← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

شرح شواهد "الجمل" قال: ومهما اسم شرط في موضع رفع بالابتداء، وتكن: جزم بالشرط، واسمها مضمر فيها عائد على مهما، وعند امرئ: في موضع خبر تكن، وقوله: من خليقة: من لتبين جنس المضمر الذي في "تكن"، والجملة بأسرها في موضع رفع على خبر مهما، ومن جعل "مِن" زائدة، فقد أخطأ؛ لأن مهما اسم وهي مبتدأ، والجملة خبرها، ولابد من ضمير يرجع إليها من الخبر، لأن الجملة أجنبية فلابد من رابط، فمن جعل من زائدة وجعل "خليقة" اسم "تكن" لم يكن في الجملة عائد يعود على مهما من الخبر، فهذا وجه امتناعها، انتهى. وأجاب المصنف في بحث مهما بجوابين، أحدهما: ما قاله اللخمي، والثاني: أن مهما خبر تكن، وخليقة اسمها، و"من" زائدة، ويكن بالمثناة التحتية، قال صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) [الأعراف/١٣٢] الضمير في به وبها راجعان إلى مهما، إلا أن أحدهما ذكر على اللفظ، والثاني أنث على المعنى؛ لأنه في معنى الآية، ونحوه قال زهير: وَمَهْمَا يَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ ... البيت قال شارحه اليمني: ذكر الضمير في يكن حملًا على لفظ مهما، وأنث الباقي حملًا على معناه؛ لأنه في معنى الخليقة، والخلق والخليقة واحد، والتأنيث في الآية والبيت جاءا بعد التبيين، والخلق والخليقة والسجية والسليقة والنقيبة والغريزة والشيمة والخيم كله بمعنى الطبيعة، يقول: من أسر خليقة من خير أو شر، وقدر أنها تخفى فإنها لابد من ظهورها كما قال النبي ﷺ : "من أسر سريرة ألبسه الله رداءها"، وخالها: ظنها، وإن وصلية، والبيت من معلقة زهير بن أبي سلمى وتقدمت ترجمته في الإنشاد الخمسين.

стр. 1927

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد الخمسمائة: (٥٣١) وَيَنْمِي لَهَا حُبُّهَا عِنْدَنَا ... فَمَا قَالَ مِنْ كَاشِحٍ لَمْ يَضِرْ على أن الكوفيين قالوا بزيادة "من" في الواجب كما هنا، واختاره ابن مالك، قال أبو حيان في "شرح التسهيل" عند قوله: ولا يمتنع تعريفه، ولا خلوه من نفي وشبهه وفاقًا للأخفش: وافق المصنف الأخفش، وذكر جملة ما استدل به لهذا المذهب في شرحه نظمًا ونثرًا، فمن ذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) [الأنعام/ ٣٤]، (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ) [الكهف/ ٣١]، (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ) [البقرة/٢٧١]، (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) [نوح/٤]، (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) [البقرة/٢٥]، وفي البخاري من كلام عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يصلي جالسًا فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته كذا، هكذا حفظ بخط من يعتمد، أي: لقد جاءك نبأ، ويحلون أساور، ويكفر عنكم سيئاتكم، يغفر لكم ذنوبكم، تجري تحتها الأنهار، فإذا بقي قراءته نحو من كذا، وقال عمرو بن أبي ربيعة: وَيَنْمِي لَهَا حُبُّهَا عِنْدَنَا ... فَمَا قَالَ مِنْ كَاشِحٍ لَمْ يَضِرْ وقال جرير: لمَّا بَلَغْتُ إمامَ العَدْلِ قلتُ لَهُمْ ... قَدْ كانَ منْ طُول إِدلاجٍ وتَهْجيرِ وقال آخر: وَكُنْتُ أَرَى كالمَوْتِ مِنْ بينِ ساعَةٍ ... فَكَيْفَ بِبَيْنٍ كانِ مَوْعِدَهُ الحَشْرُ

стр. 1928

وقال آخر: يَظَلُّ بِهِ الحِرْبَاءُ يمثُلُ قَائِمًا ... وَيَكْثُرُ فِيها مِنْ حَنِينِ الأَبَاعِرِ أي: ما قال كاشح، وقد كان طول إدلاج، وكنت أرى بين ساعة، ويكثر فيه حنين. ورأى زيادة "من" في الإيجاب الكسائي، وخرج عليه "إن من أشد الناس عذابًا المصورون"، وابن جني، وخرج عليه قراءة ابن هرمز (لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ) [آل عمران/ ٨١]، تقديره عنده: لمن، فأدغم نون من في ميم ما، فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت ميم "من" وبقيت الثانية التي كانت نونًا مدغمة في ما، انتهى ما لخص من شرح المصنف. وأما الكوفيون، فاختلف النقل عنهم، فقال بعض أصحابنا عنهم: إنها تزاد في الواجب وغيره بشرط أن يكون مجرورها نكرة، وحكوا عن العرب: قد كان من مطر، وقد كان من حديث فخلا عني أي: كان مطر، وقال الكسائي وهشام من زائدة في قوله تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) [نوح/٤]، (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) [محمد/ ١٥]، (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ) [النور/ ٣٠]، كما قال الأخفش فلم يشترط أن يكون المعمول نكرة، ووافقهم الفارسي على زيادتها في قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ) [النور/٤٣] أي: جبالًا فيها برد، وجعل أبو عبيدة في "المجاز" له من زائدة في قوله: (أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ) [البقرة/١٠٥]، واستدل أيضًا على زيادتها بغير الشرطين بقوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) [المائدة/٥].٣٣٠

стр. 1929

وما احتج به لا حجة فيه، أما (لقد جاءك) فالفاعل مضمر، أي: ولقد جاءك هذا النبأ، و (من نبأ المرسلين) في موضع الحال، أي كائنًا من نبأ المرسلين، لأن قبله (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا) (الأنعام/ ٣٤) فخبره تعالى أن هذا النبأ الذي جاءك من نبأ المرسلين فتأس بما جرى لهم. وأما (من أساور من ذهب) فمن للتبعيض، وأما (ويكفرْ عنكمْ من سيئاتكمْ ويعفرْ لكمْ من ذنوبكم) فالذي يكفر بعض السيئات، والذي يغفر بعض الذنوب، لأن ما كان فيه تبعة لآدمي لا يكفر، ولأن المغفور بالإيمان ما اكتسبوه من الكفر لا ما يكتسبونه في الإسلام، وذلك بعض الذنوب، فمن فيها للتبعيض، وكذلك من للتعبيض في (أن ينزل عليكمْ منْ خيرٍ) إذ أصله: أن ينزل عليكم من خير، أي: بعضًا من خير، ثم بني للمفعول، وأقيم المجرور مقام الفاعل، وجعل الظاهر بدلًا من الضمير لما حذف الظاهر الذي كان يعود عليه الضمير، وهو اسم الله تعالى، وكذا هي للتبعيض أيضًا في (مما أمسكن عليكمْ) لأنه لا يمكن أن نأكل جميع ما أمسكن إذ منه ما يموت مدفى ولم تنفذ مقاتلة، ولا أثر فيه بناب ولا ظفر. وأما (من تحتها) فلابتداء الغاية، وأما "فإذا بقي من قراءتة" وفي: ما قال من كاشح، وقد كان من طول، ويكثر فيه من حنين، وقد كان مطر، وقد كان من حديث، فمخرج على أن تكون "من" في ذلك كله مبعضة، ويكون الفاعل مضمرًا اسم فاعل يفسره الفعل كما فسر في قوله تعالى: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات) (يوسف/ ٣٥) أي: هو، أي: البداء، فكذلك يكون التقدير. فإذا بقي هو، أي باق من قراءته، وفي ما قال، أي: هو قائل من كاشح، وقد كان هو أي: كائن من طول، ويكثر فيه هو، أي: كائن من حنين،

стр. 1930

وقد كان هو أي: كائن من مطر، وقد كان هو أي: كائن من حديث. ومجيء اسم الفاعل فاعلًا يدل عليه الفعل سائغ في كلام العرب، قال تعالى: ) سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ((المعارج/١) وقال بعض أصحابنا في: قد كان من مطر، تقديره: قد كان كائن، فحذف الموصوف، وقامت "من" مقامه إذ هي في موضع الصفة، وذلك يحسن في الكلام، وإن كانت الصفة غير مختصة. انتهى. وهذا تخريج فاسد، لأنه يلزم من ذلك أن يكون المجرور فاعلًا، وأما "من بين ساعة" فمن للسبب، أي: أرى شيئًا عظيمًا كالموت من بين ساعة، وأما: "من أشد الناس عذابًا" ففي "إن" ضمير شأن محذوف، وأيضًا لا يمكن زيادتها من حيث الشرع، لأن ثم من هو أشد عذابًا من المصورين كقتلة الأنبياء، وأما تخريج ابن جني فتخريج أعجمي لا يحتمل مثله في القرآن، ولا يظهر معنى لتخريجه، وأما (يغضوا منْ أبصارهمْ) فمن للتبعيض، لأنهم أمروا بغض بعضها مما كان في النظر امتناع شرعي، وكذلك هي للتبعيض في (وعدَ اللهُ الذينِ آمنوا وعملوا الصالحات منهمْ مغفرةً) (الفتح/ ٢٩)، وأما في ضرورة الشعر، فيجيزون زيادىها في الواجب وفي المعرفة والنكرة، إلى هنا كلام أبي حيان. وقال ناظر الجيش بعد هذا: وأقول لا حاجة إلى تكلف هذه التخريجات، لما ورد في هذه الأبيات، لأن البصريين يجيزون زيادة "من" في الكلام الموجب، ودخولها على المعرفة في الشعر، وإذا كان كذلك، فلا حاجة إلى تكلف الجواب عن الوارد فيه. انتهى. والبيت من قصيدة لعمر بن أبي ربيعة مذكورة في "منتهى الطلب" ومطلعها: صحا القلبُ عنْ ذكرِ أمَّ البنينِ ... بعدَ الذي قدْ مضى في العصرْ وأصبحَ طاوعَ عذالهُ ... وأقصرَ بعدَ الإباءِ المبرْ أخيرًا وقدْ راعهُ لائحٌ ... من الشيبْ منْ يعلهُ ينزجر

стр. 1931

على أنَّ حبي ابنة المالكي ... كالصدعِ في الحجر المنفظرْ يهيمُ النهارَ ويدون لهُ ... جنانُ الظلامِ بليلٍ سهرْ وينمي لها حبها عندنا ... فمنْ قالَ منْ كاشحٍ لمْ يضرْ كذا في رواية "منتهى الطلب" وعليه لا يكون فيه شاهد، فإن فاعل "قال" ضمير منْ، و "من" للبيان. وأم البنين صفة مادحة عند النساء، والعصر بضمتين، وعذال جمع عاذلٍ، وأقص عن الشيء: أمسك مع القدرة عليه، والإباء: الامتناع، والمبر، اسم فاعل من أبررت القول واليمين: إذا صدقت فيهما. و "أخيرًا" ظرف متعلق بأقصر، وراعه من الروع وهو الخوف، والصدع: الشق، وأراد بالتشبيه الدوام، وفاعل يهيم ضمير القلب، وكذا ضمير له، والنهار، ظرف، وجنان الظلام بفتح الجيم: اشتداده وادلهمامه وهو فاعل يدنو، ووصف الليل بالسهر: إسناد مجازي، وينمي: يزيد، وحبهاك فاعله. وقوله: فمن قال، "من" شرطية مبتدأ، وجملة "قال" مع ضميره الراجع إلى "من" شرط، ولم يضر جواب الشرط، ومفعول القول محذوف للتعميم، أي: فمن قال سوءًا من الأعداء لم يضرنا، وحذف المفعول من فعل الجواب أيضًا. وعلى رواية "فما قال" ما شرطية منصوبة المحل على المفعول المطلق أي: أي قول قال، ويضر يجوز أن يكون مضارع: ضره ضرًا فهو بضم الضاد، ويجوز أن يمون مضارع: ضاره ضيرًا، أي أضر به، فهو مكسور الضاد. وترجمة أبن أبي ربيعة تقدمت في الإنشاد السادس من أول الكتاب.

стр. 1932

(منْ) أنشد فيه، وهو الإنشاد الثاني والثلاثون بعد الخمسمائة: (٥٣٢) ربَّ منْ أنضجتُ غيظًا قلبهُ ... قدْ تمنى ليَ موتًا لمْ يطعْ على أن "من" فيه نكرة موصوفة بجملة "أنضجت"، واستشهد به صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا) (مريم/ ٩٣) على أن من فيها نكرة موصوفة بالظرف لوقوعها بعد كل، كوقوعها بعد رب في البيت. وروي أيضًا: ربما أنضجتُ غيظاُ قلبَ منْ فلا شاهد فيه إن كانت من موصولة. وعلى الأول "من" موضعها رفع على الابتداء والخبر جملة "قد تمنى"، وجملة لم يطع استئناف بياني، كأنه قيل له: لمَ يتمنى موتك؟ أجاب بأنه لم يطاوعه أحد في قتالي، أو في عداوتي، وإنضاج اللجم: طبخه بالنار، وهو كناية عن نهاية الكمد الحاصل لقلبه، أو استعارة؛ شبه تحسير قلبه وإكماده بإنضاج اللحم، وغيظًا إما مفعول لأجله، أي: أنضجت قلبه لأجل غيظي إياه، وإما تمييز عن النسبة أي: أنضج غيظي إياه قلبه، وهو مصدر غاظه، أي: أغضبه. والبيت من قصيدة مسطورة في "المفضليات" تزيد على مائة بيت لسويد بن أبي كاهل، وهو من المعمرين المخضرمين، عاش إلى زمن الحجاج. وتقدمت ترجمته في الإنشاد السادس والسبعين بعد المائتين، وكانت العرب تسمي هذه

стр. 1933

القصيدة في الجاهلية "التيمية" وتفضلها، وتعدها من حكمها. قال ابن قتيبة في ترجمته من كتاب "الشعراء": كان الحجاج تمثل يوم رستقباذ على المنبر بأبيات منها، وهي: ربَّ منْ أنضجتْ غيظًا قلبهُ ... قد تمنى لي موتًا لم يُطمع ويراني كالشجى في حلقهِ ... عسرًا مخرجهُ ما ينتزعْ مزبدٌ يخطرُ ما لمْ يرني ... فإذا أسمعتهُ صوتي انقمعْ قد كفاني اللهُ ما في نفسهِ ... ومتى ما يكفِ شيئًا لمْ يضعْ لمْ يضرني غيرَ أنْ يحسدني ... فهو يزقو مثلَ ما يزقو الضوعْ ويحييني إذا لاقيتهُ ... وإذا يخلو لهُ لحمي رتعْ كيفَ يرجونَ سقاطي بعدما ... جللَ الرأس مشيبٌ وصلعْ والشجا: عظم يعترض في الحلق، ومزيدٌ من أزبد، والخطر: تحريكُ اليدين في المشي والاختيال بهما، وانقمع: دخل بعضه في بعض، والضوع بضم الضاد المعجمة: ذكر البوم، ويزقو: يصيح، ورتع: أكل، والسقاط بالكسر: الفترة، يقول، على طريق التعجب: كيف يؤملون فترتي وسقطي وقد بلغت هذه السن. وأنشد بعده: فكفى بنا على منْ غيرنا ... حبُّ النبيَّ محمدٍ إيانا وتقدم شرحه في الإنشاد السابع والخمسين بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد الخمسمائة: (٥٣٣) إني وَإياكَ إذْ حلتْ بأرحلنا ... كمنْ بواديهِ بعدَ المحلِ ممطورِ على أن "من" نكرة موصوفة بممطور، أي: كشخص ممطور، قال سيبوبه: قال الخليل رحمها الله تعالى: إن شئت جعلت "من" بمنزلة إنسان،

стр. 1934

وجعلت ما بمنزلة شيء نكرتين، وزعم أن هذا البيت عنده مثل ذلك: وكفىَ بنا فضلًا على منْ غيرنا ... البيت ومثل ذلك قول الفرزدق: إني وإياكَ إذ حلتْ بأرحلنا ... البيت. قال أبو علي في "التعليقة" على الكتاب قوله: "كمن بواديه" كرجل بواديه، فقولك: بواديه صفة لمن، وليس بصلة، والدليل على أن من في هذا البيت نكرة وصفه إياه بممطور وهو نكرة. انتهى. والبيت من قصيدة للفرزدق مدح بها يزيد بن عبد الملك وهجا يزيد بن المهلب وقبله: إليكَ من ثفن الدهنا ومعقلةٍ ... خاضتْ بنا الليل أمثال منثور مستقبلين شمال الشام نصربنا ... بحاصبٍ كنديف القطن منثور على عمائمنا يلقى وأرجلنا ... على زواحف نزجيها محاسير إني وإياك إن بلغن أرحلنا ... كمن بواديه بعد المحل ممطور وفي يمينك سيف الله قد نصرت ... على العدو ورزق غير محظور وقد بسطت يدًا بيضاءَ طيبةً ... للناس منك بفيضٍ غير منزور قوله: إليك من ثفن الدهنا إلى آخره. الدهنا: رمال بين البصرة ومكة لبني تميم، والقوارير جمع قرقور وهي السفينة الطويلة، وقيل: العظيمة، شبه الإبل بالسفن، وظلام الليل بالبحر، والمشي فيه بالخوض. وثفن بفتح المثلثة وكسر الفاء، قال شارح ديوانه السكري: ثفن الدهنا: وسطها، ومعقلة: خبراء بالدهنا تنبت السدر وتمسك الماء، والخبري: الأرض التي تمسك الماء. انتهى.

стр. 1935

وقوله: مستقبلين إلى آخره: حال من ضمير بنا، والشمال، بالفتح: ريح معروفة، والحاصب: ما تناثر من دقاق الثلج والبرد، وقوله: على عمائمنا، متعلق بـ "يلقى"، وأرجلنا بالجر معطوف على عمائمنا، وهو جمع رجل. والزواحف: الإبل المعيية، من زحف البعير: إذا أعيا، ونزجيها: نسوقها، ومحاسير: جمع محسور وهو البعير الذي يعينا من شدة السوق. وقوله: إني وإياك، هذا خطاب أيضًا ليزيد بن عبد الملك، والنون في "بلغن" ضمير الإبل، ورواه سيبوبه: إذ حلت بأرحلنا، وحلت: نزلت، وأرحل: جمع رحل، وهو هنا أثاث المسافر ومتاعه الذي يستصحبه في السفر، أراد: إني إذا حططت رحالي إليك، كرجل كان واديه ممحلًا، فمطر، والباء متعلقة بممطور، وليس في البيت ما يعود إلى إياك، ونظيره: ... فإني وجروةَ لا ترودُ ولا تعارُ أخبر عن جروة ولم يخبر عن نفسه، ويقدر في مثل هذا ما يعود إلى الاسم الآخر، كأنه قال: كإنسان مطر بخيرك. وكأن الأعلم لم يقف على ما قبله من الأبيات، فإنه قال: وصف خيالًا طرقه، وحل رحله ورحال أصحابه فسر به سرور المحتاج إلى الغيت إذا نزل له، هذا كلامه. وبعد تلك الأبيات: يا خيرَ حيٍ وقتْ لهُ قدمًا ... وميتِ بعدَ رسلِ مقبورِ إِنِّي حَلَفْتُ وَلَمْ أَحْلِفْ عَلَى فَنَدٍ ... فِنَاءَ بَيْتٍ مِنَ السَّاعِينَ مَعْمُورِ في أكبر الحجّ حافٍ غير منتعلٍ ... من حالفٍ محرمٍ بالحجّ مصبور بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت ... إيّاهم الأرض في دهر الدّهارير إذا يثورون أفواجًا كأنّهم ... جراد ريحٍ من الأجداث منشور لو لم يبشّر به عيسى وبّينه ... كنت النّبيّ الذي يدعو إلى النّور فأنت إن لم تكن إيّاه صاحبه ... مع الشّهيدين والصّدّيق في السّور

стр. 1936

في غرف الجنةِ العليا التي جعلتْ ... لهمْ هناكَ بسعيٍ كانَ مشكورِ والفند، بفتحتين: الكذب، والمصبور: الذي صبر نفسه لأفعال الحج، أي: حبسها، وفي كلامه مبالغة فاحشة، ومداهنة ظاهرة، وإنما نقلنا هذه الأبيات، لأن قوله: "بالباعث الوارث الأموات ... البيت" من شواهد باب الضمير من شروح "الألفية" ولم يقف العيني على هذه الأبيات، فذكرناها لمن يحتاج الأطلاع عليها. وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أول الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثلاثون بعد الخمسمائة: (٥٣٤) ونعمَ منْ هوَ في سر وإعلانِ على أن "من" فيه عند أبي علي نكرة تامة، وقد بسط الكلام عليه في كتاب "الشعر" قال فيه: قال الشاعر: وكيف أرهبُ أمرًا أو أراع له ... وقدْ زكأتُ إلى بشر بن مروان فنهمْ مزكأ من ضاقت مذاهبهُ ... ونعمَ منْ هوَ في سرً وإعلانِ القول في الظرف أنه يتعلق بنعم، وذلك أنه لا يخلو من أن يكون خبر هو التي في الصلة، أو يكون متعلقًا بمحذوف على أن يكون في موضع خبر هو التي في الصلة، لأن التقدير قبل كون الكلام صلة: يكون هو في سر وإعلان، وهذا لا معنى له، فإذن المعنى: كرم هذا الإنسان في سره وعلانيته، أي: ليس ما يفعله من الخير لتصنع، فيفعل الخير في السر كما يفعله في العلانية، وإذا كان كذلك، احتاج هو إلى جزء آخر حتى تستقل الصلة، وذلك الجزء ينبغي أن يكون الذي هو مثله لا يكون

стр. 1937

الذي هو هو، لتكون الصلة شائعة، فلا تكون من مخصومة، لأنها فاعل نعم، فإن قدرت الذي هو هو وأنت تريد الذي هو مثله، فتحذف المضاف، فيصبر الذي هو هو معناه مثله، جاز أيضًا، وقد يجوز في القياس أن تجعل "من" نطرة، فإذا جعلت نكرة، احتاجت إلى صفة، فتكون الجملة التي قدرتها لة لها مقدرة صفة، ويكون المقصود بالمدخ مضمرًا، لأن ذكره قد جرى، كما جرى ذكر أيوب قبل قوله تعالى: (نعمَ العبدُ) (ص/ ٣٠) فاستغني بذلك عن ذكر ما يخصه بالمدح وإظهاره، ويجوز في القياس أن تجعل من نكرة، ولا تجعل له صفة كما فعل ذلك بما في قوله تعالى: (فنعما هي) (البقرة/ ٢٧١) فإذا جعلتها كذلك، كان كأنه قال: فنعم رجلًا، فيكون موضع "من" نصبًا، ويكون هو كتابة عن المقصود بالمدح، ووجه القياس في الحكم على "من" أنها نطرة غير موصوفة: أنهم جعلوا ما بمنزلة شيء وهو أشد إشاعة وإبهامًا من "من"، فإذا جاز أن لا توصف مع أنها أشد إبهامًا من "من" كان أن لا توصف "من" أجوز، لأنها أخص منها، فيصبر كأنه قال: نعم رجلًا هو، لأنها تخص الناس، ومن أشبههم كما كانت ما تعم الأشياء، إلا لم نعلمها في الاستعمال تركوا "من" بغير صفة، كما تركوا "ما" غير موصوفة في الخبر نحو التعجب، والآية التي تلوناها هذا آخر كلام أبي علي. فمنْ في البيت عنده محتملة لأن تكون موصولة، ونكرة موصوفة، ونكرة تامة، وقدر رد ابن مالك في التمييز لا يقع في الكلام بالاستقراء إلا نكرة صالحة واللام، و "من" بخلاف ذلك فلا يجوز كونها تمييزًا. الثاني: أن الحكم عليها بالتمييز عند القائل به مرتب على كون "من" نكرة غير موصوفة، وذلك منتف بإجماع في غير محل النزاع، فلا يصار إليه بلا دلي عليه. فيصح القول: بأن من في موضع رفع بنعم، إذ لا قائل بقول ثالث. انتهى. وقوله قد زكأتُ، أي: لجأتُ، والمزكأ: الملجأ، قال ابن مالك: وما يدل

стр. 1938

على أن فاعل "نعم" قد يكون موصولًا ومضافًا إلى موصول قول الشاعر: ونعمْ مزكأُ منْ ضاقتْ مذاهبهُ فلو لم يكن في هذا إلا إسناد "نعم" إلى المضاف إلى من، لكان فيه حجة على صحة إسناد نعم إلى من، لأن فاعل نعم لا يضاف في غير ندور إلى ما يصلح إسناد نعم إليه، فكيف وفيه: ونعم من هو. انتهى. قال المرادي: لا حجة فيه لاحتمال أن تكون من فيه نكرة موصوفة، وتكون "نعم" قد رفعت المضاف إلى النكرة كما تقدم نقله عن الأخفش. انتهى. والرهب محركة: الخوف، وأراع، بالبناء للمفعول من الروع وهو الفزع. وبشر هو ابن مروان بن الحكم ولى إمرة العراقين لأخيه عبد الملك، وكان سمحًا جوادًا، وهو أول أمير مات بالبصرة، وذلك في سنة خمس وسبعين، عن نيف وأربعين سنة، ولم أقف على قائل الشعر. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثلاثون بعد الخمسمائة: (٥٣٥) وشعري ... شعري على أن معناه: وشعري الآن هو شعري المشهور المعروف بنفسه لا شيء آخر، فعدم مغايرة الخبر للمبتدأ إنما هو في اللفظ، وأما في المعنى، فهو مغايره بقيد الشهرة. وهو من رجز لأبي النجم العجل وهو: أَنا أَبو النَجمِ وَشِعري شِعري لِلَهِ دَرّي مِما يُجِنُّ صَدري منْ كلماتٍ باقياتِ الحرَّ تنامُ عني وفؤادي يسري معَ العفاريتِ بأرضٍ قفرِ

стр. 1939

والدر في الأصل: اللبن، يقال في المدح: للهِ دَرُّه، أي: عمله. وقوله: ما أجن صدري! هو صيغة تعجب من الجنون، قال صاحبُ "الصحاح": وقولهم في الجنون: ما أجنّه! شاذلا يُقاس عليه. وقد صار البيت الأوَّل مثلًا عند العلماء للتأويل المذكور فيما ظاهرُه الاتحاد بين الموضوع والمحمول، قال صاحب "الكشاف" عند قوله: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) [الواقعة: ١٠] المراد: السابقون من عرفت حالهم، وبلغك وصفهم كما في "شعري شعري"، أي: شعري ما بلغك وصفُه، وسمعت ببراعته وفصاحته، وصحَّ إيقاع "أبي النجم" خبرًا لتضمنه نوع وصفية واشتهار بالكمال، والمعنى: أنا ذلك المعروف بالكمال، وشعري هو الموصوف بالفصاحة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثلاثون بعد الخمسمائة: ياشاة من قنص لمن حلت له ... حرمت عليه وليتها لم تحرم على أنَّ "مَنْ" فيه عند الكسائي زائدة، ورأيت في تفسير الفراء كلامًا يتعلق بزيادتها لم يفصح عنه، قال عند قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) [آل عمران/ ١٥٩] العرب تجعل ما صلة، في المعرفة والنكرة واحدًا، قال الله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ) [النساء: ١٥٥] والمعنى: فبنقضهم، و (عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ) [المؤمنون/ ٤٠] والمعنى عن قليل، وربما جعلوها اسمًا وهي في مذهب الصلة، فيجوز فيما بعدها الرفع على أنه صلة، والخفض على اتباع الصلة لما قبلها، قال الشاعر: فكفى بنا فضلًا على ما غيرنا .. البيت

стр. 1940

وترفع "غير" إذا جُعلت صلة بإضمار "هو" وتخفض على الإتباع لـ "مّنْ"، وقال الفرزدق: إنا وإياك إن بلغت أرحلنا ... كمن بواديه بعد المحل ممطور فهذا مع النكرات، فإذا كانت الصلة معرفة آثروا الرفع، من ذلك: (فيما نقضهم) لم يقرأه أحد برفع، ولم نسمعه، ولو قيل، جاز، وأنشدونا بيت عدي: لم أر مثل الفتيان في غير الأيام ... ينسون ما عواقبها والمعنى: ينسون عواقبها، يجعلون عواقبها صلةً لـ "ما" وهو مما أكرهه، لأنَّ قائله يلزمه أن يقول: أيّما الأجلان قضيت، فأكرهه لذلك، ولا أرده، وقد جاء، وقد وجهه بعض النحويين إلى: ينسون، أيُّ شيء عواقبُها، وهو جائز، والوجه الأولُ أحبُّ إليَّ، والقراء لا تقرأ بكل ما يجوز في العربية، فلا يقبحنَّ عندك تشنيع مشنع مما لم يقرأ القراء مما يجوز. هذا كلامه. وفي كتاب "الضرائر" لابن عصفور: زعم الكسائي أن العرب قد زادت من الأسماء "من" في الشعر، واستدل على ذلك بقول عنترة: يا شاة من قنص .. البيت وقول الآخر: آل الزبير سنام المجد .. البيت والتقدير عنده في البيت الأول: يا شاة قنصِ، وفي البيت الثاني: والأثرون عددًا، ولا حجة له فيهما، لاحتمال أن تكون نكرة موصوفة، كما هي في قوله: إني وإياك إذ حلت بأرحلنا .. البيت. ألا ترى أن ممطورًا صفة لمن، وأن المعنى: كإنسان ممطور بواديه بعد المحل، وتكون في بيت عنترة موصُوفة بالمصدر الذي هو "قنص" على حدّ قولهم: مررت

стр. 1941

برجل فِطر، أي: مفطر، وفي البيت الآخر بالاسم الموضُوع موضع المصدر، وهو عددًا، والمعنى: يا شاةَ إنسانٍ قانصٍ، والأثرون قومًا معدودين. انتهى. والبيت من معلقة عنترة العبسي، والمشهور في رواية شراح المعلقات: "يا شاةَ ما قنصٍ" و"ما" زائدة، ولا خلاف في جواز زيادتها، والشاةُ هنا كناية عن المرأة، والعرب تكني عنها بالنعجة أيضًا، وقد أورده صاحب "الكشاف" برواية "ما" عند قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) [ص/ ٢٣] على أنَّ النعجة استعيرت للمرأة كما استعار عنترة الشاة، فقنص، على هذه الرواية، مصدر بمعنى المفعول، وهو مجرور بإضافة شاةٍ إليه، وفي زيادة ما، وتنكير "قنص" ما يدل على أنها صيد عظيم يغتبط بها من يحوزها أيَّ اغتباط، فيكون في قوله: "حرمت عليَّ" الدلالة على التحزن التام على فوات تلك الغنيمكة، قال التبريزي في شرحها: قوله: لمن حلت، أي: لمن قدر عليها، وقوله: حرمت علي، معناه: هي من قوم أعداء، ويدلّ على هذا قوله في القصيدة: علقتها عرضا واقتل قومها والمعنى: أنها لما كانت في أعدهائي لم أصل إليها، وامتنعت مني، وأصل الخرام: الممنوع، والمعنى: أنها حرُمت عليَّ باشتباك الحرب بيني وبين قبيلتها. وقوله: "وليتها لم تحرم" هو ثمن في بقاء الصلح. وقال الزوزني: هي امرأة أبيه، يقول: حرم علي تزوجها لتزوّج أبي أباها، وليتها لم يتزوجها حتى كانت تحل لي، هذا كلامه، وليس بشيء، لأن التزوج بامرأة الأب في الجاهلية كان غير ممنوع عندهم بشهادة كلام الله تعالى. وشاة، بالنصب: منادى مضاف عند أبي جعفر النحوي، ومفعول لفعل محذوف مع المنادى عند الزوزني، قال: التقدير: يا هؤلاء اشهدوا شاة قنص لمن حلت له، فتعجبوا من حسنها وجمالها، فإنها قد حازت الجمال. وتقدمت ترجمة عنترة في الإنشاد السابع والسبعين بعد المائتين.

стр. 1942

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثلاثون بعد الخمسمائة: آل الزبير سنام المجد قد علمت ... ذاك القبائل والأثرون من عددا لما تقدم قبله من أن "مّنْ" زائدة عند الكسائي، قال الفالي في "شرح اللباب": يجاب: إن "عددًا" مصدر بمعنى المفعول، فـ "من" اسم موصوف بمفرد، ويجوز أن تكون موصوفة بجملةٍ محذوفة، وذلك أن عددًا مفعول مطلق، وعاملة محذوف تقديره: يعدّ عددًا بالبناء للمفعول، والجملةُ صفة من، أي: إنسانًا يعد عددًا. انتهى. واقتصر ابنُ الشجري على التقدير الثاني، وفي تخريجهم نظر لا تخفى سماجته وركاكته مع أنه ليس فيه كبير مدح، فإنَّ مدح الشاعر: أن آل الزبير سنامُ المجد، والأكثرون عددًا، وأن أتباعهم أكثر من أتباع غيرهم، لا أنهم يعدون عدًا، فإن ما يعد قليل، والقلّة لا فخر فيها ولا مدح، وجَعْلُ المصنف "من" بدلًا من "الأثرون" على تقدير الفعل لا وجه له، إذ لا فرق في المعنى بين قولنا معدودين، وبين قوم يعدُّون، وتخريج الكوفيين خال عن التعسف مع صحة معناه، ومتانة مغزاه، ويؤيده رواية البصريين: والأثرون ما عددًا. وقوله: آل الزبير: مبتدأ، وسنام المجد خبره، والأثرون معطوف على الخبر، وجملة "قد علمت ذاك القبائل" اعتراضية لتقوية المعنى وتشديده، و"ذاك" مفعول علمت، وهو إشارة إلى كونهم سنام المجد، والقبائل: فاعل علمت، بمعنى عرفت، وسنام المجد: أعلاه، استعير من سنام الإبل، والأثرون: جمع أثرى، وهو أفعل تفضيل من تريثُ بك، بكسر الراء، أي: كثرت بك، قاله صاحبُ "الصحاح" وهذا البيت، مع كثرة وجوده في كتب النحو، لا يعرف قائله، ولا تتمته، والله تعالى أعلم.

стр. 1943

(مَهْمَا) أنشد فيه: ومهما تكن عند امريء من خليقةٍ ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم وتقدَّم شرحه في الإنشاد الثلاثين بعد الخمسمائة. قال أبو حيّان: وذهب أبو زيد السهيلي إلى أنَّ "مهما" تكون اسمًا، وتكون حرفًا، فإذا عاد عليها الضمير كانت اسمًا، وإن لم يعد عليها ضمير كانت حرفًا، واستدل على حرفيتها بقول زهير، ووجه استدلاله أنه أعرب "مهما" حرف شرط بمعنى إن، و"مِنْ خليقة" اسم تكن، ومن زائدة، وإليه ذهب أبو محمد بن السيد، ولا حجة فيه، لأنه يمكن أن يكون في تكن ضمير مهما، وأنثه حملًا على المعنى، لأنها واقعة على الخليقة، و"عند امرئ" في موضع الخبر، ومن خليقة: تفسير، ويلزم على قول السهيلي: أن تزاد "من" في الواجب، وهو مذهب ضعيف، والصحيح اسميتُها، ولا توجدُ في كلامهم إلا مبتدأة عائدًا عليها ضمير، أو مفرغًا لها العامل، فتكون معمُولة له نحو: مهما تصب أفقًا من بارق تشم فمهما: مفعول مقدم لتصب، وأفقًا: منصوبٌ على الظرف. انتهى. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثلاثون بعد الخمسمائة: قد أوبيت كل ماء فهي صاوية ... مهما تصب أفقًا من بارق تشم على أن السهيلي استدل به على حرفية مهما، ورده المصنف، وقد تكلمنا

стр. 1944

على إعرابه مبسوطًا في الشاهد الرابع بعد الستمائة من شواهد الرضي، وفي شرح البيت الثالث من حاشيتنا على "شرح قصيدة بانت سعاد" للمصنف، فأغنانا ذلك عن الكلام هنا. والبيت من قصيدة لساعدة بن جؤية الهذلي المخضرم وتقدم شرح مطلعها مع أبيات بعده في الإنشاد الثاني والستين، وقبله: تالله يبقى على الأيام ذو حيدٍ ... أدفى صلود من الأوعال ذو خدم وتقدَّم شرح هذا البيت أيضًا في الإنشاد الثالث والخمسين بعد الثلاثمائة في بحث اللام برواية: "لله يبقى" على أن اللام للقسم والتعجب معًا، وحذف لا النافية من جواب القسم، والأصل: تالله لا يبقى، وذو حيد: الوعل، بكسر الحاء المهملة وفتح المثناة التحتية، جمع حيد، بفتح فسكون، وهي العقد في قرن الوعل، والأدفى بالقصر: الذي يميل قرنه إلى نحو ظهره، وصلود: صفته وهو الذي يقرع بظلفه الجبل، والخدم: بفتح الخاء المعجمة، خطوط بيض في قوائمه تشبه الخلاخيل، ثم وصف تحصنه في رؤوس الجبال في ثمانية أبياتٍ، ولما جاء أجله، ما سلم من الصياد، فهلك على يديه، وقال: فكان حتفًا بمقدار وأدركه ... طول النهار وليل غير منصرم يعني: لم يفلت من طول الأيام والليالي. ولا صوار مذراة مناسجها ... مثل الفريد الذي يجري من النظم معطوف على ذو حيد، والصوار، بكسر الصاد المهملة: جماعة البقر، ونعجة مذراة، وكبش مذرّي، بالذال المعجمة: إذا جز وترك بين كتفيه صوف ولم يجز، وهو الذِرواة، بكسر الذال وضمها، والنظم: بضمتين: جمع نظام، وهو الخيط الذي فيه اللؤلؤ، يقول: الصوار مثل اللؤلؤ في الحسن والبياض.

стр. 1945

ظلت صوافن بالأرزان صاوية ... زفي ما حق من نهار الصيف محتدم قد أوبيت كل ماء فهي صاوية ... مهما تصب أفقًا من بارق تشم حتى شآها كليلٌ موهنًا عمِلَ ... باتت طرابًا وبات الليل فم ينم كأنما يتجلى عن غواربه ... بعد الرقاد تمشي النار في الضرم حيران يركب أعلاه أسافله ... يخفي تراب جديد الأرض منهزم فأسأدت دلجًا تحيي لموقعه ... لم تنتشب بوعوث الأرض والظلم حتى إذا ما تجلى ليلها فزعت ... من فارس وحليف الغرب ملتئم فافتنها في فضاء الأرض يأفرها ... وأصحرت في قفاف ذات معتصم أنحى عليها شراعيا فغادرها ... لدى المزاحف تلى في نضوح دم قوله: ظلت صوافن، أي: قد رفعن إحدى قوائمهن، والصوافن: التي تفرِّج بين رجليها، والأرزان، جمع رزن، بكسر المهملة وسكون المعجمة: الموضع الغليظ الذي فيه الماء، وصاوية بالصاد المهملة: اليابسة من العطش، والماحق: شدة الحر، والمحتدم، بمهملتين: المحترق، أي: كان ذلك اليوم محترقًا من شدة الحر. وقوله: قد أوبيت .. إلى آخره، قال أبو حنيفة في كتاب "النبات": وصف ساعدة بن جؤية بهذه الأبيات حميرًا، وأوبيت: منعت، وقال السكري: يقول: منعت كل ماء، أي: قطع عنها، يقال: طعام وشراب لا يؤبى: لا ينقطع. انتهى. وصف حميرًا قد أجهدها العطش، فيبست أجوافُها، وهي لا تقدم على ماء الأنهار والعيون فزعًا من الصائد، فهي تشيم البرق، وترتقب نزول المطر لترده، والصاوية، بالصاد المهملة: اليابسة من العطش، وقوله: مهما تصب أفقًا. قال السكري: أي ناحية من بارق، أي: من سحاب فيه بارق، وتشم: تنظر إليه، والضمير في الجميع للصوار، وروى الجمحي: مَهْمَا يُصِبْ بَارِقٌ آفاقَهَا تَشِمِ

стр. 1946

وقوله: حتى شآها، الضمير للصوار، قال أبو حنيفة: أي شاقها، وفيه قلب، يقال: شاءنى يشوءني، أي: شاقني، والكليل: البرق الضعيف، وقد يستحب أن يكون كليلًا، والعَمِل، بفتح العين وكسر الميم: الدائب الذي لا يفتر، والطراب: التي استخفها الفرح، والموهن: بعد ساعة من نصف الليل، وضمير بات للبرق الكليل، وقوله: كأنما يتجلى، أي: البرق الكليل، والقوارب، أعالي السحاب، والضرم: ما دق من الخطب فالنار تسرع فيه. وقوله: حيران يركب .. إلى آخره، قال السكري: يعني هذا السحاب لا يمضي على جهته قد حار، فهو يتردد، وقوله: يخفي تراب الأرض، أي: يظهر ترابها، من خفاه بمعنى أظهره، يعني أن المطر يظهر التراب، وجديد الأرض بالجيم: أرض صلبة لم تحفر، ومنهزم: منخرق، يقول: هذا السحاب قد انخرق بالماء، وقال أبو حنيفة: حيران، أي: لا جهة له، فهو ماكث، وخفاه: أظهره يعني: أن سيله يشق الأرض، فيظهر باطنها، ومنهزم: منشق بالماء. وقوله: فأسادت دلجًا، قال أبو حنيفة، الإساد: سير الليل كله، وكذلك الدلج، وتحيي لموقعه: يريد تحيي الليل لموقع هذا الغيث تسير إليه، ولم تنتشب: لم تنحبس، أي: لم يَعُقها وعوث الأرض، يعني تحيي ليلتها جمعاء لموقع ذلك السحاب لتبلغه، والوعث: اللين وهو يحبس. قوله: يتجلى ليلها، أي: بالصباح، وحليف: صاحب، والغرب: الحديد، وأراد به رمحًا حديد السنان، وملتئم: يشبه بعضه بعضًا، لا يكون كعب منه دقيقًا والآخر غليظًا. وقوله: فافتنها يريد انشق بها في ناحية من "فنن"، وقيل: افتنها: طرحها، ويأفرها: يسوقها، من الأفر، وهو عدو فيه قفز، وأصحرت: صارت في صحارى، وقِفاف جمع قُفّ، بالضم، وهو ما غلظ من الأرض وارتفع، والمعتصم: الملجأ. وأنحى عليها، أي: أهوى إليها الفارس بالرمح، والشُّراعي، بضم الشين المعجمة: الرمح الطويل، وغادرها: تركها، وتليّ: جمع تليل، كصرعى: جمع صريع وزنًا

стр. 1947

ومعنى، والمزاحف: جمع مزحف، أي: حيث زاحفها فيه، أي: قاتلها، والنضخُ، بمعجمتين: ما أصاب الشيء على غير عمد، يقال: أصابه نضخ من الدم والزعفران والبول ما لم تعتمد به، فإذا أنت تعمدته قلت: نضحته بالماء، يقال: نضح ينضح: إذا ما رشح، وهو بالحاء المهملة، يعني أنها قبل وصولها إلى ماء الغيث قتلها الصَّيّاد، وترجمة ساعدة تقدمت في الإنشاد الثالث من أول الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثلاثون بعد الخمسمائة: لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلِ على أن قوله "من جنوب" بيان وتفسير للضمير المستتر في "نسجت" وصدره: فَتُوضِحَ فالمِقرَاةَ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَا وقبله: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل وهو مطلع معلقة امرئ القيس، وتقدم شرحه في الإنشاد الخامس والستين بعد المائتينن وتقدَّم هناك الكلامُ على عطف الأماكن بالفاء ووجهه، وتوضح: موضع من حمى ضرية، والمِقراة، بكسر الميم: موضع، وقال أبو عبيدة: ليس موضعًا، وإنما يريد: الحوض الذي يجتمع فيه الماء، من قريت بمعنى جمعت، وقوله: لم يعف رسمها، أي: رسم هذه المواضع، وهذا في موضع التعليل للبكاء، لأنه لو عفت هذه المواضع، أو عفا رسمها، لاستراح العاشق، وفي بقائها أشد حزنًا له، كقول ابن أحمر: أَلا لَيْتَ المَنَازِلَ قَدْ بَلِينا ... فَلا يَرْمِينَ عَنْ شَزْنٍ حَزِينا

стр. 1948

أي: فلا يرمين عن تحرف، يقال: شزن فلان، ثم رمى، أي: تحرف في أحد شقيه، وذلك أشد لرميه، أي: ليتها بليت حتى لا ترمي قلوبنا بالأحزانِ والأوجاعِ، وعفا المكان يعفو عفوًا وعفوًا وعفاء: درس وانمحى، وعفَّى غيره تعفيةً درسه، والرسمُ: ما لصق بالأرض من آثار الديارِ مثل البعر والرماد. وقوله: لما نسجتها، تعليل لعدم العفاء والاندراس، قال الأصمعي: إنَّ الريحين إذا اختلفا على الرسم لم يعفواه، فلو داومت عليه واحدة، لعفته. لأن الريح الواحدة تسفي الترابَ على الرسمِ فيُدرس، وإذا اعتورته ريحان فسفت عليه إحداهما فغطته، ثم هبت الأخرى كشفت عن الرسم ما سفت الأخرى، فيكون نسج الريحين اختلافهما بالتراب، فواحدة تغطي، والأخرى تكشف، وفاعل نسجت ضمير ما، و"من" بيان لما، فتكون ما عبارة عن ريح الجنوب، والشمال، وهما ريحان متقابلان، فيكون مراد المصنف أنه أنث الضمير العائد على "ما" لتفسيره بالمؤنث من الجنوب والشمال، كما أنث الضمير العائد على مهما لما فسر بمؤنث وهو خليقة، و"ها" من نسجتها ضمير المواضع الأربعة. وقد بسطنا الكلام على هذين البيتين في الشاهد السابع والثمانين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الأربعون بعد الخمسمائة: وإنك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا على أنَّ ابن مالك زعم أنَّ "مهما" فيه ظرف زمان، قاله في "شرح الكافية" وأنشد لما ادعاه أبياتًا كثيرة، ورده ابنه، فقال: لا أدري في هذه الأبيات حجة،

стр. 1949

لأنه كما يصح تقديرها بظرف كذلك يصح تقديرها بالمصدر، على معنى: أي إعطاء قليلًا وكثيرًا تعطي بطنك سؤله، لكن تعيين المصدرية، لأن في الظرفية شذوذًا وقولًا بما لا يعرفه جمع النحويين. وقد نقلنا استدلال ابن مالك بالأبيات، ورد ابنه عليه مفصلًا في الإنشاد الواحد بعد الخمسمائة في بحث ما الشرطية. قال أبو حيان في "شرح التسهيل" بعد نقل كلام ابنه: ويحتمل عندي بيت حاتم توجيهًا آخر غير ما ذكره ابن المصنف، وهو أن يكون "مهما" مفعولًا ثانيًا لتعط، وفرجك: مفعولًا أولًا، وسؤله: بدل من فرجك لا مفعول ثان، فلا يكون في البيت حجة على استعمال مهما ظرفًا، فتكون مهما في البيت نظيرها في قول امرئ القيس. وإِنَّكِ مَهْما تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَلِ انتهى. قوله: "وإنك مهما تعط" كذا الرواية في أكثر نسخ "الحماسة" لأبي تمام، ووقع فيء بعضها: "وإنك إن أعطيت بطنك" وهي رواية ابن جني في "إعراب الحماسة"، ورواية القالي في "أماليه"، وعليها لا يكون شاهدًا في البيت لمهما، وهو آخر أبيات أربعة أوردها أبو تمام في باب الأضياف لحاتم الطائي وهي: أَكُفُّ يَدِي عَنْ أنْ ينالَ التِماسُها ... أكُفَّ صِحابِي حينَ حاجاتُنا مَعَا أبِيتُ هَضِيمَ الكَشْحِ مُضْطَرِمَ الحَشَا ... مِنَ الجوعِ أخْشى الذَّمَّ أَنْ أَتَضَلَّعا وَإِني لأَسْتَحْيي رَفِيقِي أَنْ يَرَى ... مَكانَ يَدِي مِنْ جانِبِ الزَّادِ أَقْرَعا وَإْنَّكَ مَهْما تُعْطِ بَطْنَكَ سُؤْلَه ... البيت

стр. 1950

قوله: أكفُّ يدي، أي: أقبضها إذا جلسنا على الطعام إيثارًا للضيوف، وخوفًا أن يفنى الزاد، وأكف الثانية جمع كف مفعول ينال، وقوله: حين حاجاتنا معًا، قال ابن جني في "إعراب الحماسة": معًا حال سدت مسد خبر المبتدأ الذي هو المصدر، كقولك: قيامك ضاحكًا، وشربك السويق ملتوتًا. انتهى. وقال التبريزي: حاجاتنا معًا، أي كلنا جائع، فحاجته إلى الطعام كحاجة صاحبه، ومعًا: نصب على الحال سد مسد الخبر، لأن المصادر إذا ابتدئ بها وقعت الأحوال خبرًا عنها، كقولك: ضربي زيدًا قائمًا، وكذلك المضاف إلى المصدر تقول: أكثر ضربي زيدًا قائمًا. وانتصب "حين" على الظرف، وقد أضيف إلى الجملة، والعامل فيه: أكف يدي. وقوله: أبيت هضيم الكشح، يدل على كفه عن الأكل إيثارًا للأكيل على نفسه، وأقرع، أي: خال من الطعام. قال ابنُ جني: قوله: وإنك إن أعطيت إلى آخره: أجمع: توكيد للذم. وهو أمثل من أن تجعله توكيدًا لمنتهى، وذلك أن قولك أجمع من توابع التوكيد في الإحاطة والعموم، والذم طويل عريض، وهو مما يليق به التوكيد بما هو موضوع للعموم، وأما المنتهى فغاية ونهاية، وهو أقل القليل لأنه الحد والغاية، وما هذه سبيله لا يوصف بما يوصف به الشامل والشائع، أعني الذم من حيث كان جنسًا. انتهى. وكذا رواها القالي في أواخر "أماليه" عن ابن دريد لحاتم الطائي أربعة أبيات. وتقدمت ترجمة حاتم في الإنشاد الثامن والتسعين.

стр. 1951

وأنشد بعده: مهما لي الليلة مهما ليه ... أودى بنعلي وسرباليه على أن جماعة منهم ابن مالك زعموا أن "مهما" فيه للاستفهام، وزعموا أنها مبتدأ و "لي" خبرها، وأن الشاعر أراد: مالي الليلة؟ ! استفهاماً على طريق التعجب، قال أبو حيان وناظر الجيش في قول "التسهيل": وربما استفهم بمهما، قد ذكر ذلك غير ابن مالك، قالوا: ندر في مهما مجيئها استفهاماً، وأنشد أبو علي: مهما لي الليلة .. البيت، وقد مر شرحه في الإنشاد الثالث والخمسين بعد المائة، وقال ابن الحاجب في "أماليه": يجوز أن يكون قوله "مه" من قوله: "مهما لي الليلة" اسم بمعنى: اسكت واكفف عما أنت فيه من اللوم وشبهه، كأنه يخاطب لائماً على ما يراه من الوله، ثم قال: ما لي الليلة؛ تعظيماً للحال التي أصابته، والشدة التي أدركته، ثم ذكر الأمر الذي يحقق تعظيم الأمر، فقال: أودى بنعلي وسرباليه وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد الخمسمائة: (٥٤١) ومهما تصلها أو بدأت براءة تمامه: لتنزيلها بالسيف لست مبسملا على أنه من المشكل، فإن مهما فيه لا يجوز أن يكون مفعولاً به لـ "تصل" لاستيفائه مفعوله، ولا مبتدأ لعدم الرابط، وأجاب بأنه يتعين كون "مهما" فيه ظرف زمان بتقدير: وأي وقت تصل براءة، ثانيهما: أن يكون مفعولاً لفعل محذوف تقديره: ومهما تفعل، ويكون "تصل" و"بدأت" بدلاً مفصلاً من الفعل المقدر. أقول: الجواب الأول للشيخ شهاب الدين عبد الرحمن الشهير بأبي شامة، قال في شرح قول الشاطبي:

стр. 1952

ومهما أتيت من قبل أو بعد كلمة ... فكن عند شرطي واقض بالواو فيصلا في "مهما" بحوث حسنة ذكرناها في "الشرح الكبير" وحاصله أنها في استعمال الناظم هنا، وفي قوله: ومهما تصلها أو بدأت براءة بمعنى متى ما، ووجه صحة هذا الاستعمال أن مهما مركبة من "ما" التي للشرط، ومن "ما" المزيدة للتأكيد، ثم أبدل ألف ما الجزائية هاء فصار مهما، وقد استقر أن "ما" الجزائية تضمن معنى الزمان، ولهذا يقال لها الظرفية، كقوله تعالى: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) [التوبة/ ٧] فمتى أبدلت ألف الظرفية هاء لدخول المزيدة عليها، صار معنى مهما: متى ما، ومتى كانت المبدلة غير ظرفية، لم تكن بهذا المعنى، والله سبحانه أعلم. انتهى. وقد رده عليه سائر الشراح، منهم محمد بن الحسن المقرئ الشهير بالفاسي قال: موضعها نصب على معنى: أي إتيان أتيت، فإن قيل: جعلها بمعنى "متى ما" أوضح، وقد ذكر ذلك في قوله تعالى: (مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ) [الأعراف/ ١٣٢] فالجواب أن ذلك ليس بمذهب المحققين، وقد ذكر الزمخشري في "الكشاف" عند ذكر هذه الآية أن هذه الكلمة في عداد الكلم التي يحرفها من لا يد له في علم العربية في شيء، فيضعها في غير موضعها، ويحسبها بمعنى متى ما، ويقول: مهما جئتني أعطيتك قال: وهذا من وضعه، وليس من كلام واضع العربية في شيء، ثم يذهب فيفسر (مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ) بمعنى الوقت فيلحد في آيات الله وهو لا يشعر. وقال شهاب الدين الحلبي الشهير بالسمين في شرحه: هذا الذي قاله، قول مرجوح مرغوب عنه، وقوله: إن "ما" الجزائية استقر فيها أن تكون للزمان .. إلخ، لم يقل النحويون ذلك إلا في المصدرية، أما الشرطية، فلا، إلا من لا يعبأ بكلامه. ومحل "مهما" النصب عل المصدرية، كأنه قال: أي إتيان أتيت، فالناصب له أتيت. انتهى.

стр. 1953

وقال الجعبري: موضعها نصب بالفعل، أي: أي إتيان أتيت. انتهى. والجواب الثاني للفاسي قال: مهما في: ومهما تصلها، في موضع نصب بفعل محذوف تقديره: ومهما تفعل، أي: أي شيء تفعل في براءة، يعني من الوصل والابتداء، وقوله: تصلها أو بدأت، تفسير لذلك الفعل المحذوف، ولما حذف ذلك الفعل وما اتصل به، أشكل عود ضمير تصلها، فجعل ما كان يعود عليه بدلاً منه للبيان أو منصوباً بإضمار أعني، والمراد بقوله: تصلها، تقرأها إثر الأنفال، وبـ "أو" التنبيه على إباحة الأمرين للقارئ. انتهى. وتبعه الجعبري، فقال: ومهما منصوبة بمقدر، أي: أي حالة تقرأ ثم فسر بفعلي الشرط، وقد توجها إلى ظاهر بعدهما على جهة المفعولية، فأعمل الثاني على اختيار البصريين لقربه، وأضمر المفعول في الأول جوازاً، والأفصح حذفه، كقوله تعالى: (آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) [الكهف/٩٦] انتهى. وقال السمين: قوله: "تصلها أو بدأت براءة" يجوز فيه ثلاثة أوجه، أحدها أنه من باب التنازع، وهو من إعمال الثاني، ولكنه أثبت الضمير في المهمل ضرورة كقوله: إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب .. البيت الثاني: أن يكون براءة بدلاً من الضمير المنصوب في تصلها: كقوله: على جوده لضن بالماء حاتم الثالث: أن تكون براءة منصوبة على إسقاط الخافض، أي: ببراءة، يقال: بدأت بكذا، أي: ابتدأت به، وأما بدأت الشيء من غير ياء، أي: فعلته ابتداء، نحو بدأ الله الخلق. ولتنزيلها: متعلق بالنفي الذي في لست، وبالسيف: متعلق بمحذوف، لأنه حال من ضمير براءة، أي: ملتبسة بالسيف، أي: بالقتال، وصرف "براءة" للضرورة، وجملة لست مبسملاً جواب الشرط، قال الفاسي:

стр. 1954

النفي هنا خبر بمعنى النهي، ولو جاء بصيغة النهي لكان لا بد من الفاء، لكن لما جاء بصيغة الماضي لفظاً لا معنى لم يأت بها، وكذا في شرح الجعبري، قال: جملة لست جواب الشرط نفي بمعنى النهي، وإذا كان الجواب ماضياً لفظاً بلا قد امتنعت الفاء فلا ضرورة، وقال السمين: هذا فاسد، فإن الفاء لازمة في النهي، فكيف بالخبر الذي في معناه. والحاصل أن براءة لا بسملة في أولها، سواء ابتدئ بها أم وصلت بما قبلها، لأنها لم ترسم في المصحف للفصل بين الأنفال وبراءة، بل ترك سطر مكانها. واختلف أهل العلم بسبب ذلك على أقوال كثيرة يرجع معناها إلى ثلاثة أوجه: أحدها: أنها نزلت بالسيف، والأمر بالقتال، ونبذ العهد، وكشف أستار المنافقين، فلا يناسب أن يؤتى بالبسملة في أولها، لأنها آية رحمة. الثاني: أن قصتها شبيهة بقصة السورة التي قبلها، وقبض رسول الله، ﷺ ، ولم يأمرهم بالبسملة فتركوها، كأنهم توهموا أنها سورة واحدة. الثالث: أن أولها قد نسخ، فلذلك تركت البسملة منها لذهاب أولها. وبعد هذا البيت: ولا بد منها في ابتدائك سورة ... سواها وفي الأجزاء خير من تلا ومهما تصلها مع أواخر سورة ... فلا تقفن الدهر فيها فتثقلا وقوله: ولا بد منها إلى آخره، أي: ولا بد من البسملة لجميع القراء في ابتداء كل سورة سوى براءة، وخير الشيوخ التالون أصحابهم في البسملة وتركها في ابتداء الأجزاء، أي: في أثناء سور القرآن. وقوله: ومهما تصلها، أي: مع أواخر سورة إلى آخره، أي: ومهما تصل البسملة بآخر سورة، فلا يجوز أن تقف على البسملة وحدها، نص على امتناعه جماعة، وذلك لأن البسملة إنما جيء بها للتبرك في الابتداء عند من لا يعتقدها آية، أو لأنها آية من أول كل سورة، فلا معنى لوصلها بآخر السورة فقط، بل إما أن تصلها بأول السورة الأخرى، أو تقف على آخر السورة، ثم تبسمل مهلاً للبسملة بأول السورة أو واقفاً على البسملة، ثم تبتدئ بأول السورة الأخرى، قال الفاسي:

стр. 1955

وموضع "مهما" نصبت بفعل محذوف يفسره الفعل الموجود، والتقدير: أي بسملة من البسملات الكائنة في أوائل السور تصل تصلها مع أواخر السور، وأتى بالفاء في الجواب لكونه نهياً، وأكد بالنون الثقيلة تنبيهاً على ما في ارتكابها من القبح، ونصب الفعل الأخير بإضمار "أن" بعد الفاء على جواب النهي، قال الجعبري في حل البيت، أي: إن وصلت أول البسملة بآخر السورة السابقة، صل آخرها بأول اللاحقة ولا تسكتن عليها، فتصعب صيغة اللفظ لإشعارها بغير المقصود. والإمام الشاطبي هو أبو القاسم بن فيرة بن خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي، نسبة إلى شاطبة، قرية بجزيرة الأندلس، كان إماماً في علوم القرآن الكريم، متقناً لأصول العربية، رحلة في الحديث، يضبط نسخ "الصحيحين" من لفظه، غاية في الذكاء، مجيداً في النظم، وله تصانيف حسنة، وواسطة عقد تصنيفه هذه القصيدة في القراءات السبعة، وتقدم شرح أول بيت منها مع ترجمته في الإنشاد الثالث والسبعين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد الخمسمائة: (٥٤٢) إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب ... جهاراً فكن في الغيب أحفظ للود على أنه ذكر ضمير المفعول في ترضيه، وكان الجيد تركه، وبعده: وألغ أحاديث الوشاة فقلما ... يحاول واش غير إفساد ذي عهد وروي: يحاول واش غير تغيير ذي ود

стр. 1956

(مع) أنشد فيه، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد الخمسمائة: (٥٤٣) أفيقو بني حزن وأهواؤنا معاً تمامه: وأرحامنا موصولة لم تقضب على أن "معاً" ظرف، متعلق بمحذوف هو الخبر، وقيل: حال سدت مسد الخبر وتقدم قريباً عن ابن جني والتبريزي أنهما قالا في قول حاتم: أكف يدي عن أن ينال التماسها ... أكف صحابي حين حاجاتنا معا أن معاً نصب على الحال سد مسد الخبر، والبيت من شعر أورده أبو تمام في الباب الأول من "الحماسة"، وكذلك أورده الأعلم في "حماسته"، وقال: هو للأخوص، وقد ضرب بنو عمه مولى يقال له حوشب، وقال التبريزي: يقال: إن هذا الشعر لجندل بن عمرو وهو: إن كنت لا أرمى وترمى كنانتي ... تصب جانحات النبل كشحي ومنكبي فقل لبني عمي فقد وأبيهم ... منوا بهريت الشدق أشوس أغلب أفيقول بني حزن وأهواؤنا معاً ... وأرحامنا موصولة لم تقضب ولا تبعثوها بعد شد عقالها ... ذميمة ذكر الغب للمتعقب فإن تبعثوها تبعثوها ذميمة قبيحة ذكر الغب للمتغبب سآخذ منكم آل حزن بحوشب ... وإن كان لي مولى وكنتم بني أبي قوله: إن كنت لا أرمى وترمى، كلهما بالبناء للمفعول، يقول: إن لم أقصد في نفسي، وقصدت في خدمي وحاشيتي، عاد ذلك القصد بالشر والمساءة علي،

стр. 1957

وصرت كأني المقصود، وهذا من باب التمثيل، لأنه جعل الكنانة مثلاً لمولاه الذي يستودعه سره، كما يستودع الرجل الكنانة سهمه. والتمثيل من محاسن الكلام، وهو أن يروم الشاعر ذكر معنى، فيعدل على الإفصاح به إلى ما يجري مجرى المثل، فيكون مبنياً على مراده فيه، كقول الشاعر: رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئاً ومن أجل الطوي رماني أراد أنه رجع إليه ما رمى به من قولهم: "من حفر بئراً لأخيه وقع فيها" وكقول الوليد بن عقبة يخاطب معاوية: وإنك والكتاب إلى علي ... كدابغة وقد حليم الأديم أراد أن كتابة إلى علي لا يجدي شيئاً، وكقول ابن ميادة: ألم تك في يمنى يديك جعلتني ... فلا تجعلني بعدها في شمالكا أراد: كنت مقرباً عندك، فلا تبعدني. وقال التبريزي: وقيل: هذا مثل مضروب، وذلك أن رجلاً من بني فزارة، وآخر من بني أسد، التقيا ومع الفزاري كنانة جديدة، ومع الأسدي كنانة رثة، فقال الأسدي: أينا أرمى؟ فقال الفزاري: أنا، فقال الأسدي: فانصب كنانتك أرمي فيها، فإني أنصب كنانتي حتى ترمي فيها، فنصب الأسدي كنانته، وجعل الفزاري يرميها حتى أنفذ سهامه، فلما رأى الأسدي سهام الفزاري قد نفدت، قال: انصب لي كنانتك حتى أرميها، فنصبها، فرمى، وسدد السهم نحوه حتى قتله، فضرب مثلاً لمن يعمل عملاً وهو يريد غيره. يقول: إذا تعرض لمن يليني، فقد تعرض لي، وأكون بمنزلة من ترمى كنانته وهي عليه لا يؤمن أن يصيبه ما يطيش من الشدة. انتهى، وتقدم هذا المثل بعينه في الإنشاد التاسع بعد الخمسمائة.

стр. 1958

والجناحات: المائلات من الكنانة، وروي: جائحات وهي المستأصلات المهلكات جمع جائحة، بالهمزة والحاء المهملة، والكشح: الخاصرة والمنكب، وهو مجتمع رأس العضد والكتف، وقوله: فقد وأبيهم منوا، أصله: فقد منوا وأبيهم، فاعترض بالجملة القسمية بين قد والفعل، ومنوا ماضي مجهول، يقال: مني بكذا، أي: ابتلي به، ودهي به، وهريت الشدق، أي: مشقوقه، فيكون واسع الفم، وهو من الأوصاف المستحسنة في الخيل، والأشوس: الذي ينظر بمؤخر عينه تكبراً وتغيظاً، والأغلب: الغليظ الرقبة، يعني: قد ابتلوا بلسان متغضب قوي. وقوله: "أفيقوا بني حزن" هو منادى بإضمار "يا" والأهواء: جمع هوى، وهو ميل النفس إلى الشيء، يعني: ومقاصدنا متحدة، يقول: اصحوا يا بني حزن من سكركم وجهلكم في حين مقاصدنا متحدة، وكلمتنا متفقة، وأسباب الرحم موصولة غير منقطعة، والغضب: القطع. قوله: ولا تبعثوها .. إلى آخره، البعث: التحريك والتهييج، والضمير للحرب المفهومة من المقام، وذميمة: حال منها، والعبء كالحمل، وزناً ومعنى، والمتعقب: الذي يأتي عقبنا، قوله: تبعثوها ذميمة، أي: تذمونها، لما يلحقكم من وبالها، وتغببت الأمر، أي: تفقدت غبه، كما تعقبته عاقبة، أي: تفقدت عاقبته. والأخوص، بالخاء المعجمة: شاعر فارس، وهو زيد بن عمرو بن قيس بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع، كذا في "المؤتلف والمختلف" للآمدي، وهو شاعر إسلامي عصري الفرزدق.

стр. 1959

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والأربعون بعد الخمسمائة: (٥٤٤) كنت ويحيى كيدي واحد ... نرمي جميعاً ونرامى معا على أن معاً وجميعاً بمعنى واحد، وهو اتحاد الفعل في وقت واحد، ولا دليل عليه في البيت، والمشهور ما قاله ثعلب، ويأتي نقله في كلام ابن الشجري في الإنشاد الثاني بعد هذا، قال صاحب "المصباح": تقول: خرجنا معاً، أي: في زمان واحد، وكنا معاً، أي: في مكان واحد، منصوب على الظرفية، وقيل: على الحال [أي: مجتمعين]، والفرق بين فعلنا جميعاً، وفعلنا معاً، أن معاً تفيد الاجتماع حالة الفعل، وجميعاً بمعنى كلنا يجوز فيها الاجتماع والافتراق. انتهى. والبيت من أبيات أوردها المبرد في أواخر "الكامل" لمطيع بن إياس قال: وهذا باب ظريف من أشعار المحدثين، قال مطيع بن إياس الليثي يرثي يحيى بن زياد الحارثي، وكان صديقه، وكان يرميان معاً بالخروج عن الملة: يا أهل بكوا لقلبي القرح ... وللدموع الهوامل السفح راحوا بيحيى إلى مغيبة ... في القبر بين التراب والصفح راحوا بيحيى ولو تطاوعني الأقـ ... ـدار لم تبتكر ولم ترح يا خير من يحسن البكاء له ... اليوم ومن كان أمس للمدح قد ظفر الحزن بالسرور وقد ... أديل مكروهنا من الفرح وفي يحيى يقول مطيع لنبوة كانت بينهما: كنت ويحيى كيدي واحد ... نرمي جميعاً ونرامى معا إن سره الدهر فقد سرني ... أو حادث ناب فقد أفظعا أو نام نامت أعين أربع ... نعم وإن هب فلن أهجعا حتى إذا ما الشيب في عارضي ... لاح وفي مفرقه أسرعا سعى وشاة طبن بيننا ... فكاد حبل الوصل أن يقطعا فلم ألم يحيى على حادث ... ولم أقل جار ولا ضيعا

стр. 1960

انتهى. وقد تقدمت ترجمتهما في الإنشاد الحادي عشر بعد الخمسمائة. وقوله: كيدي واحد، أي: كيدي رجل واحد، ونرمي بالبناء للفاعل، ونرامى، بالبناء للمفعول، وهب: استيقظ من نومه. وقوله: سعى وشاة طبن، بضم الطاء المهملة والموحدة: جمع طبن، بفتح فكسر، وصف من الطبنة وهي الفطنة وزناً ومعنى، وروى القالي في "ذيل الأمالي" عن عبد الله بن إبراهيم الجمحي قصة لهذه الأبيات على خلاف رواية المبرد قال: نشأ في قريش ناشئان، رجل من بني مخزوم، ورجل من بني جمح، فبلغا في الوداد ما لم يبلغ بالغ حتى إذا رمي أحدهما، فكأن قد رميا جميعاً، ثم دخلت وحشة بينهما من غير شيء يعرفانه، فتغيرا، فلما كان ليلة من الليالي، استيقظ المخزومي، ففكر ما الذي شجر بينهما، وكان المخزومي يقال له: محمد، والجمحي يحيى، فنزل من سطحه، وخرج حتى دق عليه بابه فاستنزله فنزل إليه، فقال له: ما جاء بك في هذه الساعة؟ قال: جئتك لهذا الذي حدث ما أصله وما هو؟ قال: فقال: [والله لا أعرف له أصلاً، قال عبد الله: فبكيا حتى كادا يصبحان، ثم عاد كل واحد منهما إلى منزله، فأصبح المخزومي وهو يقول: ] كنت ويحيى كيدي واحد ... نرمي جميعاً ونرامى معا يسرني الدهر إذا سره ... وإن رمينا بالأذى أوجعا حتى إذا ما الشيب في مفرقي ... لاح وفي عارضه أسرعا وشى وشاة طبن بيننا ... فكاد حب الوصل أن يقطعا وزاد غير عبد الله بن إبراهيم: فلم ألم يحيى على وصله ... ولم أقل خان ولا ضيعا انتهى. والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال.

стр. 1961

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والأربعون بعد الخمسمائة: (٥٤٥) إذا حنت الأولى سجعن لها معا على أن "معاً" تستعمل للجماعة، والمصراع من قصيدة لمتمم بن نويرة الصحابي يرثي بها أخاه مالكاً، وتقدم شرح بعض منها في الإنشاد الثامن والأربعين بعد الثلاثمائة وبعض منها في الإنشاء الثاني والسبعين بعد الأربعمائة، وهي من "المفضليات" وقبله: وما وجد أظآر ثلاث روائم ... أصبن متجراً من حوار ومصرعا يذكرن ذا البث الحزين ببثه ... إذا حنت الأولى سجعن لها معا إذا شارف منهن قامت فرجعت ... حنيناً فأبكى شجوها البرك أجمعا قوله: وما وجد أظآر ... إلى آخره، الوجد: الحزن، قال ابن الأنباري في شرحه: الأظآر: جمع ظئر، وهن نوق يعطفن على حوار واحد، فيرضع من اثنتين، ويتخلى أهل البيت بواحدة، والروائم: اللاتي يعطفن عليه جمع رائمة، يقال رئمته رئماناً، إذا شمته بأحبته، والحوار: ولد الناقة. انتهى. والمجر، بضم الميم وفتح الجيم، مصدر ميمي بمعنى الإجرار، مصدر أجر لسان الفصيل: إذا شقه لئلا يرتضع أمه، والمصرع: الهلاك، ومفعول الروائم محذوف تقديره: بؤ، أو هو جلد ولد الناقة يحشى فترأمه وتدر عليه، وروي "وجدن، بدل أصبن". واستشهد بالبيت أبو علي في "الإيضاح" على تأنيث الظئر بتذكير عدده، والظئر يكون في النساء والإبل، غير أنه في النساء أن ترضع ولد غيرها، وفي الإبل تعطف على الفصيل لتدر. وجملة أصبن مجراً .. إلى آخره صفة ثالثة لأظآر، يعني كل واحدة منهن رأت إجرار حوارها، فهي ثكلى ترأم البو، وجملة يذكرن صفة رابعة، والبث: الحزن، والحزين بالنصب صفة لـ "ذا البث" قال ابن الأنباري:

стр. 1962

وقد يجوز في الحزين الجر على أن يكون من صفة البث. انتهى. يريد المبالغة بجعل نفس الحزن حزيناً، وفي "تهذيب الأزهري" قال الليث: حنين الناقة على معنيين: حنينها صوتها إذا اشتاقت إلى ولدها، وحنينها نزاعها إلى ولدها من غير صوت. انتهى. و"إذا" يجوز أن تكون ظرفية، وأن تكون شرطية، وقال الأزهري يقال: ناقة ساجع: إذا طربت في حنينها، والتطريب: ترجيع الصوت وترديده، وأراد بالأولى إحداهن، أو أراد الثاكل الأولى، وهي أول من فقدت ولدها من الأظآر الثلاث، والنون في سجعهن راجع إلى ثنتين [منها، فيكون "معاً" للاثنتين] لا للجماعة، كما زعمه المصنف، وإن حملت الأولى على غير هذه الثلاث، صح ما ادعاه، لكنه بعيد. وكأن الدماميني لم يقف على ما قبل الشاهد وما بعده، فإنه قال: لأوالى صفة لمحذوف، يعني إذا حنت الحمامة، أي: صوتت وسجعن معاً، أي: هدرن جميعاً لأجل تصويتها، فقد استعمل معاً في جمع المؤنث. هذا كلامه. وقوله: إذا شارف منهن .. إلى آخره، الشارف: الناقة المسنة، قال الأصمعي: إنما خص الشارف، لأنها أرق من الفتية لبعد الشارف من الولد، والشجو: الحزن، والبرك، بفتح الموحدة وسكون الراء، قال ابن الأنباري: هو الألف من الإبل، وكذلك العرج. وقوله: فأبكى، هو جواب إذا، والفاء زائدة. وقوله: بأوجع مني هذا رجوع إلى الأظآر حملاً على المعنى، لأن الخبر عنهن في المعنى، لولا ذلك لقال بأكثر من وجدي، أو يكون قصد المبالغة، فنسب الوجع إلى الوجد مجازاً، كما قالوا شعر شاعر، وروي بدله "بأوجد مني" وتأويله كذلك، وترجمة متمم بن نويرة تقدمت مع مقتل أخيه مالك في الإنشاد الواحد والخمسين.

стр. 1963

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد الخمسمائة: (٥٤٦) وأفنى رجالي فبادوا معاً ... فأصبح قلبي بهم مستفزا على أن "معاً" في هذا البيت أيضاً قد استعمل في الجماعة، والأول في جماعة المؤنث وهذا في جماعة الذكور، ولهذا كرر الشاهد على المدعي، وهو من قصيدة للخنساء الصحابية، ترثي بها إخوتها وزوجها، وتقدم شرحها في الإنشاد الرابع والعشرين بعد المائة، وبادوا بمعنى: هلكوا، قال ابن الشجري في المجلس الثاني والثلاثين من "أماليه": معاً انتصب على الحال بمنزلة جميعاً، وهو في الأصل ظرف موضوع للصحبة، وأجاز بعض النحويين أن يكون حرفاً. وتنوينه ودخول الجار عليه يخرجانه من الحرفية، وذلك فيما رواه البصري والكوفي في قولهم: جئت من معهم، وكان معها، فانتزعته من معها، كما تقول: كان عندها فانتزعته من عندها، فتغير آخره لتغير العامل فيه وتنوينه إذا استعمل حالاً يدخلانه في حيز الأسماء، وذهب أبو علي إلى أن من فتحه فهو عنده ظرف، ومن أسكنه جعله حرفاً، أراد من أسكنه نزله منزلة الأدوات الثنائية نحو: هل وبل وقد، وأنشد في ذلك: فريشي منكم وهواي معكم ... وإن كانت زيارتكم لماما وإنما ذهب من ذهب إلى كونه حرفاً لمجيئه على حرفين، ولا يعلم له أصل في بنات الثلاثة. قال أبو العباس ثعلب: سألت ابن قادم: ما الفرق بين قام زيد وعمرو معاً، وقام زيد وعمرو جميعاً؟ فجعل يركض إلى الليل، فلما أصبح، قلت له: قام زيد وعمرو معاً، وقع القيام منهما في وقت واحد لا يكون إلا هذا، وقام زيد وعمرو جميعاً، يجوز أن يكون القيام منهما وقع في وقت واحد، ويجوز أن يكون وقع في وقتين، وكذلك مات زيد وعمرو جميعاً، يكون زمان موتهما

стр. 1964

مختلفاً، ومات ذا مع ذا لا يكون موتهما إلا في وقت واحد. وعند بعض النحويين أن معاً في قولك: "جاؤوا معاً" ينتصب على الظرف كانتصابه في قولك معهم، وإنما فكت إضافته، وبقيت علة نصبه على ما كانت عليه، والصحيح ما ذكرته أولاً، لأنه قد نقل من ذلك الموضع، وصار معناه جميعاً. قوله: مستفزاً، أي: مستخفاً، يقال: استفز فلان فلاناً بمعنى: استخفه، وفي التنزيل: (واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ) [الإسراء/ ٦٤] إلى هنا كلام ابن الشجري. (متى) أنشد فيه: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني وتقدم شرحه في الإسناد الثاني والستين بعد المائتين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والأربعون بعد الخمسمائة: (٥٤٧) أخيل برقاً متى حاب له زجل على أن "متى" بمعنى من، وتمامه: إذا يفتر من توماضه حلجا والبيت من أبيات ساعدة بن جؤية الهذلي المخضرم وهي: يا نعم إني وأيديهم وما نحروا ... بالحيف حيث سيح الدافق المهجا إني لأهواك حباً غير ما كذب ... ولو نأيت سوانا في النوى حججا حب الضريك تلاد المال زرمه ... فقر ولم يتخذ في الناس ملتحجا

стр. 1965

صفر المباءة ذي هرسين منعجف ... إذا نظرت إليه قلت قد فرجا أند من قارب روح قوائمه ... صم حوافره ما يفتأ الدلجا أخيل برقاً متى حاب له زجل ... إذا يفتر من توماضه حلجا مستأرضاً بين بطن الليث أيمنه ... إلى شمنصير غيثاً مرسلاً معجا فأسأد الليل إرقاصاً وزفزفة ... وغارة ووسيجاً غملجاً رتجا حتى أضاف إلى واد ضفادعه ... غرقى ردافى تراها تشتكي النشجا ولا أقيم بدار الهوان إن ولا ... آتي إلى الغدر أخشى دونه الخمجا وهذا آخرها، قوله: يا نعم، بضم النون من أسماء النساء، وقوله: وأيديهم وما نحروا، جملة قسمية معترضة بين اسم إن وبين خبرها، وهو قوله: بالخيف، وأراد: خيف منى، ولهذا أبدل "حيث يسح" أي: يصب، والدافق: الناحر والذابح الذي يصب الدماء بالنحر والذبح لأجل النسك، والمهج، جمع مهجة: الدم، وقيل: دم القلب، أخبر محبوبته أنه مع الحجاج في منى، وبها تراق دماء النسك، ثم أقسم بأيدي الناحرين النسك وبما نحروا تعظيماً لمناسك الحج أنه يحبها. وقوله: إني لأهواك: جواب القسم، وما زائدة بين المتضايفين، وقوله: ولو نأيت سوانا: لو وصلية، قال السكري: أي عند غيرنا، والنوى: النية. انتهى. يريد أنه على حذف مضاف، ونأيت: بعدت، وفي "القاموس": النية: الوجه الذي يذهب فيه، والبعد كالنوى فيهما، والحجج: السنين جمع حجة، بكسر أولهما. وقوله: حب الضريك .. إلى آخره، منصوب على المفعولية المطلقة، أي: إني لأهواك حباً كحب الضريك، بالضاد المعجمة، وهو الفقير وهو مصدر مضاف إلى فاعله. وتلاد المال مفعوله، والتلاد بالكسر: ما ولد عندك من مالك، والمال عند العرب، الإبل في الأكثر، وجملة: زرمه فقر، في موضع الصفة للضريك، لأن لامه للجنس، فهو في النكرة، أو حال من الضريك بتقدير قد، وزرمه، بتقديم الزاي
следующие страницы →