← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

خصوا اللام من قبل أنهم لما احتاجوا لسكون لام التعريف إلى حرف يقع الابتداء به قبلها أتوا بالهمزة، فقالوا: الغلام، فكما أدخلوا الألف قبل اللام كذلك أدخلوا اللام قبل الألف ليكو ذلك ضرباً من التقارض. انتهى. واعترض عليه الدماميني بأن الذي توصل به إلى النطق بلام التعريف هو الهمزة لا الألف، والذي توصل باللام إلى النطق به هو الألف الهوائي لا الهمزة، فلا تقارض. انتهى. وفيه أنهما إخوان يبدل كل منهما إلى الآخر، فتبدل الهمزة ألفاً في نحو: رأس، وتبدل الألف همزة في نحو دابة وحبلى في الوقف، وفي هذا القدر من الاشتراك يتحقق التقارض. واستشهد سيبويه بهذا البيت على أنه ألقى حركة ألف على ميم لام. وهذا الرجز لأبي النجم العجلي، قال المرزباني في "الموشح": أخبرني الصولي، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: أنشدنا محمد بن سلام لأبي النجم العجلي وكان له صديق يسقيه الشراب، فينصرف من عنده ثملاً: أخرج من عند زياد كالخرف الأبيات الثلاثة قال الصولي: وقد عيب أبو النجم بهذا، فقيل: لولا أنه كان يكتب، ما عرف صورة لام ألف وعناقها [لها]. انتهى. وقد عرفت ما فيه، والخرف: صفة مشبهة من خرف الرجل خرفاً، من باب تعب: فسد عقله لكبره، وخط على الأرض خطا: أعلم علامة. وترجمة أبي النجم تقدمت في الإنشاد السابع والستين.

стр. 2102

وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والتسعون بعد الخمسمائة: (٥٩٩) ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه على أن الألف حرف علامة الاثنين، وعيناك: فاعل ألفيتا، وهو من قصيدة لعمر بن ملقط الطائي، وتقدم شرحها في الإنشاد الثالث والخمسين بعد المائة، وقبله: يا أوس لو نالتك أرماحنا ... كنت كمن تهوي به الهاوية ألفيتا عيناك ... البيت وأوس: هو ابن حارثة بن لأم الطائي، وهو جاهلي كقائل الشعر، وتهوي: تقع من فوق إلى أسفل، والهاوية: المهواة، وهو موضع الهوى، وقوله: ألفيتا، أي وجدتا، وأولى: كلمة تهديد بمعنى: وليك الشر، أي: قرب منك، مبتدأ، ولك: خبره، وحذف خبر أولى الثانية للدليل، وكرر للتوكيد، والجملة معترضة بين صاحب الحال والحال، فإن ذا واقية حال من الكاف، وصح مجيء الحال من المضاف إليه، لكون المضاف جزءاً من المضاف إليه، والواقية: مصدر بمعنى الوقاية كالكاذبة بمعنى الكذب، يصفه بالهروب يقول: أنت ذو وقاية من عينيك عند فرارك تحترس بهما، ولكثرة تلفتك إلى خلفك حينئذ، صارت عيناك كأنهما في قفاك، وهذا البيت في موضع التعليل لعدم نيل الرماح إياه. وأنشد بعده: وقد أسلماه مبعد وحميم وتقدم شرحه قريباً.

стр. 2103

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الستمائة: (٦٠٠) ورمى وما رمتا يداه فصابني ... سهم يعذب والسهام تريح على أن الألف في "رمتا" حرف يدل على اثنين، ويداه فاعله، وسهم، فاعل صابني، وهو لغة في أصاب، أي: وصل الغرض، ونفذ فيه، وقد تنازع في سهم عوامل ثلاثة: "رمى" "وما رمتا" و "صابني" والأولان يطلبانه مفعولاً، والثالث يطلبه فاعلاً، فأعمل الثالث لقربه، وأضمر للأولين وحذف، لأنه فضلة، يقول: رماني بلحظه ولم يرمني بيديه: فأصابني سهم لحظه ولم أمت به، فبقيت معذباً، وعادة السهام تقتل، فتريح، وقبله: ما باله لاحظته فتضرجت ... وجناته وفؤادي المجروح وتضرجت: احمرت خجلاً، يقول: فؤادي هو المجروح بنظره إليه، فما بال وجناته تضرجت بالدم؟ ! والبيتان من أول قصيدة للمتنبي مدح بها مساور بن محمد الرومي. وأنشد بعده: فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة ليس ننصف وتقدم شرحه في الإنشاد السادس عشر بعد الخمسمائة.

стр. 2104

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد بعد الستمائة: (٦٠١) بينا تعانقه الكماة وروغه ... يوماً أتيح له جري سلفع على أن بينا قد أضيفت إلى المفرد في معنى الفعل، وهو المصدر هنا، حملاً على معنى "حين"، فإن وقع بعدها اسم جوهر، لم يجز إلا الرفع، نحو: بينا زيد في الدار أقبل عمرو، لأن "بينا" ظرف زمان لا تضاف إلى جثة، كما لا يكون خبراً عنها. والبيت من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي، رثى بها أولاده، كما تقدم شرحه، وشرح أبيات منها في الإنشاد الثامن والعشرين بعد المائة، وبعض آخر في الإنشاد السابع والسبعين بعد الثلاثمائة. قال الإمام المرزوقي في شرحها: روى الأصمعي: "بينا تعنقه .. وروغه" مجروراً، وكان يقول: بينا تضاف إلى المصادر خاصة، والنحويون يخالفونه، ويقولون: بينا وبينما عبارتان للحين، وهما مبهمتان لا تضافان إلا إلى الجمل التي تبينها، فإذا قلت: بينا أنا جالس طلع زيد، فالمعنى: حين أنا جالس، ووقت أنا جالس طلع زيد، ورواية النحويين والناس: "بينا تعنقه الكماة" فيرتفع تعنقه بالابتداء، ويكون خبره مضمراً، كأنه قال: بينا تعنقه الأبطال حاصل معهود، أتيح له يوماً رجل جريء. انتهى. وقوله: بينا تعنقه، كذا في جميع الروايات، ووقع هنا، وفي "جمل الزجاجي" وغيرهما: بينا تعانقه، قال ابن السيد واللخمي كلاهما في "شرح أبيات الجمل": هو خطأ، والصواب: تعنقه، لأن تعانق لا يتعدى إلى مفعول،

стр. 2105

إنما يقال: تعانق الرجلان، والمعانقة والاعتناق والتعنق هي المتعدية، ومعنى الجميع: الأخذ بالعنق، والاعتناق آخر مراتب الحرب، لأن أول الحرب الترامي بالسهام، ثم المطاعنة بالرماح، ثم المجالدة بالسيوف، ثم الاعتناق، وهو أن يتخاطف الفارسان، فيسقطان إلى الأرض معاً، وقد ذكر ذلك زهير بن أبي سلمى في قوله: يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا أراد أنه يزيد على ما يفعلون، والكماة، بالنصب: مفعول تعنقه: جمع كمي، وهو الشجاع الذي ستر درعه بثوبه، وقوله: وروغه: معطوف على "تعنقه" إن جراً وإن نصباً، وهو بالغين المعجمة، وهو حيدته عن الأقران يميناً وشمالاً للتحفظ. قال اللخمي: ومن روى، بالعين المهملة، فمعناه الفزع، وقوله: يوماً بدل من بينا كما قاله ابن جني في قوله: بينا هم بالظهر قد جلسوا ... يوماً بحيث تنزع الذبح وأجاز اللخمي تعلقه بتعنقه وبروغه وبأتيح، قال: والأول أقوى لترك تكلف التقديم. وقوله: أتيح: جواب بينا، وهو العامل فيه، وهو مجهول أتاح الله الشيء، أي: قدره، وجريء، بالهمزة، وصف من الجراءة وهي الإقدام، والسلفع كجعفر: الجريء الواسع الصدر. وقبله: والدهر لا يبقى على حدثانه ... مستشعر حلق الحديد مقنع والدهر: مبتدأ، وجملة لا يبقى على الخ .. خبره، وعلى بمعنى "مع" والحدثان، بالتحريك: الحدث والحادثة، ومستشعر: فاعل يبقى، أي: شجاع مستشعر، وهو اسم فاعل من استشعر الثوب والدرع: إذا لبسه شعاراً، والشعار، بالكسر: الملوبس الذي يلي شعر الجسد، وحلق الحديد: مفعول مستشعر، وأراد به الدرع،

стр. 2106

والمقنع، بفتح النون المشددة: الذي على رأسه المغفر أو بيضة الحديد، قاله المرزوقي. وقال ابن الأنباري في شرحه: المقنع: اللابس المغفر، والمغفر: ثوب تغطى به البيضة، والمقنع: الشاكي السلاح التامه. انتهى. والمعنى: أن هذا المستشعر الدرع حزماً، وقت معانقته للأبطال، ومراوغته للشجعان، قدر له رجل هكذا، ومراده أن الشجاع لا تعصمه جرأته من الموت، وأن كل مخلوق غايته الفناء. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني بعد الستمائة: (٦٠٢) يا يزيدا لآمل نيل عز ... وغنى بعد فاقة وهوان على أن الألف في "يزيدا" لمد الصوت بالمنادى المستغاث، نادى يزيد على وجه الاستغاثة لأجل من يرجو نيل العز والغنى، والألف في آخره عوض عن لام الاستغاثة، ولهذا لا يجوز الجمع بينهما، واللام في "لآمل" لام المستغاث من أجله، وآمل: اسم فاعل بمعنى راج، ونيل: مفعوله، وهو مضاف إلى عز، ونيل: مصدر نال ينال: إذا بلغ مطلوبه، وبعد: ظرف متعلق به، والعز: مقابل الهوان، بالفتح: وهو الذل، والغنى: مقابل الفاقة والفقر.

стр. 2107

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث بعد الستمائة: (٦٠٣) يا عجبا لهذه الفليقه على أن الألف في "عجبا" لمد الصوت بالمتعجب منه. وقال ابن السيد البطليوسي في "شرح أبيات الجمل": يجوز تنوين العجب، وترك تنوينه، فمن نونه، فله وجهان من الإعراب، أحدهما: أن يكون منادى منكوراً، أو منادى مطولاً، وهو الذي ينصب وإن كان يقصد إليه لطوله مما يتصل به كقولك: باخيراً من زيد، ويسمى المشبه بالمضاف إليه لاحتياج الأول إلى الثاني كاحتياج المضاف إلى المضاف إليه. والوجه الثاني: أن يكون المنادى غير العجب، ويكون "عجباً" منصوباً على المصدر، كأنه قال: يا قوم اعجبوا، ومن روى "يا عجبا" بلا تنوين فله وجهان أيضاً، أحدهما: أن يكون منادى مضافاً على لغة من يقول: يا غلاما أقبل، ونحوه قول أبي النجم العجلي: يا بنت عما لا تلومي واهجعي والوجه الثاني: أن يريد: يا عجباه، وأكثر ما يستعمل مثل هذا في الندبة، وقد جاء في غير الندبة نحو قول الراجز: يا مرحباه بحمار ناجيه ... إذا أتى قربته للسانيه

стр. 2108

والفليقة: الداهية، ويقال أيضاً: فليق، بغير هاء، وفلق وفلقه وفليق، وزعم المبرد أنه يقال: فلق، بفتح الفاء، وذلك غير معروف، قال سويد بن كراع: إذا عرضت داوية مدلهمة ... وغرد حاديها عملن بها فلقا قال آخر: نشقها بفليق ففليق وقال خلف الأحمر: موت الإمام فلقة من الفلق والقوباء، بفتح الواو وتسكينها، فمن فتح واوها جعل الهمزة للتأنيث، فلم يصرفها، ومن سكن واوها جعل الهمزة للإلحاق، فصرفها، وأجاز الكوفيون ترك صرفها مع سكون الواو، وتكون ألفها للتأنيث، ولا يجيز ذلك البصريون، والريقة، قطعة من الريق، وهذا البيت لأعرابي أصابه قوباء، فقيل له: اجعل عليها شيئاً من ريقك وتعهدها بذلك، فإنها ستذهب، فعجب من ذلك، ويروى: هل تغلبن القوباء الريقه برفع القوباء، كأن معناها: أن الأعرابي كان يعتقد أن الريقة تبرئ من القوباء، فسمع قائلاً يقول: إن الريقة لا تبرئها، فأنكر ذلك، وتعجب منه. إلى هناك كلام ابن السيد. وقال اللخمي: يزعمون أن ريقة الصائم إذا نفث بها على القوباء أزالتها. انتهى. وقال ابن بري في أماليه على "الصحاح" هذا الرجز لابن قنان الراجز، يروى: يا عجبا، بالتنوين على تأويل: يا قوم اعجبوا عجباً، وإن شئت جعلته منادى منكوراً، ويروى: يا عجبا، بغير تنوين يريد: يا عجبي، فأبدل من الياء ألفاً، تعجب من هذا الخراز الخبيث كيف يزيله الريق، ويقال: إنه ريق الصائم. انتهى.

стр. 2109

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع بعد الستمائة: (٦٠٤) حملت أمراً عظيما فاصطبرت له ... وقمت فيه بإذن الله يا عمرا على أن الألف في يا عمرا لمد الصوت بالمندوب، قال المبرد في "الكامل": قوله: يا عمرا ندبة: أراد يا عمراه، وإنما الألف للندبة وحدها، والهاء تزاد في الوقف لخفاء الألف، فإذا وصلت لم تزد هاء تقول: يا عمر ذا الفضل، فإذا وقفت، قلت: يا عمراه، فحذف الهاء في القافية لاستغنائه عنها. انتهى. وقال ابن السيد فيما كتبه عليه: أجاز الفارسي في "يا عمرا" أن يكون إضافة إلى نفسه، كما قال: يا ابنة عما لا تلومي واهجعي وأجاز أن يكون على معنى الندبة، وأجاز أن يكون جعله نكرة كما قال: سلام الله يا مطراً عليها قال: وقيل في قوله: "يا مطراً" إنها معرفة، ولكنه لما نونه، قام التنوين مقام الإضافة، فنصبه كما ينصب المضاف. وهو قول عيسى بن عمر. انتهى. والبيت من قصيدة أحد أبيات ثلاث لجرير رثى بها عمر بن عبد العزيز وهي: تنعى النعاة أمير المؤمنين لنا ... يا خير من حج بيت الله واعتمرا حملت أمراً عظيماً فاضطلعت به ... وقمت فيه بإذن الله يا عمرا فالشمس كاسفة ليست بطالعة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا

стр. 2110

والنعاة: جمع ناع، من نعيت الميت: إذا أخبرت بموته، وقوله: "يا خير من حج .. إلخ" محله النصب بقول محذوف تقديره: قائلين يا خير من حج .. إلخ، أو فقلت: يا خير. وقوله: "حملت" بالبناء للمفعول: من التحميل، وأراد بالأمر العظيم: الخلافة، وهي العظمى، واضطلع بالأمر: إذا قدر عليه، كأنه قويت ضلوعه بحمله، قال الصاغاني في "العباب": الرواية: "فالشمس كاسفة ليست بطالعة" والنحاة يروونه مغيراً، وهو "الشمس طالعة ليست بكاسفة" أي: ليست تكسف ضوء النجوم مع طلوعها لقلة ضوئها وبكائها عليك. انتهى. ولقد رأيته في ديوان جرير كما قال الصاغاني، وقال شارحه: أراد أن الشمس كاسفة تبكي عليك الدهر ما طلع القمر والنجوم، وهذا قول الكسائي. انتهى. وقد جمعنا ما للعلماء من أقوال في الرواية المشهورة، وذكرنا ما يتعلق بها في الشاهد الثاني عشر من شواهد "شرح الشافية" للرضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس بعد الستمائة: (٦٠٥) ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا على أن الألف في "اعبدا" بدل من نون التوكيد الخفيفة، قال سيبويه في باب النون الثقيلة والخفيفة: وأما الخفيفة، فقوله تعالى: (لنسفعاً بالناصية) [العلق/ ١٥]، وقال الأعشى: وإياك والميتات لا تقربنها ... ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا

стр. 2111

فالأولى ثقيلة، والأخرى خفيفة. انتهى. وقال السيرافي: "ولا تقربنها" نون ثقيلة و: "فاعبدا" نون خفيفة، وقف عليها بالألف، قال المصنف: ويحتمل هذا أن يكون من باب: يا حرسي اضربا عنقه. يعني يكون من باب خطاب الواحد بلفظ الاثنين، أو يكون أصله: اعبد اعبد على التكرير للتأكيد، فثنى الضمير نيابة عن تكرير الفعل، وهما خلاف الظاهر، ولا ضرورة تلجئ إلى الحمل على أحدهما. وقال السهيلي في "الروض الأنف" وقوله: "والله فاعبدا" وقف على النون الخفيفة بالألف، وكذلك قوله: "فانكحن أو تأبدا"، ولذلك كتب في الخط بالألف، لأن الوقف عليها بالألف، وقد قيل في مثل هذا: إنه لم يرد الخفيفة، وإنما خاطب الواحد بخطاب الاثنين، وزعموا أنه معروف في كلام العرب، وأنشدوا في ذلك: فإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضاً ممنعا وأنشدوا أيضاً في هذا المعنى: وقلت لصاحبي لا تحبسانا ... بنزع أصوله واجتث شيحا ولا يمكن إرادة النون الخفيفة في هذين البيتين، لأنها لا تكون ألفاً إلا في الوقف، وهذا الفعل قد اتصل به الضمير، فلا يصح اعتقاد الوقف عليه دون الضمير، وحكي أن الحجاج قال: يا حرسي اضربا عنقه، وهذا قد يمكن فيه حمل الوصل على الوقف، ويحتمل أن يريد: اضرب أنت وصاحبك، وقد قيل في قوله سبحانه:

стр. 2112

(أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ) [ق/٢٤] إن الخطاب لمالك وحده حملاً على هذا الباب، وقيل: بل هو راجع إلى قوله: (سَائِقٌ وشَهِيدٌ). انتهى كلام السهيلي. والبيت من قصيدة في مدح النبي ﷺ ، ولم يوفق للإسلام، وقد تقدم بعضها في الإنشاد الخامس والخمسين بعد الثلاثمائة، وبعضها في الإنشاد الخامس والثمانين بعد الأربعمائة، وبعضها في الإنشاد الثامن عشر بعد الخمسمائة، وبعضها في الإنشاد الواحد والخمسين بعد الخمسمائة. وقبل هذا البيت: أجدك لم تسمع وصاة محمد ... نبي الإله حين أوصى وأشهدا إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد لما كان أرصدا فإياك والميتات لا تطعمنها ... ولا تأخذن سهماً حديداً لتفصدا ولا النصب المنصوب لا تنسكنه ... لعاقبة والله ربك فاعبدا وصل على حين العشيات والضحى ... ولا تحمل الشيطان والله فاحمدا ولا السائل المحروم لا تتركنه ... لفاقته ولا الأسير المقيدا ولا تسخرن من بائس ذي ضرارة ... ولا تحسبن المال للمرء مخلدا ولا تقربن جارة إن سرها ... عليك حرام فانكحن أو تأبدا وهذا آخر القصيدة، وقوله: أجدك، الألف للاستفهام، والجد، بالكسر، نقيض الهزل، منصوب على المصدرية. والوصاة: الوصية، وقوله: إذا أنت لم ترحل .. إلى آخر القصيدة: هي الوصية، وقوله: ندمت، جواب إذا. وقوله: وأنك لم ترصد، قال الأزهري: أرصدت له شيئاً – أرصده، أي: أعددت

стр. 2113

وهيأت، وقوله: لا تطعمنها، أي: لا تأكلنها، وروى سيبويه بدله "لا تقربنها" وهي كناية عما ذكرنا، وروى سيبويه المصراع الثاني: "ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا" قال ابن السيرافي في "شرح شواهده": والرواية في شعر الأعشى: وإياك والميتات لا تقربنها ... ولا تأخذن سهماً حديداً لتفصدا وذا النصب المنصوب لا تنسكنه ... ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا انتهى، وعليه يكون ذاك مركباً من بيتين، لكن الذي رأيته في ديوان الأعشى في نسخة قديمة يزيد تاريخها على سبعمائة سنة ما سطرته، والله أعلم. وقوله: ولا تأخذن سهماً ... إلخ، قال الخوارزمي: كان بعض العرب يأخذ سهماً يفصد به الناقة فيشرب دمها، فحرم الله سبحانه الدم إلا عند الضرورة. وقوله: ولا النصب المنصوب، هو منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: ولا تنسك النصب، وتكون الجملة معطوفة على جملة لا تأخذن، ورواه الجوهري: "وذا النصب" باسم الإشارة. قال: والنصب، أي: بفتح فسكون: ما نصب وعبد من دون الله، وكذلك النصب، بالضم، وقد يحرك مثل: عسر وعسر، قال الأعشى: وذا النصب المنصوب لا تنسكنه ... لعاقبة والله ربك فاعبدا أراد فاعبدن، فوقف بالألف. وقوله: وذا النصب، يعني إياك وهذا النصب، وهو للتقريب [كما] قال: ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد انتهى.

стр. 2114

ويجوز أن ينصب بفعل يفسره ما بعده كما ذكرنا، والنسك: العبادة، والناسك: العابد، وفعله من باب قتل، وقوله: لعاقبة، أي: لحسن العاقبة، والعاقبة: مصدر بمعنى العقبى، والله: منصوب بالفعل بعده، وربك: صفته، قال أبو حيان في "البحر" عند تفسير قوله: (وَإيَّايَ فَارْهَبُونِ) [البقرة/ ٤٠] والذي يدل على أن هذا التركيب، أعني: زيداً فاضرب، تركيب عربي صحيح، قوله تعالى: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ) [الزمر/ ٦٦] وقال الشاعر: ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا قال بعض أصحابنا: الذي ظهر فيها بعد البحث أن الأصل في "زيداً فاضرب" تنبه فاضرب زيداً، ثم حذف "تنبه" فصار: فاضرب زيداً – فلما وقعت الفاء صدراً، قدموا الاسم إصلاحاً للفظ، وإنما دخلت الفاء هنا لتربط هاتين الجملتين. انتهى. وقوله: ولا تسخرن من بائس .. إلخ. في "المصباح": سخرت منه وبه –قاله الأزهري- سخراً، من باب تعب: هزئت به، والبائس: الفقير الذي أصابه البؤس والشدة، والضرارة: هي الضرورة، وبها روي أيضاً. وقوله: ولا تقربن جارة، أي: للفحشاء، قال شارح ديوانه: السر: النكاح، والتأبد: التعزب، ومن هذا قيل للوحش: أوابد، لتأبدها. وقال السهيلي: وقوله: فانكحن أو تأبدا، يريد: أو ترهب، لأن الراهب –أبداً- عزب، فقيل له: متأبد، اشتق له من لفظ الأبد. انتهى.

стр. 2115

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس بعد الستمائة: (٦٠٦) من طلل كالأتحمي أنهجا على أن الألف للإطلاق، وهو من أرجوز للعجاج، وقبله، وهو أولها: ما هاج أشجاناً وشجواً قد شجا وما: اسم استفهام مبتدأ، وجملة "هاج" بفاعله المستتر: خبر، وأشجاناً مفعوله، وهو جمع شجن، بفتحتين، وهو الحزن، وهاج: يأتي متعدياً بمعنى هيج، وهو المراد هنا، ويأتي لازماً. والشجو: مصدر شجاه الهم يشجوه إذا أحزنه، والأتحمي، بمثناة فوقية فحاء مهملة، فميم مكسورة، وياء مشددة: البرد اليمني يشبه به الطلل من أجل خطوطه التي فيه، كما يشبه بالمصحف لذلك، وقال الأزهري: الأتحمي: ضرب من البرود، وقد أتحمت البرود إتحاماً فهي متحمة، ويقال: تحمت الثوب: إذا وشيته، وفرس متحم اللون إلى الشقرة، كأنه شبه بالأتحمي من البرود، وهو الأحمر. انتهى. وأنهج الثوب إنهاجاً: أخلق وبلي، وأنهج مع فاعله الضمير: جملة واقعت صفة للأتحمي، لأن اللام فيه للجنس، أو هي حال منه. وترجمة العجاج تقدمت في الإنشاد الثاني عشر.

стр. 2116

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع بعد الستمائة: (٦٠٧) أعوذ بالله من العقراب على أن الألف في العقراب زائدة لضرورة الشعر، قال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": ومنها إشباع الحركة فينشأ عنها حرف من جنسها، ثم أورد أبياتاً منها: أعوذ بالله من العقراب ... الشائلات عقد الأذناب قال: يريد العقرب، الذكر والأنثى فيه سواء، والذكر عقربان، بضم العين والراء وسكون القاف بينهما، والشائلات: المرتفعات، من شال الشيء يشول، أي: ارتفع. (حرف الياء المفردة) أنشد فيه، وهو الإنشاد الثامن بعد الستمائة: (٦٠٨) ألا يا اسقياني قبل غارة سنجال على أنه اختلف في "يا" إذا دخلت على الفعل، فقيل: حرف نداء والمنادى مقدر، وقيل: هي حرف تنبيه ولا منادى، قال سيبويه في "باب عدة ما يكون عليه الكلام": وأما "يا" فتنبيه، ألا ترى في النداء وفي الأمر كأنك تنبه المأمور، قال الشماخ: ألا يا اسقياني قبل غارة سنجال

стр. 2117

قال الأعلم: الشاهد فيه دخول "يا" التنبيه وإن شئت قدرت المنادى محذوفاً، فتكون للنداء على الأصل المستعمل، والتقدير: يا هذان اسقياني. انتهى. وهو من قصيدة للشماخ عدتها خمسة عشر بيتاً، رثى بها بكير بن شداد الليثي الكناني، قال جامع ديوانه: وقال الشماخ، وكان غزا مع سعيد بن العاص حتى افتتح أذربيجان ويرثي بكيراً وقتل يومئذ: لعمرك لا أنسى وإن طال عهدنا ... لقاء ابنة الضمري في البلد الخالي تذكرتها وهناً وقد حال دونها ... قرى أذربيجان المسالح والجالي ألا يا أصحابي قبل غارة سنجال ... وقبل منايا باكرات وآجال وقبل اختلاف القوم من بين سالب ... وآخر مسلوب هوى بين أبطال وقيلهم خدوا له برماحكم ... بنازحة العواد خفاقة الآل فبكوا قليلاً ثم ولوا وودعوا ... وقد غادروا في اللحد لحمي وأوصالي لقد غادرت خيل بموقان أسلمت ... بكير بني الشداخ فارس أطلال فتى كان يروي سيفه وسنانه ... من العلق الآني لدى المجحر التالي وقد علمت خيل بموقان أنني ... أنا الفارس الحجامي لدى الموت نزال قوله: لعمرك لا أنسى .. إلخ، البلد: الأرض والمكان، قال جامع ديوانه يريد أنه لقيها ببلد خال، فرأى منظراً حسناً أعجبه. وقوله: تذكرتها وهناً، الوهن: ما بعد نصف الليل الأول، وأذربيجان: إقليم من بلاد العجم، وقاعدة بلدة تبريز، وحده من برذع مشرقاً إلى زنجان مغرباً، والمسالح: جمع مسلحة وهو الثغر، والقوم ذوو سلاح، والمسلحة، بفتح الميم: موضع السلاح، والمسالح: بدل

стр. 2118

من قرى، والجالي، بالجيم، قال جامع ديوانه: الجالي موضع منها، ويروى "المصالح" أي حال دونها هذه القرى التي أهلها في الصلح، والقرى أجلي عنها أهلها. ألا يا اصبحاني قبل .. إلخ، أي: اسقياني الصبوح، وهو شرب الغداة. والغارة: اسم للإغارة، وهي الإسراع في أخذ العدو، وسنجال: بكسر السين وسكون النون بعدها الجيم، قال جامع ديوانه: قرية ممن قرى إرمينية. انتهى. وإرمينية، بكسر الألف، وخفة الياء الأخيرة: اسم صقع عظيم حده من برذع إلى باب الأبواب، ومن الجهة الأخرى إلى بلاد الروم، يقول: اسقياني قبل هذه الوقعة، وقبل هذه المنايا المقدرة علماً منه أن ربما قتل فيها هو أو أحد من أودائه فيشغله ذلك عن اللذات. وقوله: هوى بين أبطال، أي: وقع بينهم، وقوله: وقيلهم بالجر، معطوف على اختلاف، أي: واسقياني قبل قولهم: خدوا له، أي: شقوا له قبراً بنازحة العواد، أي: في أرض بعيد عوادها، جمع عائد، وهو من يزور المريض ونحوه. وقوله: خفاقة الآل، أي: يخفق سرابها ويضطرب، ولا يكون هذا إلا في أرض منقطعة عن الناس، وبكوا –بالتشديد- لغة في بكوا –بالتخفيف- وغادروا: تركوا، والأوصال: الأعضاء الموصولة بعضها ببعض. وقوله: لقد غادرت خيل بموقان، بضم الميم: قرية من قرى أذربيجان، وغادرت: تركت، والباء متعلقة به، وأسلمت: أودعت وسلمت، وبكير منصوب بأحدهم على التنازع، وهو: بكير بن شداد بن خالد بن عامر بن الملوح بن الشداخ بن يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. يريد أنه خرج عليه جماعة من الخير فقتلوه بموقان، وفارس أطلال: صفة بكير، وأطلال: اسم فرسه.

стр. 2119

وقوله: فتى كان .. إلخ، أي: هو فتى، ويوري: مضارع أرواه بمعنى سقاه حتى ارتوى، والعلق: الدم الغليظ، والآني بالنون: السخن والحار، والمجحر، بضم الميم وسكون الجيم وفتح الحاء المهملة، قال جامع ديوانه: المجحر: المتخلف، والتالي: الذي يتلوه، وقوله: لدى الموت، أي: في المعركة، قال جامع ديوانه: نزيل الرجل: مرافقه، والجمع نزال. والشماخ: مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وله صحبة، وشهد وقعة القادسية، قال المرزباني: وتوفي في غزوة موقان، في زمن عثمان بن عفان، واسمه معقل بن ضرار الغطفاني. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع بعد الستمائة: (٦٠٩) يا لعنة الله والأقوام كلهم ... والصالحين على سمعان من جار لما تقدم قبله، فـ "يا" إما لمجرد التنبيه، وإما للنداء، والمنادى محذوف تقديره: يا قوم، والثاني أورده سيبويه في باب الاستغاثة، قال الأعلم: الشاهد فيه حذف المدعو لدلالة حرف النداء عليه، والمعنى: يا قوم لعنة الله على سمعان، ولذلك رفع اللعنة بالابتداء، ولو أوقع النداء عليها لنصبها. انتهى. وقال ابن الحاجب في "أمالي المفصل": يجوز في الصالحين الرفع على الموضوع، لأن المعنى: يا قوم؛ لعن الله والأقوام والصالحون، والخفض ظاهر، والرفع مثل

стр. 2120

قولك: أعجبني ضرب زيد وعمرو، عطفاً لموضع زيد، إذ موضعه رفع، ومن في قوله: من جار، للبيان، فتتعلق بمحذوف تقديره على سمعان الحاصل من الجيران، أو حاصلاً من الجيران. انتهى. قال الصاغاني في "العباب": وسمعان كعمران، والعامة تفتح، قال: يا لعنة الله .. البيت، ولعنة: مبتدأ، وعلى سمعان: خبر، ومن جار: تمييز، كأنه قال: على سمعان جاراً. انتهى. الباب الثاني أنشد في انقسام الجملة إلى اسمية وفعلية، وهو الإنشاد العاشر بعد الستمائة: (٦١٠) فبينا نحن نرقبه أتانا ... معلق وفضة وزناد راع على أن تعيين كون البيت جملة اسمية أو فعلية متوقفة على بينا، فإن كان ألفها لكف الإضافة، فجملة البيت اسمية، وإن كانت ألف الإشباع، وبين مضافة إلى الجملة الاسمية بعدها، فتكون ظرفاً لأتانا، فيكون رتبتها التأخير، فالمصدر في الحقيقة عاملها، فيكون البيت جملة فعلية، والبيت أورده سيبويه في "باب اسم الفاعل، الذي يعمل عمل فعله" من أوائل "الكتاب". قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه نصب زناد راع بفعل مضمر، كأنه قال: ويعلق زناد راع، ومعلقاً زناد

стр. 2121

راع، ورواية أبي الحسن: "وزناد راع" عطفاً على الموضع، وبينا: ظرف المفاجأة مضاف للجملة بعده، وعامله أتانا، ونرقبه، ننظره، والوفضة: الكنانة، وأراد بالوفضة شيئاً يصنع مثل الخريطة والجعبة، تكون مع الفقراء والرعاة، يجعلون فيه أزوادهم، وزعموا أن أهل الصفة، رضي الله تعالى عنهم، كانت معهم وفاض، والزناد: الخشبة التي يقدح بها النار، وروى أبو الحسن بعده: ومزودة ومرتحلاً قلوصاً ... وأثواباً تشبه بالرقاع انتهى. وقال الأعلم: الشاهد فيه نصب زناد حملاً على موضع الوفضة، لأن المعنى: يعلق وفضة وزناد راع. انتهى. وأورده الفراء عند قوله تعالى: (وجَعَلَ اللَّيلَ سَكَنًا والشَّمْسَ والْقَمَرَ) [الأنعام /٩٦]، قال: الليل في موضع نصب في المعنى، فرد الشمس والقمر على معناه، أنشدني بعضهم: وبينا نحن ننظره أتانا ... معلق شكوة وزناد راع وقال ابن جني في "المحتسب" في سورة الحج في قراءة الحسن: (وَلُؤْلُؤًا) قال: هو محمول على فعل يدل عليه قوله: (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ) [الحج/ ٢٣]. أي: ويؤتون لؤلؤاً، ويلبسون، ومثله قول الآخر: بينا نحن نرقبه .. إلى آخره، فكأنه قال: وحاملاً زناد راع، ومعلقاً زناد راع، وهو كثير. انتهى.

стр. 2122

والشكوة في رواية الفراء: هي وعاء من أدم للماء واللبن، قاله صاحب "القاموس" والمزود، بكسر الميم: وعاء الزاد، والمرتحل: البعير الذي وضع عليه الرحل، وهو مركب للبعير، والقلوص: الناقة الشابة. والشعر نسبه ابن خلاف إلى رجل من قيس عيلان. وأنشد بعده: فقلت أهي سرت أم عادني حلم صدره: فقمت للطيف مرتاعاً فأرقني وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثاني والخمسين في بحث "أم". وأنشد بعده، وهو الإنشاد الحادي عشر بعد الستمائة: (٦١١) كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب على أن أبا نوس قد لحن فيه باستعمال فعلى دون أل، ودون إضافة، وأول من نبه على لحنه الزمخشري في "المفصل". قال شارحه الأندلسي: لكونه استعمل صغرى وكبرى نكرة، وهذا الضرب من الصفات لا يستعمل إلا معرفاً، وإنما يجوز التنكير في فعلى التي لا أفعل لها نحو: حبلى ولم يقل إنه ضرورة، لأن

стр. 2123

المولد لا يسوغ له استعمال شيء على خلاف الأصل إلا أن يرد به سماع فيتوقف على محل السماع ولا يقاس عليه، وصغرى ما ورد فيه سماع، فقيل: إن "من" المذكورة زائدة، وكبرى: مضافة، وحذف مضاف الأول كما في قوله: "ياتيم تيم عدي" لكن حذف "من" في الواجب لا يجوز إلا عند الأخفش، الأجود أن يقال: حذف المفضل الداخل عليه "من" اكتفاء بذكره مرة، أي: كأن صغرى من فواقعها وكبرى منها. انتهى. وقد رده المصنف وكان الواجب أن يقول وزيادة "من" في الواجب لا يجوز إلا عند الأخفش، وقيل: إن صغرى قد غلبت عليها الاسمية كما في قوله: في سعي دنيا طالما قد مدت قال ابن يعيش: والاعتذار عنه أنه استعمله استعمال الأسماء لكثرة ما يجيء منه بغير [تقدم] موصوف، نحو: صغيرة وكبيرة؛ فصار كصاحب وأبطح، فاستعمله نكرة لذلك. وقيل: إن فعلى فيه ليست مؤنثة أفعل، بل بمعنى فاعلة، كأنه قال: [كأن] صغيرة وكبيرة من فواقعها، على حد قوله تعالى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم/ ٢٧]. انتهى. واختار هذا الأخير المصنف، والبيت في صفة الخمر، والفواقع: جمع فاقعة، وروي بدله: "من فقاقعها" جمع فقاعة، ومعناها: النفاخات التي تكون على وجه الماء، وصف الخمر وما يعلوها من الحباب، فشبه الحباب بالدر وهو اللؤلؤ الكبير، والخمر التي تحته بأرض من ذهب، وقد أورد صاحب "الكشاف" هذا البيت عند

стр. 2124

تفسير قوله تعالى: (حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا) [الإنسان/ ١٩]. في ضمن حكاية حكاها عن المأمون أنه زفت إليه بوران بنت الحسن، وهي على بساط منسوج من ذهب، وقد نثرت عليه نساء دار الخلافة اللؤلؤ، فنظر إليه منثوراً على ذلك البساط فاستحسن النظر إليه وقال: لله در أبي نواس! كأنه أبصر هذا حيث يقول: كأن صغرى وكبرى من فقاقعها وهو من أبيات أولها: ساع بكأس إلى ناس على طرب ... كلاهما عجب في منظر عجب قامت ترينا وستر الليل منسدل ... صبحاً تولد بين الماء والعنب كأن صغرى وكبرى من فقاقعها ... حصباء در على أرض من الذهب كأن تركاً صفوفاً في جوانبها ... تواتر الرمي بالنشاب من كثب في كف ساقية ناهيك ساقية ... في حسن قد وفي ظرف وفي أدب وبعد هذا ستة أبيات في وصفها. وترجمة أبي نواس تقدمت في الإنشاد الثاني والأربعين بعد المائتين.

стр. 2125

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني عشر بعد الستمائة: (٦١٢) بين ذراعي وجبهة الأسد وصدره: يا من رأى عارضاً أسر به وقد استشهد به سيبويه، قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه فصل بين المضاف والمضاف ليه بقوله: وجبهة الأسد، أي: بين ذراعي الأسد وجبهته، والعارض: السحاب الذي يتعرض الأفق. وقوله: "بين ذراعي .. إلى آخره" الذراعان: ذراعا الأسد، وهم أربعة كواكب، من كل كوكبين منها ذراع، وإذا نظر إليها الناظر فهي مشبهة للذراعين. والجبهة: جبهة الأسد؛ وهي كواكب كأنها مصطفة تسمى جبهة الأسد. وعندهم أن السحابا لذي ينشأ بنوء من منازل الأسد يكون مطره غزيراً؛ فلذلك يسر به. ورواه ابن السيد: يا من رأى عارضاً أرقت له قال ابن يعيش: وصف عارض سحاب اعترض بين نوء الذراع ونوء الجبهة، وهما من أنواء الأسد وأنواؤه من أحمد الأنواء، وذكر الذراعين والنوء للذراع المقبوضة منهما؛ لاشتراكهما في أعضاء الأسد، ونظيره: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ والْمَرْجَانُ) [الرحمن/ ٢٢] يريد من البحرين وإنما يخرج من أحدهما. انتهى. والبيت من شعر للفرزدق.

стр. 2126

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث عشر بعد الستمائة: (٦١٣) إذا غاب عنكم أسود العين كنتم ... كراماً وأنتم ما أقام ألائم على أن واحد ألائم وهو ألأم ليس أفعل تفضيل، وإنما هو وصف بمعنى لئيم، وأنشد يعقوب بن السكيت للفرزدق في "أبيات المعاني": "الألأم" بالتعريف، وأنشد بعده: تحدث ركبان الحجيج بلؤمكم ... وتقري به الضيف اللقاح العواتم وقال أسود العين: جبل، يعني أنكم لئام أبداً لا يزول عنكم اللؤم أبداً، كما أن الجبل لا يزول عن موضعه. وقوله: يحدث ركبان .. إلخ أي: يتعجب الركبان من لؤمنهم فيطولون [به الحديث، وكذا الحي، يتعجبون من لؤمهم فيطولون] بالليل الحديث به، حتى ينسوا الحلب، فإن طرأ عليهم طارئ في آخر الليل وجد عندهم اللبن لأن لقاحهم لم تحلب لاشتغال أهل اللقاح بحديثهم، ومثل هذا قول الشاعر: ألا أيها الركب المخبون عرجوا ... على شهد مثل النعام الخواضب نمتعكم منا بقول نقوله ... يكون حديث القوم عرض السباسب به يعتم الراعي حلوبة أهله ... ويسري به الساري بأم الكواكب به: بالشعر، ويعتم: يبطئ. انتهى. وقد روى القالي في "أماليه" هذين البيتين عن ابن الأنباري، عن أبي العباس أحمد بن يحيى، وذكر تفسيرهما كما تقدم. وقال ياقوت في "معجم البلدان": أسود العين [بلفظ العين الباصرة]: جبل [بنجد] يشرف على طريق البصرة إلى مكة

стр. 2127

وأنشد البيت. وقال البكري في "معجم ما استعجم": أسود العين: جبل مذكور محلى في رسم ضرية، قال الشاعر: إذا ما فقدتم أسود العين كنتم .. البيت. يعني: أنهم لا ينتقلون عن اللؤم إلى الكرم أبداً لأنهم لا يفقدون هذا الجبل أبداً. انتهى. واللقاح جمع لقحة، بكسر اللام: الناقة ذات لبن، والفتح لغة، واللقوح فيها لغة، والجمع لقاح، وقال ثعلب: اللقاح جمع لقحة، وإن شئت لقوح وهي التي نتجت شهرين أو ثلاثة ثم هي لبون بعد ذلك، كذا في "المصباح" وفي "القاموس" وعتمت الإبل تعتم وتعتم وأعتمت واستعتمت: حلبت عشاءً. وأنشد بعده: ألا عمر ولى مستطاع رجوعه تمامه: فيرأب ما أثأت يد الغفلات وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد بعد المائة.

стр. 2128

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع عشر بعد الستمائة: (٦١٤) زعم العواذل أنني في غمرة ... صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي على أن قوله صدقوا إلخ استئناف بياني، كأنه قيل: هل صدقوا؟ فقال: صدقوا، والغمرة بالفتح: الشدة، والبيت من شواهد علماء البيان أورده شاهداً لما ذكر في باب الفصل والوصل. قال ابن السبكي في "عروس الأفراح": هذا البيت أحد ما يدل على أن زعم يستعمل في القول الصحيح وللناس فيه قولان قيل: كل قوم قام الدليل على بطلانه، وقيل لم يقم على صحته، ولم يستعمل الزعم في القرآن العظيم إلا للباطل، واستعمل في غيره للصحيح كقول هرقل لأبي سفيان: "زعمت .. " وهو كثير في الحديث، لكن إذا تأملته تجده حيث يكون المتكلم شاكاً فهو كقول لم يقم الدليل على صحته وإن كان صحيحاً في نفس الأمر، وقد يستشكل قول الشاعر "صدقوا" وهو ضمير المذكر، والعواذل جمع عاذلة، وعاذلة مؤنث، قيل: ولا يصح أن يكون جمع عاذل، لأن فاعلاً لا يجمع على فواعل إلا ما هو معهود ولا يصح إطلاق أن فاعلاً لا يجمع على فواعل إنما يمتنع ذلك ويتوقف على السماع في صفة العاقل كما نحن فيه، أما فاعل الجامد، أو صفة غير العاقل، أوصفة المؤنث كطوالق، فيجوز جمعه على فواعل ذكره سيبويه وغيره، ومن هذا نواقض الوضوء جمع ناقض، وغلط النسفي حيث قال: جمع ناقضة، لتوهمه أن نواقض

стр. 2129

لا يكون جمع ناقض، وقد وقع جمع فاعل [على فواعل] في ألفاظ غير فوارس وهوالك، وهي نواكس وسوابق. انتهى. وقوله: وعاذلة مؤنث، أقول: المراد فرقة عاذلة لا امرأة عاذلة، فالتأنيث لفظي، والمعنى مذكر فلا استشكال، والبيت لم يعرف قائله. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس عشر بعد الستمائة: (٦١٥) ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغا تمامه: وأن أشهد اللذات هل أنت مخلد على أن الأصل أن أحضر فما حذفت أن، ارتفع الفعل وهو القياس، وروي بنصب أحر أيضاً، وهو ضعيف في القياس، واستدل به الكوفيون على جواز عملها محذوفة في غير المواضع المحدودة، وقالوا الدليل على صحة هذا أنه عطف عليه قوله وأن أشهد، ومنع البصريون ذلك بأن عوامل الأفعال ضعيفة لا تعمل مع الحذف، وإذا حذفت ارتفع الفعل، وقالوا: رواية البيت عندنا بالرفع، فقال سيبويه: "أن أحضر" وهو مجرور بفي مقدرة، وأن أشهد معطوف عليه، وقال المبرد: جملة "أحضر" حال من الياء، و"أن أشهد" معطوف على المعنى، لأنه لما قال "أحضر" دل على الحضور، كما تقول: من كذب كان شراً له، أي كان الكذب، كذا نقلوا عنه. وإن صحت رواية النصب فهو محمول على أنه توهم أنه أتى بأن فنصب، وهذا لا يجوز القياس عليه. والوغا: الحرب، وأصله

стр. 2130

الأصوات التي تكون فيها، والشهود: الحضور، وأخلده: أبقاه، ومعنى البيت: يا من يلومني في حضور الحرب لئلا أقتل، وفي أن أنفق مالي لئلا أفتقر، ما أنت بمخلدي إن قبلت منك، فدعني أنفق مالي في الفتوة ولا أخلفه لغيري، وبعده: فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي ... فذرني أبادرها بما ملكت يدي يقول: إن كنت لا تقدر أن تدفع موتي فذرني أسبق الموت بالتمتع بإنفاق مالي، يريد أن الموت لا بد منه فلا معنى للبخل وترك اللذات، والبيتان من معلقة طرفة بن العبد، وقد تقدمت ترجمته في الإنشاد الرابع والستين بعد المائة. وأنشد بعده: حتى ماء دجلة أشكل صدره: فما زالت القتلى تمج دماءها ... بدجلة ... وقد تقدم الكلام عليه في الإنشاد الرابع والتسعين بعد المائة. أنشد بعده، في الجملة المعترضة، وهو الإنشاد السادس عشر بعد الستمائة: (٦١٦) شجاك أظن ربع الظاعنينا على أن جملة "أظن" معترضة بين الفعل والفاعل، قال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: يروى برفع "ربع" ونصبه، فمن رفعه جعله فاعل شجاك و"أظن"

стр. 2131

ملغاة، ومن نصب جعله مفعولاً أول لأظن، وجملة "شجاك" مفعولاً ثانياً مقدراً وفاعله ضمير مستتر راجع إلى الربع، لأنه مؤخر لفظاً مقدم تقديراً؛ إذ أصله التقديم على "شجاك". انتهى. والمصراع صدره، وعجزه: ولم تعبأ بعذل العاذلينا وشجاك: أحزنك، والشجو: الحزن، والربع: المنزل، حيث كان، والظاعن: المرتحل، يقال: ظعن: أي سافر، ولم تعبأ: لم تلتفت، يقال: ما عبئت بفلان، أي: ما باليت به، وكان يونس لا يهمزه، ولم أقف على قائل الشعر، وقد بوب ابن جني في "الخصائص" باباً للاعتراض، قال: اعلم أن هذا القبيل من هذا العلم كثير قد جاء في القرآن العظيم، وفصيح الشعر، ومنثور الكلام، وهو جار عند العرب مجرى التأكيد، فلذلك لا يستنكر عندهم أن يعترض به بين الفعل وفاعله، والمبتدأ وخبره، وغير ذلك، مما لا يجوز الفصل فيه بغيره إلا شاذاً، أو متأولاً، ثم مثل بالأبيات التي أنشدها المصنف وغيرها. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع عشر بعد الستمائة: (٦١٧) وقد أدركتني والحوادث جمة ... أسنة قوم لا ضعاف ولا عزل على أن جملة "الحوادث جمة" معترضة بين الفعل والفاعل، قال ابن حبيب في "النقائض" في شرح يوم الوقيط، وأسر حنظلة بن عمار العجلي جويرية بن زيد،

стр. 2132

أخا بني عبد الله بن دارم، من الأحلاف، وهو زوج غمامة بنت الطود، فلم يزل في الوثاق حتى قعدوا شرباً، فأنشأ يتغنى رافعاً عقيرته: وقائلة ما غاله أن يزورنا ... وقد كنت عن تلك الزيارة في شغل وقد أدركتني والحوادث جمة ... مخالب قوم لا ضعف ولا عزل لعلهم أن يمطروني بنعمة ... كما صاب ماء المزن في البلد المحل وقد ينعش الله الفتى بعد عثرة ... وقد تبتني الحسنى سراة بني عجل فأطلقوه، وكذا رواها ابن عبد ربه في العقد الفريد، وزاد بعد البيت الشاهد: سراع إلى الداعي بطاء عن الخنى ... رزان لدى النادي في غير ما جهل وقوله: وقائلة: أي: رب قائلة: ما غاله؟ أي: ما دهاه؟ وروي: "ما باله لا يزورنا" أي: ما شأنه وحاله، وفاعل يزور: ضمير جويرية المعلوم من المقام، وجملة "وقد كنت .. إلى آخره" حال بين بها وجه عدم الزيارة، وجمة: كثيرة. وأسنة: جمع سنان، وروي بدله "مخالب" جمع مخلب، وهو ظفر السبع، وضعاف: صفة قوم على وجه النفي، جمع ضعيف، وعزل: جمع أعزل وهو من لا رمح له، مدحهم بالقوة والسلاح. وسراع: جمع سريع، وبطاء: جمع بطيء، والخنى: الفحش. ورزان: جمع رزين، والنادي: المجلس، و"ما": زائدة، ومطرتهم السماء: أسابتهم بالمطر، وصاب: نزل، والبلد المحل: الأرض التي لا نبات فيها، وفي "المصباح" ونعشه والله وأنعشه: أقامه، والسراة، بالفتح: الأشراف. ويوم الوقيط: يوم من أيام العرب في الجاهلية.

стр. 2133

وأنشد بعده: ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد وتقدم الكلام عليه في الأنشاد الثاني والخمسين بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن عشر بعد الستمائة: (٦١٨) وبدلت والدهر ذو تبدل ... هيفاً دبوراً بالصبا والشمأل على أنه فصل بجملة "والدهر ذو تبدل"، بين الفعل ومفعوله لتسديد الكلام وتوكيده، وبدلت: بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير الريح في قبله، والهيف، بالفتح: ريح مكباء تهب بين الجنوب والدبور، وهي حارة، وقال الأزهري في "التهذيب" قال الليث: الهيف ريح باردة تجيء من مهب الجنوب، وهي أيضاً كل ريح سموم تعطش المال وتيبس النبات، وعن ابن السكيت: الهيف والهوف: ريح حارة تأتي من قبل اليمن، وأخبرني المنذري عن ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: نكباء الصبا والجنوب: مهياف ملواح ميباس للبقل، وهي التي تجيء بين الريحين، قلت: والذي قاله الليث في الهيف: ريح باردة خطأ، لا تكون الهيف إلا حارة. انتهى. والدبور، بفتح الدال، ريح تهب من ناحية المغرب، والصبا: تقابلها من ناحية

стр. 2134

المشرق، وفي الحديث: (نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور)، وقوله بالصبا: أي ذهبت ريح الصبا، والشمأل، وهبت علينا الهيف والدبور، فالباء دخلت على المتروك وهو الاستعمال المشهور، والشمأل، بسكون الميم وفتح الهمزة، لغة في فتحها مع الألف، وهي الريح التي تهب من جانب القطب. والبيتان من أرجوزة طويلة لأبي النجم العجلي، تقدم شرح كثير منها في الإنشاد الثاني والخمسين بعد المائتين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع عشر بعد الستمائة: (٦١٩) وفيهن والأيام يعثرون بالفتى ... نوادب لا يمللنه ونوائح على أن جملة "والأيام يعثرن بالفتى" معترضة بين المبتدأ والخبر. قال القالي في "أماليه: " قرأت على أبي بكر بن دريد لمعن بن أوس: رأيت رجالاً يكرهون بناتهم ... وفيهن لا تكذب نساء صوالح وفيهن والأيام يعثرون بالفتى ... عوائد لا يمللنه ونوائح وكذا أوردهما صاحب "الحماسة البصرية" لكن لم ينسبها إلى معن، وقال أبو عبيد البكري، فيما كتبه على "أمالي القالي": البيتان ثابتان في ديوان شعر معن، ولا مزيد عليهما. وأنشد صاعد بن الحسن لحسان بن الغدير أحد بني عامر شعراً

стр. 2135

فيه البيت الأول من هذين البيتين، وهي أبيات منها: لأي زمان يخبأ المرء نفعه ... غداً بل غد للموت غاد ورائح إذا المرء لم ينفعك حياً فنفعه ... أقل إذا رصت عليه الصفائح أيت رجالاً يكرهون بناتهم ... وهن البواكي والجيوب النواضح وللموت سورات بها تنقض القوى ... وتسلو عن المال النفوس الشحائح وما النأي بالبعد المفرق بيننا ... بل النأي ما ضمت عليه الضرائح وقوله لا تكذب، لا نهاية، وتكذب بالبناء للمفعول، وحقيقته: لا يقل لك كذباً، أي: لا تسمع كذباً، فيكذبون في القول عندك، وذكر المسبب وحذف السبب، وجملة "لا تكذب" معترضة بين المبتدأ والخبر أيضاً، وقوله: "يعثران بالفتى" الباء مرادفة الهمزة في التعدية، ولهذا يقال لها: باء التعدية، أي: تجعله عاثراً، أي ساقطاً. ونوادب: جمع نادبة، من ندبت المرأة الميت ندباً، من باب قتل: إذا عددت محاسنه. وروي بدله: عوائد: جمع عائدة، من عيادة المريض، وهي زيارته، والهاء في "يمللنه" ضمير الندب أو العود المفهوم من نوادب وعوائد، ونوائح: جمع نائحة، أي: باكية وصارخة. ومعن بن أوس بن نصر المزني شاعر، مجيد، فحل من المخضرمين. وعمر إلى أيام بن الزبير، وله مدائح في الصحابة، روى صاحب "الأغاني" عن العتبي: أن معن بن أوس كان مئناثاً، وكان يحسن صحبة بناته، وتربيتهن، فولد لبعض عشيرته بنت فكرهها، وأظهر جزعاً من ذلك، فقال معن هذين البيتين.

стр. 2136

وأنشد بعده، وهو الإنشاد العشرون بعد الستمائة: (٦٢٠) نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق على أن "بنات طارق" منصوب بـ "أخص" محذوفاً، والجملة: اعتراض بين المبتدأ والخبر أيضاً. قال ابن السيد في "شرح أدب الكاتب": يروى "بنات" بالرفع والنصب، فمن رفعه: فعلى خبر الابتداء، ومن نصبه: فعلى المدح والتخصيص، ويكون الخبر قولها "نمشي"، ومثله ما حكاه سيبويه من قولهم: نحن العرب أقرى الناس لضيف. ومثله قول نهشل بن حري: إنا بني نهشل لا ندعي لأب ... عنه ولا هو بالأبناء يشرينا وهذا الشعر لهند بنت عتبة، قالته يوم بدر تحرض المشركين على قتال النبي، ﷺ ، وبعده: المسك في المفارق ... والدر في المخانق إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق وهذا الشعر ليس لهند بنت عتبة، وإنما تمثلت به، وهذا الشعر لهند بنت بياضة ابن رياح بن طارق الإيادي، قالته حين لقيت إياد جيش الفرس بالجزيرة، وكان رئيس إياد يومئذ بياضة بن رياح بن طارق الإيادي، وقع ذلك في شعر أبي دواد الإيادي، وذكر أبو رياش وغيره: أن بكر بن وائل، لما لقيت تغلب يوم التحاليق،

стр. 2137

أقبل للفند الزماني بنتان بذيئتان جريئتان، فتكشفت إحداهما، وجعلت تحرض الناس وتقول: وعى وعى حر الجلاد والتظى ... وملئت منه الصحارى والربا يا حبذا المحلقون بالضحا وجعلت الأخرى تقول: نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق إلى آخر الشعر، فطارق على رواية من روى هذا الشعر لهند بنت عتبة، أو لبنت الفند الزماني، تمثيل واستعارة، لا حقيقة، وإنما شبهت أباها بالنجم الطارق في شرفه وعلوه، وعلى رواية من رواه لهند بنت بياضة بن رياح بن طارق، حقيقة ليس باستعارة، لأن طارقاً كان جدها. والأظهر من هذا الشعر أنه لهند بنت بياضة، وإنما قاله غيرها متمثلاً. إلى هنا كلام ابن السيد. وتبعه اللبلي حرفاً بحرف، وقولهما: قالته يوم بدر، صوابه: يوم أحد. كما قاله الجوهري في شرحه، وكذا هو في كتب السير. قال ابن سيد الناس في غزوة أحد: فلما التقى الناس قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف، يضربن بها خلف الرجال، ويحرضنهم، فقالت هند فيما تقول: ويهاً بني عبد الدار ... ويهاً حماة الأدبار ضرباً بكل بتار وتقول: إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق انتهى.

стр. 2138

وأورد أبو عبيد البكري هذا الرجز في جزيرة العرب من أول كتاب "معجم ما استعجم" لهند بنت بياضة لا غير، قال: إن إياداً خالطوا أهل الجزيرة، وكثروا حتى صاروا كالليل، كانت تغير على من يليها من أهل البوادي، وتغزو مع ملوك نصر المغازي، حتى أصابوا امرأة من أشراف الأعاجم كانت عروساً، قد أهديت إلى زوجها، وولي ذلك منها بعض سفهائهم وأحداثهم، فسار إليهم من كان يليهم من الأعاجم، فانحازت إياد إلى الفرات، وجعلوا يعبرون إبلهم في القراقير، فتبعتهم الأعاجم، ورأس القوم يومئذ بياضة بن رياح بن طارق الإيادي، فلما التقى الناس، قالت هند بنت بياضة: نحن بنات طارق إلى آخر الشعر، فهزمت إياد الأعاجم آخر النهار، وذلك بشاطئ الفرات الغربي، وقتلت ذلك الجيش، فلم يفلت منهم إلا الشريد، وجمعوا جماجمهم، فجعلوها كالكوم، فسمي ذلك الموضع "دير الجماجم". انتهى. وهذا الرجز رويه ساكن، وهو من منهوك الجرز، ومن زعم أنه لهند بنت عتبة اضطر أن يؤول طارقاً؛ لأنه ليس من أسماء آبائها، فقالوا: الطارق: النجم، وتوسعوا فيه، حتى سمي السيد المضيء كضوء النجم طارقاً، وما أشبه هذا، والنمارق: جمع نمرقة، مثلثة النون، وهي الوسادة الصغيرة، والطنفسة فوق الرحل، والمفارق: جمع مفرق، كمقعد ومجلس، وسط الرأس، والمخانق: جمع مخنقة، كمكنسة، وهي القلادة، والوامق: المحب. وهند بنت بياضة جاهلية. وهند بنت عتبة هي أم معاوية، أسلمت عام الفتح، وتقدم ذكرها في الإنشاد السادس عشر بعد المائتين.

стр. 2139

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والعشرون بعد الستمائة: (٦٢١) وإني لرام نظرة قبل التي ... لعلي وإن شطت نواها أزورها على أن جملة "وإن شطت نواها" معترضة بين لعلي وخبرها، والصلة محذوفة، والتقدير: التي أقول لعلي .. ألخ. وهو قول أبي علي في "التذكرة القصرية" قال بعد إنشاد للفرزدق أو غيره: هذا لى غير الظاهر، وتأويله: الحكاية، كأنه قال: التي أقول فيها هذا القول، وإضمار القول شائع كثير، والحكاية مستعملة إذا كان عليها دليل، والدلالة هنا قائمة، وهي أن الصلة إيضاح، وما عدا الخبر لا يوضح. انتهى. وزاد في "إيضاح الشعر" وجهاً آخر، قال فيه: جاء الصلة غير الخبر، والصلة لا تكون إلا خبراً، كما أن الصفة كذلك، فإن قلت: فقد جاء من الموصولة ما وصل بغير الخبر، نحو قولهم: كتبت إليه: بأن قم، أن قم، فإن ذلك، وإن جاء في "أن" لا يستقيم في "الذي" ونحوه من الأسماء؛ لأن "الذي" يقتضي الإيضاح بصلته، وليست "أن" كذلك، ألا ترى أنها حرف، وأنه لا يرجع إليها ذكر من الصلة، وهذا وإن جاء في هذا البيت، فإن النحويين يجعلون "لعل" كـ "ليت" في أن الفاء لا تدخل على خبرها، فلا يجيزون: لعل الذي في الدار فمنطلق، كما لا يجيزون ذلك في "ليت". فإن قلت: احمل "لعل" على المعنى؛ لأنه طمع [فكأنه قال: أطمع] في زيارتها. قيل لك: فصله أيضاً بـ "ليت" وقل المعنى الذي أتمنى وصله بالاستفهام والنداء وجميع ما لم يكن خبراً، وقل المعنى الذي أنادي

стр. 2140

والذي استفهم فهذا لا يستقيم، فإن قلت: أراد بـ "أزورها" التقديم، كأنه قال: التي أزورها، فإن ذلك لا يستقيم أيضاً، لأنه واقع موقع الخبر، وتقديم الخبر على لعل لا يستقيم، والوجه فيه أنه لما جرى "أزورها" خبراً للعل، سد أزورها"، مسد الصلة التي يجب أن يكون خبراً، فكأنه أراد: التي أزورها، فأغنى ذكر "أزورها" خبراً "للعل" عن ذكر لها قبل "لعل" والمعنى على التقديم، وأشبه هذا قولهم: لو أن زيداً جاءني، في أن الفعل الجاري في الصلة سد مسد الفعل الذي يقع قبل "أن" بعد "لو" ولولا هذا الفعل لم يجز، ألا ترى أنه لا يجوز: لو مجيئك، فكذلك سد ذكره بعد لعلي مسد ذكره قبل لعلي، فهذا وجه ولا ينبغي أن يقاس على هذا، ولا يؤخذ به، وكأن الذي حسن هذا طول الكلام، وقد رأيت طول الصلة يجوز فيه ما لا يجوز إذا لم تطل، ويجوز فيه شيء آخر، وهو أن يقدر قبل لعلي فعلاً، وتحذفه لطول الكلام، فتكون الصلة الفعل الذي هو أقول فيها، وهو خبر لا إشكال فيه، وحسن الحذف لطول الكلام. انتهى. وسيأتي قريباً عن أبي علي أنه لا يجوز الفصل بين الموصول وصلته بجملة غير قسمية. وقد جوز الوجهين الخفاف في "شرح الجمل" قال: فأما قوله: "وإني لرام" فيحتمل الوجهين، أحدهما أن يكون "أزورها" صلة التي، وفصل بينها وبين التي بـ "لعلي وإن شطت نواها" على جهة الاعتراض، فيكون خبر لعل محذوفاً تقديره: لعلي أبلغ ذلك، والفصل بين الصلة والموصول بجمل الاعتراض جائز قال الشاعر: ذاك الذي وأبيك يعرف مالكاً والآخر أن يكون على إضمار القول، كأنه قال: أقول لعلي، والقول كثيراً ما يضمر. انتهى. وقد رد الأول الفارسي، كما رأيت.
следующие страницы →