← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

وقوله: شجت، بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير الراح، أي: مزجت، والجملة: حال من الراح بتقدير قد، وقوله: بذي شبم، أي: بماء ذي شبم، بفتحتين، مصدر شبم الماء، من باب فرح: إذا برد، ومحنية، كمفعلة، بكسر العين: ما انعطف من الوادي وانحنى منه، والأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصا، والمشمول: الذي هبت عليه ريح الشمال، وجملة "وهو مشمول": حال من ضمير أضحى التامة، كذا قال المصنف هنا، وفي شرح القصيدة، ولا مانع من أن تكون ناقصة مع هذه الجملة الحالية، فإن قوله: بأبطح: صالح لأن يكون خبر أضحى. وقد ذكرنا ما فيه الكفاية في حاشيتنا على شرح المصنف لهذه القصيدة، وتقدم ترجمة ناظمها في الإنشاد العشرين بعد الثلاثمائة. وأنشد بعده: وترمينني بالطرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكن إياك لا أقلي وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثالث عشر بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والخمسون بعد الستمائة: (٦٥١) رجلان من مكة أخبرانا ... إنا رأينا رجلاً عريانا على أنه روي بكسر همزة "إنا" لأنه محكي بقول محذوف تقديره: وقالا: إنا رأينا. قال أبو الفتح بن جني في "المحسب": روى مجاهد عن ابن عباس في مصحف ابن مسعود: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ويقولان ربنا) [البقرة/ ١٢٧] وفيه: (والذين اتخذوا من دونه أولياء قالوا ما نعبدهم) [الزمر/٣] وفيه: (والملائكة باسطوا أيديهم

стр. 2207

يقولون أخرجوا) [الأنعام/ ٩٣] قال أبو الفتح: وهذا دليل على صحة ما يذهب إليه أصحابنا من أن القول مراد مقدر في نحو هذها لأشياء، وأنه ليس كما يذهب إليه الكوفيون من أن الكلام محمول على معناه، دون أن يكون القول مقدراً معه، وذلك كقول الشاعر: رجلان من ضبة أخبرانا .. إلى آخره فهو عندنا على تقدير: قالا: إنا رأينا، وعلى قولهم لا إضمار قول هنا، لكنه لما كان "أخبرانا" في معنى: قالا لنا، صار كأنه قال: قالا لنا، فأما الأول على إضمار قالا في الحقيقة فلا، وقد رأيت إلى قراءة ابن مسعود كيف ظهر فيها ما تقدره من القول، فصار قاطعاً على أنه مراد فيما يجري مجراه، وكذلك قوله: يدعون عنتر والرماح كأنها في من ضم عنتر، أي: يقولون: يا عنتر، وكذلك من فتح الراء وهو يريد يا عنترة، وكذلك: (والْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُم) [الرعد/ ٢٣] أي: يقولون، وقد كثر حذف القول من الكلام جداً. انتهى. وقال كذلك عند قوله تعالى: (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ) [الأعراف/ ٤٩]، قال: وقد اتسع عنهم حذف القول، كقول الشاعر: رجلان من ضبة أخبرانا ... إلى آخره. أي: قالوا: إنا رأينا، ولذلك كسر، وهذا مذهب أصحابنا في نحو هذا من إضمار القول. انتهى. ومن الكوفيين الفراء، وهو إمامهم، قال في تفسيره:

стр. 2208

وفي قراءة عبد الله: (وهذا لشركائهم) [من الأنعام/ ١٣٦] وهو كما تقول في الكلام: قال عبد الله: إن له مالاً، وإن لي مالاً، وهو يريد نفسه، وقد قال الشاعر: رجلان من مكة أخبرانا .. إلى آخره. ولو قال: أخبرانا أنهما رأيا، كان صواباً. وقال أيضاً عند قوله تعالى: (إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين) [ص / ٧٠] إن شئت جعلت "أنما" في موضع رفع، كأنك قلت: ما يوحى إلي إلا الإنذار، وإن شئت جعلت المعنى: ما يوحى إلي إلا لأني نبي ونذير، فإذا ألقيت اللام، كان موضع "أنما" نصباً، ويكون في هذا الموضع: ما يوحى إلي إلا أنك نذير مبين، لأن المعنى حكاية، كما تقول في الكلام: أخبروني إني مسيء، وأخبروني إنك مسيء، وهو كقوله: رجلان من ضبة أخبرانا .. إلى آخره. والمعنى: أخبرانا أنهما رأيا، فجاز ذلك. لأن أصله الحكاية. انتهى. وقوله: رجلان، بكسر النون، مثنى رجل، بسكون الجيم، والأصل ضمها، قال ابن جني في "المحتسب": ومن ذلك قراءة سليمان التيمي: (قالت نملة يا أيها النمل) [النمل/ ١٨] وروي عنه أيضاً: "نملة والنمل" بضمهما، قال أبو الفتح: أما النملة، بفتح النون وضم الميم فأصل النملة، بفتح النون وسكون الميم، لأن فعلاً يخفف إلى فعل: كرجل إلى رجل. قال الشاعر: رجلان من ضبة أخبرانا .. إلى آخره فقائل هذا الشعر إما أن يكون له لغتان: رجل ورجل، فإما أن تكون لغته: رجل، بضم الجيم، فاضطر إلى الشعر، فأسكن الجيم. ألا تراه كيف جمع بين رجلان ورجل، ونظير نملة ونمل: سمرة وسمر. انتهى.

стр. 2209

وأورد ابن الأنباري البيت في كتاب "الأضداد" قال: ومما يجري مجرى قولهم: راكب وركب، وشارب وشرب، وصاحب وصحب. أنشد الفراء: رجلان من ضبة أخبرانا .. إلى آخره، هذا كلامه. وضبة: اسم قبيلة. كذا وجدت في جميع المواضع التي ذكر فيه هذا الرجز، وأراد قائله بالرجل العريان: النذير. قال أبو طالب المفضل بن سلمة في كتاب "الفاخر": إنما قالوا: النذير العريان، لأن الرجل إذا رأى الغارة قد فجئتهم، وأراد إنذار قومه تجرد من ثيابه، وأشار بها، ليعلم أن قد فجئهم أمر، ثم صار مثلاً لكل أمر يخاف مفاجأته، ومن ذلك، قول خفاف بن ندبة يصف فرساً: نمل إذا ضفز اللجام كأنه ... رجل يلوح باليدين سليب وقال آخر: كشخص الرجل العريان، قد فوجئ بالرغب. ومنه قول الآخر: رجلان من ضبة أخبرانا .. إلى آخره وهذا الرجز لم أقف على قائله، والله أعلم.

стр. 2210

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والخمسون بعد الستمائة: (٦٥٢) ألم تر أني يوم جو سويقة ... بكيت فنادتني هنيدة ما ليا على أن الأصل في التعبير: مالك؛ لأنه خطاب منها له، لكنه عدل عنه، فحكى قولها بالمعنى، لأن المخاطب هو المتكلم، قيل: ويحتمل أن مرادها استفهامها عن حلال نفسها، أي: ما وقع لي حين بكيت؟ فلا يكون من قبيل ما ذكر. انتهى. ولا يخفى أن هذا التخريج لا يلائم البيت الذي بعده، وهو: فقلت لها إن البكاء لراحة ... به يشتفي من ظن أن لا تلاقيا فإن هذا الجواب لسؤالها: ما لك؟ لا لسؤالها عن حال نفسها، وجملة: "فقلت لها" إلى آخره، معطفة على جملة "فنادتني" فالجواب لذلك الاستفهام إنما هو قوله: إن البكاء لراحة .. إلى آخره، معطفة على جملة "فنادتني" فالجواب لذلك الاستفهام إنما هو قوله: إن البكاء لراحة .. إلى آخره، وجملة "مالك" المعبر عنه بمالي: إما تفسير للنداء، فيكون نداؤها هذا اللفظ بعينه، وإما محكي بقول محذوف، أي: فنادتني، فقالت: ما لك. وقوله: ألم تر .. خاطب صاحبه بهذا الاستفهام، وقوله: "يوم جو سويقة" يوم من أيام العرب وهي حروبها ووقائعها والأمور العظيمة التي تقع منهم، وقد ألف أبو عبيدة معمر بن المثنى كتاباً حافلاً في أيام العرب مفصلة، وذكرها ابن عبد ربه مجملة في "العقد الفريد" وكذلك أوردها ابن رشيق في كتاب " العمدة" وجو، بفتح الجيم وتشديد الواو، وسويقة: مصغر: سوق، قال العسكري في كتاب "التصحيف": جو سويقة: موضع، وأنشد هذا البيت. وقال أبو عبيد البكري

стр. 2211

في "معجم ما استعجم": سويقة: هي قريبة من المدينة المنورة، وبها كانت منازل بني حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، ﵃، وحدثنا يموت بن المزرع عن ابن الملاح، عن أبيه، عن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم، عن موسى بن عبد الله بن حسن قال: خرجت من منازلنا بسويقة جنح ليل، وذلك قبل خروج محمد أخي، فإذا أنا بنسوة توهمت أنهن خرجن من دارنا، فأدركتني الغيرة عليهن، فاتبعتيهن؛ لإنظر أين يردن، حتى إذا كن بطرف الحي، فالتفتت إلي إحداهن وهي تقول: سويقة بعد ساكنها يباب ... لقد أمست أجد بها الخراب فقالت لهن: أمن الإنس أنتن؟ فلم يراجعنني، فخرج محمد بعد هذا، فقتل وخربت ديارنا، وبالإسناد عن إسماعيل قال: لقيني موسى بن عبد الله فقال لي: هلم حتى أريك ما صنع بنا بسويقة، فانطلقت معه، فإذا نخلها قد عضد من آخره، وديارها ومصانعها قد خربت؛ فخنقتني العبرة، فقال: إليك، فنحن والله كما قال دريد بن الصمة: تقول ألا تبكي أخاك وقد أرى ... مكان البكا لكن جبلت على الصبر ثن أنشد البكري هذا البيت الشاهد: ورواه أبو طالب في "الفاخر": "نعف سويقة" وقال: قال الأصمعي: النعف: ما ارتفع عن الوادي إلى الأرض، وليس بالغليظ، وأنشد الفرزدق: ألم تر أني يوم نعف سويقة والنعف، بفتح النون وسكون العين المهملة، وآخره فاء. وقوله: "بكيت" هو الناصب ليوم جو سويقة، فإنه يتعدى بنفسه، يقال: بكيته، وإنما بكى لأجل

стр. 2212

خرابها، وهنيدة بالتصغير، قال ابن السيد فيما كتبه على "كامل المبرد": وهنيدة هذه عمة الفرزدق بنت صعصعة بن ناجية، وهي الملقبة "ذات الخمار"؛ لقولها: من جاءت بأربعة يحل لها أن تضع عندهم خمارها كأربعتي، فلها صرمتي: أبي صعصعة، وأخي غالب، وهو أبو الفرزدق، وخالي الأكوع، وزوجي الزبرقان. انتهى. وقوله: فقلت لها إن البكاء لراحة .. إلى آخره. قد أورد المبرد هذين البيتين نظيراً لقول رجل، قال أحسبه تميمياً: لو لم يفارقني عطية لم أهن ... ولم أعط أعدائي الذي كنت أمنع شجاع إذا لاقى ورام إذا رمى ... وهاد إذا ما أظلم الليل مصدع سأبكيك حتى تنفد العين ماءها ... ويشفي مني الدمع ما أتوجع انتهى. قال أبو الوليد الوقشي فيما كتبه على "كامل المبرد": قوله: رجل أحسبه تميمياً هو حكيم بن معية، أحد بني ربيعة الجوع، يرثي أخاه عطية بن معية، ذكر ذلك أبو علي في ذيل الأمالي، وربيعة الجوع هو ربيعة بن مالك بن زيد مناة بان تميم. انتهى. وقوله: أن لا تلاقيا: "أن" مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير شأن محذوف، ولا: نافية للجنس، تلاقي: اسمها مبني معها على الفتح، والألف للإطلاق، وخبرها محذوف، تقديره: له. والبيتان مطلع قصيدة للفرزدق، أوردها محمد بن المبارك في "منتهى الطلب

стр. 2213

من أشعار العرب" وقال: هي أول قصيدة هجا بها جريراً وقومه، وقال في القصيدة التي فوقها بورقة، ومطلعها: ألا استهزأت مني هنيدة أن رأت ... أسيراً بدا في قيده حلق الحجل وقال الفرزدق لجرير، وهي من أول هجائه، وكان سبب ذلك، أن نساء بني مجاشع، لما عمهم جرير بالهجاء، بسبب البعيث، تجمعن وجئن إلى الفرزدق، وكان قد حج وعاهد الله أن لا يهجو أحداً، وأن يقيد نفسه حتى يحفظ القرآن، ففعل ذلك، وقيد نفسه، فلما شكون إليه ما نزل بهن من هجاء جرير، فض قيده، ثم قال: ألا استهزأت مني هنيدة أن رأت .. القصيدة. انتهى. وقد تقدم منا ذكر هذا قريباً عند شرح قوله: ألم ترني عاهدت ربي وإنني .. البيتين. وغالب من أنشد القصيدة اليائية قال مطلعها: ألم تر أني يوم جو سويقة ... إلا ابن السيد، فإنه قال: مطلعها ما قبل هذا البيت وهو: قفي ودعينا يا هنيدة إنني ... أرى الحي قد شام العقيق اليمانيا وتقدمت ترجمة الفرزدق في الإنشاد الثاني من أول الكتابب.

стр. 2214

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والخمسون بعد الستمائة: (٦٥٣) يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم على أن جملة: "يا عنتر" بضم الراء، وتقدير "يا عنتر" محكية بقول محذوف ومفهومه أن فيمن فتح الراء لا يكون كذلك، وليس الأمر كذلك، بل يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون منادى على لغة من ينتظر، فتكون جملة المنادى محكية أيضاً، وقدنص عليهما ابن جني في "المحتسب" قال: من ضم الراء من "عنتر" يكون بتقدير: يقولون يا عنتر، وكذلك من فتح الراء، وهو يريد يا عنترة. انتهى. والوجه الثاني: أن يكون مفعول يدعون، أي: وينادون عنترة، فيكون الترخيم في غير النداء لضرورة الشعر. والبيت من معلقة عنترة، وقال الخطيب التبريزي في شرحه: يروى عنتر، بفتح الراء، وهو مرخم عنترة، فيكون ترك ما قبل الحرف الأخير على حاله مفتوحاً، ومن روى: عنتر، بضم الراء، احتمل وجهين أحدهما: أن يكون قد جعل ما بقي اسماً على حياله، لأنه قد صار صرفاً كحرف الإعراب، والوجه الثاني: ما رواه المبرد عن بعضهم: أنه كان يسمى عنتراً؛ فعلى هذا الوجه لا يجوز إلا الضم، هكذا ذكر النحاس، ويجوز أنيكون عنتر في هذا الوجه منصوباً بيدعون. انتهى. وهكذا رأيته في شرح النحاس لهذه المعلقة، قال: أشطان: جمع

стр. 2215

شطن، وهو حبل البئر، يريد: أن الرماح في صدر هذا الفرس بمنزلة حبال البئر من الدلاء، لأن البئر إذا كانت كثيرة الحزقة، اضطربت الدلو فيها، فجعل لها حبلان لئلا تضطرب، فذانك الحبلان الشطنان، واللبان، بفتح اللام: الصدر والأدهم فرسه. انتهى. يقول: قد كانوا يدعونني في حال إصابة رماح الأعداء صدر فرسي ودخولها فيه، ثم شبهها في طولها بالحبال التي يستقى بها من الآبار، وترجمة عنترة، تقدمت في الإنشاد السابع والسبعين بعد المائتين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والخمسون بعد الستمائة: (٦٥٤) قالت له وهو بعيش ضنك ... لاتكثري لومي وخلي عنك على أن الأصل فيه قالت له: أتذكر قولك لي، إذ ألومك في الإسراف والإنفاق: لا تكثري لومي. وهذا من "درة الغواص" للحريري وهذه عبارته فيها: من أبيات المعاني، قول الراجز: قالت له وهو .. إلى آخره، ومعناه: أن هذا الرجل المخاطب كان يبذر في ماله، فإذا عذلته زوجه على إسرافه قال لها: لا تكثري لومي، وخل عنك، فلما نفد ماله، وساءت حاله، قالت له: أما تذكر قولك عند نصيحتي لك: "لا تكثري لومين، وخلي عنك"، وقصدت أن تندمه على إضاعة ماله، وتبين له فيالة رأيه. انتهى كلمه. والضنك: الضيق في كل شيء وهو للمذكر والمؤنث، لأنه مصدر وصف به.

стр. 2216

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والخمسون بعد الستمائة: (٦٥٥) فإن تزعميني كنت أجهل فيكم ... فإني شريت الحلم بعدك بالجهل لما ذكره، وهو ظاهر، قال أبو العلاء المعري في شرح "ديوان البحتري": يقولون زعمتك ظاعناً، والمعنى: زعمت أنك ظاعن، فلما حذفت "أن" وصل الفعل فعمل، وعلى ذلك قول أبي ذؤيب: "إن تزعميني كنت ... البيت" فالياء الأخيرة في "تزعميني" في موضع نصب، وقوله: "كنت أجهل فيكم" في موضع مفعول ثاني. انتهى. والبيت من شواهد سيبويه. قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه أعمل "تزعمين" فيما بعده لأنه مقدم عليه، فلا يحسن إلغاؤه، فالضمير المنصوب المتصل المفعول الأول، والجملة في موضع المفعول الثاني، وهو قوله: "كنت أجهل فيكم"، وكذلك موضع أجهل نصباً، لأنها جملة أيضاً وقعت في موضع المفرد، ويكون خبر كنت، والتقدير: فإن تزعميني كائناً جاهلاً فيكم. قال السيرافي: الزعم قول يقترن به اعتقاد، وقد يصح ذلك أو لا يصح. وشريت هنا بمعنى اشتريت، وهو من الأضداد، وقوله: فيكم، تقديره: وقت كوني فيكم واصلاً لكم، وحريصاً عليكم، وتلخيص وجه الإعراب فيه، كنت جاهلاً في وقت حبكم، أي: حبي إياكم، فحذف المضافين لفهم المعني، لما في باقي الكلام من الدليل عليه، وكذلك قوله: "بعدك" فيه حذف مضاف، والمعنى: بعد هجرك، أي: بعد هجرك إياك، فالمصدر فيهما مضاف إلى الفاعل، والمفعول محذوف، وجمع

стр. 2217

قوله: "فيكم" وهو يريد المرأة؛ لإقامة الوزن، وذكر لأنه أراد: من يداخلهما ممن كان يعرف حالهما من رجل وصبي، والجهل: الخلو من المعرفة فهو نقيض العلم. انتهى كلامه باختصار. قال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: ولا يتعين أن يكون الضمير للمرأة، وأنه جمع للتعظيم، بل يجوز أن يكون أرادها وقومها. والبيت من قصيدة لأبي ذؤيب، وتقدم شرح مطلعها، وهو: ألا زعمت أسماء أن لا أحبها .. البيت في الإنشاد الرابع والأربعين بعد الأربعمائة. قال شارح "أبيات الهذليين" الإمام المرزوقي: الأكثر: زعمت أنه كان يفعل كذا، وأن كان يفعل كذا، وقد جاء: زعمته كان يفعل، فلذا قال: تزعميني، وقال تعالى: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا) [التغابن/ ٧] وقال جل ذكره: (بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا) [الكهف/ ٤٨] ويستشهد أصحابنا بدخوله على "أن" المخففة والمثقلة، على حد ما يدخل "حسب، وظننت" عليهما أنه يتعدى [لمفعولين]. وقد استشهد سيبويه بهذا البيت أيضاً، وأراد أبو ذؤيب الاعتذار إلى المرأة لما قالت له: إنك لا تحبني، فقال: متنصلاً إليها وذاكراً الوجه الذي تداخلها منه الشك، وأخرجها إلى عتبه وسوء الظن به، يقول، إن احتججت في دعواك علي بأني كنت أستعمل الجهل في حبكم، فأقدم على الأمور المنكرة، وراكب الأهوال المردية، والآن قد كففت، وكنت أتعاطي أيضاً من اللهو الوصبا ما قد كنت اطرحتها لساعة، فذلك دلك على زوال الحب،

стр. 2218

وتعقب السلو؛ فليس استدلالك بصحيح، وما حدث لي استغناء عنك، ولا استبدلت بحبك قلاك، ولكنني تحلمت، فجميع ما ترينه وتنكرينه من العادات المستجدة نتئاج الحلم والعقل، فأما الحب فكما كان، والأيام تزيده استحكاماً. وشريت واشتريت بمعنى، وقد رويا جميعاً، وهو هنا مثل. انتهى. وفي كتاب "الأضداد" لابن الأنباري: قال قطرب: شريت بمعنى بعت؛ لغة لغاضرة، وأنشد لأبي ذؤيب: فإن تحسبيني كنت أجهل فيكم .. البيت. انتهى. وهذا هو الذي يتبادر إلى الفهم، ويكون بعدك بتقدير: بعد حبك، والله سبحانه أعلم. وترجمة أبي ذؤيب تقدمت ف الإنشاد الخامس. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والخمسون بعد الستمائة: ستعلم ليلى أي دين تداينت ... وأي غريم في التقاضي غريمها على أن الصواب في إنشاده نصب "أي" الأولى بتداينت على أنها مفعول به، ورفع "أي" الثانية بجعل جملتها معلقة على الجملة السابقة المعلقة على العمل فيها، ولا يخفى أن الأولى يجوز نصبها على المفعولية المطلقة، والأصل: أي تداين تداينت، فحذف الزائدان.

стр. 2219

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والخمسون بعد الستمائة: (٦٥٧) وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت هو من قصيدة لكثير عزة أوردناها في الإنشاد السابع والعشرين بعد الستمائة. وعزة، بفتح العين المهملة وتشديد الزاي المعجمة: اسم محبوبته، وصلة "تولت" إن قدر "عني" فهو بمعنى انصرفت وذهبت، وإن قدر "علي" فهو بمعنى استولت، وترجمته تقدمت في الإنشاد التاسع عشر. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والخمسون بعد الستمائة: (٦٥٨) وكان لي شفيعاً يوم لا ذو قرابة ... بمعنى فتيلاً عن سواد بن قارب على أن "يوماً" قد أضيف إلى الجملة الإسمية كالآية، ولا: عاملة عمل ليس، وذو شفاعة: اسمها، وبمغن خبرها، والباء تزاد في خبرها، ولا يجوز أن تكون غير عاملة، وذو شفاعة: مبتدأ، لأن الباء لا تزاد في خبر المبتدأ، وفتيلاً: مفعول مطلق، وهو الذي يكون في شق النواة، وقيل: هو ما يفتل بين الإصبعين من الوسخ، والمراد به القليل الذي لا يعبأ به، أي: إناء قليلاً حقيراً. أخرج الطبراني عن محمد بن كعب القرظي قال: بينما عمر بن الخطاب قاعداً في المسجد، إذ مر رجل في مؤخر المسجد، فقال رجل: يا أمير المؤمنين أتعرف

стр. 2220

هذا المار؟ قال: لا، قال: هو سواد بن قارب، وهو رجل من أهل اليمن له فيهم شرف وموضع، وهو الذي أتاه رئيه بظهور رسول الله ﷺ ، فقال عمر: علي به، فدعي له. قال: أنت سواد بن قارب؟ قال: نعم، قال: أنت الذي أتاك رئيك بظهور رسول الله، ﷺ ؟ قال: نعم، قال: فأنت على ما كنت عليه من كهانتك! فغضب غضباً شديداً، وقال: يا أمير المؤمنين، ما استقبلني بها أحد منذ أسلمت، فقال عمر: سبحان الله، والله ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه من كهانتك؛ أخبرني بإتيانك رئيك بظهور رسول الله ﷺ ، قال: نعم يا أمير المؤمنين: بينا أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان، إذ أتاني رئيي، فضربني برجله، وقال: قم يا سواد بن قارب، فالهم واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب، يدعوى إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ يقول: عجبت للجن وتجاسسها ... وشدها العيس بأحلاسها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما خير الجن كأنجاسها فارحل إلى الصفوة من هاشم ... وانم بعينيك إلى راسها قال: ولم أرفع بقوله رأساً، وقلت: دعني أنم فإني أمسيت ناعساً، فلما كانت الليلة الثانية، أتاني، فضربني برجله، وقال: ألم أقل لك يا سواد بن قارب قم، فافهم واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ يقول: عجبت للجن وتطلابها ... وشدها العيس بأقتابها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما صادق الجن ككذابها فارحل إلى الصفوة من هاشم ... ليس قداماها كأذنابها قال: فلم أرفع بقوله رأساً، فلما كانت الليلة الثالثة: أتاني، فضربني برجله،

стр. 2221

وقال: ألم أقل لك يا سواد بن قارب افهم واعقل، قد بعث رسول الله، ﷺ ، من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وعبادته، ثم أنشأ يقول: عجبت للجن وأخبارها ... وشدها العيس بأكوارها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمن الجن ككفارها فارحل إلى الصفوة من هاشم ... بين روابيها وأحجارها فوقع في نفسي حب الإسلام، ورغبت فيه، فلما أصبحت، شددت على راحلتي وانطلقت متوجهاً إلى مكة، فلما كنت ببعض الطريق، أخبرت أن النبي، ﷺ ، قال هاجر إلى المدينة، فأتيت المدينة، فسألت عن النبي، ﷺ ، فقيل لي: في المسجد، فأتيت إلى المسجد فعقلت ناقتي، وإذا رسول الله، ﷺ ، والناس حوله، فقلت له: اسمع مقالتي يا رسول الله، فقال أبو بكر: ادن ادن، فلم يزل بي حتى صرت بين يديه، فقال: هات فأخبرني بإتيانك رئيك، فقلت: أتاني نجي بين هدء ورقدة ... ولم يك فيما قد بلوت بكاذب ثلاث ليل قوله كل ليلة ... أتاك رسول من لؤي بن غالب فشمرت من ذيل الإزار ووسطت ... بي الذعلب الوجناء بين السباسب فأشهد أن الله لا رب غيره ... وأنك مأمون على كل غائب وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى ... وإن كان فيما جاء شيب الذوائب وكن لي شفيعاً يوم لا ذو قرابة .. البيت. قال: ففرح رسول الله، ﷺ وأصحابه بإسلامي فرحاً شديداً

стр. 2222

حتى رئي في وجوههم، قال: فوثب إليه عمر، فالتزمه، وقال: كنت أحب أن أسمع هذا منك. انتهى. وروي من طريق أخرى بزيادة ونقص، ويروى البيت الشاهد: يوم لا ذو قرابة ... سواك بمغن عن سواد بن قارب يعني: كن لي شفيعاً، يوم لا ذو شفاعة يدافع قليلاً من العذاب عني، وإنما عدل إلى الظاهر استعطافاً منه ليذكر اسمه ونسبه. والرئي، بفتح الراء وكسر الهمزة وتشديد الياء: الذي يأتي إليه من الجن، فيخبره بالأمور، والنجي، بفتح النون وكسر الجيم، مثله، وهو الذي يساره في أذنه، والهدوء: السكون، والذعلب بكسر الذات المعجمة وسكون العين المهملة: الناقة السريعة، والوجناء: الشديدة، والسباسب: جمع سبسب؛ المفازة. وسواد بن قارب: قيل: من قبيلة دوس، وقيل: من قبيلة سدوس، والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والخمسون بعد الستمائة: (٦٥٩) ثمت راح في الملبين إلى ... حيث تحجى المأزمان ومنى على أن المهدوي قال: "حيث" هنا تجردت عن الظرفية إلى الاسمية، وصارت بمعنى مكان، فالجملة بعدها صفة لها، وعلى كلام المهدوي كان حقها أن تجر بالكسر وتنون، ولا وجه لبقاء بنائها على الضم. وقد يجاب بأنها أشبهت حيث الظرفية في الافتقار إلى جملة الصفة، كقول آخر: إن حيث استقر من أنت راعيه حمى فيه عزة وأمان

стр. 2223

ولم يتعرض في شرحه لهذه المقصورة ابن هشام الخضراوي إلى ذكر "حيث" هنا. والبيت من مقصورة أبي بكر محمد بن دريد وقبله: ألية باليعملات ترتمي ... بها النجاء بين أجواز الفلا خوص كأشباح الحنايا ضمر ... يرعفن بالأمشاج من جذب البرا ثم وصفها ببيتين آخرين وقال: يحملن كل شاحب محقوقف ... من طل وتد آب الغدو والسرى ينوي التي فضلها رب العلى ... لما دحا تربتها على البنى حتى إذا قابلها استعبر لا ... يملك دمع العين من حيث جرى ثمت طاف وانثنى مستلماً ... ثمت جاء المروتين فسعى وأوجب الحج وثنى عمرة ... من بعد ما عج ولبى ودعا ثمت راح في المبين إلى ... البيت ثم بعد أبيات أخر ذكر جواب القسم، وهو: أزال حشو نثرة موضونة ... حتى أوارى بين أثناء الجثا قوله: ألية .. إلى آخره. الألية: اليمين والحلف، واليعملة، بفتح الياء والميم: الناقة القوية على العمل، والنجاء: بفتح النون والجيم: السرعة، وأجواز: جمع جوز، بفتح الجيم وآخره زاي معجمة، وجوز الشيء: وسطه: والفلا: جمع فلاة، وهي القفر. وقوله: خوص كأشباح .. إلى أخره، الخوص: جمع أخوص، وخوصاء، بالخاء المعجمة، والخوصاء: الغائرة العين من الهزال، والأشباح: الأشخاص، والحنايا: جمع حنية –فعيلة- وهي القوس، وضمر: جمع ضامر، وهو المهزول

стр. 2224

اللاحق البطن، ويرعفن: من الرعاف وهو خروج الدم من الأنف، والأمشاج: ما يسيل من أنوفها من المخاط المتغير اللون بحمرة أوصفرة، والوحد مشيج، والبرى: جمع برة، بضم أوله: حلقة تكون في أنف البعير من صفر أو حديد. وقوله: يحملن كل شاحب .. إلى آخره، الشاحب: المتغير اللون، والمحقوقف: المنحني، والتدآب: مواصلة العمل، والغدو: البكور، والسرى: سير الليل. وقوله: ينوي التي، أي: يقصد مكة، ودحا: بسط، البنى، بضم الموحدة وكسرها جمع بنية كذلك، واستعبر: بكى، وانثنى: رجع، واستلام الحجر الأسود: لمسه باليد. وقوله: وأوجب الحج .. إلى آخره، أوجب، ألزم نفسه، أي: ألزم نفسه مع الحج عمرة وقرنها به، وعج: رفع صوته بالتلبية. وقوله: ثمت راح .. إلى آخره. ثمت: مخصوصة بعطف الجمل بخلاف ثم، فإنها تعطف المفرد والجملة، وراح: سار من بعد الزوال إلى الليل، والملبين: جمع ملبي: وهو الذي يقول: لبيك اللهم بيك، وتحجى بالمكان بحاء مهملة فجيم مشددة: إذا أقام به، والمأزمان: جبلان بين المزدلفة وعرفة، ومنى: موضع رمي الجمار. وقوله: أزال حشو ... إلى آخره؛ هذا جواب القسم، و"لا" من أوله محذوفة، كقوله تعالى: (تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ) [يوسف/ ٨٥] أي: لا تفتؤ تذكر، والنثرة: الدرع السابغة، وأراد بحشوها: لابسها، كقول الآخر: ولنعم حشو الدرع كنت وصابراً

стр. 2225

والموضونة: المحكمة، وأواري: أغطي، وأثناء: جمع "ثنا" بالقصر: وهو تراكب المشي بعضه على بعض، والجثى، بضم الجيم بعدها ثاء مثلثة، جمع جثوة: وهو تراب مجموع أراد به تراب القبر، وقد شرحنا هذه المقصورة في أيام الشباب منذ ثلاثين سنة، وذكرنا ترجمة ناظمها فيه، وترجمناه أيضاً في الشاهد الثامن والسبعين بعد المائة من شواهد الرضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الستون بعد الستمائة: (٦٦٠) بآية يقدمون الخيل شعثاً هذا صدر وعجزه: كأن على سنابكها مداما على أن "آية" عند سيبويه مضاف إلى الجملة الفعلية. وهذا نصه في "الكتاب": ومما يضاف إلى الفعل أيضاً "آية" قال الأعشى: بآية يقدمون الخيل شعثاً ... البيت وقال يزيد بن عمرو بن الصعق: ألا من مبلغ عني تميماً ... بآية ما يحبون الطعاما فـ "ما" لغو. انتهى. قال السيرافي في شرحه: وأما آية فمعناها: علامة، إلى أن قال: والشاهد في

стр. 2226

قوله: تقدمون الخيل شعثاً، وأما قوله: بآية ما يحبون الطعام، فالشاهد فيه إذا جعلت "ما" لغواً، وليس بلازم جعلها لغواً، لأنه يحتمل أن يجعل "ما" و"يحبون" مصدراً، كأنه قال: بآية محبتهم الطعاما، ومثله قول عمر ابن أبي ربيعة: رآية ما قالت غداة لقيتها ... بمدفع أكنان أهذا المشهر انتهى كلامه. فالسيرافي يجوز إضافة "آية" إلى المفرد المؤول من الفعل، وحرف المصدر، بخلاف سيبويه. وقال النحاس في شرح شواهده: كان أبو إسحاق يرى أنه حكاية، وقال غيره: المراد المصدر، وقال المبرد: إضافة آية إلى الفعل بعيد، وجاز على بعد للزوم الإضافة، لأن آية لا تكاد تفرد إذا أردت بها العلامة. انتهى. ويرد على المبرد قوله تعالى: (وآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ) [يس/ ٣٧]، (وآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ) [يس/ ٤١]. وقال الأعلم في شرح شواهده: الشاهد فيه إضافة آية إلى "تقدمون" على تأويل المصدر، أي: بآية إقدامكم الخيل. يريد: أن المعنى عليه لا أن الفعل مؤول بحرف مصدري مقدر، إذ الغرض أنه مضاف إلى الجملة من دون سالك، وهذا من باب التجريد، وذلك بأن تجرد الفعل عن أحد مدلوليه وهو الزمان، فيتمحض للحدث، كما قيل في قولهم: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" على رواية الرفع، فيكون "تسمع" مبتدأ و"خير": خبره، وخرج البيضاوي عليه آيات تبعاً لصاحب "الكشاف" منها قوله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ)

стр. 2227

[البقرة/٦] فيكون: أأنذرتهم مبتدأ، وسواء خبره، ويقال له: الميل مع جانب المعنى. قال الأعلم: وجاز هذا فيها، لأنها اسم من أسماء الفعل، لأنها بمعنى علامة، والعلامة من العلم، وأسماء الأفعال تضارع الزمان، فمن حيث جاز أن يضاف الزمان إلى الفعل، جاز هذا في "آية" وكأن إضافتها على تأويل إقامتها مقام الوقت، كأنه قال: بعلامة وقت تقدمون. يقول: أبلغهم عني كذا بعلامة إقدامهم الخيل للقاء شعثاً متغيرة من السفر والجهد، وشبه ما ينصب من عرقها ممتزجاً بالدم على سنابكها بالخمر، والسنابك: جمع سنبك، وهو مقدم الحافر. انتهى. أراد: أن ذلك لما صار عادة وأمراً لازماً، صار علامة، كأن الشاعر لما حمل إنسان تبيلغ رسالته؛ قال له ذلك الإنسان: بأي علامة يعرف هؤلاء القوم؟ فقال: بعلامة تقديمهم الخيل إلى الحرب، أي: إذا رأيت قوماً بهذه الصفة، فأبلغهم رسالتي، والشعث: جمع أشعث، وهو المغبر الرأس. وقال الدماميني: ضمير تقدمون ضمير غيبة يعود على بني تميم المذكورين قبله، وهو: ألا من مبلغ عني تميماً .. إلى آخره، وهذا لا يصح، فإن كل بيت منهما من شعر آخر، وليسا من قصيدة لقائل واحد، وكل منهما منسوب إلى قائله كما في "كتاب سيبويه". قال القاضي أبو الفرج بن زكريا يحيى المافى النهرواني في كتاب "الجليس الصالح والأنيس الناصح": للآية في اللغة ثلاثة أوجه، وفي وزنها ثلاثة أقوال، أما الأول فأحد معانيها: العلامة الفاصلة، كقولك: ألا أبلغ لديك بني تميم .. البيت

стр. 2228

وثانيها: الأعجوبة، قال تعالى في مواضع من كتابه عند ذكره ما أحله من النقيمة بأعدائه: (إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ومَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ) [الشعراء/ ٨] بمعنى العجب مما حل بهم عندما كان من تكذيبهم رسل ربهم، والتعبير بالآية عن العقوبات المنكلة كثير في كلام الخاصة من أهل اللسان، كقولهم: قد جعل فلان آية: إذا حل به فظيع من المكروه. ثالثها: أنها المثلة النازلة، ألا ترى أنهم يقولون لمن نزل به شيء من هذا. أو جعل على صفة مذمومة يعير بها، ويسب ويصم بها: فلان آية منزلة. وهذه ثلاثة متقاربة، والأصل العلامة، فإذا قيل: اجعل لكذا آية، فمعناه علامة فاصلة تدل على الشيء بحضورها. وتفقد دلالتها بغيبتها، ألا ترى إلى قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ) [آل عمران/ ٤١] إلى آخر القصة، فإنما سأل ربه أن يجعل له علامة لما وعده وبشره به، فيما جانس هذا مما تضمنه كتاب الله عز ذكره. وأما الأوجه العربية، فقد اختلفوا في وزنها، فقال الكسائي: أصلها آيية على فاعلة، فكان ينبغي إدغام الياء الأولى في الثانية، فتصير كدابة وشابة، لكنهم استثقلوا التشديد، فحذفوا الأولى. وقال البصريون: أصلها أيية بالتحريك، فقلبت الأولى ألفاً، وقال الفراء: أصلها أية: بفتح الهمزة وتشديد الياء، فاستثقلوا التشديد، فأتبعوا الياء ما قبلها بالفتح، فصارت آية. هذا ملخص ما في كتاب "الجليس الصالح والأنيس الناصح". وبقي أقوال ثلاثة، أحدها: أن أصلها أيية، بضم الياء الأولى كسمرة، فقلبت العين ألفاً، ورد أنه كان يجب قلب الضمة كسرة. الخامس: أن أصلها أيية كنبقة، بكسر الياء الأولى، فقلبت ألفاً، ورد بأن ما كان كذلك يجوز فيه الفك والإدغام كيحيى وحيي. والسادس: أن أصلها أيية كقصبة كالأول. إلا أنه

стр. 2229

أعلت الثانية على القياس، فصار: أياة كحياة، ثم قدمت اللام إلى موضع العين، فصار آية ووزنها فلعة. والأعشى تقدمت ترجمته في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والستون بعد الستمائة: (٦٦١) بآية ما كانوا ضعافاً ولا عزلا على أن "آية" مضافة إلى الجملة الفعلية المنفية. قال الدماميني: يمكن أن يدعى أن ما مصدرية، ولا النافية محذوفة لدلالة ما بعدها عليها، والمعنى: بأية كونهم لا ضعافاً ولا عزلاً. انتهى. وتكلفه ظاهر لعدم تبادر الذهن إليه، وهذا عجز وصدره: ألكني إلى قومي السلام رسالة وبعده: ولا سيئي زي إذا ما تلبسوا ... إلى حاجة يوماً مخيسة بزلا وأنشدهما سيبويه في باب "الصفة المشبهة" ونسبهما إلى عمرو بن شأس قال: واعلم أن كينونة الألف واللام في الاسم الآخر أحسن وأكثر من أن لا يكون فيه الألف واللام، لأن الأول في الألف واللام، وفي غيرها ههنا على حال واحدة، وليس كالفاعل، فكان إدخالهما أحسن، كما كان ترك التنوين أكثر، وكان الألف واللام أولى، لأن معناه حسن وجهه، فكما لا يكون هذا -يعني وجهه- إلا معرفة، اختاروا في ذلك المعرفة، والأخرى عربية، كما أن التنوين عربي مطرد، ومن ذلك قوله: هو حديث عهد بالوجع، وقال عمرو بن شأس:

стр. 2230

ألكني إلى قومي السلام رسالة .. البيتين. وقال حميد الأرقط: لاحق بطن بقراً سمين انتهى. قال الأعلم: الشاهد في إضافة "سيئي" إلى "زي" وهو نكرة، وصف أنه تغرب عن قومه بني أسد، فحمل رجلاً إليهم السلام، وجعل آية كونه منهم معرفته بهم ما وصفهم به من القوة على العدو، ووفادتهم على الملوك بأحسن الزي، ومعنى ألكني: بلغ عني، وكن رسولي، وهو من الألوكة، وهي الرسالة، والعزل: الذين لا سلاح معهم، واحدهم: أعزل، ومعنى: تلبسوا: ركبوا، ويروى: "ترحلوا" والمخيسة: المذللة بالركوب، يعني: الرواحل، والبزل: المسنة، واحدها بازل، وهو جمع غريب. انتهى. وقال ابن خلف: الشاهد في تنكير "زي" وترك إدخال الألف واللام عليه، وهذا على من قال: مررت برجل حسن وجهه، ومن قال: بحسن الوجه، قال: سيئ الزي، ومن قال: الحسن الوجه، قال: بسيء الزي، ومن قال: بحسن وجهاً، قال: سيئين زياً، وصف أنه تغرب عن قومه بني أسد، فحمل رجلاً منهم السلام، وجعل آية كونه منهم معرفته بهم بما وصفهم به من القوة على العدو، ووفادتهم على الملوك بأحسن الزي. وقوله: ألكني: بلغهم رسالتي، والألوكة: الرسالة قال لبيد: وغلام أرسلته أمه ... بألوك فبذلنا ما سأل ويقال: ألوكة أيضاً، وأراد ألئكني، فخفف الهمزة، وليس قولهم: ألكني

стр. 2231

من لفظ الألوكة، وفيه قلب، ورسالة: بدل من السلام، كأنه قال: ألكني إلى قومي رسالة، والآية: العلامة، وما: جحد، والعزل: جمع أعزل، وهو الذي ليس معهم السلاح، وسيئي: منصوب معطوف على ما تقدم. وقوله: تلبسوا، يريد به لبسوا ثيابهم، وإلى حاجة: متعلق به، والمخيسة: المذلله من الإبل، والمحبوسة، ونصب مخيسة بإضمار فعل، كأنه قال: إذا ما تلبسوا وركبوا مخيسة بزلاً، ويجوز أن ينصب بـ "تلبسوا"، ويكون تقديره: إذا لبسوا يوماً مخيسة، يريد: شدوا عليها الرحال وزينوها، ويكون مثل قولهم: بينت الشيء وتبينته: إذا استبنته في معنى واحد، والبزل: جمع بازل وهو جمع غريب، وهو الذي مضت له تسع سنين، ودخل في العاشرة، والذي وقع في شعره: إلكني إلى قومي السلام ورحمة الإله فما كانوا ضعافاً ولا عزلاً ولا سيئي زي إذا ما تلبسوا ... لبعض الهوى أدما مخيسة بزلا انتهى كلام ابن خلف. وقال المصنف: ينبغي أن يكون ألكني على حذف الجار، أي: ألك عني، والزي، بالكسر: اللباس والهيئة. والشاعر هو: عمرو بن شأس، بن عبيد بن ثعلبة الأسدي، وعمرو له صحبة، وشهد القادسية، وله فيها أشعار، قال ابن الأعرابي: عمرو بن شأس الأسدي أدرك الإسلام وهو شيخ كبير، وكان له ابن يسمى عراراً –بمهملات- من أمة له سوداء، وكانت له امرأة تعير عراراً بسواده، وتشتمه وتؤذيه، وجهد عمرو أن يصلح بينهما، فلم يقدر، وجعل الشر يزيد بينهما، فقال لها: يا أم حسان أرى تحاملك على ابني عرار، وتعييرك له بالسواد! فكفي عنه، فلم تقبل، فطلقها، وقال قصيدة منها:

стр. 2232

أرادت عراراً بالهون ومن يرد ... عرارا لعمري بالهوان لقد ظلم فإن عرارا إن يكن غير واضح ... فإني أحب الجون ذا المنكب العمم فإن كنت مني أو تريدين صحبتي ... فكوني له كالسمن ربت به الأدم وإلا فبيني مثل ما بان راكب ... تيمم خمساً ليس في سيره أمم قال ابن الأعرابي: هذه القصيدة قالها في الإسلام، ثم إنه بعدما طلقها، ندم وقال فيها أشعارً. قال ابن سلام الجمحي: لما قتل الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث بعث برأسه مع عرار بن عمرو إلى عبد الملك بن مروان، فكان كلما سأله عن أمر يخبره بأحسن جواب، وأعذب بيان، فتجب عبد الملك من فصاحته وفطنته مع سواده، وقال متمثلاً: وإن عراراً إن يكن غير واضح .. البيت. فضحك عرار، فقال عبد الملك: ما هذا الضحك؟ فقال عرار: أتعرف يا أمير المؤمنين عراراً؟ فقال: لا، قال: أنا والله عرار الذي قيل فيه هذا الشعر، فضحك عبد الملك وتعجب من هذا الاتفاق، وأحسن جائزته.

стр. 2233

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والستون بعد الستمائة: (٦٦٢) بآية ما يحبون الطعاما على أن "ما" فيه عند أبي الفتح مصدرية، وتقدم النقل عن سيبويه أن "ما" زائدة، وأية مضافة إلى الجملة، قال الأعلم: الشاهد فيه إضافة "آية" إلى "تحبون" وما: زائدة للتوكيد، ويجوز أن تكون مع الفعل بتأويل المصدر كإضافتها إلى سائر الأسماء. انتهى. ومفعول مبلغ: محذوف، أي: رسالة، كأنه لما قال: من مبلغ تميماً عني رسالة؛ قيل له: بأي علامة يعرفون؟ فقال: بعلامة حبهم الطعام، وحرصهم عليه، يريد: إذا رأيت قوماً يحبون الطعام، فاعلم أنهم تميم، فبلغهم رسالتي، وروى صدره المبرد في "الكامل" كذا: ألا أبلغ لديك بني تميم وقال ابن السيد، فيما كتبه على "الكامل": هذا من الغلط، وإنما الرواية: ألا أبلغ لديك بني تميم ... بأية ما بهم حب الطعام وبعده: أجارتها أسيد ثم أودت ... بذات الضرع منها والسنام وليس أبو العباس المبرد بأول من غلط فيه من الفحول النحويين. انتهى. والشعر ليزيد بن عمرو بن الصعق الكلابي، وسبب هجوه بني تميم أن بني عوف ابن عمرو بن كلاب جاور بني أسيد بن عمرو بن تميم، فأجلوهم عن مواضعهم، فقال يزيد هذا الشعر، وفي "أيام العرب" لأبي عبيدة: نزل يزيد بن الصعق قريباً من بني أسيد بن عمرو بن تميم، واستجارهم لإبله، فأجاروه، ثم أغار عليه ناس منهم، فذهبوا بها، فقال يزيد هذين البيتين. انتهى.

стр. 2234

وقد أجابه أوس بن غلفاء الهجيمي بقصيدة منها: فإنك من هجاء بني تميم ... كمزداد الغرام إلى الغرام هم تركوك أسلح من حبارى ... رأت صقراً وأشرد من نعام وهم ضربوك أم الرأس حتى ... بدت أم الشئون من العظام وبنو تميم يعيرون بحب الطعام والشره فيه، وقد أوردنا ما يتعلق به مع شرح هذه الأبيات، وبسطنا الكلام عليه في الشاهد السادس والتسعين بعد الأربعمائة من شواهد الرضي. ويزيد هو يزيد بن عمرو بن خويلد الكلابي جاهلي، وخويلد يقال له: الصعق، لأنه عمل لقومه طعاماً بعكاظ، فجاءت ريح بغبار فسبها ولعنها، فأرسل الله عليه صاعقة فأحرقته. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والستون بعد الستمائة: (٦٦٣) لزمنا لدن سالمتمونا وفاقكم ... فلا يك منكم للخلاف جنوح على أن "لدن" مضاف إلى الجملة الفعلية، والمسالمة: مفاعلية من السلم، وهو الصلح بترك الحرب، ووفاقكم: مفعول لزمنا، وهو مصدر وافقه، وكذلك الخلاف مصدر خالف، والجنوح: صدر جنح إليه؛ إذا مال نحوه.

стр. 2235

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والستون بعد الستمائة: (٦٦٤) خليلي رفقا ريث أقضي لبانة ... من العرصات المذكرات عهودا على أن "ريث" مضافة إلى الجملة الفعلية، وخليلي: منادى، مثنى خليل، مضاف إلى ضمير المتكلم، ورفقاً: مفعول مطلق، وعامله محذوف، أي: ارفقا رفقاً بمقدار ماأقضي حاجتي من عرصات الحبيبة المذكرات عهوداً بين وبينها، فتمهلا علي حتى أبكي بها ساعة، فإنها أذكرتني عهوداً بيننا، واللبانة، بالضم: الحاجة، والعرصة: بسكون الراء: المكان المتسع أمام الدار، وفعلة: إذا كانت اسماً يحرك عينها الساكن بالفتح للتخفيف، والمذكر: اسم فاعل، والعهد: الموثق والذمة، والأمور المعروفة السابقة، وزعم الدماميني أن العهد هنا: المنزل الذي لا يزال القوم إذا ذهبوا عنه رجعوا إليه، وهذا ذهول منه. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والستون بعد الستمائة: (٦٦٥) من لد شولاً فإلى إتلائها كذا أنشده سيبويه غفلاً، ولم يعرف بقيته، وهو بيت من مشطور الرجز، والشول، بفتح الشين المعجمة: النوق التي خف لبنها، وارتفع ضرعها، وأتى

стр. 2236

عليها من نتاجها سبعةأشهر أو ثمانية، الواحدة: شائلة، وهو جمع على خلاف القياس، وقيل: اسم جمع، وقيل: هو مصدر شالت الناقة بذنبها، أي: رفعته للضراب، فهي شائل بغير تاء، والجمع شول، كراكع وركع، فيكون التقدير: منلدن شالت شولاً، وقد يرجح الأول برواية الجرمي "من لد شولا" بغير تنوين، على أن أصله شولاء، بالمد، فقصر للضرورة، فيكون المحدث عنه ناقة واحدة لا نوق، ويرجح الثانية بأنه روي "من لد شول" بالجر، ولا يقال: من لد نوق. كذا في شرح المصنف لأبيات ابن الناظم. والإتلاء، بكسر الهمزة وسكون المثناة الفوقية وبالمد: مصدر أتلت الناقة؛ إذا تلاها ولدها، أي: تبعها، فهي متلوة، والولد تلو، بالكسر وسكون اللام، والأنثى تلوة، والجمع أتلاء، بفتح الهمزة. وأنشد بعده، هو الإنشاد السادس والستون بعد الستمائة: (٦٦٦) قول يا للرجال ينهض منا ... مسرعين الكهول والشبانا على أن جملة الاستغاثة وهي: "يا للرجال" -بفتح اللام- مضاف إليها، وفي محل نصب لكونها محكية بالقول، وقول: مبتدأ، وجملة: "ينهض" خبر المبتدأ، مضارع أنهضه: إذا أقامه، والكهول: مفعوله، ومسرعين: حال منه ومن الشبان، والكهل: من وخطه الشيب، والشاب: الفتى من الإنسان. يقول: إذا استغاث بنا ملهوف، فعند قوله: يا للرجال؛ يقوم الكبير والصغير بسرعة لنصره.

стр. 2237

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والستون بعد الستمائة: (٦٦٧) فأجبت قائل كيف أنت بصالح ... حتى مللت وملني عوادي قائل: مفعول أجبت، وهو مضاف، وجملة: "كيف أنت" مضاف إليها، والباء متعلقة بأجبت، وصالح بالرفع على الحكاية: خبر مبتدأ محذوف تقديره: أنا، ويجوز جره على الظاهر، ويكون صفة لموصوف محذوف تقديره: بقول صالح، وجواب حسن، والملل: السآمة، وفعله كفرح، والعواد، جمع عائد: وهو الذي يأتي لزيارة المريض، قال الدماميني: وليس بخاف عنك أنه لا ينبغي أن يعد هذا البيت والذي قبله من قبيل ما هو بصدده، لأن الجملة التي أضيف كل من "قول" و"قائل" مراد بها لفظها، فهي في حكم المفرد، وليس الكلام فيه. وأجاب الشمني بأنا لا نسلم أنا لكلام ليس فيه، بل الكلام فيما هو أعم منه. وأنشد بعده: من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله مثلان وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثمانين.

стр. 2238

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والستون بعد الستمائة: (٦٦٨) وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب ما لي ولا حرم هو من قصيدة لزهير بن أبي سلمى، مدح بها هرم بن سنان المري، وقبله: إن البخيل ملوم حيث كان ولكن الجواد على علاته هرم هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفواً ويظلم أحياناً فيظلم العلات، بالكسر: الحالات: أي: على ما ينوبه من قلة ذات يد، وهرم، بفتح الهاء وكسر الراء: اسم الممدوح، وهو هرم بن سنان بن أبي حارثة المري، من بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان. وقد استشهد علماء البديع بهذا البيت على حسن التخلص، والنائل: العطاء، والعفو: السهل من غير مطل ولا تعب، ومعنى: ويظلم أحياناً إلى آخره: يطلب منه في غير وقت الطلب ولا موضعه فيعطي، جعل السؤال منه في غير وقته ظلماً، وجعل إعطاءه ما سئل على تلك الحال، وتكلفه لذلك اظلاماً، فقوله: فيظلم، بالإدغام بالظاء والطاء، وأورده سيبويه شاهداً على الإدغام بالوجهين، قال الأعلم: الشاهد فيه قلب الطاء من يظطلم ظائ معجمة، والأقيس الأكثر: فيطلم بطاء مهملة. وروي "فيظطلم" على الأصل، وروي أيضاً "فينظلم" وهذه ينفعل. وقوله: وإن أتاه خليل ... البين، هذا ايضاً من شواهد سيبويه وهذا نصه: وقد تقول: إن أتيتني آتيك، أي آتيك إن أتيتني، قال زهير: وإن أتاه خليل ...

стр. 2239

البيت. ولا يحسن: أن تأتني آتيك، من قبل أن "إن" هي العاملة، وقد جاء في الشعر، قال جرير بن عبد الله البجلي: يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنك إن يصرع أخوك تصرع أي: إنك تصرع إن يصرع أخوك، ومثل ذلك قول آخر: هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب أي: المرء ذئب إن يلق الرشا. قال الأصمعي: هو قديم أنشدنيه أبو عمرو. انتهى. وقال الأعلم: الشاهد فيه رفع "يقول" على نية التقديم، والتقدير: يقول إن أتاه خليل، وجاز هذا، لأن "إن" غير عاملة في اللفظ، والمبرد يقدره على حذف الفاء، أي: فيقول. انتهى. والخليل: الفقير المختل الحال من الخلة –بالفتح- بمعنى الفقر والاختلال، والمسألة: السؤال والاستعطاء، وروي بدله "مسغبة" أي: مجاعة وقحط، وقوله: لا غائب مالي، أي: لا يعتذر بغيبة ماله، ولا يحرم سائله، قال الأعلم في "شرح الأشعار الستة": روي "حرم" بفتحتين وبفتح فكسر: وهم الممنوع، وقيل: هو الحرام، أي: ليس بحرام أن يعطى منه. انتهى. والظاهر أن "لا" هنا مهملة، وأصلها النافية للجنس، فإنها إن تأخر اسمها أو كان معرفة، وجب إلغاؤها وتكريرها، فإن مالي مبتدأ، وغائب خبره، ولا يجوز أن تكون هنا عاملة عمل ليس، لأنها تعمل في النكرات، ومن العجب قول العيني:

стр. 2240

لا: بمعنى ليس، وغائب: اسمها، ومالي: خبرها، ولا حرم: عطف على اسم ليس. انتهى. وقوله: لا حرم، فيه وجهان، أحدهما: أنه معطوف على غائب بتقدير ذو، وبتأويله باسم المفعول، والتقدير: لا مالي غائب، ولا ذو حرمان، أو: ولا محروم من طالبه، أي: بممنوع، وهذا من قبيل عطف مفرد على مفرد، ولا يجوز أنيبقى حرم على مصدريته مراداً به المبالغة، لأن مقام المدح يأباه، إذ لا يلزم من نفي الحرمان البليغ نفي مطلق الحرمان، وثانيهما: أنه مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير: ولا عندي حرمان، وهذا من قبيل عطف الجمل. وترجمة زهير تقدمت في الإنشاد الخمسين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والستون بعد الستمائة: (٦٦٩) فأبلوني بليتكم لعلي ... أصالحكم وأستدرج نويا أول من استشهد به من النحويين الفراء: أورده في عدة مواضع في تفسيره، فأول موضع أورده فيه عند قوله تعالى: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا) [الآية/ ١٤٨] من سورة البقرة قال: إذا رأيت حروف الاستفهام قد وصلت بـ "ما" مثل: أينما، ومتى ما، وأيما، وحيثما، وكيفما، كانت جزاء ولم تكن استفهاماً، فإذا لم توصل بـ "ما" كان الأغلب عليها الاستفهام، وجاء فيها الجزاء، فإذا كانت جزاء، جزمت الفعلي. فإن أدخلت الفاء في الجواب، رفعت الجواب، كقوله تعالى: (ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ) [البقرة/ ١٢٩] فإذا كانت استفهاماً رفعت الفعل الذي يلي أين وكيف، ثم تجزم الفعل الثاني: ليكون جواباً للاستفهام بمنى الجزاء، كقوله تعالى: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ

стр. 2241

أَلِيمٍ) [الصف/ ١٠] ثم أجاب الاستفهام بالجزم، فقال تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [الصف/ ١٢] فإذا أدخلت في جواب الاستفهام فاء، نصبت، كما قال تعالى: (لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ) [سورة المنافقين/ ١٠] فنصب. فإذا جئت إلى العطوف التي تكون في الجزاء وقد أجبته بالفاء؛ كان لك في العطف ثلاثة أوجه: إن شئت، رفعت العطف: كقولك: إن تأتني فإني أهل ذاك، وتؤجر وتحمد، وهو وجه الكلام، وإن شئت جزمت، وتجعله كالمردود على موقع الفاء، والرفع على ما بعد الفاء، وقد قرأت القراء: (من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم) [الأعراف/ ١٨٦] ويذرهم: رفع وجزم. وكذلك: (إن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وإن تُخْفُوهَا وتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ويُكَفِّرُ) [البقرة/ ٢٧١] جزم ورفع، ولو نصبت على ما تنصب عليه عطوف الجزاء إذا استغنى لأصبت، وإن جزمت عطفاً بعدما نصبت، ترده على الأول، كان صواباً، وهو كثير في الشعر والكلام، وأكثر ما يكون النصب في العطوف إذا لم تكن في جواب الجزاء الفاء، فإذا كانت الفاء فهو الرفع والجزم. وإذا أجبت الاستفهام بالفاء، فنصبت فانصب العطوف، وإن جزمتها فصواب، من ذلك قوله تعالى في المنافقين: (لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وأَكُن) [الآية/ ١٠] رددت وأكن على موضع الفاء، لأنها في محل جزم، إذ كان الفعل إذا وقع مقعها بغير الفاء جزم، والنصب على أن ترده على ما بعدها، فتقول: "وأكون" وهي في قراءة عبد الله بن مسعود: "وأكون" بالواو وقد قرأ بها بعض القراء، وأرى ذلك صواباً، لأن الواو ربما حذفت من الكتاب، وهي تراد لكثرة ما تنقص وتزاد في الكلام، ألا ترى أنهم يكتبون الرحمن

стр. 2242

وسليمن بطرح الألف، والقراءة بإثباتها، وقد أسقطت الواو من: (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) [العلق/ ١٨]، ومن قوله: (ويَدْعُ الإنسَانُ بِالشَّرِّ) الآية [الإسراء/ ١١] والقراءة على نية إثبات الواو، فهذا شاهد على جواز: (وأكون من الصالحين). وقال بعض الشعراء: فأبلوني بليتكم لعلي ... أصالحكم وأستدرج نويا فجزم "وأستدرج" فإن شئت رددته إلى موضع الفاء المضمرة في لعلي، إن شئت جعلته في موضع رفع، فسكنت الجيم لكثرة توالي الحركات، وقد قرأ بعض القراء: (لا يحزنهم الفزع الأكبر) بالجزم، وهو ينوون الرفع، وقرؤوا: (أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) والرفع أحب إلي من الجزم. وهذا آخر كلامه. وقال أيضاً في سورة المنافقين، يقال: كيف جزم "وأكن" وهي مردودة على فعل منصوب، فالجواب في ذلك أن الفاء لو لم تكن في "فأصدق" كانت مجزومة، فلما رددت وأكن، ردت على تأويل الفعل لو لم تكن فيه الفاء، ومن أثبت الواو، رده على الفعل الظاهر فنصبه، وهي في قراءة عبد الله: (وأكون من الصالحين) وقد يجوز نصبها في قراءتنا، وإن لم تكن فيها الواو؛ لأن العرب تسقط الواو في بعض الهجاء، كما أسقطوا الألف من سليمان وأشباهه، ورأيت في بعض مصاحف عبد الله: (فقولا) فقلا بغير واو. انتهى كلامه. وآخر موضع أورده عند قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ويُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ) [الآية/ ٨] من سورة التحريم قال: ولو قرأ قارئ: (ويدخلكم) جزماً، لكان وجهاً، لأن الجواب في "عسى" فيضمر في "عسى" الفاء، وينوي

стр. 2243

بالدخول أن يكون معطوفاً على موضع الفاء، ولم يقرأ به أحد. ومثله: (فَأَصَّدَّقَ وأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ) [المنافقون/ ١٠] ومثله قول الشاعر: فأبلوني بليتكم لعلي .. البيت فجزم، لأنه نوى الرد على "لعلي" انتهى كلامه. وأنشده أيضاً أبو علي الفارسي في مواضع من "الحجة" فأول موضع أنشده فيه عند قوله تعالى: (ويُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ) [البقرة/ ٢٧١] قال: من قرأ: "ونكفر عنكم" فرفع كان رفعه من وجهين، أحدهما: أن يجعله خبر مبتدأ محذوف، تقديره: ونحن نكفر، والأخر: أن يستأف الكلام ويقطعه مما قبله، فلا يجعل الحرف العاطف للإشراك، ولكن لعطف جملة على جملة. وأما من جزم، فإنه حمل الكلام على موضع قوله: (فهو خير لكم) لأن قوله: (فهو خير لكم) في موضع جزم، ألا ترى أنه لو قال: وإن تخفوها يكن أعظم لأجركم؛ لجزم، فقد علمت أن قوله: "خير لكم" في موضع جزم، فحمل قوله "ونكفر"على الموضع، ومثل هذا في الحمل على الموضع أن سيبويه زعم أن بعض القراء قرأ: (مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ) [الأعراف/ ١٨٦] لأن قوله: "فلا هادي له" في أنه في موضع جزم، مقل قوله: "فهو خير لكم" ومثله في الحمل على الموضع قوله تعالى: (لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وأَكُن) حمل قوله: "وأكن" على موضع قوله: "فأصدق" لأن هذا موضع فعل مجزوم، ولو قال: إلى أجل قريب أصدق، لجزم، فإذا ثبت أن قوله: "فأصدق"

стр. 2244

في موضع فعل مجزوم، حمل قوله: "وأكن عليه، ومثل ذلك قول الشاعر: أني سلكت فإنني لك كاشح ... وعلى انتقاصك في الحياة وأزدد فحمل قوله: وأزدد، على موضع قوله: فإنني لك كاشح، ومثله قول الآخر: وأظنه أبا دواد: فأبلوني بليتكم لعلي ... أصالحكم وأستدرج نويا انتهى كلامه. وأورد في سورة المنافقية أيضاً قال: قرأ أبو عمرو: "وأكون" وحده بواو، وقرأ الباقون و"أكن" بغير واو. من قال: "فأصدق وأكن" عطف على موضع قوله: "فأصدق" لأن "فأصدق" في موضع فعل مجزوم، ألا ترى أنك إذا قلت: أخرني أصدق، كان جزماً بأنه جواب الجزاء، وقد أغنى السؤال عن ذكر الشرط، والتقدير: أخرني، فإن تؤخرني أصدق، فلما كان الفعل المنتصب بعد الفاء في موضع فعل مجزوم بأنه جزاء الشرط، حمل قوله "وأكن" عليه مثل ذلك قراءة من قرأ: (مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ) [الأعراف/ ١٨٦] لما كان "لا هادي" في موضع فعل مجزوم حمل "يذرهم" عليه، ومثل ذلك قول الشاعر: فأبلوني بليتكم لعلي ... أصالحكم وأستدرج نويا حمل "وأستدرج" على موضع الفاء المحذوفة وما بعدها من لعلي، وكذلك قوله: أياً سلكت فإنني لك كاشح ... وعلى انتقاصك في الحياة وأزدد حمل "وأزدد" على موضع الفاء وما بعدها، فأما قول أبي عمرو "وأكون"

стр. 2245

فإنه حمله على اللفظ دون الموضع، وكان الحمل على اللفظ أولى، لظهوره في اللفظ وقربه، ولأن ما لا يظهر إلى اللفظ لانتفاء ظهوره، قد يكون في بعض المواضع بمنزلة ما لا حكم له، وزعموا أن في حرف أبي "فأصدق وأكون". انتهى كلامه. وأورده ابن جني أيضاً في باب الساكن والمتحرك من "الخصائص" قال: وأما قول أبي دواد: فأبلوني بليتكم لعلي .. البيت. فقد يمكن أن يكون أسكن المضموم تخفيفاً واضطراراً، ويمكن أيضاً أن يكون معطوفاً على موضع لعلي، لأنه مجزوم جواب الأمر، كقولك: زرني فلن أضيعك حقك وأعطك ألفاً، أي: زرني أعرف حقك وأعطك ألفاً. انتهى. والبيت ثاني بيتين لأبي دواد الإيادي، وقبله: ألم تر أنني جاورت كعباً ... وكان جوار بعض الناس غيا قال شارح ديوانه: زعموا أن أبا دواد جاور هلال بن كعب بن مالك بن حنظلة ابنمالك بن زيد مناة بن تميم، وكان –زعموا- قد أسن، وأتى عليه دهر طويل، فبينما الغلمان يلعبون في مستنقع ماء، ويتغاطسون إذ غطسوا ابن أبي دواد، فمات في ذلك الغطاس، فقال أبو دواد هذين البيتين. ونوى: أراد نواي من النية. والنية: الوجه الذي تريده، وأستردج: من قولك: رجع أدراجه، أي: من حيث جاء، وإنما كان أستردج بالرفع، فسكن لكثرة الحركات، فلما سمع هذا الشعر هلال أمر بنيه، فأخرجوه إلى نادي قومه، فقال: ألا تروني: لا والذي يحلف به لا يبقى غلام شهد ابن أبي دواد إلا قتلته بابن أبي دواد حى يرضى،
следующие страницы →