← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والأربعون بعد الخمسمائة: (٥٤٥) إذا حنت الأولى سجعن لها معا على أن "معاً" تستعمل للجماعة، والمصراع من قصيدة لمتمم بن نويرة الصحابي يرثي بها أخاه مالكاً، وتقدم شرح بعض منها في الإنشاد الثامن والأربعين بعد الثلاثمائة وبعض منها في الإنشاء الثاني والسبعين بعد الأربعمائة، وهي من "المفضليات" وقبله: وما وجد أظآر ثلاث روائم ... أصبن متجراً من حوار ومصرعا يذكرن ذا البث الحزين ببثه ... إذا حنت الأولى سجعن لها معا إذا شارف منهن قامت فرجعت ... حنيناً فأبكى شجوها البرك أجمعا قوله: وما وجد أظآر ... إلى آخره، الوجد: الحزن، قال ابن الأنباري في شرحه: الأظآر: جمع ظئر، وهن نوق يعطفن على حوار واحد، فيرضع من اثنتين، ويتخلى أهل البيت بواحدة، والروائم: اللاتي يعطفن عليه جمع رائمة، يقال رئمته رئماناً، إذا شمته بأحبته، والحوار: ولد الناقة. انتهى. والمجر، بضم الميم وفتح الجيم، مصدر ميمي بمعنى الإجرار، مصدر أجر لسان الفصيل: إذا شقه لئلا يرتضع أمه، والمصرع: الهلاك، ومفعول الروائم محذوف تقديره: بؤ، أو هو جلد ولد الناقة يحشى فترأمه وتدر عليه، وروي "وجدن، بدل أصبن". واستشهد بالبيت أبو علي في "الإيضاح" على تأنيث الظئر بتذكير عدده، والظئر يكون في النساء والإبل، غير أنه في النساء أن ترضع ولد غيرها، وفي الإبل تعطف على الفصيل لتدر. وجملة أصبن مجراً .. إلى آخره صفة ثالثة لأظآر، يعني كل واحدة منهن رأت إجرار حوارها، فهي ثكلى ترأم البو، وجملة يذكرن صفة رابعة، والبث: الحزن، والحزين بالنصب صفة لـ "ذا البث" قال ابن الأنباري:

стр. 1962

وقد يجوز في الحزين الجر على أن يكون من صفة البث. انتهى. يريد المبالغة بجعل نفس الحزن حزيناً، وفي "تهذيب الأزهري" قال الليث: حنين الناقة على معنيين: حنينها صوتها إذا اشتاقت إلى ولدها، وحنينها نزاعها إلى ولدها من غير صوت. انتهى. و"إذا" يجوز أن تكون ظرفية، وأن تكون شرطية، وقال الأزهري يقال: ناقة ساجع: إذا طربت في حنينها، والتطريب: ترجيع الصوت وترديده، وأراد بالأولى إحداهن، أو أراد الثاكل الأولى، وهي أول من فقدت ولدها من الأظآر الثلاث، والنون في سجعهن راجع إلى ثنتين [منها، فيكون "معاً" للاثنتين] لا للجماعة، كما زعمه المصنف، وإن حملت الأولى على غير هذه الثلاث، صح ما ادعاه، لكنه بعيد. وكأن الدماميني لم يقف على ما قبل الشاهد وما بعده، فإنه قال: لأوالى صفة لمحذوف، يعني إذا حنت الحمامة، أي: صوتت وسجعن معاً، أي: هدرن جميعاً لأجل تصويتها، فقد استعمل معاً في جمع المؤنث. هذا كلامه. وقوله: إذا شارف منهن .. إلى آخره، الشارف: الناقة المسنة، قال الأصمعي: إنما خص الشارف، لأنها أرق من الفتية لبعد الشارف من الولد، والشجو: الحزن، والبرك، بفتح الموحدة وسكون الراء، قال ابن الأنباري: هو الألف من الإبل، وكذلك العرج. وقوله: فأبكى، هو جواب إذا، والفاء زائدة. وقوله: بأوجع مني هذا رجوع إلى الأظآر حملاً على المعنى، لأن الخبر عنهن في المعنى، لولا ذلك لقال بأكثر من وجدي، أو يكون قصد المبالغة، فنسب الوجع إلى الوجد مجازاً، كما قالوا شعر شاعر، وروي بدله "بأوجد مني" وتأويله كذلك، وترجمة متمم بن نويرة تقدمت مع مقتل أخيه مالك في الإنشاد الواحد والخمسين.

стр. 1963

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد الخمسمائة: (٥٤٦) وأفنى رجالي فبادوا معاً ... فأصبح قلبي بهم مستفزا على أن "معاً" في هذا البيت أيضاً قد استعمل في الجماعة، والأول في جماعة المؤنث وهذا في جماعة الذكور، ولهذا كرر الشاهد على المدعي، وهو من قصيدة للخنساء الصحابية، ترثي بها إخوتها وزوجها، وتقدم شرحها في الإنشاد الرابع والعشرين بعد المائة، وبادوا بمعنى: هلكوا، قال ابن الشجري في المجلس الثاني والثلاثين من "أماليه": معاً انتصب على الحال بمنزلة جميعاً، وهو في الأصل ظرف موضوع للصحبة، وأجاز بعض النحويين أن يكون حرفاً. وتنوينه ودخول الجار عليه يخرجانه من الحرفية، وذلك فيما رواه البصري والكوفي في قولهم: جئت من معهم، وكان معها، فانتزعته من معها، كما تقول: كان عندها فانتزعته من عندها، فتغير آخره لتغير العامل فيه وتنوينه إذا استعمل حالاً يدخلانه في حيز الأسماء، وذهب أبو علي إلى أن من فتحه فهو عنده ظرف، ومن أسكنه جعله حرفاً، أراد من أسكنه نزله منزلة الأدوات الثنائية نحو: هل وبل وقد، وأنشد في ذلك: فريشي منكم وهواي معكم ... وإن كانت زيارتكم لماما وإنما ذهب من ذهب إلى كونه حرفاً لمجيئه على حرفين، ولا يعلم له أصل في بنات الثلاثة. قال أبو العباس ثعلب: سألت ابن قادم: ما الفرق بين قام زيد وعمرو معاً، وقام زيد وعمرو جميعاً؟ فجعل يركض إلى الليل، فلما أصبح، قلت له: قام زيد وعمرو معاً، وقع القيام منهما في وقت واحد لا يكون إلا هذا، وقام زيد وعمرو جميعاً، يجوز أن يكون القيام منهما وقع في وقت واحد، ويجوز أن يكون وقع في وقتين، وكذلك مات زيد وعمرو جميعاً، يكون زمان موتهما

стр. 1964

مختلفاً، ومات ذا مع ذا لا يكون موتهما إلا في وقت واحد. وعند بعض النحويين أن معاً في قولك: "جاؤوا معاً" ينتصب على الظرف كانتصابه في قولك معهم، وإنما فكت إضافته، وبقيت علة نصبه على ما كانت عليه، والصحيح ما ذكرته أولاً، لأنه قد نقل من ذلك الموضع، وصار معناه جميعاً. قوله: مستفزاً، أي: مستخفاً، يقال: استفز فلان فلاناً بمعنى: استخفه، وفي التنزيل: (واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ) [الإسراء/ ٦٤] إلى هنا كلام ابن الشجري. (متى) أنشد فيه: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني وتقدم شرحه في الإسناد الثاني والستين بعد المائتين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والأربعون بعد الخمسمائة: (٥٤٧) أخيل برقاً متى حاب له زجل على أن "متى" بمعنى من، وتمامه: إذا يفتر من توماضه حلجا والبيت من أبيات ساعدة بن جؤية الهذلي المخضرم وهي: يا نعم إني وأيديهم وما نحروا ... بالحيف حيث سيح الدافق المهجا إني لأهواك حباً غير ما كذب ... ولو نأيت سوانا في النوى حججا حب الضريك تلاد المال زرمه ... فقر ولم يتخذ في الناس ملتحجا

стр. 1965

صفر المباءة ذي هرسين منعجف ... إذا نظرت إليه قلت قد فرجا أند من قارب روح قوائمه ... صم حوافره ما يفتأ الدلجا أخيل برقاً متى حاب له زجل ... إذا يفتر من توماضه حلجا مستأرضاً بين بطن الليث أيمنه ... إلى شمنصير غيثاً مرسلاً معجا فأسأد الليل إرقاصاً وزفزفة ... وغارة ووسيجاً غملجاً رتجا حتى أضاف إلى واد ضفادعه ... غرقى ردافى تراها تشتكي النشجا ولا أقيم بدار الهوان إن ولا ... آتي إلى الغدر أخشى دونه الخمجا وهذا آخرها، قوله: يا نعم، بضم النون من أسماء النساء، وقوله: وأيديهم وما نحروا، جملة قسمية معترضة بين اسم إن وبين خبرها، وهو قوله: بالخيف، وأراد: خيف منى، ولهذا أبدل "حيث يسح" أي: يصب، والدافق: الناحر والذابح الذي يصب الدماء بالنحر والذبح لأجل النسك، والمهج، جمع مهجة: الدم، وقيل: دم القلب، أخبر محبوبته أنه مع الحجاج في منى، وبها تراق دماء النسك، ثم أقسم بأيدي الناحرين النسك وبما نحروا تعظيماً لمناسك الحج أنه يحبها. وقوله: إني لأهواك: جواب القسم، وما زائدة بين المتضايفين، وقوله: ولو نأيت سوانا: لو وصلية، قال السكري: أي عند غيرنا، والنوى: النية. انتهى. يريد أنه على حذف مضاف، ونأيت: بعدت، وفي "القاموس": النية: الوجه الذي يذهب فيه، والبعد كالنوى فيهما، والحجج: السنين جمع حجة، بكسر أولهما. وقوله: حب الضريك .. إلى آخره، منصوب على المفعولية المطلقة، أي: إني لأهواك حباً كحب الضريك، بالضاد المعجمة، وهو الفقير وهو مصدر مضاف إلى فاعله. وتلاد المال مفعوله، والتلاد بالكسر: ما ولد عندك من مالك، والمال عند العرب، الإبل في الأكثر، وجملة: زرمه فقر، في موضع الصفة للضريك، لأن لامه للجنس، فهو في النكرة، أو حال من الضريك بتقدير قد، وزرمه، بتقديم الزاي

стр. 1966

المعجمة على الراء المهملة، قال السكري، أي: أفقره، وقطع عنه الخير، والملتحج: الملجأ، والوزر. انتهى. وهو بفتح الحاء المهملة، وفي القاموس: والملحج والملتحج: الملجأ، ولحج إليه كمنع: لجأ، والتحجه: ألجأه. وقوله: صفر المباءة .. إلى آخره، بالجر، صفة أخرى لضريك، وكذا ذي هرسين ومنعجف. قال السكري: صفر المباءة، أي: خالي مبارك الإبل، وذي هرسين: ذي خلقين، ومنعجف: مهزول، وقد فرج، أي: فتح فاه للموت. انتهى. والهرس، بفتح الهاء وسكون الراء المهملة بعدها سين مهملة: الثوب الخلق، ولغة سكون الراء قد فاتت صاحب "القاموس"، فإنه إنما ضبطه بكسر الراء وإنما ثناه، لأن لباس العرب إزار ورداء. وقوله: أند من قارب، هذه صفة أخرى لضريك مجرور بالفتح، والقارب: طالب الماء ليلاً من القرب، بفتحتين وهو سير لورد الغد، وأراد بالقارب: حمار الوحش بقرينة صفاته بعد هذا. قال السكري: أند: أنفر، يقال: هو أند من حمار وحش، والروح: اتساع ما بين رجليه، يقال: دابة أروح، والأنثى روحاء، ومنه يقال للنعامة: روحاء. وما يفتأ: ما يزال، والدلجا، أي: ليلته جمعاء يسير. انتهى. وروح بالجر: صفة قارب، وهو بالضم جمع روحاء، لأن قوائمه جمع قائمة وهي إحدى اليدين والرجلين، والمصدر: الروح، بفتحتين. وقد فسره بقوله: اتساع ما بين رجليه، ووصفه بهذا الوصف، لأنه لا يكل من العدو، وقوائمه: فاعل روح، وصم بالجر: صفة ثانية لقارب، وحوافره: فاعل، والدلج: بفتح الدال واللام: سير الليل كله. وقوله: أخيل برقاً هو فعل ماض، وفاعله ضمير القارب، وبرقاً مفعوله، والجملة: صفة أخرى لقارب، أو حال منه بتقدير قد، وقوله: متى حاب: جار ومجرور، متى: حرف جر متعلق بمحذوف صفة لبرق، أي: برقاً لامعاً من سحاب حاب، وجملة "له زجل" من المبتدأ والخبر في موضع الصفة للسحاب المقدر، والزجل، بفتحتين: الصوت، وأراد به صوت الرعد، وإذا: شرطية، ويفتر:

стр. 1967

فعل الشرط مبني للمعلوم من التفتير، ومن متعلق به، وحلجا، بفتح الحاء المهملة واللام: جواب الشرط، والجملة الشرطية صفة ثالثة للسحاب. قال السكري: أخيل برقاً، أي: رأى خلاقة مطر، يقال له: أخال وأخيل برقاً و"متى حاب" يريد: من سحاب حاب، والحابي من السحاب: المرتفع، ومتى في معنى من في لغة هذيل، وإنما سمي السحاب حابياً، لأنه قد أشرف قبل أن يطبق السماء، والتوماض: اللمع الضعيف من البرق، وحلج: مطر، وأصله السرعة، حلج يحلج حلجاً. انتهى. وقوله: أخير برقاً: هذا مما جاء على التصحيح، وقد جاء بالإعلال أيضاً على القياس، وحكاهما السكري، قال صاحب "العباب": وأخالت السحابة وأخيلت: إذا كانت ترجى المطر، وقد أخلت السحابة وأخيلتها: إذا رأيتها مخيلة للمطر. انتهى. والمخيلة، بفتح الميم وكسر الخاء: وهي السحابة التي تكون مظنة المطر وخليقة له، ولم يقف الدماميني على سياق الشعر فظنه فعلاً مضارعاً، وتبعه الشراح، ولم يقفوا على المصراع الثاني. قال: أخيل، بضم الهمزة مضارع أخلت. يقال: أخيلنا وأخلنا، أي شمنا سحابة مخيلة للمطر. انتهى. وقول السكري: الحابي: السحاب المرتفع، الأنسب أن يكون مما نقله الأزهري عن ثعلب قال في "التهذيب" قال ثعلب: قال ابن الأعرابي: الحبو: امتلاء السحاب بالماء. انتهى. والسحاب الممتلئ يلزمه أن يكون مره ثقيلاً، ومنه قول المصنف، أي: من سحاب حاب، أي ثقيل المشي. ولما لم يقف عليه الدماميني نقل عن "الصحاح" أن الحابي كل دان، ثم قال: والمصنف فسره بثقيل المشي، ولم أقف عليه. انتهى. وقول السكري، مأخوذ من قولهم: حبا الرمل يحبو، إذا أشرف معترضاً، فهو حاب، نقله الأزهري عن غير ابن الأعرابي، ويقال: للسحاب الحبي أيضاً، روى الأزهري عن الأصمعي أنه قال: الحبي من السحاب: الذي يعترض اعتراض الجبل قبل أن يطبق السماء،

стр. 1968

وقال الليث: الحبي: سحاب فوق سحاب. انتهى. وقول السكري: ومتى بمعنى "من" في لغة هذيل، أما متى فإنها ظرف زمان، وتكون شرطاً واستفهاماً، ونقل بعضهم أن متى تكون بمعنى وسط، فتجر ما بعدها، وحكى بعضهم: متى كلمه، أي: وسط كمه، وقال أبو سعيد السكري: متى بمعنى من، ولم ينسبها لهذيل، وأنشد لأبي ذؤيب: شربن بماء البحر ثم ترفعت .. البيت وأنشد أيضاً لغيره: متى ما تعرفوها تنكروها ... متى أقطارها علق نفيث قال أبو سعيد: أي: من لجج، ومن أقطارها، ويحتمل أن تكون هنا في البيتين بمعنى وسط، فتبقى على ما استقر فيها من الظرفية، وإن لم تكن شرطاً ولا استفهاماً. انتهى كلامه. وأقول: أما البيت الأول، فإن السكري رواه في شعر أبي ذؤيب كذا: تروت بماء البحر ثم تنصبت ... على حبشيات لهن نئيج وقال: تروت يعني الحناتم وهي السحاب، وتنصبت: ارتفعت على حبشيات: على سحائب سود، ونئيج: مر سريع، وروي: شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج .. هذا كلامه ولم يفسر متى بشيء، وقد قدمنا الكلام عليه في الإنشاد السادس والأربعين بعد المائة. وأما البيت فهو من شعر أبي المثلم الهذلي يبجيب به صخر الغي الهذلي، وصوابه: متى ما تنكروها تعرفوها ... متى أقطارها علق نفيث قال السكري: متى الثانية في معنى من، والعلق: الدم يخرج منقطعاً، ونفيث: ينفث بالدم، يقول: سنأتيكم بكتيبة إذا رأيتموها من بعيد تشكون فيها، فإذا دنت منكم، رأيتم علق الدم على أقطارها، ويروى: "على أقطارها". انتهى كلامه.

стр. 1969

وقوله: مستأرضاً بين بطن الليث .. إلى آخره، قال السكري: المستأرض: الذي استأرض، وثبت بالأرض يعني: هذا السحاب، والليث: موضع، وكذلك شمنصير، والليث بكسر اللام: موضع باليمن أخبرني به رجل من أهل جدة، ومعج: سريع. انتهى. وقوله: فأسأد الليل .. إلى آخره. قال السكري: يعني الحمار، والإسآد: سير الليل، والزفزفة: صوت مره وحفيفه، والغارة: العدو الشديد، يقال: أغار إغارة الثعلب، والوسيج: ضرب من السير، والغملج: العدو المتدارك، والرتج هو نفسه مسرعاً. انتهى. وقوله: حتى أضاف إلى واد .. إلى آخره. قال السكري: ردافى: يتبع بعضها بعضهاً، والنشج: أن تقلع النفس من جوفها قلعاً. انتهى. وقال في بيت أبي ذؤيب الذي تقدم منها: متى لجج خضر لهن نئيج وهو: ضفادعه غرقى رواء كأنها ... قيان شروب رجعهن نشيج ضفادعه غرقى: هي لا تغرق، وأراد كثرة الماء، والقيان: الإماء، وشروب: ندامى، ورجعهن: ردهن الصوت، شبه صوت الضفادع بالمغنيات، [والنشيج]: بكاء يقتلعنه قلعاً من أجوافهن. انتهى. وكل منهما معاصر الآخر، والله أعلم بالسابق. وقوله: ولا أقيم بدار الهون .. إلى آخره، قال السكري: أراد بدار الهوان. و "إن": "نعم"، والخنج: سوء الثناء، ومنه خمج اللحم: إذا أروح، وخنج الدين: إذا فسد. انتهى. وترجمة ساعدة بن جؤية تقدمت في الإنشاد الثالث من أول الكتاب.

стр. 1970

وأنشد بعده: شربن بماء البحر ثم ترفعت ... البيت وقد تقدم الكلام عليه في الإنشاد السادس والأربعين بعد المائة. (منذ ومذ) أنشد فيهما، وهو الإنشاد الثامن والأربعون بعد الخمسمائة: (٥٤٨) وربع عفت آثاره منذ أزمان وصدره: قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان على أن الكثير جر "منذ" للزمان الماضي، وهو مطلع قصيدة تقدم شرح بعضها في الإنشاد الثاني والتسعين بعد المائة، وقفا: خطاب لاثنين، وقيل لوحد بصيغة الاثنين يراد به التأكيد، كأنه قيل: قف قف، وقيل الألف فيه بدل من نون التوكيد الخفيفة، وقد ذكرنا هذا وما يتعلق به حسناً وقبحاً مبسوطاً في الإنشاد السابع والثمانين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي. ومن: تعليلية، وذكرى، بالكسر وبالقصر: مصدر ذكر: بلساني وبقلبي، وفي "المصباح" عرفته عرفة بالكسر وعرفاناً: علمته بحاسة من الحواس الخمس، والمعرفة اسم منه. انتهى. وفي "تهذيب الأزهري" قال الليث: عرف يعرف عرفانا ومعرفة. انتهى. وأراد معرفة منزل الحبيب، والربع: محلة القوم ومنزلهم، كذا في "المصباح" أيضاً،

стр. 1971

وعفا المنزل يعفو عفواً وعفواً وعفاء بالفتح والمد: درس وذهبت آثاره، والرواية في ديوانه: ورسم عفا آياته منذ أزمان والرسم: ما كان لاصقاً بالأرض نحو الرماد والبعر، والآيات: العلامات، ويعجبني قوله منها: إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والأربعون بعد الخمسمائة: (٥٤٩) أقوين مذ حجج ومذ دهر وصدره: لمن الديار بقنة الحجر على أن جر "مذ" للزمان الماضي قليل، والمشهور في الرواية: أقوين من حجج ومن دهر وبه استدل الكوفيون في جواز استعمال "من" الابتدائية في الزمان أيضاً، وأجاب الرضي بأن "من" فيه تعليلية مع تقدير مضاف، لا ابتدائية، وهو الحق، فإن علة إقواء الديار مرور الدهور عليها لا ابتداء مرورها، وقد بسطنا الكلام عليه بذكر ما للعلماء فيه في الشاهد الرابع والسبعين بعد السبعمائة من شواهد الرضي. قوله: لمن الديار، الظرف خبر مقدم، والديار مبتدأ مؤخر، وهذا الاستفهام تعجب من شدة خرابها، حتى كأنها لا تعرف ولا يعرف أصحابها وسكانها، والقنة، بضم القاف: أعلى الجبل، ومثله القلة، والحجر، بكسر الحاء المهملة:

стр. 1972

منازل ثمود بناحية الشام عند وادي القرى، قال صعوداء في شرح ديوان زهير: قال أبو عمرو: لا أعرف إلا حجر ثمود، ولا أدري أراده بعينه أم لا، وأما حجر، بفتح المهملة، فهي قصبة اليمامة، ولكن لا يدخلها الألف واللام، فلذلك أنكرها أبو عمرو. انتهى. وكذا قال غيره. قال ابن السيد في شرح أبيات "الجمل": هذا هو المروي هنا، وقد أوله جماع على زيادة أل، وقال اللخمي في شرحها أيضاً: قد يضعون ذلك في الأعلام، كقوله في البيت: يا ليت أم العمرو كانت صاحبي أراد: أم عمرو، وقال آخر: رأيت الوليد بن اليزيد مباركا أراد: الوليد بن يزيد هذا ما قالوا، والصواب دخول اللام عليه، قال عاصم: الحجر، بالفتح: مدينة اليمامة، والحجر بالكسر: حجر ثمود، قال الجوهري: الحجر: بالفتح: قصبة اليمامة يذكر ويؤنث، ويؤيد قولهما هذا البيت، وبيت النابغة: وهم قتلوا الطائي بالحجر عنوة ... أخا جابر واستنكحوا أم جابر والباء في قوله: بقنة ظرفية متعلقة بمحذوف حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، والعامل فيه الاستقرار المحذوف، وأقوين: أقفرن، يقال: أقوت الدار: إذا خلت من سكانها، وأقفرت، والنون ضمير الديار، وجملة أقوين حال

стр. 1973

من ذلك الضمير أيضاً، والحجج، بكسر الحاء المهملة وفتح الجيم، جمع حجة، بكسرها أيضاً وهي السنة، والدهر: الأبد الممدود، قال اللخمي: ومن رواه: مذ حجج كانت "مذ" حرف جر، والعامل فيها أقوين، وهي بمنزلة في، لأن المعنى: أقوين في حجج. والبيت مطلع قصيدة لزهير بن أبي سلمى مدح بها هرم بن سنان المري، عدتها تسعة عشر بيتاً، وبعده: لعب الرياح بها وغيرها ... بعدي سوافي المور والقطر قفر بمندفع النحائت من ... ضفوي أولات الضال والسدر دع ذا وعد القول في هرم ... خير الكهول وسيد الحضر والسوافي: جمع سافية من سفت الريح التراب تسفيه سفياً: إذا ذرته، والمور بالضم: الغبار بالريح، والقطر: المطر، قال أبو عبيدة: ليس المطر سوافي، ولكن أشركه في الجر. انتهى. وليس هذا من الجر بالجوار، لأنه لا يكون في النسق، ووجهه أن الرياح السوفي تذري التراب من الأرض، وتنزل المطر من السحاب، قوله: قفر، أي: تلك الديار قفر، والمدفع، بفتح الفاء، والنحائت، بفتح النون بعدها حاء مهملة، قال صعوداء: هي آبار، ومندفعها: مندفع مياهها، ولعلها أودية، والآبار تفسير أبي عمرو، والضفوان، بالضاد المعجمة بعدها فاء: الجانبان، الواحد ضفا، كقفا، وأولات الضال والسدر: مواضع في سدر، والضال: السدر البري. وقوله: دع ذا، قال صعوداء: عد القول: اصرفه إليه، والحضر: جمع واحده حاضر، مثل صحب وصاحب. انتهى. والحاضر: الحي العظيم، والحاضر خلاف البادي، والأبيات الثلاثة الأول قد نسبها نقاد الشعر إلى حماد الراوية، وقالوا: أول القصيدة إنما هو:

стр. 1974

دع ذا وعد القول في هرم .. البيت روى الأصبهاني في "الأغاني" عن جماعة أنهم كانوا في دار أمير المؤمنين المهدي بعيساباذ، وقد اجتمع فيها العلماء بأيام العرب وآدابها وأشعارها ولغاتها، إذ خرج بعض أصحاب الحاجب، فدعا بالمفضل الضبي الراوية، فدخل فمكث ملياً، ثم خرج ذلك الرجل بعينه، فدعا بحماد الرواية، فمكث ملياً، ثم خرج ومعه حماد والمفضل جميعاً، وقد بان في وجه حماد الانكسار والغم، وفي وجه المفضل السرور والنشاط، ثم خرج الخادم، فقال: يا معشر من حضر من أهل العلم، إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حماداً الشاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره، وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس منها، ووصل المفضل بخمسين ألف درهم لصدقه، وصحة روايته، فمن أراد أن يسمع شعراص جيداً محدثاً، فليسمع من حماد، ومن أراد رواية صحيحة، فليأخذها عن المفضل، فسألنا عن السبب، فأخبرنا أن المهدي قال للمفضل لما دعا به وحده، إني رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بقوله: دع ذا وعد القول في هرم ولم يتقدم قبل ذلك قول، فما الذي أمر نفسه بتركه؟ فقال له المفضل: يا أمير المؤمنين ما سمعت في هذا شيئاً إلا أنني توهمته كان [يفكر] في قول يقوله، أو يروي في أن يقول شعراً. قال: عد إلى مدح هرم، [وقال]: دع ذا، أو كان مفكراً في شيء من شأنه، فتركه، وقال: دع ذا، أي: دع ما أنت فيه من الفكر، وعد القول في هرم. ثم دعا بحماد، فسأله عن مثل ما سأل المفضل، فقال: ليس هكذا قال زهير، يا أمير المؤمنين، قال: فكيف قال؟ فأنشده:

стр. 1975

لمن الديار بقنة الحجر ... الأبيات الثلاثة دع ذا وعد القول في هرم .. البيت قال: فأطرق المهدي ساعة، ثم أقبل علي، فقال: قد بلغ أمير المؤمنين عنك خبر لا بد من استحلافك عليه، ثم استحلفه بأيمان البيعة ليصدقنه عما سأله عنه، فحلف حماد له، فلما توثق منه، قال له: اصدقني عن حال هذه الأبيات، ومن أضافها إلى زهير، فأقر له حينئذ أنه قالها، فأمر فيه وفي المفضل بما أمر به من شهر أمرهما وكشفه. إلى هنا كلام صاحب "الأغاني". وحماد هذا هو ابن ميسرة مولى بني شيبان، وكان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها وأنسابها ولغاتها، وكانت ملوك بني أمية تقدمه وتؤثره وتستزيره، وقال له الوليد بن يزيد: بما استحققت هذا اللقب، فقيل لك: حمادة الراوية؟ قال: لأني أروي لكل شاعر يعرفه أمير المؤمنين أو سمع به، ثم أروي لأكثر ممن لا تعرفهم، ولا سمعت بهم، ثم لا أنشد شعراً لقديم أو لمحدث إلا ميزت القديم والمحدث، قال: إن هذا لعلم كثير، فكم مقدار ما تحفظ من الشعر؟ قال: كثير، ولكني أنشدك على أي حرف شئت من حروف المعجم مائة قصيدة طويلة سوى المقطعات من شعر الجاهلية، قال: سأمتحنك، وأمره الوليد بالإنشاد، فأنشده حتى ضجر الوليد، ثم وكل به من استحلفه أن يصدقه عنه، ويستوفي عليه، فأنشده ألفي قصيدة وتسعمائة قصيدة للجاهليين، وأخبر الوليد بذلك، فأمر له بمائة ألف درهم. وقد بسطنا ترجمته في ذلك الشاهد من شواهد الرضي.

стр. 1976

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخمسون بعد الخمسمائة: (٥٥٠) ما زال مذ عقدت يداه إزاره تمامه: فسما فأدرك خمسة الأشبار على أن "مذ" اسم وليها الجملة الفعلية. والبيت من قصيدة للفرزدق يمدح بها يزيد بن المهلب، وقبله: لأمدحن بني المهلب مدحة ... غراء ظاهرة على الأشعار مثل النجوم إمامها قمر لها ... يجلو الدجى ويضيء ليل الساري ورثوا الطعان عن المهلب والقرى ... وخلائقاً كتدفق الأنهار إلى أن قال: أما يزيد فإنه تأبى له ... نفس موطنة على المقدار ورادة شعب المنية بالقنا ... فتدر كل معاند نعار [وإذا النفوس جشأن طامن جأشها ... ثقة به لحماية الأدبار ملك عليه مهابة الملك التقى ... قمر التمام به وشمس نهار] وإذا الرجال مذ عقدت يداه إزاره ... وسما فأدرك خمسة الأشبار قوله: تأبي له نفس، أي، القعود عن الحرب. وقوله: موطنة على المقدار، أي: تقول نفسه عند افتتاح المهالك: لا يصيبني إلا ما قدر الله، والمقدار بمعنى القدر، وورادة مبالغة وارد: صفة نفس، وشعب: مفعول ورادة بمعنى فروع المنية،

стр. 1977

وأنواعها مستعار من الشعب التي هي أغصان الشجرة جمع شهبة، وفاعل تدر: ضمير القنا، من أدرت الريح السحاب واستدرته، أي: استحلبته، و"كل": مفعوله، والمعاند: العرق الذي يسيل ولا يرقأ، ويقال له: عاند أيضاً، وفعله من باب نصر، والنعار: من نعر العرق ينعر، بالفتح فيهما، أي: فار منه الدم، وجشأت نفس فلان: إذا ارتفعت من حزن أو فزع، وجأش القلب: رواعه إذا اضطربت عند الفزع، يقال: فلان رابط الجأش، أي: يربط نفسه عن الفرار لشجاعته، وطامن: مقولب طمأن، بالهمز بمعنى سكن، وثقة: فاعله، والتقى: فعل ماض، وقمر التمام فاعله، والتمام، بفتح التاء وكسرها، إذا تم ليلة البدر، وأما ليل التمام فمكسور لا غير، وهو أطول ليلة في السنة، وخضع الرقاب: حال من مفعول رأيتهم، وخضع، بضمتين جمع خضوع: مبالغة خاضع من الخضوع وهو التطامن والتواضع، وهو قريب من الخشوع، إلا أن الخشوع أكثر ما يكون في الصوت والخضوع في الرقاب، ونواكس، جمع ناكس، وروي "نواكسي" على أن جمع التكسير جمع جمع سلامة، وقد تكلمنا بما لا مزيد عليه في الشاهد الثلاثين من شواهد الرضي، وقوله: فسما فأدرك إلى آخره، سما: ارتفع وشب، وأدرك: بلغ، وقوله: خمسة أشبار، أراد طول خمسة أشبار بشبر الرجال، وهي ثلثا قامة الرجل، وينسب إليها، ويقال: غلام خماسي، يراد قد أيفع، قاله ابن دريد، وفي "الصحاح" و"العباب" غلام رباعي وخماسي، أي: طوله أربعة أشبار وخمسة أشبار، ولا يقال: سداسي ولا سباعي، لأنه إذا بلغ ستة أشبار أو سبعة أشبار، صار رجلاً، والغلام إذا بلغ خمسة أشبار عندهم تخيلوا فيه الخير والشر، ولهذا قال بعض العرب، أيما غلام بلغ خمسة أشبار، فاتهمته قتلته، وقد قيل في هذا غير ما قلنا، وجمعنا كلام الناس فيه في شرح ذلك الشاهد من شواهد الرضي.

стр. 1978

ويزيد بن المهلب بن أبي صفرة أحد شجعان العرب وكرمائهم، كان في دولة الأموريين والياً على خراسان، وافتتح جرجان ودهستان وطبرستان، وأجمع علماء التاريخ على أنه لم يكن في دولة بني أمية أكرم من بني المهلب، كما لم يكن في دولة بني العباس أكرم من البرامكة، ولد سنة ثلاث وخمسين من الهجرة، وتوفي مقتولاً في المعركة سنة اثنتين ومائة، وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أول الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والخمسون بعد الخمسمائة: (٥٥١) ومازلت أبغي المال مذ أنا يافع وتمامه: وليداً وكهلاً حين شبت وأمردا لما تقدم قبله، وهو من قصيدة للأعشى ميمون البكري مدح بها النبي ﷺ ، ولم يوفق للإيمان به، وتقدم شرح بعضها في الإنشاد الخامس والخمسين بعد الثلاثمائة، وبعضها في الإنشاد الثامن عشر بعد الخمسمائة، وبعده: بإتعابي العيس المراسيل تغتلي ... مسافة ما بين النجير فصرخدا والرواية في ديوانه: وما زلت أبغي المال مذ كنت يافعاً

стр. 1979

قال جامع ديوانه: ويروى: "مذ أنا يافعاً". واليافع: فوق المحتلم، يقال: غلام يافع ويفعة، وغلمة أيفاع ويفعة، وقد أيفع يوفع إيفاعاً، يقول: ما زلت مكتسباً في حالاتي هذه. انتهى. وأبغي: أطلب، والوليد: الصبي دون اليافع، والكهل: الذي وخطه الشيب، والأمرد، من ليس له شعر في وجهه من العارضين والشارب، قال العيني: وليداً نصب على أنه خبر كان المقدرة، أي: ومذ كنت وليداً. قوله: وكهلاً عطف على أمرد في التقدير، لأن الكهولة بعد الأمردية. وقوله: حين شبت: ظرف لقوله كهلاً. انتهى. وأما على رواية: "مذ كنت يافعاً" فوليد معطوف بواو محذوفة. وقوله: بإتعابي متعلق بأبغي، وهو مصدر مضاف لفاعله، والعيس: مفعولة والمراسيل صفته، وجملة "تغتلي" حال من العيس، ومسافة: منصوب على الظرف لتغتلي، والنجير، بضم النون وفتح الجيم، قال جامع ديوانه: العيس البيض من الإبل الصرف الأطراف، وهي ضرب من النجائب، والاغتلاء: المسارعة، والمسافة: كل ما بين بلدين، فهي مسافة، والنجير باليمن: حصن لقيس بن معدي كرب، ومنه أخذ الأشعب بن قيس مرتداً، وصرخد: بلد بالشام. انتهى. وترجمة الأعشى تقدمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة.

стр. 1980

(حرف النون) أنشد فيه، وهو الإنشاد الثاني والخمسون بعد الخمسمائة: (٥٥٢) أقائلن أحضروا الشهودا على أن توكيد اسم الفاعل بنون التوكيد لضرورة الشعر، قال ابن جني في باب الاستحسان من كتاب "الخصائص": الاستحسان علة ضعيفة غير مستحكمة، إلا أن فيه ضرباً من الاتساع والتصرف، ومن ذلك: أريت أن جئت به أملودا ... مرجلاً ويلبس البرودا أقائلن أحضروا الشهودا فألحق نون التوكيد اسم الفاعل تشبيها له بالفعل المضارع، فهذا إذن استحسان لا عن قوة علة، ولا عن استمرار عادة ألا تراك، لا تقول: أقائمن يا زيدون، ولا أمنطلقن يا رجال، إنما تقول بحيث سمعته، وتعتذر له، وتنسبه على أنه استحسان منهم على ضعف منه واحتمال بالشبهة لهم. انتهى. وقال أيضاً في "سر الصناعة" وشبه بعض العرب اسم الفاعل بالفعل، فألحقه النون توكيداً، فقال: أريت إن جئت به أملودا .. إلى آخر الرجز. يريد: أقائلون، فأجراه مجرى: أتقولون، وقال آخر: يا ليت شعري عنكم حنيفا ... أشاهرن بعدنا السيوفا

стр. 1981

انتهى. وهذا رجز أورده السكري في "أشعار هذيل" لرجل منهم بلفظ "قائلون"، قال: وقال رجل من هذيل: أريت إن جاءت به أمولدا ... مرجلاً ويلبس البرودا أي: إن جاءت به ملكاً أملوداً أملس ولا ترى مالاً له معدودا أي: لا يعد ماله من جوده. أقائلون أعجلي الشهودا ... فظلت في شر من اللذكيدا كاللذتزبى صائداً فصيدا ويروى: "فاصطيدا"، "تزبى زبية": حفر زبية، واللذ: يريد الذي. يقول: أرأيت إن ولدت هذه المرأة رجلاً هذه صفته أيقال لها: أقيمي البينة أنك لم تأتي به من غيره؟ انتهى. وكذا أورده ابن دريد في "أماليه" بدون: ولا ترى مالاً له معدودا قال: أخبرنا أبو عثمان التوي عن أبي عبيدة، قال: أتى رجل من العرب له أمة، فلما حبلت، جحدها، فأنشأت تقول: أريت إن جاءت به أملودا .. إلى آخره. وعلى هذا لم تلحق نون التوكيد اسم الفاعل، وعلى رواية إلحاقها، فقوله: أقائلن جميع، وأصله: أقائلون، فلما أكد وصار: أقائلونن حذفت نون الجمع لتوالي الأمثال، وحذفت الواو أيضاً لاجتماعها ساكنة مع نون التوكيد، وبقيت الضمة دليلاً عليها، ولا يجوز أن يكون أصله: أقائل أنا، لأنه خطاب.

стр. 1982

وزعم الدماميني هنا، وفي "شرح التسهيل" أن أصله أقائلن أنا، فحذفت الهمزة اعتباطا، ثم أدغم التنوين في نون أنا على حد (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) [الكهف/٣٨] كما قيل فيه انتهى. وقد سبقه المراكشي بقوله: يمنع كون هذا توكيداً بجعل أصله: أقائل أنا، ففعل كما فعل بقوله تعالى: (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي)، ورد عليه بأنه لو كان كذلك، لكان البيت: أقائلنا بألف بعد النون، وقد رد الشيخ خالد في "التصريح" على الدماميني بما ذكرنا وبهذا، فقال: وعليه اعتراض من وجهين، أحدهما: أنه يعتبر في المقيس أن يكون على وزان المقيس عليه، وهذا ليس كذلك، لأن الألف الثانية في المقيس عليه مذكورة، وفي المقيس محذوفة. والثاني: أن هذا الاحتمال إنما يتمشى حيث كان المعنى: أقائل أناعلى التكلم، أما إذا كان المعنى على الخطاب، أي: أأنت قائل كما تعطيه السوابق واللواحق فلا. انتهى. واعترض على الأخير الشنواني بأن في إعطاء ما ذكر نظراً لجواز أن المتكلم جرد من نفسه نفساً خاطبها. انتهى. ولا يخفى أن ادعاء التجريد ممكن فيما إذا لم يكن مخاطب، وأما هنا، فلا مساغ له، كما علم مما نقلنا عن ابن دريد. واعترض على الأول أيضا بوجهين: الأول: أنه يعتبر في المقيس أن يكون على وزان المقيس عليه في علة الحكم لا في غيرها.

стр. 1983

الثاني: سلمنا ما ذكره، لكن نقول إن الألف الثانية في المقيس عليه محذوفة في قراءة غير ابن عامر، لأن ابن عامر قرأ بإثبات الألف وصلاً ووقفاً، والباقون بحذفها وصلاً، وبإثباتها وقفاً، وكفى ذلك في كون المقيس على وزان المقيس عليه. انتهى. وفي كل منهما نظر. أما الأول: فلأن الألف الثانية إذا حذفت لم يبق دليل على أن النون بقية أنا حتى تقاس على غيرها في الإدغام. وأما ثانياً، فلأن من قرأ بحذف الألف من (لكنا) وصلاً لا يحذفها خطاً، والخط يدل عليها، ولو وقف الدماميني على رواية الشعر، وعلى كلام "سر الصناعة" لم يقل ذلك، ولا كان يقول: سمعت شيوخنا ينشدونه بضم اللام من "أقائلن" ولم أقف عليه مضبوطا كذلك في كتاب معتمد. انتهى. فإن ضم اللام من لازم جمعه بالواو والنون، ثم قوله: فإن ثبتت رواية الضم فيه أن العربي لا يبنيه عند إلحاق هذه النون المتصلة به، لكن يسأل حنيئذ لم أعرب مع قيام الشبه المقتضي للبناء؟ انتهى. يريد بالشبه شبه اسم الفاعل المتصلة به النون بفعل الأمر، كما صرح به، وهذا السؤال واه جداً ناش عن غفلة، فإن مشابهة الاسم للفعل إنما تقتضي منعه من الصرف، لا بناءه. والمشابهة إنما تكون في علتين من العلل التسع لا في مطلق المشابهة، والشبه المقتضي للبناء إنما يكون لمشابهته الحروف على أن النون غير متصلة باللام للفصل بالواو، والفعل المؤكد بها مع فصل ضمير بارز لا يبنى على الصحيح، فكيف الاسم! وأغرب من هذا قول الشيخ خالد بعد اعترافه بأن اللام مضمومة، يسلك بالوصف مع نون التوكيد مسلك الفعل من البناء على الفتح مع المفرد، وعلى الضم مع جماعة الذكور، ولم أقف على نص في ذلك. انتهى. مع أن الدماميني صرح في أنه عند ضم اللام لا يكون مبنياً جزما إلا أنه غفل عن عدم اتصال النون باللام. وغاية ما أجاب الشمني عن عدم البناء بأن النون إنما تدخل الوصف لشبهه بالمضارع لفظاً

стр. 1984

ومعنى، والأصل في الأسماء الإعراب، فيبقى على أصله مع أنه لا ضرورة في بنائه، بل في لحاق النون به، هذا كلامه. وقد اعترض الشنواني على الشيخ خالد بأن بناء الفعل المؤكد بالنون على الضم مع واو جماعة الذكور لم أقف على نص في ذلك، فإن الذي وقفنا عليه بناؤه مع نون التوكيد، وإن لم تباشره، وأما أن بناءه على الضم مع الواو، وعلى الكسر مع الياء، فلم نره في شيء مما وقفنا عليه، فإن كان هو اطلع على نقل في ذلك، فسمعاً وطاعة، وإلا فهو محل توقف. انتهى. وهذا نقد جيد. وعلم معنى الشعر مما نقلناه من ابن دريد ومن السكري. وقول الدماميني في معناه –تقول: أخبرني إن جاءت هذه المرأة بشاب يتزوجها رجل الشعر، حسن اللباس كالغصن الناعم، أتأمره بإحضار الشهود لعقد نكاحها عليه؟ ينكر وقوع ذلك منه. انتهى. –كلام صادر عن تخمين مخالف للمنقول، وقد تبعه عليه الشيخ خالد، وابن الملا حتى قال الزرقاني فيما كتبه على "التصريح"، قوله: ينكر وقوع ذلك منه، أي: ينكر وقوع إحضار الشهود، وذلك لأن الاستفهام في: أقائلن إنكاري، ووجه إنكار ذلك أن من كان على الصفة المذكورة كان من أهل الحضر، وذلك لا يصاهرهم، قاله بعض شيوخنا. انتهى. قوله: أريت، أصله: أرأيت، بمعنى: أخبرني، حذفت الهمزة تخفيفاً. وقوله: إن جئت، بالتكلم على لسان المرأة وهي رواية ابن جني في "سر الصناعة" و"الخصائص" و "المحتسب" هذا إذا كانالقائل غيرها، فإن كانت هي القائلة، فهو على مقتضى الظاهر، ورواه السكري وابن درير: "إن جاءت" فهو على رواية السكري يكون عن لسانها، وعلى رواية ابن دريد يكون كلامها نزلت نفسها منزلة الغائبة، فأخبرت عنها. قال الجوهري: غصن أملود، أي: ناعم، ورجل أملود، وامرأة أمورد، والمرجل، بفتح الجيم المشددة: اسم مفعول من رجل شعره ترجيلاً,

стр. 1985

أي: سرحه، وفي "نهاية" ابن الأثير، الترجل: والترجيل تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه، قال الدماميني: المرجل الذي شعره بين الجعودة والسبوطة. انتهى. ولا يخفى أن المستعمل بهذا المعنى إنما هو رجل الشعر رجلاً من باب تعب، فهو بالكسر، والسكون تخفيف، أي: ليس شديد الجعودة ولا شديد السبوطة، بل بينهما، كذا في "العباب" و "النهاية" و "المصباح" وغيرها. والبرودة: جمع برد، بالضم، قال صاحب "العباب": البرد: نوع من الثياب معروف، والبردة: الشملة المخططة، وقيل: كساء أسود مربع فيه صفر تلبسه الأعراب، وجمعها برد. قوله: ولا ترى مالاً له معدوداً، معناه: لا يمكن عد ماله لكثرته، وهذا كله على سبيل التفاؤل، وقوله: أقائلن: خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: أفأنتم قائلن، والجملة جواب الشرط، والخطاب لسيدها، ومن يقول بقوله. وقوله: أحضري: خطاب للمرأة، أمر من أحضره إحضاراً، ورواه العيني كغيره "أحضروا" بواو الجمع، ولا وجه له، كما لا وجه إلى نسبة الشعر إلى رؤبة بن العجاج. وقوله: فظلت في شر من اللذكيدا .. إلى آخره، فقد شرحناه في الشاهد الواحد والعشرين بعد الأربعمائة من شواهد الرضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والخمسون بعد الخمسمائة: (٥٥٣) فأنزلن سكينة علينا على أن فعل الأمر يجوز توكيده بالنون من غير شرط، ولو كان دعاء كما هنا، قال سيبويه في باب النون الثقيلة والخفيفة: والدعاء بمنزلة الأمر والنهي، قال ابن رواحة: فأنزلن سكينة علينا انتهى.

стр. 1986

قال الأعلم: الشاهد في تأكيد "أنزلن" بالنون، والسكينة: ما يسكن إليه، ويؤنس به، والمعنى: ثبتنا على الإسلام بإظهار دينك، ونصر رسولك حتى تسكن نفوسنا إلى ذلك، ونزداد إيماناً بك. انتهى. والبيت من رجز لعامل بن الأكوع. روى ابن هشام في "السيرة" عن [أبي] الهيثم ابن نصر بن دهر الأسلمي أن أباه حدثه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن الأكوع، وهو عم سلمة بن عمرو بن الأكوع، وكان اسم الأكوع سنان: انزل يا ابن الأكوع، فخذ لنا من هناتك، قال: فنزل يرتجز برسول الله ﷺ ، فقال: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا إذا إذا قوم بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا فقال رسول الله ﷺ : "يرحمك ربك" فقال عمر بن الخطاب: وجبت والله، يا رسول الله، لو أمتعتنا به، فقتل يوم خيبر شهيداً، وكان قتله فيما بلغني أن سيفه رجع عليه وهو يقاتل: فكلمه كلماً شديداً، فمات منه، فكان المسلمون قد شكوا فيه، وقالوا: إنما قتله سلاحه، حتى سأل ابن أخيه سلمة بن عمرو بن الأكوع رسول الله، ﵌ عن ذلك، وأخبره بقول الناس، فقال رسول الله ﷺ : "إنه لشهيد" فصلى عليه، وصلى عليه المسلمون. انتهى. ونقله ابن سيد الناس في سرته.

стр. 1987

قال السهيلي: الهنة، كناية عن كل شيء لا يعرف اسمه، أو تعرفه فتكني عنه. انتهى. وتقدم في الإنشاد الخامس والثلاثين بعد المائة من رواية البخاري عن البراء أن النبي ﷺ ، ارتجز بهذا الرجز من كلمات ابن رواحة، وهو ينقل التراب يوم الخندق، وتقدمت ترجمة عامر بن الأكوع في الإنشاد الخامس والثلاثين بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والخمسون بعد الخمسمائة: (٥٥٤) فأحر به بطول فقر وأحريا على أن تأكيد فعل التعجب بالنون شاذ، فإن أحريا أصله: أحرين به، فحذف المتعجب منه المجرور بالباء الزائدة، وأبدلت نون التوكيد الخفيفة ألفاً للوقوف. وهو عجز وصدره: ومستخلف من بعد غضيا صريمة واعلم أن هذا البيت لم يعرف قائله، وقد اختلف في كلمتين منه: الأولى غضيا، الثانية الكلمة الأخيرة، والأولى أوردها "الأزهري" في معتل اللام من "تهذيب اللغة" قال: نار غاضية: عظيمة، أخذ من نار الغضي، وهو من أجود الوقود عند العرب، يقال: غضاة وغضى، ويقال لمنبتها الغضيا، وقال ابن السكيت: يقال للإبل الكثيرة: غضيا؛ مقصورة، شبهت عندي بمنابت الغضى وأنشد ابن الأعرابي: ومستخلف من بعد غضيا صريمة ... فأحر به من طول فقر وأحريا

стр. 1988

أراد: وأحرين، فجعل النون ألفاً ساكنة. وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: غضييا مثل هنيدة مائة من الإبل لا ينصرفان، وأنشد المفضل البيت، وروى عمرو عن أبيه قال: الغضيانة: الجماعة من الإبل الكرام، والغضيا: مائة من الإبل. انتهى كلام الأزهري. ومن خط ياقوت الحموي نقلت، وقد فتشت "إصلاح المنطق"، فلم أجد هذه الكلمة، ولعله قاله في كتاب آخر، لكن قال المصنف فيما نقله عنه السيوطي: إن ابن السكيت قال في "إصلاح المنطق": غضيا بالمثناة، وأحربا، بالموحدة، ولم يذكر هذه الكلمة ابن دريد في "الجمهرة" لا في الصحيح ولا في المعتل، ولا الصاغاني في الصحيح، ولا في "الذيل" و"الضلة" لكتاب "التكملة"، وكذا أورد القالي في كتاب "الممدود والمقصور" هذه الكلمة غضيا بالمثناة التحتية، وقال: غضيى معرفة لا تنون، وهي مائة من الإبل عن الأصمعي، وأنشد البيت، وقال: أراد: أحرين، بالنون الخفيفة، وتبعها صاحب "القاموس" فقال في المعتل: وغضيى كسلمى: مائة من الإبل. وأورد الجوهري هذه الكلمة في الباء الموحدة في الصحيح، فقال: وغضبى: مائة من الإبل، وهي معرفة لا تنون، ولا يدخلها الألف واللام، وأنشد ابن الأعرابي: ومستخلف من بعد غضبى صريمة ... البيت قال: أراد النون، فوقف. انتهى. ولم يعترض عليه ابن بري في "أماليه" على "الصحاح" بشيء، ولا الخليل الصفدي في كتابه "نفوذ السهم في ما في صحاح الجوهري من الخطأ والوهم". وكتب على هذا الموضع ياقوت الموصلي: هذا الموضع مما استدركه على ابن فارس في "المجمل" أبو علي الحسن بن المظفر النيسابوري، فقال قوله: غضبى مائة من الإبل؛ لعله رآه في "ديوان الأدب" فوافقه عليه، وهو تصحيف فاحش من الرجلين، والصواب، الغضبى وهو باب "غضى". انتهى.

стр. 1989

قلت: والجوهري أيضاً تبع خاله الفارابي، فأورده كما ذكره، واعتبرت "التهذيب" للأزهري، فقرأت في خطه في المعتل: الغضيى: مائة من الإبل، واستشهد بالبيت عليه، فقد صح ما ذكره النيسابوري، هذا آخر كلام ياقوت. فأفادنا أن أول من صحف هذه الكلمة الفارابي، وتبعه ابن فارس، والجوهري، وتبع صاحب "القاموس" تخطئة الجوهري، فقال: وقول الجوهري: غضبى اسم مائة من الإبل تصحيف، والصواب غضبى بالمثناة تحت. ورأيت في كتاب "الإبل" للأصمعي في نسخة غير موثوق بها: غضبى بالموحدة قال: وقال: أتانا بغضبى معرفة لا تنون، وغضبى: مائة من الإبل، وأنشد البيت، وكذلك رأيتها بالباء الموحدة في كتاب "المقصور والممدود" لابن ولاد، لكن في نسخة صحيحة قال: غضبى: مائة من الإبل معروفة، كذلك هنيدة وأنشد البيت، وكتب كاتبها في آخر النسخة: تم "المقصور والممدود" وكتبه الحسن بن علي الصقلي بخطه، وقرأت هذا الكتاب على أبي الحسين علي بن أحمد بن محمد بن جعفر المهلبي قدم علينا دمشق سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وقرأه أبو الحسن علي أبي العباس أحمد بن محمد بن الوليد ابن ولاد النحوي، وهو مصنف هذا الكتاب، وقال أبو الحسين المهلبي: صنف أبو العباس هذا الكتاب في سنة ثلاث وثلاثمائة قبل مولدي بسنة. انتهى. فيكون ابن ولاد أيضاً ممن صحف هذه الكلمة، والعجب من ابن حيان، فإنه نقل عن ابن ولاد أن غضبى بالنون، فإنه قال في باب التصريف من "شرح التسهيل": غضبى: معرفة اسم لمائة من الإبل، وقال ابن ولاد: هي غضنى بالنون. انتهى. وأما الكلمة الأخيرة وهي: أحريا، فالمشهور أنها بالمثناة التحتية على أنها صيغة تعجب، والمتعجب منه محذوف لدلالة الأول عليه، كقوله تعالى: (أَسْمِعْ بِهِمْ وأَبْصِرْ) [مريم/٣٨] وفعله حري يحرى حرى، كتعب يتعب تعباً، ولما كانت هذه الصيغة في صورة الأمر حذف حرف العلة من آخرها كما يحذف من الأمر، فقيل: أحر به! ولما أكدت هذها لكلمة شذوذاً، رجع المحذوف فقيل: أحرين، وإنما رجع، لأن هذه النون تطلب أن يكون ما قبلها

стр. 1990

مفتوحاً، ولو فتحت الراء ولم يرجع المحذوف، لتغيرت الصيغة، فلم تدل على التعجب، ونون التوكيد الخفيفة إذا وقف عليها تبدل ألفاً، فيكون "أحريا" تأكيداً لقوله: أحر به! والوصف من هذه المادة: حري كفتي، بمعنى اللائق والخليق والجدير، ويثنى ويجمع، وقد يوصف بالمصدر للمبالغة، فيقال: زيد حري بأن يفعل كذا، ولا يثنى ولا يجمع، لأن المصدر يصدق على القليل والكثير، ويتعجب منها بالصيغة الأخرى، فيقال: زيد ما أحراه بكذا، ورواه جماعة: "وأحربا" بالموحدة وكسر الراء، فيكون أيضاً صيغة تعجب أكدت بالنون شذوذاً، وحذف المتعجب منه أيضاً، والأصل أحرب به، ومعناه: التعجب من أخذ ماله جميعاً. قال الأزهري في "التهذيب": ويقال حُرب فلان حرباً، فالحرب: أن يؤخذ ماله كله، فهو رجل حرب، أي: نزل به الحرب، وهو محروب وحريب، وحريبة الرجل: ماله الذي يعيش به، والحريب: الذي سلب حريبته. انتهى. وقال صاحب "المصباح" أيضاً: حرب حرباً من باب تعب: أخذ جميع ماله، فهو حريب، وحرب: بالبناء للمفعول كذلك، فهو محروب. انتهى. وكذا أورده الأصمعي بالموحدة في "كتاب الإبل" وفسره بهذا المعنى، وقال: الألف بدل من النون، قال بعد إنشاد البيت: يريد أحرب بما أصابه، أي: دخل عليه حرب، وسمعت من أبي طرفة يقول: "والله لا أسمح به وأحربن" بالنون الخفيفة. انتهى. [ونقل السيوطي عن المصنف أنه قال: قيل: غضيى بالمثناة التحتية، وأحربا: بالموحدة، وعليه صاحب "المحكم" وابن السكيت في "إصلاحه"]. وقال ابن السيرافي في شرحه، أراد: رب إنسان صار ماله قليلاً بعد أن كان كثيراً، فأحر به! تعجب كما تقول: أكرم به! يريد: ما أحراه أن يطول فقره. وقوله: وأحربا: تعجب من قولهم حرب الرجل: إذا ذهب ماله وإذا قل. قال المصنف: على هذا، فلا تأكيد [ولا نون]، وخرج البيت من أيدينا، ثم قال: ولم يذكر

стр. 1991

في "الصحاح" حرب، بالكسر، إلا بمعنى اشتد غضبه، وأما حرب بمعنى أخذ ماله، فبالفتح، وقد حرب الرجل ماله، أي سلبه. انتهى. هذا آخر ما نقله السيوطي. وقوله: على هذا فلا تأكيد ولا نون، قد علم رده مما نقلناه، ومنشؤه كلام "الصحاح" فإنه لما لم ير فيه حرب، بفتح الحاء وكسر الراء بمعنى سلب ماله، جزم بأن قوله: وأحربا، بالبناء للمجهول بمعنى دل عليه، فأخذ ماله، جهول أحربته، أي: دللته على ما يغنمه من عدو. وقوله: ومستخلف: الواو واو رب، ومستخلف: اسم فاعل، أي: طالب خلفاً، بفتحتين، وهو العوض والبدل، يقال: اجعل هذا خلفاً من هذا، وصريمة: مصغر صرمة، بكسر فسكون، وهي القطعة من الإبل ما بين العشرة إلى الأربعين، وصغرها للتقليل، وقوله: بطول فقر، وروي: "لطول فقر" باللام أيضاً، وروي أيضاً: "من طول فقر" وهذه الرواية لا زحاف فيها. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والخمسون بعد الخمسمائة: (٥٥٥) دامن سعدك لو رحمت متيما ... لولاك لم يك للصبابة جانحا على أن تأكيد الفعل الماضي شاذ، وكان ينبغي أن يلحق هذا -أعني التوكيد على وجه الشذوذ- بالضرائر الشعرية، فإنه لم يرد في الكلام، ولم أر من ذكره في الضرائر، والخطاب في المواضع الثلاث لمؤنث، والمتيم: الذي جعله الحب تيماً وهو العبد، والصبابة: الشوق، وقيل: رقته، وجانحاً: مائلاً، وجملة "دامن سعدك" دعائية، والمعنى: ليدم سعادتك، ولو للتمني، وقيل للشرط وجوابها محذوف، يدل عليه ما قبلها.

стр. 1992

وأنشد بعده: لم يوفون بالجار .. هو من بيت وهو: لولا فوارس من نعم وأسرته ... يوم الصليفاء لم يوفون بالجار وتقدم شرحه في الإنشاد السادس والأربعين بعد الأربعمائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والخمسون بعد الخمسمائة: (٥٥٦) ومن عضة ما ينبتن شكيرها على أنه يجوز توكيد المضارع الواقع بعد "ما" الزائدة، قال سيبويه: ومن مواضعها أفعال غير الواجب، أي: في قولك: بجهد ما تبلغن وأشباهه، وإنما كان ذلك لمكان ما، وتصديق ذلك قولهم في مثل: ومن عضة ما ينبتن شكيرها وفي مثل آخر: "بألم ما تختننه"، وقالوا: "بعين ما أرينك". فما ههنا بمنزلتها في الجزاء. انتهى. وقال الصاغاني: الشكير: ما ينبت حول الشجرة من أصلها، قال: إذا مات منهم ميت سرق ابنه ... ومن عضة ما ينبتن شكيرها يريد: أن الابن يشبه أباه، فمن رأى هذا ظنه هذا، فكأن الابن مسروق، وفي فعله تقول: شكرت الشجرة تشكر شكراً، من باب فرح، أي: خرج منها

стр. 1993

الشكير، ومن متعلقة بالفعل بعدها، والمعنى: إنما ينبت الشكير من العضة، فهذا الفرع من ذلك الأصل، فالمعنى على الإثبات. والعجب من الدماميني في قوله: ولا أدري الوجه الذي عين كون ما زائدة، إذ يحتمل أن تكون نافية، وأجيب بأنه: مثل لم يستعمل إلا في مقام الإثبات، والأمثال لا تغير. واختلف في ضبط "سرق" فالجمهور على أنه بالبناء للمفعول، بتقدير سرق منه، وضبطه التبريزي بالبناء للفاعل، على تقدير سرق ابنه صورته وشمائله. وروي: "شرف ابنه" يعني: إذا مات سيد منهم ساد ابنه بعده، والعضة: واحدة العضاه بالهاء، وهو كل شجر يعظم، وله شوك. قال الجوهري: وواحدة العضاه، عضاهة، وعضهة، بكسر فسكون، وعضة، بحذف الهاء الأصلية، كما حذف من الشفة. انتهى. فالعضة في المثل بالتاء لا بالهاء. وروى الأسود أبو محمد الأعرابي هذا البيت في كتاب "السلة والسرقة" على ما تقدم، وقال مثل آخر: ومن عضة ما ينبتن شكيرها ... قديماً ويقتط الزناد من الزند ولم يورد الشراح لشواهد سيبويه هذا المصراع في الشواهد.

стр. 1994

(التنوين) أنشد فيه، هو الإنشاد السابع والخمسون بعد الخمسمائة: (٥٥٧) وقولي إن أصبت لقد أصابن على أن تنوين الترنم قد يلحق الفعل، وصدره: أقلي اللوم عاذل والعتابن وأصلهما: العتابا وأصابا، وأقلي: فعل أمر مسند إلى ضمير العاذلة، يقال: أقللته وقللته، أي: جعلته قليلاً، والقلة يكنى بها عن نفي الشيء وتركه، والمقصود اتركي اللوم، وعاذل: منادى مرخم عاذلة وهي اللائمة، والعتاب هنا مصدر عتب عليه، من باب ضرب، وقتل: إذا لامه في تسخط، وقوله: وقولي: فعل أمر معطوف على أقلي، وقوله: لقد أصابا مقول القول، وجملة إن أصبت معترضة، وجواب الشرط محذوف يفسره أقلي. والبيت مطلع قصيدة لجرير، هجا بها الراعي النميري والفرزدق، وقد ذكرنا سبب هجوهما في الشاهد الرابع من أول شواهد الرضي، وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.

стр. 1995

وأنشد بعده: لما تزل بركابنا وكأن قدن على أن تنوين الترنم "قد" يلحق الحرف أيضاً، وأصله: وكأن قدي بياء الإطلاق فأبدلت نوناً، وصدره: أفد الترحل غير أن ركابنا وأفد من باب فرح بمعنى قرب، والترحل: الرحيل، والركاب: الإبل، واحدتها راحلة من غير لفظها، ولما بمعنى لم، والرحال: جمع رحل وهو متاع المسافر وأثاثه وما يحتاج إليه، ومدخول قد محذوف، أي: وكأن قد زالت؛ وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الخامس والثمانين بعد المائتين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والخمسون بعد الخمسمائة: (٥٥٨) وقاتم الأعماق خاوي المخترقن على أن هذه النون هي التنوين الغالي، والبيت مطلع أرجوزة طويلة لرؤبة بن العجاج وصف بها قفراً تجاوزه بلا دليل على ناقة قوية شديدة تشبه حمار الوحش، وهذا مضمون الأرجوزة إجمالاً. والواو في أوله واو رب، ويأتي بعد ثمانية أبيات، وهو قوله: تنشطته. فيكون قاتم الأعماق منصوباً بفعل يفسره: تنشطته المذكور، والتقدير: رب قفر قاتم أعماقه تنشطت، تنشطته هذه الناقة، أي: تجاوزته وقطعته، وإنما لم ينصبه بتنشطته المذكور، لأن قد استوفى معموله. وقد شرح هذه الأرجوزة شرحاً جيداً أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان

стр. 1996

التنوخي المعري، قال: ابتدأ بالواو، والابتداء بها كثير في الرجز، فأما القصائد من غير الرجز، فلا يكثر ابتداؤها بالواو، كما يكثر في الأراجيز، إلا أنهم ربما جاؤوا به كما قال أبو داود الإيادي: وقد أغتدي في بياض الصباح ... وأعجاز ليل مولي الذنب ولو حذف الواو لجاز وكان ذلك خرماً، وقال أيضاً: وكل حصن وإن طالت سلامته ... يوماً ستدخله النكراء والحوب وقد رواه بعض الناس بحذف الواو، وذلك لا يجوز في رأي الخليل، لأن الخرم لا يجوز عنده في هذا الوزن، وقال أبو زبيد الطائي: ولقد مت غير أني حي ... يوم ولت بودها الخنساء فابتدأ بالواو، وحذفها قبيح، ولم يروه أحد، وهذا البيت في ديوان الأسود ابن يعفر: وخالد يحمد ساداتنا ... بالحق لا يحمد بالباطل والبيت في أول قصيدة، وقد روي بحذف الواو، وذلك غير جائز عند الخليل، ويستشهدون بهذا البيت، لأن خالداً مرفوع، كأنه لما ابتدئ به حمل على الابتداء وإرادة الهاء، كأنه قال: خالد يحمد ساداتنا، والواو في قوله: وقاتم، يسميها النحويون واو رب، وعندهم أن رب مضمرة بعدها، وكان محمد بن يزيد يزعم أن الواو خلف من رب، لأن عوامل الخفض لا تضمر، والقاتم الذي لونه لون القتام وهو الغبار، وإذا كان الفعل متصرفاً وجاء اسم الفاعل على فاعل أو فعل أو فعل، جاز أن يوضع مكانه أفعل، كقولهم: الغبار القاتم، والغبار الأقتم، وكذلك تقول: هذا الرجل الوجل والأوجل، والظريف والأظرف، والحسن والأحسن، ولم

стр. 1997

يقولوا الحسين، على أن بعضهم قد حكاه، إلا أنه غير معروف، كأنهم جعلوا الحسن مصدراً نعت به. والأعماق: جمع عمق، وهي الناحية، يقال: عمق وعمق، وهو ما بعد من الأطراف، ومنه قولهم: بئر عميقة، أي: بعيدة العمق والعمق، وفي الكتاب العزيز: (مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) [الحج/ ٢٧]، أي: بعيد النهاية، والخاوي: الذي لا شيء فيه، يقال: خوت الدار: إذا ترحل عنها السكن، وكانت العرب تقول: خوى النجم: إذا لم يكن عند سقوطه مطر. والمخترقن: الموضع الذي تخرق فيه الريح، ويجوز أن يراد به أن الركاب تقطعه، فكأنها تخترقه، والمخترق بالريح أشبه. وبعده: مشبه الأعلام لماع الخفق الأعلام: جمع علم، وهو ما يهتدى به في الأرض المضلة من جبل أو غيره، وكل ما اهتدي به إلى شيء، فهو علم له، ومن الأمثال: إذا قطعن علماً بدا علم فيجوز أن يراد بالعلم الجبل وغيره مما يهتدى به، ومن التي ذكرها الأصمعي: إن الشقي ترى له أعلاماً فالأعلام ههنا جمع علامة في المعنى، والعلامة قد تكون خفية، فسماها القائل علماً، وأما قول الخنساء: كأنه علم في رأسه نار فلم ترد إلا الجبل، والخفق: ما يخفق من السراب، ويقال: إنه أراد الخفق، فحرك للضرورة، وقد يريدون أشياء كثيرة مثل ذلك، منها قول زهير: كما استغاث بسيء فز غيطلة ... خاف العيون فلم ينظر به الحشك أراد: الحشك فحركه، وقالوا في قوله:

стр. 1998

ثم استمروا وقالوا إن موعدكم ... ماء بشرقي سلمى فيد أوركك أراد "رك" فأظهر التضعيف، وهذا أبعد من قوله الحشك، لأن إظهار التضعيف كالضرورة الثانية، وأكثر ما يستعملون التحريك ساكناً في القافية، وربما جاء في حشو البيت، وأنشد بعضهم: ونحن في لذات عيش وجذل ... من سمن مستلأ ومن عسل يكل وفد الريح من حيث انخرق ... شأز بمن عوه جدب المنطلق كان في النسخة يكل بفتح الياء، ولا يمتنع ذلك، ويكل، أي: يعيا، وإنما أصل الكلال في الحيوان، فاستعاره ههنا للريح، ووفدها: ما يفد منها، وإذا فتحت الياء من يكل، فيجب أن يكون في قوله: انخرق ضمير يعود على قاتم الأعماق، فإن جعل الضمير الذي في انخرق عائداً على الوفد، ففي الكلام حذف، كنه قال: يكل وفد الريح من حيث انخرق فيه، والأحسن أن تضم الياء من يكل وينصب وفد الريح، ويكون في "يكل" ضمير عائد على قاتم الأعماق، يقال: انخرقت الريح وتخرقت، وريح خريق، أي: شديدة الهبوب، قال الشاعر: تكأن حفيفه خفقان ريح ... خريق بين أعلام طوال ويقال: مكان جدب وجديب، وهو ضد الخصيب، واشتقاق جدب الأرض والسنة من قولهم: جدبت الرجل: إذا عبته، وقوله: بمن عوه، أي: أقام، والشأز، أصله المكان الغليظ الذي لا يطمئن عليه القائم ولا القاعد، ولا المضطجع، ثم استعير في كل ما يصعب من الأمور، يقال: أشأزني الأمر إشآزاً، وهذا أمر مشئز، والمنطلق: الموضع الذي ينطلق فيه، أي: يذهب ويسلك.

стр. 1999

ناء من التصبيح نأي المغتبق ... تبدو لنا أعلامه بعد الغرق التصبيح هنا من الصبوح: وهو شرب الغداة، وأكثر ما يقولون: صبحت الرجل بتخفيف الباء، والمثل السائر: "أين أغدو إذا صبحتموني"، والاغتباق: شرب الليل، يقال: غبقت القوم وهم مغتبقون، والاسم الغبوق، والجاشرية: شرب إذا جشر الصبح، والفحم: شرب أول الليل، وربما قالوا: شرب العتمة، وإنما أخذ من فحمة الليل، وفحمته: ظلامه، والمقيل: شرب نصف النهار، والنائي: البعيد، والمعنى: إن هذه الأرض بعيدة من الغبوق، والصبوح، لأنهما فيها متعذران، فأما الغبق، فلا يقدر عليه المسافر، وأما الماء، فلا يصل إليه السالك إلا بمشقة وسير شديد. وقوله: تبدو لنا أعلامه بعد الغرق أي: يرفعها الآل، ثم ينكشف عنها، فيراها الناظر على ما يعهد: في قطع الآل وهبوات الدقق ... خارجة أعناقها من معتنق الآل: الذي يرفع الشخوص في أول النهار، والهبوات جمع هبوة وهي الغبرة، والأجود هبوات، بتحريك الباء، ولكنه سكنها للضرورة، والدقق، جمع الدقة وهو التراب الدقيق، والضمير في أعناقها للأعلام، ومعتنق: مصدر اعتنق معتنقاً، يقول: تخرج أعناق هذه الأعلام من اعتناق الآل إياها. ويجوز أن يكون المعتنق موضعاً في هذا البيت، لأن الفعل إذا بلغ الأربعة فما زاد استوى فيه المصدر واسم الزمان واسم المفعول: تنشطته كل مغلاة الوهق ... مضبورة قرواء هرجاب فنق تنشطته: جواب رب كما تقدم، أي: قطعته، قال المعري: أي خرجت منه، مأخوذ من الناشط، وهو الذي يخرج من بلد إلى بلد، ويجوز أن يكون تنشطته مأخوذ من حل الأنشوطة، كأنها حلت عنها عقد هذه البلد، والمغلاة: التي تغلو في السير، أي: تزيد فيه وهي مشبهة بالمغلى من السهام وهو الذي يرمى به

стр. 2000

إلى غير غرض، والوهق من تواهقت الإبل في السير: إذا تجاهدت فيه، ولحق بعضها بعضاً، ومضبورة: قد جمع خلقها، والقرواء: العظيمة القرا، وهو الظهر، وقال قوم: لا يقال للذكر أقرى، والذين أجازو أقرى ينشدون قول الشاعر: وأقرى كفسطاط العزيز جعلته ... نجياً لنفسي وهو لا يتكلم والهرجاب: الطويلة على وجه الأرض وهو من صفات الإناث، والفنق: العظيمة الخلق يستعمل في الإبل والنساء: يقال: امرأة فنق، أي: عظيمة الخلق وذلك حمد، وقد شرحنا هذه الأبيات بأوسع مما هنا في الشاهد الخامس من أول شواهد الرضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والخمسون بعد الخمسمائة: (٥٥٩) ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة على أن عنيزة لا ينصرف، وقد نون للضرورة، وعنيزة، بالتصغير: اسم امرأة، وقيل: لقب فاطمة بنت عمه، وفيه رد على من زعم أنه لم يسمع تلقيب الإناث، وهو من معلقة امرئ القيس، وقبله: ألا رب يوم صالح لك منهما ... ولا سيما يوم بدارة جلجل ويوم عقرت للعذارى مطيتي ... فيا عجبي من رحلها المتحمل ويوم دخلت الجد رخد عنيزة ... فقالت لك الويلات إنك مرجلي تقول وقد مال الغبيط بنا معاً ... عقرت بعيري يا امرأ القيس بانزل فقلت لها سيري وأرخي زمامه ... ولا تبعديني من جناك المعلل قوله: ألا رب يوم .. إلى آخره تقدم شرحه، وشرح يوم دارة جليل في الإنشاد الثامن شعر بعد المائتين، وقوله: ويوم عقرت .. إلى آخره، تقدم شرحه أيضاً في الإنشاد الواحد والأربعين بعد الثلاثمائة.
следующие страницы →