← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والسبعون بعد الخمسمائة: (٥٧٤) أقيمنا بها يوماً ويوماً وثالثا ... ويوماً له يوم الترحل خامس على أن الواو قد عطف ما حقه الجمع، فيقال: أقمنا أياماً، وقد أورد ابن عصفور هذا والذي قبله في كتاب "الضرائر" قال: ومنه العطف موضع التثنية أو موضع الجمع، واستعماله بدلاً منهما حيث لا يسوغ ذلك في سعة الكلام، فمن الأول قوله: ليث وليث في محل ضنك ... كلاهما ذو أشر ومحك وقول الآخر: كأن بين فكها والفك ... فأرة مسك ذبحت بسك وقوله: أنجب عرسي ولداً وعرس كان الوجه في جميع ذلك أن يقال: ليثان في محل ضنك، وكأن بين فكيها فأرة مسك، وأنجب عرسين ولداً، ومن الثاني قوله: كأن حيث يلتقي منه المحل

стр. 2032

من جانبيه وعلان ووعل ثلاثة أشرفن في طود عتل كان الوجه أن يقال: ثلاثة أوعال: لولا الضرورة، وقد جاء مثل ذلك في شعر ابن هانئ وهو قوله: أقمنا بها يوماً ويوماً وثالثاً ... ويوماً له يوم الترحل خامس يريد أياماً أربعة. انتهى. وفصل الخفاف الإشبيلي في شرح "الجمل" فقال: ولا يجوز الجمع إلا فيما غلب فيه أحد الأسماء على سائرها، وذلك موقوف على السماع نحو: "المهالبة" في المهلب وبنيه، و"الحوص" في الأحوص وإخوته، وإن اتفقت، فلا يخلو أن تتفق المعاني، أو تختلف، فإن اختلفت، فالعطف، ولا يجوز الاجتماع إلا حيث سمع نحو: الأحامرة، في اللحم والخمر والزعفران، وإن اتفقت الألفاظ والمعاني، فلا يخلو أن تكون الأسماء أعلاماً باقية على علميتها، أولا تكون، ففي الأول العطف ليس إلا، وإن لم تكن باقية على علميتها فالجمع، ولا يجوز العطف إلا في ضرورة، قال الشاعر: أقمنا بها يوماً ويوماً .. البيت، فعطف. كان القياس أن يقول: أقمنا بها أياماً أربعة فيجمع لولا الضرورة للوزن. انتهى. وقد فصل ابن الشجري في أول المجلس الثاني من "أماليه" ما يخص الشعر وما يجوز في غيره تفصيلاً جيداً، ولولا خوف الإطالة لأثبته هنا. والبيت أحد أبيات ثمانية وهي: ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس مساحب من جر الزقاق على الثرى ... وأضغاث ريحان جني ويابس وقفت بها صحبي فجددت عهدهم ... وإني على أمثال تلك لحابس ولم أدر من هم غير ما شهدت به ... بشرقي ساباط الديار البسابس

стр. 2033

أقمنا بها يوماً ويوماً وثالثاً ... ويوماً له يوم الترحل خامس تدار علينا الراح في عسجدية ... حبيتها بأنواع التصاوير فارس قراراتها كسرى وفي جنباتها ... مهاً تدريها بالقسي الفوارس فللخمر ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما اجتازت عليه القلانس قال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتاب "الأخبار" بعد نقل هذه الأبيات: قال أبو القاسم: الدار: منزل القوم، مبنية كانت أو غير مبنية، ويقال: دار ودارة، والبسابس: القفار، واحدها بسبس، ومثلها: السباسب، واحدها: سبسب، وأصلها الصحراء الواسعة الملساء: والعسجدية: كأس مصوغة من العسجد، وهو الذهب. وقوله: قرارتها كسرى، نصبه على الظرف، يريد أنه كان في قرار الكأس، وهو أرضها، صورة كسرى، وفي جنباتها: وهي نواحيها، صورة المها، وهو بقر الوحش، وصور فرسان بأيديهم قسي ونشاب يرمون تلك المها، وهو معنى قوله: تدريها بالقسي الفوارس، والدرية: الشيء الذي يرمى، يعني أنه صب الخمر في الكأس إلى أن بلغت حلوق الفرسان، وهو موضع الأزرار، ثم صب الماء مقدار رؤوس الصور، وهو الذي تجتازه القلانس. انتهى كلامه. وأورد أبو العباس المبرد، هذه الأبيات في "الكامل" قال فيه: وقال الحسن ابن هانئ: بنينا على كسرى سماء مدامة ... جوانبها محفوفة بنجوم فلو رد في كسرى بن ساسان روحه ... إذن لاصطفاني دون كل نديم أراد: أنه كان صورة كسرى في الإناء، وقوله: جوانبها محفوفة بنجوم: يريد ما تطوق به من الزبد، وقال في أخرى:

стр. 2034

أقمنا بها يوماً ويوماً وثالثاً ... ويوماً له يوم الترحل خامس تدرا علينا الراح في عسجدية ... البيت فللخمر ما زرت عليه جيوبها ... البيت العسجدية: منسوبة إلى العسجد، وهو الذهب، وقوله: تدريها، أي تختلها، يقال: دريت الصيد: إذا ختلته. انتهى. وأورد الأبيات جميعها السيد المرتضى في "أماليه" قال: وقال يموت بن المزرع: سمعت خالي الجاحظ يقول: لا أعرف شعراً يفضل قول أبي نواس: ودار ندامى عطلوها ... الأبيات. قال الجاحظ: فأنشدتها أبا شعيب القلال، فقال: يا أبا عثمان لو نقر هذا الشعر، لطن، فقلت: ويلك، ما تفارق الجرار والخزف حيث كنت! ؟ قال السيد المرتضى: أخذ أبو نواس قوله: ولم أدر من هم غير ما شهدت بهم .. البيت. من أبي خراش الهذلي: ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... ولكنه قدسل من ماجد محض ويقال: إن أبا خراش أول من مدح من لا يعرفه، وذلك أن خراش بن أبي خراش أسر هو وعروة بن مرة، فطرح رجل من القوم رداء على خراش حين شغل القوم بقتل عروة ونجاه، فلم تفروغوا له، قال: إنه أفلت مني، ويقال: بل رآه في الأسر رجل من بني عمه، فألقى عليه رداءه ليجيره، وقال له: النجا. ويلك! انتهى.

стр. 2035

وأدلجوا: ساروا من أول الليل، ومساحب: جمع مسحب، وهو موضع السحب، والزقاق: جمع زق وهو قربة الخمر، وأضغاث: جمع ضغث، بالكسر، وهي الحزمة، ووقفت بها صحبي: بمعنى حبست، وقد روي بدله، وساباط، لا ينصرف: موضع بالمدائن لكسرى، معرب بلاس أباد، والديار: فاعل شهدت، وحبتها، أعطتها. وقراره الشيء أسفله، وجنباتها، بفتح الجيم والنون، جمع جنب بسكون النون، والمها: بقر الوحش، وكان في القديم يصورون في الكأس صورة الملك، وغيره تعظيماً له، والأصل فيه: أن قيصر لما خاف ملك الفرس سابور، بعث مصوراً إلى بلاده، فصور صورة سابور في جميع أحواله، فأمر قيصر أن تصور تلك الصورة على فرشه وستوره وآلات أكله وشربه، ولمادخل ساوبر متنكراً بلدة قيصر، عرف بصورته المنقوشة على الكأس، فقبض عليه، وحكايته مذكورة في "سلوان المطاع" وغيره. وقد تبع الشعراء أبا نواس في ذلك، وأبدع فخر الدين بن مكانس في قوله: إذا ما أديرت في حشا عسجدية ... بها كل ذي تاج وملك مصورا فحسبك نيلاً في السيادة أن ترى ... نديمك في الكاسات كسرى وقيصرا وقال ابن قلاقس: دارت زجاجتها وفي جنباتها ... كسرى أنو شروان في إيوانه فجعلت عن عطفيه حلة قهوة ... وشربتها فغدوت في سلطانه

стр. 2036

وقال الناشئ: في كأسها صورة تظن لحسنها ... عرباً برزن من الحجال وغيدا وإذا المزاج أثارها فتقسمت ... ذهباً ودراً توأماً وفريدا فكأنهن لبسن ذاك مجاسداً ... وجعلن ذا لنحورهن عقودا وقال ابن المعتز: بكأس من زجاج فيه أسد ... فرائسهن ألباب الرجال قال حمزة بن الحسن الأصبهاني، جامع ديوان أبي نواس الحسن بن هانئ، بعد ذكر هذه الأبيات: وتلا الناشئ الكلامي أبا نواس في هذين البيتين الأخيرين، فقال: ملوك ساسان على كأسها ... كأنها في عز سلطانها فخمرها من فوق أرقابها ... وماؤها من فوق تيجانها وتحدث يموت بن المزرع قال: سمعت خالي الجاحظ يقول: لا أعرف شعراً يفضل قول أبي نواس: ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ولقد أنشدتها أبا شعيب القلال، فقال: والله يا أبا عثمان، إن هذا هو الشعر، ولو نقر، لطن، فقلت له: ويلك! لا تفارق الجرار والخزف حيث كنت؟ قال النيبختيون: خرج أبو نواس مع بعض أهلها إلى المدائن، فرأى بساباط أثاراً تدل على اجتماع كان لقوم، فقال أصحابنا، صف هؤلاء وبقاياهم، فقال غير ممتكث:

стр. 2037

ودار ندامى عطلوها .. .. الأبيات وتحدث أبو العيناء عن الجاحظ قال: نظرنا في شعر القدماء والمحدثين، فوجدنا المعاني نقلت، ووجدنا بعضاً يسرق من بعض إلا قول عنترة، وقول أبي نواس، فأما قول عنترة: وخلا الذباب بها فليس ببارح وأما قول أبي نواس: قرارتها كسرى قال الحسن بن طباطبا: فممن قال إثر أبي نواس في هذا المعنى فأحسن: أبو الحسن بن أبي البغل في قوله: قد صف في كاساتها صور حكت ... للشاربين بها كواعب غيداً فإذا جرى فيها المزاج تقسمت ... ذهباً ودراً توأماً وفريدا فكأنهن لبسن ذاك مجاسداً ... وجعن ذا لنحورهن عقودا أقول: معنى البيت الأخير أن حد الخمر من صور هذه الفوارس التي في الكأس إلى التراقي، ومزجت بالماء إلى ما فوق رؤوسها، وفائدته معرفة حدها صرفاً من حدها ممزوجة، وزعم بعضهم أن أبا نواس أخذه من قول امرئ القيس: فلما استطابوا صب في الصحن نصفه ... ووافوا بماء غير طرق ولا كدر جعل الماء والشراب قسمين: فتسلق أبو نواس عليه، وأخفاه بما شغل به الكلام من ذكر الصور.

стр. 2038

قال صاحب "المثل السائر" في أدب الكاتب والشاعر، وهو ضياء الدين، نصر الله، الشهير بابن الأثير الموصلي: قرأت في كتاب "الروضة" لأبي العباس المبرد، وهو كتاب جمعه، واختار فيه أشعار شعراء بدأ فيهم بأبي نواس، ثم بمن كان في زمانه، وانسحب على ذيله، فقال فيما أورده من شعره: وهو معنى لم يسبق إليه بإجماع، وهو قوله: تدار علينا الراح في عسجدية .. الأبيات وقد أكثر العلماء في وصف هذا المعنى، وقولهم فيه: إنه [معنى] مبتدع، ويحكى عن الجاحظ أنه قال: ما زال العلماء يتناقلون المعاني قديماً وحديثاً إلا هذا المعنى، فإن أبا نواس انفرد بإبداعه، وما أعلم أنا ما أقول لهؤلاء سوى أني أقول: قد تجاوزتم حد الإكثار، ومن الأمثال السائرة: "بدون ذا يباع الحمار" وفصاحة هذا الشعر عندي هي الموصوفة، لا في هذا المعنى، فإنه لا كبير كلفة فيه، لأن أبا نواس رأى كأساً من الذهب ذات تصاوير، فحكاه في شعره، والذي عندي في هذا أنه من المعاني المشاهدة، فإن هذه الخمر لم تحمل إلا ماء يسيراً، وكانت تستغرق صور هذا الكأس إلى مكان جيوبها، وكان الماء فيها قليلاً بقدر القلانس التي على رؤوسها، وهذه حكاية حال مشاهدة بالبصر. انتهى. وقال أيضاً في قسم المساواة من ذلك الكتاب: ومن هذا الضرب قول أبي نواس، وهو من نادر ما يأتي في هذا الموضع: ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... إلى آخر الأبيات. ثم قال: ومما انتهى إلينا من أخبار ابن المزرع قال: سمعت الجاحظ يقول: لا أعرف شعراً يفضل هذه الأبيات، ولقد أنشدتها أبا شعيب القلال، فقال: والله يا أبا عثمان إن هذا هو الشعر، ولو نقر، لطن، فقلت له: ويحك! لا تفارق عمل الجرار والخزف؟ ولعمري إن الجاحظ عرف فوصف، وخبر فشكر،

стр. 2039

والذي ذكره هو الحق. انتهى. ثم قال في "باب الإطناب": وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي نواس: أقمنا بها يوماً ويوماً وثالثاً .. البيت. ومراده من ذلك أنهم أقاموا أربعة أيام، ويا عجباً له! يأتي بمثل هذا البيت السخيف الدال على العي الفاحش في ضمن تلك الأبيات العجيبة الحسن، التي تقدم ذكرها؟ . انتهى. وقال الصلاح الصفدي في "شرح لامية العجم" بعد نقل كلام ابن الأثير الأخير: قلت: أبو نواس أجل قدراً من أن يأتي بهذه العبارة لغير معنى طائل، فأما البيت، فالمفهوم منه أن المقام سبعة أيام، لأنه قال: وثالثاً، ويوماً آخر له اليوم الذي رحلنا فيه خامس يوم، وابن الأثير لو أمعن الفكر في هذا ربما كان يظهر له. انتهى. أقول: كون أيام الإقامة أربعة هذا هو الظاهر، وبه قال ابن عصفور، والخفاف، وأبو حيان وغيرهم، وذلك بإرجاع الضمير من "له" راجع لما تقدم من الأيام، لا إلى اليوم الأخير، ويوم الرحيل غير معدود، ومن عده فيها، فباعتبار الإقامة في نحو نصفه على سبيل التغليب، ويؤيده ما نقله الدماميني من "شرح مقصورة حازم" للشريف الغرناطي. وترجمة أبي نواس تقدمت في الإنشاد الثاني والأربعين بعد المائتين.

стр. 2040

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والسبعون بعد الخمسمائة: (٥٧٥) وزججن الحواجب والعيونا على أن الواو عطفت عاملاً محذوفاً بقي معموله، والأصل: وكحلن العيون، وقيل: عطفت معمول عامل غير مذكور على معمول آخر يجمعهما معنى واحد وهنا هو التحسين، والاختلاف بين عامليهما إما بتغير المعنى كما ذكر، وكما في قول آخر: علفتها تبناً وماء بارداً أو بحسب الزمان مع اتحاد المعنى كما إذا قلت عند قدوم الشتاء: جاء الشتاء والربيع، أي: وسيجيء الربيع، وقيل: لا حذف، وجعل الرمح في قوله: يا ليت شيخك قد غدا ... متقلداً سيفاً ورمحا متقلداً: للمجاورة والمشاكلة، وإليه ذهب الثعالبي في كتابه "أسرار العربية" وقيل: إنه من قبيل الاستعارة بالكناية، وإثبات عامل الأول له تخييل، فشبه الإيمان في قوله تعالى: (تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمَانَ) [الحشر/ ٩] بمنزل ينزلونه؛ لتمكنهم فيه، ويثبت له التبوؤ تخييلاً. قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: (ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وأَسْلِحَتَهُمْ) [النساء/ ١٠٢] فإن قلت: كيف جمع بين الأسلحة والحذر في الأخذ؟ قلت:

стр. 2041

جعل الحذر، وهو التحرز والتيقظ آلة يستعملها الغازي، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة، وجعلا مأخوذين، ونحو قوله تعالى: (تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمَانَ) [الحشر/ ٩]. وقيل بل ضمن "علفتها" معنى أنلتها وأعطيتها، أو جرد له، قال المصنف: ويرجح هذا صحة نحو: علفتها ماء بارداً وتبناً، بدليل قول طرفة: لها سبب ترعى به الماء والشجر فهذه مذاهب أربعة ومثل قول طرفة، قوله تعالى: (ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وأَسْلِحَتَهُمْ) وعليه خرج قوله تعالى: (خَلَقَ المَوْتَ والْحَيَاةَ) [الملك/ ٢] وقال أبو حيان في "تذكرته" قال أبو عمر في الفرخ: يجوز في العطف ما لا يجوز في الإفراد نحو: أكلت خبزاً ولبناً، وأنشد: ورأيت زوجك في الوغى ... متقلداً سيفاً ورمحاً وزعم: أن نصب رمح بمتقلد وهذا ليس بشيء، لأنه إذا لم ينصب مباشراً لم ينصب بهم عطوفاً لا سيما، في قول من يقدر في المعطوف عاملاً آخر من جنس الأول، والتقليد لا يكون لكل حمل، لأنهم إذا خصصوا نوعاً باسم، لم يستعملوه في موضع الاسم الأعم، نحو حلوان الكاهن، ورشوة الحاكم، وجعل الصانع. وقد استشهد بهذا من لا يجيز تكرار العامل في المعطوف، لأنه عنده معطوف باللفظ إلا أنه مفترق في المعنى، قالوا: وإذا ثبت هذا في المفترقين، كان أمراً مرجوعاً إليه في المجتمعين، وأبو عمر والجماعة لا يفرقون في هذا، ويقولون: الأول يعمل

стр. 2042

في الأول لفظاً، وفي الثاني بالمعنى لا باللفظ، ولا يقال: شراب تمر، لكن لما اجتمعا في الطعم حمل الأخص على الأعم، ومن يقدر يقول: العامل المقدر هنا هو المعطوف تقديره: وحاملاً، وهذا مما اختلف فيه أهو سماع أم قياس، والأكثر على أنه قياس كما قدمنا، وضابطه أن يكون الأول والثاني يجتمعان في معنى عام لهما، ومنه قول علقمة: تراه كأن الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه كان له وفر أراد: ويفقأ عينيه، والجامع لهما إفساد عضو، وقال آخر: إذا ما الغانيات برزن يوماً ... وزججن الحواجب والعيونا أي: وكحلن العيون، والرابط التزيين، وقوله: تسمع للأجواف منها صردا ... ولليدين جسأة وبددا أي: وتتبين، لأن التبيين والسمع يجمعهما شيء واحد وهو الإدراك، وقوله: علفتها تبناً وماء بارداً اجتمعا في الإطعام، وقوله: يحلين ياقوتاً وشذراً مفقرا لأن التحلية في الحلي كالتطيب في الطيب، ومنه: (لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ) [الحج/ ٤٠] أي: وأبطلت صلوات، لأن التهديم إبطال، إلى هنا كلام أبي حيان.

стр. 2043

والمصراع الشاهد هكذا اشتهر: أوله بالواو، وقال العينين، وتبعه السيوطي، صدره: إذا ما الغانيات برزن يوماً وقالا: هو من قصيدة للراعي وما بعده: أنخن جمالهن بذات غسل ... سراة اليوم يمهدن الكدونا والذي رأيته في قصيدة الراعي من رواية "منتهى الطلب" كذا: وهزة نسوة من حي صدق ... يزججن الحواجب والعيونا طلبت وقد تواهقت المطايا ... بيعملة تبذ السابقينا وحث الحاديان بأم لهو ... ظعائن في الخليط الرافعينا أنخن جمالهن بذات غسل ... سراة اليوم يمهدن الكدونا عطفن لنا السوالف من بعيد ... فقلت عيون آرام كسينا أولئك نسوة في إرث مجد ... كرائم يصطفين ويصطفينا لهن فوارس ليسوا بميل ... ولا كشف إذا قلن امنعونا ظعائن من كرام بني نمير ... خلطن بميسم حسباً ودينا قوله: وهزة نسوة مفعول مقدم لطلبت، والهزة، بالكسر، قال صاحب "العباب": قال الأصمعي: الهزة من سير الإبل أن يهتز الموكب، أي: يسرع، قال ابن دريد: هزة الموكب: إذا سمعت حفيفه، وأنشد: كاليوم هزة أجمال بأظعان وتواهقت: تسابقت، واليعملة: الناقة القوية على العمل، وكناها بأم لهو،

стр. 2044

وذات غسل: مكان، وسراة كل شيء، بالفتح: وسطه، والكدون: جمع كدن، بفتح الكاف وكسرها وسكون الدال: مركب للنساء، وثوب توطئ به المرأة نفسها في الهودج، والإرث، بالكسر، الأصل، والميل: جمع أميل: وهو الذي لا يثبت على السرج، والكشف: جمع أكشف: وهو الذي لا سلاح معه، والميسم، بالكسر: الحسن والجمال، والغانيات في المصراع المشهور: جمع غانية: وهي التي غنيت بجمالها عن الحلي، وبرزن: ظهرن، والزجج، بفتحتين: دقة الحاجبين في طول، وهو أزج، وهي زجاء، وزججه: دققه وطوله، ومطلع هذه القصيدة: أبت آيات حبى أن تبينا ... لنا خبراً وأبكين الحزينا وكيف سؤالنا عرصات ربع ... تركن بقفرة حتى بلينا وأحجار من الصوان سفعاً ... بهن بقية مما صلينا عرفناها منازل آل حبى ... فلم نملك من الطرب العيونا وحبى، بالضم والقصر: اسم امرأة، والآيات: العلامات، وفيه حذف، أي: آيات نزلها، وتبين: مضارع أبانه، وخبراً: مفعوله، وأحجار: معطوف على عرصات، وسفع، جمع أسفع: وهو المسود من النار، وصلين: احترقن، والطرب: الخفة الحاصلة من الحزن، وهذه القصيدة افتخارية منها: وردن المجد قبل بني نزار ... فما شربوا به حتى روينا وجدنا عامراً أشراف قيس ... فكنا الصلب منها والوتينا ومن يفخر بمكرمة فإنا ... سبقناها لأيدي العالمينا عصا كرم ورثناها أبانا ... ونورثها إذا متنا بنينا ونحن المانعون لما أردنا ... ونحن النازلون بحيث شينا وهي طويلة وترجمة، الراعي تقدمت في الإنشاد الخامس والخمسين بعد المائة.

стр. 2045

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والسبعون بعد الخمسمائة: (٥٧٦) والفى قولها كذباً ومينا على أن العطف المراد إنما يكون بالواو، فإن المين هو الكذب، ومثله قول طرفة: فما لي أراني وابن عمي مالكاً ... متى أدن منه ينأ عني ويبعد قال الفراء في "تفسيره" عند قوله ﵎: (وإذْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ والْفُرْقَانَ) [الآية ٥٣] من سورة البقرة: إن العرب لتجمع بين الحرفين بمعنى واحد إذا اختلف لفظهما، كقول عدي بن زيد: وقدمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذباً ومينا وقولهم: بعداً وسحقاً، والبعد والسحق واحد. انتهى. والبيت مثال عند علماء المعاني للتطويل، وهو أن يكون اللفظ زائداً على أصل المراد لا لفائدة، وهو من قصيدة لعدي بن زيد العبادي، خاطب بها النعمان بن المنذر لما كان في حبسه، وعظه بها، وحذره تقلب الدهر به، وذكر فيها ما آل إليه أمر جذيمة الوضاح، وغدر الزباء به، وأخذ قصير الثأر منها، ويأتي إن شاء الله تعالى، شرح غدرها به في الباب الخامس. والقصيدة هذه: ألا يا أيها المثري المرجى ... ألم تسمع بخطب الأولينا دعا بالبقة الأمراء يوماً ... جذيمة عصر ينجوهم ثبينا

стр. 2046

فلم ير غير ما ائتمروا لديه ... وشد لرحلة السفر الوضينا فطاوع أمرهم وعصى قصيراً ... وكان يقول لو نفع اليقينا لخطبته التي غدرت وخانت ... وهن ذوات غائلة لحينا فدست في صحيفتها إليه ... ليملك بضعها ولأن تدينا فغرته ورغب النفس يردي ... ويبدي للفتى الحين المبينا ففاجأها وقد جمعت جيوشاً ... على أبواب حصن مصلتينا وقدمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذباً ومينا وحدثت العصا الأنباء عنه ... ولم أر مثل فارسها هجينا فبات نساؤه عجلاً عليه ... مع الويلات يعلن الرنينا ومن حذر الملاوم والمخازي ... وهن المنديات لمن منينا أطف لأنفه الموسى قصير ... ليجدعه وكان به ضنينا فأهواها لمارنه فأضحى ... طرب الوتر مجدوعاً مشيناً فصادفت امرءأ لم تخش فيه ... مخادعة وما أمنت أمينا أتاها كرتين بما أرادت ... فأصبح عند ربته مكينا فأبلاها كما حبست نصيحاً ... فملكت الخزائن والقطينا وردته بضعفي ما أتاها ... ولم تكبل عن المال اليمينا فلما ارتد عنها ارتد صلباً ... يجر المال والصدر الضغينا أتتها العير تحمل ما دهاها ... وقنع في المسوح الدارعينا ودس لها على الأنفاق عمراً ... بشكته وما خشيت كمينا فجللها قديم الأثر عضباً ... يصك به الحواجب والجبينا فأضحت من خزائنها كأن لم ... تكن زبا لحاملة جنينا

стр. 2047

وأبرزها الحوادث والمنايا ... وأي معمر لا يبتلينا إذا أمهلن ذا جد عظيم ... عطفن له ولو فرطن حينا ألم تر أن ريب الدهر يعلو ... أخا النجدات والحصن الحصينا ولم أجد الفتى ينجو بشيء ... ولو أثرى ولو ولد البنينا وقوله: دعا بالبقة .. إلخ جذيمة: فاعل دعا، وكان ملك قضاعة بالحيرة من قبل أردشير بن بابك، وكان قتل أبا الزباء ملك الشام والجزيرة من قبل الروم، وملكت بلاد أبيها بعده، ثم إن جذيمة خطبها، فأجابته، فسار إليها حتى إذا كان ببقة، وهو موضع بين هيت والأنباء، استشار أصحابه، فأشاروا بالشخوص إليها، إلا قصير ابن سعد اللخمي، وقال: إن النساء يهدين إلى الأزواج. انصرف عنها، فأبى، وسافر حتى رأى مدينتها والكتائب من دونها هالة، فقال لقصير: ما الرأي؟ قال: تركت الرأي ببقة، وقال: إن لقيتك الكتائب، وساروا أمامك، فقد خاب ظني، وإن أحاطوا بك، فإني معرض لك "العصا" وهي فرس لا يشق غبارها، فجعلوا يتلقونه ولا يرجعون، فعرض له العصا، فلم ينتبه، فركبها قصير ونجا، وورد الحيرة، ولما دخل جذيمة على الزباء، أمرت برواهشه فقطعت واستنزفته حتى مات. وكان جذيمة استعمل على ملكه ابن أخته عمر بن عدي، فأشار إليه قصير بأخذ ثأره من الزباء، فقال: لا أقدر، فجدع قصير أنفه، وأتى الزباء، فقال: اتهمني عمرو في مجيء خاله إليك، فجدع أنفي، فلم تقر نفسي عنده، وإن لي بالعراق مالاً كثيراً، فأعطني شيئاً وأرسليني بعلة التجارة حتى آتيك بطرائف العراق: ففعلت، فأطرها وزادها مالاً كثيراً، فردته ثانية فأطرفها وزادها، فتلطف حتى علم موضع النفق وهو السرب، فردته ثالثاً فأتى عمراً، وقال: احمل الرجال في الصناديق على الإبل ففعل، وفيهم عمرو، فلما دخلت العير المدينة، وحلوا الصناديق، شد عليها الرجال فهربت طلب السرب، فاستقبلها قصير وعمرو، فضربها عمرو، فقتلها، ونهب الأموال، وسبى الذراري.

стр. 2048

وقوله: عصر ينجوهم ثبينا، العصر: الوقت، وينجوهم: يخصهم بالخطاب للمشاورة، ومنه المناجاة، وثبين: جمع ثبة، بضم المثلثة، بمعنى الجماعة، وائتمروا: تشاوروا، والوضين: مفعول شد، وهو حزام القتب. وقوله: وكان يقول لو نفع اليقينا، أي: كان يقول القول اليقين لو نفع، ولو للتمني. وقوله: لخطبته، اللام للتعليل متعلقة بيقول، والخطبة، بكسر الخاء وسكون الطاء: المخطوبة، قوله: لحينا. دعاء عليهن، من لحاه الله، بمعنى قبحه ولعنه، والبضع بالضم: الفرج، والجماع، وعقد النكاح، وتدينا، من دانه، أي: أطاعه، والرغب، بالضم، الرغبة. ويردي: مضارع أرداه، أي: أهلكه، والحين، بالفتح: الهلاك، والمصلت: الرجل الماضي في الحوائج. وقوله: وقدمت الأديم لراهشيه، كذا في جميع الروايات التي رأيتها، فإن هذه القصيدة رواها ابن قتيبة في ترجمة عدي من كتاب "الشعراء" والعسكري في "أوائله" والزمخشري في "أمثاله" وفي رواية كل كذا، وكذا روى البيت الفراء في تفسيره، والسيد المرتضى في "أماليه" وغيرهما. فالمراد بالأديم: النطع، واللام بمعنى إلى، والراهشان: عرفان في بطن الذراعين، وقدمت: من التقديم، أي: تت بالنطع إلى راهشيه لما قصدتهما، وضمير قدمت للخطبة التي هي الزباء، والهاء ضمير جذيمة، والرواية المشهورة: "وقددت"، قال الدماميني، وتبعه من جاء بعده: قددت قطعت، قال ابن المنلا: التقديد: القطع، والأديم: الجلد، أو أحمره، أو مدبوغه، هذا كلامه. وألفى بمعنى: وجد، والمين، بفتح الميم، نقل السيوطي من "طبقات الشعراء" لمحمد بن سلام الجمحي أنه قال: في هذه القافية سناد، وقال المفضل في روايته: "كذباً مبيناً" فر من

стр. 2049

السناد، والرواية هي الأولى. انتهى. هذا نقل السيوطي، وقد رجعت إلى ترجمة عدي بن زيد، من "طبقات الجمحي" فلم أر فيها هذا البيت، ولا هذا الكلام، ولعله قاله في موضع آخر من "الطبقات" بمناسبة. وقوله: وحدثت العصا .. إلخ العصا: فرس جذيمة التي هرب عليها قصير، والأنباء: الأخبار، وفارسها جذيمة، والهجين: اللئيم، وعجل، بضمتين: جمع عجول، وهي الثكلى والواله، ويعلن: يظهرن، من العلن، والرنين: الصياح. وقوله: ومن حذر الملاوم .. إلخ، من تعليلية متعلقة بأطف في البيت بعدها، وأطف بمعنى: أشرف عليه لقطعه، والملاوم: جمع ملامة، وقوله: وهن، أي: الملاوم والمخازي، والمنديات، قال العسكري: هي الدواهي، ومنين له، أي: قضين، والمنى، بالقصر: القضاء. انتهى. وقوله فأهواها، أي: أمال الموسى، والمارن: ما لان من الأنف، وطلاب مفعول لأجله، والوتر، بالكسر: الثأر، ومشين: اسم مفعول من الشين: وهو العيب، وربته: صاحبته وهي الزباء. وأبلاها: خدمها بنصح، والقطين، الخدم والأتباع وأهل الدار يكون للواحد والجمع. وقوله: ولم تكبل، أي: لم تحبس يمينها عن العطاء، وقنع: غطى، والمسوح جمع مسح، بالكسر: وهو البلاس، أراد به الغرائر، والأنفاق، بالفتح، جمع نفق، بفتحتين: وهو السرب، والشكة، بالكسر: السلاح، وجللها: غشاها، وقديم الأثر، بفتحتين: أراد به السيف المأثور، والأثر: فرند السيف وجوهره، والعضب: القاطع.

стр. 2050

وقوله: ... كأن لم ... تكن زبا لحاملة جنينا أي: كأن لم تحمل بها حاملة فتلدها. والجد، بالفتح: الحظ والبخت. وترجمة عدي تقدمت في الإنشاد الواحد والسبعين بعد المائتين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والسبعون بعد الخمسمائة: (٥٧٧) ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليكم ورحمة الله السلام على أن عطف المقدم على متبوعه في الضرورة، لا يكون إلا بالواو، وأصله: وعليك السلام ورحمة الله. وفيه أن التفتازاني قال في "شرح المفتاح": تقديم المعطوف جائز بشرط الضرورة، وعدم التقديم على العامل، وكون العاطف أحد حروف خمسة: الواو، والفاء، وثم، وأو، ولا، صرح به المحققون. انتهى. وخرجه ابن جني على العطف على الضمير المستتر في عليك، والأصل: السلام حصل عليك ورحمة الله، فأخر المبتدأ، وحذف حصل، ونقل ضميره إلى عليك، واستتر فيه، فعطف عليه. قال ابن السيد في "شرح أبيات الجمل": مذهب الأخفش أنه أراد عليك السلام ورحمة الله، فقدم المعطوف ضرورة، لأن السلام عنده فاعل عليك، ولا يلزم هذا سيبويه، لأن السلام عنده مبتدأ، وعليك خبره، ورحمة الله معطوف على الضمير المستتر في عليك، وأنشده ثعلب في "أماليه" هكذا. ألا يا نخلة من ذات عرق ... برود الظل شاعكم السلام شاعكم: تبعكم، وعليه لا شاهد فيه - قال اللخمي: ونخلة: منادى منكر، وحكى الأعلم أن كل نكرة تؤنث، فلا تكون إلا منصوبة، وإن كانت مقصودة

стр. 2051

معينة، ونخلة عنده: منادى مقصود، ولكن لما نونها، نصبها، قال: وذات عرق، موضع بالحجاز، وسلم على النخلة، لأنه معهد أحبابه، وملعبه مع أترابه. لأن العرب تقيم المنازل مقام سكانها، فتسلم عليها، وتكثر من الحنين إليها قال الشاعر: وكمثل الأحباب لو يعلم العا ... ذل عندي منازل الأحباب ويحتمل أن يكون كنى عن محبوبته بالنخلة لئلا يشهرها، وخوفاً من أهلها وأقاربها، وعلى هذا اقتصر ابن أبي الأصبع في "تحرير التحبير" في باب الكناية قال: ومن نخوة العرب وغيرتهم كنايتهم عن حرائر النساء بالبيض، وقد جاء القرآن العظيم بذلك فقال : (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ) [الصافات/ ٤٩] ومن مليح الكناية قول بعض العرب: ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام سألت الناس عنك فخبروني ... هناً من ذاك تكرهه الكرام وليس بما أحل الله بأس ... إذا هو لم يخالطه الحرام فإن هذا الشاعر كنى عن المرأة بالنخلة، وبالهناة عن الرفث. انتهى. وقيل: صاحب الشعر الأحوص، والله أعلم. وأنشد بعده: كما الناس مجروم عليه وجارم وصدره: وننصر مولانا ونعلم أنه وتقدم شرحه في الإنشاد الرابع والتسعين.

стр. 2052

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والسبعون بعد الخمسمائة: (٥٧٨) وقالوا نأت فاختر لها الصبر والبكا ... فقلت البكا أشفى إذن لغليلي على أن الواو بمعنى "أو" للتخيير، وقال المصنف: ويحتمل أن الأصل: فاختر من الصبر والبكا، أي: أحدهما، ثم حذفت "من" ويؤيده أن أبا علي القالي رواه بمن. وأقول: رواه بمن أيضاً الشريف ضياء الدين هبة الله علي بن محمد بن حمزة الحسيني في حماسته، فإن البيت من قصيدة لكثير عزة، أورد منها الشريف خمسة أبيات في باب النسيب وهي: لقد كذب الواشون ما بحت عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول فلا تعجلي يا مي أن تتثبتي ... بنصح أتى الواشون أم بحبول وقالوا نأت فاختر من الصبر والبكا ... فقلت البكا أشفى إذن لغليلي ولم أر من ليلى نوالاً أعده ... إلا إنما طالبت غير منيل توليت محزوناً وقلت لصاحبي ... أقاتلتي ليلى بغير قتيل والرسول هنا بمعنى الرسالة، وحبول: جمع حبل، بكسر الحاء المهملة وسكون الموحدة: الداهية والغائلة، ومنيل: اسم فاعل من أناله، أي: أعطاه نوالاً. وترجمة كثير تقدمت في الإنشاد التاسع عشر.

стр. 2053

وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والسبعون بعد الخمسمائة: (٥٧٩) وصل واسكتن هو قطعة من القصيدة الشاطبية، وهو: ووصلك بين السورتين فصاحة ... وصل واسكتن كل جلاياه حصلا قال أبو شامة: تبين فيه قراءة حمزة، ورمز له بقوله: فصاحة. وتبين قراءة ابن عامر وورش وأبي عمرو، ورمز لهم بقوله: كل جلاياه حصلا. وقد نقل الأهوازي عن حمزة أنه قال: إنما فعلت ذلك ليعرف القارئ كيف إعراب أواخر السور، أي: ووصلك بين السورتين بعد إسقاط البسملة يستلزم فصاحة، ثم بين غير قراءة حمزة ممن لم يبسمل، فقال: وصل واسكتن، وهذا على التخيير، وإلا فالجمع بينهما محال، أي: وصل إن شئت كما سبق لحمزة، واسكت على آخر السورة إن شئت، وبهذا التقدير دخل الكلام معنى التخيير، وإلا ليست موضوعه، وقيل إنها قد تأتي التخيير مجازاً، وجلايا: جمع جلية، مفعول حصل. والهاء ضمير التخيير، أي: كل من أهل الأداء استوضح التخيير، أو ضمير كل، أي: كل من القراء حصل جلايا ما ذهب إليه وصوبه. انتهى. وكذا قال محمد بن الحسين الفاسي، وقال الجعبري: والهاء للتخيير المفهوم من أو، وقال السمين: وقوله: وصل أو اسكتن، أي: أنت مخير وفي فهم التخيير من مجرد هذا التركيب قلق، فإن مجيء الواو للتخيير لم يثبت، وإنما اضطررنا إليه هنا، لأن الإتيان بالوصل والسكت في حين واحد محال. انتهى. وفهم من نصه على من لم يبسمل بين السورتين أن من عداهم من القراء يبسمل بينهما، وقد صرح به قبل هذا بقوله: وبسمل بين السورتين بسنة ... رجال نموها دربة وتجملا أخبر أن قالون والكسائي وعاصماً وابن كثير بسلموا بين السورتين، ورمز لهم بالباء والراء والنون والدال في أوائل الكلمات الأربعة.

стр. 2054

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثمانون بعد الخمسمائة: (٥٨٠) على الحكم المأتي يوماً إذا قضى ... قضيته أن لا يجور ويقصد على أن الواو للاستئناف، قال سيبويه: ومما جاء منقطعاً قول الشاعر: على الحكم المأتي ... البيت كأنه قال: عليه غير الجور، ولكنه يقصد، أو هو يقصد، أو هو قاصد، فابتدأ ولم يحمل الكلام على "أن" كما تقول: عليه أن لا يجور، وينبغي له كذا وكذا، فالابتداء بهذا أسبق وأعرف، فمن ثم لا يكادون يحملونها على "أن". انتهى. قال النحاس: سألت عنه أبا الحسن، فقال: ويقصد مقطوع من الأول، وهو في معنى الأمر، وإن كان مضارعاً كما تقول: يقوم زيد، فهو خبر، وفيه معنى الأمر. انتهى. ومثله للأعلم قال: قطعه لأن المعنى: وينبغي له أن يقصد، ولم يحمله على أول الكلام، لأن فيه معنى الأمر، فكأنه قال: وليقصد في حكمه، ونظيره مما جاء على لفظ الخبر ومعناه الأمر، قوله تعالى: (والْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ) [البقرة/ ٢٣٣] أي: ليرضعن أولادهن، وينبغي لهن أن يرضعنهم. انتهى. ونقله الجوهري في "الصحاح" وإليه ذهب ابن جني في "المحتسب" وهذا

стр. 2055

توجيه لانقطاعه واستئنافه، وليس المراد أن "يقصد" كان منصوباً بأن، فارتفع لما حذفت كما ذهب إليه الدماميني، وهو وإن كان جيداً إلا أنه لا يحسن التخريج على حذف "أن"، فإنه غير مقيس. وقال ابن الحاجب في "الإيضاح": العطف على "يجوز" غير مستقيم، لأن غرضه أن ينفي الجور، ويثبت القصد ليحصل المدح، وإذا أشرك بينه وبين الجور، دخل في النفي، فيصير نافياً للجور ونافياً للقصد، فلا يحصل مدح، بل يتناقض، فوجب أن يحمل على أنه مستأنف، ليكون مثبتاً، فيكون الجور منفياً، والقصد مثبتاً، فيحصل المقصود، ويرتفع الناقض. انتهى. وقوله: على الحكم، خبر مقدم، وأن لا يجور: مبتدأ مؤخر، والمعنى: يجب على حاكم بين الناس يؤتى لفصل الخصومات أن لا يجور في حكمه إذا قضى قضيته وحكم حكمه، وهو يقصد ويعدل في قضاياه، وهذا منه إرشاد للحكام إلى العدل في الحكم، وحث على النصفة. والحكم، بفتحتين: وصف من حكم زيد بين القوم، فهو حاكم، وحكم، بفتحتين، والحكم، بالضم: القضاء، وأصله المنع، يقال: حكمت عليه: إذا منعته من خلافه، فلم يقدر على الخروج من ذلك. والمأتي: اسم مفعول من أتيته يكون متعدياً بنفسه، ويتعدى تارة بإلى، فلا حاجة إلى قول ابن الملا: هو على الحذف والإيصال، وقضى: حكم، القضية فعيلة بمعنى مفعولة، وجار في حكمه: إذا عدل عن الحق، والقصد: العدل. يقال: قصد في الأمر من باب ضرب: إذا توسط، وطلب الأسد، ولم يجاوز الحد: وروي: على الحكم المأتي حق إذا قضى فحق مبتدأ، وما قبله خبره. والبيت من قصيدة عدتها تسعة عشر بيتاً لأبي اللحام التغلبي، أوردها أبو عمرو الشيباني في "أشعار تغلب" له، وانتخبها أبو تمام، فأورد منها خمسة أبيات في "مختار أشعار القبائل" وهذا أولها:

стр. 2056

عمرت وأطولت التفكر خالياً ... وساءلت حتى كاد عمري ينفد فأضحت أمور الناس يغشين عالماً ... بما يتقى منها وما يتعمد جدير بأن لا أستكين ولا أرى ... إذا الأمر ولى مدبراً أتبلد على الحكم المأتي .. .. البيت وعمرت: عشت عمراً طويلاً، من باب فرح، والمصدر العمر، بفتح العين وضمها مع سكون الميم فيهما، وساءلت: فاعلت من السؤال، أي: أكثرت من السؤال، وينفد: بالدال المهملة: يفنى، ويغشين: يأتين، وأراد بالعالم: نفسه، والفعلان بعده يجوز أن يكونا بالبناء للمعلوم، وبالبناء للمجهول، ويتعمد: يقصد، وجدير: خبر مبتدأ محذوف، أي: أنا جدير بأن لا أستكين، أي: لا أخضع ولا أذل، وأرى بالبناء للمفعول، وروي المصراع الثاني: إذا حل أمر ساحتي أتبلد أي: أتحير كالبليد. وأبو اللحام: شاعر لص وهو جاهلي، واسمه حريث، بالتصغير، واللحام بفتح اللام وتشديد الحاء المهملة، وقد بسطنا ترجمته في الإنشاد التاسع والستين بعد الستمائة من شواهد الرضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثمانون بعد الخمسمائة: (٥٨١) بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلت على أن الواو دخلت على الجملة الفعلية الحالية. قال ابن رشيق في باب "ما أشكل من المدح والهجاء "من العمدة" قال سليمان بن قتة في رثاء الحسين بن علي، ﵄، وذكر آل الرسول، ﷺ ، ويروى للفرزدق:

стр. 2057

أولئك قوم لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلت قال قوم: [أراد]: لم يغمدوا سيوفهم إلا بعد أن كثرت بها القتلى، كما تقول: لم أضربك ولم تجن علي، أي: إلا بعد أن جنيت علي، وقال آخرون: [أراد] لم يسلوا سيوفهم إلا و [قد] كثرت بها الفتلى كما تقول: لم ألقك ولم أحسن إليك، أي: إلا وقد أحسنت إليك، والقولان جميعاً صحيحان: لأنه من الأضداد. انتهى. يعني أن "شام" من الأضداد، يقال: شام سيفه، إذا سله، وشام سيفه: إذا غمده، وعلى المعنيين. جملة "قد" و"لم تكثر القتلى": حال من الواو، في يشيموا كما قرره ابن رشيق، ومثله، في وقوع الجملة حالية باعتبار كل من المعنيين، ما أنشده ابن السكيت في كتاب "أبيات المعاني" وأروده غفلاً: كماة حماة لم يشيموا سيوفهم ... ولم يخضبوها من دم متصبب ولكن اقتصر ابن السكيت على معنى الإغماد، فقال: معناه لم يغمدوا سيوفهم حتى خضبوها، وكذا اقتصر الأخفش المجاشعي في كتاب "المعاياة" على معنى الإغماد في البيت الشاهد، ورواه هكذا: أسود ضراء ما تشام سيوفهم ... ولم تكثر القتلى إذا هي سلت أراد: ما تشام سيوفهم إذا هي سلت، ولم تكثر القتلى، ولكنها تشام وقد كثرت القتلى. انتهى. وتبعه المبرد، فقال: قال الفرزدق: بأيدي رجال لم يشيموا .. .. البيت وهذا البيت طريف عند أصحاب المعاني، وتأويل لم يشيموا: لم يغموا، ولم تكثر القتلى، أي: لم يغمدوا سيوفهم إلا وقد كثرت القتلى حين سلت. وتبعه ابن الأنباري أيضاً فقال في كتاب "الأضداد": و"شمت" حرف من

стр. 2058

الأضداد، يقال: شمت السيف: إذا أغمدته، و [شمته أيضاً: إذا أخرجته من غمده]، قال الفرزدق: بأيدي رجال لم يشيموا .. .. البيت. أراد: لم يغمدوا سيوفهم حتى كثرت القتلى، وأخبرنا أبو العباس عن سلمة عن الفراء، قال: يقال: أغمدت السيف وغمدته، وقال في المعنى الآخر: إذا هي شيمت فالقوائم تحتها ... وإن لم تشم يوماً عليها القوائم أراد بشميت: سلت، وأخرجت من أغمادها، لأن السيف إذا أغمد كان قائمة فوقه، وإذا سل كان قائمه تحته. انتهى. وقبل البيت الشاهد: ألا إن قتلى الطف من آل هاشم ... أذلت رقاب المسلمين فذلت مررت على أبيات آل محمد ... فلم أرها أمثالها قد تجلت وكانوا سروراً ثم عادوا رزية ... لقد عظمت تلك الرزايا وجلت ألم تر أن الأرض أضحت حزينة ... لفقد حسن والبلاد اقشعرت أولئك قوم لم يشيموا سيوفهم .. البيت والطف، بفتح الطاء وتشديد الفاء. قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": هو موضع بناحية العراق من أرض الكوفة، والصحيح أن على فرسخين من البصرة، وهناك الموضع المعروف بكربلاء الذي قتل فيها الحسين بن علي ﵄، قال ابن رمح الخزاعي يذكر مقتله: وإن قتيل الطف من آل هاشم ... البيت والطف كان قصر أنس بن مالك، وفيه مات سنة ثلاث وأربعين وهو إلى مائة عام وثلاثة أعوام. انتهى. وهذا غلط منه في التصحيح، فإن الطف: موضع بناحية

стр. 2059

الكوفة، وكربلاء منه، وفيه قتل الحسين بن علي، قال الصاغاني: والطف: موضع بناحية الكوفة، وقال ابن دريد: الطف: ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق، وقال الأصمعي: إنما سمي طفاً، لأنه دنا من الريف، من قولهم: أخذت من متاعي ما خف وطف، أي: قرب مني، قال أبو دهبل الجمحي: ألا إن قتلى الطف من آل هاشم .. البيت وقال أيضاً: تبيت السكارى من أمية نوماً ... وبالطف قتلى ما ينام جميعها انتهى. وكذا قال غيره، وقد راجعت ديوان أبي دهبل، فلم أجد هذا الشعر فيه، والصحيح أنه لسليمان بن قتة، بفتح القاف وتشديد المثناة الفوقية، قال الصاغاني: قتة اسم أم سليمان بن قتة من التابعين، ولم أقف على اسم أبيه. انتهى. واقشعرت البلاد: أمحلت وأجدبت، وقوله: فلم أرها أمثالها: بدل من ها، تجلت: خلت من سكانها، من الجلاء، بالفتح والمد، وهو تفرق القوم من منازلهم، وقوله: أولئك قوم لم يشيموا سيوفهم روى مصراعه الثاني كذا: ولم تنك في أعدائها حين سلت وتنك: من النكاية، وهو مساو في المعنى للفظ الأول، وأولئك: لآل محمد، ﷺ . وقال ابن حجر في "تعجيل المنفعة في رجال الأربعة": سليمان بن قتة التيمي مولاهم البصري أخذ عن ابن عمر وابن عباس، ومعاوية، وأبي سعيد، وقال ابن خلفون في الثقات يكني أبا رزين، وكان أخذ القراءة عرضاً عن ابن عباس، فيقال: إنه عرض عليه ثلاث عرضات، قال: وكان شاعراً وهو القائل:

стр. 2060

وقد يحرم الله الفتى وهو عاقل ... ويعطي الفتى مالاً وليس له عقل وثقة ابن معين، وقال ابن المديني: قتة أمه، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان شاعراً. انتهى. وأنشد بعده: ولبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف وتقدم شرحه في الإنشاد الثاني والعشرين بعد الأربعمائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثمانون بعد الخمسمائة: (٥٨٢) لا تنه عن خلق وتأتي مثله على أن تأتي منصوب بأن مضمرة بعد واو العطف، قال سيبويه: واعلم أن الواو، وإن جرت هذا المجرى، فإن معناها ومعنى الفاء مختلفان، ألا ترى الأخطل قال: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم فلو دخلت الفاء هنا، لأفسدت المعنى، وإنما أراد لا تجمعن النهي، والإتيان، فصار "تأتي" على إضمار أن. انتهى. ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: وأنت تأتي، وعار خبر مبتدأ

стр. 2061

محذوف، أي: هو عار، وعظيم صفته، والجملة دليل جواب إذا، ومعنى البيت من قوله : (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ) [البقرة/ ٤٤] والبيت وجد في عدة قصائد، ومن ثم اختلف في قائله، فسيبويه نسبه إلى الأخطل، ولم أره في شعره، ونسبه أبو عبيد القاسم ابن سلام في "أمثاله" والأمدي في "المؤتلف والمختلف" والأصبهاني في "الأغاني" إلى المتوكل بن عبد الله الليثي الكناني، وكذلك الزمخشري نسبه إليه في أمثاله، وأنشد قبله هذين البيتين: ابدأ بنفسك فانهها عن غيرها ... إذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك تعدل إن وعظت ويقتدى ... بالقول منك وينفع التعليم والمتوكل الليثي من شعراء الإسلام. وهو من أهل الكوفة، ومدح معاوية وابنه يزيد، وقال اللخمي في شرح أبيات "الجمل": الصحيح أنه لأبي الأسود الدؤلي، فإن صح ما ذكره أنه للمتوكل، فإنما أخذ البيت من شعر أبي الأسود، والشعراء كثيراً ما تفعل ذلك. وأولها: حسدوا الفتى أن لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغياً: إنه لدميم وهي طويلة أوردناها في الشاهد الواحد والسبعين بعد الستمائة من شواهد الرضي وترجمة أبي الأسود تقدمت في الإنشاد السابع والعشرين بعد الثلاثمائة.

стр. 2062

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثمانون بعد الخمسمائة: (٥٨٣) وليل كموج البحر أرخى سدوله [تمامه: علي بأنواع الهموم ليبتلي] على أن ليلاً مجرور برب المضمرة بعد الواو، وكذا قال غيره من شراح الألفية، وإنما هو معطوف على مجرور "رب" في بيت قبله وهو: ألا رب خصم فيك ألوى رددته ... نصيح على تعذاله غير مؤتلي والألوى: الشديد الخصومة، كأنه يلتوي على خصمه بالحجج، والتعذال، بالفتح: العذل، والمؤتلي: المقصر، أي: غير تارك نصحي بجهده. ورددته: لم أقبل نصحه وهو جواب رب. وقوله: وليل، معطوف على خصم، والجواب محذوف تقديره: سهرته، يقال: سهر الليل أو بعضه: إذا لم ينم فيه، وقوله: كموج البحر، أي: في كثافة ظلمته وهوله، وسدوله: ستوره، واحده: سدل، بفتح فسكون، وسدل ثوبه: إذا أرخاه، وقوله: ليبتلي، أي: ليمتحن ما عندي أأجزع أم أصبر، والبيتان من معلقة امرئ القيس وبعدهما: فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل فيالك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل وهذان البيتان الأخيران تقدم شرحهما في الإنشاد الرابع والخمسين بعد الثلاثمائة.

стр. 2063

وقوله: فقلت له لما تمطى بصلبه. وروى الأسمعي: بجوزه، بفتح الجيم، ومعناه لما تمدد، بوسطه، وقوله: وأردف أعجازاً، قال الأصمعي: معناه حين رجوت أن يكون قد مضى أردف أعجازاً، أي: رجع، وناء بكلكل، أي: تهيأ لينهض، والكلكل: الصدر، وقال بعضهم: معنى البيت: ناء بكلكله، وتمطى بصلبه، وأردف أعجازاً، فقدم وأخر، وقوله: ... بأمثل، أي: بأفضل، قال ابن أبي الإصبع في "تحرير التحبير" استعار لظلمة الليل السدول المرخاة، لما بين المستعار والمستعار له منا اجتماعهما في منع الأبصار من الإبصار، وفائدة الاستعارة نقل الأخفى إلى الأظهر، لأن السدول تدرك بحاستي البصر واللمس، والظلمة تدرك بإحداهما دون الأخرى، ثم تمم بكونه جعل السدول مرخاة، لأن ذكرها بدون هذا القيد لا يوفي بالمعنى الذي قصده من منع رؤيته ما وراءها، لاحتمال أن تكون مرفوعة، وكذلك قصد بقوله: لما تمطى بصلبه، فإنه أراد وصف الليل بالطول، فاستعار له صلباً يتمطى به، إذا كان كل ذي صلب يزيد في طوله عند تمطيه شيئاً، وبالغ في طوله بأن جعل له أعجازاً يردف بعضها بعضها، فهو كلما نفد عجز ردفه عجز فلا تفنى أعجازه، ولا تنتهي إلى طرف، كما قيل في قوله تعالى: (لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) [النبأ/ ٢٣] قال قتادة: أحقاباً: لا انقطاع لها كلما مضى حقب جاء حقب بعده، ثم أراد أن يصف الليل بعد نهاية الطول بالثقل على قلب ساهره، والضغط لمكابده، فاستعار له كلكلاً ينوء به ولأجل هذه المعاني كانت الاستعارة أبلغ من الحقيقة. انتهى. وللنابغة الذبياني أبيات في طول الليل، وقد وقع البحث فيها مع أبيات امرئ القيس في أن أيهما أفضل، وقد ذكرنا التفصيل بينهما في الشاهد السابع والثلاثين بعد المائة من شواهد الرضي.

стр. 2064

وأنشد بعده: وقاتم الأعماق خاوي المخترق وتقدم شرحه قريباً في الثامن والخمسين بعد الخمسمائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثمانون بعد الخمسمائة: (٥٨٤) ووالله لولا تمره ما حببته على أن الواو الأولى للعطف، والثانية للقسم، وروي: "وأقسم لولا تمره" فلا شاهد فيه، وعلى كل الروايتين معطوف على أحب أول الشعر وهو هذا: أحب أبا مروان من أجل تمره ... وأعلم أن الرفق بالمرء أرفق ووالله لولا تمره ما حببته ... ولا كان أدنى من عبيد ومشرق وفيه إقواء. ورواه المبرد في "الكامل" هكذا: وأقسم لولا تمره ما حببته ... وكان عياض منه أدنى ومشرق فلا إقواء، قال الجوهري: يقال أحبه فهو محب، وحبه يحبه، بالكسر، فهو محبوب، وأنشد البيتين، وقال: هذا شاذ، لأنه لا يأتي في المضاعف يفعل، بالكسر، إلا ويشركه يفعل، بالضم، إذا كان متعدياً ما خلا هذا الحرف. انتهى. قال المبرد في "الكامل"، وكل شيء كان على فعلت من المدغم، فمضارعه إذا كان متعدياً إلى مفعول يكون على يفعل، نحو: رده يرده، وشجه يشجه، وفره يفره. فإذا قلت: فر يفر، فإنما ذلك لأنه غير متعد إلى مفعول، ولكن تقول: فررت الدابة أفره، وجاء فعل يفعل من المتعدي في ثلاثة

стр. 2065

أحرف يقال: عله يعله ويعله، وهره يهره ويهره: إذا كرهه، ويقال: أحبه يحبه، وجاء حبه يحبه، ولا يكون فيه يفعل. قال الشاعر: لعمرك إنني وطلاب مصر ... لكالمزداد مما حب بعدا وقال آخر: وأقسم لولا تمره ما حببته ... البيت. وقرأ أبو رجاء العطاردي (فاتبعوني يحبكم الله) [آل عمران/ ٣١] ففعل في هذا شيئين؛ أحدهما: أنه جاء به من حببت، والآخر: أنه أدغم في موضع الجزم، وهو مذهب تميم وقيس وأسد. انتهى كلامه. وقال ابن السيد البطليوسي فيما كتبه عليه، قوله هز يهز قد جاء غير هذا الذي ذكره وهو: شده يشده ويشده، ونم الحديث ينمه وينمه، حكاهما الفراء، وزاد غيره: بت الشيء يبته ويبته إذا قطعه. وقول الشاعر: وأقسم لولا تمره ما حببته هذا البيت أنشده الكسائي في "الألفاظ". ووالله لولا تمره ما حببته ... ولا كان أدنى من عبيد ومشرق وأنشد قبله متصلاً به: أحب أبا مروان من أجل تمره ... وأعلم أن الجار بالجار أرفق وفي "الزاهر" لابن الأنباري: قال الكسائي والفراء: حببته وأحببته، وأنشد: أحب أبا العصماء من حب تمره ... وأعلم أن الرفق بالعبد أرفق ووالله لولا تمره ما حببته ... وما كان أدنى من حبيب ومشرق

стр. 2066

وقال اليزيدي في "نوادره": أنشدنا أبو جعفر، قال: أنشدني أبو توبة في قول العرب: حببت الرجل فأنا أحبه ومحبوب من هذا، وأحببته فهو محب: أحب أبا الغضبان من حب تمره ... وأعلم أن الرفق بالجار أوفق فوالله لولا تمره ما حببته ... ولو كان أدنى من عبيد ومشرق انتهى. وفي هذه الرواية لا شاهد فيه، و"لو" فيه وصلية، وأحب بفتح الألف وكسر الحاء، وأوفق: بالواو. وفي "أمثال الميداني": "صنعة من طب لمن حب"، أي: اصنع هذا الأمر لي صنعة من طب لمن حب، أي: صنعة حاذق لإنسان يحبه. يضرب في التنوق في الحاجة، واحتمال التعب فيها، وإنما قال حب لمزاوجة طب، وإلا فالكلام: أحب، وقال بعضهم: حببته وأحببته لغتان، وأنشد: ووالله لولا تمره ما حببته ... ولا كان أدنى من عبيد ومشرق وهذا إن صح شاذ نادر. وقال ابن بري في أماليه على "صحاح الجوهري": هذان البيتان لعيلان بن شجاع النهشلي، وكان أبو العباس المبرد يرويه: وكان عياض منه أدنى ومشرق فعلى هذه الرواية لا يكون فيه إقواء. انتهى. وعيلان، بفتح العين المهملة وسكون المثناة التحتية، وعبيد بالتصغير، ومشرق: اسم فاعل من الإشراق، وهما ابنا الشاعر، وما أكثر اختلاف الروايات في كلمات هذين البيتين.

стр. 2067

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثمانون بعد الخمسمائة: (٥٨٥) فما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظاً وينوي من سفاهته كسري على أن الواو زائدة، لأن جملة "ينوي" حال من "من"، والجملة المضارعة المثبتة أو المنفية بلا إذا وقعت حالاً، استغنت بالضمير عن الواو، كقوله تعالى: (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) [البقرة/ ١٥]، وكقوله تعالى: (ومَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ) [المائدة/ ٨٤] وإنما قال: زيادة الواو ظاهرة، ولم يجزم بزيادتها، لأنه يمكن جعلها واو الحال، قال ابن مالك في "شرح العمدة": فإن كانت الجملة مصدرة بمضارع مثبت أو منفي بلا استغنت عن الضمير في غير ندور، ونبهت بقولي: "في غير ندور" على نحو قول بعض العرب: قمت وأصك عينه، ومن حذاق النحويين من يضمر مبتدأ بعد الواو، ويجعل المضارع خبره، فيكون التقدير: قمت وأنا أصك عينه. انتهى. وكذلك هنا يكون التقدير: وهو ينوي. قال شيخنا الشهاب الخفاجي في أماليه "طراز المجالس": البال بمعنى القلب، وله معان أخرى كالحال والشأن، يقولون: ما باله لا يفعل كذا، وقد التزم بعده ذكر حال يفسره غالباً، وقد يأتي بدونها. كقوله تعالى في سورة طه: (فَمَا بَالُ القُرُونِ الأُولَى) [الآية/ ٥١]، وقد تتبعت استعمال هذه الحال في كلام العرب، ولم أر من سبقني له، فرأيتهم يستعملونها على نجوه شتى، منها أنها ماضوية مقرونة بقد كقول العامري: ما بال قلبك يا مجنون قد هلعا ... من حب من لا ترى في نيله طمعا

стр. 2068

وماضوية بدون "قد" كقوله: ما بال قلبي هده الشوق والهوى ... وهذا قميصي من جوى الحزن باليا ومضارعية مثبتة كقول أبي العتاهية: ما بال دينك ترضى أن تدنسه ... وثوب دنياك نغسول من الدنس ومنفية، كما أنشده ابن الأعرابي: وقائلة ما باله لا يزورنا وتكون مفردة كقول العامري: فما بال النجوم معلقات ... بقلب الصب ليس لها براح وتكون اسمية غير مقترنة بواو كقوله: ما بال عينيك منها الماء ينسكب وبالواو كقول الزمخشري في سورة آل عمران: (ما باله وهو آمن). وقال التفتازاني في شرح قوله: وهو آمن: حال عامله ما في بال من معنى الفعل، ولم نجد في الاستعمال هذه الحال بالواو قال: ما بال عينيك منها الماء ينسكب

стр. 2069

انتهى. أقول: قد اقترنت بالواو في غير الاسمية كثيراً كبيت "الكتاب": ما بال جهلك بعد الحلم والدين ... وقد علاك مشيب حين لا حين ومثله لا يثبت بالرأي من غير داع له، والاسمية أولى بذلك من غيرها عند الزمخشري، والجملة المضارعية لا تقترن بالواو في "الفصيح" مع أنها سمعت كذلك أيضاً [كقول كنانة بن عبد ياليل]: بما بال من أسعى لأجبر عظمه .. البيت فهو إما مؤول، أو مختص بهذا المحل، فاحفظه. هذا آخر كلام شيخنا. والبيت أول أبيات أوردها أبو العباس ثعلب في أول الجزء الرابع من "أماليه" قال: زعم عثمان بن حفص الثقفي أن خلفاً الأحمر أخبره أن هذا الشعر لابن الذئبة الثقفي عن مروان بن حفصة: ما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظاً وينوي من سفاهته كسري أعود على ذي الذنب والجهل منهم ... بحلمي ولو عاقبت غرقهم بحري أناة وحلماً وانتظاراً بهم غداً ... فما أنا بالفاني ولا الضرع الغمر أظن صروف الدهر والجهل منهم ... سيحملهم مني على مركب وعر ألم تعلموا أني تخاف عرامتي ... وأن قناتي لا تلين على القسر وإني وإياهم كمن نبه القطا ... ولو لم تنبه باتت الطير لا تسري ورواها القالي كذا في "أماليه" عن ثعلب بهذا الإسناد، ورواها ابن قتيبة في

стр. 2070

كتاب "الشعراء" للأجرد، بالجيم، قال: الأجرد هو من ثقيف، ووفد على عبد الملك في قوم من الشعراء فقال له: ما من شاعر إلا وقد سبق إلينا من شعره قبل رؤيته، فما قلت؟ قال: أنا القائل: من كان ذا عضد يدرك ظلامته ... إن الدليل الذي ليست له عضد تنبو يداه إذا ما قل ناصره ... ويمنع الضيم إن أثرى له عدد وهو القائل: ما بال من أسعى لأجبر عظمه .. الأبيات الخمسة ونسبه الآمدي في "المؤتلف والمختلف" لوعلة الجرمي، قال: ومنهم وعلة بن الحارث الجرمي، لم يرفع نسبه في كتاب جرم، وجدت له في كتاب جرم، وهو شاعر جاهلي: ما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظاً ويبغي من سفاهته كسري وهي الأبيات المشهورة. انتهى. أقول: قال المرزباني: هذا الشعر لوعلة بن الحارث الجرمي، جاهلي وله في يوم الكلاب أشعار منها هذا، وذكر نحوه في "الوحشيات" وسماه هشام في "الجمهرة": وعلة بن عبد الله بن الحارث بن بلع بن هبيرة بن سيلة بن الهون، قال: وكان فارساً، وهو قاتل الحارث بن عبد المدان. انتهى. وقال أبو تمام في أول "أشعار مختار القبائل": هي لكنانة بن عبد يا ليل الثقفي. قال صاحب "الحماسة البصرية": هي للحارث بن وعلة الشيباني جاهلي، وقيل:
следующие страницы →