Полный текст (2 797 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فلا عذر لهم أصلًا, ولما تخيل أنهم ربما غالطوا واعتذروا ترقى بقوله: أم كيف ينقع .. البيت, كأنه يقول: هو ظاهر لا يساعده باطن, وقال: لا يصدقه حال.
قووله: أم كيف ينقع .. الخ, أم هذه أيضًا للإضراب, وكيف للاستفهام الإنكاري, والرثمان بكسر الراء والهمز: مصدر رثمت الناقة ولدها, من باب فرح, إذا أحبته وعطفت عليه, وفي الأمثال: «لا أحب رثمان أنف وأمنع الضرغ» , يضرب لمن يظهر الشفقة ويمنع خيره, كذا في «أمثال الزمخشري» وقوله: إذا ما ضن, بالبناء للمجهول, أي: حصل الضن, وهو البخل والشح, قال ابن جني في «المحتسب»: ألحق الباء في به لما كان «تعطي» في معنى تسمح به, ألا تراه قال في آخر البيت: إذا ما ضن باللبن, فالضن: نقيض السماحة والبذل, انتهى. والهاء في «به» راجعة إلى ما, ولولا التضمين لقيل: تعطيه, و «ما» وإن كانت في اللفظ فاعل ينفع, فهي في المعنى مفعول, وهو الشيء المعطى, وهو اسم موصول واقع على الرثمان كما يأتي بيانه.
وقول المصنف: العلوق بتفح العين المهملة, إلى آخر قوله: وهذا البيت ينشد لمن يعد بالجميل .. الخ, قال الزجاجي في «أماليه الصغرى»: هذا البيت مثل يضرب لكل من يعد بلسانه كل جميل, ولا يفعل منه, لأن قلبه منطو على ضده, كأنه قيل: كيف ينفعني قولك الجميل, إذا كنت لا تفي به؟ ! وأصله أن العلوق هي الناقة التي تفقد ولدها بنحر أو موت, فيسلخ جلده ويحشى تبنًا أو حشيشًا, ويقدم إليها لترأمه, أي: لتعطف عليه ويدر لينها فينتفع به,
стр. 247
فهي تشمه بأنفها وينكره قلبها, فتعطف عليه ولا ترسل اللبن, فشبه ذاك بهذا انتهى.
وقال المبرد في «الكامل»: الناقة إذا ألقت سقبها أو نحر, فخيف انقطاع لبنها, أخذوا جلد حوار فحشوه تبنًا, ولطخوه بشيء من سلاها, ثم حشوا أنفها, فتجد لذلك كربًا, ويقال للخرقة التي تجعل في أنفها غمامة, ثم تسل تلك الخرقة من أنفها, فتجد روحًا, وترى ذلك البو تحتها, وهو جلد الحوار المحشو, فترأمه, فإن درت عليه قيل: ناقة درور, وترأمه: تشمه. ويقال في هذا المعنى: ناقة ظؤور, فينتفع بلبنها, ويقال: ناقة راثم ورؤوم, إذا كانت ترأم ولدها أبو بوها, فإن رثمته ولم تدر عليه, فتلك العلوق, ولا خير عندها, انتهى كلامه.
وقال ابن السيد البطليوسي فيما كتبه على «الكامل»: قال أبو الحسن الأخفش: يقال: للناقة إذا مات ولدها أو ذبح: سلوب, فإن عطفت على غير ولدها فرثمته, فهي رثام, وإن لم ترأمه ولم تدر عليه فهي علوق, ويقال: العلوق التي قد علقت فذهب لبنها. انتهى. وعلقت بمعنى حبلت.
وقال ابن الشجري في «أماليه»: العلوق من النوق: التي تأبى أن ترأم ولدها أو بوها, والبو جلد الحوار يحشى ثمامًا أو حشيشًا ويقدم إليها لترأمه فتدر عليه فتحلب, فهي ترأمه بأنفها وينكره قلبها, فرأمها له أن تشمه فقط, ولا ترسل لبنها, وهذا يضرب مثلًا لمن يعد بكل جميل ولا يفعل منه شيئًا.
وقوله: وقد أنشد الكسائي في مجلس الرشيد .. الخ, هذه الحكاية حكاها الزجاكي في «أماليه» قال: أخبرنا أحمد بن الحسين المعروف بابن شقير النحوي
стр. 248
وعلي بن سليمان, قالا: أخبرنا يحيى ثعلب قال: اجتمع الكسائي والأصمعي بحضرة الرشيد, وكانا ملازمين له يقيمان بإقامته, ويظعنان بظعنه, فأنشد الكسائي:
أنى جزوا عامرا سوأى بفعلهم .. إلى آخر البيتين
فقال الأصمعي: إنما هو رثمان أنف بالنصب, فقال له الكسائي: أسكت ما أنت وهذا! يجوز بالرفع والنصب والخفض, أما الرفع فعلى الرد على ما, لأنها في موضع رفم بينفع, فيصير التقدير: أم كيف ينفع رثمان أنف, والنصب بتعطي, والخفض على الرد على الهاء التي في به, قال: فسكت الأصمعي, ولم يكن له علم بالعربية, كان صاحب لغة, ولم يكن صاحب إعراب. انتهى كلام الزجاكي.
ومثله حكى ابن الشجري في المجلس السادس من أماليه, ونقل السيوطي هذه الحكاية في «الأشباه والنظائر» نم «معجم الأدباء» لياقوت الحموي, وهي: قال أبو عبد الله بن مقلة: حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى قال: اجتمع الكسائي والأصمعي عند الرشيد, وكانا يقيمان بمقامه, ويظعنان بظعنه, فقال الكسائي:
أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به .. البيت
فقال الأصمعي: «رثمان» بالرفع, فقال الكسائي: اسكت ما أنت وهذا! يجوز رثمان ورثمان ورثمان. ولم يك الأصمعي عربية, فسألت أبا العباس:
стр. 249
كيف جاز ذلك؟ فقال: إذا رفع رفع بينفع, أي: أم كيف ينفع رثمان أنف؟ وإذا نصب نصب بتعطي, وإذا جر جر برده على الهاء في به, قال: والمعنى ما ينفعني إذا وعدتني بلسانك, ثم لم تصدقه بفعلك, يقال ذلك للذي يبر ولا يكون منه تقع, كهذه الناقة التي تشم بأنفها وتمنع درتها.
وقول المصنف: ووجهه أن الرفع على الإبدال من ما, وهو المعبر عنه عند الكوفيين بالردو وهو بدل كل من كل, ويجوز رفعه أيضًا على أنه خبر لمبتدأ محذوف, أي: هو رثمان.
وقد جوز هذين الوجهين أبو علي الفارسي في «البغداديات» قال فيها: حكي لنا أن أبا العباس محمدًا وأبا العباس أحمد كانا يلقين هذا البيت, ويسألان عن وجه الإعراب فيه, ورثمان بالرفع والنصب والجر, والمعنى: وما ينفع عطفها عليه, إذا لم يدر لبنها.
وأقول: إن الرفع في رثمان يجوز فيه من وجهين, فأحدهما: أن تبدل رثمان من الموصول فتجعله إياه في المعنى, ألا ترى أن رثمان أنف هو ما تعطيه العلوق. والآخر: أن تجعله خبر مبتدأ محذوف كأنه لما قال: أم كيف ينفع ما تعطي العلوق, قيل له: وما تعطي العلوق؟ فقال: رثمان أنف, أي: هو كقوله تعالى: ﴿قل: أفأنبكئكم بشر من ذلكم النار﴾ [الحج/٧٣] أي: هي. انتهى.
وقول المصنف: والصنب بتعطي, قال أبو علي بعد ذاك: وأما نصب رثمان فعلى ثلاث جهات:
أحدها: على معنى: أم كيف ينفع ما تعطيه من رثمان, فحذف الحرف وأوصل الفعل.
стр. 250
ثانيها: أن يكون من باب (صنع الله) و (وعد الله) , كأنه لما قيل: تعطي العلوق, دل على ترأم, لأن إعطاءها رثمان, فنصبه على هذا الحد لما دل عليه تعطي.
ثالثها: أن ينتصب على الحال, مثل: جاء ركضًا, على قياس إجازة أبي العباس في هذا الباب, ويجعل تعطي بمنزلة تعطف, كأنه قيل: أم كيف ينفع ما تعطف به العلوق رثمان, أي: كيف ينفع تعطفها راثمة مع منعها لبنها! فهذه ثلاثة أوجه في النصب. انتهى كلامه.
وأشار في الوجه الثالث إلى أن ما مصدرية, وعليه يكون ضمير به عائدًا على البو المفهوم من المقام, وإذا ضم هذه الثلاثة إلىما قاله الكسائي وثعلب وابن الشجري والمصنف, وهو نصب رثمان بتعطي, يصير وجوه النصب أربعة.
ولم يذكر أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي الأخفش في كتاب «المعاياة» إلا النصب بتعطي, قال: نصب الرثمان وذلك أن الناقة تعطف على غير ولدها فترأمه, ولا تدر عليه وتمنعه اللبن, فقال: كيف ينفعه رثمان أنف إذا ما ضن عليه باللبن, والرثمان: مصدر, والعلوق: التي تعلق غير ولدها.
انتهى كلامه. ونصب رثمان بتعطي هو الوجه الظاهر من وجوه النصب.
وقول المصنف: وصوب ابن الشجري إنكار الأصمعي .. الخ, وهذه عبارة ابن الشجري: وقوله: ما تعطي العلوق به رثمان أنف, ما: خبرية بمعنى الذي,
стр. 251
وهي واقعة على البو, وانتصاب الرثمان, هو الوجه الذي يصح به المعنى والإعراب, وإنكار الأصمعي لرفعه إنكار في موضعه, لأن رثمان العلوق للبو بأنفها هو عطيتها, ليس لها عطية غيره, فإذا أنت رفعته لم يبق لها عطية في البيت لفظًا ولا تقديرًا, ورفعه على البدل من «ما» لأنها فاعل ينفع, وهو بدل الاشتمال, ويحتاج إلى تقدير ضمير يعود منه على المبدل منه, كأنك قلت: رثمان أنفها إياه, وتقدير مثل هذا الضمير قد ورد في كلام العرب, ولكن في رفعه ما ذكرت لك من إخلاه تعطي من مفعول في اللفظ والتقدير, وجر رثمان على البدل أقرب إلى الصحيح قليلا, وإعطاء الكلام حقه من المعنى والإعراب إنما هو نصب الرثمان. ولنحاة الكوفيين في أكثر كلامهم تهاويل فارغة من حقيقة. انتهى كلامه.
أقول: لو حمل «ما» على الرثمان لم يرد شيء من هذا, ولقد أجاد الدماميني في الاعتراض على ابن الشجري بقوله: ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الضمير من به عائدًا على «ما» لا على البو؟ وبه يتعلق بتعطي على أنه مضمن معنى تجود, فلا يكون تعطي مخلى من مفعول مع رفع رثمان, ثم قال الدماميني: وما استند إليه ابن الشجري في إنكار الرفع قد يلتزم ولا محذور فيه, لأن الفعل المتعدي قد يكون الغرض من ذكره إثباته لفاعله أو نفيه عنه فقط, فينزل منزلة اللازم, ولا يقدر له مفعول لأن ذلك يخل بالغرض, واعتبار هذا المعنى في البيت ممكن.
ورد عليه ابن الخبلي بأن اعتبار هذا المعنى ممكن في نفسه, وأما في البيت فلا, لأنه مخل بالغرض إذ الغرض إثبات عطية لها, لا وصفها بالإعطاء فقط. على أنا تقول: المتعدي وإن نزل منزلة اللازم لا يتحقق مضمونه إلا بمفعول في نفس
стр. 252
الأمر, فإذا لم يكن لها عطية إلا الرثمان, وقد صار معطى به لإبداله من ما أو ضميرها, لم يتحقق الإعطاء فضلًا عن أن ينزل فعله منزلة اللازم, إلا أن يقال: هو ممكن إذا فرض مفعول تعطي اللبن لتحقق سبب إعطائها إياه, وإن لم تعتبر هي ذلك السبب حتى ضنت بهو كم توفرت لديه دواعي الكرم فلم يلتفت إليها وبقي على بخله, فلما ضنت به ظهر أن عطيتها لم تكن في الحقيقة إلا الرثمان. انتهى. وهذا كله ناش من حمل «ما» على البومع أنه غير مذكور في الكلام, ولهذا لم يحمل عليه أحد من المتقدمين الذين جعل الله تعالى أفكارهم صائبة وأذهانهم ثاقبة.
وأغرب من هذا قول ابن الحنبلي أيضًا: مفعول يعطي رثمان آخر مقدر, إن رفع المذكور بالبدلية من ما الواقعة على البو, ويكون المعنى: أم كيف ينفع بو تعطي العلوق بسببه الرثمان رثمانه. وتكلفه ظاهر.
وما أحسن صنيع ابن جني في دعوى التضمي في تعطي بتجود, فإنه سالم من هذا ومن دعوى حذف المفعول الأول وهو البسو, كما قدره الدماميني, وإليه ذهب السيد قال في حاشية «المطول»: رثمان يروى مرفوعًا بدلًا من ما, ومجرورًا بدلًا من الضمير في به, ومنصوبًا على أنه مفعول تعطي, وعلى الأولين ضمن تعطي معنى تسمح, انتهى.
وقال الفتاوي أيضًا في حاشية «المطول»: وفيما ذكره ابن الشجري نظر, لجواز أن يقال من طرف الكسائي: إن الباء في «به» زائدة في المفعول, والتقدير: ما تعطيه العلوق, أو يضمن تعطي معنى تجود, فحينئذ يكون العطية نفس الرثمان كما في صورة النصب, أو يقال: نزل تعطي منزلة اللازم, انتهى. وقول ابن الشجري: وهو بدل الاشتمال, ويحتاج إلى تقدير ضمير, أقول: إذا جر على البدلية من الهاء يكون أيضًا محتاج إلى الضمير, قال الشمني:
стр. 253
الضمير المجرور عائد إلى ما, فما يحتاج إليه الرئمان من الربط على تقدير الإبدال من ما, يحتاج إليه على تقدير الإبدال من الضمير, انتهى. وقول الدماميني: لا يتعين بدل الاشتمال, بل هو بدل كل, فلا يحتاج إلى ضمير: لا يصح, لأن ما عند ابن الشجري عبارة عن البو وإنما يصح على جعل ما واقعة على الرئمان.
ووجه كون الجر أقرب إلى الصواب عند ابن الشجري أنه لصيرورة الرئمان الذي هو عطيتها معمولًا لتعطي بواسطة إبداله من الضمير الذي هو معموله بواسطة حرف الجر, قاله الشمني. وقيل: لأنه غير محتاج إلى تقدير محذوف بخلاف الرفع, فإنه عنده يفتقر إلى تقدير الرابط, قال الدمامينيو وفيه أنه لابد منه كما ذكرنا.
وقول ابن الشجري: وإعطاء الكلام حقه من المعنى والإعراب إنما هو نصب الرئمان, أما حق الإعراب فلأن تعطي لا يبقى بلا مفعول, وأما حق المعنى فلتحقق العطية.
ولقد تحامل ابن وحيي في قوله: وعلى تقدير التسليم لهذا الكلام لا يستحق الكسائي الرد عليه برفعه رئمان, وهو ظاهر, بل هو أقرب معنى عند من له فوق سليم, ثم انتصاب رئمان على أنه مفعول لتعطي بعيد عن الصواب وإن ذهبوا إليه, والأقرب أن يكون بدلًا من محل الضمير المجرور لكونه مفعولًا لتعطي فمآل كونه بدلًا من ما ومن الضمير المجرور ومن محله المنصوب واحد, وأما إذا كان مفعولًا لتعطي يلزم أن لا يكون فاعلًا للنفع, فيفوت المقصود من الكلام, لأنه سبق لعدم نفع رئمان أنف من الموصول, يكون تقدير الكلام: أم كيف ينفع الشيء الذي تعطيه العلوق البو, وهو رثمان أنف؟ فتحقق العطية, وهو رئمان أنف, وهو الذي سلب عنه النفع في ضمن الاستفهام, ثم زبدت الباء
стр. 254
في المفعول الثاني لتعطي, وقدر المفعول الأول وهو البو بقرينة العاوق. هذا برمته كلامه. وقول المصنف: وزعم أن من متعلقة بكلمة البدل م حذوفة, هذا قول ابن الشجري وهذه عبارته, ومن الحسن: متعلقة مجال محذوفة, والتقدير: كيف يجزونني السوأى بدلًا من الجسن, ومثله في التنزيل ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾ [التوبة/٣٨] , أي: بدلًا من الآخرة, وقول المصنف: والضمير في «بفعلهم» لعامر, لأن المراد به القبيلة, تبع فيه ابن الشجري, وكان الأولى – كما قال الدماميني – الحي, لأن عامرًا في البيت مصروف, ولو أراد القبيلة لمنعه من الصرف.
وأقنون: شاعر جاهلي, يروى بضم الهمزة وفتحها وسكون الفاء ونونين, قال أبو عمرو الشيباني: أفنون: لقب له لقوله من قطعة:
منتنا الود يا مضنون مضنونا ... أيامنا إن للشبان أفنونا
واسمه كما قال أبو عمرو في «أشعار تغلب» وابن الأنباري في شرح «المفضليات» وابن دريد في «المجتبى» وابن قتيبة في كتاب «الشعراء»: صريم بن معشر بن ذهل بن تيم بن مالك بن حبيب, وتقدم رفع نسب حبيب. وقالوا: كان من خبره أنه لقي كاهنًا فسأله عن موته فقال: تموت بمكان اسمه إلاهة – بكسر الهمزة – فمكث ما شاء الله تعالى, ثم سار إلى الشام في تجارة ثم رجع في ركب من بني تغلب, فضاوا الطريق, فلقوا إنسانًا فاستخبروه,
стр. 255
فنعت لهم, وقال في نعته: إذا رأيتم إلاهة, حيي لكم الطرق - وإلاهة قارة - فلما أتوها نزل أصحابه وقالوا له: انزل, فقال أفنون: لا والله لا أنزل! فجعلت ناقته ترتعي عرفجًا فلدغتها أفعى في مشفرها, فاحتكت باقة والحية متعلقة بمشفرها, فلدغته في ساقه, فقال لأخ معه: احفر لي قبرًا فإني ميت! ثم رفع صوته بأبيات منها:
لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا
كفى حزنًا أن يرحل الحي غدوة ... وأصبح في أعلى إلاهة ثاويا
وقال الآمدي في «المؤتلف والمختلف»: ظالم بن معشر, وهو أفنون التغلبي من شعراء بني تغلب المشهوري, وهو القائل:
لعمرك ما يدري الفتى كيف يتقي .. البيتين
وأنشد بعده, وهو الانشاد السابع والخمسون:
(٥٧) ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي
стр. 256
نقل هذه الحكاية ياقوت الحموي في ترجمة أبي العباس أحمد بن يحيى بن سيار الشهير بثعلب إمام الكوفيين من كتابه «معجم الأدباء» قال: قرأت بخط ابن أبي سالم الحسن بن علي قال: نقلت من خط الحسن بن علي بن مقلة, قال أبو العباس أحمد بن يحيى: ابتدأت النظر في العربية والشعر واللغة في سنة ست عشرة, ومولدي في سنة مائتين في السنة الثانية من خلاف المأمون, وحذفت العربية, وحفظت كتب الفن كلها حتى لم ييذ عني حرف منها, ولي خمس وعشرون سنة, وكنت أعنى بالنحو أكثر من عنايتي بغيره, فلما أتقنته أكببت على الشعر والمعاني والغريب, ولزمت أبا عبد الله ابن الأعرابي بضع عشرة سنة, إلى أن قال: وقال أبو العباس: كنت أسير إلى الرياشي لأسمع عنه, وكان تقي العلم, فقال لي يومًا وقد فرئ عليه:
ما تنقم الحرب العوان مني .. الأبيات الثلاثة
كيف تقول: بازل أو بازل أو بازل؟ فقلت: أتقول لي هذا في العربية إنما أقصدك لغير هذا! قال: يروى بازل بالرفع على الائتناف, وبازل بالخفض على الإتباع, وبازل بالنصب على الحال, فاستحيى وأمسك. انتهى.
ومنها يعلم أن المصنف نقل هذا الكلام بالمعنى, فأخل بقوله: إنما أصير إليك لهذه المقطعات والخرافات والمنقول, إنما هو قوله: إنما أقصدك لغير هذا, يعني: لأخذ شعر العرب ولغاتها وأيامها.
ومات ثعلب لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين ومائتين, في خلافة المكتفي بن المعتضد, وقد بلغ تسعين سنة وأشهرًا, كذا قال ياقوت.
والرياشي: قال السيرافي: هو أبو الفضل عباس بن الفرج مولى محمد بن
стр. 257
سليمان بن علي الهاشمي, ورياش رجل من جذام, كان أبو عباس عبدًا له, فبقي نسبه إليه, وكان عالمًا باللغة والشعر, كثير الرواية عن الأصمعي, وروى أيضًا عن غيره, وقد أخذ عنه المبرد وابن دريد. مات سنة سبع وخمسين ومائتين بالبصرة, قتله الزنج, كذا في «تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب» للإمام السيوطي ومن خطه نقلت. وهذه الأبيات الثلاثة أوردها ابن هشام في غزوة بدر الكبرى من «السيرة» عن ابن إسحق لأبي جهل لعنه الله تعالى, قال: وأقبل أبو جهل يؤمئذ يرتجز وهو يقاتل, قال ويقول:
ما تنقم الحرب العوان مني .. الأبيات الثلاثة
وروى ابن هشام بسنده إلى ابن عباس, وعبد الله بن أبي بكر أنهما قالا: قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة: جعلت أبا جهل من شأني, فصمدت نحوه, فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أظنت قدمه بنصف ساقه, وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي, فتعلقت بجلدة من جنبي, وأجهضني القتال عنه, فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي, فلما آذنتي وضعت عليها قدمي, ثم تمطيت بها عليها حتىطرحتها. قال ابن إسحق: ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمن عثمان, ثم مر بأبي جهلو وهو عقير, معوذ بن عفراء, فضربه حتى أثبته, فتركه وبه رمق, وقاتل معوذ حتى قتل, فمر عبد الله بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يلتمس في القتلى, قال عبد الله بن مسعود: فوجدته بآخر رمق فعرفته, فوضعت رجلي على عنقه, ثم قتلت له: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال: وبماذا أخزاني, أعار على رجل قتلتموه؟ ! أخبرني لمن الدائرة اليوم؟ قلت: لله ولرسوله. قال: ثم احترزت رأسه, ثم جئت به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
стр. 258
وقوله: ما تنقم, ما: استفهامية إنكارية منصوبة المحل بتنقم, وتنقم بمعنى تكره, قال صاحب «المصباح»: نقمت عليه أمره, ونقمت منه نقمًا, من باب ضرب ونقومًا, ونقمت أنقم من باب تعب لغة: إذا عبته وكرهته أشد الكراهة لسوء فعله, وفي التنزيل: (وما تنقم منا) [الأعراف/١٢٦] على اللغة الأولى, أي: وما تطعن فينا وتقدح, انتهى. والمعنى: أي شيء تكره الحرب مني؟ أي: ما تكره مني شيئًا لما أني موف لها حقها. كذا قالوا, والجيد أن يكون من نقمت منه من باب ضرب بمعنى: انتقمت وعاقبت, والمعنى: لم تؤثر الحرب في, ولم تقدر على الانتقام مني فإني جلد كامل القوى, فهذا الكلام أليق بمن يثق بنفسه ويفتخر بكمال شجاعته.
وقيد الحرب بالعوان مبالغة بشجاعته وإظهارًا لوفور بصيرته بالحرب, فإن من حارب ابتداء, ولم يكن سبق منه مقاتلة, يكون غرًا غير متبصر بأحوال الحرب, فإذا حارب ثانيًا كان ذا دربة وبصيرة بها, فلا يهابها ويخاتل قرنه بالطعان والدفاع. والعوان: المحاربة الثانية, قال صاحب «الصحاح»: العوان من الحروب: التي قوتل فيها مرة, كأنهم جعلوا الأولى بكرًا.
وقال ابن الأثير في «النهاية»: ومنه حديث علي بن أبي طالب: بازل عامين حديث سني. والبازل من الإبل: الذي تم له ثماني سينين ودخل في التاسعة, وحينئذ يطلع نابه وتكمل قوته, ثم يقال له بعد ذلك: بازل عام وبازل عامين, يقول: أنا مستجمع الشباب مستكمل القوة. انتهى. ومعنى بازل عامين: مر عليه بعد بزوله عامان, فهو متناهي القوة.
وروى ابن دريد في «الجمهرة»: «مخلف» بدل بازل, قال: يقال للجمل بعد بزوله بعام أو عامين: مخلف, قال أبو جهل:
стр. 259
ما تنقم الحرب العوان مني ... مخلف عامين حديث سني
انتهى. وقال الأزهري في «التهذيب»: والإخلاف: أن يأتي على البعير البازل سنة بعد بزوله, فيقال: بغير مخلف ومخلف عامين, وكذلك ما زاد. انتهى. والسن: العمر, وحداثة السن: الشباب وأول العمر.
وقول المصنف: يروى البيت بالرفع على الاستئناف, يريد أنه خبر لمبتدأ محذوف, أي: أنا بازل, والجملة مستأنفة استئنافًا نحويًا واستئنافًا بيانيًا. وقوله: وبالخفض على الإتباع, أي: بإبداله من ياء المتكلم في مني, وهذا إنما يتمشى على مذهب الأخفش, بخلاف الجمهور, فإنهم يشترطون للإبدال من ضمير الحاضر بدل كل, الإحاطة والشمول, كقوله تعالى: ﴿تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا﴾ [المائدة/١١٤] وقوله: وبالنصب على الحال, أي: من ياء المتكلم أيضًا.
وهذه الوجوه تجري أيضًا في قوله: حديث سني. وكذلك تجري في مخلف بدل بازل. وإذا نون «حديث» يكون سني مضافًا للياء فاعلًا لحديث, لاعتماده على المبتدأ المقدر, ويكون حديث خبرًا بعد خبر. وقولهك لمثل هذا, أي: القتال والحراب, ولدتني أمي, يريد: لما كان مآل أمري إلى هذا فكأنها ولدته له, كقوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنا﴾ [القصص/٨] , وقال الزمخشري في «الفائق»: قال سعد بن أبي وقاص: رأيت عليًا كرم الله تعالى وجهه يوم بدر وهو يقول:
بازل عامين حديث سني ... سنحنح الليل كأني جني
لمثل هذا ولدتني أمي
وقال السيوطي: أخرج ابن عساكر في «تاريخه» من طريق مصعب بن سعد
стр. 260
عن أبيه سعد بن أبي وقاص قال: لقد رأيت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بارزًا يوم بدر, فجعل يحمحم كما يحمحم الفرس ويقول:
بازل عامين حديث سني ... سنحنح الليل كأني جني
لمثل هذا ولدتني أمي
فما رجع حتى خضب بسيفه دمًا. ففي بازل على هذه الرواية لا تجري الوجوه المذكورة, قال ابن الحنبلي: إلا أن يكون علي قال ذلك على أنه لغيره, وأن قبله:
ما تنقم الحرب العوان مني
إلا أنه تركه وحكى ما بعده كما هو, والظاهر – إن صحت الروايتان – أنه من التوارد.
ورأيت في ديوان الإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه نسق الأبيات هكذا:
قد عرف الحرب العوان أني ... بازل عامين حديث سني
سنحنح الليل كأني جني ... أستقبل الحرب لكل فن
معي سلاحي ومعي مجني ... وصارم يذهب كل ضغن
أقصي به كل عدو عني ... لمثل هذا ولدتني أمي
ونقل شارحه الفاضل المدقق حسين الميبدي عن الحافظ إسماعيل أن هذه الأبيات قالها الإمام يوم بدر.
والسنحنح, بفتح السين وفتح النونين وسكون الحاء الأولى: السهران, قال ابن الأثير في حديث علي:
стр. 261
سنحنح الليل كأني جني
أي: لا أنام الليل فأنا متيقظ أبدًا, وروي «سمعمع» أي: سريع خفيف, وهو في وصف الذئب أشهر, وإضافتها إلى الليل للملابسة والتأكيد, وقد أوضح المراد منه بقوله: كأني جني, على ما جرت عليه عادة العرب من زعمهم أن الجن إنما تسرح ليلًا, ولأنه يفترس ما يراه, ومن يراه ينخلع قلبه ويدهش من شدة الخوف.
وأورد الحسن السكري في أواخر شعر هذيل مثل هذا الرجز قال: خرجت بنو صاهلة من الليل, فأدركهم الطلب وفيهم رجل من بني ظفر يقال له كليب, فقال:
أنا كليب ومعي مجني ... بازل عامين حديث سني
أضرب رأس البطل المعن ... حتى يميطوا في الخلاء عني
لمثل هذا ولدتني أمي
وقال: المعن, بكسر الميم وفتح العين المهملة وتشديد النون: الذي يعترض للبلاء والشر والبغي, ويميطوا, يتنحوا في خلاء الأرض. انتهى. فإن كان قائل هذا جاهليًا فهو السابق, وإن كان إسلاميًا فهو متبع.
стр. 262
ورأيت في «ربيع الأبرار» للزمخشري: تزوج رجل امرأة, فلما دخل عليها أخذ يقبلها ويلاعبها, فقالت:
ليس لهذا ولدتني أمي ... والله لا تمسكني بضمي
ولا بتقبيلي ولا بشمي ... إلا بزعزاع يسلي همي
لمثل هذا ولدتني أمي
وقول المصنف: إنما أصير إليك لهذه المقطعات والخرافات, أي: لسماع هذه المقطعات وروايتها عنك, لا لأخذ وجوه إعرابها.
والمقطعات: جمع مقعطة – بصيغة اسم المفعول – من التقطيع, قال صاحب
стр. 263
«القاموس»: المقطعات من الشعر: قصاره وأراجيزه, وقال الدماميني: المقطعة: ما نقص من عشرة, ويقال لها أيضًا: المقطوع. انتهى.
وفي شرح ديباجة «الألفية» للشاطبي حكى القاضي ابن الطيب عن الفراء بسند يرفعه إليه أن العرب تسمي البيت الواحد يتيمًا, ومن ذلك الدرة اليتيمة لانفرادها, فإذا بلغ الاثنين والثلاثة فهي نتفة بضم النون, والعشرة تسمى قطعة, فإذا بلغ العشرين استحق أن يسمى قصيدًا. انتهى.
والخرافات: أراد به الأشعار والأخبار التي تكون بمنزلة ما يتفكه به من الثمار, وحملها هنا على الأباطيل وما لا أصل له غير جيد, قيل: أصل الخرافة: ما اخترف, أي: اجتني من الفواكه من الشجر, ثم جعل لما يتلهى به من الأحاديث, وقيل: خرافة: رجل من خزاعة استهوته الجن, وكان يحدث بما رأى فكذبوه وقالوا: حديث خرافة. وفي «النهاية» لابن الأثير في حديث عائشة قال لها: حدثيني, قالت: ما أحدثك حديث خرافة, خرافة: اسم رجل من عذرة استهوته الجن, فكان يحدث بما رأى: فكذبوه وقالوا: حديث خرافة, وأجروه على كل ما يكذبونه من الأحاديث, وعلى ما يستملح ويتعجب منه, ويروى عن النبيى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «خرافة حق» انتهى.
قال ابن المعالي عن عائشة قالت: حدث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة نساءه حديثًا, فقالت امرأة منهن: يا رسول الله هذا حديث خرافة, قال: «أتدرين ما خرافة؟ إن خرافة من عذرة أسرته الجن, فمكث فيهم دهرًا, ثم ردوه إلى الإنس, فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب, فقال الناس:
стр. 264
أحاديث خرافة» وعوام الناس يرون أن قول القائل: هذا خرافة, إنما معناه أنه حديث لا حقيقة له, وإنما هو مما يجري في السمر, وينتظم في الأعاجيب وطرف الأخبار, واشتقاقه من اخترف الثمرة إذا اجتناها, وهي خرفة, ولذا سمي الفصل خريفًا لاختراف الفواكه فيه, فكانت هذه الأحاديث بمنزلة ما يتفكه به من الثمار للتلهي بها, وأرى أن قولهم: خرف, إذا تغير عقله من هذا, لأنه يتكلم بما يضحك ويتعجب منه, ومن ههنا قيل: فكهت من كذا, أي: عجبت منه, وقيل للمزاح فكاهة لما فيه من المسرة والاستمتاع به. وقال الزمخشري في «ربيع الأبرار»: سمعت العرب يشددون الراء من خرافة, ويسمون الأباطيل الخراريف.
وهذه الأبيات الثلاثة تحتمل أن تكون من مشطور السريع كما قال الدماميني: وتحتمل أن تكون من الرجز المقطوع المخبون كما قاله غيره, وقد أورد المصنف هذا الرجز في الباب الثامن, وحكم أن فيه من عيوب القافية الإكفاء, وهو: اختلاف حرف الروي بما يقاربه في المخرج, والروي في الأولين نون وفي الثالث ميم, وهو أحد أقوال ثلاثة تبع فيه الزمخشري فإنه قال في «الفائق» في الموضع الذي أورده فيه: خالف بين حرفي الروي لتقارب النون والميم, وهذا يسمى الإكفاء
стр. 265
في علم القوافي. انتهى. وقد منع الدماميني هنا وهناك الإكفاء, وحكم أن الروي الياء, فتكون الرواية: حديث سني بالياء, وهذا قول آخر.
وقد حكى الأقوال الثلاثة عبد اللطيف البغدادي في شرح «نقد الشعر»: لقدامة, قال: وفي الحديث أن سعدًا قال رأيت عليًا كرم الله تعالى وجهه يوم بدر وهو يقول:
بازل عامين حديث سني ... سنحنح الليل كأني جني
لمثل هذا ولدتني أمي
فأما قول أبي جهل:
ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي
فقد روينا عن علي – كرم الله تعالى وجهه – نحوه, ففيه ثلاثة أقوال, أحدها: أن يكون إكفاء, وما قبل الياء هو الروي, والثاني: أن يكون أراد أن يطلق بالألف, فيقول: منيا وسنيا وأميا, فحذف, والثالث: أن يكون الياء حرف الروي, ويكون مقيدا, وهذا هو الأصح. انتهى كلامه.
وأبو جهل – لعنه الله تعالى – اسمه: عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب, وكان عمرو بن هشام
стр. 266
يكنى أبا الحكم, فكناه رسول الله صلى الله تعالى وسلم أبا جهل, وقتل يوم بدر على كفره كما تقدم, وكان شديد العداوة لرسول الله ﷺ .
وأنشد بعده, وهو الانشاد الثامن والخمسون:
(٥٨) أحاد أم سداس في أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتنادي
على أن «أم» فيه محتملة لأن تكون متصلة بتقدير الهمزة, ومحتملة لأن تكون منقطعة بتقدير مبتدأ بعدها, وقول المصنف: أم ست اجتمعت في واحدة, أشار إلى أن معنى قوله: سداس في أحاد, أن طول ست ليال اجتمع في ليلة واحدة, وهو قول ابن جني ومن تبعه من شراح شعر المتبني.
وأغرب أبو القاسم عبيد الله بن عبد الرحيم الأصفهاني فيما كتبه على شرح ابن جني في قوله: وإنما معنى البيت إن ذهبت به مذهب العدد, فأضفت الواحد إلى الستة, والمراد إلى الأسبوع, فتكون استطالته الليلة الواحدة كاستطالته ليالي الأسبوع, ووقف عند هذا الحد كقول بعض الرجاز:
إني إذا ما الليل كان ليلين ... ولجلج الحادي لسانين اثنين
فهذا جعل واحدة ثنيتن, وأوس بن حجر جعل الليلة ليالي, فقال:
ولقد أبيت بليلةٍ كليالي ... وكأن تحت الجنب شوك سيال
والمتنبي جعل الليلة الواحدة ليالي الأسبوع طولًا ووقف عندها. وإن ذهبت
стр. 267
مذهب الضرب ففيه معنى لطيف, لأنك إذا ضربت الواحد في الستة رجع إلى وراء, فيكون المعنى أن هذا الليل إلى الوراء فلا يتصرم آخره, كما قال الشاعر:
تطاول هذا الليل حتى كأنما ... إذا ما انقضى تثنى عليه أوائله
وقال أبو اليمن الكندي: أجود ما قيل فيه أن يكون أراد: واحدة أم ست في واحدة, على أن تكون في ظرفًا للست, فتصير سبع ليال, ولا يريد بها ضرب الحساب وخص هذا العدد لأنه أراد ليالي الدهر كله, لدوران الأسابيع فيه متتابعة إلى يوم القيامة, أي: أهذه الليلة واحدة, أم ليالي الدهر كلها جمعت في هذه الليلة الواحدة حتى طالت وامتدت إلى يوم القيامة؟ هذا كلامه.
وأبو القاسم هذا كان عصري المتنبي, وابن جني ألف كتابه هذا باسم بهاء الدولة بن بويه, قال في ديباجته: وكان بعض أكنفاء خدمته, واغدياء نعمته, التمس من عثمان بن جني استخلاص أبيات المعاني من ديوان شعر المتنبي, وتجريدها ليقرب تناولها, فأجابه إلى ما طلب, وفعل بقدر إمكانه, ثم قرأه على أحد من تصرف في جلائل الأمور وسياسة الجمهور, فوقعت منه على صواب وخطأ, فأملت فيه كتابًا ترجمته بالواضح في مشكلات شعر المتنبي. انتهى المراد منه.
وتبعه فيما قاله المبارك بن أحمد المستوفي الإربلي في كتاب «النظام» وزاده توضيحًا فقال: وست في واحدة – إذا جعلتها فيها كالشيء الظرف, ولم يرد الضرب الحاسبي – سبع, وخص هذا العدد لأنه أراد ليالي الأسبوع, وجعلها اسمًا لليالي
стр. 268
الدهر, لأن كل أسبوع بعده أسبوع آخر إلى آخر الدهر, يقول: هذه الليلة واحدة, أم ليالي الدهر كلها جمعت في هذه الواحدة حتى طالت وامتدت إلى يوم القيامة؟ ويريد بالتنادي يوم القيامة, والله تعالى سمى يوم القيامة يوم التناد, لأن النداء يكثر في ذلك اليوم, ويكون هذا كقوله:
كأن أول يوم الحشر آخره
وقال ابن جني: يريد تنادي أصحابه بما يهم به, ألا ترى إلى قوله بعده:
أفكر في معاقرة المنايا ... وقود الخيل مشرفة الهوادي
وعلى هذا استطال الليلة التي عزم فيها على الحرب شوقًا إلى ما عزم عليه. انتهى.
وإنما خص الليل بالطول دون الأيام, لأنهم يستطليلون ليالي السهر والفكر, وتتضاعف فيه الغموم والهواجس, وكذلك عند الأطباء أن الأمراض تشتد ليلًا, لأن طبعه الضم والقبض والخثورة والجمود, وبالنهاء تنفش البخارات عن البدن, وتنحل أجزاء العلل, وليس بين الشعراء وبين الأيام ت علق في أمر ما يسهر, بل يقولون: إن المحزون والمغنم ينشرح صدره ويخف ما به لمحادثة الناس وملاقاة الأشخاص, كما قال ابن الدمينة:
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني والهم بالليل جامع
وقال الطرماح:
على أن للعينين في الصبح راحة ... لرميهما طرفيهما كل مطرح
стр. 269
وقال النابغة:
طليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يتلو النجوم بآيب
وأما إذا ذكروا اليوم, فإنهم يذهبون به قصد الممدوح وطول نهاره على الأعداء, كقول الكميت:
وإذا اليوم كان كالأيام
وقال أبو تمام:
ورب يوم كأيام تركت بها ... متن القناة ومتن القرن منقصفا
قال ابن جني: واختيار الست دون غيرها من العدد, لأنها الغاية التي فرغ الله تعالى من جميع أحوال الدنيا. انتهى. ولا يخفى أن هذا لا تعلق له بقول المتنبي, فإنه إنما ذكر الليل دون اليوم. وقال ابن المستوفي: قال أبو العلاء: وحكي عن أبي الفتح أنه كان يحتج لتخصيص أبي الطيب سداس عن غيره بما هو أكثره بأن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام, يريد أن هذه الليلة طويلة كأنها الأيام الستة التي خلقت فيها السموات والأرض, إذ كان كل يوم من أيام الله سبحانه كألف سنة مما يعده بنو آدم, وهذا قول حسن ومما يجوز أن يقال في هذا المعنى. أن الحديث جاء فيه: إذا حانت القيامة, وقضى الله أن
стр. 270
تطلع الشمس من مغربها, أخر طلوعها ثلاثة أيام, فينكر الناس ذلك, ويفزعون إلى المساجد, ثم تطلع بعد ثلاث سوداء» والثلاثة الأيام التي لم تطلع فيها الشمس صارت كثلاث ليال, فهي حينئذ ست, ويقوي هذا القول: ليلتنا المنوطة بالتنادي, لأن طلوع الشمس من مغربها يتصل بالقيامة. انتهى. ولم يرض بهذا السيد المرتضى, فقال في «أماليه» بعدما ذكر كلام ابن جني: وهذا من جملة الزلل والخلل, ولا علة لقوله سداس, واختصاصه هذا العدد دون غيره من الأعداد, لأن غرضه لما طالت عليه ليلته أن يقول: أليلة هي أم ليال؟ وكل عدد متجاوز للواحد يقوم في هذا الغرض مقام صاحبه, فما سداس إلا كخماس وسباع, والتعليل بأن هذا العدد فيه فرغ من خلق الخلق مضحك, وأي تعلق لأيام خلق الخلق بما قصد إليه من الاستطالة! حتى كأن الله تعالى خلق السماء والأرض في أطول مدة تتصور, وليس الأمر على هذا, بل الأيام المضروبة لخلق السماء والأرض للمصلحة لا لغير ذلك من العلل, ولا يظن مثل هذا متأمل. وأما لفظة التناد, فلا شبهة أن المراد بها القيامة, والتنادي بقيام الأموات من قبورهم, كما قال الله تعالى: ﴿يا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد﴾ [غافر/٣٢] أي: يوم المبعث, وأي مدخل للتنادي بالرحيل في المعنى الذي قصده الشاعر من استطالة ليلته حتى قال: هي ليلة أم ست ليال؟ وإنما يليق ذلك بأن يقول: هذه الليلة الطويلة منوطة بيوم القيامة. واستدلال أبي الفتح على هذا الغرض الفاسد بقوله من بعد: أفكر في معاقرة المنايا .. البيت لا يدل على ما ظنه, لأن هذا كلام استأنفه, وقد مضى ما استطاله من ليله وعدل إلى غرض آخر. انتهى كلامه. واعترض عليه ابن المستوفي بأن قوله: هذا كلام استأنفه آخر آخره,
стр. 271
لا يصح له به الرد على أبي الفتح, لأن أبا الطيب ما استطال ليلته إلا لهذا, ولم يعدل إلى غرض آخر مما يخالف غرضه, وكل الأبيات إلى المخلص تؤدي معنى واحدًا بني عليه القصيدة, والذي يجب أن يقال: إن المتنبي استعمل من الأعداد المعدولة ما لم يجمع على استعماله, وإن كان قد حكي عنهم أن هذا العدد جاء إلى عشار, فكان ينبغي أن يقول: أحاد أم عشار في أحاد, فينتهي من هذا العدد إلى غايته, فتكون الليلة أطول عليه, فاختصاصه بداس لا معنى له دون غيره من الأعداد المعدولة, وهو قادر على أن يضع موضعه ما هو أكثر منه عددًا, وكان يؤخذ عليه في عشار ما أخذ عليه في سداس ويزيد الليلة طوالًا. هذا كلامه. وقول المصنف: ويكون تقديم الخبر, وهو أحاد .. الخ. إن قلت: لم لا يجوز أن يكون أحاد مبتدأ لتخصصه بالاستفهام؟ قلت: الغرض الإخبار به لا عنه, وقول المصنف: إذ شرط الهمزة المعادلة لأن أن يليها أحد الأمرين ..
الخ, هذا مذهب ابن الحاجب ومن حذا حذوه, وقد أخذ المصنف كلامه هذا من «أماليه» فإنه قد تكلم على هذا البيت فيها.
وقد أجاز سيبويه خلافه, قال في «الكتاب» بعد أن مثل بقوله: أزيد عندك أم عموو؟ وأزيدًا لقيت أم بشرًا؟ واعلم أنك إذا أردت هذا المعنى فتقدير الاسم أحسن, لأنك لا تسأل عن اللقاء, وإنما تسأل عن أحد الاسمين لا تدري أيهما هو, فبدأت بالاسم لأنك تقصد قصد أنيبين لك أي الاسمين في هذا الحال, وجعلت الاسم الآخر عديلًا للأول, فصار الذي لا تسأل عنه بينهما, ولو قال: ألقيت زيدًا أم عمرًا؟ كان جائزًا حسنًا, أو قلت: أعندك زيد أم عمرو؟ كان كذلك, إلى آخر ما ذكره.
وقال السيرافي: الاختيار في هذا الباب أن يكون الشيء الذي يسأل عنه هو الذي يلي الألف وأم, وما لا يسأل عنه متوسط, كقولك: أزيد عندك أم عمرو؟
стр. 272
والسؤال في زيد وعمرو, لأن السائل يلتتمس تعيين واحد منهما, ولا سؤال عن عندك, لأنه قد عرف أن أحدهما عنده, وإذا قيل: أعندك زيد أم عمرو؟ وصار الذي يلي الألف «عند» وليس بعديل عمرو الذي ولي «أم» وهو وإن كان حسنًا جائزًا لاستواء: ألقيت زيدًا, وأزيدًا لقيت؟ فليس كحسن: أزيدًا لقيت أم بشرًا. لأنه مع صحة المبنى أعدل لفظًا, وهو مما تختار العرب. انتهى.
وقول المصنف: وأظهر الوجهين الاتصال .. الخ, هذا زائد على ما في «أمالي» ابن الحاجب, وهو من تصرفه. وقوله: واعلم أن هذا البيت اشتمل على لحنات .. الخ, أخذ هذا من «درة الغواص» للحريري, قال فيها: ونسب إلى أنه وهم في أربعة مواضع في هذا البيت, أحدها: أنه أقام أحاد مقام واحد, وسداس مقام ستة. والموضع الثاني: أنه عدل بلفظة ست إلى سداس, وهو مردود عند أكثر أهل اللغة. والثالث: أنه صغر ليلة على لييلة, والمسموع في تصغير لييليلة. والرابع: أنه ناقض كلامه, لأنه كنى بتصغير الليلة عن قصرها, ثم عقب تصغيرها بأن وصفها بالامتداد إلى يوم التناد. انتهى.
وقوله: وهم, مضارعه يوهم وهمًا, مثل غلط غلطًا وزنًا ومعنى, واللحن: مصدر لحن في كلامه لحنًا من باب تقع: أخطأ في العربية. ولا يخفى أن هذا تحامل عليه, وليس كل واحد من هذه الأربعة خطأ, إلا استعمال سداس في معنى ست, ويأتي ما فيه.
وأول من أشاع الطعن فيه الصاحب بن عباد في جملة ما عده له من السقطات, وتتبع عواره من الهفوات, لا سيما والبيت مطلع القصيدة وهو مما ينبغي التأنق فيه, فقد نقل أن الأستاذ الرئيس ذكر الشعر يومًا فقال: إن أول
стр. 273
ما يحتاج فيه إلى حسن المطلع, وماذلك إلا أنه أول ما يقرع به الأسماع, فقال: ومن عيون قصائده التي تحير الأفهام وتفوت الأوهام, وتجمع من الحساب ما لا يدرك بالارتماطيقى, وبالأعداد الموضوعة للموسيقى: أحاد أم سداس في أحاد .. البيت, وهذا كلام الحكل ورطانه الزط, وما ظنك بممدوح قد تشمر للسماع من مادحه, فصك سمعه بهذه الألفاظ الملفوظة والمعاني المنبوذة! أي هزة تبقى هناك, وأي أريجية تثبت! هذا وقد خطأه في المعنى واللفظ كثير من أهل اللغة وأصحاب المعاني, حتى احتيج في الاعتذار له, والتفصي عنه إلى كلام لا يستأهله هذا البيت, ولا يتسع له هذا الباب, انتهى.
وقول المصنف: استعمال أحاد وسداس بمعنى واحدة وست, أما أحاد فقد قال ابن بري فيما كتبه على «درة الغواص»: إنه قد ورد في كلام العرب بمعنى واحد كقوله:
منت لك أن تلاقينا المنايا ... أحاد أحاد في الشهر الحلال
وأما سداس بمعنى ست فقد حكى صاحب «القاموس»: إزار سديس وسداسي: طوله ستة أذرع, فلولا أن سداس ثابت في كلامهم ما نسبوا إليه, وإن كان استعماله قليلا, على أنه ما المانع من أن يكون أحاد وسداس في البيت بمعنى واحدة واحدة, وست ست, باحتمال أن المتنبني قصد التقسيم, والمعنى الإخبار عن ليلة فراقه للأحبة بأنها منقسمة إلى واحدة واحدة, أي: أن كل
стр. 274
جزء منها بمثابة ليلة واحدة, ثم رأى أنها أطول من ذلك, فأضرب واستفهم: هل هي باعتبار الأجزاء منقسمة إلى ست ست في كل واحد واحد من أجزاء الليلة؟ هذا إن جعلت أم منقطعة, وإن كانت متصلة فالمعنى طلب التعيين لأحد هذين الأمرين, فلم يخرج العدد المعدول عن استعماله في معناه كما قاله الدماميني, ومع هذين التوجهين لا لحن ولا خطأ. وقوله: واستعمال وأكثرهم يأباها, مفهومه أن الكثير لا يأباها. قال الدماميني: ومثل هذا لا يعد لحنًا, لأنه ليس بخارج عن كلام العرب قطعًا, لوجود النقل من كثيرين أنه من كلامه, ولو كانت مخالفة الأكثرين لحنًا لزم أن يلحن كثير من العلماء الذاهبين إلى ما لم يقل به غير القليل, وهذا عن الإنصاف بمراحل. انتهى.
على أنه قد حكى الشيباني وأبو حاتم وابن السكيت سماع المعدول من واحد إلى عشرة على فعال ومفعل, ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
وقوله: وتصغير ليلة على لييلة .. الخ, هذا هو القياس, ومثله مما رآه بعض النحويين جائزًا, على أن منهم من ذهب إلى أن لييلية ليس مصغر ليلة, وإنما هو مصغر ليلاة, وعليه جمع ليالٍ, ومثل هذا لا يعد لحنًا.
وقوله: ومما قد يستشكل فيه أنه جمع بين متنافيين, هذا أيضًا ليس بشيء, لأن التصغير قد جاء للتكثير والتعظيم, قال ابن سيدة صاحب «المحكم» في شرح «ديوان المتنبي» عند الكلام على هذا البيت: وصغر الليلة تصغير التعظيم, كقول أوس بن حجر:
стр. 275
فويق جبيل شامخ الرأس لم تكن ... لتبلغه حتى تكل وتعملا
فقال: جبيل, والجبل الذي هذه حاله ليس بجبيل إنما هو جبل, وإنما وجه تصغير التعظيم أن الشيء قد يعظم في نفوسهم حتى ينتهي الغاية, فإذا انتهاها عكسوه إلى ضده لعدم الزيادة في تلك الغاية, وهذا مشهور من رأي القدمات والفلاسفة الحكماء, أن الشيء إذا انتهى انعكس إلى ضده, ولذلك جعل سيبويه الفعل الذي يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل وهي نهاية التعدي بمنزلة الفعل الذي لا يتعدى إلى مفعول, قال: لأنه لما انتهى فلم يتعد صار بمنزلة ما لا يتعدى, وهذا منه طريف جدًا. انتهى كلامه. وقد مثل ابن جني أيضًا لتصغير التعظيم بذلك البيت, واعترضه أبو القاسم الأصفهاني فقال: وأما استشهاد أبي الفتح ببيت أوس بن حجر, وهو: فويق جبيل .. فهو مختلف فيه, فبعضهم ذهب إلى أن كل شامخ له نادر يندر منه ويشخص, فهو الجبيل, ومنهم من وافق أبا الفتح, والقاطع في تصغير التعظيم قول لبيد:
وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل
وصفرة الأنامل من الموت, وليس في الدواهي أعظم منه. انتهى.
وترجمة المتنبي تقدمت في الشاهد التاسع.
وأنشد بعده, وهو الانشاد التاسع والخمسون:
(٥٩) أيا شجر الخابور ما لك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
على أنه من تجاهل العارف, وسماه السكاكي: سوق المعاوم مساق غيره,
стр. 276
وقال: لا أحب تسميته بالتجاهل لوروده في كلام الله تعالى, والتجاهل إنما يكون لنكتة كالتوبيخ هنا, وفي قولها: مالك مورقًا! توبيخ, من أورق الشجر: صار ذا ورق, قال السعد: وهي تعلم أن الشجر لم يجزع على ابن طريف, لكنها تجاهلت فاستعملت لفظ كأن الدال على الشك. وبهذا يعلم أنه ليس يجب في «كأن» أن تكون للتشبيه, بل قد تستعمل في مقام الشك في الحكم. وقال صاحب «عروس الأفراح»: الاستفهام في قولها: ما للتوبيخ, وهو تجاهل مع معرفتها أن الشجر لا يتأثر بموت من مات. ولقائل أن يقول: ليست النكتة هنا توبيخ الشجر, بل النكتة إرادة إبهام أن الحزن على المذكور من الأمور العامة حتى لا يختص بها إنسان عن شجر, فهو تجاهل, فأتى في ظاهر اللفظ بالتوبيخ لنكتة المبالغة في المدح على جهة الغلو بالوجه المستحيل, كقوله:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق
وإنما أفردت ضمير الشجر رعاية للفظه لا لمعناه, وإلا أنثت. انتهى.
والخابور هنا: نهر عظيم بأرض الجزيرة, ومخرجه من عيون في رأس عين, وينضاف إليه بعض مياه نصيبين, يسقي كورة كبيرة ذات بلدان كثيرة, وقرى منها قرقيساء, وعرابان والمجدل وما كسين وغير ذلك, ثم يصب ي الفرات عند قرقيساء. وفي شرقي دجلة بالموصل أيضًا نهر مخرجه من الجبال, يجتمع أيضًا فيسقي كورة يقال له: خابور الحسنية أيضًا, كذا في «المشترك وضعا المفترق صقعًا» لياقوت الحموي وفي «القاموس»: الخابور: نهر بين رأس عين والفرات, وآخر شرقي دجلة الموصل وواد. انتهى. وقول السيد في «شرح المفتاح» والسعد فيه,
стр. 277
وفي «المطول» إنه موضع من نواحي ديار بكر ليس بجيد, وفي كتاب «الأمكنة» للزخشري: الخابور: نهر بالشام, وهو من قول الجوهري في «الصحاح»: الخابور موضع بالشام, ولعله كذلك, لكنه ليس المناسب هنا, فإن ابن طريف الخارجي خرج بالجزيرة في سنة ثمان وسبعين ومائة, ففتك يإبراهيم ابن خازم بنصبين عامل الرشيد, وقويت شوكته حتى سير إليه الرشيد يزيد بن مزيد ابن زائدة, وهو ابن أخي معن بن زائدة الشيباني, فقال الوليد:
ستعلم يا يزيد إذا التقينا ... بشط الزاب أي فتى تكون
ثم التقوا واقتتلوا قتالًا شديدًا, فقتل الوليد, فقال بعض الشعراء:
وائل بعضهم يقتل بعضًا ... لا يقل الحديد إلا الحديد
ولما قتل الوليد صحبتهم أخته ليلى بنت طريف مستعدة عليها الدرع, فجعلت تحمل على الناس فعرفت, فقال يزيد: دعوها, وخرج إليها فضرب قطاة فرسها بالرمح, ثم قال: اغربي فقد فضحت العشيرة, فاستحيت وانصرفت, ورثته بأشعار منها القصيدة التي منها هذا البيت, كذا في «تاريخ النويري» بن طارق بن سيحان بن عمرو بن فدو كس الشيباني الشاري, أحد الشجعان الطغاة الأبطال, وكان بنصبين والخابور وتلك النواحي, وخرج في خلافة هارون الرشيد, وبغى وحشد جموعًا كثيرة, فأرسل إليه هارون جبيشًا كثيفًا مقدمه أبو خالد يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني, فجعل يخاتله وبما كره, وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد, فأغروا به الرشيد, وقالوا: إنه يراعيه لأجل الرحم وإلا فشوكة الوليد يسيرة, فوجه إليه الرشيد كتاب مغضب وقال: لو وجهت أحد الخدم لقام
стр. 278
بأكثر مما تقوم به, ولكنك مداهن متعصب, وأمير المؤمنين يقسم بالله: لئن أخرت مناجزة الوليد ليبعثن إليك من يحمل رأسك إلى أمير المؤمنين, فلقي الوليد فظهر عليه [فقتله] وذلك في سنة تسع وسبعين ومائة, عشية [أول] خميس في شهر رمضان, وهي وقعة مشهورة تضمنها التواريخ, وكان للوليد أخت تسمى القارعة, وقيل: فاطمة تجيد الشعر وتلك سبيل الخنساء في مرائيها لأخيها صخر, فرثت القارعة أخاها الوليد بقصيدة أجادت فيها, وهي قليلة الوجود لم أجد في مجاميع كتب الأدب إلا بعضها, حتى إن أبا علي القالي لم يذكر منها في «أماليه» سوى أربعة أبيات, فاتفق أني ظفرت بها كاملة, فأثبتها لغرابتها مع حسنها, وهي هذه:
تبكي بناتي رسم قبر كأنه ... على جبل فوق الجبال منيف
تضمن مجدًا عذمليا وسؤددا ... وهمة مقدام ورأي حصيف
فيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تحزن على ابن طريف
فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف
ولا الذخر إلا كل جرداء صلدم ... معاودة للكر بين صفوف
كأنك لم تشهد هناك ولم تقم ... مقاما على الأعداء غير خفيف
стр. 279
ولم تستلم يومًا لو رد كريهة ... من السرد في خضراء ذات رفيف
ولم تسمع يوم الحرب والحرب لاقح ... وسمر القنا ينهرنها بأنوف
حليف الندى ما عاش يرضى به الندى
فإن مات لا يرضى الندى بحلييف
فقدناك فقدان الشباب وليتنا ... فديناك من فتياننا بحليف
فقدناك فقدان الشباب وليتنا ... فديناك من فتياننا بألوف
وما زال حتى أزهق الموت نفسه ... شجًا لعدو أولحًا لضعيف
ألا يا لقومي للحمام وللبلا ... وللأرض همت بعده بر جوف
ألا يا لقومي للنوائب والردى ... ودهر ملح بالكرام عنيف
وللبدر من بين الكواكب قد هوى
وللشمس لما أزمعت بكسوف
ولليت كل الليث إذ يحملونه ... إلى حفرةٍ ملحودةٍ وسقيف
ألا قاتل الله الجثي حيث أضمرت ... فتى كان للمعروف غير عيوف
فإن يك أرداه يز يد بن مزيدٍ ... فرب زحوف لفها بزحوف
عليك سلام الله وقفًا فإنني ... أرى الموت وقاعًا بكل شريف
قولها: تبكي بناتي, أمر لبناتها بالبكاء عليه والرثاء, والعذملي بضم العين المهملة والميم وسكون الذال المعجمة بينهما: كل مسن قديم, والحصيف بالحاء والصاد المهملتين: وصف من حصف ككرم, إذا استحكم عقله, والجرداء بالجيم: مؤنث الأجرد, وهو الفرس القصير الشعر, وهذا لا يكون إلا في العتاق من الخيل, بخلاف البراذين فإن شعرها طويل, والصلدم بكسر الصاد المهملة والدال
стр. 280
وسكون اللام بينهما: القوي الشديد من الحافر, والأنثى صادمة, كذا في «تهذيب الأزهري» وفي «القاموس»: الصلدم كجعفر: الأسد, والصلب والشديد الحافر, وهي صلدمة, وهذا البيت يرد عليهما, فإن صلدمًا فيه صفة لجرداء, ولو كان مخصوصًا بالمذكر لقيل: صلدمة, ولما لم يؤنث بالتاء علم أنه مشترك بين المذكر والمؤنث, وقول صاحب «القاموس»: الشديد الحافر, أحسن من قول الأزهري, فإنه هنا وقع وصفًا للفرس لا للحافر, وقولهك لم تستلم, أصله: تستلثم, فحذفت الهمزة بعد اللام ضرورة, ومعناه: تلبس اللأمة – بفتح اللام وسكون الهمزة – وهي الدرع, وسميت لأمة لإحكامها وجودة حلقها, لأنها ملتئمة, والكريهة: الحرب, والسرد كما في «القاموس»: اسم جامع للدروع وسائر الحلق ونسج الدروع, وقولها: في خضراء, أي: في لأمة خضراء, والرفيف: البريق, وقولها: والحرب لاقح, أي: حبلى بالمنايا, وقولها: ينهونها بالراء المهملة, أي: يوسعنها, من أنهره إذا وسعه, تريد أن الرماح تولد الحرب المنايا بجريان الدم من الأنوف, وحليف: صاحب ملازم, والندى: الجود, وقولها يا لقومي الخ, اللام في لقومي مفتوحة: لام المستغاث, واللام في للحمام مكسورة: لام المستغاث من أجله, والحمام بالكسر: الموت, والبلاء بالفتح: الليلة, تريد يا قوم احضروا لدفع هذه الأشياء, وقولها: ألا قاتل الله الجثا: جمع جثوة, بضم الجيم فيهما, وهي التراب المجتمع, تريد به تراب القبر, قال طرفة:
ترى جثوتين من ترابٍ عليهما ... صفائح صم من صفحيح مصمد
стр. 281
والعيوف: الكاره, والزحف: الجيش يزحف إلى العدو, ووقفًا: حبسًا. ووصف ابن طريف بالشاري, وهو اسم فاعل من شرى يشري, والخوارج يقال لهم الشراة - بالضم - جمع شارٍ, كقضاة جمع قاضٍ, سموا أنفسهم بذلك لقولهم: إنا شرينا أنفسنا في طاعة الله تعالى, أي: بعناها بالجنة حين فارقنا الأئمة الجائرة, قاله ابن خلكان تبعًا للجوهري وغيره, ورده صاحب «القاموس» فإنه قال: وشري زيد: غضب ولج كاستشرى, ومنه الشراة للخوارج, لا من شربنا أنفسنا بالطاعة, ووهم الجوهري.
وأنشد بعده, وهو الانشاد الستون:
(٦٠) في كل يوم ما وكل ليلاه
قال ابن جني في باب «الاستغناء بالشيء عن الشيء» من كتاب «الخصائص»: ومن ذلك استغناؤهم بليلة عن ليلاة, وعليها جاءت ليال, وعلى أن ابن الأعرابي أنشد:
في كل يوم ما وكل ليلاه ... حتى يقول كل راء إذا راه
يا ويحه من جمل ما أشقاه
وهذا شاذ لم يسمع إلا من هذه الجهة, وقال في «المحتسب» أيضًا: فأما
стр. 282
أهال فكقولهم: ليال, واحدهما أهلاة وليلاة, وقد مر بنا تصديقا لقول سيبويه, فإن واحده في التقدير ليلاه, ما أنشده ابن الأعرابي:
في كل يوم ما وكل ليلاه ... حتى يقول من رآه إذ راه
يا ويحه من جمل ما أشقاه
انتهى. وقال الأزهري في «التهذيب»: وتصغير ليلة لييلية, أخرجوا الياء الآخرة من مخرجها في الليالي, يقول بعضهم: إنما كان أصل تأسيس بنائها ليلاة فقصرت. وقال الفراء: ليلة كانت في الأصل ليلية, ولذلك صغرت لييلية, ومثلها الكيكة للبيضة, كانت في الأصل كيكية وجمعها الكياكي. انتهىز
وقوله: إذا راه, بحذف عين الفعل وهي الهمزة.
وانشد بعده, وهو الانشاد الواحد والستون:
(٦١) دويهية تصفر منها الأنامل
صدره:
وكل أناس سوف تدخل بينهم
وتصغير دويهة للتعظيم, فإنه أراد بها الموت, ولا داهية أعظم منها, والدليل على أنه أراد بها الموت قوله: تصقر منها الأنامل «فإن صفرتها لا تكون إلا بالموت, قال الطوسي في «شرح ديوان لبيد» إذا مات الرجل أو قتل اصفرت
стр. 283
أنامله, واسودت أظافره, ولم يرتضه المحقق الرضي في «شرح الشافية» فإنه قال: قيل: يجيء التصغير للتعظيم, فيكون من باب الكناية, يكنى بالصغر عن بلوغ الغاية [في العظم] , لأن الشيء إذا جاوز حده جانس ضده, وقريب منه قول الشاعر: وكل أناس سوف تدخل بينهم .. البيت. ورد بأن تصغيرها على حسب احتقار الناس لها, وتهاونهم بها, إذ المراد بها الموت, أي: يجيئتهم ما يحتقرونه مع أنه عظيم في نفسه تصفر منه الأنامل, واستدل [أيضًا] بقوله:
فويق جبيل سامق الرأس لم تكن ... لتبلغه حتى تكل وتعملا
ورد بتجويز كون المراد دقة الجبل وإن كان طويلًا, وإذا كان كذا فهو أشد لصعوده. انتهى. ورده الجاريردي أيضًا, ووجهه بوجهين, أحدهما: أن التصغير فيه لتقليل المدة, وثانيها: أن المراد أن أصغر الأشياء قد يفسد الأمور العظائم, فحتف النفوس قد يكون بالأمر الصغير الذي لا يؤبه به. انتهى. والداهية: مصيبة الدهر, مشتقة من الدهي – بفتح الدال وسكون الهاء – وهو النكر, فإن كل أحد ينكرها ولا يقبلها, ودهاه الأمر يدهاه إذا أصابه بمكروه, ورواه
стр. 284
ابن دريد في «الجمهرة»: «خويخية تصفر منها الأنامل» وقال: الخويجية: الداهية, وهي بخائين معجمتين, مصغر الخوخة بالفتح, وهي الباب الصغير, ورواها الطوسي في البيت أيضًا عن أبي عمرو وقال: يقول: ينفتح عليهم باب يدخل عليهم منه الشر, وسوف للتحقيق والتأكيد.
والبيت من قصيدة للبيد الصحابي, ويأتي إن شاء الله تعالى أبيات من أولها في بحث «خلا وما».
ولبيد بن ربيعة العامري الصحابي: قدم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في وفد بني كلاب, فأسلم وحسن إسلامه, وسكن بالكوفة, ومات بها في سنة إحدى وأربعين من الهجرة, يقال: عاش مائة وخمسين سنة, وقيل مائة وأربعين سنة, وقيل غير ذلك, وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام, وكان قد اعزل الفتن ولم يقل بعد إسلامه شعرًا سوى بيت واحد, وهو:
ما عاتب الحر الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه القرين الصالح
وقال ابن قتيبة: إنما قال بعد إسلامه:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسبت من الإسلام سر بالا
وقد ترجمناه ترجمة مبسوطة في الشاهد الثاني والعشرين بعد المائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده, وهو الانشاد الثاني والستون:
стр. 285
(٦٢) يا ليت شعري ولا منجى من الهرم ... أم هل على العيش بعد الشيب من ندم
على أن «أم» فيه زائدة, وكذا قال في البيت أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي الأخفش في كتاب «المعاباة». وهو مطلع قصيدة لساعدة بن جؤية الهذلي رثى بها قومًا أصيبوا يوم معيط - بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح المثناة التحتية بعدها طاء مهملة - قال أبو عبيد البكري: هو ماء لمزبنة في قفا «ثافل» جبل مزينة, وكانت في معيط وقعة على هذيل, قال أبو الفتح: معيط: مفعل, من لفظ عيطاء, وكان قياسه الإعلال: معاط, إلا أنه شذ: كمريم ومزيد, ولا يحمل معيط على فعيل, لأنه مثال لم يأت. انتهى. قال السكري: ويروي:
يا للرجال ألا منجى من الهرم
وقوله: أم هل على العيش .. الخ, قال السكري: يقول: هل يندم أحد على أن لا يعيش بعد أن يشيب, يريد: هل على فوت العيش من ندم, ومثله/ «المال يزري بأقوام .. » يريد: فقد المال. انتهى. ففي كلامه إشارة إلى أن أم زائدة, وإلى أن مضافًا محذوف بعد على, وجملة: ولا منجى من الهرم,
следующие страницы →