← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

وقال اليزيدي في "نوادره": أنشدنا أبو جعفر، قال: أنشدني أبو توبة في قول العرب: حببت الرجل فأنا أحبه ومحبوب من هذا، وأحببته فهو محب: أحب أبا الغضبان من حب تمره ... وأعلم أن الرفق بالجار أوفق فوالله لولا تمره ما حببته ... ولو كان أدنى من عبيد ومشرق انتهى. وفي هذه الرواية لا شاهد فيه، و"لو" فيه وصلية، وأحب بفتح الألف وكسر الحاء، وأوفق: بالواو. وفي "أمثال الميداني": "صنعة من طب لمن حب"، أي: اصنع هذا الأمر لي صنعة من طب لمن حب، أي: صنعة حاذق لإنسان يحبه. يضرب في التنوق في الحاجة، واحتمال التعب فيها، وإنما قال حب لمزاوجة طب، وإلا فالكلام: أحب، وقال بعضهم: حببته وأحببته لغتان، وأنشد: ووالله لولا تمره ما حببته ... ولا كان أدنى من عبيد ومشرق وهذا إن صح شاذ نادر. وقال ابن بري في أماليه على "صحاح الجوهري": هذان البيتان لعيلان بن شجاع النهشلي، وكان أبو العباس المبرد يرويه: وكان عياض منه أدنى ومشرق فعلى هذه الرواية لا يكون فيه إقواء. انتهى. وعيلان، بفتح العين المهملة وسكون المثناة التحتية، وعبيد بالتصغير، ومشرق: اسم فاعل من الإشراق، وهما ابنا الشاعر، وما أكثر اختلاف الروايات في كلمات هذين البيتين.

стр. 2067

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثمانون بعد الخمسمائة: (٥٨٥) فما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظاً وينوي من سفاهته كسري على أن الواو زائدة، لأن جملة "ينوي" حال من "من"، والجملة المضارعة المثبتة أو المنفية بلا إذا وقعت حالاً، استغنت بالضمير عن الواو، كقوله تعالى: (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) [البقرة/ ١٥]، وكقوله تعالى: (ومَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ) [المائدة/ ٨٤] وإنما قال: زيادة الواو ظاهرة، ولم يجزم بزيادتها، لأنه يمكن جعلها واو الحال، قال ابن مالك في "شرح العمدة": فإن كانت الجملة مصدرة بمضارع مثبت أو منفي بلا استغنت عن الضمير في غير ندور، ونبهت بقولي: "في غير ندور" على نحو قول بعض العرب: قمت وأصك عينه، ومن حذاق النحويين من يضمر مبتدأ بعد الواو، ويجعل المضارع خبره، فيكون التقدير: قمت وأنا أصك عينه. انتهى. وكذلك هنا يكون التقدير: وهو ينوي. قال شيخنا الشهاب الخفاجي في أماليه "طراز المجالس": البال بمعنى القلب، وله معان أخرى كالحال والشأن، يقولون: ما باله لا يفعل كذا، وقد التزم بعده ذكر حال يفسره غالباً، وقد يأتي بدونها. كقوله تعالى في سورة طه: (فَمَا بَالُ القُرُونِ الأُولَى) [الآية/ ٥١]، وقد تتبعت استعمال هذه الحال في كلام العرب، ولم أر من سبقني له، فرأيتهم يستعملونها على نجوه شتى، منها أنها ماضوية مقرونة بقد كقول العامري: ما بال قلبك يا مجنون قد هلعا ... من حب من لا ترى في نيله طمعا

стр. 2068

وماضوية بدون "قد" كقوله: ما بال قلبي هده الشوق والهوى ... وهذا قميصي من جوى الحزن باليا ومضارعية مثبتة كقول أبي العتاهية: ما بال دينك ترضى أن تدنسه ... وثوب دنياك نغسول من الدنس ومنفية، كما أنشده ابن الأعرابي: وقائلة ما باله لا يزورنا وتكون مفردة كقول العامري: فما بال النجوم معلقات ... بقلب الصب ليس لها براح وتكون اسمية غير مقترنة بواو كقوله: ما بال عينيك منها الماء ينسكب وبالواو كقول الزمخشري في سورة آل عمران: (ما باله وهو آمن). وقال التفتازاني في شرح قوله: وهو آمن: حال عامله ما في بال من معنى الفعل، ولم نجد في الاستعمال هذه الحال بالواو قال: ما بال عينيك منها الماء ينسكب

стр. 2069

انتهى. أقول: قد اقترنت بالواو في غير الاسمية كثيراً كبيت "الكتاب": ما بال جهلك بعد الحلم والدين ... وقد علاك مشيب حين لا حين ومثله لا يثبت بالرأي من غير داع له، والاسمية أولى بذلك من غيرها عند الزمخشري، والجملة المضارعية لا تقترن بالواو في "الفصيح" مع أنها سمعت كذلك أيضاً [كقول كنانة بن عبد ياليل]: بما بال من أسعى لأجبر عظمه .. البيت فهو إما مؤول، أو مختص بهذا المحل، فاحفظه. هذا آخر كلام شيخنا. والبيت أول أبيات أوردها أبو العباس ثعلب في أول الجزء الرابع من "أماليه" قال: زعم عثمان بن حفص الثقفي أن خلفاً الأحمر أخبره أن هذا الشعر لابن الذئبة الثقفي عن مروان بن حفصة: ما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظاً وينوي من سفاهته كسري أعود على ذي الذنب والجهل منهم ... بحلمي ولو عاقبت غرقهم بحري أناة وحلماً وانتظاراً بهم غداً ... فما أنا بالفاني ولا الضرع الغمر أظن صروف الدهر والجهل منهم ... سيحملهم مني على مركب وعر ألم تعلموا أني تخاف عرامتي ... وأن قناتي لا تلين على القسر وإني وإياهم كمن نبه القطا ... ولو لم تنبه باتت الطير لا تسري ورواها القالي كذا في "أماليه" عن ثعلب بهذا الإسناد، ورواها ابن قتيبة في

стр. 2070

كتاب "الشعراء" للأجرد، بالجيم، قال: الأجرد هو من ثقيف، ووفد على عبد الملك في قوم من الشعراء فقال له: ما من شاعر إلا وقد سبق إلينا من شعره قبل رؤيته، فما قلت؟ قال: أنا القائل: من كان ذا عضد يدرك ظلامته ... إن الدليل الذي ليست له عضد تنبو يداه إذا ما قل ناصره ... ويمنع الضيم إن أثرى له عدد وهو القائل: ما بال من أسعى لأجبر عظمه .. الأبيات الخمسة ونسبه الآمدي في "المؤتلف والمختلف" لوعلة الجرمي، قال: ومنهم وعلة بن الحارث الجرمي، لم يرفع نسبه في كتاب جرم، وجدت له في كتاب جرم، وهو شاعر جاهلي: ما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظاً ويبغي من سفاهته كسري وهي الأبيات المشهورة. انتهى. أقول: قال المرزباني: هذا الشعر لوعلة بن الحارث الجرمي، جاهلي وله في يوم الكلاب أشعار منها هذا، وذكر نحوه في "الوحشيات" وسماه هشام في "الجمهرة": وعلة بن عبد الله بن الحارث بن بلع بن هبيرة بن سيلة بن الهون، قال: وكان فارساً، وهو قاتل الحارث بن عبد المدان. انتهى. وقال أبو تمام في أول "أشعار مختار القبائل": هي لكنانة بن عبد يا ليل الثقفي. قال صاحب "الحماسة البصرية": هي للحارث بن وعلة الشيباني جاهلي، وقيل:

стр. 2071

هي لابن الذئبة، وقيل: هي لكنانة بن عبد ياليل، وقيل: وعلة بن الحارث الثقفي، وكان عبد الملك بن مروان يتمثل بها عند جلوسه للمظالم، انتهى. وقال أبو عبيد البكري فيما كتبه على "أمالي القالي" ابن الذئبة: هو ربيعة بن عبد ياليل بن سالم بن مالك بن خطيط بن جشم بن قيس وهو ثقفي، وأمه تسمى الذئبة، غلبت عليه، وهو شاعر فارس جاهلي، وتمام الشعر: ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر انتهى. وقد أورد هذه الأبيات المبرد في "الكامل" غير منسوبة قال: كتب صاحب اليمن إلى عبد الملك في وقت محاربته ابن الأشعث: إني قد وجهت إلى أمير المؤمنين بجارية اشتريتها بمال عظيم، ولم ير مثلها قط، فلما دخل بها عليه، رأى وجهاً جميلاً، وخلقاً نبيلاً، فألقى إليها قضيباً كان في يده، فنكست لتأخذه، فرأى منها جسماً بهره، فلما هم بها، أعلمه الآذن أن رسول الحجاج بالباب، فأذن له، ونحى الجارية، فأعطاه كتاباً من عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فيه سطور أربعة: سائل مجاور جرم هل جنيت لهم ... حرباً تزيل بين الجيرة الخلط وهل سموت بجرار له لجب ... جم الصواهل بين الجم والفرط وهل تركت نساء الحي ضاحية ... في ساحة الدار يستوقدن بالغبط وتحته: قتل الملوك وسار تحت لوائه ... شجر العرى وعراعر الأقوام

стр. 2072

فكت إليه عبد الملك كتاباً، وجعل في طيه جواباً لابن الأشعث: ما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظاً وينوي من سفاهته كسري الأبيات، ثم بات يقلب كف الجارية، ويقول: ما أفدت فائدة أحب إلي منك، فتقول: فما بالك؟ وما يمنعك يا أمير المؤمنين؟ فقال: ما قاله الأخطل، لأني إن خرجت منه كنت ألأم العرب: قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار فما إليك من سبيل، أو يحكم الله بيننا وبين عدو الله عبد الرحمن بن الأشعث، فلم يقربها حتى قتل عبد الرحمن. وقوله: بين الجم والفرط: موضعان، وقوله: يستوقدن بالغبط، يقال فيه قولان متقاربان، أحدهما: أنهن قد يئسن من الرحيل، فجعلن مراكبهن حطباً، هذا قول الأصمعي، وقال غيره: بل قد منعهن الخوف من الاحتطاب، والغبيط: من مراكب النساء. وقوله: شجر العرى: نبت بعينه إن ضم العين، والعراء ممدود: وجه الأرض. وقوله: "دون النساء ولو باتت بأطهار" معناه: أنه يجتنبها في طهرها، وهو الوقت الذي يستقيم له غشيانها فيه. انتهى باختصار. قال أبو الحسن الأخفش فيما كتبه عليه: العرى: بضم العين: ضرب من الشجر، وقال بعضهم: هو الطرفاء. انتهى. ورأيت في هامش نسختي كتابة بخط الإمام مغلطاي الحافظ كتب على قوله: سائل مجاور جرم هل جنيت لهم ... الأبيات. هذا لوعلة الجرمي، وسببه فيما ذكر أبو الحسن الأثرم: أن قوماً قتلوا أخاه

стр. 2073

لأمه، فاستعان عليهم بخلفاء بني نمير، فقتل بهم قومه، وكان أخوه نميرياً. وكتب عند قوله: قتل الملوك وسار تحت لوائه هذا البيت أنشده أبو زيد لمهلهل في "كتاب الشجر" وزعم أنه يقال: العروة من الشجر: بقية العضاه والحمض في الجدب، وجماعها العرى، ولا يقال لشيء من الشجر عرى إلا لهما، غير أنه قد يشتق لكل ما بقي من الشجر في الصيف، فيقال له: عروة. انتهى. والقائل فيه مهلهل "قتل الملوك" هو رجل اسمه شرحبيل، من بني تغلب، وزعم البكري في "اللآليء": أنه يروى لشرحبيل بن مالك، أحد بني عصم، قال: ويروى البيت لعمرو بن الأيهم التغلبي. وكتب عند عراعر الأقوام في كتاب "ليس": عراعر القوم: سادتهم، بفتح العين، غير مصروف، وكل فعالل جمعه فعالل، وكتب عند قوله: ما بال من أسعى ... الأبيات: أنشد القالي هذا الشعر لابن الذئبة الثقفي، وتبعه أبو عبيد البكري وكتب عند قوله: قوم إذا حاربوا .. البيت؛ أصل هذا من قول الحطيئة: إذا هم بالأعداء لم يثن همه ... كعاب عليها لؤلؤ وشنوف ومثله قول كثير: إذا ما أراد الغزو لم يثن همه ... حصان عليها عقد در يزينها وتقدم نقل هذا عند شرح بيت الأخطل.

стр. 2074

رجعنا إلى البيت الشاهد، قوله: ما بال من أسعى .. إلخ، كذا في جميع الروايات بلا واو، ولا فاء، على الخرم، وما: مبتدأ، وبال: خبر، وقيل بالعكس، والجبر: شد العظم المكسور ومداواته، وحفاظاً: مفعول لأجله، علل بن أسعى، وهو مصدر حافظ على الشيء لدينه وأمانته، ويمينه. وقوله: بحلمي: متعلق بأعود، وقوله: أناة وانتظاراً: كل منهما مفعول مطلق عامله محذوف، والفاني: الشيخ العاجز، وروي بدله "بالواني" من وني ونياً، من باب تعب ووعد: ضعف وفتر، والضرع، بفتحتين: الصغير السن الضعيف، وككتف: الضعيف، والغمر، بالضم: من لم يجرب الأمور، وصروف الدهر: حوادثه، والجهل: الخفة، والوعر، بفتح فسكون: المتوعر: الخشن الصعب. وقوله: "ألم تعلموا أني تخاف" بالبناء للمفعول، والعرامة، بضم العين المهملة: شراسة الأخلاق وحدتها، عرم كنصر وضرب وكرم وعلم عرامة وعراماً، بالضم، واستعار القناة للحال، والقسر، بالقاف: القهر. وقوله: "كأني وإياهم كمن نبه القطا" إلى آخره، هو من المثل المشهور: "لو ترك القطا ليلاً لنام". وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثمانون بعد الخمسمائة: (٥٨٦) ولقد رمقتك في المجالس كلها ... فإذا وأنت تعين من يبغيني على أن الواو زائدة، وزيادتها هنا متحتمة، لأن إذا الفجائية لا تدخل إلا على جملة إسمية يكون مبتدؤها مجرداً من حرف العطف، وهو من أبيات ستة لأبي العيال

стр. 2075

الهذلي أوردها السكري في "أشعار الهذليين" وهي: إن البلاء لدى المقاوس مخرج ... ما كان من غيب ورجم ظنون البلاء: الامتحان والاختبار، والمقاويس: جمع مقوس، بكسر الميم، وهو الموضع الذي تدفع منه الخيل عند الحبل، قاله السكري، وقوله: "ورجم ظنون" يريد ما كان من أمر خفي، وأمر يرجم فيه بالظن. فإذا الجواد ونى وأخلف منسراً ... ضمراً فلا توقن له بيقين المنسر: بكسر الميم وسكون النون، قال السكري: ونى: ضعف، وقصر في الجري، وأخلف المنسر: إذا سبقه المنسر، وجاء وهو خلف، فلا توقن له بخير، لأنه فرس سوء، وأخلف منسراً، أي: جاء من بعده، والمنسر: ما بين الثلاثين إلى الأربعين، وروي "ميسراً" بفتح الميم وسكون المثناة التحتية وكسر السين، وروى الباهلي: "وأخلف ميسراً" وقال لي: هو ما تيسر له من الجري ضمراً، أي: ما ضمر، فلا توقن له بخير، يقال: خذ ميسر فرسك. لو كان عندك ما تقول جعلتني ... كنزاً لريب الدهر عند ضنين قال السكري: يقول: لجعلتني بمنزلة الكنز عند هذا الضنين، لأن الضنين أحرى بأن يصون كنزه، والريب: الحوادث. فلقد بلوتك في المجالس كلها ... فإذا وأنت تعين من يبغيني قال السكري: يريد أنت، والواو مقحمة. انتهى. وبلوتك: اختبرتك، ويبغيني: يطلبني بسوء، يقال: بغيته أبغيه بغياً، أي: طلبته، أو من بغى عليه بغياً: إذا ظلمه واعتدى عليه، فيكون من باب الحذف والإيصال.

стр. 2076

هلا درأت الخصم حين رأيتهم ... جنفاً علي بألسن وعيون قال السكري: أي: دفعت الخصم، والجنف: الجائر المائل، وهو مصدر. انتهى. والخصم لكونه في الأصل مصدراً يطلق على الواحد والجمع، والمراد هنا الثاني قوله: رأيتهم، والجنف، بفتح الجيم والنون. وزجرت عني كل أبلخ كاشح ... ترع المقالة شامخ العرنين الأبلخ بالخاء المعجمة، وترع، بفتح المثناة الفوقية وكسر الراء: وصف من الترع بفتحتين وهو الإسراع إلى المشي، وفعله من باب فرح، قال السكري: الأبلخ: المتكبر، والكاشح: العدو الباطن العداوة، وترع المقالة: العجل بالقول من الغضب. انتهى. وهذه الأبيات أجاب بها ابن عمه بدر بن عامر الهذلي، قال السكري: قال أبو محمد: أصيب ابن الأخ لأبي العيال، وهو ابن أبي عثير أحد بني خماعة، وكان ممن خرج إلى مصر في خلافة الإمام عمر بن الخطاب ﵁، وكان فيه بعض الرهق، والرهق، بفتحتين: ركوب الشر والظلم، وغشيان المحارم؛ فاتهم ابن أبي عثير ابن عمر له يقال له: بدر بن عامر، أن ميله مع خصمائه، فبلغ ذلك بدراً، فقال في ذلك بدر بعد أبيات: وأبو العيال أخي فمن يعرض له ... منكم بسوء يؤذني ويسوني إني وجدت أبا العيال وعزه ... كالحصن لز بجندل موضون أعيا المجانيق الدواهي دونه ... فتركنه وأبر بالتحصين

стр. 2077

قال السكري: أبر: غلب، يقول: هذا الحصن أعيا المجانيق. الدواهي: المنكرات، وأبر الحصن، أي: غلب بأن حصن حتى امتنع. وإذا عددت أولي الثقات فإنه ... مما تصول به إلى يميني قال السكري: معنى إلي: عندي. انتهى. وبدر بن عامر الهذلي أورده ابن حجر في المخضرمين من "الإصابة" قال: ذكر أبو الفرج الأصبهاني: أنه شاعر مخضرم أسلم في عهد عمر، ونزل هو وابن عمه مصر وأورد له أشعاراً. انتهى. وقال أيضاً: أبو العيال ابن أبي عتبة الهذلي من خماعة بن سعد بن هذيل، وهو أخو عبد بن وهرة الهذلي لأمه، ذكره ابن عساكر، فقال: مخضرم أدرك الجاهلية وأسلم في خلافة عمر، فدخل مصر ثم عمر إلى خلافة معاوية، وغزا مع يزيد بن معاوية الروم، وكتب إلى معاوية قصيدة قالها في تلك الواقعة. انتهى. وخماعة بضم الخاء المعجمة بعدها ميم، وبعد الألف عين مهملة.

стр. 2078

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثمانون بعد الخمسمائة: (٥٨٧) شربت بها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنوا نعش دنوا فتصوبوا على أنه استعمل الواو في غير ضمير العقلاء، قال سيبويه: وأما (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [الأنبياء/ ٣٣] و (رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) [يوسف/ ٤] و (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ) [النمل/ ١٨٤] فزعم أنه جعلهم بمنزلة من يعقل ويسمع لما ذكرهم بالسجود، وصار النمل بتلك المنزلة حين حدث عنه كما يحدث عن الأناسي، وكذلك (فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [الأنبياء/ ٣٣] لأنها جعلت في طاعتها، وفي أنه لا ينبغي لأحد أن يقول: مطرنا بنوء كذا، فلا ينبغي لأحد أن يعبد شيئاً منها بمنزلة ما يعقل من المخلوقين، ويبصر الأمور. قال النابغة الجعدي: شربت بها والديك يدعو ... البيت فجاز هذا حيث صارت هذه الأشياء عندهم تؤمر وتطيع، وتفهم الكلام، وتعبد، بمنزلة الآدميين. انتهى. قال ابن خلف: الشاهد أنه جمع "ابناً" من غير ما يعقل، جمع العقلاء المذكرين، فقال: بنو، وكان ينبغي أن يقول: بنات نعش، واحدها ابن نعش، لأن ما لا يعقل من المذكر والمؤنث يجمع جمع السلامة والتكسير: حكمام وحمامات، وحمل بنو نعش على ما يعقل لما كان دورها على مقدار لا يتغير، فكأنها تقدر ذلك

стр. 2079

الدور وتعقله، فجاز هذا حيث صارت هذه الأشياء عندهم تؤمر وتطيع وتفهم الكلام، وتعبد بمنزلة الآدميين. وقال: دنوا فتصوبوا، وكان ينبغي أن يقول: دنون فتصوبن. والبيت من قصيدة عدتها ستة وثلاثون بيتاً للنابغة الجعدي، وقبله: وصهباء لا تخفي القذى وهي دونه ... تصفق في راووقها ثم تعطب أي: رب صهباء لا تخفي القذى، أي: لا تستره إذا وقع فيها، لأنها صافية، فالقذى يرى فيها إذا وقع، وقوله: وهو دونه. يريد أن القذى إذا حصل في أسفل الإناء رآه الرائي في الموضع الذي هو فيه، والخمر أقرب إلى الرائي من القذى، وهي فيما بين الرائي، وبين القذى، يريد: أنها يرى ما وراءها، وتصفق: تدار من إناء إلى إناء، وتقطب: تمزج. وروي أيضاً: وصهباء مثل المسك ساطع ريحها ... تصفق في ناجودها ثم تقطب والناجود، بالنون والجيم: كل إناء يجعل فيه الشراب من قصعة وغيرها، وقوله: شربت بها، أي: منها، أو شربتها، والباء زائدة، وفي شعره: تمززتها، أي: شربتها قليلاً قليلاً، وقوله: يدعو صباحه، أي: يدعو في وقت إصباحه، وقوله: دنوا، أي: مالت بنات نعش إلى جانب الأفق للغروب، والتصوب: الانحدار، وبعده: فإن تأخذوا مالي وأهلي بظنة ... فإني لحراب الرجال مجرب صبور على ما يكره المرء كله ... سوى العار إني إن ظلمت سأغضب

стр. 2080

أقارض أقواماً فأوفي قروضهم ... وأعلم ما آتي وما أتجنب وأعلم أن الخير ليس بدائم ... علينا وأن الشر ما هو ترتب وترتب: مقيم راتب. والنابغة الجعدي، تقدمت ترجمته في الإنشاد الرابع والتسعين بعد الثلاثمائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثمانون بعد الخمسمائة: (٥٨٨) يلومونني في اشتراء النخيـ ... ـل أهلي فكلهم ألوم على أن الواو في "يلومونني" حرف يدل على الجمع عند سيبويه، قابل ابن جني: وتزاد الواو في الفعل علامة الجمع نحو: الرجال يقومون، وتزاد علامة للجمع مجردة من الضمير في نحو قول العرب: "أكلوني البراغيث" وهذا على أحد وجهي ما توؤلت عليه الآية: (وأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) [الأنبياء/ ٢١] فيمن لم يجعل في "أسروا" ضميراً، ومثل ذلك سواء قوله تعالى: (ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِّنهُم) [المائدة/ ٧١] وقال الشاعر: يلومونني في اشتراء النخيل أهلي فكلهم ألوم فاعرفه. انتهى. وكذا عند الفراء في تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِّنهُمْ) وأنشد البيت كذا. وقال الخفاف في "شرح الجمل" إلحاق الفعل علامة التثنية والجمع لغة ضعيفة، هذا والرواية الصحيحة في آخر البيت: "فكلهم يعذل" وكذا أنشده ابن يعيش

стр. 2081

والخفاف والشاطبي وغيرهم. أنشد أبو حنيفة الدينوري في كتاب "النبات" عن الأصمعي لأحيحة بن الجلاح: يلومونني في اشتراء النخيل أهلي فكلهم يعذل وأهل الذي باع يلحونه ... كما لحي البائع الأول هي الظل في الحر حق الظليل والمنظر الأحسن الأجمل تعشى أسافلها بالجبوب ... وتأني حلوبتها من عل وتصبح حيث تبيت الرعاء ... وإن ضيعوها وإن أهملوا فعم لعمكم نافع ... وطفل لطفلكم يؤمل وتعشى: فعل ماض، وأسافلها: فاعله، والجبوب، بفتح الجيم وضم الموحدة: الأرض، وقيل: وجهها، وقيل: غليظها، وقيل: التراب، وأنى الشيء، بالنون أنياً، أي: أدرك، والحلوبة: ذات اللبن. شبه النخل بالإبل، يقول: لا عمل ولا كد في النخل، فأسفلها يأخذ غذاءه من التراب، والمثمرة منها يدرك ثمرها فوقها، والنخل العم، بالضم: التي استحكمت وكملت وطالت، أي: كبارها نافعة لكباركم، وصغارها تؤمل لصغاركم، فسمى صغارها أطفالاً، والعمة: النخلة يصعد إليها إذا جنيت، وهي العميمة أيضاً، وأنشد غير الأصمعي: لنا لقحة لم تغذ يوماً بناتها ... إذا بركت في مبرك لم تحول لها أخوات حولها من بناتها ... صوادي لم تحلل ببيداء مجهل قيام حوالي فحلها وهو قائم ... تلقح منه وهو عنها بمعزل وما أحسن قول الآخر: إن لنا من مآلنا جمالا ... من خير ما تحوي الرجال مالا نحلبها غزراً ولا بلالا ... بهن لا علا ولا نهالا ينتجن كل شتوة أحمالا

стр. 2082

وأحيحة بن الجلاح الأوسي كان سيد الأوس في الجاهلية، وكانت أم عبد المطلب ابن هاشم تحته، والمنذر بن محمد بن عقبة بن أحييحة: صحابي شهد بدراً، وأحيحة، بضم الهمزة وفتح الحاء المهملة بينهما مثناة تحتية، وجلاح: بضم الجيم وخفة اللام وآخره حاء مهملة، وقد بسطنا ترجمته في الشاهد السابع والعشرين بعد المائتين من شواهد الرضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثمانون بعد الخمسمائة: (٥٨٩) أكلت بنيك أكل الضب حتى ... وجدت مرارة الكلأ الوبيل على أن الأكل هنا بمعنى العدوان والظلم. قال ابن الشجري في المجلس العشرين من "أماليه" قال السيرافي في شرح الكتاب: في قولهم: "أكلوني البراغيث" ثلاثة أوجه. أحدها: ما قاله سيبويه وهو أنهم جعلوا الواو علامة تؤذن بالجماعة، وليست ضميراً، والثاني: أن تكون البراغيث مبتدأ، وأكلوني: خبراً مقدماً، فالتقدير: البراغيث أكلوني، والثالث: أن يكون الواو ضميراً على شرط التفسير، والبراغيث بدلاً منه، كقولك: ضربوني وضربت قومك: فتضمر قبل الذكر على شرط التفسير، قال: وكان الوجه على تقديم علامة الجماعة أن يقال: أكلتني البراغيث، لأن ضمير ما لا يعقل من الذكور كضمير الإناث، إلا أنهم جعلوا البراغيث مشبهة بما يعقل حين وصفوها بالأكل، وهي مما يوصف بالقرص، كالبق وشبهه، فأجروها مجرى العقلاء، ولهذا نظائر، منها: قوله تعالى (إنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) [يوسف/٤] لما وصفها بالسجود الذي لا يكون إلا للعقلاء، أجراها في الإضمار والجمع مجراهم، وكذلك

стр. 2083

القول في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ) [النمل/ ١٨] لما وجه الكلام إلى النمل، والخطاب لا يوجه في الحقيقة إلا للعقلاء، أجريت في الإضمار مجرى العقلاء. انتهى كلام أبي سعيد. وأقول: إن حمل الأكل على السجود والخطاب في الاختصاص بالعقلاء سهو منه، لأن البهائم مشاركة للعقلاء في الوصف بالأكل، والقول عندي أننا لا نحمل قولهم: "أكلوني البراغيث" على الأكل الحقيقي، بل نحمله على معنى العدوان والظلم والبغي، كقولهم: أكل فلان جاره، أي: ظلمه وتعدى عليه، وعلى ذلك قول علفة بن عقيل بن علفة المري لأبيه: أكلت بنيك أكل الضب ... البيت. أي: ظلمتهم وبغيت عليهم، ومنه قول الممزق العبدي: فإن كنت مأكولاً فكن أنت آكلي ... وإلا فأدركني ولما أمزق أي: إن كنت مظلوماً، فتول أنت ظلمي، فظلمك لي أحب إلي من أن يظلمني غيرك، فإذا حملنا الأكل في قولهم: "أكلوني البراغيث" على هذا المعنى، صح إجراء البراغيث مجرى العقلاء، لأن الظلم والتعدي والبغي من أوصاف العقلاء، وقول علفة بن عقيل: "أكلت بنيك أكل الضب" شبه فيه الكل المستعار للتعدي بالأكل الحقيقي، فإن شئت قدرت أن المصدر مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، أي: أكلت بنيك أكلاً مثل أكلك الضب، وخص الضب بذلك: لأن أكل الضباب تعجب الأعراب، قال راجزهم: وأنت لو ذقت الكشى بالأكباد ... لما تركت الضب يسعى بالواد

стр. 2084

الكشى: جمع كشية، وهي شحمة مستطيلة في عنق الضب إلى فخذه. وإن شئت قدرت المصدر مضافاً إلى فاعله، والمفعول محذوف، أي: أكلت بنيك أكلاً مثل أكل الضب أولاده، ومن أمثالهم: "أعق من ضب"، لأنه فيما يؤثر يأكل أولاده. وقال بعض أهل اللغة، قولهم: "أعق من ضب" أصله من ضبة، وكثر ذلك في كلامهم، فأسقطوا الهاء، قال: وعقوقها أنها تأكل أولادها، وذلك أنها إذا باضت حرست بيضها من الحية والورل وغير ذلك مما يقدر عليه، فإذا نقبت أولادها، وخرجت من البيض، ظنتها شيئاً يريد بيضها، فوثبت عليه فقتلتها وأكلتها، فلا ينجو منها إلا الشريد، والوبيل: الوخيم. إلى هنا كلام ابن الشجري، وقد أعاده في المجلس الحادي والستين أيضاً. وما قاله في شرح قولهم: "أعق من ضب" من أن أصله أعق من ضبة لم يذكره غير حمزة الأصبهاني في أمثاله التي على وزن أفعل من كذا، وتبعه الزمخشري في "أمثاله" ونقله الميداني، واعترضه بأن الضب يجوز أن يكون اسم جنس كالنعام والحمام والجراد، وإذا كان ذلك وقع على الذكر والأنثى. وقول ابن الشجري: إن البيت لعلفة بن عقيل بن علفة ليس كذلك، وإنما هو لأرطاة بن سهية، وروى صاحب "الأغاني" عن أبي عبيدة أن عقيل بن علفة طرد بنيه فتفرقوا في البلاد، وبقي وحده. ثم إن رجلاً من بني صرمة يقال له: بجيل، وكان كثير المال والماشية: حطم بيوت عقيل بماشيته. ولم يكن قبل ذلك أحد يقرب من بيوت عقيل إلا لقي شراً، فطردت أمة له الماشية، فضربها بجيل بعصاً كانت معه. فشجها فخرج إليه عقيل وحده، وقد هرم يومئذ، وكبرت سنه،

стр. 2085

فزجره فضربه بجيل بعصاه، واحترقه، فجعل عقيل يصيح: يا علفة، يا عملس بأسماء أ, لاده مستغيثاً بهم، فقال له أرطاة بن سهية: أكلت بنيك أكل الضب حتى ... وجدت مرارة الكلأ الوبيل ولو كان الألى غابوا شهوداً ... منعت فسناء بيتك من بجيل وبلغ خبر عقيل ابنه العملس بالشام، فأقبل إلى أبيه حتى نزل إليه، ثم عدا إلى بجيل، فضربه ضرباً مبرحاً وعقر عدة من إبله، وأوثقه، وجاء به حتى ألقاه بين يدي أبيه، ثم ركب راحلته، وعاد من وقته إلى الشام، ولم يطعم له طعاماً، ولم يشرب له شراباً. انتهى. وأرطاة بن سهية: بضم السين المهملة وفتح الهاء وتشديد المثناة التحتية، قال ابن قتيبة: هو من بني مرة بن عوف بن سعد، ويكنى أبا الوليد، ودخل على عبد الملك بن مروان، فقال له: هل تقول اليوم شعراً؟ فقال: كيف أقول وأنا لا أشرب، ولا أطرب، ولا أغضب، وإنما يكون الشعر بواحدة من هذه؟ على أني أقول: رأيت المرء تأكله الليالي ... كأكل الأرض ساقطة الحديد وما تبقى المنية حين تغدو ... على نفس ابن آدم من مزيد وأعلم أنها ستكر حتى ... توفي نذرها بأبي الوليد فتطير عبد الملك، وكان يكنى: أبا الوليد، فقال: لم أعنك، إنما عنيت نفسي. وقال البكري في "اللآلئ شرح أمالي القالي": أرطاة بن سهية: هو أرطاة ابن زفر بن جزء بن شداد، أحد بني مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة، أمه سهية كلبية، وكانت أخيذة غلبت عليه، وهو شاعر إسلامي، قال الشعر زمن معاوية، وبقي إلى زمن سليمان أو بعده.

стр. 2086

وعقيل بن علفة الذي قيل فيه الشعر، بضم العين وتشديد اللام المفتوحة بعدها فاء، ومعناه: ثمر الطلح، يشبه الباقلاء العفن، والطلح: شجر عظيم، وله ابن سماه باسم أبيه، وله ولد آخر اسمه العملس، بفتح العين المهملة والميم، وتشديد اللازم المفتوحة، ومعناه: الذئب. وعقيل: شاعر فصيح مجيد مقدم من شعراء الدولة الأموية من بني مرة بن سعد، وكان أهوج جافياً شديد الهوج والعجرفية، والكبر في نفسه، لا يرى له كفؤاً في بني مرة، وهو من بيت شريف من كلا طرفيه، وكانت قريش ترغب في مصاهرته، فتزوج خلفاؤها ببناته، وله حكايات غريبة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التسعون بعد الخمسمائة: (٥٩٠) وقد أسلماه مبعد وحميم على أن الألف حرف وهو من شعر لعبد الله بن قيس الرقيات، رثى بها مصعب ابن الزبير بن العوام وأوله: لقد أورث المصرين حزناً وذلة ... قتيل بدير الجاثليق مقيم تولي قتال المارقين بنفسه ... وقد أسلماه مبعد وحميم فما قاتلت في الله بكر بن وائل ... ولا صبرت عند اللقاء تميم ولكنه رام القيام ولم يكن ... له مضري يوم ذاك كريم

стр. 2087

والمصران: كوفة والبصرة، وقتيل: فاعل أورث، وأراد به مصعب بن الزبير، ودير الجاثليق: موضع على شاطئ نهر دجيل، من أرض مسكن، بكسر الكاف، من بلاد العراق، وكان مصعب قتل هنا في سنة إحدى وسبعين من الهجرة، وكان عبد الملك قد سار بجنوده من الشام، وسار مصعب بجنوده من الكوفة، فالتقيا بدير الجاثليق، وفاعل تولى: ضمير مصعب، أي: باشر قتالهم بنفسه، والمارقين: الخوارج، سمى عبد الملك وعسكره الخوارج، وأسلمه، أي: خذله، وتخلى عنه. والمبعد: بضم الميم وفتح العين: أراد به الأجنبي الذي ليست له قرابة، والحميم: القريب الذي يهمه أمره. وقوله: "فما قاتلت في الله" إلى آخره، أي: لم تقاتل بكر بن وائل مصعباً جهاداً في سبيل الله، وإنما قاتلته للدنيا، وكانت تغلب بن وائل ممن أبلى في محاربة مصعب مع عبد الملك، وتغلب من ربيعة، واللقاء: الحرب، وكانت تميم مع مصعب، وكان مصعب جمع الشجاعة والجود والجمال، وبذلك له عبد الملك الأمان، وجعل له بعد ذلك حكمه، فقال به ابنه عيسى: اقبل ما بذله لك، فقال: لا والله لا تتحدث عني نساء قريش على مغازلها أني هبت الموت، ولكن اذهب أنت حيث شئت، فقال عيسى: لا والله لا يتحدث الناس عني أني أسلمت أبي ضناً عليه بنفسي، حتى قتل، وتمثل مصعب بقول القائل: فإن الألى بالطف من آل هاشم ... تأسوا فسنوا للكرام التآسيا وقاتل حتى قتل. وعبد الله بن قيس الرقيات: شاعر قرشي ينتهي نسبه إلى عامر بن لؤي بن غالب، قال أبو علي: قيس هو الملقب بالرقيات لا اختلاف في ذلك، قلب به لأن له جدات

стр. 2088

تولين يسمين الرقيات. قاله ابن سلام. انتهى. وقد بسطنا الكلام عليه، وذكرنا ما للعلماء فيه من الأقوال في الشاهد الثالث والثلاثين بعد الخمسمائة من شواهد الرضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والتسعون بعد الخمسمائة: (٩٥١) من حوثما سلكوا أدنو فأنظور على أن الواو تولدت من إشباع ضمة الظاء، وهو من شعر أنشده الفراء. وهو: الله يعلم أنا في تلفتنا ... يوم الفراق إلى أحبابنا صور وأنني حوثما يثني الهوى بصري ... من حوثما سلكوا أدنو فأنظور وصور: جمع أصور، وهو المائل من الشوق، يقال: صار يصور صوراً، بفتحتين، أي: مال، وأصاره فانصار: أماله فمال. ويجوز أن يكون جمع صورة أي: إذا تلفتنا إلى الأحباب عند رحيلهم، فكأننا أشكال وأشباح ليس فينا أرواح، وحوث: ظرف مكان لغة في حيث، وهو هنا خبر أن، وما زائدة، وثناه: أماله، والهوى: العشق، أي: أنا في الجهة التي يميل الهوى بصري إليها، ومن متعلقة بأدنو، وروي في الموضعين أيضاً: حيثما، وروي: يسري، بدل يثني، مضارع، سريت الثوب عني سرياً، لغة في سروته عني سرواً؛ بمعنى: ألقيته.

стр. 2089

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والتسعون بعد الخمسمائة: (٥٩٢) سقيت الغيث أيتها الخيامو أنشده سيبويه في باب وجوه القوافي في الإنشاد من أواخر "كتابه" قال: أما إذا ترنموا فإنهم يلحقون الألف والواو والياء ما ينون وما لا ينون، لأنهم أرادوا مد الصوت. كقول امرئ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلي وقال في النصب يزيد بن الطثرية: فبتنا تحيد الوحش عنا كأننا ... قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا وقال في الرفع الأعشى: هريرة ودعها وإن لام لائمو هذا ما ينون فيه، وما لا ينون فيه قول جرير: أقلي اللوم عاذل والعتابا وقال في الرفع أيضاً: متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيامو

стр. 2090

وقال في الجر [لجرير] أيضاً: كانت مباركة من الأيامى وإنما ألحقوا هذه المدة من حروف الروي، لأن الشعر وضع للغناء والترنم، فألحقوا كل حرف الذل حركته منه. انتهى. والبيت مطلع قصيدة لجرير، وبعده: تنكر من معارفها ومالت ... دعائمها وقد بلي الثمام ومتى استفهام إنكاري. قال صعوداء في شرح ديوان زهير: قول جرير: متى كان الخيام بذي طلوح أي: كأنه لم يكن بذي طلوح خيام قط. انتهى. وذو طلوح: واد في أرض بني العنبر من تميم، سمي به لكثرة شجر الطلح به، وهو شجر عظيم، وسقيت، بالبناء للمفعول، وكسر التاء، والغيث، بالنصب: المطر، دعا لخيام أحبابه بالسقيا على عادة العرب، فإنهم يدعون لما أحبوا بالسقيا، والمراد لازمه، وهو النضارة والحسن والبهجة، وتنكر: تغير حتى صار لا يعرف، ومعارفها: مواضعها المعروفة، والضمير للخيام، ودعامة الخيمة: عودها الذي تنصب عليه، وبلي: فني، والثمام، بالضم: نبت ضعيف يعلو طول ذراع وأكثر، يحشى به مواضع الريح، والمطر والشمس من البيوت وما أشبه ذلك.

стр. 2091

(وا) أنشد فيه، وهو الإنشاد الثالث والتسعون بعد الخمسمائة: (٥٩٣) وا بأبي أنت وفوك الأشنب ... كأنما ذر عليه الزرنب على أن "وا" اسم بمعنى: أعجب، قال الصاغاني في "العباب": الزرنب: ضرب من النبات طيب الرائحة، قال: يا بأبي أنت وفوك الأشنب ... كأنما ذر عليه الزرنب أو زنجبيل عاتق مطيب انتهى. فلا شاهد فيه، وأنت، بالكسر: مبتدأ، وبأبي: جار ومجرور، خبر مقدم، والباء للتعدية، وفوك! بالكسر، معطوف على أنت، والشنب، بفتحتين: حدة في الأسنان، وقيل: برد الأسنان، وعذوبة مذاقها، يقال: رجل أشنب، وفم أشنب، وامرأة شنباء. قال ابن السيرافي في شرح أبيات "الغريب المصنف": وصف امرأة بطيب النكهة، والزنجبيل هذا المعروف، وزعم قوم أن الزنجبيل اسم من أسماء الخمر، وأنشدوا: وابأبي أنت وفوك الأشنب الأبيات الثلاثة. وقال أبو حنيفة الدينوري: الزنجبيل مما ينبت بأرض العرب، وهو يغرس غرساً، وليس شيء منه يربى، وإنما هو عروق تسري في الأرض، وأخبرني من رأى نباته، أنه شبيه نبات الراسن، وقد كثر مجيء الزنجبيل في القرآن والشعر. انتهى. وعاتق بمعنى: عتيق، وهو قرينة على أن الزنجبيل هنا بمعنى الخمر.

стр. 2092

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والتسعون بعد الخمسمائة: (٥٩٤) واهاً لسلمى ثم واهاً واها على أن واهاً بمعنى: أعجب. قال ابن السيرافي في شرح أبيات "إصلاح المنطق": هو لأبي النجم العجلي، وبعده: يا ليت عينيها لنا وفاها ... بثمن نرضي به أباها وإعادته "واهاً واها" على سبيل التوكيد، تمنى أن يكون له مال يرضي أباها، فيتمكن له الاستمتاع بعينيها وفيها. انتهى. وكذا أورده أبو عبيد البكري في "اللآلي"، وزاد بعضهم بعد الأول: هي المنى لو أننا نلناها وترجمة أبي النجم تقدمت في الإنشاد السابع والستين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والتسعون بعد الخمسمائة: (٥٩٥) ويكأن من يكن له نشب يحـ ... ـبب ومن يفتقر يعش عيش ضر على أن "وي" بمعنى أعجب، قال ابن جني في "المحتسب" في "ويكأنه" ثلاثة أقوال: منهم من جعلها كلمة واحدة، فلم يقف على "وي"، ومنهم من

стр. 2093

يقف [على وي]، ويعقوب يقف على "ويك" وهو مذهب أبي الحسن، والوجه فيه عندنا قول الخليل وسيبويه وهو أن "وي" على قياس مذهبهما اسم سمي به الفعل، فكأنه اسم أعجب، ثم ابتدأ، فقال: (كَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الكَافِرُونَ) و (ويْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) [القصص/ ٨٢] فكأن هنا إخبار عار من معنى التشبيه، ومعناه: إن الله يبسط الرزق. [و "وي" منفصلة من كأن] وعليه بيت الكتاب: وي كأن من يكن له نشب يحبب ... البيت هذا كلامه. وهو خلاف ما صرح به سيبويه، قال: سألت الخليل عن قوله تعالى: (ويْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الكَافِرُونَ) [القصص/٨٢] وعن قوله تعالى: (ويْكَأَنَّ اللَّهَ) [القصص/٨٢] فزعم أنها مفصولة من كأن، والمعنى: وقع على أن القوم انتبهوا فتكلموا على قدر علمهم، أو نبهوا فقيل لهم: أما يشبه أن يكون هذا عندكم كذا! والله أعلم. وأما المفسرون، فقالوا: ألم تر أن الله، وقال زيد بن عمرو بن نفيل: وي كأن من يكن له ... .. البيت انتهى. قال النحاس: يريد أن معنى "وي" تنبيه، يقولها الإنسان حين يستنكر أمراً أو يستعظمه، فيقول: وي، فتكون "ويكأن" مركبة من "وي" للتنبيه، ومن "كأن" للتشبيه، وكذلك قال الأعلم، وقد أوردنا أقوال العلماء، والبحث فيها مبسوطاً في الشاهد الثامن والسبعين بعد الأربعمائة من شواهد الرضي، والبيت من شعر لزيد بن عمرو بن نفيل، وهو:

стр. 2094

تلك عرساي تنطقان على عمد إلى اليوم قول زور وهتر سالتاني الطلاق أن رأتا مالي ... قليلاً قد جئتماني بنكر فلعلي أن يكثر المال عندي ... ويهرى من المغارم ظهري وترى أعبد لنا وأواق ... ومناصيف من خوادم عشر ونجر الأذيال في نعمة زو ... ل تقولان ضع عصاك لدهر ويكأن من يكن له نشب يحبب ومن يفتقر يعش عيش ضر ويجنب سر النجي ولكن أخا المال محضر كل سر كذا في كتاب "البيان" للجاحظ وفيه روايات أخر للزبير بن بكار، وصاحب "الأغاني" وأبي الحسن المدائني "وأمالي الزجاجي". وأثبت الجاحظ الشعر لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، ونسبه الزبير بن بكار لنبيه بن الحجاج، وقتل ببدر كافراً، وقد ذكرنا جميع هذا هناك. وقوله: تلك عرساي: مثنى عرس مضاف إلى الياء، والعرس، بالكسر: الزوجة، أي: هما عرساي، ويجوز أن يخالف اسم الإشارة المشار إليه، كقوله تعالى: (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ) [البقرة/ ٦٨] أي: بين ذينك، والعمد: القصد، والهتر: مصدر هتر، من باب نصر، إذا مزق عرضه، والهتر، بالكسر: الكذب، والهتر بالضم: ذهاب العقل من كبر أو مرض أو حزن. وقوله: سالتاني الطلاق .. إلخ، استشهد بذلك سيبويه على أن الشاعر

стр. 2095

يبدل الهمزة ألفاً في الضرورة، قال: وليس هذا لغة من يقول: سلت يسال، كخفت يخاف، وبلغنا أنه لغة. وقوله: قد جئتماني. التفات من الغيبة إلى الخطاب، والنكر، بالضم، الأمر المنكر القبيح، وقوله: ويعرى من المغارم ظهري، جمع: مغرم، بالفتح، وهو ما ينوب الإنسان في ماله من نقص لغير جناية، كتحمل الديات، والإطعام في النائبات. وقوله: وترى أعبد ... إلى آخره، بالبناء للمفعول، وأواق من الذهب والفضة، جمع أوقية، ومناصيف جمع منصف، بفتح الميم وكسرها: الخادم، وزيدت الياء لضرورة الشعر. وقوله: في نعمة زول، بفتح الزاي وسكون الواو، صفة نعمة، أي: حسنة وجيدة، وقوله: ضع عصاك: وضع العصا كناية عن الإقامة. وقوله: ويكأن من يكن .. إلى آخره، من "شرطية"، ويحبب: جواب الشرط، بالبناء للمفعول، والنشب: بفتحتين: المال الأصيل، من الصامت والناطق، وقوله: ويجنب: معطوف على يعش، بالبناء للمفعول، والسر: الشيء المكتوم في النفس، والنجي: المخاطب الذي يفشى له السر، ومحضر: اسم مفعول من أحضره إياه، أي: جعله حاضراً. وزيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي العدوي، مات قبل أن يبعث النبي، ﷺ ، بخمس سنين، وكان لا يذبح للأنصاب، ولا يأكل الميتة والدم، وقد ترجمناه مبسوطاً في شواهد الرضي هناك.

стр. 2096

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والتسعون بعد الخمسمائة: (٥٩٦) ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم على أنه قد تلي كاف الخطاب لـ "وي" قال ابن الشجري: قال بعض اللغويين: وي: اسم للفعل، ومعناه: أتعجب، كما تقول: وي! لم فعلت [هذا]؟ فالكاف في هذا الوجه حرف خطاب كالكاف في "رويدك، فهي دالة على أن التعجب موجه إلى مخاطب، لا إلى غائب. وقال آخر: ويك: بمعنى: ويلك، وحذفت اللام لكثرة استعمال هذه اللفظة، واحتجوا بقول عنترة: "ويك عنتر أقدم" فالكاف على هذا القول ضمير، ولها محل من الإعراب. انتهى. والبيت من معلقة عنترة، قال شراح المعلقة: قال بعض النحويين معنى ويك: ويحك، وقال بعضهم: معناه ويلك، وكلا القولين خطأ، لأنه كان يجب على هذا أن يقرأ (ويك أنه) كما يقال: ويلك أنه، وويحك أنه، وقد احتج لصاحب هذا القول بأن المعنى: ويلك اعلم أنه لا يفلح الكافرون، وهذا أيضاً خطأ من جهات، إحداها: حذف اللام من ويلك: وحذف اعلم، لأن مثل هذا لا يحذف، لأنه لا يعرف معناه وأيضاً فإن المعنى لا يصح، لأنه لا يدري من خوطبوا بهذا. وروي عن بعض أهل التفسير: أن معنى ويك: ألم تر؟

стр. 2097

والأحسن في هذا ما روى سيبويه عن الخليل، وهو أن "وي" منفصلة وهي كلمة يقولها المتندم إذا تنبه على ما كان منه، كأنهم قالوا على الندم: (ويْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الكَافِرُونَ) [القصص/ ٨٢]. انتهى. والقيل والقول واحد، وجمع فارس على فوارس شاذ، وعنتر منادى: مرخم عنترة، وأقدم، بفتح الهمزة وكسر الدال: بمعنى: تقدم، من الإقدام الذي بمعنى الاجتهاد والتصميم. جعل أمرهم له بالإقدام شفاء لنفسه لما ينال في تقدمه من الظفر بأعدائه، ولما يكتسب بذلك من الرفعة وعلو المنزلة. وترجمة عنترة تقدمت في الإنشاد السابع والسبعين بعد المائتين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والتسعون بعد الخمسمائة: (٥٩٧) كأنني حين أمسي لا تكلمني ... متيم يشتهي ما ليس موجودا على أن "كأن" للتحقيق بمعنى أن قال ابن جنب في "المحتسب": الوجه فيه عندنا قول الخليل وسيبويه، وهو أن "وي" على قياس مذهبهما، اسم سمي به الفعل، وكأن هنا إخبار عار من معنى التشبيه، ومعناه: إن الله يبسط الرزق، و"وي" منفصلة من "كأن" وعليه بيت "الكتاب": وي كأن من يكن له نشب يحبب .. البيت ومما جاءت فيه كأن عارية من معنى التشبيه قوله: كأنني حين أمسي لا تكلمني .. البيت أي: أنا حين أمسي متيم من حالي كذا وكذا. انتهى. أقول: قد نقلنا كلام

стр. 2098

سيبويه، وليس فيه "وي" بمعنى أعجب، وأما قوله: إن "كأن" عارية من معنى التشبيه، فقول سيبويه: أما يشبه أن يكون هذا عندكم هكذا! يكذبه، وأما تنظيره لخلو التشبيه بقوله: "كأنني حين أمسي .. البيت"، فهو مذهب الزجاج فيما إذا كان خبر كأن مشتقاً لا تكون للتشبيه، لئلا يتحد المشبه والمشبه به، وأجيب بأن الخبر في مثله محذوف، أي: كأنني رجل متيم، فهي على الأصل للتشبيه. والبيت من قصيدة ليزيد بن الحكم الثقفي، مدح بها سليمان بن عبد الملك، ومطلعها: أمسى بأسماء هذا القلب معمودا ... إذا أقول صحا من غيه عيدا كأن أحور من غزلان ذي بقر ... أهدى لها شبه العينين والجيدا أجري على موعد منها فتخلفني ... ولا أمل ولا توفي المواعيدا كأنني حين أمسي لا تكلمني ... ذو بغية يشتهي ما ليس موجودا ومنها: سميت باسم امرئ أشبهت شيمته ... فضلاً وعدلاً سليمان بن داودا أحمدته في الورى الماضين من ملك ... وأنت أصبحت في الباقين محمودا لا يبرأ الناس من أن يحمدوا ملكاً ... أولاهم في الأمور الحلم والجودا كذا في "الأغاني" للأصفهاني وترجمة يزيد تقدمت في الإنشاد الخامس والسبعين بعد الأربعمائة.

стр. 2099

(حرف الألف) أنشد فيه، وهو الإنشاد الثامن والتسعون بعد الخمسمائة: (٥٩٨) أقبلت من عند زياد كالخرف ... تخط رجلاي بخط مختلف تكتبان في الطريق لام الف قال ابن جني في "سر الصناعة" إنما أراد: كأنهما تخطان حروف المعجم، لا يريد بعضها دون بعض، وقد يمكن أنه أراد بقوله: "لام ألف" شكل "لا" فإنه تلقاه من أفواه العامة، لأن الخط ليس له تعلق بالعرب، ولا عنهم يؤخذ، وقول من لا خبرة له بحروف المعجم كالمعلمين لام أف خطأ، وصواب النطق به "لا" فإنه اسم الألف اللينة التي تكون قبل الياء في آخر حروف المعجم. انتهى. واعترضه الدماميني بأن نسبة العربي الفصيح إلى أنه اعتمد في النطق على العامة أمر بعيد لا يلتفت إليه، وقوله: "لأن الخط لا تعلق به بالفصاحة" ساقط، لأن ما صدر عنه لفظ لا خط. انتهى. وفيه أن ابن جني إنما قال: لأنا لخط ليس له تعلق بالعرب، ولا عنهم يؤخذ. وهذا حق، والمصنف نقل منه ما ليس في كلامه. نعم يمنع قوله: "إن قول المعلمين لام ألف" خطأ، فإنه قد جاء في شعر غيره، روى أبو زيد في "نوادره" لراجز يصف جندباً وقيل غراباً، وقال ابن الأعرابي في

стр. 2100

"نوادره": أنشدني المفضل. وذكر داراً خلت من أهلها، فصار فيها الغربان والظباء والوحش: يحجل فيها مقلز الحجول ... نعباً على شقيه كالمشكول يخط لام ألف موصول ... والزاي والرا أيما تهليل خط يد المستطرق المسؤول والمقلز: رجل الجندب أو الغراب، لأنه اسم آلة من قلز الغراب والعصفور في مشيهما. وكل من لا يمشي مشياً، فهو يقلز، والحجول: وصف من الحجلان وهو مشية المقيد، وروي "بغياً" بدل نعباً، والبغي هنا: الاختيال، والمشكول: الذي في رجليه شكال. وقوله: يخط مضارع خط، وقوله: أيما تهليل: مفعول مطلق، وما زائدة، أي: يهلل تهليلاً أي تهليل، وهلل بمعنى: نكص، وقوله: خط يد، أي: خطأ كخط المستطرق، أي: الكاهن الذي يطرق الحصا بعضه ببعض، وعلى هذا، فالفرق بين "لا" وبين "لام ألف" أن "لا" اسم الألف اللينة، ولام ألف: اسم لا، لأنها على صورة اللام والهمزة إذا كتبتا معاً، وعلم مما تقدم أن "لام ألف" بإضافة لام إلى ألف، لأنه في الأصل مركب مزجي أعرب بإضافة الجزئين إلى الآخر على أحد الوجوه فيه، لا كما زعمه الدماميني تبعاً للرضي. ثم قال ابن جني: وإنما لم يجز أن تفرد الألف اللينة من اللام، وتقام بنفسها كما أقيم سائر حروف المعجم سواها بنفسها من قبل أنها لا تكون إلا ساكنة تابعة للفتحة، والساكن لا يمكن ابتداؤه، فدعمت باللام ليقع الابتداء، ويؤيد هذا أن واضع حروف المعجم إنما رسمها منثورة غير منظومة، فلو كان غرضه في "لا" أن يرينا كيفية تركب اللام مع الألف، للزمه أيضاً أن يرينا كيف تركب الجيم مع الطاء، والقاف مع التاء وغير ذلك مما يطول تعداده، وإنما غرضه التوصل إلى النطق بالألف، فدعم باللام ليمكن الابتداء به. فإن قيل: ما بالهم دعموه في اللام دون سائر الحروف، أجيب بأنهم

стр. 2101

خصوا اللام من قبل أنهم لما احتاجوا لسكون لام التعريف إلى حرف يقع الابتداء به قبلها أتوا بالهمزة، فقالوا: الغلام، فكما أدخلوا الألف قبل اللام كذلك أدخلوا اللام قبل الألف ليكو ذلك ضرباً من التقارض. انتهى. واعترض عليه الدماميني بأن الذي توصل به إلى النطق بلام التعريف هو الهمزة لا الألف، والذي توصل باللام إلى النطق به هو الألف الهوائي لا الهمزة، فلا تقارض. انتهى. وفيه أنهما إخوان يبدل كل منهما إلى الآخر، فتبدل الهمزة ألفاً في نحو: رأس، وتبدل الألف همزة في نحو دابة وحبلى في الوقف، وفي هذا القدر من الاشتراك يتحقق التقارض. واستشهد سيبويه بهذا البيت على أنه ألقى حركة ألف على ميم لام. وهذا الرجز لأبي النجم العجلي، قال المرزباني في "الموشح": أخبرني الصولي، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: أنشدنا محمد بن سلام لأبي النجم العجلي وكان له صديق يسقيه الشراب، فينصرف من عنده ثملاً: أخرج من عند زياد كالخرف الأبيات الثلاثة قال الصولي: وقد عيب أبو النجم بهذا، فقيل: لولا أنه كان يكتب، ما عرف صورة لام ألف وعناقها [لها]. انتهى. وقد عرفت ما فيه، والخرف: صفة مشبهة من خرف الرجل خرفاً، من باب تعب: فسد عقله لكبره، وخط على الأرض خطا: أعلم علامة. وترجمة أبي النجم تقدمت في الإنشاد السابع والستين.

стр. 2102

وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والتسعون بعد الخمسمائة: (٥٩٩) ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه على أن الألف حرف علامة الاثنين، وعيناك: فاعل ألفيتا، وهو من قصيدة لعمر بن ملقط الطائي، وتقدم شرحها في الإنشاد الثالث والخمسين بعد المائة، وقبله: يا أوس لو نالتك أرماحنا ... كنت كمن تهوي به الهاوية ألفيتا عيناك ... البيت وأوس: هو ابن حارثة بن لأم الطائي، وهو جاهلي كقائل الشعر، وتهوي: تقع من فوق إلى أسفل، والهاوية: المهواة، وهو موضع الهوى، وقوله: ألفيتا، أي وجدتا، وأولى: كلمة تهديد بمعنى: وليك الشر، أي: قرب منك، مبتدأ، ولك: خبره، وحذف خبر أولى الثانية للدليل، وكرر للتوكيد، والجملة معترضة بين صاحب الحال والحال، فإن ذا واقية حال من الكاف، وصح مجيء الحال من المضاف إليه، لكون المضاف جزءاً من المضاف إليه، والواقية: مصدر بمعنى الوقاية كالكاذبة بمعنى الكذب، يصفه بالهروب يقول: أنت ذو وقاية من عينيك عند فرارك تحترس بهما، ولكثرة تلفتك إلى خلفك حينئذ، صارت عيناك كأنهما في قفاك، وهذا البيت في موضع التعليل لعدم نيل الرماح إياه. وأنشد بعده: وقد أسلماه مبعد وحميم وتقدم شرحه قريباً.

стр. 2103

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الستمائة: (٦٠٠) ورمى وما رمتا يداه فصابني ... سهم يعذب والسهام تريح على أن الألف في "رمتا" حرف يدل على اثنين، ويداه فاعله، وسهم، فاعل صابني، وهو لغة في أصاب، أي: وصل الغرض، ونفذ فيه، وقد تنازع في سهم عوامل ثلاثة: "رمى" "وما رمتا" و "صابني" والأولان يطلبانه مفعولاً، والثالث يطلبه فاعلاً، فأعمل الثالث لقربه، وأضمر للأولين وحذف، لأنه فضلة، يقول: رماني بلحظه ولم يرمني بيديه: فأصابني سهم لحظه ولم أمت به، فبقيت معذباً، وعادة السهام تقتل، فتريح، وقبله: ما باله لاحظته فتضرجت ... وجناته وفؤادي المجروح وتضرجت: احمرت خجلاً، يقول: فؤادي هو المجروح بنظره إليه، فما بال وجناته تضرجت بالدم؟ ! والبيتان من أول قصيدة للمتنبي مدح بها مساور بن محمد الرومي. وأنشد بعده: فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة ليس ننصف وتقدم شرحه في الإنشاد السادس عشر بعد الخمسمائة.

стр. 2104

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد بعد الستمائة: (٦٠١) بينا تعانقه الكماة وروغه ... يوماً أتيح له جري سلفع على أن بينا قد أضيفت إلى المفرد في معنى الفعل، وهو المصدر هنا، حملاً على معنى "حين"، فإن وقع بعدها اسم جوهر، لم يجز إلا الرفع، نحو: بينا زيد في الدار أقبل عمرو، لأن "بينا" ظرف زمان لا تضاف إلى جثة، كما لا يكون خبراً عنها. والبيت من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي، رثى بها أولاده، كما تقدم شرحه، وشرح أبيات منها في الإنشاد الثامن والعشرين بعد المائة، وبعض آخر في الإنشاد السابع والسبعين بعد الثلاثمائة. قال الإمام المرزوقي في شرحها: روى الأصمعي: "بينا تعنقه .. وروغه" مجروراً، وكان يقول: بينا تضاف إلى المصادر خاصة، والنحويون يخالفونه، ويقولون: بينا وبينما عبارتان للحين، وهما مبهمتان لا تضافان إلا إلى الجمل التي تبينها، فإذا قلت: بينا أنا جالس طلع زيد، فالمعنى: حين أنا جالس، ووقت أنا جالس طلع زيد، ورواية النحويين والناس: "بينا تعنقه الكماة" فيرتفع تعنقه بالابتداء، ويكون خبره مضمراً، كأنه قال: بينا تعنقه الأبطال حاصل معهود، أتيح له يوماً رجل جريء. انتهى. وقوله: بينا تعنقه، كذا في جميع الروايات، ووقع هنا، وفي "جمل الزجاجي" وغيرهما: بينا تعانقه، قال ابن السيد واللخمي كلاهما في "شرح أبيات الجمل": هو خطأ، والصواب: تعنقه، لأن تعانق لا يتعدى إلى مفعول،

стр. 2105

إنما يقال: تعانق الرجلان، والمعانقة والاعتناق والتعنق هي المتعدية، ومعنى الجميع: الأخذ بالعنق، والاعتناق آخر مراتب الحرب، لأن أول الحرب الترامي بالسهام، ثم المطاعنة بالرماح، ثم المجالدة بالسيوف، ثم الاعتناق، وهو أن يتخاطف الفارسان، فيسقطان إلى الأرض معاً، وقد ذكر ذلك زهير بن أبي سلمى في قوله: يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا أراد أنه يزيد على ما يفعلون، والكماة، بالنصب: مفعول تعنقه: جمع كمي، وهو الشجاع الذي ستر درعه بثوبه، وقوله: وروغه: معطوف على "تعنقه" إن جراً وإن نصباً، وهو بالغين المعجمة، وهو حيدته عن الأقران يميناً وشمالاً للتحفظ. قال اللخمي: ومن روى، بالعين المهملة، فمعناه الفزع، وقوله: يوماً بدل من بينا كما قاله ابن جني في قوله: بينا هم بالظهر قد جلسوا ... يوماً بحيث تنزع الذبح وأجاز اللخمي تعلقه بتعنقه وبروغه وبأتيح، قال: والأول أقوى لترك تكلف التقديم. وقوله: أتيح: جواب بينا، وهو العامل فيه، وهو مجهول أتاح الله الشيء، أي: قدره، وجريء، بالهمزة، وصف من الجراءة وهي الإقدام، والسلفع كجعفر: الجريء الواسع الصدر. وقبله: والدهر لا يبقى على حدثانه ... مستشعر حلق الحديد مقنع والدهر: مبتدأ، وجملة لا يبقى على الخ .. خبره، وعلى بمعنى "مع" والحدثان، بالتحريك: الحدث والحادثة، ومستشعر: فاعل يبقى، أي: شجاع مستشعر، وهو اسم فاعل من استشعر الثوب والدرع: إذا لبسه شعاراً، والشعار، بالكسر: الملوبس الذي يلي شعر الجسد، وحلق الحديد: مفعول مستشعر، وأراد به الدرع،
следующие страницы →