← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وإلًا كان نوعًا من التكليف بِعِلْم الغَيْبِن وقد تمحَّل وتعسف بعض الفضلاء لبيان هذه الأغلاط، فكتب على هامش نسخته من "القاموس" ما نصّه: أقول: قد لاح لي في هذه الإغلاط التسعة، تسعة وجوه خطرت بالبال، والله أعلم بحقيقة الحال. الأوَّل: إدخال الهمزة على غير محلّ الإنكار، وهو جاعل، والواجب إدخالها على المسلّعة، لأنها محلّ الإنكار. انتهى. وأقول: المنكر إنما هو فعلهم، وإنكار المسلعة بالتبعيّة، والقاعدة أن يلي همزة الإنكار ما كان منكرًا بالأصالة. الثاني: تقديم المسند الذي هو خلاف الأصل، فلا يرتكب إلا لسبب من الأسباب، قال في "المطوّل": وأمّا تقديم المسند، فتلخيصصه بالمسند إليه، أي: لقصر المسند إليه على المسند، لأنَّ معنى قولنا: قائم زيد، أنّه مقصور على القيام لا يتجاوزه على القعود، ثم قال: أو للتنبيه من أوَّل الأمر على أنّه خبر، أو التفاؤل، أو التشويق إلى ذكر المسند إليه. ولا يخفى عدم مناسبة شيء من هذه الوجوه في هذا المقام ولا يخفى أنَّ نفس جعل الذريعة إليه تعالى ليس منكرًا بدليل: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة/ ٣٥]، وإنما المنكر المسلعة، فكان الواجب تقديمها وإدخال الهمزة عليها، ويقول: أمسلعة أنت تجعل ذريعة الخ. انتهى. وأقول: أراد بالتقديم تقديم ما حقه التأخير، بدليل المثال الذي أورده من "المطول" وهذا سهو منه وغفلة، فإنَّ تقديم جاعل بحق الرتبة، لأنه مبتدأ، وأنت فاعل سد مسد الخبر، فاستدلاله بكلام المطوَّل يبقى ضائعًا، وقوله: إنما المنكر المسلعة .. الخ، قد قدَّمنا أنَّ إنكار المسلّعة إنما نشأ من إنكار فعلهم، فالمنكر بالأصالة إنما هو فعلهم، وإنكار المسلّعة بالتبعيّة. الثالث: أن ترتب هذا البيت على ما قبله يقتضي أنّه قصد به الالتفات من الغيبة قطعًا، وأنه بعد أن حكى عنهم حالتهم الشنيعة التفت إلى خطابهم بالإنكار ومواجهتهم بالتوبيخ، وحينئذ ففيه أنّه أخطأ في إيراد أحد اللفظين بالجمع، والآخر بالإفراد، وشرط

стр. 1892

الالتفات الاتحاد انتهى. وأقول: الاتحاد موجود، فإنَّ المخاطب من الذين يفعلون ذاك الفعل، فإنّه دعا عليهم أولًا، ثمَّ خصَّ واحدًا منهم بالخطاب. الرّابع: أنّ الجاعلين هم العرب في الجاهليّة الذين حكى عنهم في البيت الأوَّل، فلا وجه لتخصيص واحد منهم بالإنكار عليه دُون البقية لا يقال: هذا الوجه داخل في الذي قبله، لأنّا نقول هذا، وأراد بقطع النظر عن كونه التفاتًا أو غير التفات من حيث أنّه نسب أمرًا إلى جماعةِ، ثم خصص واحدًا بالإنكار من غير التفات إلى الالتفات أصلًا. انتهى. وأقول: يلزم من الإنكار عليه الإنكار عليهم، لأنّه أحد الفاعلين ذلك. الخامس: تنكير المسند، إذ لا وجه له مع تقدم العهد حيث علم أنَّ مراده بالجاعل هم الأناس المذكورون في البيت، فكيف ينكر المعهود، وكان حق الكلام أن يقال: أمسلّعة أنتم الجاهلون. الخ. انتهى. وأقول: هذا مبنيّ على أنَّ المنكر هو المسلّعة، وقد رددناه، وتنكير جاهل هو المقتضى للمقام، فإنَّ المخاطب أحد من يجعل ذلك، ولو عرّفه لاقتضى الحصر فيه وهو باطل. السادس: البيقور اسم جمع كما في "القاموس" واسم الجمع، وإن كان له مذكر ومؤنث، لكن قال الرضي في بحث العدد ما محصله: إن الجمع إن كان مختصًا يجمع المذكر كالرهط والنفر والقوم، فإنها بمعنى الرّجال، فيعطى حكم المذكر في التذكير، فيقال: تسعة رهط، ولا يقال: تسع رهط: كما تقول: تسعة رجال، ولا تقول: تسع رجال، وإن كان مختصًا بالمؤنَّث، فيعطى حكم الإناث نحو ثلاث من المخاض، فإنها بمعنى حوامل النوق، وإن احتملها كالخيل والإبل والغنم، لأنها تقع على الذكور والإناث، فإن نصّت على أحد المحتملين، فإنَّ الاعتبار بذلك النصّ. انتهى. فقد صرَّح بأنها إذا استعملت مرادًا بها الذكور يعطى حكم الذكور، فقد نصّ صاحب "القاموس" وغيره على أنهم يعلّقون السلع على الثيران كما تقدَّم، فبهذا الاعتبار لا يسوغ وصف البيقور بالمسلّعة. انتهى. وأقول: إن قال صاحب "القاموس" يعلّقون السّلع على الثيران، فقد قال غيره: يجمعون ما يقدرون عليه من

стр. 1893

البقر، ثمَّ يعقدون في أذنابها كما تقدم في كلام ابن الشجري، وقال الأزهري في "التهذيب": أبو عبيد عن الأصمعي قال: كانت العرب في جاهليتها تأخذ حطبَ السلع والعُشَر في المجاعات وقحوط القطر، فتوقر ظهور البقر منهما، ثمَّ توقد النار فيهما يستمطرون بلهب النّار المشبّه بسنا البرق. انتهى. وقال حمزة الأصبهاني في آخر "أمثاله" في خرافات العرب: زعموا أنَّ لاستجلاب المطر إذا أمسكت السّماءُ حيلةً، فكانوا يعمدون إلى البقر، فيعقدون في أذنابها السَّلَع والعُشَر، ثمَّ يُضرمون فيها النار وهم يصعِّدونها في الجبل، فيمطّرون لوقتهم، زعموا. انتهى. السابع: إيراد المسلعة صفة جارية على موصوف مذكور والذي يظهر من عبارة "الصّحاح" أنها اسم للبقر التي يعلّق عليها السلع للاستمطار لا صفة محضة حيث قال: ومنه المسلّعة ثيران وحش علّق عليها السلع، وحينئذ فلا تجئ على موصوف، كما أنَّ الركب اسم لركبان الإبل مشتق من الركوب، ولم يستعمل جاريًا على موصوف، فلا يقال: جاءني رجال ركب. انتهى. وأقول: المسلعة صفة جارية على موصوف، ومراد صاحب "الصحاح" ومنه البقر المسلّعة بدليل أنّه لم يذكر أحدٌ من أهل اللغة أنها اسم، وما نقل عن السيوطي لا أصل له، وإنما قال: المسلّعة بقر علق فيه السلع. الثامن: أنَّ المنصوص عليه في كتب اللّغة أنَّ الذريعة بمعنى الوسيلة لا غير، وأنَّ الوسيلة مستعملة في التعدية بإلى، فاستعمال الذريعة ها هنا بدون إلى مع لفظة "بين" مخالف لوضعها واستعمالها المنصوص عليه، وأمّا اللام في "لك" فإنها للاختصاص، فلا دخل لها في التعدية. انتهى. وأقول: نصَّ الرضي وغيره أنّه لا يلزم من كون كلمة بمعنى أخرى أن تتعدَّى بما تعدَّت به، ولم يسمع تعدي

стр. 1894

الذريعة بحرف، وإنما سمع تعدي الوسيلة على أنه لا مانع من ترك الصلة إذا كان معنى الكلام ظاهرًا. التاسع: قوله بين الله والمطر، والصواب بينك وبين الله لأجل المطر، وذلك لأنهم كانوا يشعلون النيران في السلع والعشر المعلّقة على الثيران ليرحمها الله تعالى، وينزل المطر لإطفاء النار عنها. انتهى. وأقول: هذا تحجير في التوسع بطرق الكلام الجائزة، ولا قائل به. ثمَّ رأيت رسالة لبعض الأروام، يقال له: صنع الله ابن القاضي إبراهيم؛ زعم فيها أنّه حقق الأغلاط التسعة، وها أنا أسردها عليك لتحيط بها علمًا. قال: اعلم أنّه لما قال: يستمطرون لدى الأزمات بالعشر كان مظنة أن يسأل عن كيفية الاستمطار، فالتأدية عما يجاب عنه يستدعي أن يكون بالجملة الفعلية على طريقة الاستئناف البياني، فأبرز الكلام في موقع الاستئناف بصورة الالتفات، وأن تخبير بأن عدوله من الجملة الفعلية الدالة على التجدّد والحدوث إلى الجملة الاسميّة الدّالّة على الدّوام والثبوت يكون غلطًا، لأنَّ من المعلوم أنَّ التسليع لا يستمر استمرار الدوام والثبات، بل كان مما يحدث في وقت دون وقت، فالصواب إذن التأدية عن هذا المعنى بالجملة الفعلية دون الاسمية كما لا يخفى، على أن مراده يتم بدون الجعل ثمة بأن يقول مثلًا: يسلّعون ثيار الوحش بينهم وغير ذلك، ثمَّ إنَّ البيقور إن كان اسم جنس، كما قاله الجوهري كان حقّه أن يوصف بالمذكّر كتمر طيّب، فعلى هذا تأنيث وصفه يكون غلطًا وفيه بحث، لأنَّ اسم الجنس على ما قيل يجوز في وصفه التذكير نظرًا إلى اللفظ، والتأنيث نظرًا إلى المعنى. قال التفتازني في أوائل "التلويح": الكلم من الكلمة بمنزلة التمر من التمرة يفرق بين الجنس، وواحدة بالتاء، واللفظ مفرد، إلا أنه كثيرًا ما يسمى جمعًا نظرًا إلى المعنى الجنسي، ولاعتبار جانبي اللفظ والمعنى يجوز في وصفه التذكير والتأنيث، قال الله تعالى: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) [القمر/ ٢٠] أي: منقطع عن مغارسه ساقط

стр. 1895

على وجه الأرض، وقال تعالى: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) [الحاقة/ ٧] أي: متآكلة الأجواف، فعلى هذا وصفه بالمؤنث لا يكون غلطًا، وأمّا إن كان اسم جمع، كما قاله الفيروزابادي، فيستدعي أن يوصف بالجمع البتَة كما في قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [يونس/ ٨٥] وكما في قوله تعالى: (هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ) [الدخان/ ٢٢]، فعلى هذا إفراد وصف البيقور يكون غلطًا، والصواب حينئذ مسلعات، وهذا بالقنظر إلى الوصفية الأصلية، وإلا لا يصح وقوع الاسم صفة، ومن المعلوم أنّ الجمع المصحح في ذوات ما لا يعقل بالألف والتاء كما أنه في ذوات العقلاء بالواو والنون، ثمَّ إن ذكر البيقور مع توصيفه بالمسلعة غلط آخر، إذ المسلعة اسم للبقر المسلع منقولة من الوصفية إلى الاسمية كالنطيحة للمنطوح، والذبيحة للمذبوح، والفاتحة والخاتمة، وفي مثله يستوي المذكر والمؤنث، ولا يكون جاريًا على الموصوف، والتاء علامة لكون الوصف اسمًا للغلبة يؤيّده قول الجوهري. ومنه المسلعة حيث لم يقل، ومنه البقر المسلعة، ولا يذهب عليك أنَّ التاء لتأنيث الموصوف دون علامة الفعل، إذ الموصوف علم ذلك فيما مرَّ من قول صاحب "القاموس" كانوا إذا أسنتوا، علقوا السلع مع العشر بثيران الوحش، وهي الذكور من البقر دون إناثها كما ذكره السيوطي في "شرح شواهد المغني" نقلًا عن أئمة اللغة أنَّ السلعة ثيران وحش علق عليها السلع، ثم لا يلتبس أن تنكير بيقور غلط أيضًا لتقدم ذكره كفاية في البيت السابق، إذ الاستمطار بالعشر لدى الأزمات إنما يكون بتسليع البيقور، نظيره قوله تعالى: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى) [آل عمران/ ٣٦] بعد قوله تعالى: (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) [آل عمران/ ٣٥] على أن "جعل" من أفعال القلوب، وهي تغير المبتدأ والخبر لفظًا بنصبهما ومعنى لتأثيرها في كلا الجزءين، وصار الذي كان خبرًا مفعولًا ثانيًا، فلا يصح تنكير البيقور حينئذ، لكونه متبدأ في الحقيقة، فإن قلت: أليس يمكن أن يجعل بيقورًا نكرة مخصصة بمسلعة حتى يصلح أن يقع مبتدأ، ويجعل ذريعة

стр. 1896

مفعولًا ثانيًا لجاعل؟ قلت: يلزم إذن أن تكون التاء لتأنيث الموصوف وقد علمت أن موصوفها مذكر، ثمَّ لا يخفى عليك أنَّ الذريعة في اللّغة: الوسيلة، يقال: تذرع فلان بذريعة، أي: توسل، وتوسل إليه بوسيلة، إذا تقرَّب إليه بعمل، والذريعة مستعملة بإلى، قال السكاكي في الحالة التي تقتضي كون المسند إليه موصولًا: ربما جُعِل ذريعة إلى التعريض بالتعظيم، وربما جُعِل ذريعة إلى شأن الخبر، فها هنا التسليع وسيلة، والمطر متوسل إليه، والجاهليّون هم المتوسّلون، فعلى هذا تَرْكُ صلة الذريعة غلط، واستعمال ذريعة مفعولًا له بدون اللام غلط، لأنه شرط في انتصابه أن يكون مصدرا وفعلا لفاعل الفعل المعلل، ومقارنًا في الوجود، ومتى فقد شيء من ذلك فاللام واجب، وأيضًا إبدال اللام من "بين" في قوله لك غلط، وإيراد العطف ف يغير محلّه غلط، وإذ كان التسليع بينهم وسيلة إلى المطر أراد أن يقول على طريقتهم المثلى: أتسلع البيقور تذرعًا إلى المطر بينك وبين الله! ؟ والحاصل أنَّ أوَّل الأغلاط التسعة فيه: العدول من حق الكلام الذي هو الجملة الفعلية إلى الجملة الاسمية، ثانيها: تنكير ما كان حقه التعريف، ثالثها: ذكر ما لزم تركه عرفًا، رابعها: إفراد ما لزم جمعه، خامسها: تأخير ما لحقه التقديم، ـ ـسادسها: إجراء بعض الأسماء على الموصوف، سابعها: ترك الصلة رأسًا، ثامنها: إبدال ما لا يصلح للإبدال، تاسعها: إيراد حرف العطف في غير محلّه. هذا غاية ما أمكن لنا في التفصّي عن الأغلاط، وللباحثين عنها مجال ان يمنع كل واحد منها، ويلاحظ فيها وجوهًا أخر. هذا آخر كلامه، ومن خطه نقلت وعُرِفَ ردّها ممّا قدَّمناه. وقوله: ترك الصّلة غلط لم يقل به أحد، وقوله: ذريعة مفعول له سهو وغفلة، فإنّه المفعول الثاني لجاعل كما قدّمه هو.

стр. 1897

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والعشرون بعد الخمسمائة: أمرتُك الخير فافعل ما أمرت به وتمامه: فقط تركتك ذا مالٍ وذا نشبِ على أنَّ أصله: أمرتك بالخير، فحذفت الباء، فانتصب، لأنَّ أمر يتعدى بنفسه إلى مفعول واحد وإلى ثان بالباء، وأورده سيبويه في أوَّل كتابه في باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعولين. قال ابن خلف تبعًا للأعلم: الشاهد فيه على حذف حرف الجر من الخير، وأصله أمرتك بالخير، وسوّغ الحذف والنصب أن الخير اسم فعل يحسُن "أن" وما عملت فيه في موضعه، و"أن" يحذف معها حروف الجر كثيرًا تقول: أمرتك أن تفعل، وعجبت أن تفعل، تريد: بأن تفعل، ومن أن تفعل، فيحسن الحذف في هذا لطول الاسم ويكثر، فإذا وقع موقع أن اسم فعلٍ شبه بها، حسن الحذف، فإن قلت: أمرتك بزيد لم يجز أن تقول: أمرتك زيدًا، وقوله: فقد تركتك، الفاء جواب الأمر، وتركتك إن كان بمعنى: صيّرتك كان ذا مال مفعولًا ثانيًا، وإن كان بمعنى خلفتك كان ذا مال حالًا، وذا نشب بشين معجمة، كذا رواه أصحاب سيبويه في كتابه، ولم يختلفوا فيه، ورواه الهجري بسين غير معجمة، لأنَّ قوله: ذا مال أغنى عن ذكر النشب، واحتجَّ للأول بأنَّ العرب أكثر ما تستعمل النشب في الأشياء الثابتة التي لا براح لها كالدور والضّياع، وأكثر ما يوقعون على ما ليس بثابت كالدرهم والدينار، وربما أوقعوا المال على جميع

стр. 1898

ما يملكه الإنسان، وأعاد ذكر النشب، وأنشد البيت سيبويه لعمرو بن معدي كرب، وذكر الهجري في "نوادره" أنه لأعشى طرود، واسمه: إياس ابن عامر، وقيل: إنّه لعبّاس بن مرداس، انتهى كلام ابن خلف، وقيل: هو من شعر لخفاف بن نَدْبَةَ، وقيل: لزرعة بن السائب، وبعده: وَاتْرُكْ خَلائِقَ قَوْمٍ لا خَلاقَ لُهمْ ... وَاعْمَلْ لأَخْلاقِ أَهْلِ الفضْلِ والأدب وقد ذكرنا ما يتعلق به مبسوطًا في الشاهد الثاني والخمسين من أوائل شواهد الرضي. وأنشد بعده: قَلِيلٌ مِنَ الأَصْوَاتِ إلا بُغَامُهَا وصدرُهُ: أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ وتقدم شرحه في الإنشاد الثالث بعد المائة. وأنشد بعده: وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا وتقدم شرحه أيضًا في الإنشاد الخامس والثلاثين بعد المائة.

стр. 1899

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والعشرون بعد الخمسمائة: أَلِفَ الصُّفُونَ فَمَا يَزَالُ كَأَنَّهُ ... مما يَقُومُ عَلَى الثَّلَاثِ كَسِيرَا على أن قوله كسيرًا خبر فما يزال، وهذا اختيار ابن الشجري، قال في المجلس الحادي عشر من "أماليه" قال: وانتصاب كسيرًا على أنه خبر ما يزال، وقوله: مما يقوم على الثلاث، ما: مصدرية، فالمعنى: من قيامه، ومن متعلقة بالخبر المحذوف، فتحقيق اللفظ والمعنى: ألف القيام على ثلاث، فما يزال كسيرًا، أي: ثانيًا إحدى قوائمه حتى كأنه مخلوق من القيام على الثلاث، ومثله في وصف العين باسم الحدث قول الآخر: أَلا أَصْبَحَتْ أَسْماءُ جاذِمَةَ الحَبْلِ ... وَضَنَّتْ عَلَيْنَا وَالضَّنِينُ مِنَ البُخْلِ كأنه قال: والضنين مخلوق من البخل، ومثله: وَهُنَّ مِنَ الإخْلافِ قَبْلَكِ وَالمَطْلِ أي: والنساء خلقن في أول الدهر من الإخلاف والمطل، وقد ذهب بعضهم إلى أن ما بمعنى الذي، والمضمر في يقوم عائد على ما، وكسيرًا: حال من الضمير، وهو بمعنى مكسور، كقتيل ومقتول، وخبر ما يزال الجملة من كأن واسمها وخبرها، والقول الأول قول أهل العلم الموثوق بعلمهم، وكسير من الأوصاف المعدولة عن فاعل إلى فعيل للمبالغة، فكسير أبلغ في الوصف من كاسر، كما أن رحيمًا وسميعًا وقديرًا أبلغ من راحم وسامع وقادر؛ لأن الموصوف بفعيل هو الذي يكثر منه ذلك الفعل، ومعنى كاسر ثان من قولك: ثنى يده، أي: لواها، وثنى الفرس قائمته، والصفون مصدر صفن: إذا ثنى في وقوفه إحدى قوائمه، فوقف على سنبكها، وقد يكون الصفون أيضًا في غير هذا جمع صافن، قال عمرو بن كلثوم:

стр. 1900

تَرَكْنَا الخَيْل عَاكِفَةً عَلَيْهِمْ ... مُقَلدَةً أَعِنَّتَهَا صُفُونا انتهى كلام ابن الشجري. وقال قبل هذا في المجلس التاسع عند إعراب قوله تعالى: (الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) الصافن من الخيل: القائم الذي يثني إحدى يديه، أو إحدى رجليه حتى يقف بها على سنبكه، والسنبك: مقدم الحافر، فثلاث من قوائمه حوافرها مطبقة على الأرض، والرابعة متصل بالأرض طرف حافرها فقط، هذا قول أهل اللغة، وأصحاب التفاسير، وقال بعض اللغويين: الصافن: القائم ثنى إحدى قوائمه، أو لم يثنها، وأصوب القولين عندي الأول، بدليلين، أحدهما قول الشاعر: أَلِفَ الصُّفُونَ فَمَا يَزَالُ كَأَنَّه ..... البيت والثاني: قراءة عبد الله: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافِنَ) [الحج/ ٣٦]، أراد: معقلات قيامًا على ثلاث، شبه الإبل التي تقام لتُنحر، وإحدى قوائم البعير معقولة، بالخيل الصافنة، انتهى. وأورده صاحب "الكشاف" عند هذه الآية، على أن الصافن الفرس الذي يقوم على طرف سنبك يد أو رجل، وهو من الصفات المحمودة في الخيل لا تكاد توجد إلا في العراب الخلص. وقول المصنف: وقيل "ما" بمعنى الذي ... الخ، هذا قول أبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش في كتاب "أبيات المعاني" واختاره ابن الحاجب في "أماليه" ورد ما تقدم بناء على أنه لا يصح جعل ما في قوله: "مما يقوم" مصدرية من ثلاثة وجوه:

стр. 1901

أحدها: أن كأن تبقى بلا خبر إذ "مما يقوم" لا يصلح أن يكون خبرًا لفوات الفائدة فيه. ثانيها: أن "كأن" تبقى غير مرتبطة بشيء. ثالثها: ما يلزم من أنه حكم عليه بالكسر، وليس كذلك، قال: ويجاب عن الثالث بأن يكون التقدير شبه كسير، وأجاب ابن الشجري عن الأول بتأويل وصف العين بالحدث للمبالغة، أي: مخلوق من القيام على الثلاث، فحصلت الفائدة على أبلغ وجه، وأجاب عن الثاني بأن "كأن" تكون غاية، فيحصل ارتباطها بما قبلها، والمعنى حتى كأنه مخلوق من القيام، ولا يريد أن حتى الابتدائية محذوفة؛ لأنه لم يقل به أحد، وإنما ذلك معنى الكلام وفحواه، وأجاب عن الثالث أيضًا بان كسيرًا معناه ثان إحدى قوائمه، وليس من الكسر الذي هو خلاف الصحة حتى يؤول بشبه كسير، وإن شئت الوقوف على كلامه، فهو أنه قال: هذا البيت يوهم أن كسيرًا خبرًا لكأن في المعنى، إذ يسبق إلى الفهم أنه شبهه لشدة رفعه إحدى قوائمه بكسير، وأن قوله مما يقوم على الثلاث تقرير لسبب تشبيهه به فكأنه قال: كأنه كسير من أجل دوام قيامه على الثلاث، ويلزم على هذا أن يكون نصب كسير لحنًا، فينبغي أن يطلب له وجه يصح في الإعراب، ولا يخل بالمعنى، فتقول: إنما أخبر بقوله مما يقوم، وما بمعنى الذي، فكأنه قال: من الخيل التي تقوم على الثلاث كسيرًا، فيكون كسير حالًا من الضمير في يقوم، وذكر يقوم إجراء له على لفظ ما، فشبه بالخيل التي تقوم على ثلاث في حال كونها مكسورًا إحدى قوائمها، فاستقام المعنى المراد على هذا، ووجب نصب كسير باعتباره على الحال، ولا يستقيم أن يكون كسير خبرًا ليزال؛ لأنك إذا جعلته خبرًا ليزال، فلا يخلو إما أن تكون "ما" في مما يقوم مصدرية كما قدرت أولًا، أو بمعنى الذي كما قدرت ثانيًا، فإن جعلتها مصدرية بطل لوجوه، أحدها: أن كأن تبقى بلا خبر إذ مما يقوم لا يصلح أن يكون خبرًا لفوت الفائدة فيه، والثاني: أن كأن تبقى غير مرتبطة بشيء، والثالث: ما يلزم من أنه حكم عليه بالكسر وليس كذلك، ويجاب

стр. 1902

عن الثالث بأن يكون التقدير شبه كسير، وإن كانت ما بمعنى الذي، فسد لما يؤدي إليه من اختلال المعنى، وذلك أن كسيرًا يكون خبرًا ليزال، فيكون المعنى: فما يزال كسيرًا على الحقيقة، أو شبه كسير، ثم قوله: كأنه من التي يقمن على الثلاث، تشبيه للشيء بشيء آخر هو على حاله؛ لأنه على هذا إنما شبه بالخيل التي تقوم على الثلاث، فصار قائلًا: كأن هذا القائم على الثلاث من الخيل القائمة على ثلاث، لخروج كسيرًا عن خبر كأن، ودخوله في خبر ما يزال، هذا إن جعلت كسيرًا وكأنه خبرًا بعد خبر، فإما أن لم تجعله كذلك، فسد لذلك، ولكون كأن مع ما في حيزها عن الربط بما هو معها، وذلك فاسد، هذا آخر كلام ابن الحاجب، وسبب هذا كله حمل كسير على خلاف الصحة، وعدم حمل "مما يقوم" على المبالغة، ولله در ابن الشجري في غوصه على المعاني الدقيقة، وهذا البيت لم أقف على قائله. (مِنْ) أنشد فيه، وهو الإنشاد الخامس والعشرون بعد الخمسمائة: (٥٢٥) تخُيِّرْنَ مِنْ أَزْمَانِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ ... إلى الْيَوْمِ قَدْ جُرِّبْنَ كُلَّ التَّجَارِبِ على أن "مِنْ" ابتدائية في الزمن، قال أبو حيان في "شرح التسهيل" بعد إيراد الشواهد الكثيرة: وكونها لابتداء الغاية للزمان مختلف فيه، مَنَعَ من ذلك البصريون، وأثبته الكوفيون، وهو الصحيح، وقد كثر ذلك في لسان العرب نَثْرِها ونظمها كثرة تسوغ القياس وتأويل البصريين لذلك مع كثرته ليس بشيء، وذهب ابن الطراوة إلى أنك إذا أردت الانتهاء في الزمان والابتداء فيه أتيت بإلى ومِنْ، كما أن ذلك يكون في المكان كذلك، فلابد من "من" إذا أردتهما، قيل له: إذا أردت ذلك

стр. 1903

في الزمان، استعملت مذ، فتقول: ما رأيته مذ يوم الجمعة إلى يوم الأحد، فزعم أن هذا لا يجوز؛ لأن قولك: ما رأيته مذ يوم الجمعة يفهم منه أن انقطاع الرؤية اتصل إلى آخر الإخبار، فلا يحتاج هنا إلى حرف الانتهاء، وإنما يحتاج إلى حرف لا يستغرق الوقت نحو "من" فلابد من دخول من على الزمان في هذا الموضع، انتهى. والبيت من قصيدة النابغة الذبياني مدح بها عمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر: ملوك الشام الغسانيين، وقبله: وَلا عَيْبَ فِيِهمْ غَيْر أَنَّ سيوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكتَائِبِ وقد شرحنا أبياتًا من أول القصيدة التي في الإنشاد الثامن والستين بعد المائة. وبعده تَقُدُّ السَّلُوقيّ المُضَاعَفَ نَسْجُهُ ... ويُوقِدْنَ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحبُاحِبِ بِضَرْبٍ يُزِيلُ الهامَ عَنْ مُسْتَقَرِّهِ ... وطَعْنٍ كإيزَاغِ المَخَاضِ الضَّوَارِبِ فَهُمْ يَتَسَاقَونَ المَنِيَّةَ بَيْنَهُمْ ... بأيْدِيِهمُ بِيضٌ رِقَاقُ المَضَارِبِ يَطِيرُ فُضاضًا بَيْنَهُمْ كُلُّ قَوْنَسٍ ... ويَتْبَعُها مِنْهُمْ فَرَاشُ الحَوَاجِبِ رِقَاقُ النِّعَالِ طَيْبٌ حُجُزَاتُهُمْ ... يُحَيَّونَ بِالرَّيحَانِ يَوْمَ السَّبَاسِبِ تُحيَيِّهِمُ بِيضُ الوَلائِدِ بَيْنَهُمْ ... وَأَكْسِيَةُ الإضْرِيجِ فَوْق المشاجِبِ يَصونُونَ أَجْسَادًا طَوِيلًا نَعِيمُها ... بخالِصَةِ الأردانِ خُضْرِ المَنَاكِبِ وَلا يَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بعْدَهُ ... وَلا يحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لا زِبِ حَبَوْتُ بها غَسَّانَ إذْ كُنْتُ لاحقًا .. بِقَوْمٍ وَإذْ أَعْيَتْ عَلَيَّ مَذاهِبي وهذا آخر القصيدة، وقوله: تخيرن بضمتين: فعل ماض مجهول، والنون ضمير السيوف من تخيرت الشيء: إذا انتخبته، وروي: "تورثن"، وكذلك جُرين بالبناء للمفعول من التجربة، والتجارب بكسر الراء جمع تجربة.

стр. 1904

وحليمة: هي بنت الحارث بن أبي شمر الغساني ملك عرب الشام، وفيها سر المثل، فقيل: "ما يوم حليمة بسر"، أي: خفي، وهذا اليوم هو اليوم الذي قُتل فيه المنذر بن المنذر ملك عراق العرب، فسار بعربها إلى الحارث الغساني، وكان في عرب الشام، وهو أشهر أيام العرب، وإنما نسب اليوم إلى حليمة؛ لأنها حضرت المعركة مخضضة لعسكر أبيها، فتزعم العرب أن الغبار ارتفع في يوم حليمة حتى سد عين الشمس، وظهرت الكواكب المتباعدة من مطلع الشمس، فسار بها المثل اليوم، فقال: لأرينك الكواكب ظهرًا، كذا في "كامل المبرد"، وفي "أمثال حمزة الأصفهاني". وقال شارح ديوان النابغة: كانت حليمة من أجمل النساء، فأعطاها أبوها طيبًا، وأمرها أن تطيب من مر بها من جنده فجعلوا يمرون بها، وتطيبهم، فمر بها شاب، فلما طيبته تناولها، فقبلها، فصاحت، وشكت ذلك إلى أبيها، فقال: اسكتي، فما في القوم أجلد منه حين فعل هذا بك، واجترأ عليك، فإنه إما أن يبلي غدًا بلاءً حسنًا، فأنت امرأته، وإما أن يقتل فذاك أشد عليه مما تريدين به من العقوبة، فأبلى الفتى، ثم رجع، فزوجه إياها. وقوله: تقد السلوقي، القد: قطع الشيء طولًا، والقط: قطعه عرضًا، وروي: تجذ، بالجيم والذال المعجمة، بمعنى تقطع، والضمير المؤنث للسيوف، وكذا النون في يوقدن، قال الأصمعي وأبو عبيدة: سلوق: مدينة بالرقة، وقال أبو عمرو: مكان باليمن تنسب إليه الدروع السلوقية، والكلاب السوقية، وإنما قال المضاعف نسجه؛ لأنه أشد على السيوف، والصفاح بالضم والتشديد: حجارة عراض، يقول: تقطع هذه السيوف الدروع والرجل وكل شيء حتى تصل إلى الحجارة، فتوري فيها، أي: تقدح، ونار الحبُاحب: النار الضعيفة، ونار

стр. 1905

حوافر الخيل، وهذا مبالغة، وقال أبو عبيدة: لا يريد ها هنا الصخر، ولكن صفاح البيض، و [ما على] الساعدين من الحديد. وقوله: يضرب يزيل الهام، هو الرأس، وسكناته: حيث يسكن ويستقر، وقوله: كإيزاغ المخاض: هي الإبل الحوامل، وإيزاغها: نفحها للبول، شبه خروج الدم من الجراح بنفح المخاض، يقال: إن الناقة إذا حملت، فكلما دنوت منها أوزغت ببولها، وضربت برجلها، والإيزاغ بمعجمتين في "القاموس": وزغت الناقة ببولها كوعد: رمته دفعة دفعة، كأوزغت به. وقوله: فهم يتساقون المنية، يقول: إنهم يتشاركون في شرب كأس المنية في الحروب وبأيديهم السيوف، يريد: أنهم لا يقتلون وهم فارون، ورقاق جمع رقيق، أي: حديد قاطع، ومضرب السيف بكسر الراء: موضع قطعة، وهو أسفل من رأسه بشبر. وقوله: يطير فضاضًا: الفضاض، بضم الفاء: المتفوق، وروي: رضُاضًا بالضم، أي: قطعًا، والقونس: أعلى البيضة، والفراش: بالفتح: العظام الرقيقة، وروي: "يطير فضاضًا تحتها"، أي تحت السيوف. وقوله: رقاق النعال، يريد أنهم ليسوا بأصحاب مشي ولا تعب؛ لأنهم ملوك ولا يلبسون إلا نعالًا من جلود مدبوغة بخلاف السوقة فإن نعالهم غليظة غير مدبوغة، وإن ظفر بها الكلب أكلها، وقوله: حجزاتهم بضمتين، جمع حجزة، وهو موضع التكة من السراويل، ويقول: هم أعفاء الفروج لا يحلون أزررهم لريبة، والسباسب: عيد كان لهم في الجاهلية، وقال أبو عبيدة: كل عيد العرب يسمونه سباسب، وقال صاحب "القاموس": السباسب: السعانين، بالسين المهملة، وهو عيد للنصارى قبل الفصح بأسبوع يخرجون فيه بصلبانهم.

стр. 1906

وقوله: تحييهم بيض الولائد، هو فعل مضارع من حية تحية، وبيض: جمع بيضاء وهي الحسناء، والولائد: جمع وليدة وهي الخادمة، يريد أنهم أهل نعمة تخدمهم الإماء الفواره، والإضريج: الخز الأحمر، وقوله: فوق المشاجب، يريد أن ثيابهم مصونة، وهو جمع مشجب، بكسر الميم وفتح الجيم، وفي "القاموس" شجاب ككتاب: خشبات منصوبة توضع عليها الثياب كالمشجب. وقوله: يصونون أجسادًا طويلًا، وروي: "قديمًا" يقول: إن أردان هذه الثياب خالصة من لون واحد، خضر المناكب، وهو لبس يلبسه أهل الشام، وقال الأصمعي: هو ثوب كانوا يتخذونه مخملًا أخضر المنكبين، وسائره أبيض؛ لأنهم كانوا أصحاب شعور، ويقال لكل أبيض شديد البياض: خالص. وقوله: ولا يحسبون الخير، يقول: لهم عقول وآداب تدل على أن الدنيا لا تدوم على حال واحدة، لابد من فرح وحزن، وشدة وسرور، ولازب: ثابت. وقوله: حبوت بها من حباه: أعطاه بلا جزاء، ولا من، يقول: حبوت بهذه القصيدة غسان، إذ كنت لاحقًا بقوم، يعني غسان الذين مدحهم، قصد إليهم، فكانوا أحق من مدح، وقوله: إذ أعيت على مذاهبي، كأنه كان هاربًا حين قالها، قاله شارحه. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والعشرون بعد الخمسمائة: (٥٢٦) وَذلِكَ مِنْ نَبَأٍ جَاءَني ... وَخُبِّرْتُهُ عَنْ أَبي الْأَسْوَدِ على أن من فيه للتعليل، وقبله وهو أول القصيدة: تَطَاوَلَ لَيْلُكَ بِالأَثْمُدِ ... وَنَامَ الخَلِيُّ وَلَمْ تَرْقُدِ

стр. 1907

وبَاتَ وَبَاتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ ... كَلَيْلَةِ ذِي العَائِرِ الأَرْمَدِ وبعده: وَلَوْ عَنْ نَثَا غَيْرِهِ جَاءَني ... وَجُرْحُ اللِّسَانِ كَجُرْحِ الْيَدِ لَقُلْتُ مِنَ الْقَوْلِ مَا لا يَزَا ... لُ يُؤْثَرُ عَنِّي يَدَ المُسْنِدِ قال أبو عبيد البكري في شرح "نوادر القالي"، النثا: يكون في الخير والشر، والثناء بالمد لا يكون إلا في الخير خاصة، يقول: إن المرء يبلغ بسلاحه من هجاء وذم، وغير ذلك ما يبلغ السيف إذا ضرب به. واختلف في قائله، فرواه الطوسي لامرئ القيس، وقال ابن حبيب: قال ابن الكلبي: هو لعمرو بن معدي كرب قاله في قتله بني مازن بأخيه عبد الله وإخراجهم عن بلادهم، ثم رجعوا بعد ذلك، وندم عمرو على قتالهم. انتهى، والمشهور أن هذه القصيدة لامرئ القيس بن عانس الصحابي، قاله جماعة، قال الصاغاني في "العباب": والأثمد بفتح الهمزة والميم، وبفتح الهمزة وضم الميم: موضع، قال امرؤ القيس، وقال ابن دريد: هذا محمول عليه، وإنما هو لامرئ القيس بن عانس، وقد أدرك الإسلام: تَطَاوَلَ لَيْلُكَ بِالأَثْمُدِ ... البيت. وكذا ضبطه صاحب "القاموس"، وقال البكري في "معجم ما استعجم": الأثمد بفتح الهمزة وضم الميم، كأنه جمع ثمد: موضع، وأنشد البيت، وقال ياقوت في "معجم البلدان": الإثمد بكسر الهمزة وسكون المثلثة وكسر الميم، وهو الذي يكتحل به، وموضع، وأنشد البيت، وقال شارح أبيات "الإيضاح البياني":

стр. 1908

الشعر لامرئ القيس يرثي بها أبا الأسود، وقال ابن دريد: امرؤ القيس هذا هو ابن عانس قد أدرك الإسلام، والخلي: الخالي من الحزن، وفي "أساس البلاغة": في عينه عوار وعائر، وهو غمصة تمض منها، وقوله: وبات وباتت يريد: وبات كذي العائر الأرمد، وباتت له ليلة كليلته، فاختصر للدلالة عليه؛ ولأنه لا يلتبس إذ المراد تشبيه نفسه في قلقه وجزعه بالأرمد ذي العائر، وتشبيه ليلته في الطول، ووحشته بليلته أيضًا، وقوله: ذلك إشارة إلى تطاول الليل، وما ذكره من المشاق، وهذا في المعنى تفجع وتوجع وإن كان خبرًا. انتهى كلامه. والخطاب في قوله: تطاول ليلك لنفسه، وهو من الالتفات عند السكاكي، لأن مقتضى الظاهر "ليلى" بالتكلم دون الجمهور، قال التفتازاني: وقد صرح السكاكي بأن في كل بيت من الأبيات الثلاثة التفاتًا. وامرؤ القيس بن عانس المشهور أنه بالنون ورأيته مصححًا في نسخة "المؤتلف والمختلف" للآمدي بالنون، قال: ومنهم امرؤ القيس بن عانس بن المنذر بن السمط ابن امرئ القيس بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع الكندي، جاهلي، وأدرك الإسلام، وفد على رسول الله ﷺ ، ولم يرتد في أيام أبي بكر ﵁، وأقام على الإسلام، وكان له عناء في الردة، وهو القائل: أَلا أَبْلِغْ أَبَا بَكْرٍ رَسُولًا ... وَخُصَّ بهَا جَميِعَ المُسْلِمِينَا فَلَسْتُ مُجَاوِرًا أَبَدًا قَبِيلًا ... بما قَالَ الرَّسُولُ مُكَذِّبِينَا دَعَوْتُ عَشِيرَتي للسِّلْمِ حَتى ... رَأَيْتُهُمُ أَغَارُوا مُفْسِدِينَا فَلَسْتُ مُبَدلًا بِالله رَبًا ... وَلًا مُتَبَدِّلًا بِالسِّلْمِ ديِنَا وله أخبار قد ذكرتها في شعراء كندة في كتاب "الشعراء المشهورين". انتهى.

стр. 1909

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والعشرون بعد الخمسمائة: (٥٢٧) يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنَ مَهَابَتِهِ ... فَمَا يُكَلَّمُ إِلا حِينَ يَبْتَسِم على أن من فيه للتعليل، وأورده المصنف والمرادي في شرحه على أن نائب الفاعل ضمير المصدر وهو الإغضاء، قال ابن يعيش: ولا يكون "من مهابته" نائب الفاعل؛ لأن المفعول له لا يقوم مقام الفاعل، لئلا تزول الدلالة على العلة فاعرفه، انتهى، وكذا في "إعراب الحماسة" لابن جني أيضًا، قال ابن الحاج في نقد "المقرب" لابن عصفور: نص أبو الفتح في "التنبيه" على مشكل "الحماسة" على أن قوله: من مهابته، ليس نائب الفاعل؛ لأنه مفعول له، وليس مثل: سير بزيد؛ لأن بزيد مفعول في المعنى، وهذا خطأ، بل كل مجرور يقوم مقام الفاعل، فيجوز: ذهب مع فلان، وامتلئ من الماء، وأغضي من مهابة زيد، وسير في حال إقامته، انتهى، نقله أبو حيان في "تذكرته" وله مذاهب قد انفرد بها، ويغضي بالبناء للفاعل، وفاعله ضمير راجع على الممدوح علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵃، كما يأتي، والإغضاء: إرخاء الجفون، وحياء: مفعول له، ويجوز أن يكون نائبًا عن المفعول المطلق، أي: إغضاء حياء، ويكلم بالبناء للمفعول، يقول: لا يبدأ الناس بالكلام لهيبته إلا إذا تبسم. والبيت من قصيدة للفرزدق، قل السيد المرتضى في "أماليه": أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني قال: حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثني جدي يحيى بن الحسن العلوي، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن طالب، قال حدثني غير

стр. 1910

وحد من أهل الأدب أن علي بن الحسين حج، فاستجهر الناس جماله، وتشوقوا له، وجعلوا يقولون: من هذا، فقال الفرزدق: هَذَا الّذي تَعْرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ ... وَالبَيْتُ يعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللهِ كُلِّهِمُ ... هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ الْعَلَمُ إذَا رَأَتُهُ قُرَيْشٌ قَالَ قائِلُهَا ... إلى مَكارِمِ هَذَا يَنْتَهِي الْكَرَمُ يَكادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ رَاحَتِهِ ... رُكْنُ الحَطِيمِ إذَا مَا جَاءَ يسْتلِمُ يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مهابَتِهِ ... فَلا يُكَلَّمُ إلا حيِنَ يَبْتَسِمُ أَيُّ القَبَائِلِ لَيْسَتْ في رِقَابِهِمُ ... لِأَوَّلِيَّةِ هَذَا أُوْ لَهُ نِعَمُ مَنْ يَشْكُرِ اللهَ يَشْكُرْ أَوَّلِيَّةَ ذَا ... فَالدِّينُ مِنْ بَيْتِ هَذا نالَهُ الأُمَمُ وفي رواية الغلابي أن هشام بن عبد الملك حج في خلافة عبد الملك أو الوليد، وهو حديث السن فأراد أن يستلم الحجر، فلم يتمكن من ذلك لتزاحم الناس عليه، فجلس ينتظر خلوة، فأقبل علي بن الحسين، ﵄، وعليه إزار ورداء، وهو أحسن الناس وجهًا، وأطيبهم ريحًا، وبين عينيه سجادة كأنها ركبة عنز، فجعل يطوف بالبيت، فإذا بلغ الحجر، تنحى عنه الناس حتى يستلمه هيبة له وإجلالًا، فغاظ ذلك هشامًا، فقال رجل من أهل الشام لهشام: من الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه، لئلا يرغب فيه أهل الشام، فقال الفرزدق وكان لذلك حاضرًا: لكني أعرفه، وذكر الأبيات، وهي أكثر مما رويناه، وإنما تركناها لأنها معروفة، فغضب هشام، وأمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة، فبلغ ذلك علي بن الحسين ﵁، فبعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم، وقال: اعذرنا يا أبا فراس، فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر من

стр. 1911

هذا لوصلناك، فردها الفرزدق، وقال: يا ابن رسول الله ما قلت الذي قلت إلا غضبًا لله ولرسوله، وما كنت لأرزأك عليه شيئًا، فردها إليه وأقسم عليه في قبلوها، وقال له: قد رأى الله مكانك، وعلم نيتك، وشكر لك، ونحن أهل بيت إذا أنفذنا شيئًا لم نرجع فيه، فقبلها، وجعل الفرزدق يهجو هشامًا وهو في الحبس، فمما هجاه به قوله: تُحَبِّسُني بَيْنَ المَدِينَةِ وَالتي ... إليْها رِقَابُ النَّاسِ يَهْوِي مُنِيبهُا يُقَلِّبُ رَأَسًا لَمْ يَكُنْ رَأسَ سَيِّدٍ ... وَعَيْنًا لَهُ حَوْلا بَادٍ عُيُوبُهَا هذا آخر ما رواه المرتضى رضي الله تعالى عنه، وكذا أورد القصة وهذه الأبيات إبراهيم الحصري في "زهر الآداب"، وقد أورد السيوطي القصيدة برواية ابن عائشة من طريق ابن عساكر، والقصة كقصة الغلابي، وألفاظها سواء، وهي هذه: هَذَا الّذي تَعْرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ ... البيت هَذَا عَليُّ رَسُولُ اللهِ وَالِدُهُ ... أَمْسَتْ بِنُورِ هُدَاهُ تهْتَدِي الًامَمُ هَذَا ابنُ خَيْرِ عِبَادِ اللهِ كُلِّهِمُ ... البيت إذَا رَأَتْهُ قُرَيْشُ قَالَ قَائِلُهَا ... البيت يُنْمَى إلى ذِرْوَة العِزِّ التي قَصُرَتْ ... عَنْ نَيْلِهَا عَرَبُ الإسْلامِ وَالعَجَمُ يَكَادُ يُمْسِكُهُ عِرْفانَ رَاحَتِهِ ... البيت في كَفِّه خَيْزُرَانٌ رِيُحُه عَبِقٌ ... مِنْ كَفِّ أَرْوَعَ في عِرْنِيِنِه شَمَمُ يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهابَتِهِ ... البيت مَنْ جَدُّهُ دَانَ فَضْلُ الأنبياءِ لَهَ ... وَفَضْلُ أُمَّتِهِ دَانَتْ لَهُ الأُمَمُ يَنْشَقُّ نُورُ الهُدَى عَنْ حًسْنِ غُرَّتِهِ ... كالشَّمْسِ يَنْجابُ عَنْ إشْرَاقهِا العَتَمُ

стр. 1912

مشْتَقّةٌ مِنْ رَسُولِ الله نَبْعَتُهُ ... طَابَتْ مَغارِسُهُ والخِيمُ وَالشّيَمُ هذا ابنُ فاطمَةٍ، إنْ كُنْتَ جاهِلَهُ ... بِجَدّهِ أنْبِيَاءُ الله قَدْ خُتِمُوا الله شَرّفَهُ قِدْمًا، وَفَضَّلَهُ ... جَرَى بِذاكَ لَهُ في لَوْحِهِ القَلَمُ سَهْلُ الخَلِيقَةِ، لا تُخشى بَوَادِرُهُ ... يَزِينُهُ خُلتَان الخُلْقُ وَالكَرَمُ من مَعشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ، وَبُغْضُهُمُ ... كُفْرٌ، وَقُرْبُهُمُ مَنجىً وَمُعتَصَمُ مُقَدَّمٌ بعد ذِكْرِ الله ذِكْرُهُمُ ... في كلّ بَدْءٍ وَمَختومٌ به الكَلِمُ يُستدْفَعُ السُّوءُ وَالبَلْوَى بحُبّهِمُ ... وَيُسْتَرَبّ بِهِ الإحْسَانُ وَالنِّعَمُ إنْ عُدّ أهْلُ التّقَى كانوا أئِمّتَهمْ ... أوْ قيل: من خيرُ خَلْقِ اللهِ قيل هم لا يَستَطيعُ جَوَادٌ بَعدَ غَايَتِهِمْ ... وَلا يُدانِيهِمُ قَوْمٌ، وَإنْ كَرُمُوا هُمُ الغُيُوثُ، إذا ما أزْمَةٌ أزَمَتْ ... وَالأُسدُ أُسدُ الشّرَى وَالبأسُ يحتَدِمُ لا يَقْبَضُ العُسرُ بَسطًا من أكُفّهِمُ ... سِيّانِ ذلك إن أثَرَوْا وَإنْ عَدِمُوا مَنْ يَعْرِفِ اللهَ يَعْرِفْ أَوَّلِيَّةَ ذا ... الدِّين مِنْ جَدِّ هذَا نَالَهُ الأُمَمُ إنْ تُنْكِرُوهُ فَإنَّ اللهَ يَعْرِفُهُ ... وَالعَرْشُ يَعْرِفُهُ واللَّوْحُ وَالْقَلَمُ وَلَيْسَ قَوْلُكَ مَنْ هَذَا بِضَائِرِه .. العُرْبُ تَعْرِفُ مَنْ أَنْكَرْتَ وَالعجَمُ هذا آخر ما أخرجه ابن عساكر من رواية ابن عائشة، وقد أوردها العيني أيضًا في باب النائب عن الفاعل، وفيها أبيات غير مذكورة فيما تقدم وهي: كِلْتَا يَدَيْهِ غَياثٌ عَمَّ نَفْعُهُمَا ... تَسْتَوْكِفانِ وَلا يَعْرُوهُمَا عَدَمُ حَمّالُ أثقالِ أقوَامٍ، إذا فُدِحُوا ... حُلوُ الشّمائلِ، يحْلُو عِنْدَهُ نَعَمُ لا يُخْلِفُ الوَعْدَ مَيْمُونٌ نَقِيبَتُهُ ... رَحْبُ الفِنَاءِ أَرِيبٌ حِينَ يَعْتَزِمُ عّمَّ البَرِيَّةَ بالإحْسَانِ فَانْقَشَعَتْ ... عَنْها العَنَانَةُ وَالإمْلاقُ وَالْعَدَمُ يَأبى لُهمْ أَنْ يَحُلَّ الذَّمُّ ساحَتَهُم ... خِيمٌ كَرِيمٌ وَأَيْدٍ بالنَّدَى هُضُمُ

стр. 1913

وفيها من رواية أخرى: ما قال لا قطُّ إلاّ في تَشَهُّدِهِ ... لَوْلا التّشَهّدُ كانَتْ لاءَهُ نَعَمُ مَنْ ذا يُقاسُ بهذا في مُفَاخَرَةٍ ... إذا بَنُو هَاشِمٍ في ذلكَ اختَصَمُوا وقد أوردها أيضًا محمد بن المبارك بن محمد بن ميمون في "منتهى الطلب من أشعار العرب"، وذكر قصتها كما تقدم، وقال: رواها لي أبو معمر الأنصاري، رحمه الله تعالى، متصلة الإسناد إلى الفرزدق، وشذ عني إسنادها وهي: هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ ... وَالبَيْتُ يعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ هَذَا عَليُّ رَسُولُ اللهِ وَالِدُهُ ... أَمْسَتْ بِنُورِ هُدَاهُ تهْتَدِي الًامَمُ هَذَا الذي عَمُّهُ الطَّيَّارُ جَعْفَرُ ... وَالْمَقْتُولُ حَمْزَةُ لَيْثٌ حُبُّه قَسَمُ هَذَا ابنُ فَاطِمَة الغَرَّاء وَيْحَكُمُ ... وابنُ الوَصِيِّ الذي في سَيْفِهِ النِّقَمُ هذا ابنُ فَاطِمَة إن كُنْتَ جاهِلَهُ ... البيت هَذَا ابنُ خَيْرِ عِبَادِ اللهِ كُلِّهِمُ ... البيت وبعد: هذا ما رواه ابن عائشة، ورواها أيضًا علي بن أبي الفرج بن الحسن البصري الأصل الواسطي بلدًا في "الحماسة البصرية"، كرواية ابن عائشة وفيها: لَوْ يَعْلَمُ البَيْتُ مَنْ قَدْ جاءَ يلثمُهُ ... لَظَلَّ يَلْثُمُ مِنْه مَا وَطِي القَدَمُ. مَا قَالَ لا قَطُّ إلا في تَشَهُّدِهِ ... البيت وقد اختلف في بعض أبيات هذه القصيدة، فنسب إلى غير الفرزدق في مدح زين العابدين أيضًا، وقيل في غيره، ففي "الحماسة" لأبي تمام: وقال الحزين الليثي في علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب: هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ ... البيت إذَا رَأَتْهُ قَرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا ... البيت يَكَادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ رَاحَتِهِ ... البيت

стр. 1914

أيُّ القَبَائِلِ لَيْسَتْ في رِقَابِهِمُ ... البيت بِكَفِّهِ خَيْزُرانٌ رِيحُهَا عَبِقٌ ... البيت يُغْضي حياءً وَيُغْضَى مِنْ مهابَتِهِ ... البيت وأورد هذه الأبيات فقط الأعلم في "حماسته"، وقال الحزين الليثي في علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما، ويقال: قالها في عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وكان حسن الوجه والمذهب، ويقال: إن بعض هذه القصيدة للفرزدق في علي بن الحسين، وبعضها لجرير، وبعضها لداود بن سلم يمدح قثم بن العباس، ويقال: هي لكثير السهمي يمدح عبد الملك بن مروان، انتهى، وكثير بالتصغير كدريهم، وقال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": ومنهم كثير بن كثير السهمي، أنشد له دعبل بن علي في كتابه في محمد بن علي بن الحسين بن علي رضوان الله عليهم أجمعين. هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ ... البيت. هذا ابنُ خَيرِ عِبادِ الله كُلّهِمُ ... البيت إذَا رَأَتْهُ قَرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا ... البيت يَكَادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ رَاحَتِهِ ... البيت قال الآمدي أيضًا في ترجمة الحزين: منهم الحزين الكناني، واسمه عمرو بن عبد وهيب بن مالك بن حريث بن جابر بن راعي الشمس الأكبر بن يعمر بن عبد ابن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة، قال الزبير بن بكار: إنما سموا رعاة الشمس؛ لأن الشمس لم تكن تطلع في الجاهلية إلا وقدورهم تغلي للضيف، ولذلك يقول الحزين: أَنَا ابْنُ رَبيعِ الشَّمُسِ في كُلِّ شِدَّةٍ ... وَجَدِّي رَاعي الشَّمْسِ وابْنُ غريبِ وكان الحزين شاعرًا محسنًا متمكنًا، وهو القائل في عبد الله بن عبد الملك ووفد إليه إلى مصر وهو واليها يمدحه في أبيات: لمَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ في الجُمُوعِ ضُحى ... وَقَدْ تَعَرَّضَتِ الحُجَّابُ وَالخَدَمُ حَيَّيْتُهُ بِسَلامٍ وَهْوَ مُرْتَفِقٌ ... وَضِجَّةُ الْقَوْمِ عِنْدَ البَابِ تَزْدَحِمُ

стр. 1915

في كَفِّهِ خَيْزُرَانٌ ريُحَها عَبِق ... البيت يُغْضِي حَياءً وَيُغْضَى مِن مهابَتِهِ ... البيت وكذا أوردها صاحب "زهر الآداب"، للحزين في عبد الله بن عبد الملك، وكذا قال ابن أبي الإصبع في "تحرير التحبير" وفي "الحماسة البصرية"، قال الحزين الكناني، وهو أموي الشعر: لمَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ وَالجُمُوعُ ضُحى ... البيت حَيَّيْتُهُ بِسَلامٍ وَهْوَ مُرْتَفِقٌ ... البيت في كَفِّهِ خَيْزُرَان ... البيت لا يُحْلِفُ الوَعْدَ مَيْمُونٌ نَقيبَتُهُ ... البيت كَمْ صَارِخٍ بِكَ مِنْ رَاجٍ وَرَاجيةِ ... يَدْعُوكَ يَا قُثَمَ الخَيْرَاتِ يا قُثَمُ انتهى، فرواها مدحًا في قيم بن العباس، لا في عبد الله بن عبد الملك. قال الأصفهاني في "الأغاني": الحزين الكناني من شعراء الدولة الأمية، حجازي مطبوع، وكان هجاء خبيث اللسان، لا يرضيه اليسير، ويكتسب بالشر، وهجاء الناس، وليس ممن خدم الخلفاء، ولا انتجعهم بمدح، ولا كان يريم الحجاز حتى مات، حدث الزبير بن بكار عن عمه أن عبد الله بن عبد الملك، وكان من فتيان بني أمية وظرفائهم، وكان حسن الوجه والمذهب، لما حج قال له أبوه: سيأتيك الحزين الشاعر بالمدينة، وهو ذرب اللسان، فإياك أن تحتجب عنه، فلما كان في المدينة دخل الحزين عليه، فلما صار بين يديه، رأى جماله وبهاءه، وفي يده قضيب خيزران وقف ساكتًا، فأمهله عبد الله، ثم قال: السلام عليك ورحمة الله أولًا، فقال: وعليك السلام، ثم قال: وحيا الله وجهك أيها الأمير، إني قد مدحتك بشعر، فلما دخلت عليك، ورأيت جماله وبهاءك، أذهلني عنه، فأنسيت ما قد كنت قلته، وقد قلت في مقامي هذا بيتين، فقال: ما هما؟

стр. 1916

قال: في كفه خيزران .. البيت، يُغضي حياء ... البيت، فأجازه فقال: أخدمني أصلحك الله، فقال: اختر أحد هذين الغلامين، فأخذ أحدهما، فقال له عبد الله: أعلينا تبقي، خذ الآخر، والناس يروون هذين البيتين للفرزدق في أبياته التي مدح بها علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ التي أولهما: هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ ... البيت. وهذا غلط من الرواة، وليس هذان البيتان مما يمدح به مثل علي بن الحسين ﵉؛ لأنهما من نعوت الجبابرة والملوك، وليس كذلك، ولا هذه صفته ﵇، وله من الفضل ما ليس لأحد. وأما الأبيات التي للفرزدق فيه، فحدثني أحمد بن أبي الجعد، ومحمد بن يحيى قالا: حدثنا محمد بن زكرياء الغلابي قال: حدثنا ابن عائشة قال: حج هشام ابن عبد الملك في خلافة الوليد أخيه ومعه رؤساء أهل الشام، فجهد أن يستلم الحجر، فلم يقدر من الزحام، فنصب له منبر، فجلس عليه ينظر إلى الناس، وأقبل علي بن الحسين، وهو أحسن الناس وجهًا، وأنظفهم ثوبًا، وأطيبهم رائحة، فطاف بالبيت، فلما بلغ إلى الحجر تنحى الناس كلهم، وأخلوا الحجر ليستلمه هيبة وإجلالًا له، فغاظ ذلك هشامًا، وبلغ منه، فقال رجل لهشام: من هذا أصح الله الأمير؟ قال: لا أعرفه، وكان به عارفًا، ولكنه خاف أن يرغب فيه أهل الشام، فقال الفرزدق، وكان لذلك كله حاضرًا، أنا أعرفه، فسلني يا شامي، قال: ومن هو؟ قال: هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ ... البيت هذا ابنُ خَيرِ عِبادِ الله كُلّهِمُ ... البيت إذَا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ ... البيت وَلَيْسَ قَوْلُكَ مَنْ هَذَا ... البيت. أي الخلائق ... البيت ... ليست .. البيت ... من يعرف الله ... البيت

стр. 1917

فحبسه، فقال الفرزدق: أَيَحْبِسُني بَيْنَ المَدِينَةَ وَالتي ... البيتين. فبعث إليه هشام فأخرجه ووجه إليه علي بن الحسين عشرة آلاف درهم، وقال: اعذرنا يا أبا فراس، فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر من هذا، لوصلناك به، فردها، وقال: ما قلت ما كان إلا لله ، وما كنت لأرزأ عليه شيئًا، فقال له: قد رأى الله مكانك، فشكر لك، ولكنا أهل بيت إذا أنفذنا شيئًا لم نرجع فيه، فأقسم عليه، فقبلها. ومن الناس من يروي هذه الأبيات لداود بن سلم في قثم بن العباس: ومنهم من يرويها لخالد بن زيد مولى قثم فيه، فمن رواها لداود في قثم أو لخالد فيه، فهي في روايته: كَمْ صَارِخٍ بِكَ مِنْ رَاجٍ وَرَاجِيَة ... يَدْعُوكَ يَا قُثَمَ الخَيْرَاتِ يا قُثَمُ أي العَمَائِرِ لَيْسَتْ في رِقَابِهِمُ ... لأَوَّلِيَّةِ هَذَا أَوْ لَهُ نَعَمُ في كَفِّه خَيْزُرَانٌ .. البيت يُغْضِي حَيَاءٍ البيت. وممن ذكرها له محمد بن يحيى الغلابي عن مهدي بن سابق أن داود بن سلم قال هذه الأبيات الأربعة في قثم بن العباس، وأن الفرزدق أدخلها في أبياته في علي بن الحسين، ﵉، سوى البيت الأول، وذكر الرياشي عن الأصمعي أن رجلًا من العرب يقال له داود وقف لقثم، فناده: يَكادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ رَاحَتِهِ ... البيت كَمْ صَارِخٍ بِكَ مِنْ رَاجٍ وَرَاجيةِ ... البيت فأمر له بجائزة سنية، والصحيح أنها للحزين في عبد الله بن عبد الملك، وقد غلط ابن عائشة في إدخاله البيتين في تلك الأبيات، وأبيات الحزين مؤتلفة منتظمة المعاني متشابهة، تنبئ عن نفسها وهي: اللهُ يَعْلَمُ أَنْ قَدْ جِئْتُ ذا يَمَنٍ ... ثُمَّ العِرَاقَيْنِ لا يَثْنِينِيَ السَّأَمُ

стр. 1918

ثُمَّ الجَزِيرَةَ أَعْلاهَا وَأَسْفَلَهَا ... كَذَاكَ تَسْرِي عَلى الأَهْوَال بي القدَمُ ثُمَّ المَوَاسِمَ قَدْ أُوطِئْتُهَا زَمَنًا ... وَحَيْتُ تُحْلَقُ عِنْدَ الجَمْرَةِ اللِّمَمُ قَالوا دِمَشْقُ يُنَبِّئْكَ الخَبِيرُ بها .. ثُمَّ ائْتِ مِصْرَ فَثَمَّ النَّائِلُ العَمَمُ لمَّا وَقَفْتُ عَلَيْهَا وَالجُموعُ ضُحى ... البيت حَيَّيْتُهُ بسلام ... البيت في كَفِّهِ خَيْزُرَانٌ ... البيت يُغْضِي حَيَاءً ... البيت تَرَى رُؤوسَ بَني مَرْوَانَ خَاضِعَةً ... يمْشُونَ حَوْلَ رِكابَيْه وَمَا ظُلِمُوا إنْ هَشَّ هشُّواله واستبشَروا جَذَلًا ... وإنْ هُمُ أَنِسُوا إعراضَه وجَموا كِلْتَا يَدَيْهِ رَبِيعٌ غيرُ ذي خَلَفٍ ... فَتِلْكَ بَحْرٌ وَهذِي عارِضٌ هَزِمُ ومن الناس من يقول: إن الحزين قالها في عبد العزيز بن مروان لذكره دمشق الشام ومصر، وقد كان عبد الله بن عبد الملك أيضًا ولي مصر والحزين بها، حدثني الجرامي، قال: حدثنا الزبير، قال: حدثني محمد بن يحيى أبو غسان عن عبد العزيز ابن عمران الزهري قال: وفد الحزين على عبد الله بن عبد الملك وهو عامل مصر فأتى برقيق من البربر والحزين عنده، وفي الرقيق أخوان، فقال عبد الله للحزين: أي الرقيق أعجب إليك، قال: ليختر لي الأمير، فقال عبد الله للحزين: قد رضيت لك هذا، لأحدهما، فإني رأيته حسن الصلاة، فقال الحزين: لا حاجة لي به، فأعطني أخاه، فأعطاه إياه، فقال يمدحه: اللهُ يَعْلَمُ أَنْ قَدْ جِئْتُ ذَا يَمَنٍ وذكر القصيدة بطولها، هذا آخر ما رواه صاحب "الأغاني". قال العيني: ورأيت في كتاب "أولاد السراري" تأليف المبرد نسبة بعض هذه الأبيات إلى أبي دهبل حيث قال: ومما نمي لنا عنه، أي: عن زين العابدين

стр. 1919

أنه مر بمساكين جلوس في الشمس يأكلون على مسح، فسلم عليهم، فردوا عليه، وقالوا: هلم يا ابن بنت رسول الله، فنزل، وقال: إن الله لا يحب المتكبرين، فأصاب معهم، ثم قال: قد دعوتم فأجبنا، ونحن ندعوكم، فمضوا معه إلى منزله، فأطعمهم طعامه، وقسم بينهم كل ما كان عنده، وفيه يقول أبو دهبل- فيما روي- هذه الأبيات: هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ ... البيت هذا ابنُ خَيرِ عِبادِ الله ... البيت إذَا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ ... البيت فأما ما يزاد في هذا الشعر بعد هذه الأبيات، فليس منها، إنما هو لداود بن سلم يقوله في قثم بن العباس بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ﵃: يغضي حياء ... البيت في كفه خيزران ... البيت كم صارخ بك من راج وراجية .. البيت انتهى. وقد طال الكلام في ذكر ما يتعلق بها من الخلاف في بعض أبياتها، ومن هنا نشرع في غريبها، قوله: يكاد يمسكه عرفان راحته، قال أبو علي في "المسائل البصرية": ينبغي أن يجعل عرفان مفعولًا له، وركن الحطيم: فاعل "يمسك"، وتضيف المصدر إلى المفعول، وتحذف الفاعل، أي: عرفان الركن راحته، كما حذف في (بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ) [ص/٢٤]، وهذا أوضح في المعنى، وإن شئت قلت: يمسكه عرفان راحته ركن، فجعلت العرفان فاعل يمسك، وأضفت المصدر إلى الفاعل، وهو الراحة، ونصبت الركن مفعولًا به، كأنه يمسكه هذا المعنى لا الركن، أي: هذا المعنى كاد يلبثه في هذا الموضع، ويجعله أحق به من غيره، وهذا يحسن إذا كان أكثر لمس الركن بيده، أي: فصار لكثرة ذلك منه عرفت راحته الركن،

стр. 1920

فنسبت المعرفة إلى الكف، وإن لم يكن لها في الحقيقة إنما هو للإنسان، ويجوز عرفان راحته ركن، يكون العرفان فاعل يمسك، وراحته مفعوله، والركن فاعل العرفان، أي: يكاد يمسكه أن عرف الركن، وهذا الوجه أقرب إلى الوجه الأول، وأشبه بالمعنى من الوجه الثاني، انتهى. قوله: هذا الذي تعرف البطحاء، هي أرض مكة المنبطحة، وكذلك الأبطح، وبيوت مكة التي هي للأشراف بالأبطح التي هي في الروابي، والجبال للغرباء وأوساط الناس، والحطيم: الجدار الذي عليه ميزاب الرحمة، وقوله: يغضي حياء .. الخ، قال ابن عبد ربه في أول "العقد الفريد": قال ابن قتيبة: لم يقل في الهيبة مع التواضع بيت أبدع من قول الشاعر في بعض خلفاء بني أمية: يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنَ مَهَابَتِهِ ... البيت وأحسن منه عندي قولي: فَتى زَادهُ عِزُّ المَهَابَة ذِلة ... وَكُلُّ عَزِيزٍ عِنْدَهُ مُتَوَاضِعُ انتهى، وأقول: بل هجنه قوله: "ذلة"، وقوله: ينمي إلى ذروة الخ، بالبناء للمفعول من نميته إلى أبيه، أي: نسبته، وانتمى: انتسب، وذورة الشيء: أعلاه، وقوله: في كفه خيزران .. الخ، قال الجاحظ في كتاب "البيان": كانت العرب تخطب بالمخاصر، وتعتمد على الأرض بالقسي، وتشير بالعصا والقنا، حتى كانت المخاصر لا تفارق أيدي الملوك في مجالسها، ولذلك قال: في كفه خيزران .. البيت، وعبق: وصف من عبق به الطيب كفرح: إذا لزق به، قال أبو بكر الزبيدي في كتاب "لحن العامة": العرب تسمي كل قضيب لدن ناعم خيزرانًا، بضم الزاي، وذكر بعض اللغويين أنه ليس من نبات أرض العرب، انتهى، والأروع: الذي يروعك جماله وجلاله، والعرنين من كل شيء: أوله، ومنه عرنين الأنف لأوله، وهو ما تحت مجتمع الحاجبين، وهو موضع الشمم، وهو ارتفاع

стр. 1921

الأنف، وشممه كناية عن العزة، وقوله: كالشمس الخ، انجابت السحابة: انكشفت، والعتم بفتح العين المملة والمثناة: ظلمة الليل، والخيم بكسر الخاء المعجمة: السجية، والبوادر جمع بادرة: وهي الحدة والغضب من قول أو فعل، والخلة بالفتح: كالخصلة وزنًا ومعنى، ويسترب بمعنى يرب، يقال: رب زيد الأمر ربًا من باب نصر: إذا ساسه، وقام بتدبيره، والأزمة: الشدة، وأزمت: اشتدت، والشرى: طريق في سلمى كثيرة الأسد، وجبل بتهامة كثير السباع وتحتدم بادال المهملة: تلتهب، شبه البأس والحرب بالنار، وتستوكفان: تمطران، وعدم بفتحتين: قلة وفقر، ويعروهما: يحدث لهما، وفدحوا بالبناء للمفعول من فدحه الدين: إذا أثقله وأعجزه، والنقيبة: النفس، والفناء بالمد والكسر: ساحة الدار توسع للأضياف، والأريب: البصير بالشيء، ويعتزم: يهم بالشيء، ويعزم عليه، والعنانة، بفتح العين المهملة بعدها نونان بينهما ألف: السحابة، والإملاق: الفقر، والظلم: جمع ظلمة، وهضم بضمتين جمع هضوم، وهي اليد التي تجود بما لديها، وقوله: كانت لاءه نعم، مد لا، لأنه أراد الاسم، ونصبها على الخبر لكان، وداود بن سلم تقدمت ترجمته في الإنشاد السادس والتسعين بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد الخمسمائة: (٥٢٨) وَلَمْ تَذْقْ مِنَ الْبُقُولِ الْفُسْتُقَا على أن "مِن" للبدل، وقيل: توهم الراجز أن الفستق من البقول، والبقل: كل نبات اخضرت به الأرض، قال ابن قتيبة في ترجمة أبي نخيلة من كتاب "الشعراء" وأخذ عليه قوله:

стр. 1922

بَرِّية لَمْ تَأكُلِ المُرَققَا ... ولَمْ تَذُقْ مِنَ البُقولِ الْفُسْتُقا سمع بالفستق، فظن أنه من البقول. انتهى. وقال أبو محمد الأسود في "فرحة الأديب": صحف ابن السيرافي، فجعل النقول وهي بالنون البقول بالباء لأجل ما يقول هو وغيره أن أبا نخيلة توهم أن الفستق من البقول، ولم يكن أبو نخيلة ممن لا يعرف الفستق، فقد عرفه غيره ممن هو أقدم منه وهو أبو القمقام بن مصعب الأسدي، وإنما معنى قول أبي نخيلة: أن هذه بدوية لا تأكل الرقاق، ولا تنتقل بالفستق متاع الحضريات، إنما تغذى بألبان اللقاح المحض، والقارص، كما قال بشر: غَذَاها قَارِصٌ يجْرِي عَلَيْها .. وَمَحْضٌ حَيْثُ تُبْتَعَثٌ العِشَارُ وقال أبو القمقم: تَسْأَلُني عَن طَيِّبَاتِ الفُسْتُقِ .. وَإنَّمَا عِشْتُ بِحبِّ العِشْرِقِ وَبِحَسْوٍ مِنْ شَعِيرٍ مُحْرَقِ انتهى. قال ابن قتيبة: أبو نخيلة: هو يعمر، وكني أبا نخيلة لأن أمه ولدته إلى جنب نخلة، وهو من بني حمان بن كعب بن سعد وهو القائل: أَنَا ابْنُ سَعْدٍ وَتَوَسَّطْتُ العَجَمْ ... فَأنَا فِيمَنْ شِئْتُ مِنْ خَالٍ وَعَمْ وهو القائل: وإن بِقَوْمٍ سَوَّدُوكَ لَحَاجَةً ... إلى سَيِّدٍ لَوْ يَظْفَرُونَ بِسَيِّدِ وأبو نخيلة بالتصغير وهو راجز إسلامي من مخضرمي الدولتين

стр. 1923

وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والعشرون بعد الخمسمائة: (٥٢٩) أَخَذُوا الْمَخَاضَ مِنَ الفَصِيلِ غُلُبَّةً ... ظُلمًا ويُكْتَبُ لِلأمِيرِ أَفِيلا على أن من فيه للبدل، وقال ابن بري في شرح أبيات "الإيضاح" للفارسي: قوله: من الفصيل متعلق أخذوا، أي: انتزعوه من أمه، وكذلك من روى "من العشار"، ويجوز أن يريد عوضًا من الفصيل وبدلًا منه، ومثله قوله تعالى: (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ) [الزخرف/ ٦٠]، أي: بدلًا منكم، ويجوز أن يكون من "العشار" تبيينًا، أي: كائنة من العشار، انتهى، أقول: صوابه في الأول، أي: انتزعوها من ولدها، لأن المأخوذ المخاض لا ولدها، ثم قال: والمخاض التي ضربها الفحل، والفصيل: ابنها؛ لأنه فصل عن أمه، وغلبة بضمتين وبشدة الباء: مصدر غلب، والأفيل: الفصيل، والأفال أيضًا: صغار الغنم، وأفيلًا: منصوب بإضمار فعل، أي: يكتب للأمير أفيلًا أخذوا، ومن روى: ويكتب بالبناء للفاعل نصبه به، وغلبة مصدر في موضع الحال من المضمر في أخذوا، وظلمًا مثله، ويجوز نصبه على المصدر المحول على المعنى؛ لأن غلبة في المعنى ظلم، والغلبة قد تكون ظلمًا فبين أنها ظلم. انتهى. والبيت من قصيدة عدتها تسعة وثمانون بيتًا للراعي مذكورة في "منتهى الطلب" مدح بها عبد الملك بن مروان، وشكا فيها من السعاة الذين يأخذون الزكاة وقبله: أَوَلِيَّ أَمْرِ اللهِ إنَّا مَعْشَرٌ ... حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصيلا

стр. 1924

عَرَبٌ نَرى لِلَّهِ في أَموالِنا ... حَقَّ الزَكاةِ مُنَزَّلًا تَنزيلا قَومٌ عَلى الإِسلامِ لَمّا يَمنَعوا ... ماعونَهُم وَيُضَيِّعوا التَهليلا فَاِدفَع مَظالِمَ عَيَّلَت أَبناءَنا ... عَنّا وَأَنقِذ شِلوَنا المَأكولا وَلَئِن بَقيت لَأَدعُوَنَّ بِطَعنَةٍ ... تَدَعُ الفَرائِضَ بِالشُرَيفِ قَليلا فَنَرى عَطِيَّةَ ذاكَ إِن أَعطَيتَهُ ... مِن رَبِّنا فَضلًا وَمِنكَ جَزيلا إلى أن قال: إِنَّ السُعاةَ عَصَوكَ حينَ بَعَثتَهُم ... وَأَتَوا دَواعِيَ لَو عَلِمتَ وَغولا إِنَّ الَّذينَ أَمَرتَهُم أَن يَعدِلوا ... لَم يَفعَلوا مِمّا أَمَرتَ فَتيلا أخَذُوا المَخَاضَ مِنَ الفَصيِل غُلُبَّةً ... بِالأَصْبَحِيةِ قَائمًا أَفِيْلا أَخَذوا العَريفَ فَقَطَّعوا حَيزومَهُ ... بِالأَصبَحِيَّةِ قائِمًا مَغلولا أَخَذوا حُمولَتَهُ فَأَصبَحَ قاعِدًا ... لا يَستَطيعُ عَنِ الدِيارِ حَويلا يَدعو أَميرَ المُؤمِنينَ وَدونَهُ ... خَرقٌ تَجُرُّ بِهِ الرِياحُ ذُيولا قوله: لما يمنعوا ماعونهم، أورده صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُون) [الماعون/ ٧]، على أن الماعون الزكاة، والتهليل: قوله لا إله إلا الله، قوله: عيلت أبناءنا: التعييل: سوء الغذاء، والإنقاذ: التخليص، والشلو بالكسر: العضو، والعريف: رئيس القوم ومتكلمهم، والأصبحية: هي السياط منسوبة إلى ذي أصبح من ملوك اليمن، وهو الذي اخترعها، والخرق بالفتح: الفلاة، قال الحمحي في "طبقات الشعراء": قال: لما أنشد الراعي لعبد الملك هذه القصيدة ووصل إلى قوله: وَلَئِن بَقيت لَأَدعُوَنَّ بِطَعنَةٍ ... البيت قال عبد الملك: إلى أين من الله والسلطان لا أم لك، فقال: يأ أمير المؤمنين

стр. 1925

من عامل إلى عامل، ومصدق إلى مصدق، فلم يحظ منه شيئًا، فوفد إليه من قابل، فقال في كلمته الأخرى: أمّا الفَقِيرُ الذي كانَتْ حَلُوبَتُهُ ... وَفْقَ العِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ واخْتَلَّ ذُو المالِ وَالمُثْرُونَ قَد بقيَتْ ... عَلى البَلابِلِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عُقَدُ فَإنْ رَفَعْتَ بِهِمْ رَأسًا نَعَشْتَهُمُ ... وَإنْ لَقُوا مِثْلَهَا في قَابِلٍ فَسَدُوا فقال له عبد الملك: أنت الآن أعقل منك عام أول. انتهى. وترجمة الراعي تقدمت في الإنشاد الخامس والخمسين بعد المائة، وقد أوردنا من هذه القصيدة أبياتًا أكثر من هذا، وشرحناها في الشاهد الثالث والثمانين بعد المائة. وأنشد بعده: وإنّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الكَبْش ضَرْبَةً ... البيت. وقدم شرحه في الإنشاد الثاني عشر بعد الخمسمائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثلاثون بعد الخمسمائة: (٥٣٠) وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ ... وَإنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلى النَّاسِ تُعْلَمِ على أن من فيه زائدة بعد الشرط، وكذا في شرح شواهد "الجمل" لابن السيد، قال: وقوله "من خليقة" في موضع رفع بكان، و"من" زائدة وليست متعلقة بشيء، انتهى، ومقتضى هذا أن مهما حرف، وبه صرح المصنف في بحث "مهما" من أنها حرف عند السهلي، وابن يسعون، ورد هذا القول ابن هشام اللخمي في

стр. 1926

شرح شواهد "الجمل" قال: ومهما اسم شرط في موضع رفع بالابتداء، وتكن: جزم بالشرط، واسمها مضمر فيها عائد على مهما، وعند امرئ: في موضع خبر تكن، وقوله: من خليقة: من لتبين جنس المضمر الذي في "تكن"، والجملة بأسرها في موضع رفع على خبر مهما، ومن جعل "مِن" زائدة، فقد أخطأ؛ لأن مهما اسم وهي مبتدأ، والجملة خبرها، ولابد من ضمير يرجع إليها من الخبر، لأن الجملة أجنبية فلابد من رابط، فمن جعل من زائدة وجعل "خليقة" اسم "تكن" لم يكن في الجملة عائد يعود على مهما من الخبر، فهذا وجه امتناعها، انتهى. وأجاب المصنف في بحث مهما بجوابين، أحدهما: ما قاله اللخمي، والثاني: أن مهما خبر تكن، وخليقة اسمها، و"من" زائدة، ويكن بالمثناة التحتية، قال صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) [الأعراف/١٣٢] الضمير في به وبها راجعان إلى مهما، إلا أن أحدهما ذكر على اللفظ، والثاني أنث على المعنى؛ لأنه في معنى الآية، ونحوه قال زهير: وَمَهْمَا يَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ ... البيت قال شارحه اليمني: ذكر الضمير في يكن حملًا على لفظ مهما، وأنث الباقي حملًا على معناه؛ لأنه في معنى الخليقة، والخلق والخليقة واحد، والتأنيث في الآية والبيت جاءا بعد التبيين، والخلق والخليقة والسجية والسليقة والنقيبة والغريزة والشيمة والخيم كله بمعنى الطبيعة، يقول: من أسر خليقة من خير أو شر، وقدر أنها تخفى فإنها لابد من ظهورها كما قال النبي ﷺ : "من أسر سريرة ألبسه الله رداءها"، وخالها: ظنها، وإن وصلية، والبيت من معلقة زهير بن أبي سلمى وتقدمت ترجمته في الإنشاد الخمسين.

стр. 1927

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد الخمسمائة: (٥٣١) وَيَنْمِي لَهَا حُبُّهَا عِنْدَنَا ... فَمَا قَالَ مِنْ كَاشِحٍ لَمْ يَضِرْ على أن الكوفيين قالوا بزيادة "من" في الواجب كما هنا، واختاره ابن مالك، قال أبو حيان في "شرح التسهيل" عند قوله: ولا يمتنع تعريفه، ولا خلوه من نفي وشبهه وفاقًا للأخفش: وافق المصنف الأخفش، وذكر جملة ما استدل به لهذا المذهب في شرحه نظمًا ونثرًا، فمن ذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) [الأنعام/ ٣٤]، (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ) [الكهف/ ٣١]، (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ) [البقرة/٢٧١]، (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) [نوح/٤]، (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) [البقرة/٢٥]، وفي البخاري من كلام عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يصلي جالسًا فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته كذا، هكذا حفظ بخط من يعتمد، أي: لقد جاءك نبأ، ويحلون أساور، ويكفر عنكم سيئاتكم، يغفر لكم ذنوبكم، تجري تحتها الأنهار، فإذا بقي قراءته نحو من كذا، وقال عمرو بن أبي ربيعة: وَيَنْمِي لَهَا حُبُّهَا عِنْدَنَا ... فَمَا قَالَ مِنْ كَاشِحٍ لَمْ يَضِرْ وقال جرير: لمَّا بَلَغْتُ إمامَ العَدْلِ قلتُ لَهُمْ ... قَدْ كانَ منْ طُول إِدلاجٍ وتَهْجيرِ وقال آخر: وَكُنْتُ أَرَى كالمَوْتِ مِنْ بينِ ساعَةٍ ... فَكَيْفَ بِبَيْنٍ كانِ مَوْعِدَهُ الحَشْرُ

стр. 1928

وقال آخر: يَظَلُّ بِهِ الحِرْبَاءُ يمثُلُ قَائِمًا ... وَيَكْثُرُ فِيها مِنْ حَنِينِ الأَبَاعِرِ أي: ما قال كاشح، وقد كان طول إدلاج، وكنت أرى بين ساعة، ويكثر فيه حنين. ورأى زيادة "من" في الإيجاب الكسائي، وخرج عليه "إن من أشد الناس عذابًا المصورون"، وابن جني، وخرج عليه قراءة ابن هرمز (لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ) [آل عمران/ ٨١]، تقديره عنده: لمن، فأدغم نون من في ميم ما، فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت ميم "من" وبقيت الثانية التي كانت نونًا مدغمة في ما، انتهى ما لخص من شرح المصنف. وأما الكوفيون، فاختلف النقل عنهم، فقال بعض أصحابنا عنهم: إنها تزاد في الواجب وغيره بشرط أن يكون مجرورها نكرة، وحكوا عن العرب: قد كان من مطر، وقد كان من حديث فخلا عني أي: كان مطر، وقال الكسائي وهشام من زائدة في قوله تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) [نوح/٤]، (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) [محمد/ ١٥]، (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ) [النور/ ٣٠]، كما قال الأخفش فلم يشترط أن يكون المعمول نكرة، ووافقهم الفارسي على زيادتها في قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ) [النور/٤٣] أي: جبالًا فيها برد، وجعل أبو عبيدة في "المجاز" له من زائدة في قوله: (أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ) [البقرة/١٠٥]، واستدل أيضًا على زيادتها بغير الشرطين بقوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) [المائدة/٥].٣٣٠

стр. 1929

وما احتج به لا حجة فيه، أما (لقد جاءك) فالفاعل مضمر، أي: ولقد جاءك هذا النبأ، و (من نبأ المرسلين) في موضع الحال، أي كائنًا من نبأ المرسلين، لأن قبله (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا) (الأنعام/ ٣٤) فخبره تعالى أن هذا النبأ الذي جاءك من نبأ المرسلين فتأس بما جرى لهم. وأما (من أساور من ذهب) فمن للتبعيض، وأما (ويكفرْ عنكمْ من سيئاتكمْ ويعفرْ لكمْ من ذنوبكم) فالذي يكفر بعض السيئات، والذي يغفر بعض الذنوب، لأن ما كان فيه تبعة لآدمي لا يكفر، ولأن المغفور بالإيمان ما اكتسبوه من الكفر لا ما يكتسبونه في الإسلام، وذلك بعض الذنوب، فمن فيها للتبعيض، وكذلك من للتعبيض في (أن ينزل عليكمْ منْ خيرٍ) إذ أصله: أن ينزل عليكم من خير، أي: بعضًا من خير، ثم بني للمفعول، وأقيم المجرور مقام الفاعل، وجعل الظاهر بدلًا من الضمير لما حذف الظاهر الذي كان يعود عليه الضمير، وهو اسم الله تعالى، وكذا هي للتبعيض أيضًا في (مما أمسكن عليكمْ) لأنه لا يمكن أن نأكل جميع ما أمسكن إذ منه ما يموت مدفى ولم تنفذ مقاتلة، ولا أثر فيه بناب ولا ظفر. وأما (من تحتها) فلابتداء الغاية، وأما "فإذا بقي من قراءتة" وفي: ما قال من كاشح، وقد كان من طول، ويكثر فيه من حنين، وقد كان مطر، وقد كان من حديث، فمخرج على أن تكون "من" في ذلك كله مبعضة، ويكون الفاعل مضمرًا اسم فاعل يفسره الفعل كما فسر في قوله تعالى: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات) (يوسف/ ٣٥) أي: هو، أي: البداء، فكذلك يكون التقدير. فإذا بقي هو، أي باق من قراءته، وفي ما قال، أي: هو قائل من كاشح، وقد كان هو أي: كائن من طول، ويكثر فيه هو، أي: كائن من حنين،

стр. 1930

وقد كان هو أي: كائن من مطر، وقد كان هو أي: كائن من حديث. ومجيء اسم الفاعل فاعلًا يدل عليه الفعل سائغ في كلام العرب، قال تعالى: ) سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ((المعارج/١) وقال بعض أصحابنا في: قد كان من مطر، تقديره: قد كان كائن، فحذف الموصوف، وقامت "من" مقامه إذ هي في موضع الصفة، وذلك يحسن في الكلام، وإن كانت الصفة غير مختصة. انتهى. وهذا تخريج فاسد، لأنه يلزم من ذلك أن يكون المجرور فاعلًا، وأما "من بين ساعة" فمن للسبب، أي: أرى شيئًا عظيمًا كالموت من بين ساعة، وأما: "من أشد الناس عذابًا" ففي "إن" ضمير شأن محذوف، وأيضًا لا يمكن زيادتها من حيث الشرع، لأن ثم من هو أشد عذابًا من المصورين كقتلة الأنبياء، وأما تخريج ابن جني فتخريج أعجمي لا يحتمل مثله في القرآن، ولا يظهر معنى لتخريجه، وأما (يغضوا منْ أبصارهمْ) فمن للتبعيض، لأنهم أمروا بغض بعضها مما كان في النظر امتناع شرعي، وكذلك هي للتبعيض في (وعدَ اللهُ الذينِ آمنوا وعملوا الصالحات منهمْ مغفرةً) (الفتح/ ٢٩)، وأما في ضرورة الشعر، فيجيزون زيادىها في الواجب وفي المعرفة والنكرة، إلى هنا كلام أبي حيان. وقال ناظر الجيش بعد هذا: وأقول لا حاجة إلى تكلف هذه التخريجات، لما ورد في هذه الأبيات، لأن البصريين يجيزون زيادة "من" في الكلام الموجب، ودخولها على المعرفة في الشعر، وإذا كان كذلك، فلا حاجة إلى تكلف الجواب عن الوارد فيه. انتهى. والبيت من قصيدة لعمر بن أبي ربيعة مذكورة في "منتهى الطلب" ومطلعها: صحا القلبُ عنْ ذكرِ أمَّ البنينِ ... بعدَ الذي قدْ مضى في العصرْ وأصبحَ طاوعَ عذالهُ ... وأقصرَ بعدَ الإباءِ المبرْ أخيرًا وقدْ راعهُ لائحٌ ... من الشيبْ منْ يعلهُ ينزجر
следующие страницы →