Полный текст (2 797 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٣) فلا وأبي دهماء زالت عزيزة
تمامه:
على قومها ما فتل الزند قادح
على أنه اعترض بالجملة القسمية بين "لا" وبين "زالت"، والأصل: فوأبي دهماء لا زالت عزيزة، والفصل بينهما عند الرضي شاذ، وقال: وليس هذا مما حذف فيه حرف النفي، كما في قوله تعالى: (تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ) [يوسف/ ٨٥] بتأويل: لا وأبي دهماء لا زالت، لأن حذفها لم يسمع إلا من مضارعاتها، وكأنه قصد بهذا الرد على الفراء. فإنه قال في آية يوسف: وأنشدني بعضهم:
فلا وأبي دهماء زالت عزيزة ... على قومها ما فتل الزند قادح
يريد: لا زالت، وقال أيضاً عند تفسير قوله تعالى: (وإذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ) [الكهف/ ٦٠] والمضمر فيه الجحد قوله تعالى: (تَفْتَأُ) معناه: لا تفتؤ. ومثله قول الشاعر:
فلا وأبي الدهماء زالت عزيزة .. البيت
ورواه ابن عصفور في كتاب "الضرائر" كذا:
لعمر أبي دهماء زالت عزيزة
وقال: حذف منه "ما" النافية، يريد: ما زالت عزيزة. انتهى. وكذا أورده المرادي في "شرح التسهيل" إلا أنه قدر "لا" النافية، وهذه الرواية إن ثبتت كانت
стр. 2172
من الشاذ جداً، وقد عكس النقل أبو حيان في "شرح التسهيل" فقال بعد إنشاد البيت: على أنه ضرورة لحذف "لا" من الماضي، يريد: فلا وأبي دهماء لا زالت عزيزة. وزعم الكوفيون أن "لا" غير محذوفة في البيت. وإنما هي مقدمة من تأخير، والتقدير: فوأبي دهماء لا زالت عزيزة، وما ذهبوا إليه باطل، لأن الحروف التي يتعلق بها القسم لا يجوز تقديمها على القسم. ومما يدلك على أن "لا" محذوفة في البيت رواية من روى:
لعمر أبي دهماء زالت عزيزة
هذا كلامه. وعلى هذه الرواية تكون "لا" لرد شيء ذكر قبلها، أي: فليس الأمر كذلك، وأبي دهماء، وقوله: فلا وأبي دهماء، أقسم الشاعر بوالد هذه المرأة، فأبي: مضاف إلى دهماء، وهي اسم امرأة، واسم زالت: الضمير الراجع إلى دهماء. وعزيزة: خبرها، من العزة، بالعين المهملة والزاي المعجمة، وجملة "لا زالت" جواب القسم، وعلى قومها: متعلق بعزيزة، وما: مصدرية ظرفية، وفتل، بالفاء بعدها مثناة فوقية، روي بتشديدها وتخفيفها، وهو فعل ماض، والزند: مفعوله، وقادح: فاعله، والمراد التأبيد.
وقد ذكر أبو حنيفة الدينوري في كتاب "النبات" صفة الزند والزندة وكيفية الفتل، فلا بأس بإيرادها هنا. قال: أفضل ما اتخذت منه الزناد شجرتا المرخ والعفار، فتكون الزندة وهي السفلى مرخاً، ويكون الزند وهو الأعلى عفاراً، وصفة الزندة: عود مربع في طول الشبر أو أكثر في عرض أصبع أو أشف، وفي صفحاتها فرض، وهي نقر، الواحدة منها فرضة، والزند الأعلى نحوها، غير أنه مستدير، وطرفه أدق من سائره، فأما وصف الاقتداح بها، فإن المقتدح إذا أراد أن يقتدح بالزناد، وضع الزندة ذات الفراض بالأرض، ووضع رجليه على طرفيها، ثم وضع طرف الزند الأعلى في فرضة من فراض الزندة، وقد تقدم فهيأ في الفرضة مجرى للنار إلى
стр. 2173
جهة الأرض بحز، وقد حزه بالسكين في جانب الفرضة، ثم فتل الزند بكفه كما يفتل المثقب، وقد ألقى في الفرضة شيئاً من التراب يسيراً يبتغي بذلك الخشنة، ليكون الزند أعمل في الزندة، وقد جعل إلى جانب الفرضة عند مفضى الحز رية تأخذ فيها النار، فإذا فتل الزند، لم يلبث الدخان أن يظهر، ثم يتبعه النار، فتنحدر في الحز، وتؤخذ في الرية، وتلك النار هي السقط. انتهى كلامه باختصار.
وقد صحفه بعضهم، فرواه: "ما قيل للزند قادح" على أنه فعل ماض مجهول من القول، وجر الزند باللازم، ولم أقف على قائل البيت، ولا على تتمته، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٤) أراني -ولا كفران لله أية ... لنفسي -قد طالبت غير منيل
على أن أبا علي قال: لا يعترض بأكثر من جملة .. إلى آخر ما ذكره، وكلام ابن جني صريح في أن في البيت اعتراضين. قال في باب الاعتراض من "الخصائص": أنشدنا أبو علي:
أراني ولا كفران لله أية .. البيت
فيه اعتراضان، أحدهما: ولا كفران لله، والآخر قوله: أية، أي: أويت لنفسي أية، معناه: رحمتها، ورققت لها، فقوله: أويت لها: لا موضع له من الإعراب. انتهى. ومراده من الاعتراضين الاعتراض بجملتين، ولم ينقل في
стр. 2174
هذا الباب خلافاً في جواز ذلك لا عن أبي علي، ولا عن غيره، وفي "الكتاب" بيت أنشده سيبويه لكثير عزة فيه اعتراض واحد وهو:
أراني ولا كفران لله إنما ... أواخي من الأقوام كل بخيل
قال: إنما "أواخي" في موضع المفعول الثاني لأرى، ولا يجوز فتح "إنما" وقوله: "قد طالبت" جملة في موضع المفعول الثاني لأرى، والمنيل: اسم فاعل من أنلته، أي: أعطيته، وأية: أصله أوية، اجتمعت الواو والياء، وسبق أحدهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، قال ابن الأنباري في "شرح المفضليات": أويت له، بفتحتين: رحمته ورققت عليه مأوية –بتخفيف الياء- وإية، ومنه الحديث: كان رسول الله، ﷺ ، يقوم في الصلاة حتى نأوي له، أي نرق له من طول قيامه. وأنشدني أحمد وعامر وغيرهما:
فإني –ولا كفران لله أية ... لنفسي –لقد حاولت غير منيل
أي: رحمة لنفسي. انتهى. ورأيت في "تهذيبب الأزهري" بخط ياقوت الحموي في مادة "نمل" بالنون والمميم واللام يقال: نملت فلاناً بالتشديد، أي: أقلقته وأعجلته، وأنشد الأصمعي:
فإني ولا كفران لله أية ... لنفسي لقد طالبت غير منمل
أي: غير مرهق عما أريد. انتهى. ولم أقف على قائله، ولا على تتمته.
стр. 2175
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٥) لعمرك والخطوب مغيرات ... وفي طول المعاشرة التقالي
لقد باليت مظعن أم أوفى ... ولكن أم أوفى لا تبالي
على أن الاعتراض وقع فيه بجملتين، وعمرك: مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: قسمي. وجملة: "لقد باليت .. إلى آخره" جواب القسم، وما بينهما من الجملتين اعتراض. قال أبو الفرج الأصفهاني في "الأغاني": قال ابن الأعرابي: أم أوفى التي يذكرها زهير في شعره كانت امرأته، وولدت منه أولاداً ماتوا، وتزوج عليها بعد ذلك امرأة أخرى، وهي أم بنيه كعب وبجير، فغارت من ذلك، وآذته، فطلقها، ثم ندم، فقال:
لعمرك والخطوب مغيرات ... إلى آخر البيتين:
فأما إذ نأيت فلا تقولي ... لي صهر أذلت ولم تذالي
أصبت بني منك ونلت مني ... من اللذات والحلل الغوالي
انتهى، وقد ذكرها في أول معلقته بقوله:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
والخطوب: الحوادث، والتقالي: تفاعل من القلى وهو البغض، وباليت: يتعدى تارة بنفسه، وتارة بالباء، قال صاحب "المصباح": يقال: لا أباليه، ولا أبالي به، أي: لا أهتم به ولا أكترث، قالوا: ولم يستعمل إلى مع الجحد، والأصل فيه قولهم: تبالى القوم: إذا تبادروا إلى الماء القليل، فاستقوا، فمعنى لا أبالي: لا أبادر إهمالاً له، وقال أبو زيد: ما باليت به مبالاة، والاسم البلاء -وزان كتاب- وهو الهم الذي تحدث به نفسك. انتهى.
стр. 2176
وقوله: "ولا يستعمل إلا مع الجحد"، وقوله: "فمعنى لا أبالي: لا أبادر" يردهما قوله: "لقد باليت". والمظعن: مصدر ميمي بمعنى الارتحال، يريد: أنها قلته لطول العشرة، وأذلت: أهنت، وشيء مذال: مهان، والحلل جمع حلة بضمهما، والحلة لا تكون إلا بثوبين من جنس واحد، والغوالي جمع غالية. وزهير بن أبي سلمى، تقدمت ترجمته في الإنشاد الخمسين.
وأنشد بعده:
إن الثمانين وبلغتها .. البيت
وتقدم الكلام عليه قريباً، وكذا تقدم الكلام على البيتين بعده قريباً.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٦) اطلب ولا تضجر من مطلب
تمامه:
فآفة الطالب أن يضجرا
أما ترى الحبل بتكراره ... في الصخرة الصماء قد أثرا
وهما لبعض المولدين، وقد أوردهما المصنف في "شرح الألفية" في باب الحال، في الباب الخامس، وقال: شرط الجملة الحالية أن تكون خبرية، وغلط من قال في قوله:
اطلب ولا تضجر من مطلب
стр. 2177
أن "لا" ناهية، وأن "الواو" للحال، والصواب: أنها عاطفة، وهو مأخوذ من قول سابق البربري، من قصيدة وعظ بها عمر بن عبد العزيز:
حتى متى أنا في الدنيا أخو كلف ... في الحد مني إلى لذاتها صعر
ولا أرى أثراً للذكر في جسدي ... والحبل في الحجر القاسي له أثر
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٧) فقلت ادعي وأدعو إن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان
على أن أدعو منصوب في جواب الأمر بأن مضمرة بعد واو المعية، وبه استشهاد سيبويه، قال الأعلم: الشاهد فيه نصب أدعو بإضمار أن حملاً على معنى: ليكن منك أن تدعي وأدعو، ويروى: "وأدع فإن أندى" على معنى: لتدعي لأدع على الأمر. وأندى: أبعد صوتاً، والندى: بعد الصوت، انتهى. وبهه استشهد الفراء في "تفسيره" عند قوله تعالى: (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ) [البقرة/ ٢٤٦] قال: أراد ادعي ولأدع، وفي قوله: وأدع، طرف من الجزاء، وإن كان أمراً قد نسق أوله على آخره، ومثله قول الله : (اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا ولْنَحْمِلْ) [العنكبوت/ ١٢] هو أمر فيه تأويل جزاء، وهو كثير في كلام العرب؛ قال الشاعر:
فقلت ادعي وأدع .. البيت، أراد: ادعي، ولأدع، فإن أندى؛
стр. 2178
فكأنه قال: إن دعوت دعوت. انتهى. وكذا أورده ابن عصفور في كتاب "الضرئر" قال: يريد: ولأدع، فحذف الجازم وهو لام الأمر للضرورة.
والبيت من قصيدة طويلة لدثار بن شيبان النمري، من النمر بن قاسط أوردها له الأصبهاني في "الأغاني" وأبو عبيد البكري في "شرح أمالي القالي"، والزمخشري فيما كتبه على هامش "المفصل" وفي "شرح شواهد سيبويه" وابن عبد البر في ترجمة الزبرقان من "الاستيعاب" وأولها:
من يك سائلاً عني فإني ... أنا النمري جار الزبرقان
أتيت الزبرقان فلم يضعني ... وضيعني بمريم من دعاني
وما جار تضمن ثم أوفى ... كملقى جاره بعد الضمان
ومنها:
تقول حليلتي لما اشتكينا ... سيدركنا بنو القرم الهجان
سيدركنا بنو القمرين بدر ... سراج الليل للشمس الحصان
فقلت أدعي وأدعو إن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان
دعن ودعوت أن يا آل بدر ... وصوتانا معاً مترادفان
قال البكري: قوله: بنو القمرين بدر، يعني: الزبرقان بن بدر، لأن الزبرقان اسم القمر. قال الأصمعي: والزبرقان أيضاً: الرجل الخفيف اللحية، وقيل: سمي الزبرقان، لأنه لبس عمامة مزبرقة بالزعفران.
وهو الزبرقان بن بدر بن امرئ القيس التميمي، وقد على رسول الله، ﷺ ، في قومه، وكان أحد ساداتهم؛ فأسلموا وذلك في سنة تسع، فولاه
стр. 2179
رسول الله، ﷺ ، صدقات قومه، وأقره أبو بكر، وعمر على ذلك كذا في "الاستيعاب" ودثار شاعر إسلامي.
وأنشد بعده:
وما أدري وسوف إخال أدري
وتقدم شرحه في الإنشاد الخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٨) واعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا
على أن جملة الاعتراض يجوز اقترانها بالفاء، وهي هنا للتفريع والتعليل، و"أن" مخففة من ثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، وهي مع اسمها وخبرها سدت مسد مفعولي اعلم، يعني: أن المقدر لا بد من إتيانه، وفيه تسلية للنفس.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثلاثون بعد الستمائة:
(٦٣٩) يا حاديي غيرها وأحسبني ... أوجد ميتاً قبيل أفقدها
قفا قليلاً بها علي فلا ... أقل من نظرة أزودها
وقد أورد المصنف البيت الثاني في بحث "لا" على أنه يجوز في "أقل" الفتح والرفع. وقد شرحناه هناك مع الذي قبله، في الإنشاد التسعين بعد الثلاثمائة.
стр. 2180
وأنشد في الجملة التفسيرية:
وترمينني بالطرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكن إياك لا أقلي
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثالث عشر بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الأربعون بعد الستمائة:
(٦٤٠) ولقد علمت لتأتين منيتي
تمامه:
إن المنايا لا تطيش سهامها
على أن "علم" نزل منزلة القسم، وجملة: "لتأتين" جوابه، وحينئذ لا تقتضي معمولاً، وهذا مأخوذ من كلام سيبويه، فإنه أورد البيت في "باب أفعال القسم" وقال: كأنه قال: والله لتأتين منيتي، كما قال: قد علمت لعبد الله خير منك. انتهى. ويجوز أن تبقى "علم" هنا على بابها، وتكون معلقة بلام القسم، ويكون لتأتين جواباً لقسم محذوف تقديره: ولقد علمت والله لتأتين منيتي، وجملتا القسم وجوابه: في موضع نصب بعملت المعلق، وإليه ذهب ابن الناظم، وقرره المصنف في شرح أبياته.
والبيت نسبه سيبويه للبيد، والموجود في معلقته إنما هو المصراع الثاني، وصدره:
صادفن منها غرة فأصبنه
стр. 2181
والنون من صادفن: ضمير الذئاب، وضمير "منها" للبقرة الوحشية، والهاء في "أصبنه" ضمير ولد البقرة، والمنية: الموت، وطاش السهم عن الرمية: إذا وقع يمينه أوشماله، ولم يصبه، ولم يوجد للبيد في ديوان شعره على هذا الوزن والروي غير المعلقة، والله تعالى أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد الستمائة:
(٦٤١) فمن نحن نؤمنه يبت وهو آمن
تمامه:
ومن لا نجره يمس منا مروعا
على أن الشلوبين، زعم أن الجملة التفسيرية بحسب ما تفسره، وقد أنشده سيبويه في باب "الحروف التي لا تقدم فيها الأسماء الفعل" قال: (اعلم: أن حروف الجزاء يقبح أن تتقدم الأسماء فيها قبل الأفعال) .. إلى أن قال: (ويجوز [الفرق] في الكلام في "إن" إذا لم تجزم في اللفظ) - أي: بأن كان المشروط ماضياً - (نحو قوله:
عاود هراة وإن معمورها خربا
فإن جزمت، ففي الشعر) أي: بأن ان الشرط مضارعاً، كقوله:
ولديك إن هو يستزدك مزيد
стр. 2182
إلى أن قال: (وأما سائر حروف الجزاء، فهذا فيه ضعف في الكلام، لأنها ليست كـ "إن"، ومما جاء في الشعر مجزوماً في غير إن قول عدي بن زيد:
فمتى واغل ينبهم يحيو ... هـ وتعطف عليه كأس الساقي
وقال:
صعدة نابتة في حائر ... أينما الريح تميلها تمل
وقال هشام المري:
فمن نحن نؤمنه يبت وهو آمن .. البيت)
قال الأعلم: الشاهد فيه تقديم الاسم على الفعل ضرورة مع الجزم، وارتفاع الاسم بإضماء فعل يفسره الظاهر، لأن الشرط لا يكون إلا بالفعل. انتهى.
وقول المصنف: وفي "البغداديات" لأبي علي إلى آخر الفصل. أقول: ما نقله عنه هو في أول الثلث الثالث من"البغداديات" نقل كلام سيبويه المذكور، وشرحه ثم قال: وأما ما في "الكتاب" من قوله: إن زيداً تره [تضرب] وما أنشده من قوله:
لا تجزعي إن منفساً أهلكته
стр. 2183
فإن سألته –يعني: أبا بكر بن السراج- عن الفعل المضمر الناصب له، فقلت: كيف هو؟ أمجزوم أم غير مجزوم، وكيف هو من المظهر؟ فقال: لا يجوز أن يكون غير مجزوم، ولا يكون بدلاً، قال: وهذا لولا أنه مسموع، لم يجز، فإن قيل: هذا الفعل الظاهر بدل من الأول؟ قيل: إن المبدل منه لا يجوز أن يسقط، ويثبت البدل، وإن قال: التقدير: إن تر زيداً، فكأنه مقدم، فلا معنى للهاء في قولك: تره، قال: والأحسن عندي أن يكون على تكرير "إن" كأنه قال: إن تر زيداً إن تره يضرب، فقلت: فأين جواب إن الأولى؟ فقال: استغني عنه، كما أنك إذا قلت: أزيداً ظننته منطلقاً؟ فتقديره: أظننت زيداً ظننته منطلقاً، فاستغنى عن المفعول الثاني في ظننت الذي أضمر بعد حرف الاستفهام بخبر ظننت الثاني، فإن قال قائل: هذا الذي ذكره في تكرار إن قبيح، إنما يجوز في ضرورة الشعر، فكأنه في هذا القول إنما ترك قبيحاً إلى مثله، قيل له: ليس ما تركه في القبح بمنزلة ما انتقل إليه، لأن الذي تركه لا مجاز له، ألا ترى أنه لم يجئ في الكلام ولا في الضرورة فيما علناه إسقاط المبدل منه في اللفظ، وإسقاط البدل، ولم يجئ أيضاً ضمير لا معنى له، ولا متجه، والأشياء التي تجوز في الشعر للضرورة قد تجوز في الكلام عند الحاجة إليها، ألا تراهم استجازوا الضمير قبل الذكر في مثل: ضربوني، وضربت قومك، لما كان ترك الإضماء يؤدي إلى إخلاء الفعل من الفاعل، ولم يجيزوا نحو: ضرب غلامه زيداً، لما لم يكن إلى إجازة ذلك ضرورة، فصار ما كان يجوز في الشعر كقوله:
جزى ربه عني عدي بن حاتم
стр. 2184
للضرورة مستحسناً في لكلام، ولهذا نظائر، فكذلك إضمار "إن" يكون فيما ذهب إليه مستحسناً وإن كان إضمار الجازم إنما جاء في الشعر. ويقرب من هذا ما أجاب أبو بكر، وقد سأله سائل عن تجويزهم الإضمار قبل الذكر في مثل: ضربوني وضربت قومك، فقال: لما كان هنا أمران مستكرهان عندهم في الاختيار وهما: إخلاء الفعل من الفاعل، وإضماره قبل ذكره، ولم يكن إلى إخلاء الفعل من الفاعل سبيل؛ اختير الإضمار قبل الذكر، على أن في إضمار "إن" من المزية والحسن على إضماء اللازم وسائر الجوائم، أنها قد اتسع فيها ما لم يتسع فيهن، فأولي الاسم في الكلام، كقوله تعالى: (وإنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ) [النساء/ ١٢٨] وغير ذلك مما تختص به "إن" وليس في غيرها من الجوازم ما يضمر، وإضمارها أيضاً أحسن من إضمار غيرها، لا سيما وقد جرى ذكرها قبل، وجرى ذكل الشيء مما يسهل إضماره، لتقريب الدلالة على المضمر، ألا ترى أن سيبويه أجاز: بمن تمرر أمرر، ولم يجز: من تضرب أنزل، حتى تقول: عليه، إلا في الشعر؛ لجري ذكر الحرف في الأول، ولم يجزه في المسألة الثانية لما لم يجر ذكره، وقال فيما حكاه عن يونس في قولهم: مررت برجل صالح، وإن لا صالحاً فطالحاً، من أن من العرب من يقول: إلا صالح فطالح؛ هذا قبيح ضعيف، لأنك تضمر بعد "إن لا" فعلاً آخر غير الذي ذكر بعد إن لا في قولك إن لا يكن صالحاً فطالح، ولا يجوز أن يضمر الجار، ولكنهم لما ذكروه في أول كلامهم، شبهوه بغيره [من الفعل]، وكان هذا عندهم أقوى إذا أضمر "رب" ونحوه في قوله:
وبلدة ليس بها أنيس
فاعلم بهذا أن حرف الجزاء إذا جرى ذكره مكان إضماره أقوى من إضماره إذا لم يجر ذكره، إذا كان هذا هكذا في الحروف الجارة، كانت الجازمة مثله، لأن الجارة في الأسماء مثل الجوازم في الأفعال، فكذلك يكون تقدير "إن" وإضماره،
стр. 2185
فيما ذهب إليه، أحسن من إضمار اللام في قوله: "أو يبك من بكى"، هذا آخر كلام أبي علي، من غير اختصار شيء منه.
والبيت لهشام المري، كما قال سيببويه وغيره، وهو منسوب إلى مرة بن كعب ابن لؤي القرشي، وهو شاعر جاهلي.
وأنشد بعده:
لا تجزعي إن منفس أهلكته
تمامه:
وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثاني والسبعين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد الستمائة:
(٦٤٢) تعش فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
على أن جملة "لا تخونني" يحتمل أن تكون جواب القسم الذي هو عاهدتني، ويحتمل أن تكون حالاً. قال ابن المستوفي في "شرح أبيات المفصل": عاهدتني قسم، ولا تخونني جوابه، وهذا وإن كان معناه القسم والجواب، فليس على صيغته النحوية، ولا يعد قسماً وجواباً. انتهى. واستشهد به سيبويه على رجوع ضمير
стр. 2186
الاثنين من "يصطحبان" على "من" حملاً على المعنى، لأنه أريد بمن اثنان. وروي أول البيت: تعال فإن ... وقال ابن جني في "المحتسب": ومن ذلك قراءة عمرو بن فائد: (يا نساء النبي من تأت منكن) [الأحزاب/ ٣٠] بالتاء وهذا حمل على المعنى كأن "من" هنا امرأة في المعنى، فكأنه قال: أية امرأة أتت منكن، أو تأت. وهو كثير في الكلام، ومعناه البيان، وقول الله سبحانه: (ومِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ) [يونس/ ٤٢] وقول الفرزدق:
تعش فإن عاهدتني ... البيت
أي: مثل اللذين يصطحبان، أو مثل اثنين يصطحبان، وأن يكون على الصلة أولى من أن يكون على الصفة، فكان الموضع في هذا الحمل على المعنى إنما بابه الصلة، ثم شبهت بها الصفة، ثم شبهت الحال بالصفة، ثم شبه الخبر بالحال، كذا ينبغي أن يرتب هذا الباب من تنزيله، ولا ينبغي أن يؤخذ باباً سرداً وطرحاً واحداً، وذلك أن الصلة أذهب في باب التخصيص من الصفة لإبهام الموصول، فلما قويت الحاجة إلى البيان في الصلة، جاء ضميرها من الصلة على معناها، لأنه أشد إفصاحاً بالغرض، وأذهب في البيان المعتمد. انتهى كلامه. فاختار كون "من" موصولة، فيكون النداء قد اعترض به بينه وبين الصلة، وكذا قال ابن السيرافي في "شرح شواهد سيبويه"، وتقدم توجيه أبي علي على ذلك في قوله:
ذاك الذي –وأبيك- تعرف مالك
وقال ابن المستوفي في "شرح أبيات المفصل": هذا الفصل بين الموصول والصلة ضرورة.
стр. 2187
والبيت من قصيدة للفرزدق، ذكر في أولها أن الذئب أتاه ليلة في سفره، فرمى له لحماً، وقال: "تعش فإن عاهدتني .. " البيت، وبعده:
وأنت امرؤ يا ذئب والغدر كنتما ... أخيين كانا أرضعا بلبان
وقد ذكرنا الأبيات في الإنشاد الثاني والعشرين بعد الثلاثمائة، وقد وقع في إنشاد سيبويه: "تعال فإن عاهدتني". قال ابن المستوفي: والصحيح من الرواية: "تعش" وقد ذكره الزمخشري: "تعال". قال الدماميني: تعال: للواحد المذكر. وتعالي: للواحدة المؤنثة، بفتح اللام، وحكى الزمخشري في تفسير النساء عن أهل مكة أنهم يقولون: تعالي، بكسر اللام، للمرأة، ووقع مثله في شعر أبي فراس الحمداني، قال وهو في أسر الروم، وقد سمع حمامة تنوح بجنبه:
أقول وقد ناحت بجنبي حمامة ... أيا جارتا هل تشعرين بحالي
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا ... تعالي أقاسمك الهموم تعالي
وهي أبيات، والوجه: فتح اللام، لأنها عين الفعل، كالعين في تصاعدي، ولام الفعل التي حقها أن تكسر قد سقطت إذ الأصل تعاليين، ففعل فيه عرف في مثله. انتهى. وأخذه ابن الملا. وأقول: أصل تعالي تعالوي، قلبت الواو ياء لوقوعها رابعة مع عدم انضمام ما قبلها، فصار تعاليي بياءين، الأولى لام الكلمة، والثانية ضمير المخاطبة، ثم حذفت كسرة الياء الأولى للاستثقال، والياء لالتقاء الساكنين، كذا قاله أحد أشياخنا في "حاشية الفاكهي" وهذا تطويل بلا طائل، والقريب أن يقال: قلبت الواو في تعالوي ألفاً؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت لالتقاء الساكنين.
стр. 2188
وقال المصنف في شرحي "الشذور" و"القطر": والعامة تقول: تعالي، بكسر اللازم، وعليه قول بعض المحدثين:
تعالي أقاسمك الهموم تعالي
والصواب الفتح، كما يقال: اخشي واسعي. انتهى. وهذا غير جيد، فإن ابن جني قد وجهه في "المحتسب" قال: قرأ الحسن البصري: (قل تعالوا) [النساء/ ٦١] بضم اللام، ووجهه أنه حذف لام تعاليت استحساناً [و] تخفيفاً، فلما زالت لام الكلمة، ضمت اللام لوقوع الواو بعدها، ونظيرها ما قرأه الحسن أيضاً: (إلا من هو صال الجحيم) [الصافات/ ١٦٣] بضم اللام، حدثنا بذلك أبو علي: وذهب إلى ما ذكرناه من حذف اللام استخفافاً.
فتعالي مستعمل على وجهين:
أحدهما، وهو الفصيح: أن تحذف الياء التي هي لام الكلمة لالتقاء الساكنين، فتبقى اللام قبلها على فتحها، لأنا لمحذوف لعلة كالثابت.
والثاني: أن تحذف ابتداء للتخفيف نسياً منسياً، فيبقى ما قبلها آخر الكلمة، فتحركه بحركة تجانس الضمير المتصل بها، وبه قرئ في الشواذ، وعليه قول أبي فراس، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد الستمائة:
(٦٤٣) أرى محرزاً عاهدته ليوافقن ... فكان كمن أغريته بخلاف
على أن جملة: "ليوافقن" جواب لعاهدته المنزل منزلة القسم لا غير، وجملة "عاهدته ليوافقن": في موضع المفعول الثاني لأرى، ومحرزاً: اسم رجل، وعاهدته:
стр. 2189
من العهد وهو الموثق، وإنما يكون بالقسم ونحوه، ويوافقن ينبغي أن يكتب بالألف، لأن النون الخفيفة تقلب ألفاً في الوقف، وهذا الموضع موضع وقف، وهو من الموافقة، وهو ضد المخالفة، وروي بدله: "ليوافين" مضارع وافيته، أي: أتيته وأغريته، متعدي غري بالشيء غرى، من باب تعب، أي: أولع به من حيث لا يحمله عليه حامل، وأغريته به إغراء، فأغري به، بالبناء للمفعول، والخلاف: المخالفة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والأربعون بعد الستمائة:
(٦٤٤) ألم ترني عاهدت ربي وإنني ... لبين رتاج قائماً ومقام
على حلفة لا أشتم الدهر مسلما ... ولا خارجاً من في زور كلام
على أن "خارجاً" معطوف على محل جملة "لا أشتم" الواقعة حالاً، فكأنه قال: حلفت غير شاتم، ولا خارجاً، فيكون الذي عاهد عليه غير مذكور، وهذا رأي عيسى بن عمر، والذي نسبه المصنف إلى المحققين، هو مذهب سيبويه، ومن تابعه، وهذا نصه في "الكتاب": وأما قول الفرزدق: "على حلفة لا أشتم الدهر .. البيت" فإنما أراد: ولا يخرج فيما أستقبل، كأنه قال: ولا يخرج خروجاً، ألا تراه ذكر "عاهدت" في البيت الذي قبله! وهو "ألم ترني عاهدت ربي .. البيت". ولو حملته على أنه نفى شيئاً هو فيه، ولم يرد أن يحمل على "عاهدت" لجاز، وإلى هذا الوجه كان يذهب عيسى بن عمر فيما نرى، لأنه لم يكن يحمله على "عاهدت" انتهى نصه.
стр. 2190
قال السيرافي: فسر أبو العباس المبرد، والزجاج، في هذين البيتين، قول سيبويه وقول عيسى بن عمر. فأما قول سيبويه، فإنه جعل لا أشتم جواب يمين، إما أن يكون جواب "حلفة" كأنه قال: عاهدت ربي على أن أقسمت، وعلى أن حلفت، لا أشتم الدهر مسلماً، أو يكون عاهدت بمعنى أقسمت، كأنه قال: ألم ترني أقسمت، ويكون "خارجاً" في معنى المصدر، ويكون التقدير: ولا يخرج خروجاً، عطفاً على أشتم، وجعل خارجاً في معنى خروجاً. قال أبو العباس: ومثله: قم قائماً، أي: قم قياماً، ومثله من المصادر: العاقبة والعافية، فهو على لفظ فاعل. وفسرا قول عيسى أن خارجاً حال، وإذا كان حالاً، فهو عطف على ما قبله، وإذا كان كذلك، وجب أن يجعل الفعل في موضع الحال، فكأنه قال: لا شاتماً مسلماً، ولا خارجاً من في زور كلام، والفعل المستقبل يكون في موضع الحال، كقولك: جاءني زيد يضحك، أي ضاحكاً، وجعلا العامل في الحال، على مذهب عيسى، عاهدت. كأنه قال: عاهدت ربي لا شاتماً الدهر مسلماً، فالمعنى: موجباً على نفسي ذلك ومقدراً أن لا أفعله. وكلام سيبويه الذي حكاه عن عيسى يخالفه، لأنه يعني عيسى بن عمر لم يكن يحمله على "عاهدت" ومعنى قول سيبويه: لو حملته على أنه نفى شيئاً هو فيه، أي: نفي الحال وهو قوله: لا أشتم ولا خارجاً، فإذا لم يكن العامل في الحال "عاهدت" على ما حكاه سيبويه عن عيسى، كان نصبه على أحد وجهين: إما أن يكون المفعول الثاني من ترني، كأنه قال، ألم ترني لا شاتماً مسلماً، فهذا وجه ذكره أبو بكر مبرمان وما يعجبني هذا، لأن "عاهدت" في موضع المفعول الثاني، فقد تم المفعولان، وأجود منه أن يكون على حلفة، كأنه قال: على أن حلفة لا شاتماً مسلماً، والمصدر وهو "حلفة" يعمل عمل الفعل. إلى هنا كلام السيرافي.
стр. 2191
أقول: جعل جملة "لا أشتم" في موضع المفعول الثاني لترني، توجيهاً لقول عيسى بن عمر، خلاف المفروض، ويلزم على قول عيسى بن عمر خلو القسم من جواب، وهو الذي عاهد عليه، ولهذا كان مذهب سيبويه أحق بالقبول، قال أبو علي في "الحجة" عند قوله تعالى: (لَمَا آتَيْتُكُم) من سورة آل عمران [الآية/ ٨١]: قرأ حمزة [وحده]، بكسر اللام ووجهه: أنه يتعلق بالأخذ، "كأن المعنى أخذ ميثاقهم لهذا، لأن من يؤتى الكتاب والحكمة يؤخذ عليهم الميثاق لما أوتوه من الحكمة، وأنهم الأفاضل وأماثل الناس، فإن قلت: أرأيت الجملة التي هي قسم، هل يفصل بينهما وبين المقسم عليه بالجار؟ قيل: قد قالوا: بالله، الجار والمجرور متعلقان بالفعل والفاعل المضمرين، كذلك قوله: "ألم ترني عاهدت ربي ... على حلفة لا أشتم" فيمن جعل لا أشتم، يتلقى قسماً، وهو قول الأكثر، على قوله: على حلفة، بعاهدت، فكذلك قوله: (لما آتيتكم) في قراءة حمزة. انتهى كلامه. وأورد المبرد هذين البيتين في "الكامل" وذكر المذهبين إجمالاً، وقال: خارجاً اسم فاعل وضع موضع المصدر، والمصدر يقع في موضع اسم الفاعل تقول: ماء غور. أي: غائر، قال جل وعز (إنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا) [الملك/ ٣٠] ويقال: رجل عدل، أي: عادل، ويوم غم، أي: غام. وهذا كثير جداً، فعلى هذا جاء المصدر على فاعل كما جاء اسم الفاعل على المصدر، ي قال: قم قائماً، وجاء من المصدر على لفظ فاعل حروف منها: فلج فالجاً، وعوفي عافية، وأحرف يسيرة، وجاء على مفعول نحو: رجل ليس له معقول، وخذ ميسوره، ودع معسوره، لدخول المفعول على المصدر، يقال: رجل رضى، أي: مرضي، وهذا درهم ضرب الأمير، [أي: مضروب]، وهذه دراهم وزن سبعة، أي: موزونة. انتهى.
стр. 2192
وقوله: ألم ترني عاهدت .. إلخ. الرؤية هنا علمية، والمعاهدة: المعاقدة والمحالفة، وهي عقد القول وإحكامه على شيء، وجملة: وإنني إلى آخره، بكسر الهمزة، حال من التاء في "عاهدت" وبين رتاج: ظرف متعلق بمحذوف خبر "أن" واللام للتوكيد، وقائماً حال من فاعل متعلق الظرف، ويجوز رفعه على أنه خبر "أن"، وبين: متعلق به، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر، ومقام: معطوف على رتاج، والرتاج، بكسر الراء: الباب العظيم، والباب المغلق، وأراد به: باب الكعبة، كما أنه أراد بالمقام مقام إبراهيم الخليل، وقال المبرد في "الكامل": الرتاج: غلق الباب، أي: بفتحتين، ويقال: باب مرتج، أي: مغلق، ويقال: أرتج على فلان، أي: أغلق عليه الكلام، وقول العامة: أترج عليه، ليس بشيء، إلا أن التوزي حدثني عن أبي عبيدة قال: يقال: أرتج، ومعناه: وقع في رجة، أي: في اختلاط، وهذا معنى بعيد جداً. انتهى. وكتب ابن السيد البطليوسي في حاشيته على "الكامل" قوله: الرتاج: غلق الباب، أقول: الرتاج المغلق، ذكره صاحب "العين" وأنشد بيت الفرزدق، وقال: يعني: باب البيت، ومقام إبراهيم ﵊، ويدل على هذا قول أبي شجرة السلمي:
مثل الرتاج إذا ما لزه الغلق
فهذا يدل على أن الرتاج غير الغلق، ومم يقوي قول المبرد قول الحطيئة في وصف بعيره:
إلى عجز كالباب شد رتاجه ... ومستتلع في الكور ذو حبك سمر
والمستتلع: السنام، والحبك: طريق فيه من لون وبره.
والحلفة، بالكسر: العهد، وبالفتح، المرة الواحدة من الحلف، يقال: حلف بالله حلفاً، بكسر اللام، ويجوز تسكينها للتخفيف، وتؤنث الواحدة بالهاء، فيقال: حلفة. كذا في "المصباح". وقوله: على حلفة: حال من التاء في "عاهدت" متعلق
стр. 2193
بمحذوف تقديره: عاهدت ربي صادقاص على حلفة. والبيت من قصيدة للفرزدق ذكر فيها خروج آدم وحواء من الجنة، وإبليس، أخزاه الله، وتاب عن الهجو، وأقبل على القرآن والصلاح، ثم رجع إلى ما كان عليه. قال المبرد: قال الفرزدق هذه القصيدة في آخر عمره حين تعلق بأستار الكعبة، وعاهد الله، ، أن لا يكذب ولا يشتم مسلماً. انتهى.
وقال شارح "النقائض": كان الفرزدق حج، فعاهد الله تعالى بين الباب والمقام أن لا يهجو أحداً، وأن يقيد نفسه حتى يجمع القرآن حفظاً، وقال: "ألم ترني عاهدت ربي .. البيتين" من قصيدة، وبلغ نساء بني مجاشع فحش جرير بهن، فأتين الفرزدق مقيداً، فقلن: قبح الله قيدك، فقد هتك جرير نساءك فلحيت، شاعر قوم، فأحفظنه-أي: أغضبنه- ففض قيده، وشرع في هجو جرير وغيره بقصيدة منها:
فإن يك قيدي كان نذراً نذرته ... فما بي عن أحساب قومي من شغل
أنا الضامن الراعي عليهم وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والأربعون بعد الستمائة:
(٦٤٥) جشأت فقلت اللذ خشيت ليأتين ... وإذا أتاك فلات حين مناص
يقال: جشأت نفسه، بالجيم والشين المعجمة والهمزة، والمصدر: الجشوء، بالضم: إذا نهضت إليه، وارتفعت من فزع أو حزن، وفاعل "جشأت" ضمير النفس في بيت قبله، واللذ: بسكون الذال: لغة في الذي، ولما يحذف ياؤها ترسم
стр. 2194
بلامين، وخشيت: خطاب للنفس، صلة الذي، والعائد: ضمير نصب محذوف، والتقدير: الذي خشيته، وليأتين: بنون التوكيد الخفيفة، ولات: بمعنى ليس، اسمها محذوف، وحين مناص بالنصب: خبرها، والمناص: التأخر والفرار، والتقدير: وإذا أتاك ما تخشينه، فليس الحين حين فرار أو تأخر، فلا بد من وقوعه عليك.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد الستمائة:
(٦٤٦) ولو أن ما عالجت لين فؤادها ... فقسا استلي نبه للان الجندل
على أن الأصل: لو أن ما عالجت به، فحذف العائد المجرور على خلاف القياس، اكتفاء بالمذكور بعد استلين، فإن عائد على "ما" الموصولة أيضاً، وجملة "عالجت" صلة، ولين: مفعوله، والجيد أنت يكون مفعوله ضمير الكائح، ولين: مفعول لأجله، والصواب: لين فؤاده، بتذكير الضمير، فإنه عائد إلى الكاشح كما يأتي، وقوله: فقسا، معطوف على عالجت، بالفاء، وهو فعل ماض من القسوة وهي الشدة، وفاعله ضمير الكاشح، لا إلى الفؤاد كما توهمه الشارح. فإن قلت: المعطوف على الصلة صلة، فأين العائد الرابط؟ قلت: له جوابان، أحدهما: ما تقدم، والثاني: ما أجاب به الشارح. وهو مشهور، وهو أن الفاء العاطفة فيها معنى السببية، فتجعل الجملتين في حكم جملة واحدة، فيكتفى بضمير واحد، وهو المجرور المحذوف، كقولهم: الذي يطير فيغضب زيد، الذباب. واستلين: بالبناء للمعلوم، ونقل فتحة همزته إلى ما قبله، وفاعله ضمير المتكلم، والجملة خبر "أن" ومفعوله محذوف، وهو ضمير الجندل، وهذا من باب التنازع، فإن "أستلين" و"لان" عاملان يطلبان الجندل معمولاً، والأول يطلبه مفعولاً به،
стр. 2195
والثاني يطلبه فاعلاً، فأعمل الثاني لقربه، وأضمر للثاني، وحذف، لأنه فضلة. وقوله: للان: جواب "لو"، والمعنى: لو أن الذي عالجت به لين فؤاد الكاشح استلنت به الجندل للان، فلم يؤثر، بل قسا واشتد أكثر مما كان قبل.
وقلنا: أستلين، بالبناء للفاعل، لمناسبة "عالجت" ليكون على أسلوب واحد، وهو التكلم، وزعم الشارح أنه بالبناء للمفعول، قال: والجندل: الحجارة، مرفوع باستلين على أنه النائب عن الفاعل، وللان جواب "لو"، وفاعله ضمير يعود إلى الجندل، هذا كلامه، وتبعه من بعده، ولم يتنبه أن هذا من باب التنازع، و"ما" ترسم منفصلة عن "أن" لأنها اسم، ولو كانت حرفاً تكف عن عمل "أن"، لاتصلت بها، وفتحة همزة "أن" منقولة إلى واو لو ليتحد وزن المصراعين، ولو قرئ بسكون الواو وفتح الهمزة، لكان المصراع الأول من بحر الطويل، والثاني من بحر الكامل، وهذا غير جائز.
والبيت من قصيدة، عدتها اثنان وأربعون بيتاً للأحوص بن محمد الأنصاري، مدح بها عمر بن عبد العزيز، وهذا أولها:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... خوف العدى وبه الفؤاد موكل
هل عيشنا بك في زمانك راجع ... فلقد تفحش بعدك المتعلل
أصبحت أمنحك الصدود وإنني ... قسماً إليك مع الصدود لأميل
فصددت عنك وما صددت لبغضة ... أخشى مقالة كاشح لا يعقل
ولو أن ما عالجت لين فؤاده ... فقسا استلين به للان الجندل
ولئن صددت لأنت لولا رقبتي ... أشهى من اللائي أزور وأدخل
وتجبني بيت الحبيب أحبه ... أرضي البغيض به حديث معضل
إن الشباب وعيشنا اللذ الذي ... كنا به زمناً نسر ونجذل
стр. 2196
ولت بشاشته وأصبح ذكره ... شجناً يعل به الفؤاد وينهل
إلا تذكر ما مضى وصبابة ... منيت لقلب متيم لا يذهل
أودى الشباب وأخلقت لذاته ... وأنا الحريص على الشباب المعول
وهذه أبيات جيدة في معناها إلى الغاية.
وقوله: يا بيت عاتكة ... إلى آخره: عاتكة: هي بنت يزيد بن معاوية، وكانت مما يشبب بها من النساء، وأتعزل، بالعين المهملة: أتجنبه وأكون عنه بمعزل، وقوله: "إني لأمنحك الصدود .. البيت" قد استوفينا الكلام عليه في الشاهد التسعين من شواهد "شرح الكافية" للرضي.
وتفحش: من فحش الشيء فحشاً، مثل: قبح قبحاً وزناً ومعنى، والمتعلل: اسم مفعول من تعلل بالشيء إذا تلهى به. وقوله: أخشى مقالة كاشح: استئناف بياني، والكاشح: المضمر العداوة، وجملة: "لولا رقبتي" معترضة بين المبتدأ والخبر، والرقبة: الاحتراس.
وقوله: وعيشنا اللذ، هو صفة مشبهة بمعنى: اللذيذ، ونسر، بالبناء للمفعول، ونجذل: بالجيم والذال المعجمة، من باب فرح وزناً ومعنى، والشجن، بفتحتين:
стр. 2197
الهم والحزن، ويعل وينهل، كلاهما بالبناء للمفعول: من العلل والنهل، بفتح الأول والثاني، والنهل: السقي الأول، والعلل: السقي الثاني، والواو للجمع مطلقاً، لا تفيد ترتيباً.
وقوله: إلا تذكر ما مضى: استئناف من قوله: ولت بشاشته، وصبابة، بالنصب، معطوف عليه، ومنيت: قدرت، وأودى: هلك، وأخلق الثوب: تقطع وبلي، والمعول: صفة الحريص، وهو اسم فاعل من أعول الرجل: إذا بكى وصرخ، وعلى متعلقة به. وترجمة الأحوص تقدمت في الإنشاد الثامن بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده:
إذا قلت قدني قال بالله حلفة ... لتغني عني ذا إنائك أجمعا
وتقدم شرحه مستوفياً الكلام في الإنشاد الثالث والأربعين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده:
فسلم على أيهم أفضل
صدره:
إذا ما لقيت بني مالك
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الخامس عشر بعد المائة.
стр. 2198
وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع والأربعون بعد الستمائة:
(٦٤٧) فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا
هذا عجز وصدره:
فإما كرام موسرون لقيتهم
على أن "ذو" الموصولة معربة في لغة طيء، وإعرابها كإعراب الأسماء الستة بالحروف، فذو مجرورة هنا بالياء. قال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: ذو على وجهين بمعنى: صاحب، فيستعمل بالواو والألف والياء، وبمعنى الذي، والأعرف البناء، كقوله:
فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا
وحكى ابن درستويه في "الإرشاد" وابن جني في "المحتسب" أن بعض طيء يقول: جاءني ذو قام، ورأيت ذا قام، ومررت بذي قام، وزعم ابن الضايع أنها إنما تعرب في حالة الجر كهذا البيت، فإنه روي بالوجهين، ولم يطلع المرزوقي على هذه اللغة الثانية، فزعم أن "ذي" في البيت بمعنى: صاحب، كقولك: هذا ذو زيد، أي: صاحب هذا الاسم، وليس بشيء، لأن المشهور في البيت "ذو" بالواو، وذلك لا يجوز في التي بمعنى صاحب، واستلزامه جر "عند" بالإضافة، ولا تدخل التي بمعنى صاحب إلا على اسم مخصوص، أو تسلم في قولهم: اذهب
стр. 2199
بذي تسلم، ولم يسمع خفض عند بغير من، وهذا البيت لمنظور بن سحيم الفقعسي، وقبله:
ولست بهاج في القرى أهل منزل ... على زادهم أبكي وأبكي البواكيا
فإما كرام موسرون لقيتهم ... فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا
وإما كرام معسرون عذرتهم ... وإما لئام فادخرت حيائيا
وعرضي أبقى ما ادخرت ذخيرة ... وبطني أطويه كطي ردائيا
ومعنى هذا الشعر التمدح بالقناعة، والكف عن أعراض الناس، يقول: الناس ثلاثة أنواع: موسرون كرام، فأكتفي منهم بمقدار كفايتي، ومعسرون كرام، فأعذرهم، وموسرون لئام، فأكف عن ذمهم حياء. وقوله: في القرى، بكسر القاف: طعام الضيف، وفي للسببية، وقوله: على زادهم .. إلى آخره؛ صورته الإثبات، ومعناه النفي، لأنه تفسير لخبر ليس، وإن قدر خبراً ثانياً، فلا إشكال، وذكر البكاء تمثيل، والمعنى أنه لا يأسف لما يرى من الحرمان أسف من يبكي ويبكي غيره.
وقوله: فإما، هو بكسر الهمزة، كذا ثبت في نسخ "الحماسة" وغيرها، وعليه شرح التبريزي، إلا أنه قدرها كلمتين: إن الشرطية، وما الزائدة، وقدر الاسم معمولاً لفعل محذوف بعدها مبني للمفعول، أي: فإما يقصد كرام، كما قدروا في قوله:
لا تجزعي إن منفس أهلكته
والصواب: أنها إما التي في قولك: جاءني إما زيد وإما عمرو، وإن الاسم بعدها خبر لمبتدأ مقدر قبلها، أي: فالناس إما كرام، بدليل قوله. وإما لئام،
стр. 2200
بعده فعل يفسر المحذوف الذي زعمه، والجملتان من قوله: "لقيتهم، وعذرتهم": صفتان، وقوله: فحسبي .. البيت، أي: فكفاني من إعطائهم ما يكفيني لحاجتي، أي: لا أبتغي منهم زيادة على الحاجة، ولولا هذا التأويل، لفسد لاتحاد المبتدأ والخبر. إلى هنا كلام المصنف، ونقله السيوطي في شرح شواهد هذا الكتاب وقال: ووقع في "شرح الشواهد" للعيني أنه جعل إما للتفصيل، وكرام: مرفوع بمضمر، وفحسبي: جواب الشرط، وهو تخليط منه. انتهى. والذي رأيته في باب الأدب من "الحماسة":
فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا
وهي الثابتة في رواية التبريزي، قال: وذو بمعنى الذي، وعندهم: صلته، وكذا قال أمين الدين الطبرسي في "شرح الحماسة". وقوله: وعرضي أبقى، إلى آخره. قال التبريزي: "ما" في موضع الجر، كأنه قال: وعرضي أبقى شيء أدخره ذخيرة، أي: أكتسبه ذخيرة، فعلى هذا "ذخيرة" حال مؤكدة لما قبلها، كأنه قال: أبقي على عرضي، لأنه أعز الذخائر. انتهى. وهو مأخوذ من كلام ابن جني، قال في "إعراب أبيات الحماسة": ذخيرة: حال مؤكدة، وذلك أن "ادخرت" قد أغنى عن قوله ذخيرة، ولا يحسن نصبه على التمييز لانقلاب المعنى، ألا تراه يصير كأنه قال: وعرضي أبقى الأشياء ذخيرة، كقولك: هو أحسن الناس وجهاً، وليس هذا هو الغرض، ألا تراه لا يريد أن عرضه باقي الذخيرة، أي: له ذخيرة يستبقيها، وإنما أراد: أن عرضه ذخيرة باقية، فالناصب له ادخرت، وإن شئت عمل فيه "أبقى" كقولك: زيد أحسن منك قائماً. انتهى.
стр. 2201
ونسب أبو تمام هذه الأبيات في "الحماسة" إلى منظور بن سحيم الفقعسي، وكذا شراحها قالوا، وقال السيوطي: هو شاعر إسلامي، وسحيم، بمهملتين، مصغر سحم، وفقعس: ينتهي نسبه إلى أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. فنسبة المصنف البيت إلى الطائي غير جيدة، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والأربعون بعد الستمائة:
(٦٤٨) نحن اللذون صبحوا الصباحا
على أنه جاء إعراب الذين على حد إعراب الجمع المذكر السالم، فرفع بالواو. قال أبو زيد في "نوادره": قال أبو حرب الأعلم، من بني عقيل، وهو جاهلي:
نحن الذين صبحوا صباحا ... يوم النخيل غارة ملحاحاً
نحن قتلنا الملك الجحجاحا ... ولم ندع لسارح مراحا
ولا دياراً أو دما مفاحا ... نحن بنو خويلد صراحا
لا كذب اليوم ولا مزاحا
قوله: أو دماً مفاحاً "أو" في معنى واو العطف، والمفاح: المهراق، يقال: فاح دمه وأفاح، جميعاً، يفيح فيحاً ويفيح إفاحة، لم يعرف الرياشي ولا أبو حاتم: أفاح.
لا كذب اليوم ولا مراحا
стр. 2202
أي، بضم الميم، أبو حاتم: مراحا، أي: بكسرها، قال أبو زيد: أفحت دمه، ففاح يفيح فيحاناً، والجحجاح: السيد، والمراح، أي: بكسر الميم: النشاط. انتهى ما في النوادر.
وقال المصنف في "شرح أبيات ابن الناظم": صبحوا بالتشديد: أتوا في الصباح، وصباح: مصدر محذوف الزوائد، مثل: كلمته كلاماً، لا ظرف، كما في: جئتك صباحاً، لأن الظرف لا يكون مؤكداً، وروي: "الصباح" أي: الصباح الذي عرف واشتهر، فيكون مصدراً نوعياً، ولا يمتنع ظرفيته مع ما قدمناه، ويوم النخيل: يكون بدلاً، لا ظرفاً ثانياً، ولا يمنع ذلك أنه لا يبدل الكل من البعض، لأن اليوم قد يأتي اسماً للقطعة من النهار لا لجميع النهار. والنخيل، بضم النون وفتح المعجمة، وكثير يقولونه بفتحة فكسرة، وهو تحريف؛ وهو اسم موضع. انتهى. وقال السيوطي: وغارة مفعول له، أو حال، أي: مغيرين، والملحاح: الكثير الإلحاح، والصفة التي على مفعال لا تؤنث، والجحجاح: السيد، والسارح: المال السائم، والمراح، بضم الميم: صفة الإبل، والصراح، بالكسر: جمع صريح، وهو الخالص النسب. انتهى. ولقد رأيته في نسخة صحيحة مضبوطة بالاتفاق من "نوادر أبي زيد": الصراح، بضم الصاد، على أنه وصف
стр. 2203
بمعنى الصريح، وقال ابن الملا الحلبي في شرحه، وليس التشديد في صبحوا للتكثير. انتهى. وفي "عباب الصاغاني": وصبحت فلاناً، أي: أتيته صباحاً، قال بجير ابن زهير:
صبحناهم بألف من سليم ... وسبع من بني عثمان واف
والمعنى: أتيناهم بألف رجل من بني سليم. وقال السيوطي: وقيل: قائل هذا الرجز رؤبة، وقال الصغاني: قالته ليلى الأخيلية في قتل دهر الجعفي وأورده بلفظ:
قومي الذين صبحوا صباحاً ... يوم النخيل غارة ملحاحاً
دهراً فهيجنا به أنواحاً ... نحن قتلنا ... إلى آخر الرجز
وأنواح: جمع نوح، بفتح النون، والعقيلي: نسبه إلى عقيل، بالتصغير، أبي قبيلة، وهو عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والأربعون بعد الستمائة:
(٦٤٩) هم اللاؤون فكوا الغل عني
قال ابن الشجري في المجلس الرابع والسبعين من "أماليه" في بحث الموصولات: ومنهم من قول: هم اللاؤون فعلوا كذا، واللائين في الجر والنصب، قال الهذلي:
هم اللاؤون فكوا الغل عني ... بمرو الشاهجان وهم جناحي
انتهى. (وقال الشلوبين في حاشية المفصل: "اللاؤون" على ما ذكر في "الكشاف" لغة هذيل. وأنشد البيت).
стр. 2204
وكذا أورده أبو حيان في "تذكرته" وكذا أنشده الخبيصي في "التوشيح" شرح "الكافية" قال الكرماني شراح أبياته: يقال فككت الشيء: خلصته، والغل بالضم: واحد الأغلال، يقال: في رقبته غل من حديد، ومرو: اسم بلد معروف، والشاهجان: معرب الشاهان، يعني مرو الملوك، وإنما أضيف إليهم، لأنهم كانوا يسكنونها؛ يصف قوماً كانوا أطلقوه من الأسر، وأعانوه على الأمور، وجعلهم بمنزلة جناحه، وشبههم به، لأنه يحمل صاحب على التصرف، وتمكنه منه. انتهى كلامه.
وقال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": مرو: مدينة بفارس، ومرو الروذ والشاهجان، بكسر الهاء، من بلاد فارس أيضاً، والمرو بالفارسية: المرج، والشاه: الملك، وجان: النفس، فمعنى مرو الشاهجان: مرج نفس الملك، والروذ: الوادي، ومعناه: وادي المرج، لأن إضافتهم مقلوبة، أومرج الوادي على الإضافة الصحيحة. انتهى. وقوله: المرو بالفارسية: المرج، إنما لفظه بالفارسية "مرغ" بالغين المعجمة. ولعل مرو بمعناها في لغة الفرس القديمة المهجورة الاستعمال.
وقد راجعت أشعار الهذليين الذي جمعه السكري، فلم أجد فيه هذا البيت فضلاً عن تتمته، واسم قائله، والله أعلم. ولم يقف أحد على المصراع الثاني من هذا البيت، من خدمة هذا الكتاب، حتى قال ابن الملا الحلبي في شرحه: وإلى الآن لم أقف له على تتمة، فلا أدري أهو صدر بيت أم عجزه. انتهى.
стр. 2205
وأنشد بعده قول الفرزدق:
بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلت
واستوفينا الكلام عليه في الإنشاد الواحد والثمانين بعد الخمسمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخمسون بعد الستمائة:
(٦٥٠) صاف بأبطح أضحى وهو مشمول
وصدره:
شجت بذي شبم من ماء محنية
وقبله:
تجلوا عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول
ضمير تجلو المستتر: عائد على "سعاد" المذكورة في مطلع القصيدة، وتجلو: تكشف وتظهر، من جلوت العروس: إذا أبرزتها وأظهرتها، وعوارض، جمع عارض: مفعول تجلو، والعارض: ما بعد الأنياب منا لأسنان، وقيل غير هذا، وذي بمعنى: صاحب، وموصوفه محذوف، أي: عارض ثغر ذي ظلم، بفتح الظاء المعجمة: هو ماء الأسنان، وقيل: بريقها وصفاؤها وشدة بياضها، وإذا: ظرف لتجلو. ومنهل: اسم مفعول من أنهله: إذا أورده النهل: بفتحتين وهو الشرب الأول، والراح: الخمر، ومعلول، من عله يعله، بضم العين وكسرها: إذا سقاه العلل، بفتحتين وهو الشرب الثاني، والمعنى: تشبيه ريح فمها بريح الخمر الطيبة، وخص التشبيه بحال ابتسامها تنبيهاً على لطف أخلاقها، ولأنها وقت الابتسام يظهر للعين محاسن الثغر.
стр. 2206
وقوله: شجت، بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير الراح، أي: مزجت، والجملة: حال من الراح بتقدير قد، وقوله: بذي شبم، أي: بماء ذي شبم، بفتحتين، مصدر شبم الماء، من باب فرح: إذا برد، ومحنية، كمفعلة، بكسر العين: ما انعطف من الوادي وانحنى منه، والأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصا، والمشمول: الذي هبت عليه ريح الشمال، وجملة "وهو مشمول": حال من ضمير أضحى التامة، كذا قال المصنف هنا، وفي شرح القصيدة، ولا مانع من أن تكون ناقصة مع هذه الجملة الحالية، فإن قوله: بأبطح: صالح لأن يكون خبر أضحى. وقد ذكرنا ما فيه الكفاية في حاشيتنا على شرح المصنف لهذه القصيدة، وتقدم ترجمة ناظمها في الإنشاد العشرين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده:
وترمينني بالطرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكن إياك لا أقلي
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثالث عشر بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والخمسون بعد الستمائة:
(٦٥١) رجلان من مكة أخبرانا ... إنا رأينا رجلاً عريانا
على أنه روي بكسر همزة "إنا" لأنه محكي بقول محذوف تقديره: وقالا: إنا رأينا. قال أبو الفتح بن جني في "المحسب": روى مجاهد عن ابن عباس في مصحف ابن مسعود: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ويقولان ربنا) [البقرة/ ١٢٧] وفيه: (والذين اتخذوا من دونه أولياء قالوا ما نعبدهم) [الزمر/٣] وفيه: (والملائكة باسطوا أيديهم
стр. 2207
يقولون أخرجوا) [الأنعام/ ٩٣] قال أبو الفتح: وهذا دليل على صحة ما يذهب إليه أصحابنا من أن القول مراد مقدر في نحو هذها لأشياء، وأنه ليس كما يذهب إليه الكوفيون من أن الكلام محمول على معناه، دون أن يكون القول مقدراً معه، وذلك كقول الشاعر:
رجلان من ضبة أخبرانا .. إلى آخره
فهو عندنا على تقدير: قالا: إنا رأينا، وعلى قولهم لا إضمار قول هنا، لكنه لما كان "أخبرانا" في معنى: قالا لنا، صار كأنه قال: قالا لنا، فأما الأول على إضمار قالا في الحقيقة فلا، وقد رأيت إلى قراءة ابن مسعود كيف ظهر فيها ما تقدره من القول، فصار قاطعاً على أنه مراد فيما يجري مجراه، وكذلك قوله:
يدعون عنتر والرماح كأنها
في من ضم عنتر، أي: يقولون: يا عنتر، وكذلك من فتح الراء وهو يريد يا عنترة، وكذلك: (والْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُم) [الرعد/ ٢٣] أي: يقولون، وقد كثر حذف القول من الكلام جداً. انتهى.
وقال كذلك عند قوله تعالى: (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ) [الأعراف/ ٤٩]، قال: وقد اتسع عنهم حذف القول، كقول الشاعر:
رجلان من ضبة أخبرانا ... إلى آخره.
أي: قالوا: إنا رأينا، ولذلك كسر، وهذا مذهب أصحابنا في نحو هذا من إضمار القول. انتهى. ومن الكوفيين الفراء، وهو إمامهم، قال في تفسيره:
стр. 2208
وفي قراءة عبد الله: (وهذا لشركائهم) [من الأنعام/ ١٣٦] وهو كما تقول في الكلام: قال عبد الله: إن له مالاً، وإن لي مالاً، وهو يريد نفسه، وقد قال الشاعر:
رجلان من مكة أخبرانا .. إلى آخره.
ولو قال: أخبرانا أنهما رأيا، كان صواباً. وقال أيضاً عند قوله تعالى: (إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين) [ص / ٧٠] إن شئت جعلت "أنما" في موضع رفع، كأنك قلت: ما يوحى إلي إلا الإنذار، وإن شئت جعلت المعنى: ما يوحى إلي إلا لأني نبي ونذير، فإذا ألقيت اللام، كان موضع "أنما" نصباً، ويكون في هذا الموضع: ما يوحى إلي إلا أنك نذير مبين، لأن المعنى حكاية، كما تقول في الكلام: أخبروني إني مسيء، وأخبروني إنك مسيء، وهو كقوله:
رجلان من ضبة أخبرانا .. إلى آخره.
والمعنى: أخبرانا أنهما رأيا، فجاز ذلك. لأن أصله الحكاية. انتهى.
وقوله: رجلان، بكسر النون، مثنى رجل، بسكون الجيم، والأصل ضمها، قال ابن جني في "المحتسب": ومن ذلك قراءة سليمان التيمي: (قالت نملة يا أيها النمل) [النمل/ ١٨] وروي عنه أيضاً: "نملة والنمل" بضمهما، قال أبو الفتح: أما النملة، بفتح النون وضم الميم فأصل النملة، بفتح النون وسكون الميم، لأن فعلاً يخفف إلى فعل: كرجل إلى رجل. قال الشاعر:
رجلان من ضبة أخبرانا .. إلى آخره
فقائل هذا الشعر إما أن يكون له لغتان: رجل ورجل، فإما أن تكون لغته: رجل، بضم الجيم، فاضطر إلى الشعر، فأسكن الجيم. ألا تراه كيف جمع بين رجلان ورجل، ونظير نملة ونمل: سمرة وسمر. انتهى.
стр. 2209
وأورد ابن الأنباري البيت في كتاب "الأضداد" قال: ومما يجري مجرى قولهم: راكب وركب، وشارب وشرب، وصاحب وصحب. أنشد الفراء:
رجلان من ضبة أخبرانا .. إلى آخره، هذا كلامه.
وضبة: اسم قبيلة. كذا وجدت في جميع المواضع التي ذكر فيه هذا الرجز، وأراد قائله بالرجل العريان: النذير. قال أبو طالب المفضل بن سلمة في كتاب "الفاخر": إنما قالوا: النذير العريان، لأن الرجل إذا رأى الغارة قد فجئتهم، وأراد إنذار قومه تجرد من ثيابه، وأشار بها، ليعلم أن قد فجئهم أمر، ثم صار مثلاً لكل أمر يخاف مفاجأته، ومن ذلك، قول خفاف بن ندبة يصف فرساً:
نمل إذا ضفز اللجام كأنه ... رجل يلوح باليدين سليب
وقال آخر: كشخص الرجل العريان، قد فوجئ بالرغب.
ومنه قول الآخر:
رجلان من ضبة أخبرانا .. إلى آخره
وهذا الرجز لم أقف على قائله، والله أعلم.
стр. 2210
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والخمسون بعد الستمائة:
(٦٥٢) ألم تر أني يوم جو سويقة ... بكيت فنادتني هنيدة ما ليا
على أن الأصل في التعبير: مالك؛ لأنه خطاب منها له، لكنه عدل عنه، فحكى قولها بالمعنى، لأن المخاطب هو المتكلم، قيل: ويحتمل أن مرادها استفهامها عن حلال نفسها، أي: ما وقع لي حين بكيت؟ فلا يكون من قبيل ما ذكر. انتهى. ولا يخفى أن هذا التخريج لا يلائم البيت الذي بعده، وهو:
فقلت لها إن البكاء لراحة ... به يشتفي من ظن أن لا تلاقيا
فإن هذا الجواب لسؤالها: ما لك؟ لا لسؤالها عن حال نفسها، وجملة: "فقلت لها" إلى آخره، معطفة على جملة "فنادتني" فالجواب لذلك الاستفهام إنما هو قوله: إن البكاء لراحة .. إلى آخره، معطفة على جملة "فنادتني" فالجواب لذلك الاستفهام إنما هو قوله: إن البكاء لراحة .. إلى آخره، وجملة "مالك" المعبر عنه بمالي: إما تفسير للنداء، فيكون نداؤها هذا اللفظ بعينه، وإما محكي بقول محذوف، أي: فنادتني، فقالت: ما لك.
وقوله: ألم تر .. خاطب صاحبه بهذا الاستفهام، وقوله: "يوم جو سويقة" يوم من أيام العرب وهي حروبها ووقائعها والأمور العظيمة التي تقع منهم، وقد ألف أبو عبيدة معمر بن المثنى كتاباً حافلاً في أيام العرب مفصلة، وذكرها ابن عبد ربه مجملة في "العقد الفريد" وكذلك أوردها ابن رشيق في كتاب " العمدة" وجو، بفتح الجيم وتشديد الواو، وسويقة: مصغر: سوق، قال العسكري في كتاب "التصحيف": جو سويقة: موضع، وأنشد هذا البيت. وقال أبو عبيد البكري
следующие страницы →