيام لا يتجاوزه على القعود، ثم قال: أو للتنبيه من أوَّل الأمر على أنّه خبر، أو التفاؤل، أو التشويق إلى ذكر المسند إليه. ولا يخفى عدم مناسبة شيء من هذه الوجوه في هذا المقام ولا يخفى أنَّ نفس جعل الذريعة إليه تعالى ليس منكرًا بدليل: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة/ ٣٥]، وإنما المنكر المسلعة، فكان الواجب تقديمها وإدخال الهمزة عليها، ويقول: أمسلعة أنت تجعل ذريعة الخ. انتهى. وأقول: أراد بالتقديم تقديم ما حقه التأخير، بدليل المثال الذي أورده من "المطول" وهذا سهو منه وغفلة، فإنَّ تقديم جاعل بحق الرتبة، لأنه مبتدأ، وأنت فاعل سد مسد الخبر، فاستدلاله بكلام المطوَّل يبقى ضائعًا، وقوله: إنما المنكر المسلعة .. الخ، قد قدَّمنا أنَّ إنكار المسلّعة إنما نشأ من إنكار فعلهم، فالمنكر بالأصالة إنما هو فعلهم، وإنكار المسلّعة بالتبعيّة. الثالث: أن ترتب هذا البيت على ما قبله يقتضي أنّه قصد به الالتفات من الغيبة قطعًا، وأنه بعد أن حكى عنهم حالتهم الشنيعة التفت إلى خطابهم بالإنكار ومواجهتهم بالتوبيخ، وحينئذ ففيه أنّه أخطأ في إيراد أحد اللفظين بالجمع، والآخر بالإفراد، وشرط

стр. 1892

الالتفات الاتحاد انتهى. وأقول: الاتحاد موجود، فإنَّ المخاطب من الذين يفعلون ذاك الفعل، فإنّه دعا عليهم أولًا، ثمَّ خصَّ واحدًا منهم بالخطاب. الرّابع: أنّ الجاعلين هم العرب في الجاهليّة الذين حكى عنهم في البيت الأوَّل، فلا وجه لتخصيص واحد منهم بالإنكار عليه دُون البقية لا يقال: هذا الوجه داخل في الذي قبله، لأنّا نقول هذا، وأراد بقطع النظر عن كونه التفاتًا أو غير التفات من حيث أنّه نسب أمرًا إلى جماعةِ، ثم خصص واحدًا بالإنكار من غير التفات إلى الالتفات أصلًا. انتهى. وأقول: يلزم من الإنكار عليه الإنكار عليهم، لأنّه أحد الفاعلين ذلك. الخامس: تنكير المسند، إذ لا وجه له مع تقدم العهد حيث علم أنَّ مراده بالجاعل هم الأناس المذكورون في البيت، فكيف ينكر المعهود، وكان حق الكلام أن يقال: أمسلّعة أنتم الجاهلون. الخ. انتهى. وأقول: هذا مبنيّ على أنَّ المنكر هو المسلّعة، وقد رددناه، وتنكير جاهل هو المقتضى للمقام، فإنَّ المخاطب أحد من يجعل ذلك، ولو عرّفه لاقتضى الحصر فيه وهو باطل. السادس: البيقور اسم جمع كما في "القاموس" واسم الجمع، وإن كان له مذكر ومؤنث، لكن قال الرضي في بحث العدد ما محصله: إن الجمع إن كان مختصًا يجمع المذكر كالرهط والنفر والقوم، فإنها بمعنى الرّجال، فيعطى حكم المذكر في التذكير، فيقال: تسعة رهط، ولا يقال: تسع رهط: كما تقول: تسعة رجال، ولا تقول: تسع رجال، وإن كان مختصًا بالمؤنَّث، فيعطى حكم الإناث نحو ثلاث من المخاض، فإنها بمعنى حوامل النوق، وإن احتملها كالخيل والإبل والغنم، لأنها تقع على الذكور والإناث، فإن نصّت على أحد المحتملين، فإنَّ الاعتبار بذلك النصّ. انتهى. فقد صرَّح بأنها إذا استعملت مرادًا بها الذكور يعطى حكم الذكور، فقد نصّ صاحب "القاموس" وغيره على أنهم يعلّقون السلع على الثيران كما تقدَّم، فبهذا الاعتبار لا يسوغ وصف البيقور بالمسلّعة. انتهى. وأقول: إن قال صاحب "القاموس" يعلّقون السّلع على الثيران، فقد قال غيره: يجمعون ما يقدرون عليه من

стр. 1893

البقر، ثمَّ يعقدون في أذنابها كما تقدم في كلام ابن الشجري، وقال الأزهري في "التهذيب": أبو عبيد عن الأصمعي قال: كانت العرب في جاهليتها تأخذ حطبَ السلع والعُشَر في المجاعات وقحوط القطر، فتوقر ظهور البقر منهما، ثمَّ توقد النار فيهما يستمطرون بلهب النّار المشبّه بسنا البرق. انتهى. وقال حمزة الأصبهاني في آخر "أمثاله" في خرافات العرب: زعموا أنَّ لاستجلاب المطر إذا أمسكت السّماءُ حيلةً، فكانوا يعمدون إلى البقر، فيعقدون في أذنابها السَّلَع والعُشَر، ثمَّ يُضرمون فيها النار وهم يصعِّدونها في الجبل، فيمطّرون لوقتهم، زعموا. انتهى. السابع: إيراد المسلعة صفة جارية على موصوف مذكور والذي يظهر من عبارة "الصّحاح" أنها اسم للبقر التي يعلّق عليها السلع للاستمطار لا صفة محضة حيث قال: ومنه المسلّعة ثيران وحش علّق عليها السلع، وحينئذ فلا تجئ على موصوف، كما أنَّ الركب اسم لركبان الإبل مشتق من الركوب، ولم يستعمل جاريًا على موصوف، فلا يقال: جاءني رجال ركب. انتهى. وأقول: المسلعة صفة جارية على موصوف، ومراد صاحب "الصحاح" ومنه البقر المسلّعة بدليل أنّه لم يذكر أحدٌ من أهل اللغة أنها اسم، وما نقل عن السيوطي لا أصل له، وإنما قال: المسلّعة بقر علق فيه السلع. الثامن: أنَّ المنصوص عليه في كتب اللّغة أنَّ الذريعة بمعنى الوسيلة لا غير، وأنَّ الوسيلة مستعملة في التعدية بإلى، فاستعمال الذريعة ها هنا بدون إلى مع لفظة "بين" مخالف لوضعها واستعمالها المنصوص عليه، وأمّا اللام في "لك" فإنها للاختصاص، فلا دخل لها في التعدية. انتهى. وأقول: نصَّ الرضي وغيره أنّه لا يلزم من كون كلمة بمعنى أخرى أن تتعدَّى بما تعدَّت به، ولم يسمع تعدي

стр. 1894

الذريعة بحرف، وإنما سمع تعدي الوسيلة على أنه لا مانع من ترك الصلة إذا كان معنى الكلام ظاهرًا. التاسع: قوله بين الله والمطر، والصواب بينك وبين الله لأجل المطر، وذلك لأنهم كانوا يشعلون النيران في السلع والعشر المعلّقة على الثيران ليرحمها الله تعالى، وينزل المطر لإطفاء النار عنها. انتهى. وأقول: هذا تحجير في التوسع بطرق الكلام الجائزة، ولا قائل به. ثمَّ رأيت رسالة لبعض الأروام، يقال له: صنع الله ابن القاضي إبراهيم؛ زعم فيها أنّه حقق الأغلاط التسعة، وها أنا أسردها عليك لتحيط بها علمًا. قال: اعلم أنّه لما قال: يستمطرون لدى الأزمات بالعشر كان مظنة أن يسأل عن كيفية الاستمطار، فالتأدية عما يجاب عنه يستدعي أن يكون بالجملة الفعلية على طريقة الاستئناف البياني، فأبرز الكلام في موقع الاستئناف بصورة الالتفات، وأن تخبير بأن عدوله من الجملة الفعلية الدالة على التجدّد والحدوث إلى الجملة الاسميّة الدّالّة على الدّوام والثبوت يكون غلطًا، لأنَّ من المعلوم أنَّ التسليع لا يستمر استمرار الدوام والثبات، بل كان مما يحدث في وقت دون وقت، فالصواب إذن التأدية عن هذا المعنى بالجملة الفعلية دون الاسمية كما لا يخفى، على أن مراده يتم بدون الجعل ثمة بأن يقول مثلًا: يسلّعون ثيار الوحش بينهم وغير ذلك، ثمَّ إنَّ البيقور إن كان اسم جنس، كما قاله الجوهري كان حقّه أن يوصف بالمذكّر كتمر طيّب، فعلى هذا تأنيث وصفه يكون غلطًا وفيه بحث، لأنَّ اسم الجنس على ما قيل يجوز في وصفه التذكير نظرًا إلى اللفظ، والتأنيث نظرًا إلى المعنى. قال التفتازني في أوائل "التلويح": الكلم من الكلمة بمنزلة التمر من التمرة يفرق بين الجنس، وواحدة بالتاء، واللفظ مفرد، إلا أنه كثيرًا ما يسمى جمعًا نظرًا إلى المعنى الجنسي، ولاعتبار جانبي اللفظ والمعنى يجوز في وصفه التذكير والتأنيث، قال الله تعالى: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) [القمر/ ٢٠] أي: منقطع عن مغارسه ساقط

стр. 1895

على وجه الأرض، وقال تعالى: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) [الحاقة/ ٧] أي: متآكلة الأجواف، فعلى هذا وصفه بالمؤنث لا يكون غلطًا، وأمّا إن كان اسم جمع، كما قاله الفيروزابادي، فيستدعي أن يوصف بالجمع البتَة كما في قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [يونس/ ٨٥] وكما في قوله تعالى: (هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ) [الدخان/ ٢٢]، فعلى هذا إفراد وصف البيقور يكون غلطًا، والصواب حينئذ مسلعات، وهذا بالقنظر إلى الوصفية الأصلية، وإلا لا يصح وقوع الاسم صفة، ومن المعلوم أنّ الجمع المصحح في ذوات ما لا يعقل بالألف والتاء كما أنه في ذوات العقلاء بالواو والنون، ثمَّ إن ذكر البيقور مع توصيفه بالمسلعة غلط آخر، إذ المسلعة اسم للبقر المسلع منقولة من الوصفية إلى الاسمية كالنطيحة للمنطوح، والذبيحة للمذبوح، والفاتحة والخاتمة، وفي مثله يستوي المذكر والمؤنث، ولا يكون جاريًا على الموصوف، والتاء علامة لكون الوصف اسمًا للغلبة يؤيّده قول الجوهري. ومنه المسلعة حيث لم يقل، ومنه البقر المسلعة، ولا يذهب عليك أنَّ التاء لتأنيث الموصوف دون علامة الفعل، إذ الموصوف علم ذلك فيما مرَّ من قول صاحب "القاموس" كانوا إذا أسنتوا، علقوا السلع مع العشر بثيران الوحش، وهي الذكور من البقر دون إناثها كما ذكره السيوطي في "شرح شواهد المغني" نقلًا عن أئمة اللغة أنَّ السلعة ثيران وحش علق عليها السلع، ثم لا يلتبس أن تنكير بيقور غلط أيضًا لتقدم ذكره كفاية في البيت السابق، إذ الاستمطار بالعشر لدى الأزمات إنما يكون بتسليع البيقور، نظيره قوله تعالى: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى) [آل عمران/ ٣٦] بعد قوله تعالى: (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) [آل عمران/ ٣٥] على أن "جعل" من أفعال القلوب، وهي تغير المبتدأ والخبر لفظًا بنصبهما ومعنى لتأثيرها في كلا الجزءين، وصار الذي كان خبرًا مفعولًا ثانيًا، فلا يصح تنكير البيقور حينئذ، لكونه متبدأ في الحقيقة، فإن قلت: أليس يمكن أن يجعل بيقورًا نكرة مخصصة بمسلعة حتى يصلح أن يقع مبتدأ، ويجعل ذريعة
следующие страницы →