Полный текст (2 797 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العشرون بعد الستمائة:
(٦٢٠) نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
على أن "بنات طارق" منصوب بـ "أخص" محذوفاً، والجملة: اعتراض بين المبتدأ والخبر أيضاً. قال ابن السيد في "شرح أدب الكاتب": يروى "بنات" بالرفع والنصب، فمن رفعه: فعلى خبر الابتداء، ومن نصبه: فعلى المدح والتخصيص، ويكون الخبر قولها "نمشي"، ومثله ما حكاه سيبويه من قولهم: نحن العرب أقرى الناس لضيف. ومثله قول نهشل بن حري:
إنا بني نهشل لا ندعي لأب ... عنه ولا هو بالأبناء يشرينا
وهذا الشعر لهند بنت عتبة، قالته يوم بدر تحرض المشركين على قتال النبي، ﷺ ، وبعده:
المسك في المفارق ... والدر في المخانق
إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق
وهذا الشعر ليس لهند بنت عتبة، وإنما تمثلت به، وهذا الشعر لهند بنت بياضة ابن رياح بن طارق الإيادي، قالته حين لقيت إياد جيش الفرس بالجزيرة، وكان رئيس إياد يومئذ بياضة بن رياح بن طارق الإيادي، وقع ذلك في شعر أبي دواد الإيادي، وذكر أبو رياش وغيره: أن بكر بن وائل، لما لقيت تغلب يوم التحاليق،
стр. 2137
أقبل للفند الزماني بنتان بذيئتان جريئتان، فتكشفت إحداهما، وجعلت تحرض الناس وتقول:
وعى وعى حر الجلاد والتظى ... وملئت منه الصحارى والربا
يا حبذا المحلقون بالضحا
وجعلت الأخرى تقول:
نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
إلى آخر الشعر، فطارق على رواية من روى هذا الشعر لهند بنت عتبة، أو لبنت الفند الزماني، تمثيل واستعارة، لا حقيقة، وإنما شبهت أباها بالنجم الطارق في شرفه وعلوه، وعلى رواية من رواه لهند بنت بياضة بن رياح بن طارق، حقيقة ليس باستعارة، لأن طارقاً كان جدها. والأظهر من هذا الشعر أنه لهند بنت بياضة، وإنما قاله غيرها متمثلاً. إلى هنا كلام ابن السيد. وتبعه اللبلي حرفاً بحرف، وقولهما: قالته يوم بدر، صوابه: يوم أحد. كما قاله الجوهري في شرحه، وكذا هو في كتب السير. قال ابن سيد الناس في غزوة أحد: فلما التقى الناس قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف، يضربن بها خلف الرجال، ويحرضنهم، فقالت هند فيما تقول:
ويهاً بني عبد الدار ... ويهاً حماة الأدبار
ضرباً بكل بتار
وتقول:
إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق
انتهى.
стр. 2138
وأورد أبو عبيد البكري هذا الرجز في جزيرة العرب من أول كتاب "معجم ما استعجم" لهند بنت بياضة لا غير، قال: إن إياداً خالطوا أهل الجزيرة، وكثروا حتى صاروا كالليل، كانت تغير على من يليها من أهل البوادي، وتغزو مع ملوك نصر المغازي، حتى أصابوا امرأة من أشراف الأعاجم كانت عروساً، قد أهديت إلى زوجها، وولي ذلك منها بعض سفهائهم وأحداثهم، فسار إليهم من كان يليهم من الأعاجم، فانحازت إياد إلى الفرات، وجعلوا يعبرون إبلهم في القراقير، فتبعتهم الأعاجم، ورأس القوم يومئذ بياضة بن رياح بن طارق الإيادي، فلما التقى الناس، قالت هند بنت بياضة:
نحن بنات طارق
إلى آخر الشعر، فهزمت إياد الأعاجم آخر النهار، وذلك بشاطئ الفرات الغربي، وقتلت ذلك الجيش، فلم يفلت منهم إلا الشريد، وجمعوا جماجمهم، فجعلوها كالكوم، فسمي ذلك الموضع "دير الجماجم". انتهى.
وهذا الرجز رويه ساكن، وهو من منهوك الجرز، ومن زعم أنه لهند بنت عتبة اضطر أن يؤول طارقاً؛ لأنه ليس من أسماء آبائها، فقالوا: الطارق: النجم، وتوسعوا فيه، حتى سمي السيد المضيء كضوء النجم طارقاً، وما أشبه هذا، والنمارق: جمع نمرقة، مثلثة النون، وهي الوسادة الصغيرة، والطنفسة فوق الرحل، والمفارق: جمع مفرق، كمقعد ومجلس، وسط الرأس، والمخانق: جمع مخنقة، كمكنسة، وهي القلادة، والوامق: المحب.
وهند بنت بياضة جاهلية.
وهند بنت عتبة هي أم معاوية، أسلمت عام الفتح، وتقدم ذكرها في الإنشاد السادس عشر بعد المائتين.
стр. 2139
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والعشرون بعد الستمائة:
(٦٢١) وإني لرام نظرة قبل التي ... لعلي وإن شطت نواها أزورها
على أن جملة "وإن شطت نواها" معترضة بين لعلي وخبرها، والصلة محذوفة، والتقدير: التي أقول لعلي .. ألخ. وهو قول أبي علي في "التذكرة القصرية" قال بعد إنشاد للفرزدق أو غيره: هذا لى غير الظاهر، وتأويله: الحكاية، كأنه قال: التي أقول فيها هذا القول، وإضمار القول شائع كثير، والحكاية مستعملة إذا كان عليها دليل، والدلالة هنا قائمة، وهي أن الصلة إيضاح، وما عدا الخبر لا يوضح. انتهى.
وزاد في "إيضاح الشعر" وجهاً آخر، قال فيه: جاء الصلة غير الخبر، والصلة لا تكون إلا خبراً، كما أن الصفة كذلك، فإن قلت: فقد جاء من الموصولة ما وصل بغير الخبر، نحو قولهم: كتبت إليه: بأن قم، أن قم، فإن ذلك، وإن جاء في "أن" لا يستقيم في "الذي" ونحوه من الأسماء؛ لأن "الذي" يقتضي الإيضاح بصلته، وليست "أن" كذلك، ألا ترى أنها حرف، وأنه لا يرجع إليها ذكر من الصلة، وهذا وإن جاء في هذا البيت، فإن النحويين يجعلون "لعل" كـ "ليت" في أن الفاء لا تدخل على خبرها، فلا يجيزون: لعل الذي في الدار فمنطلق، كما لا يجيزون ذلك في "ليت". فإن قلت: احمل "لعل" على المعنى؛ لأنه طمع [فكأنه قال: أطمع] في زيارتها. قيل لك: فصله أيضاً بـ "ليت" وقل المعنى الذي أتمنى وصله بالاستفهام والنداء وجميع ما لم يكن خبراً، وقل المعنى الذي أنادي
стр. 2140
والذي استفهم فهذا لا يستقيم، فإن قلت: أراد بـ "أزورها" التقديم، كأنه قال: التي أزورها، فإن ذلك لا يستقيم أيضاً، لأنه واقع موقع الخبر، وتقديم الخبر على لعل لا يستقيم، والوجه فيه أنه لما جرى "أزورها" خبراً للعل، سد أزورها"، مسد الصلة التي يجب أن يكون خبراً، فكأنه أراد: التي أزورها، فأغنى ذكر "أزورها" خبراً "للعل" عن ذكر لها قبل "لعل" والمعنى على التقديم، وأشبه هذا قولهم: لو أن زيداً جاءني، في أن الفعل الجاري في الصلة سد مسد الفعل الذي يقع قبل "أن" بعد "لو" ولولا هذا الفعل لم يجز، ألا ترى أنه لا يجوز: لو مجيئك، فكذلك سد ذكره بعد لعلي مسد ذكره قبل لعلي، فهذا وجه ولا ينبغي أن يقاس على هذا، ولا يؤخذ به، وكأن الذي حسن هذا طول الكلام، وقد رأيت طول الصلة يجوز فيه ما لا يجوز إذا لم تطل، ويجوز فيه شيء آخر، وهو أن يقدر قبل لعلي فعلاً، وتحذفه لطول الكلام، فتكون الصلة الفعل الذي هو أقول فيها، وهو خبر لا إشكال فيه، وحسن الحذف لطول الكلام. انتهى.
وسيأتي قريباً عن أبي علي أنه لا يجوز الفصل بين الموصول وصلته بجملة غير قسمية. وقد جوز الوجهين الخفاف في "شرح الجمل" قال: فأما قوله: "وإني لرام" فيحتمل الوجهين، أحدهما أن يكون "أزورها" صلة التي، وفصل بينها وبين التي بـ "لعلي وإن شطت نواها" على جهة الاعتراض، فيكون خبر لعل محذوفاً تقديره: لعلي أبلغ ذلك، والفصل بين الصلة والموصول بجمل الاعتراض جائز قال الشاعر:
ذاك الذي وأبيك يعرف مالكاً
والآخر أن يكون على إضمار القول، كأنه قال: أقول لعلي، والقول كثيراً ما يضمر. انتهى.
وقد رد الأول الفارسي، كما رأيت.
стр. 2141
والبيت قد اشتهرت قافيته كذا، والصواب: كونها لامية، وهو من قصيدة للفرزدق، مد بها بلال بن أبي بردة، ومطلعها:
وقائلة لي لم تصبني سهامها ... رمتني على سوداء قلبي نبالها
وإني لرام رمية قبل التي ... لعلي وإن شقت علي أنالها
ألا ليت حظي من علية أنني ... إذا نمت لا يسري إلي خيالها
فلا يلبث الليل الموكل دونها ... عليه بتكرار الليالي زوالها
قال ابن حبيب في شرحه، يقول: زالت فذهبت، فزوالها يهدي إلي خيالها كل ليلة، وزوالها لا يحبس الليل عني، فلا يلبث زوالها أن يعيد خيالها، وقال الحرمازي، يقول: ليت حظي منها أن لا يلبث الليل الموكل علي زوالها بالتكرار، أي: يكرر زوالها علي الليل، ويجعل الليلة ليالي، وهو مثل قوله:
كأن الليل يحبسه علينا ... ضرار أو يكر إلى نذور
أي: كأنه يعود كما كاد يفنى. انتهى.
وبعد هذا شرع في المدح.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والعشرون بعد الستمائة:
(٦٢٢) لعلك والموعود حق لقاؤه ... بدا لك في تلك القلوص بداء
على أن جملة "والموعود حق لقاؤه" معترضة بين لعلك وبين خبرها، هو بدا لك .. إلخ، وهو من أبيات لمحمد بن بشير الخارجي، روى الأصبهاني
стр. 2142
في "الأغاني" عن سليمان بن عياش: أن رجلاً وعد محمد بن بشير الخارجي بقلوص، وهي الناقة الشابة، ومطله، فقال فيه يذمه، ويمدح زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين:
لعلك والموعود حق لقاؤه ... بدا لك في تلك القلوص بداء
فإن الذي ألقى إذا قال قائل ... من الناس هل أحسستها لعناء
أقول التي تبني الشمات وإنها ... علي وإشمات العدو سواء
دعوت وقد أخلفتني الوعد دعوة ... بواد فلم يقبل هناك دعاء
بأبيض مثل البدر عظم حقه ... رجال من ال المصطفى ونساء
فبلغت هذه الأبيات زيد بن الحسن، فبعث إليه بقلوص من جياد إبله، فقال يمدحه:
إذا نزل ابن المصطفى بطن تلعة ... نفى جدبها واخضر بالنبت عودها
وزيد ربيع الناس في كل شتوة ... إذا أخلفت أنواؤها ورعودها
حمول لأشتات الديات كأنه ... سراج الدجى إذ قارنته سعودها
انتهى.
وقوله: "لعلك والموعود"، قال أبو علي في "الحجة" عند قوله تعالى: (وإذ واعدنا) [الآية/ ٥١] من سورة البقرة: قالوا: وعدته أعده عدة ووعداً وموعداً وموعدة .. إلى أن قال: وأما الموعود: فصفة، قال:
لعلك والموعود حق لقاؤه ... البيت.
التقدير: الأمر الموعود حق لقاؤه، ومن جوز مجيء المصدر على مفعول، جاز عنده أن يكون الموعود مثل الوعد. انتهى.
стр. 2143
وحق، بالتنوين، أي: لازم وواجب، ولقاؤه: فاعل حق، أي: أداؤه وقضاؤه، وبه روي. قوله: وبدا لك، أي: ظهر، وبداء: فاعله، قال أبو علي في "إيضاح الشعر": أضمر البداء في قوله تعالى: (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ) [يوسف/ ٣٥] لأن البداء الذي هو المصدر قد صار بمنزلة العلم والرأي، ألا ترى أن الشاعر قد أظهره في قوله:
بدا لك في تلك القلوص بداء
وكذلك صنع ابن الشجري في "أماليه" في الآية والبيت، وقال: ألسن العرب متداولة في قولهم: "بدا لي في هذا الأمر بداء" أي: تغير رأيي عما كان عليه، ويقال: فلان ذو بداوات، إذا بدا له الرأي بعد الرأي. انتهى.
وأحسستها: استفدتها، وأحسست الشيء: وجدت حسه، وقوله: لعناء خبر إن، وقوله: أقول التي تنبي الشمات، أي: أقول الكلمة التي تخبر الشمات، وهي قولي: نعم قد أخذتها، وقوله: وإنها، أي: هذه الكلمة، وإشماتا لعدو سواء علي، وشمات، بالفتح، مصدر كالشماتة، وفعله كفرح، وهو الفرح بمصيبة العدو، وقوله: وقد أخلفتني الوعد: جملة معترضة بين دعوت ودعوة، والباء زائدة، أي: ناديته مرة فلم يجب دعائي.
ومحمد بن بشير الخارجي منسوب إلى خارجة بن عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر، وهو شاعر فصيح حجازي من شعراء الدولة الأموية وديوانه صغير، وقد أطال ترجمته صاحب "الأغاني".
стр. 2144
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والعشرون بعد الستمائة:
(٦٢٣) يا ليت شعري والمنى لا تنفع ... هل أغدون يوماً وأمري مجمع
على أن قوله: والمنى لا تنفع جملة معترضة بين: ليت شعري، وبين: هل أغدون، إلخ. وهذا الرجز أورده أبو زيد في "نوادره"، وبعدهما:
وتحت رحلي زفيان ميلع ... حرف إذا ما زجرت تبوع
وقال: الزفيان: السريعة، والميلع: الجواد الخفيفة. انتهى.
وأسقط ابن الأنباري في "شرح المفضليات"، وفي "كتاب الأضداد" البيت الرابع، وزاد بعد الثالث:
كأنها نائحة تفجع ... تبكي لميت وسواها الموجع
وكذا أورده السيد المرتضى في "أماليه"، وقوله: "والمنى لا تنفع" جمع منية، بالضم، وهي ما يتمناه الإنسان، وأغدون مؤكد بالنون الخفيفة، وغدا بمعنى: ذهب غدوة، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، ومجمع، بضم الميم الأولى وفتح الثانية، أورده الفراء عند قوله تعالى: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وشُرَكَاءَكُمْ) [يونس/ ٧١] قال: الإجماع: الإعداد والعزيمة على الأمر، ونصب "الشركاء" بفعل مضمر، أي: وادعوا شركاؤكم، وكذلك هي في قراءة عبدا لله، قال الشاعر: "يا ليت شعري .. البيتين. فإذا أردت جمع الشيء
стр. 2145
المتفرق قلت: جمعت القوم. وقوله: وتحت رحلي، بفتح الراء وسكون المهملة. قال الصاغاني في "العباب": الرحل للبعير أصغر من القتب، وهو من مراكب الرجال دون النساء، وزفيان، بفتح الزاي والفاء، قال السيد المرتضى: الزفيان: الناقة الخفيفة، وقال ابن السيد فيما كتبه على "كامل المبرد": وقوله: زفيان، أي: مسرع كالطير، يقال: زفت الريح الغبار تزفيه: إذا طردته عن الأرض. انتهى.
وروى ابن السكيت في "إصلاح المنطق" بدله: صلتان، بفتح الصاد واللام، وفسره ابن السيرافي: بالشديد، وفي "القاموس": الصلتان محركة: النشط الحديد الفؤاد من الخيل، والميلع، بفتح الميم وسكون المثناة التحتية، قال السيد المرتضى: السريعة، وقال ابن الأنباري في "شرح المفضليات": الملع السرعة، يقال: مر يملع ملعاً: إذا مر مراً سريعاً. وأنشد هذا الرجز. وفي "القاموس": المليع كأمير: الناقة والفرس السريعان كالميلع، وقوله حرف: هي الناقة الصلبة الشديدة، وتبوع: أصله تتبوع بتائين؛ وهو مد الباع، وإبعاد الخطو في الجري، وقوله: نائحة تفجع، أي: تتفجع، والفجع أن يتألم الإنسان لشيء يعز عليه؛ فيعدمه، وقوله: وسواها الموجع، حمل السيد المرتضى سواها بمعنى: غيرها. وقال: شبه رجع يديها في السير، لنشاطها، بيدي نائحة تنوح لقوم على ميتهم بأجرة؛ فهي تزيد في الإشارة بيديها؛ ليرى مكانها. ومثله بعينه قول ذي الرمة:
محانيق تضحي وهي عوج كأنها ... بجوز الفلا مستأجرات نوائح
стр. 2146
والمحانيق: التي ضمرت بعد سمن، وخص المستأجرات من النوائح للمعنى الذي ذكرناه. انتهى كلامه. وهو رد لقول الأصمعي فيما نقله ابن الأنباري في "كتاب الأضداد" عنه قال فيه: قال الأصمعي: سواها: نفسها، ولو كان سواها غيرها: لكان قد قصر في صفة الناقة، وإنما أراد امرأة تبكي على حميمها ولم يرد نائحة مستأجرة. هذا كلامه، وتبعه ابن السيد فقال: سواها، ههنا، نفسها. وكلام [ابن] السيد مؤيد بالدليل، ووافق لنفس الأمر؛ فإن النائحة تسرع اللطم على وجهها، والضرب على صدرها بتصنع، وتعمل لتثير حزن نساء الميت، ويفعلن فعلها، وقد شاهدنا هذا في صغرنا مراراً من النائحات، قاتلهن الله تعالى، وقد أورد المبرد البيتين الأخيرين في "الكامل". قال ابن السيد: أنشدهما أبو حاتم في صفة حمامة وزاد بعدهما:
متحرفاً عن مذرويها المردع
وهو من صفة النائحة، والمذروان: طرفا الألية، والمدرع، بالكسر: ثوب كالدراعة، لا يكون إلا من صوف، قال: والذي قاله أبو حاتم غلط؛ لأن الرجز ليس في وصف حمامة، ولا في وصف ناقة أيضاً، كما ذهب إليه أبو العباس، وإنما يصف جملاً أو فرساً، لأن قبله: يا ليت شعري .. إلى قوله: ميلع. انتهى.
стр. 2147
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والعشرون بعد الستمائة:
(٦٢٤) إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
على أن جملة: "وبلغتها" معترضة بين اسم إن وخبرها، وبلغتها بالبناء للمفعول، والخطاب دعاء لمخاطبه أن يبلغه الله من العمر ثمانين سنة. واعترض بأنه دعاء على الممدوح بالصيرورة إلى ضعف سمعه واحتياجه إلى ترجمان، ويدفع بأنه دعاء له بطول العمر، وأما ضعف السمع والبصر والقوى، فمن لوازمه، غير مقصود ولا ملاحظ، وقد أورده الخطيب القزويني في بحث "الاعتراض من باب الإطناب"، وقال السعد: الواو فيه اعراضية، ليست عاطفة، ولا حالية، كما ذكره بعض النحاة، وبه يشعر كلام صاحب "الكشاف". والترجمان: المفسر لغة بلغة أخرى، وهذا ليس المراد هنا، وإنما المراد من يرفع الصوت لقصد الإسماع، فإن الثمانين أحدثت في سمعه ثقلاً؛ فيحتاج إلى رفع صوت المتكلم؛ ليسمع الكلام، وهو بفتح التاء مع فتح الجيم وضمها، وبضمهما، والتاء أصلية.
والبيت من قصيدة لعوف بن المحلم، قال ياقوت في "معجم البلدان": روي أنه قدم أبو محلم، عوف بن محلم الخزاعي، على عبد الله بن طاهر بن الحسين فحادثه؛ فقال: كم سنك؟ فلم يسمع، فلما أراد أن يقوم، قال عبد الله للحاجب: خذ بيده، فلما توارى عوف، قال له الحاجب: إن الأمير سألك عن سنك؛ فلم تجبه. قال: لم أسمع، فردني إليه، فوقف بين يديه، وقال:
стр. 2148
يا ابن الذي دان له المشرقان ... وألبس العدل به المغربان
إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وبدلتني بالشطاط انحنا ... وكنت كالصعدة تحت السنان
وقاربت مني خطاً لم تكن ... مقاربات وثنت من عنان
وما بقي في لمستمتع ... إلا لساني وبحسبي لسان
أدعو به الله وأثني به ... على الأمير المصعبي الهجان
فقرباني بأبي أنتما ... من وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاي إلى نسوة ... أوطانها حران والرقتان
سقى قصور الشادياخ الحيا ... قبل وداعي وقصور الميان
فكم وكم من دعوة لي بها ... ما إن تخطاها صروف الزمان
فأجازه بالانصراف إلى وطنه. وقال له: جائزتك ورزقك يأتيك في كل سنة. انتهى.
والمشرقان: المشرق والمغرب على التغليب، كالمغربين لهما أيضاً، وألبس: بالبناء للمفعول، والأول على تقدير مضاف، أي: أهل المشرقين. ودان: أطاع، والشطاط: بالفتح والكسر، الطول، وحسن القامة واعتدالها. والانحناء هنا بالمد، لكن قصره هنا للضرورة، والصعدة، بالفتح: القناة المستوية، تنبت كذلك، والهجان، بالكسر: الجيد والخير، يكون مفرداً كما هنا، ويكون جمعاً. واصفرار البنان، كناية عن الموت، لأن من يموت يصفر بنانه، والمنعى، بفتح الميم، إشاعة خبر الموت، وحران: بلد بجزيرة ابن عمر، والرقتان، بفتح الراء، هما الرقة والرافقة، على تغليب الرقة: وهما بلدان على الفرات, والشادياخ، بإعجام
стр. 2149
الطرفين، والوسط بالمثناة التحتية: مدينة مستحدثة ملاصقة لنيسابور، كأنها محلة من محالها بنيت في ولاية عبد الله بن طاهر، وقرية من قرى بلخ أيضاً، يقال لها: الشادياخ، والحيا، بفتح المهملة والقصر: الغيث والمطر، والميان، بكسر الميم، موضع كانت بنيسابور، فيها قصور آل طاهر بن الحسين، كذا قال ياقوت، ولأجله أورد الشعر، و"إن" بعد "ما" زائدة، وتخطاها: دخلها، وصروف الزمان: حوادثه.
وعوف بن محلم، بضم الميم وتشديد اللام المكسورة، هو أحد العلماء والأدباء والرواة الأذكياء، والندامى الظرفاء، والشعراء الفصحاء، اختصه طاهر بن الحسين ابن مصعب الخزاعي لمنادمته ومسامرته فكان لا يسافر إلا وهو معه، وسبب اتصاله به أنه نادى على الجسر بهذه الأبيات، وطاهر منحدر في حراقة بدجلة:
عجبت لحراقة بن الحسين كيف تعوم ولا تغرق
وبحران من تحتها واحد ... وآخر من فوقها مطبق
وأعجب من ذاك عيدانها ... وقد مسها كيف لا تورق
وأصله من حران، وبقي مع طاهر ثلاثين سنة لا يفارقه، وكلما استأذنه لم يأذن له، ولما مات طاهر قربه ابنه عبد الله، وأفضل عليه واستمر عنده إلى أن أذن له، كما تقدم، وأمر له بثلاثين ألف درهم، وسار إلى أهله، فقبل وصوله إليهم مات، وذلك في حدود عشرين ومائتين، وهو عصري أبو نواس، وأسن منه. والصحيح أنه لا يستشهد بهذه الطبقة لكن يورد للاستئناس به، وقول المصنف: قول الحماسي، أي قول أحد الشعراء الذين أورد أبو تمام شعرهم في كتابه الشهير بـ "الحماسة" وهذا الشعر غير مذكور في "الحماسة" البتة.
стр. 2150
والأمير المذكور هو أبو العباس عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق ابن ماهان الخزاعي، الأمير العادل الكامل الفاضل أمير إقليم خراسان، وما يليه، وقرأ العلم والفقه وسمع وكيعاً، ويحيى بن الضرير، وروى عنه إسحاق بن راهويه وغيره، وكان أديباً، ظريفاً، شهماً، عالي الهمة، وكان المأمون كثير الاعتقاد فيه، حسن الالتفات إليه، قلده مصر والمغرب ثم نقله إلى خراسان، ولأبي تمام فيه مدائح. والبطيخ العبدلاوي منسوب إليه، قال ابن خلكان: إما لأنه يستطيبه، أو لأنه أول من زرعه، وتوفي بمرو في ربيع الأول، سنة ثلاثين ومائتين، وله ثمان وأربعون سنة، كعمر أبيه، وحكايات جوده ومكارمه وفضائله طويلة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والعشرون بعد الستمائة:
(٦٢٥) إن سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها
على أن جملة: "والله يكلؤها" اعتراضية بين اسم إن وخبرها، ويكلؤها: يحرسها. في "المصباح": كلأه الله يكلؤه، مهموز، بفتحتين، كلاءة، بالكسر والمد: حفظه.
وقال اللخمي في "شرح أبيات الجمل": جعل صورة الهمزة واواً في يكلؤها ويرزؤها؛ لانضمامها، واتصال الضمير بها، وكذلك يجعل صورتها ألفاً إن انفتحت، وياء إن انكسرت، وبعضهم يجعل صورتها ألفاً في الأحوال الثلاثة، فيكتب: هو يقرأه، والله يكلأه، وعجبت من نبأه بالألف، ويجعل عليها ضمة في حال الرفع، وكسرة في حال الجر، وقد أجاز بعضهم كتب الألف قبل الواو، والأكثر الأول. انتهى.
стр. 2151
وضنت: بخلت. ويرزؤها، بتقديم المهملة على المعجمة، أي: ينقصها، أي: بخلت بشيء لو جادت به ما نقصها. يقال: ما رزأته فتيلاً. أي: ما أخذت من قدر ذلك، قاله اللخمي. وفي "المصباح" يقال: رزأته ترزأه، مهموز بفتحتين، والاسم الرزء، كقفل، ورزأته أنا: إذا أصبته بمصيبة.
والبيت مطلع قصيدة لإبراهيم بن هرمة، وقد قيل له: إن قريشاً لا تهمز، فقال: لأقولن قصيدة أهمزها كلها بلسان قريش، وقال الأصمعي: لم يثبت من القصائد المهموزة إلا هذه القصيدة. وبعده:
وعودتني فيما تعودني ... أظماء ورد ما كنت أجزؤها
ولا أراها تزال ظالمة ... تحدث لي قرحة وتنكؤها
والأظماء: جمع ظمء، بكسر الظاء وسكون الميم، بعدها همزة، وهو في الإبل: مدة العطش بين الشربتين. قال ابن السيد في "شرح أبيات الجمل": ضربه مثلاً، أراد: أنها تصله ثم تقطعه مدة، كما تسقي الإبل ربعاً وخمساً، ويقال جزأت الإبل وغيرها: إذا استغنت بأكل النبات الأخضر عن شرب الماء، وهوبالجيم والزاء المعجمة. وترجمة ابن هرمة تقدمت في الإنشاد السادس والخمسين بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والعشرون بعد الستمائة:
(٦٢٦) إني وأسطار سطرن سطرا ... لقائل يا نصر نصر نصرا
على أن قوله: "وأسطار سطرن سطرا"، وهي جملة قسمية اعترض بها بين اسم إن وخبرها، وهو قوله: لقائل. وأنشد سيبويه بنصب "نصر" الثاني. قال الأعلم:
стр. 2152
الشاهد فيه نصبه "نصراً نصراً" حملاً على موضع الأول، ولو رفع حملاً على لفظ الأول لجاز. وقال النحاس: قد خولف في هذا؛ فقال الأصمعي: النصر: المعونة، فهو على هذا منصوب على المصدر، كأنه قال عوناً عوناً، وقوله: "وأسطار" الواو: للقسم، وأسطار: جمع سطر، أي: وحق سطور المصحف، وجملة "سطرن" بالبناء للمفعول صفة لأسطار، وسطراً: مفعول مطلق، وأنشده الرضي برفع الثاني، على أن التوكيد اللفظي في النداء حكمه في الأغلب حكم الأول، وقد يجوز إعرابه رفعاً ونصباً، فنصر الثاني: رفع اتباعاً للفظ الأول، ونصب الثالث: إتباعاً لمح الأول، وضعف البدل، والبيان في مثله. ومنع أبو حيان أن يكون "نصر" الثاني توكيداً لفظياً، قيل لتنوينه. والأول ليس كذلك، ورد بأن هذا القدر من الاختلاف مغتفر في التأكيد اللفظي، وقيل للاختلاف في التعريف؛ فكذلك هذا، ولا يجوز أن يكون بدلاً؛ لأنهمنون، ولا نعتاً، ؛ لأنه علم. انتهى. وفيه نظر، فإن اتحاد جهة التعريف في التأكيد غير مسلمة بل يكفي اختلافها، ثم قال أبو حيان: ولا يجوز أن يكون مرفوعاً على أنه خبر مبتدأ مضمر، ولا نصبه على إضمار فعل؛ لأن هذا النوع من القطع، إنما تكلمت به العرب إذا قصدت البيان أو المدح أو الذم أو الترحم، و"نصر" لا يفهم منه شيء من ذلك. انتهى.
وفيه أنه يصح نصبه على المدح بدليل ما بعده وهو:
بلغك الله فبلغ نصرا ... نصر ابن سيار يثبني وفرا
فإنه روي: أن نصراً في البيت الأول، وهو حاجب نصر بن سيار، منعه من الدخول إلىنصر بن سيار، وهو أمير خراسان في الدولة الأمورية، فتلطف به، وأقسم له بأنه يدعو له، وطلب منه المعونة، وروي في نصر الثاني أيضاً ضمه، بلا تنوين،
стр. 2153
كالأول، على أنه توكيد لفظي له، وتبعه في البناء، وروى صاحب "اللباب" نصب الأول، وأضافته إلى الثاني، قال شارحه الفالي: فيكون المضاف إليه على هذا جنساً كما قول: طلحة الخير، وحاتم الجود، والتنكير للتفخيم.
وملخص ما ذكرنا: أن نصر الأول روي فيه وجهان: ضمه ونصبه، والثاني: روي فيه أربعة أوجه: ضمه ورفعه ونصبه وجره، والثالث روي فيه وجه وحد: وهو النصب. واعلم أن الصاغاني قال في "العباب"، وتبعه صاحب "القاموس" إن اسم الحاجب إنما هو نضر، بالضاد المعجمة، وإن الثلاثة في البيت الأول بالإعجام، وإهمال الصاد تصحيف، وأما نصر في البيت الثاني، فهو بالإهمال لا غير. وقوله: بلغك الله، مقول القول، وبلغ بالتشديد: متعد إلى مفعولين ثانيهما محذوف، أي: مرادك، وبلغ: فعل أمر، ومفعوله الأول محذوف، أي: أرجوزتي ومديحي ونحوهما، ونصر الثاني: عطف بيان، ويثبني: مجزوم في جواب الأمر، يقال: أثابه الله، أي: جزاه وأعطاه، والوفر: المال الكثير. وهذا الرجز قيل لرؤبة، ولم أره في ديوانه، وقيل لغيره، والله أعلم، وقد تكلمنا على هذا في الشاهد السابع عشر بعد المائة، من شواهد الرضي، بأبسط مما هنا.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والعشرون بعد الستمائة:
(٦٢٧) وإني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت
على أن أبا علي قال: "وتهيامي بعزة بعد ما تخليت مما بيننا، وتخلت" معترضة بين اسم إن وخبرها، وهو قوله: "لكالمرتجي" قال أبو الفتح ابن جني في "باب الباء" من "سر الصناعة": وسألت أبا علي عن قول
стр. 2154
كثير: وإني وتهيامي بعزة ... البيت، فقلت له: ما موضع "تهيامي" من الإعراب؟ فأفتى بأنه مرفوع بالابتداء، وخبره بعزة، وجعل الجملة التي هي "تهيامي بعزة" اعتراضاً بين اسم "إن" وخبرها، لإن فيها ضرباً من التسديد للكلام، كما تقول: إنك، فاعلم، رجل سوء، وهذا الفصل، والاعتراض الجاري مجرى التوكيد، كثير في الكلام، وإذا جاز الاعتراض بين الفعل والفاعل في نحو ما أنشدناه أبو علي من قوله:
وقد أدركتني والحوادث جمة ... أسنة قوم لا ضعاف ولا عزل
كان الاعتراض بين اسم "إن" وخبرها أسوغ، وقد يحتمل بيت كثير أيضاً تأويلاً آخر غير ما ذهب إليه أبو علي، وهو أن يكون "تهيامي" في موضع جر على أنه أقسم به، كقولك: إني وحبك، لضنين بك، وعرضت على أبي على هذا الجواب، فقبله وأجاز ما أجاز؛ فالباء على هذا في "بعزة" متعلقة بنفس المصدر الذي هو التهيام، وهي، فيما ذهب إليه أبو علي، متعلقة بمحذوف هو الخبر عن "تهيامي" في الحقيقة. انتهى كلامه.
وقال في "باب الاعتراض" من "الخصائص" أيضاً: وسألت أبا علي عن بيت كثير "وإني وتهيامي بعزة ... البيت". فأجاز أن يكون قوله: "وتهيامي بعزة" جملة من مبتدأ وخبر اعترض بها بين اسم إن وخبرها الذي هو قوله: "لكالمرتجي ظل الغمامة .. البيت"، فقلت له: أيجوز أن يكون وتهيامي بعزة قسماً؟ فأجاز ذلك، ولم يدفعه. انتهى.
وعلى قول أبي علي يكون الاعتراض بجملة اسمية، وعلى قول ابن جني يكون الاعتراض بجملة فعلية قسمية، وإنما لم يذكر عطف "تهيامي" على اسم إن لكونه بديهياً واضحاً، فتكون الباء متعلقة به، كقول ابن جني، و"بعد" على التقادير الثلاثة، متعلقة به. وما: مصدرية، والتهيام: مبالغة، مصدر هام يهيم هيماً:
стр. 2155
إذا خرج على وجهه، لا يدري أن يتوجه، وذلك من شدة اشتغال باله، والمراد هنا: من فرط العشق، وتخليت: اجتنبت ما كان بيننا من الوصل، يقول: إني مع وجدي المفرط بها الآن بعد ما تركتها، وتركتني، مثل الذي يرجو ظل العمامةوقاية لحر الشمس؛ فهو كلما جلس تحتها زالت عنه، فهو لا ينتفع بظلها أبداً؛ فكذلك وجدي بها الآن، لا ينفعني بعد انقطاع أسباب الوصلة بيننا، وقوله: "كلما تبوأ" منصوب على الظرفية الزمانية أو المكانية، أي كل زمان، أو كل مكان، وتبوأ: اتخذ مباءة، أي: ونزلاً، يقال: تبوأ بيتاً، أي: اتخذه سكناً. والمقيل: مصدر قال يقيل قيلاً ومقيلاً: إذا نام بعد الظهر، واضمحل الشيء اضمحلالاً: ذهب وفني، واضمحل السحاب: انقشع. كذا في "المصباح" والبيتان من قصيدة لكثير عزة، وهي جيدة، قال القالي في "أماليه": قرأت هذه القصيدة على أبي بكر بن دريد في شعر كثير، وهل من منتخبات شعره، وهي:
خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت
ومسا تراباً كان قد مس جلدها ... وبيتا وظلا حيث باتت وظلت
ولا تيأسا أن يمحو الله عنكما ... ذنوباً إذا صليتما حيث صلت
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت
وقد حلفت جهداً بما نحرت له ... قريش غداة المأزمين وصلت
أناديك ما حج الحجيج وكبرت ... بفيفا غزال رفقة وأهلت
وكانت لقطع العهد بيني وبينها ... كناذرة نذراً فأوفت وحلت
ويروى: وفت فأخلت.
فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يوماً لها النفس ذلت
ولم يلق إنسان من الحب ميعة ... تغم ولا عمياء إلا تجلت
كأني أنادي صخرة حين أعرضت ... من الصم لو تمشي بها العصم زلت
стр. 2156
صفوحاً فما تلقاك إلا بخيلة ... فمن مل منها ذلك الوصل ملت
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها ... وحلت تلاعاً لم تكن قبل حلت
فليت قلوصي عند عزة قيدت ... بقيد ضعيف فر منها فضلت
وغودر في الحي المقيمين رحلها ... وكان لها باغ سواي فبلت
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت
وكنت كذات الظلع لما تحاملت ... على ظلعها بعد العثار استقلت
أريد الثواء عندها وأظنها ... إذا ما طلبنا عندها المكث ملت
فما أنصفت أما النساء فبغضت ... إلينا وأما بالنوال فضنت
يكلفها الغيران شتمي وما بها ... هواني ولكن للمليك استذلت
هنيئاً مريئاً غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت
قال أبو علي: قيل لكثير: أنت أشعر أم جميل؟ فقال: بل أنا، فقيل: أتقول هذا وأنت راويته! ؟ قال: جميل الذي يقول:
رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح
وأنا أقول:
هنيئاً مريئاً غير داء مخامر .. البيت
ووالله ما قاربت إلا تباعدت ... بصرم ولا أكثرت إلا أقلت
فإن تكن العتبى فأهلاً ومرحباً ... وحقت بها العتبى لدينا وقلت
وإن تكن الأخرى فإن وراءنا ... منادح لو سارت بها العيس كلت
خليلي إن الحاجبية طلحت ... قلوصيكما وناقتي قد أكلت
فلا يبعدان وصل لعزة أصبحت ... لعاقبة أسبابه قد تولت
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت
стр. 2157
ولكن أنيلي واذكري من مودة ... لنا خلة كانت لديك فطلت
وإني وإن صدت لمثن وصادق ... عليها بما كانت إلينا أزلت
فما أنا بالداعي لعزة بالجوى ... ولا شامت إن نعل عزة زلت
فلا يحسب الواشون أن صبابتي ... بعزة كانت غمرة فتجلت
فأصبحت قد أبللت من مدنف بها ... كما أدنفت هيماء ثم استبلت
والله ثم الله ما حل قبلها ... ولا بعدها منخلة حيث حلت
وما مر من يوم علي كيومها ... وإن عظمت أيام أخرى وجلت
فأنحت بأعلى شاهق من فؤاده ... فلا القلب يسلاها ولا العين ملت
فيا عجباً للقلب كيف اعترافه ... وللنفس لما وطنت كيف ذلت
وإني وتهيامي بعزة بعدها ... تخليت مما بيننا وتخلت
لكالمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت
كأني ,إياها سحابة ممحل ... رجاها فلما جاوزته استهلت
قال أبو علي: المأزمان: عرفة والمزدلفة، وأناديك: أجالسك، مأخوذ من الندي والنادي جميعاً، وهو المجلس، وميعة كل شيء: أوله. والصفوح: المعرضة، وبلت: ذهبت. قال أبو علي: ما أعرف بلت ذهبت إلا في تفسير هذا البيت، والعتبى: الإعتاب. يقال عاتبني فلان فأعتبته، إذا نزعت عما عاتبك عليه، والعتبى: الاسم، والإعتاب: المصدر، وقوله: وطلحت، الطليح: المعيى الذي قد سقط من الإعياء، وطلت: هدرت، وأذلت: اصطنعت، ويقال: بل من مرضه وأبل واستبل: إذا برأ، واعترافه: اصطباره، يقال: نزلت به مصيبة فوجد عروفاً، أي صبوراً، والعارف: الصابر، هذا ما أورده أبو علي القالي، وقوله:
стр. 2158
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا .. البيت
يأتي شرحه في الجملة المعلقة، وقوله:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... البيت
يأتي شرحه في الباب الرابع، وفيها أبيات استشهد بها في التفسير وغيره، وقد نبهنا عليها في الشاهد الثالث والسبعين بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي.
وكثير بالتصغير، أضيف إلى اسم محبوبته عزة، بفتح العين، لشهرته بها، وقد تقدمت ترجمته في الإنشاد التاسع عشر من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد الستمائة:
(٦٢٨) لعمري وما عمري علي بهين ... لقدنطقت بطلاً علي الأقارع
على أن جملة: "وما عمري علي بهين" معترضة بين القسم وجوابه، وبعده:
أقارع عوف لا أحاول غيرها ... وجوه قرود تبتغي من تجادع
والبيت من قصيدة اعتذارية للنابغة الذبياني، غالب أبياتها شواهد في كتب النحو وغيرها، وقد شرحتها شرحاً مبسوطاً في الشاهد الخامس والخمسين بعد المائة، من شواهد الرضي.
وهذان البيتان من شواهد سيبويه، على أنه نصب "وجوه" على الشتم والذم. قال النحاس: ويجوز رفعه على إضمار مبتدأ، أو على أن تجعله بدلاً من أقارع
стр. 2159
عوف، تبدل النكرة من المعرفة مثل: (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ) [العلق/ ١٥، ١٦] ونقل ابن السيد عن يونس في كتاب "أبيات المعاني" أنه قال: لو شئت رفعت ما نصبته على الابتداء، وتضمر في نفسك شيئاً لو أظهرته، لم يكن ما بعده إلا رفعاً، كأنك قلت: لهم وجوه قرود. انتهى.
وقوله: لعمري: اللام لام الابتداء. والعمر، بفتح العين، هو العمر، بضمها، لكن خص استعمال المفتوح في القسم، وجملة: لقد نطقت إلى أخره ... جواب القسم، لأن قوله: "لعمري" مبتدأ خبره محذوف، تقديره: قسمي، وقوله: "وما عمري علي بهين" وعلي متعلق بما بعده، والباء زائدة في خبر ما، أي: وما عمري بقسم هين علي حتى يتهمني متهم بأني أحلف به كاذباً، والبطل: بالضم: الباطل منصوب على المصدر، أي: نطقت نطقاً باطلاً، وأقارع عوف بدل من الأقارع، ولا أحاول: لا أريد، والمجادعة، بالجيم والدال المهملة، هو أن يقول كل من شخصين دعاً لك، وهي كلمة سب، والجدع: قطع الأذن والأنف. يقول: هم سفهاء يطلبون من يشاتمهم. والأقارع: هم بنو قريع بن عوف بن كعب ابن زيد مناة بن تميم، الذين كانواسعوا به إلى النعمان، حتى تغير له، وسماهم أقارع؛ لأن قريعاً أباهم، سمي بهذا الاسم، وهو مصغر أقرع، ولهذا جمعه على الأصل، والعرب إذا نسبت الأبناء إلى الآباء فربما سمتهم باسم الأب، كما قالوا: المهالبة، والمسامعة، في بني المهلب وبني مسمع. وقال الدماميني: الأقارع: جمع أقرع، وفي "الصحاح": الأقرعان: الأقرع بن حابس، وأخوه مرثد. انتهى.
ونقل هذا هنا لا مناسبة له، وتقدم في الإنشاد الثالث والعشرين نقل سبب تغير النعمان على النابغة:
стр. 2160
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والعشرون بعد الستمائة:
(٦٢٩) ذاك الذي وأبيك تعرف مالك
على أن جملة "وأبيك" القسمية اعترض بها بين الموصول وصلته، وظاهره؛ أنه يجوز الاعتراض بينهما بجملة غير قسمية، بدليل البيت الثاني، وقد نص أبو علي وغيره: أنه لا يجوز الاعتراض بينهما إلا بجملة القسم، قال في "التذكرة القصرية" عند الكلام على قول الشاعر:
فأنت طلاق والطلاق عزيمة ... ثلاثاً ومن يخرق أعق وأظلم
وتقدم نقل كلامه فيه في الإنشاد الثاني والسبعين من بحث "أل" فأما:
ذاك الذي وأبيك تعرف مالك
فضرورة، ولا يقاس عليه، ولو لم يكن ضرورة، لوجب أن يقاس عليه غيره، لأن القسم قد يدخل في مواضع لا يدخلها فيه نحو: إذن والله أكرمك، فدل ذلك على أنه ليس بجار عندهم مجرى الجمل، فلا يجوز من حيث الفصل بالقسم أن يفصل بغيره من الجمل، فإن القسم يجري مجرى ما يجتلب للتوكيد نحو (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ) [آل عمران/ ١٥٩] فلا يجوز أن يفصل بين الصلة والموصول بالجملة قياساً على القسم، فإن قلت: قد فصلوا بين الصلة والموصول بالنداء في قوله:
تكن مثل من يا ذئب يصطبحان
فالجواب عنه: أن النداء ضرب من التنبيه، فشابه المنادى "ها" التي ينبه بها في:
стр. 2161
مررت بهذا، ونحوه. وقد تراها معترضة بين الجار والمجرور غير معتد بها، فحمل النداء، في ترك الاعتداد به فصلاً، مجرى "ها" هذه. فاعرفه. انتهى.
وقد اعترض ابن الحاج في نقده ل: "مقرب" ابن عصفور، قال: وما اقتضاه تصريحه من جواز الفصل بجملة الاعتراض بين الموصول وصلته فاسد، نص أبو علي في "الإغفال" على أن ذلك لا يجوز، وإن جاز ذلك بين المبتدأ والخبر، كقولك: إن زيداً –فافهم- رجل صالح، فهذا نص صريح في امتناع: "إن الذي –فافهم ما أقول- جائني رجل صالح" وقد نص المؤلف على جوازه، ثم اعترض أبو علي بقوله:
ذاك الذي وأبيك تعرف مالك
والفصل إن [جاء] للقسم، نحواً، ليس لغيره، ألا ترى أنه لا يستغني وحده، ولا يوصف به، ولا يوصل، ويدخل بين الجازم والمجزوم، والناصب والمنصوب نحو: إن تأتني والله آتك، وإذن والله آتيك. فالقسم مما اتسع فيه لكثرته؛ فلذلك يجوز أن يفصل به بين الصلة والموصول في الشعر، ولا يقاس عليه غيره. فهذا نص على أن مثال البيت لا يجوز في الكلام، وإنما هو خاص بالشعر، وأورده المصنف على أنه مثال لما ذكر جوازه في القانون الذي عنده، وذلك كله فاسد. انتهى كلام ابن الحاج.
والبيت من مقطوعة لجرير، هجا بها يحيى بن عقبة الطهوي، وكان يروى عليه شعر الفرزدق، وهي:
أمست طهية كالبكار أفزها ... بعد الكشيش هدير قرم بازل
يا يحي هل لك في حياتك حاجة ... من قبل فاقرة وموت عاجل
أخزيت أمك إذ كشفت عن استها ... وتركتها غرضاً لكل مناضل
стр. 2162
حلت طهية من سفاهة رأيها ... مني على سننن الملح الوابل
أطهي قد غرق الفرزدق فاعلمنوا ... في اليم ثم رمي به في الساحل
من كان يمنع يا طهي نساءكم ... أم من يكر وراء سرح الجامل
ذاك الذي وأبيك تعرف مالك ... والحق يدفع ترهات الباطل
إنا تزيد على الحلوم حلومنا ... فضلاً ونجهل فوق جهل الجاهل
وقوله: أمست طهية كالبكار إلى آخره .. طهية بالتصغير: حي من قوم الفرزدق، وهم بنو أبي سود، وبنو عوف ابني مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، نسبوا إلى أمهم طهية بنت عبد شمس بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم، والفرزدق: ينتهي نسبه إلى درام بن مالك بن حنظلة، وجرير: ينتهي نسبه إلى كلب بن يربوع بن حنظلة، فمالك ويربوع أخوان، فالفرزدق وجرير يجتمع نسبهما في حنظلة، والبكار: جمع بكر، بالفتح، وهو الفتي من الإبل، وأفزها، بالفاء والزاي، أي: فرقها، والكشيش: أول هدير الجمل، قال جامع ديوانه: كشيش البكر: قبل أن تنبتت شقشقته، فإذا كان ذا شقشقة هدر. انتهى.
والقرم، بفتح القاف: الفحل من الإبل، والبازل: وهو الداخل في السنة التاسعة، وهو كمال شبابه، شبه جرير نفسه بالفحل الهادر، وشبه طهية بالبكار التي لها كشيش تتفرق خوفاً من هدير الفحل. وقوله: يا يحي: هو مرخم يحيى بن عقبة بن سنيع الطهوي، وقد تقدم هجو جرير لعقبة بن سنيع في قوله:
لو في طهية أحلام لما اعترضوا ... دون الذي أنا أرميه ويرميني
стр. 2163
في الإنشاد السابع والعشرين بعد الأربعمائة. والفاقرة: الداهية التي تكسر فقار الظهر، ويريد بها الهجو الممض، والغرض، بفتحتين: الهدف الذي يرمى إليه بالسهم ونحوه، والمناضل: من ناضلته، أي: راميته، وتناضل القوم: تراموا للسبق، وقوله: حلت طهية إلخ ... حلت: نزلت، والسن، بفتحتين، الطريق، والملح: السحاب الدائم المطر، والوابل: الغزير العظيم القطر، يقول: نزلت طهية مني على طريق السيل، وقوله أطهي: الألف للنداء، وطهي: منادى مرخم طهية، وقوله: ثم رمى به: فاعل رمى: اليم، والباء زائدة في المفعول، يريد: أني أغرقت الفرزدق في بحر هجوي وهو هو، فمن أنتم بعده. وقوله: من كان يمنع ... إلى آخره، من: في الموضعين، بمعنى الذي، يريد به الفرزدق، ومن: خبر مبتدأ مضمر، أي: وهو الذي كان يحامي ويدافع عن نسائكم، وأم هنا لمجرد الإضراب للترقي. يقول: بل هو الذي يكر على الأعداء المغيرة، والجامل، بالجيم: القطيع من الجمال برعاته وأربابه، والحي العظيم، والسرح بمهملات: المال السائم، وقوله: ذاك الذي وأبيك ... إلخ: ذاك: إشارة للفرزدق: مبتدأ، والذي: خبره، وجملة: "تعرف مالك" من الفعل والفاعل: صلة الذي، والعائد محذوف، أي: تعرفه مالك، وأنت تعرف؛ لأنه أراد بمالك: القبيلة: يعني أن الفرزدق هو المعروف عند بني مالك بن حنظلة. وقوله: وأبيك؛ بكسر الكاف، خطاب لطهية، المراد بها القبيلة، والحق يدمغ، يعني: أن الفرزدق في اتصافه بما ذكرته من المناقب الجليلة، والرتب الفائقة الجميلة، هو الحق الذي يهشم دماغ الباطل، وهو مع كونه كذا فقد قتلته بهجوي، فكيف حالكم عندي؟ ! ودمغه دمغاً، من باب نفع: كسرت عظم دماغه. والترهة: الباطل، فيكون من إضافة الاسم إلى المسمى.
стр. 2164
وقد وقع البيت الشاهد في كتب النحو محرفاً، ولم يشرحه أحد على وجه الصواب، ولله الحمد على هذه النعمة وغيرها.
وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأنشد بعده:
وإني لرام نظرة قبل التي ... البيت
وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد والعشرين بعد الستمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٠) كأن وقد أتى حول كميل ... أثافيها حمامات مثول
على أن جملة: "وقد أتى حول كميل" معترضة بين "كأن" واسمها، قال أبو علي في "التذكرة": لا يجوز: إن -وقولي حق- زيداً قائم، لأن "إن" لما لم تغير الكلام صار حرف العطف كأنه مبدوء به، ألا تراك تقول: إن زياداً قائم وعمرو! ولا يجوز ذلك في كان. فإن قلت: لم لا أقول: إن زيداً وعمرو قائمان، وأحمل عمراً على الموضع؟ فالجواب: إن الموضع لم يحصل بعد، وإنما يحصل الموضع للمبتدأ إذا انضم إليه الخبر، وإنما جاز الاعتراض في "كأن" كما جاز بين الفعل والفاعل، لأنها تغير معنى الابتداء، بخلاف إن، قال:
لا هل أتاها والحوادث جمة ... بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا
انتهى. أراد أن الباء زائدة في الفاعل. وبيقر معناه: نزل في الحضر، وترك قومه
стр. 2165
بالبادية، وقيل: خرج إل حيث لا يدرى. وقول المصنف: ويمكن أن تكون هذه الجملة حالية .. إلخ، هذا قول ابن جني، فإنه لم يرض بجعلها اعتراضية، قال في باب الاعتراض من "الخصائص": هذا البيت لا اعتراض فيه، وذلك أن الاعتراض لا موضع له من الإعراب، ولا يعمل فيه شيء من الكلام المعترض به بين بعضه وبعض على ما تقدم. فأما قوله: "وقد أتى حول جديد" فذو موضع من الإعراب، وموضعه النصب بما في كأن من معنى التشبيه، ألا ترى أن معناه: أشبهت، وقد أتى حول جديد حمامات مثولاً، أو: أشبهها –وقد مضى حول جديد- بحمامات مثول، أي: أشبهها في هذا الوقت، وعلى هذه الحال بكذا. انتهى كلامه.
وقد أنشد أبو زيد هذا البيت في أواخر "نوادره" ثالث أبيات لأبي الغول الطهوي، وهي:
أما تنفك تركبني بلومى ... لهجت بها كما لهج الفصيل
أتنسى –لا هداك الله- سلمى ... وعهد شبابها الحسن الجميل
كأن وقد أتى حول جديد ... أثافيها حمامات مثول
لومى: فعلى، من اللوم، مثل: عطشى. انتهى. يريد أنه مصدر أنث بالألف المقصورة، وقد جاء تأنيثه بالألف الممدودة أيضاً، قال أبو العيال الهذلي:
ينأى بجانبه ويزعم أنه ... ناج من اللوماء غير ظنين
стр. 2166
ويقال: لهج بالشيء لهو لهج ولهوج وألهج فهو ملهج: إذا تولع به واعتاده، ولهج الفصيل بأمه: إذا تناول ضرعها يمتصه ولزمه، والفصيل: المفصول عن الرضاع من أولاد النوق، والجمع فصال، لأنه وإن كان اسماً، فقد جرى مجرى الصفة حيث قالوا في الأنثى: فصيلة: كظريف وظريفة، قدروا في الانفصال عن الأم، يخاطب بذلك من يلومه، وضرب الركوب مثلاً للغلبة والقهر، أي: ما تنفك تعلوني بملامك، وتقهرني بكلامك، وجملة: "لا هداك الله" دعاء على لائمه، وهي معترضة بين تنسى ومفعوله، وجملة: "وعهد شبابها الحسن الجميل" المبتدأ والخبر حال من سلمى، والأثافي: جمع أثفية، وهي الأحجار التي تنصب عليها القدر فتسود من النار والدخان، شبهها بالحمامات القائمة على رجلها، وقد مر عليها حول بعد ارتحال سلمى من ذلك المكان.
وفي جميع النسخ: "حول جديد" والثابت هنا: "حول كميل" أي: كامل، والمثول: جمع ماثلة، وهي المنتصبة، يقال: مثلت بين يديه مثولاً، من باب قعد، أي انتصبت قائماً، وجاء من باب كرم أيضاً.
وأبو الغول الطهوري: نسبة إلى طهية، قال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": هو من قوم من بني طهية يقال لهم: بنو عبد شمس بن أبي سود، وكان يكنى أبا البلاد وقيل له: أبو الغول، لأنه فيما زعم رأى غولاً، فقتلها. انتهى. ولم أقف على كونه جاهلياً أو إسلامياً. وأما الغول النهشلي، فهو شاعر إسلامي في الدولة المروانية.
وأنشد بعده:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها والعناب والحشف البالي
على أن رطباً ويابساً حال من اسم كأن، والعامل كأن، وأراد تشبيه البيت
стр. 2167
المتقدم بهذا من هذا الوجه، وإن لم يكن في البيت تقديم الحال عن صاحبها، وقد تقدم شرحه في الإنشاد الثالث والستين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣١) ليت وهل ينفع شيئاً ليت ... ليت شباباً بوع فاشتريت
على أن جملة: "وهل ينفع شيئاً ليت" معترضة بين المؤكد والمؤكد، فإن "ليت"الثالثة مؤكدة "لليت" الأولى، وأما "ليت" الثانية فهي كلمة أريد بها لفظها، ولهذا وقعت فاعلة لينفع، ورفعت لفظاً، وشيئاً: مفعول ينفع، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، وحسن هذا التأكيد للفصل بالجملة الاعتراضية بينهما، لأن غير حروف الإيجاب إذا لم يكن معموداً على شيء، اعتمد عليه ما قبله، ولم يقع بينهما فاصل بحرف عطف، لا يجوز توكيدها، فيخرج بقيد غير حروف الإيجاب نحو: لا لا، ونعم نعم، فإنه يجوز، وبقولنا: "لم يكن معموداً" قول الشاعر:
ليتني ليتني توفيت هذا
وبقولنا: "لم يقع بينهما فاصل بحرف عطف" قول الآخر:
"ليت شعري هل ثم هل آتينهم
فقول الشاعر:
ولا للما بهم أبداً دواء
стр. 2168
وقوله: ليت شباباً بوع .. أصله: بيع، مجهول باع، بضم فكسر، والقياس كسر أوله لتسلم الياء، لكن بعض العرب يحذف الكسر، فتنقلب الياء واواً.
قالا لعيني: قائله رؤبة بن العجاج، ويقال: أنشده الكسائي، ولم يعزه إلى أحد، وأنشد قبله:
ما لي إذا أجذبها صأيت ... أكبر قد عالني أم بيت؟
أجذبها، أي: الدلو، وروي: "أنزعها"، وصأيت بالصاد المهملة والهمزة، أي: صحت. وأراد بالبيت المرأة. انتهى. ولم أره في ديوان رؤبة، والله أعلم.
وأنشد بعده:
وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
وتقدم شرحه في الإنشاد الخمسين.
وأنشد بعده:
أخالد قد والله أوطأت عشوة
تمامه:
وما قائل المعروف فينا يعنف
وتقدم شرحه أيضاً في الإنشاد الثالث والثمانين بعد المائتين.
стр. 2169
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٢) ولا أراها تزال ظالمة ... تحدث في قرحة وتنكؤها
على أن جملة: "أراها" معترضة بين "لا" وبين "تزال" والأصل: وأراها لا تزال ظالمة. قال الفراء في تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) [الرعد/ ٢] جاء فيه قولان، يقول: خلقها مرفوعة بلا عمد ترونها، لا تحتاجون مع الرؤية إلى خبر، ويقال: خلقها بعمد لا ترونها، أي: لا ترون تلك الحمد، والعرب قد تقدم الجحد من آخر الكلمة إلى أولها، فيكون ذلك جائزاً، أنشدني بعضهم:
إذا أعجبتك الدهر حال من امرئ ... فدعه وواكل حاله واللياليا
يجئن على ما كان من صالح به ... وإن كان فيما لا يرى الناس آليا
معناه: وإن كان فيما يرى الناس لا يألو، وقال الآخر:
ولا أراها تزال ظالمة ... البيت.
ومعناه: أراها لا تزال. انتهى. وزعم المبرد في "الكامل" أن الشاعر استغنى بـ "لا" الأولى من إعادتها، ورد عليه ابن السيد فيما كتبه على "الكامل" قال: ليس الأمر كما ذكر، لأنه لو أعاد، لاستحال المعنى إلى ضده، وكان معناه نفي لزوم الظلم عنها، ودوامه منها، وإنما معناه أن "تزال" لما كانت مع ما عملت فيه حدثاً عن الضمير في "لا أراها" كان النفي واقعاً على الخبر الذي هو في تزال وما علمت فيه، وكان التأويل: ولا أراها منفكة من الظلم وتاركة له، وساوت
стр. 2170
هذه العبارة في الدلالة قوله: "ولا أراها تزال ظالمة" كما أنشده الأحمر:
ما خلتني زلت بعدكم ضمناً ... أشكو إليكم حرارة الألم
أي: ما خلتني افنككت من هذا. انتهى كلامه. وهو عجيب منه، فإن شرط إعمال زال أن يتقدمها نفي، ليفيد نفي النفي الدوام والاستمرار، والضمير في "أراها" إنما هو لسليمى، والنفي في التقدير ملاصق لتزال، غايته أنه اعترض بجملة "أراها" بين "لا" وبين زال، ثم قال ابن السيد بعد هذا: يريد أبو العباس أن زال لا تستعمل دون حرف نفي، ولا يجوز: زال زيد قائماً، فكان يجب أن يقول: لا تزال ظالمة، غير أنه لما زاد لا في أول البيت، اكتفى بها عن تكرارها، وكأن الشاعر أراد: وأراها لا تزال، فزاد "لا" كزيادتها في قوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ) [الأعراف/ ١٢]، وقد حكي أن من العرب من يقول: زال زيد قائماً. فعلى هذا يكون البيت صحيحاً لا حذف فيه، ولا ضرورة. هذا كلامه، وهو فاسد، لأنه يقتضي زوال ظلمها للشاعر، وإنما مراده أن ظلمها له متصل مستمر لا يزول، والقرحة: الجراحة، ومعنى: تنكؤها: تقشرها، يقال: نكأت القرحة أنكؤها نكئاً، من باب نفع: إذا قشرتها، وفيه لغة أخرى، وهي: نكيت أنكي بالياء، من باب رمى، والاسم النكاية بالكسر.
والبيت من قصيدة لإبراهيم بن هرمة، وتقدم مطلعها في الإنشاد الخامس والعشرين بعد الستمائة.
стр. 2171
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٣) فلا وأبي دهماء زالت عزيزة
تمامه:
على قومها ما فتل الزند قادح
على أنه اعترض بالجملة القسمية بين "لا" وبين "زالت"، والأصل: فوأبي دهماء لا زالت عزيزة، والفصل بينهما عند الرضي شاذ، وقال: وليس هذا مما حذف فيه حرف النفي، كما في قوله تعالى: (تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ) [يوسف/ ٨٥] بتأويل: لا وأبي دهماء لا زالت، لأن حذفها لم يسمع إلا من مضارعاتها، وكأنه قصد بهذا الرد على الفراء. فإنه قال في آية يوسف: وأنشدني بعضهم:
فلا وأبي دهماء زالت عزيزة ... على قومها ما فتل الزند قادح
يريد: لا زالت، وقال أيضاً عند تفسير قوله تعالى: (وإذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ) [الكهف/ ٦٠] والمضمر فيه الجحد قوله تعالى: (تَفْتَأُ) معناه: لا تفتؤ. ومثله قول الشاعر:
فلا وأبي الدهماء زالت عزيزة .. البيت
ورواه ابن عصفور في كتاب "الضرائر" كذا:
لعمر أبي دهماء زالت عزيزة
وقال: حذف منه "ما" النافية، يريد: ما زالت عزيزة. انتهى. وكذا أورده المرادي في "شرح التسهيل" إلا أنه قدر "لا" النافية، وهذه الرواية إن ثبتت كانت
стр. 2172
من الشاذ جداً، وقد عكس النقل أبو حيان في "شرح التسهيل" فقال بعد إنشاد البيت: على أنه ضرورة لحذف "لا" من الماضي، يريد: فلا وأبي دهماء لا زالت عزيزة. وزعم الكوفيون أن "لا" غير محذوفة في البيت. وإنما هي مقدمة من تأخير، والتقدير: فوأبي دهماء لا زالت عزيزة، وما ذهبوا إليه باطل، لأن الحروف التي يتعلق بها القسم لا يجوز تقديمها على القسم. ومما يدلك على أن "لا" محذوفة في البيت رواية من روى:
لعمر أبي دهماء زالت عزيزة
هذا كلامه. وعلى هذه الرواية تكون "لا" لرد شيء ذكر قبلها، أي: فليس الأمر كذلك، وأبي دهماء، وقوله: فلا وأبي دهماء، أقسم الشاعر بوالد هذه المرأة، فأبي: مضاف إلى دهماء، وهي اسم امرأة، واسم زالت: الضمير الراجع إلى دهماء. وعزيزة: خبرها، من العزة، بالعين المهملة والزاي المعجمة، وجملة "لا زالت" جواب القسم، وعلى قومها: متعلق بعزيزة، وما: مصدرية ظرفية، وفتل، بالفاء بعدها مثناة فوقية، روي بتشديدها وتخفيفها، وهو فعل ماض، والزند: مفعوله، وقادح: فاعله، والمراد التأبيد.
وقد ذكر أبو حنيفة الدينوري في كتاب "النبات" صفة الزند والزندة وكيفية الفتل، فلا بأس بإيرادها هنا. قال: أفضل ما اتخذت منه الزناد شجرتا المرخ والعفار، فتكون الزندة وهي السفلى مرخاً، ويكون الزند وهو الأعلى عفاراً، وصفة الزندة: عود مربع في طول الشبر أو أكثر في عرض أصبع أو أشف، وفي صفحاتها فرض، وهي نقر، الواحدة منها فرضة، والزند الأعلى نحوها، غير أنه مستدير، وطرفه أدق من سائره، فأما وصف الاقتداح بها، فإن المقتدح إذا أراد أن يقتدح بالزناد، وضع الزندة ذات الفراض بالأرض، ووضع رجليه على طرفيها، ثم وضع طرف الزند الأعلى في فرضة من فراض الزندة، وقد تقدم فهيأ في الفرضة مجرى للنار إلى
стр. 2173
جهة الأرض بحز، وقد حزه بالسكين في جانب الفرضة، ثم فتل الزند بكفه كما يفتل المثقب، وقد ألقى في الفرضة شيئاً من التراب يسيراً يبتغي بذلك الخشنة، ليكون الزند أعمل في الزندة، وقد جعل إلى جانب الفرضة عند مفضى الحز رية تأخذ فيها النار، فإذا فتل الزند، لم يلبث الدخان أن يظهر، ثم يتبعه النار، فتنحدر في الحز، وتؤخذ في الرية، وتلك النار هي السقط. انتهى كلامه باختصار.
وقد صحفه بعضهم، فرواه: "ما قيل للزند قادح" على أنه فعل ماض مجهول من القول، وجر الزند باللازم، ولم أقف على قائل البيت، ولا على تتمته، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٤) أراني -ولا كفران لله أية ... لنفسي -قد طالبت غير منيل
على أن أبا علي قال: لا يعترض بأكثر من جملة .. إلى آخر ما ذكره، وكلام ابن جني صريح في أن في البيت اعتراضين. قال في باب الاعتراض من "الخصائص": أنشدنا أبو علي:
أراني ولا كفران لله أية .. البيت
فيه اعتراضان، أحدهما: ولا كفران لله، والآخر قوله: أية، أي: أويت لنفسي أية، معناه: رحمتها، ورققت لها، فقوله: أويت لها: لا موضع له من الإعراب. انتهى. ومراده من الاعتراضين الاعتراض بجملتين، ولم ينقل في
стр. 2174
هذا الباب خلافاً في جواز ذلك لا عن أبي علي، ولا عن غيره، وفي "الكتاب" بيت أنشده سيبويه لكثير عزة فيه اعتراض واحد وهو:
أراني ولا كفران لله إنما ... أواخي من الأقوام كل بخيل
قال: إنما "أواخي" في موضع المفعول الثاني لأرى، ولا يجوز فتح "إنما" وقوله: "قد طالبت" جملة في موضع المفعول الثاني لأرى، والمنيل: اسم فاعل من أنلته، أي: أعطيته، وأية: أصله أوية، اجتمعت الواو والياء، وسبق أحدهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، قال ابن الأنباري في "شرح المفضليات": أويت له، بفتحتين: رحمته ورققت عليه مأوية –بتخفيف الياء- وإية، ومنه الحديث: كان رسول الله، ﷺ ، يقوم في الصلاة حتى نأوي له، أي نرق له من طول قيامه. وأنشدني أحمد وعامر وغيرهما:
فإني –ولا كفران لله أية ... لنفسي –لقد حاولت غير منيل
أي: رحمة لنفسي. انتهى. ورأيت في "تهذيبب الأزهري" بخط ياقوت الحموي في مادة "نمل" بالنون والمميم واللام يقال: نملت فلاناً بالتشديد، أي: أقلقته وأعجلته، وأنشد الأصمعي:
فإني ولا كفران لله أية ... لنفسي لقد طالبت غير منمل
أي: غير مرهق عما أريد. انتهى. ولم أقف على قائله، ولا على تتمته.
стр. 2175
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٥) لعمرك والخطوب مغيرات ... وفي طول المعاشرة التقالي
لقد باليت مظعن أم أوفى ... ولكن أم أوفى لا تبالي
على أن الاعتراض وقع فيه بجملتين، وعمرك: مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: قسمي. وجملة: "لقد باليت .. إلى آخره" جواب القسم، وما بينهما من الجملتين اعتراض. قال أبو الفرج الأصفهاني في "الأغاني": قال ابن الأعرابي: أم أوفى التي يذكرها زهير في شعره كانت امرأته، وولدت منه أولاداً ماتوا، وتزوج عليها بعد ذلك امرأة أخرى، وهي أم بنيه كعب وبجير، فغارت من ذلك، وآذته، فطلقها، ثم ندم، فقال:
لعمرك والخطوب مغيرات ... إلى آخر البيتين:
فأما إذ نأيت فلا تقولي ... لي صهر أذلت ولم تذالي
أصبت بني منك ونلت مني ... من اللذات والحلل الغوالي
انتهى، وقد ذكرها في أول معلقته بقوله:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
والخطوب: الحوادث، والتقالي: تفاعل من القلى وهو البغض، وباليت: يتعدى تارة بنفسه، وتارة بالباء، قال صاحب "المصباح": يقال: لا أباليه، ولا أبالي به، أي: لا أهتم به ولا أكترث، قالوا: ولم يستعمل إلى مع الجحد، والأصل فيه قولهم: تبالى القوم: إذا تبادروا إلى الماء القليل، فاستقوا، فمعنى لا أبالي: لا أبادر إهمالاً له، وقال أبو زيد: ما باليت به مبالاة، والاسم البلاء -وزان كتاب- وهو الهم الذي تحدث به نفسك. انتهى.
следующие страницы →