Полный текст (2 797 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
أَلِيمٍ) [الصف/ ١٠] ثم أجاب الاستفهام بالجزم، فقال تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [الصف/ ١٢] فإذا أدخلت في جواب الاستفهام فاء، نصبت، كما قال تعالى: (لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ) [سورة المنافقين/ ١٠] فنصب.
فإذا جئت إلى العطوف التي تكون في الجزاء وقد أجبته بالفاء؛ كان لك في العطف ثلاثة أوجه: إن شئت، رفعت العطف: كقولك: إن تأتني فإني أهل ذاك، وتؤجر وتحمد، وهو وجه الكلام، وإن شئت جزمت، وتجعله كالمردود على موقع الفاء، والرفع على ما بعد الفاء، وقد قرأت القراء: (من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم) [الأعراف/ ١٨٦] ويذرهم: رفع وجزم. وكذلك: (إن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وإن تُخْفُوهَا وتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ويُكَفِّرُ) [البقرة/ ٢٧١] جزم ورفع، ولو نصبت على ما تنصب عليه عطوف الجزاء إذا استغنى لأصبت، وإن جزمت عطفاً بعدما نصبت، ترده على الأول، كان صواباً، وهو كثير في الشعر والكلام، وأكثر ما يكون النصب في العطوف إذا لم تكن في جواب الجزاء الفاء، فإذا كانت الفاء فهو الرفع والجزم.
وإذا أجبت الاستفهام بالفاء، فنصبت فانصب العطوف، وإن جزمتها فصواب، من ذلك قوله تعالى في المنافقين: (لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وأَكُن) [الآية/ ١٠] رددت وأكن على موضع الفاء، لأنها في محل جزم، إذ كان الفعل إذا وقع مقعها بغير الفاء جزم، والنصب على أن ترده على ما بعدها، فتقول: "وأكون" وهي في قراءة عبد الله بن مسعود: "وأكون" بالواو وقد قرأ بها بعض القراء، وأرى ذلك صواباً، لأن الواو ربما حذفت من الكتاب، وهي تراد لكثرة ما تنقص وتزاد في الكلام، ألا ترى أنهم يكتبون الرحمن
стр. 2242
وسليمن بطرح الألف، والقراءة بإثباتها، وقد أسقطت الواو من: (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) [العلق/ ١٨]، ومن قوله: (ويَدْعُ الإنسَانُ بِالشَّرِّ) الآية [الإسراء/ ١١] والقراءة على نية إثبات الواو، فهذا شاهد على جواز: (وأكون من الصالحين).
وقال بعض الشعراء:
فأبلوني بليتكم لعلي ... أصالحكم وأستدرج نويا
فجزم "وأستدرج" فإن شئت رددته إلى موضع الفاء المضمرة في لعلي، إن شئت جعلته في موضع رفع، فسكنت الجيم لكثرة توالي الحركات، وقد قرأ بعض القراء: (لا يحزنهم الفزع الأكبر) بالجزم، وهو ينوون الرفع، وقرؤوا: (أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) والرفع أحب إلي من الجزم. وهذا آخر كلامه.
وقال أيضاً في سورة المنافقين، يقال: كيف جزم "وأكن" وهي مردودة على فعل منصوب، فالجواب في ذلك أن الفاء لو لم تكن في "فأصدق" كانت مجزومة، فلما رددت وأكن، ردت على تأويل الفعل لو لم تكن فيه الفاء، ومن أثبت الواو، رده على الفعل الظاهر فنصبه، وهي في قراءة عبد الله: (وأكون من الصالحين) وقد يجوز نصبها في قراءتنا، وإن لم تكن فيها الواو؛ لأن العرب تسقط الواو في بعض الهجاء، كما أسقطوا الألف من سليمان وأشباهه، ورأيت في بعض مصاحف عبد الله: (فقولا) فقلا بغير واو. انتهى كلامه.
وآخر موضع أورده عند قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ويُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ) [الآية/ ٨] من سورة التحريم قال: ولو قرأ قارئ: (ويدخلكم) جزماً، لكان وجهاً، لأن الجواب في "عسى" فيضمر في "عسى" الفاء، وينوي
стр. 2243
بالدخول أن يكون معطوفاً على موضع الفاء، ولم يقرأ به أحد. ومثله: (فَأَصَّدَّقَ وأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ) [المنافقون/ ١٠] ومثله قول الشاعر:
فأبلوني بليتكم لعلي .. البيت
فجزم، لأنه نوى الرد على "لعلي" انتهى كلامه.
وأنشده أيضاً أبو علي الفارسي في مواضع من "الحجة" فأول موضع أنشده فيه عند قوله تعالى: (ويُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ) [البقرة/ ٢٧١] قال: من قرأ: "ونكفر عنكم" فرفع كان رفعه من وجهين، أحدهما: أن يجعله خبر مبتدأ محذوف، تقديره: ونحن نكفر، والأخر: أن يستأف الكلام ويقطعه مما قبله، فلا يجعل الحرف العاطف للإشراك، ولكن لعطف جملة على جملة. وأما من جزم، فإنه حمل الكلام على موضع قوله: (فهو خير لكم) لأن قوله: (فهو خير لكم) في موضع جزم، ألا ترى أنه لو قال: وإن تخفوها يكن أعظم لأجركم؛ لجزم، فقد علمت أن قوله: "خير لكم" في موضع جزم، فحمل قوله "ونكفر"على الموضع، ومثل هذا في الحمل على الموضع أن سيبويه زعم أن بعض القراء قرأ: (مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ) [الأعراف/ ١٨٦] لأن قوله: "فلا هادي له" في أنه في موضع جزم، مقل قوله: "فهو خير لكم" ومثله في الحمل على الموضع قوله تعالى: (لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وأَكُن) حمل قوله: "وأكن" على موضع قوله: "فأصدق" لأن هذا موضع فعل مجزوم، ولو قال: إلى أجل قريب أصدق، لجزم، فإذا ثبت أن قوله: "فأصدق"
стр. 2244
في موضع فعل مجزوم، حمل قوله: "وأكن عليه، ومثل ذلك قول الشاعر:
أني سلكت فإنني لك كاشح ... وعلى انتقاصك في الحياة وأزدد
فحمل قوله: وأزدد، على موضع قوله: فإنني لك كاشح، ومثله قول الآخر: وأظنه أبا دواد:
فأبلوني بليتكم لعلي ... أصالحكم وأستدرج نويا
انتهى كلامه.
وأورد في سورة المنافقية أيضاً قال: قرأ أبو عمرو: "وأكون" وحده بواو، وقرأ الباقون و"أكن" بغير واو. من قال: "فأصدق وأكن" عطف على موضع قوله: "فأصدق" لأن "فأصدق" في موضع فعل مجزوم، ألا ترى أنك إذا قلت: أخرني أصدق، كان جزماً بأنه جواب الجزاء، وقد أغنى السؤال عن ذكر الشرط، والتقدير: أخرني، فإن تؤخرني أصدق، فلما كان الفعل المنتصب بعد الفاء في موضع فعل مجزوم بأنه جزاء الشرط، حمل قوله "وأكن" عليه مثل ذلك قراءة من قرأ: (مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ) [الأعراف/ ١٨٦] لما كان "لا هادي" في موضع فعل مجزوم حمل "يذرهم" عليه، ومثل ذلك قول الشاعر:
فأبلوني بليتكم لعلي ... أصالحكم وأستدرج نويا
حمل "وأستدرج" على موضع الفاء المحذوفة وما بعدها من لعلي، وكذلك قوله:
أياً سلكت فإنني لك كاشح ... وعلى انتقاصك في الحياة وأزدد
حمل "وأزدد" على موضع الفاء وما بعدها، فأما قول أبي عمرو "وأكون"
стр. 2245
فإنه حمله على اللفظ دون الموضع، وكان الحمل على اللفظ أولى، لظهوره في اللفظ وقربه، ولأن ما لا يظهر إلى اللفظ لانتفاء ظهوره، قد يكون في بعض المواضع بمنزلة ما لا حكم له، وزعموا أن في حرف أبي "فأصدق وأكون". انتهى كلامه.
وأورده ابن جني أيضاً في باب الساكن والمتحرك من "الخصائص" قال: وأما قول أبي دواد:
فأبلوني بليتكم لعلي .. البيت.
فقد يمكن أن يكون أسكن المضموم تخفيفاً واضطراراً، ويمكن أيضاً أن يكون معطوفاً على موضع لعلي، لأنه مجزوم جواب الأمر، كقولك: زرني فلن أضيعك حقك وأعطك ألفاً، أي: زرني أعرف حقك وأعطك ألفاً. انتهى.
والبيت ثاني بيتين لأبي دواد الإيادي، وقبله:
ألم تر أنني جاورت كعباً ... وكان جوار بعض الناس غيا
قال شارح ديوانه: زعموا أن أبا دواد جاور هلال بن كعب بن مالك بن حنظلة ابنمالك بن زيد مناة بن تميم، وكان –زعموا- قد أسن، وأتى عليه دهر طويل، فبينما الغلمان يلعبون في مستنقع ماء، ويتغاطسون إذ غطسوا ابن أبي دواد، فمات في ذلك الغطاس، فقال أبو دواد هذين البيتين. ونوى: أراد نواي من النية. والنية: الوجه الذي تريده، وأستردج: من قولك: رجع أدراجه، أي: من حيث جاء، وإنما كان أستردج بالرفع، فسكن لكثرة الحركات، فلما سمع هذا الشعر هلال أمر بنيه، فأخرجوه إلى نادي قومه، فقال: ألا تروني: لا والذي يحلف به لا يبقى غلام شهد ابن أبي دواد إلا قتلته بابن أبي دواد حى يرضى،
стр. 2246
فمضوا إلى أبي دواد، وأعطوه حتى رضي، وزعموا أن هلالاً قال لأبي دواد: احتكم عليهم حكم الصبي على أهله. انتهى.
وكعب هذا هو أحد الأجواد المشهورين. قال ابن السيد، فيما كتبه على "كامل المبرد": كعب ابن مامة الإيادي هو جار أبي دواد الذي ضرب به المثل، فقال فيه الشاعر:
أطوف ما أطوف ثم آوي ... إلى جار كجار أبي دواد
وقيل: بل هو الحارث بن همام، وكان أسر أبا دواد وناساً من قومه، فأطلقهم، وأكرم أبا دواد، وأجاره فمدحه أبو دواد، فأعطاه، ومات له ابن، فوداه، وحلف أن لا يذهب له شيء إلا أخلفه له، ويقال: إن ولداً لأبي دواد لعب مع صبيان في غدير، فغمسوه، فمات، فقال الحارث: لا يببقى صبي في الحي إلا غرق، فودي ابنه بديات كثيرة. انتهى كلامه.
والجار معناه: المجير والمستجير أيضاً. وجوار بضم الجيم، قال صاحب "المصباح": وجاوره مجاورة وجواراً من باب قاتل، والاسم الجوار بالضم: إذا لاصقه في السكن، وقوله: فأبلوني بليتكم .. إلى آخره، قال الأزهري في "التهذيب": يقال: أبلاه الله يبليه [إبلاء حسناً]: إذا صنع به صنيعاً جميعاً، والبلاء: الاسم، والبلية: الناقة التي تعقل عند قبر صاحبها، فلا تعلف حتى تموت، وجمعها: البلايا. وكان أهل الجاهلية فعالين لذلك، ويقال: قامت مبليات فلان ينحن عليه،
стр. 2247
وهن النساء اللواتي يقمن حول راحلته، فينحن إذا مات أو قتل. انتهى كلامه. وفي "القاموس": البلية: الناقة يموت ربها، فتشد عند قبره حتى تموت، كانوا يقولون: حتى يحشر عليها صاحبها. انتهى.
وروى أبو علي القالي في شرح هذا الديوان: فأبلوني بلاءكم. وقوله: نويا الألف للإطلاق، وأصله نواي، فقلبت الألف ياء، وأدغمت في ياء المتكلم، وهي لغة هذيل، وقرئ بها في الشواذ في "هداي" من سورة البقرة [الآية/ ٣٠]، قال ابن جني في "المحتسب": ومن ذلك قراءة النبي، ﷺ ، وأبي الطفيل وغيره "هدي"، وهذه لغة فاشية في هذيل وغيرهم أن يقلبوا الألف في آخر المقصور إذا أضيفت إلى ياء المتكلم ياء، قال لي أبو علي: وجه قلب هذه الألف لوقوع ياء ضمير المتكلم بعدها أنه موضع ينكسر فيه الصحيح نحو: هذا غلامي، ورأيت صاحبي، فلما لم يتمكنوا من كسر الألف، قلبوها ياء، فقالوا: هذه عصي وهذه قفي، أي: عصاي وقفاي، وشبهوا ذلك بقولك: مررت بالزيديون لما لم يتمكنوا من كسر الألف للجر، قلبوها ياء، ولا يجوز على هذا أن تقلب ألف التثنية لهذه الياء، فتقول: هذان غلامي، لما فيه من زوال علم الرفع، ولو كانت ألف عصاي ونحوها علماً للرفع؛ لم يجز فيها عصي. انتهى.
وقال أيضاً في سورة يوسف: قرأ أبو الطفيل وغيره: "يا بشري" هذه لغة فاشية، قال لي أبو علي: إن قلب هذه الألف لوقوع الياء بعدها ياء، كأنه عوض مما كان يجب فيها من كسرها لياء الإضافة بعدها، ككسرة ميم غلامي، وباء صاحبي، ومن قلب هذه الألف لوقوع هذه الياء بعدها ياء لم يفعل ذلك في ألف التثنية، نحو:
стр. 2248
غلاماي، كراهة التباس المرفوع بالمنصوب والمجرور. فإن قيل: هلا قلبوها، وإن صار لفظ ما هي فيه إلى لفظ المجرور، كما صار لفظ المرفوع والمنصوب جميعاً إلى لفظ المجرور في نحو: هذا غلامي، ورأيت غلامي، قيل: قلب الألف لوقوع الياء بعدها [ياء] أغلظ من قلب الضمة والفتحة كسرة، وذلك أن الجناية على الحرف أغلظ من الجناية على الحركة، فاحتمل ذلك في: هذا غلامي، ورأيت غلامي، ولم يحتمل نحو: هذان غلاماي، وما جرى مجراه، إلى آخر ما ذكره. وقد أفرد لهذا ونحوه باباً في "الخصائص" وبسط الكلام عليه، وسماه: باب الحكم المعلول بعلتين.
وأبو دواد الشاعر جاهلي تقدمت ترجمته في الإنشاد الخامس والسبعين بعد المائة.
وأنشد بعده:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يلتقيان
وتقدم شرحه في الإنشاد الثامن والثلاثين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السبعون بعد الستمائة:
(٦٧٠) أقول له ارحل لا تقيمن عندنا
تمامه:
وإلا فكن في السر والجهر مسلما
على أن جملة "لا تقيمن عندنا" بدل من جملة "ارحل"، والثانية أوفي بتأدية المراد من الأولى، والبيت من شواهد "تلخيص المفتاح" قال بعد إنشاده: فإن المراد
стр. 2249
به -أي: بقوله: ارحل- كمال إظهار الكراهة لإقامته، وقوله: لا تقيمن عندنا أوفي بتأديته لدلالته عليه بالمطابقة. قال السعد في "المطول": فإن قلت: قوله: لا تقيمن عندنا إنما يدل بالمطابقة على طلب الكف عن الإقامة، لأنه موضوع النهي، وإما إظهار كراهة المنهي، فمن لوازمه ومقتضياته، فدلالته عليه تكون بالالتزام دون المطابقة. قلت: نعم، ولكن صار قولنا: لا تقم عندي بحسب العرف حقيقة في إظهار كراهة إقامته وحضوره، حتى إنه كثيراً ما يقال: لا تقم عندي، ولا يراد كفه عن الإقامة، بل مجرد إظهار كراهة حضوره، والتأكيد بالنون دال على كمال هذا المعنى، فصار: "لا تقيمن عندنا" دالاً على كمال إظهار الكراهة لإقامته بالمطابقة. انتهى المراد منه.
والبيت لم أقف على تتمته، ولا على قائله، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والسبعون بعد الستمائة:
(٦٧١) ذكرتك والخطي يخطر بيننا ... وقد نهلت منا المثقفة السمر
هو أول أبيات ثلاثة أوردها أبو تمام في أول "الحماسة"، وبعده:
فو الله ما أدري وإني لصادق ... أداء عراني من حبابك أم سحر
فإن كان سحراً فاعذريني على الهوى ... وإن كان داء غيره فلك العذر
قال ابن جني في "إعراب الحماسة: قوله: وقد نهلت منا المثقفة السمر، منصوب الموضع إلا أنه بدل من قوله والخطي يخطر بيننا، وذلك منصوب بقوله ذكرتك، وجاز إبداله منه لما في الثاني من البيان الزائد على ما في الأول، ألا ترى أنه قد يخطر الخطي بينهم، ثم لا يكون مع ذلك ناهلاً، بأن يكون تجاول من غير تطاعن، وقد جاء به شاعرنا فقال:
стр. 2250
وتوهموا اللعب الوغى والطعن في الهيجاء غير االطعن في الميدان
وجاز أن يبدل قوله: وقد نهلت منا المثقفة، وإن كان جملة من فعل وفاعل من قوله: والخطي يخطر بيننا، وإن كان جملة من مبتدأ وخبر، من حيث كانت "قد" تقرب الماضي من الحاضر، والحاضر كما ترى كالاسم، ونظيرها قولك: زرتني والخوف شاغل، وقد أحجم كل أحد عن الزيارة. ويجوز أن يكون قوله: وقد نهلت حالاً من الضمير المجرور في "بيننا" فلا يكون إذن بدلاً مما قبله. انتهى كلامه.
ومنه علم أن صاحب القيل هو ابن جني. والخطي بفتح الخاء: الرمح، منسوب إلى الخط، وهو موضع باليمامة، قال صاحب "المصباح": والرماح لا تنبت بالخط، ولكنه ساحل للسفن التي تحمل القنا إليه، وتعمل فيه، وقال الخليل: إذا جعلت النسبة اسماً، قلت: خطية، بكسر الخاء، ولم تذكر الرماح في البيت. انتهى. فعلى هذا يجوز كسر الخاء في البيت، وتخطر، بكسر الطاء، مضارع خطر، بفتحها، والمصدر: الخطر والخطران، ورمح خطار، أي: ذو اهتزاز، ونهلت من باب فرح: رويت، والمثقفة: المعدلة، والتثقيف: تعديل المعوج، والسمر: جمع أسمر، من صفة الرمح، وعراني: حديث بي، والحباب، بكسر الحاء بعدها موحدة: المحبة، وروي بالجمي والنون. قال التبريزي في شرحه: قوله: وقدن هلت منا، أي: من دمائنا، والنهل من الأضداد لوقوله على الريان والعطشان، كأن حقيقة النهل أول السقي، والاكفتاء به قد يقع وقد لا يقع، فلذلك استعمل النهل في الري والعطش، ومصدر ذكرتك: الذكر، بضم الذال، لأن الذكر، بضم الذال، بالقلب، والذكر، بالكسر: باللسان، ونبه بهذا الكلام على قلة مبالاته
стр. 2251
بالحرب واشتياقه في حال اختلاف الرمح بينهم بالطعن، والحباب: الحب، كأنه مصدر حببته، وقد يكون مصدر حاببته، ويكون جمع الحب أيضاً، وكأنه جمعه على اختلاف أحواله فيه، ويروى من جنابك، أي: من ناحيتك، يقول: إن كان ما بي سحراً، فلي عذر في هواك، لأن من يسحر يحب، وإن كان داء غير السحر، فالعذر لك، لأني وقعت فيه بتعرضي لك، وفكري في محاسنك، والدلالة على أن "فاعذرني" في موضع: فلي عذر، ما قابله به من قوله: "فلك العذر" وفي هذا إسقاط سؤال السائل: لم قال: اعذرني ولا ذنب له، وإنما يحتاج إلى بسط العذر من له ذنب؟ ! انتهى كلامه.
وهذه الأبيات لأبي عطاء السندي، واسمه مرزوق، وقيل: أفلح بن يسار مولى بني أسد، وكان يسار سندياً أعجمياً لا يفصح، وابنه أبو عطاء عبد أسود لا يكاد يفصح أيضاً من لثغة ولكنة، وهو مع ذلك من أحسن الناس بديهة، وهوشاعر فحل في طبقته، وكان من شعراء بني أمية وشيعتهم، وهجا بني هاشم، ومات بعد موت منصور العباسي، وقد بسطنا ترجمته في الإنشاد الخامس والتسعين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
стр. 2252
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والسبعون بعد الستمائة:
(٦٧٢) وما راعني إلا يسير بشرطة ... وعهدي به قيناً يسير بكير
على أن جملة "يسير" فاعل راعني، وخرج على أن الأصل: إلا أن يسير، فأن والفعل في تأويل مصدر مرفوع، وهو فاعل راعني، ولما حذفت "أن" ارتفع الفعل، وبعد ذهاب أثرها، وهو النصب، لوحظت مع الفعل، فصار مصدراً فاعلاً لراعني بملاحظتها، وهذا خاص بضرورة الشعر، وتخريج الشارح جار على القواعد، لا شيء يشينه، وهو أن يكون في "راعني" ضمير المحدث عنه، ويكون جملة "يسير" حالاً منه، والأبيات قبله تدل عليه كما تأتى. وأول من خرجه على تقدير "أن" أبو علي، قال في "الإيضاح الشعري" في باب الصلات والأسماء الموصولات: قال الفرزدق:
فحق امرئ بين الوليد قناته ... وكندة بين المرتقى يتصعد
تقديره: أن يتصعد، فحذف "أن" كما قال جرير:
نفاك الأغر ابن عبد العزيز ... وحقك تنفى عن المسجد
أي: وحقك أن تنفى، والمعنى، يتصعد فوق المرتقى، فتقدم "فوق" كتقدم الجار في نحو قوله:
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
стр. 2253
وبمنزلة قوله تعالى: (يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ) [الفرقان/ ٢٢] والظرف بمنزلة الجار والمجرور، لأنا لجار مراد معه، والدليل على أن "أن" في هذا النحو بمنزلة المثبت في اللفظ ماجاء من قولهم: "لأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" حذفوا أن من هذا الكلام، فقالوا: تسمع بالمعيدي، فلولا أن "أن" في حكم المثبت، لم يجز هذا الكلام، ألا ترى أنك لا تخبر عن الجمل، ويدل على ذلك قولهم: تسمع بالمعيدي لا أن تراه، فلولا أن "أن" محذوفة مثلها مثبتة، ما جاز أن يعطف على تسمع الذي هو فعل بالاسم، ويدل على أنها محذوفة في هذا النحو بمنزلتها مثبتة أن أبا عثمان قد حكى عن ابن قطرب عن أبيه أنه سمع من العرب من يقول:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
بالنصب، فلولا أنها في حكم الإثبات لم ينصب الفعل، وقد حكى أحمد بن يحيى نحو ذلك، فقال: خذ اللص قبل يأخذك، وحكى أبو الحسن نحو ذلك، وقد جاء حذف أن من الكلام وما بعده مسنداً إلى الفعل، أنشد أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي:
وما راعني إلا يسير بشرطة ... وعهدي به قيناً يفش بكير
تقديره: "إلا أن يسير بشرطة" فلماحذفت "أن" جاز رفع الفعل وإن كانت مرادة. انتهى كلامه.
وقال أيضاً في باب "عسى" من ذلك الكتاب: أنشد أحمدبن يحيى:
وما راعنا ألا يسير بشرطة ... وعهدي به قيناً يفش بكير
فكما أن هذا على حذف "أن " تقديره: ما راعنا إلا سيره بشرطة، كذلك يكون فاعل عسى في نحو: عسى يفعل، إنم هو: عسى أن يفعل، كقوله تعالى:
стр. 2254
(وعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا) [البقرة/ ٢١٦] فتحذف أن، وهي في حكم الثبات. انتهى المراد منه.
وأورد ابن عصفور هذا البيت في كتاب "الضرائر" قال: ومنه وضع الفعل موضع المصدر على تقدير حذف "أن" وإرادة معناها من غير بقاء عملها، نحو قوله:
وما راعنا إلا يسير بشرطة ... وعهدي به قيناً يفش بكير
يريد: وما راعنا إلا أن يسير بشرطة، فحذف أن، وأبطل عملها، وهو يريد معناها، والدليل على أن الفعل المضارع يحكم له بحكم ما هو منصوب بأن، وإن كان مرفوعاً؛ قوله:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
في رواية من رفع "أحضر" ألا ترى أنه عطف "أن أشهد" على "أحضر" فدل ذلك على أن المراد: أن أحضر. انتهى المراد منه.
والبيت من أبيات أوردها ابن الأعرابي في "نوادره"قال: أنشدني الدبيري لرجل من بني أسد يقال له: معاوية بن خليل النصري في إبراهيم ذي الشقر، وكان ينسب إلى شقر القين، وكان إبراهيم أطرده عن بلاده، فأقام بالرمل، رمل بني حسل، فقال يهجو إبراهيم وكان يلقب فروخاً، وربما قال فروجاً، وهو إبراهيم بن حوران:
يعرض فروج بن حوران بنته ... كما عرضت للمشترين جزور
فأما قريش فهي تعرض رغبة ... وأما الموالي حولها فتدور
وما راعنا إلا يسير بشرطة ... وعهدي به قيناً يفش بكير
لحا الله فروجاً وخرب داره ... وأخزى بني حوران خزي حمير
стр. 2255
أراد: أخوته، قال: وهذا مثل قوله:
أريد هناك من هنين فتلتوي ... علينا ونأبى من هنين هنات
ومثله:
فأما الحسان فيأبينني ... وأما القباح فأبى أنا
ومثله قيل لامرأة: لم لم تتزوجي؟ قالت: رغبت عن أهل الشاء، ورغب عني أهل الإبل. انتهى ما أورده ابن الأعرابي.
وجزم ابن سيده في "المحكم" بأنه فروج، بالجيم، وقال: هو لقب إبراهيم بن حوران، وأنشد الأبيات، وبنت فروج اسمها الحمامة، وكان أبو حاضر، وهو أحد المشهورين بالزنى مشهراً بها، فقال فيه الفرزدق، وقيل زياد الأعجم:
أبا حاضر ما بال برديك أصبحا ... على ابنة فروج رداء ومئزرا
أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا
وكان أبو حاضر الأسدي: أسد بن عمرو بن تميم من أجمل الناس وأكملهم مظهراً.
والجزور، بفتح الجيم: ما ينحر من الإبل خاصة، يقع على الذكر والأنثى، وقوله: فهي تعرض رغبة، أي: عنها، وتعرض: مضارع أعرض عنهِ، والموالي قال صابح "المصباح": والمولى: العتيق، وهم موالي بني هاشم، أي: عتقاؤهم.
وقوله: وما راعنا ... إلى آخره، يحتمل أنيكون من راعني الشيء بمعنى: أفزعني، ومن راعني بجماله، أي: أعجبني، ويكون هذا على التهكم، وقال أيضاً: الشرطة كغرفة، وصاحب الشرطة: الحاكم، والشرطة: الجند، والجمع شرط، كرطب، والشرط على لفظ الجمع: أعوان السلطان، لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها للأعداء، الواحد شرطة مثل غرف وغرفة، وإذا نسبت إلى هذا
стр. 2256
قلت: شرطي بالسكون رداً إلى واحده، والشرط، بفتحتين: العلامة والجمع أشراط، كسبب وأسباب، ومنه أشراط الساعة. وقوله: وعهدي به .. إلى آخره، من عهدته بمال: عرفته به، والأمر كما عهدت، أي: كما عرفت، وهو قريب العهد بكذا، أي: غريب العلم والحال، وعهدي به قريب، أي: لقائي، كذا في "المصباح" وأراد بالقين هنا: الحداد بقرينة ما بعده، وهو في الأصل كل صانع، والفش بالفاء: إطلاق الريح المحبوسة ونحوها، والكير، بكسر الكاف: المنفخ، وأماكانونه الذي يوقد فيه الفحم ونحوه، فهو الكور، بضم الكاف.
وقوله: لحا الله .. إلى آخره، أي: قبحه ولعنه، وأصله من لحوت العود، أي: أخذت لحاءه، بالكسر والمد، وهو القشر الذي عليه، استعير لذهاب طراوة ماء الوجه وبهائه.
وقوله: وأخزى بني حوران .. إلى آخره، هو متعدي قولهم: خزي الرجل خزياً، من باب علم، أي: ذل وهان، وأخزاه الله: أهانه وأذله، كذا في "المصباح" وإنما ضرب الحمير مثلاً للذل والهوان، لأنها لا يركبها الأشراف المتعظمين، وإنما هي مركب الأذلاء والسفلة من الناس غالباً، فجعل الشاعر بنت فروج من جنس الحمير، هكذا رواه ابن الأعرابي بالإقواء، وهو اختلاف الروي بالرفع الجر، فإن البيتين الأخيرين مجروران، وما قبلهما مرفوع، وهو من عيوب القوافي.
стр. 2257
وأنشد بعده:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
تمامه:
فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الأربعين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والسبعون بعد الستمائة:
(٦٧٣) ولولا بنوها حولها لخبطتها
تمامه:
كخبطة عصفور ولم أتلعثم
هذا البيت لكعب بن مالك الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، نسبه إليه الجاحظ في كتاب "المحاسن والمساوئ" في ضمن حكاية قال: كان الهادي يشاور من أصحابه عبدا لعزيز بن موسى وعيسى بن دأب والعزيزي وعبدا لله [بن كعب] بن مالك، فخرج ذات يوم إليهم وهو مغضب، كأنه جمل هائج، منتفخا لوداج، منتقع اللون، فأقبل حتى جلس في مجلسه، وكان العزيزي أجرأهم عليه، فقال: يا أمير المؤمنين إنا نرى بوجهك ماكدر علينا عيشنا، وبغض الدنيا لدينا؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يخبرنا بالسبب، فإن كان عندنا حيلة، أعلمناه بها، وإن تكن مشورة أشرنا بها، وإن أمكن احتمال الغم عنه، وقيناه بأنفسنا، وحملنا الغم عنه. قال: فأطرق طويلاً والعزيزي قائم، فقال له: اجلس يا عزيزي فإني لم أر
стр. 2258
كصاحب الدنيا أكثر آفات، وأعظم نائبة، ولا أبغض عيشاً. قال العزيزي: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: لبابة بنت جعفر بن أبي جعفر، قد عرفتم موقعها مني، وأثرها عندي، كلمتني بإدلال فأغلظت، فلم لكن لها عندي احتمال ولا عندها إبصار حتى وثبت عليها، وضربتها ضرباً موجعاً، قال: وسكت، فقال ابن دأب: يا أميرا لمؤمنين، إنك والله لمت أت منكراً ولا بديعاً، قد كان أصحاب رسول الله، ﷺ ، يؤدبون نساءهم، ويضربونهن؛ هذا الزبير بن العوام حواري رسول الله وابن عمته، وثب على امرأته أسماء بنت أبي بكر، وهي أفضل نساء أهل زمانها، فضربها في شيء عتب عليها فيه ضرباً مبرحاً حتى كسر يدها، وكان ذلك سبب فراقها، وذلك أنها استغاثت بولدهاعبد الله، فجاء يخلصهامن أبيه، فقال: هي طالق إن حلت بيني وبينها، ففعل، وبانت منه، وهذا كعب بن مالك الأنصاري عتب على امرأته، وكانت من المهاجرات، فضربها حتى حال بنوها بينه وبينها فقال:
ولولا بنوها حولها لخبطتها ... كخبطة فروج ولم أتلعثم
قال: فسري عن موسى الهادي الغضب، وطابت نفسه، ودعا بالطعام، وأكلنا، وأمر له بعشرة آلاف دينار وثلاثين ثوباً، فتلهفت، وتعجبت من انقطاعي عن الحديثين، وهما في أبي، وأنا أعلم به مني. هذا آخر كلمه.
وقد نسب المصنف هذا البيت هنا، وفي "شرح أبيات ابن الناظم" إل الزبير ابن العوام، وكأنه اشتباه نظر نشأ من حكايته مع حكاية كعب بن مالك، وتبعه من جاء بعده في نسبته إلى الزبير، منهم: العيني والسيوطي، وشارح شواهد التفسيرين: خضر الموصلي، وشراح هذا الكتاب.
стр. 2259
قال المصنف في "شرح أبيات ابن الناظم": وقع المصراع الأول محرفاً في شرحي "الكافية" و"الخلاصة" والصواب "لخبطتها" من الخبط لا من الخطبة؛ لأن قوله: "كخبطة عصفور" يدفعه، والبيت للزبير بن العوام حوراي رسول الله، ﷺ ، أي: نصاره، وابن عمته صفية بنت عبد المطلب، ويلتقي معه في قصي، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين جعل فيهم عمر الخلافة، وقتل بوادي السباع بناحية البصرة سنة ست وثلاثين، وقد نيف على الستين بست أو سبع أوأربع، والضمير في بنوها لزوجته أسماء بنت الصديق، وكان الزبير ضراباً للنساء، وكانت أسماء رابعة أربع نسوة عنده، فإذا عضب على إحداهن ضربها بعود المشجب حتى يكسره، وكان أولاد أسماء يحولون بينه وبين ضربها، ولا سيما ولدها بعد الله. ويقال: خبطت الشجرة: إذا ضربتها بالعصا ليسقط ورقها، وتلعثم في الأمر: تمكث فيه وتأني. والشاهد في قوله: "حولها" انتهى كلامه.
وترجمة كعب بن مالك تقدمت في الإنشاد السابع والخمسين بعد المائة.
وأنشد بعده، هو الإنشاد الرابع والسبعون بعد الستمائة:
(٦٧٤) مضى زمن والناس يستشفعون بي
تمامه:
فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع
على أن جملة: "والناس يستشفعون بي" حالة وصاحب الحال نكرة، وهو زمن، والبيت آخر أبيات ثمانية أوردها الشرف هبة الله علي بن محمد بن حمزة الحسيني في "حماسته" لقيس بن ذريح وهي:
стр. 2260
أراجعة يا لبن أيامنا الألى ... بذي الطلح أم لا مالهن رجوع
سقى طلل الدار التي كنتم بها ... بشقي أيلى صيف وربيع
إلى الله أشكو نية شقت العصا ... هي اليوم شتى وهي أمس جميع
لعمرك إني يوم جرعاء مالك ... لعاص لأمر المرشدين مضيع
يقولون صب بالنساء موكل ... وهل ذاك من فعل الرجال بديع
ولو لم يهجني الظاعنون لهاجني ... حمائم ورق في الديار وقوع
تداعين فاستبكين من كان ذا هوى ... نوائح لم يقطر لهن دموع
مضى زمن .. البيت.
قوله: أراجعة، الهمزة للاستفهام، ولبن، بضم اللام وسكون الموحدة: منادى مرخم لبنى، اسم زوجته، كان أبوه أغضبه بطلاقها، فندم حتى جن بفراقها. وأيلى: موضع، والصيف كسيد: السحاب الماطر في الصيف، وأراد بالربيع: مطر الربيع، والنية: الجهة التي ينويها المسافر، وشق العصا: عبارة عن التفرق والتشتت، وشتى: جمع شتيت، وأهاجه: أثاره وحرك ما كان عنده من ساكن، وتداعين: دعا بعضهن بعضهاً، واستبكين: طلبن البكاء.
وأورده أبو علي القالي أيضاً في "أماليه" ضمن قصيدة عدتها عشرون بيتاً قال: أنشدنا أبو بكر بن الأنباري قال: أنشدناأبو الحسين ابن البراء، قال: أنشدني إبراهيم بن سهل لقيس بن ذريح قال: والناس ينحلونها غيره، وبعضهم يصححها له، وأنشدني أبي عن أحمد بن عبيد عن أبي عمروا لشيباني لقيس المجنون:
سأصرم لبنى حبل وصلك مجملاً ... وإن كان صرم الحبل منك يروع
وسوف أسلي النفس عنك ما سلا ... عن البلد النائي البعيد نزيع
وإن مسني للضر منك كآبة ... وإن نال جسمي للفراق خشوع
سفى طلل الدار ... البيت. يقولون صب ... البيت. مضى زمن والناس ... البيت.
стр. 2261
أيا حجرات الحي حين تحملوا ... بذي سلم لا جادكن ربيع
وخيماتك اللاتي بمنعجر اللوى ... بلين بلى لم تبلهن ربوع
إلى الله أشكو ... البيت. تجاوبن فاستبكين ... البيت. لعمرك إني يوم ... الييت.
ندمت على ما فات مني فقدتني ... كما ندم المغبون حين يبيع
إذا ما لحاني العاذلات بحبها ... يؤرقني والعاذلات هجوع
عدمتك من نفس شعاع فإنني ... نهيتك عن هذا وأنت جميع
فقربت لي غير القريب وأشرفت ... هناك ثنايا ما لهن طلوع
تضعفني حبيك حتى كأنني ... من الأهل والمال التليد خليع
وحتى دعاني الناس أحمق مائقاً ... وقالوا مطيع للضلال تبوع
وأورد صاحب "الأغاني" خمسة عشر بيتاً من هذه القصيدة في ترجمة قيس بن ذريح قال: أنشدني أحمد بن جعفر جحظة، قال: أنشدني أحمد بن يحيى ثعلب لقيس بن ذريح وكان يستحسن هذه الأبيات من شعره:
سقى طلل الدار التي كنتم بها ... حناتم منها صيف وربيع
مضى زمان والناس ... البيت
ستصرم لبني حبك اليوم مجملاً ... البيت
فسوف أسلي النفس ... البيت. وإن مسني منك ... البيت. يقولون صب بالنساء ... البيت.
ندمت على ما كان مني ندامة ... البيت
فقدتك من نفس ... البيت. فقربت لي غير ... البيت. إلى الله أشكو نية ... البيت. فيا حجرات الدار ... البيت. فلو لم يهجني ... البيت تداعين فاستبكين ... البيت. إذا أمرتني العاذلات ... البيت. وكيف أطيع العاذلات ... البيت.
стр. 2262
وقيس بن زريح ينتهي نسبه إلى كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وكان منزل قومه في ظاهر المدينة المنورة، وكان هو وأبوه من حاضرة المدينة، ومضى يوماً لبعض حاجته بخيام بني كعب بن خزاعة والحي خلوف، فوقف على خيمة لبنى بنت الحباب الكعبية، فاستسقى ماء، فسقته فلما رآها وقعت في نفسه، وانصرف منها وفي قلبه حر لا يطفأ، فجعل يقول الشعر فيها حتى اشتهر، وسأل أباه وأمه أن يزوجاه بها، فأبيا، فأتى الحسين بن علي، ﵉، وكان رضيعه فشكا إليه ما به، فقال له الحسين: أنا أكفيك، فمشى معه إلى أبي لبنى، فأجابه، فعقد له عليها، فأقام معها مدة، وكان قيس أبر الناس فأمه، فشغلته لبنى عنها، فشكت إلى أبيه، فاتفق معها أن يلزما قيساً بطلاق لبنى فطلقها بعد عسر منها، فاختل عقله، وبقي هائماً في القفار، وقال فيها أشعاراً كثيرة، وقد أطنب صاحب "الأغاني" في ترجمته، وأورد من شعره فيها شيئاً كثيراً.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والسبعون بعد الستمائة:
(٦٧٥) وقائلة تخشى على أظنه ... سيودي بهت رحاله وجعائله
على أن جملة: "تخشى علي" حال من ضمير قائلة، وجملة "أظنه سيودي به إلى آخره" مقول القول، وسها الشارح، فجعل المقول جملة "سيودي ... إلى آخره" ولم ينبه عليه أحد، بل تبعه الشراح، وهذا مبني على الظاهر، وإلا فيجوز أن يجعل جملة "تخشى علي" صفة لقائلة، وجملة "أظنه إلى آخره" محكية بقول محذوف تقديره: تقول. وقال أبو حيان في "تذكرته": اسم الفعل قد قيل يعمل إذا وصف قليلاً شاذاً جداً، ولا يجوز في الكلام، وأنشدوا:
стр. 2263
إذا فاقد خطباء فرخين رجعت ... ذكرت سليمى في الخليط المباين
كذا ذكره في "الإغفال" وقال في موضع آخر في بيت ذي الرمة:
وقائلة تخشى علي أظنه ... سيودي به ترحاله وجعائله
إنه من هذا، ثم قال: الأحسن أن يستأنف إضمار قول، أي: تقول أظنه، وتخشى: حال من الضمير في قائلة. انتهى كلامه, وظهر من هذا أن أول من استدل بهذا البيت أبو علي الفارسي، وقافية البيت بائية لا لامية كماأنشده أبو علي في "الحجة" والبيت آخر قصيدة لذي الرمة مطلعها:
وقفت على ربع لمية ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
وأسقيه حتى كاد مما أبثه ... تكلمين أحجاره وملاعبه
إلى أن قال:
ألا رب من يهوى وفاتي ولو أتت ... وفاتي لذلت للعدو مراتبه
وقائلة تخشى علي أظنه ... سيودي به، ترحاله وجعائله
قوله: وقفت على ربع .. البيتين، هما من شواهد علم النحو وغيره، قال شارح ديوانه الأصمعي: قوله: أبثه، أي أخبره بكل ما في نفسي، وقوله: وأسقيه، أي: أدعو له بالسقيا، وملاعبه: مواضع يلعب فيها، وأصل المرتبة: الدرجة، وأراد: لذل للعدو ما كان مستصعباً.
وقوله: وقائلة .. إلى آخره، أي: تقول: أظنه سيودي به ترحاله، أي: سيهلكه ترحاله، وكثرة ذهابه في الأسفار. انتهى. وقائلة: معطوف على مدخول رب، ويودي: مضارع أودى الشيء، بالدال المهملة، بمعنى ذهب وهلك، والترحال: مصدر كالرحيل، وبناؤه للمبالغة، أي: كثرة الترحل.
وترجمة ذي الرمة تقدمت في الإنشاد الرابع والخمسين.
стр. 2264
الباب الثالث
أنشد فيه، وهو الإنشاد السادس والسبعون بعد الستمائة:
(٦٧٦) واشتغل المبيض في مسوده ... مثل اشتعال النار في جزل الغضى
هو من مقصورة ابن دريد، وأول القصيدة:
يا ظبية أشبه شيء بالمها ... ترعى الخزامى بين أشجار النقى
إما تري رأسي حاكى لونه ... طرة صبح تحت أذيال الدجا
واشتعل المبيض .. البيت.
فكان كالليل البهيم حل في ... أرجائه ضوء صباح فانجلى
قوله: يا ظبية أشبه ... إلى آخره، قال ابن هشام اللخمي في "شرح المقصورة": هذا البيت لم يثبت في أكثر الروايات، وإنما وقع في رواية شاذة، وهي رواية أبي إسحاق بن مخلد قال: والمها: جمع مهاة: وهي الشمس، والعرب تشبه وجه المرأة بالشمس في الإشراق، والمهاة أيضاً: الدرة والعرب تشبه المرأة بها في الضياء، والمهاة أيضاً: بقرة الوحش، والعرب تشبه المرأة بها لحسن عينيها ومشيها، والمهاة: أيضاً البلورة، والعرب تشبه المرأة بها في البياض، فيحتمل أن يكون شبه المرأة التي جعلها ظبية على الاتساع بأحد هذه الأربعة، وترعى: تأكل، والخزامى: خيري البر، والنقا: الرمل، يكتب بالألف والياء، وكذلك المها: والظبية: الغزالة تشبه العين والجيد بعينها وجيدها.
стр. 2265
وقوله: إما تري، أصله: إن ما، وإن: شرطية وما: زائدة، وحاكى: شابه، وطرة كل شيء: حافته، والصبح: تأويله الإشراق، والدجى: جمع دجية، وهي الظلمة، يكتب بالألف، لأنه واوي، والكوفيون يكتبونه بالياء. وهذا المطلع مأخوذ من قول الأفوه الأودي في أول قصيدته:
إما تري رأسي أودى به ... مأس زمان ذي انتكاس مؤوس
حتى حنى مني قناة المطا ... وقنع الرأس بلون خليس
المأس: الفاسد، ومؤوس: مفسد، ولون خليس، أي: سواد وبياض. وقوله: واشتعل المبيض إلى آخره ... واشتعل: فشا وانتشر، والجزل: الغليظ، والغضا: ضرب من الشجر ناره تبقى زماناً، يكتب بالألف، وهذا مأخول من قوله تعالى: (واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) [مريم/ ٣] وقال الشاعر في هذا المعنى:
إن تري رأسي أمسى واضحاً ... سلط الشيب عليه فاشتعل
ومثل: منصوب، أي: اشتعل المبيض في مسوده اشتعالاً مثل اشتعال النار. وترجمة ابن دريد تقدمت في الإنشاد التاسع والخمسين بعد الستمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والسبعون بعد الستمائة:
(٦٧٧) وإن لساني شهدة يشتفى بها ... وهو على من صبه الله علقم
قال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: هذا البيت أورده الفارسي في "التذكرة" عن قطرب والبغداديين، وفيه أربعة شواهد:
أحدها: تشديد واو "هو".
стр. 2266
الثاني: تعليق الجار بالجامد لتأويله بالمشتق، وذلك لأن قوله: هو علقم، مبتدأ وخبر، والعلقم هو الحنظل، وهو نبت كريه الطعم، وليس المراد هذا، بل المراد شديد أو صعب، فلذلك علق به "على" المذكورة، ونظيره قوله: كل فؤاد عليك أم، فعلق "على" بأم لتأويله إياها بمشتق، وعلى هذا ففي "علقم" ضمير كما في قولك: زيد أسد، إذا أولته بقولك: شجاع.
الثالث: جواز تقديم معمول الجامد المؤول بالمشتق إذا كان ظرفاً.
الرابع: جواز حذف العائد المجرور بالحرف مع اختلاف المعلق إذ التقدير: وهو علقم على من صبه الله عليه، فعلى المذكورة متعلقة بعلقم، والمحذوفة متعلقة بصب. انتهى كلامه باختصار يسير.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والسبعون بعد الستمائة:
(٦٧٨) أنا أبو المنهال بعض الأحيان
قال أبو علي في "الإيضاح الشعري" أنشد أحمد بن يحيى:
أنا أبو المنهال بعض الأحيان ... ليس علي حسبي بضؤلان
إن قلت: بم يتعلق قوله: بعض الأحيان؟ فالقول فيه أنه يتعلق بأحد شيئين، إما أن يكون أبو المنهال كنية بعض من يقرب منه، فقال: أنا أبو المنهال، أي: مثله، فتعلق الظرف بهذا الذي يحذى من معنى الفعل، ويكون أبو المنهال رجلاً نبيهاً أو ممتنعاً على من يريده، وقد عرف بذلك حتى إذا ذكر، دل على النباهة والامتناع، فيتعلق الظرف بهذا المعنى، ومثل ذلك قوله في قراءة من قرأ: (كَلاَّ إنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى) [المعارج/ ١٦] ألا ترى أن "لظى" وإن كانت علماً، فقد صار إذا ذكرت، دلت على التلظي، فكما انتصب الحال من معنى الفعل الذي في هذا الاسم، كذلكيتعلق الظرف بما في أبي المنهال من معنى الفعل. انتهى المراد منه.
стр. 2267
وقد عقد ابن جني لهذا باباً في أواخر "الخصائص" قال في "باب الاستخلاص من الأعلام معاني الأوصاف": منذ لك ما أنشدناه أبو علي من قول الشاعر:
أنا أبو المنهال بعض الأحيان ... ليس علي حسبي بضؤلان
أنشدنيه ونحن في دار الملك، وسألني عما يتعلق به الظرف الذي هو "بعض الأحيان" فخضنا فيه إلى أن برد في اليد من جهته أنه يحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون أراد: أنا مثل أبي المنهال، فيعمل في الظرف على هذا معنى التشبيه، أي: أنا أشبه أبا المنهال في بعض الحيان، والآخر أن يكون قد عرف من أبي المنهال هذا الغناء والنجدة، فإذا ذكر فكأنه قد ذكر، فيصير معناه إلى أنه كأنه قال: أنا المغني في بعض الأحيان، أو أنا المنجد في بعض تلك الأوقات، أفلا ترى كيف انتزعت من العلم الذي هو "أبو المنهال" معنى الصفة والفعلية؟ ! ومنه قولهم: "إنما سميت هانئاً لتهنأ .. إلى آخر ما ذكره من الأمثلة.
ومقتضى كلامهما أن أبا المنهال ليس صاحب الرجز، وليس كذلك، بل هو صاحب الرجز، وهو من رجز أورده له العلامة ابن بري في "أماليه" على "صحاح الجوهري" في مادة: "أين" قال هناك؛ وقال أبو المنهال:
حدبدبا بدبدبا منكم لان ... إن بني فزارة بن ذبيان
قد طرقت ناقتهم بإنسان ... مشنأ سبحان ربي الرحمن
أنا أبو المنهال بعض الأحيان ... ليس علي حسبي بضؤلان
والمنهال: الرجل الكثير الإنهال، والمنهال: الغاية في السخاء، فيكون الشاعر كنى نفسه بأحد هذين المعنيين، ثم اشتهر بهذه الكنية، وذكر الكنية عند العرب للتمدح والافتخار كقوله:
стр. 2268
أنا أبو النجم وشعري شعري
أي: أنا الممدوح بهذه الكنية، المعروف بها لا غيري، فيتعلق به الظرف.
قال ابن السيد فيماكتبه على "كامل" المبرد: قال أبو العباس المبرد: كل من كان اسمه من آل المهلب أبا عيينة فكنيته أبوا لمنهال. انتهى.
ورأيت في شرح "ديوان الفرزدق" أن أبا المنهال هو أبو عيينة بن المهلب، والضؤلان، بضم الضاد المعجمة وسكون الهمزة: الضعيف الحقير كالضئيل، وأصله في الجسم، وهو الصغير النحيف من الرجال، وفي "القاموس": وهو عليه ضؤلان، أي: كل. والحسب: ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه، ويقال: حسبه: دينه، ويقال: ماله، وعلي، بتشديد الياء، متعلق بضؤلان. وقوله: حدبدبا بدبدبا: لعبة للصبيان. وقوله: لان، أصله: الآن، وهو الوقت الحاضر، حذفت همزته، وطرقت، أي: ولدت بعسر، يقال: طرقت الناقة بولدها: إذا نشب ولدها، ولم يسهل خروجه، وكذلك المرأة، ومشنأ: مهموز الآخر، اسم مفعول من الشنآن، أي: مبغض.
وقد أورد الصاغاني هذا الرجز في "العباب" على غير هذا الوجه، وليس في آخره البيت الشاهد، ولا ما بعده، قال: ويقال: شيأ الله وجهه، بالياء المثناة التحتية المشددة وبالهمزة، إذا دعوت عليه بالقبح، قال سالم بن دارة يهجو مرة بن رافع المازني:
حدنبدى حدنبدى حدنبان ... حدبندى حدنبدى يا صبيان
إن بني فزارة بن ذبيان ... قد طرقت ناقتهم بإنسان
مشيأ سبحان وجه الرحمان ... لا تقتلوه واحذروا ابن عفان
حتى يكون الحكم فيكم ما كان ... قد كنت أنذرتكم يا نغران
من رهبة الله وخوف السلطان ... ورهبة الأدهم عند عثمان
هكذا الرواية، وأنشد أبو عمر في "اليواقيت" خمسة مشاطير، وروايته وبعد الشطرين الأولين:
стр. 2269
إن بني سوأة بن غيلان ... قد طرقت ناقتهم بإنسان
مشيأ الخلق تعالى الرحمن ... لا تقتلوه واحذروا ابن عثمان
والمعول على الرواية الأولى. انتهى ما أورده، والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال.
وأورد الخطيب التبريزي في "شرح الحماسة" هذا الرجز على نمط آخر وهو:
حدبدبا بدبدبا منك الآن ... استمعوا أنشدكم يا ولدان
إن بني فزارة بن ذبيان ... قد طرقت ناقتهم بإنسان
مشيأ أعجب بخلق الرحمان ... غلبتم الناس بأكل الجرذان
وسرق الجار ونيك البعران ... كل متل كالعمود جوفان
قال: حدبدبا: كلمة جاء بها في معنى التعجب مما هو فيه، وأصلها لعبة يلعب بها الصبيان، ويختلف في لفظها، وبعضهم يقول: حدبدبا، ببائين، وبعضهم يقول: حدندبا، وبعضهم يقول: حديدبا. يقول: اجتمعوا يا صبية لتلعبوا هذه اللعبة، وإنما غرضه أن يعجب الناس مما هو فيه، ويعلمهم أنه في أمر كلعب الصبيان. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والسبعون بعد الستمائة:
(٦٧٩) أنا ابن ماوية إذ جد النقر
على أن "إذ" ظرف متعلق بما تضمنه ابن ماوية من معنى الشجاع، قال ابن السيد في "شرح أبيات الجمل": "أنا ابن ماوية" كلام [خرج مخرج الافتخار] لا يقوله إلا [رجل مشهور] عند الناس، قال أبو النجم:
أنا أبو النجم وشعري شعري
стр. 2270
وقال اللخمي في "شرح أبيات الجمل" أيضاً: أي: أنا الشجاع البطل عند اشتداد الحرب، وإذ ظرف، والعامل فيه ما في الكلام من معنى الانتساب، والتقدير أنا منسوب إلى ماوية، إذ جد النقر، وأنشد سيبويه هذا البيت في باب الوقف من "كتابه"، قال الأعلم: الشاهد فيه إلقاء حركة الراء على القاف للوقف، والنقر: صويت تسكن به الفرس عند اشتداد حركته، أي: أنا الشجاع البطل إذا حتمت الخيل عند اشتداد الحرب. انتهى. وماوية: أم الراجز اشتهر بها، قال ابن السيد: ومعنى جد: اشتد وتحقق، والنقر: صويت باللسان يسكن به الفرس إذا اضطرب بفارسه. قال امرؤ القيس:
أخفضه بالنقر لما علوته
وكذا قال اللخمي في تفسير النقر، وزاد في آخره: ومخرجه من الخيشوم. وبعد هذا الشطر:
وجاءت الخيل أثابي زمر ... أحمل في الهيجاء داباً وأكر
انتهى. وأثابي: جمع أثبية، بالتشديد فيها بمعنى جماعة، قال ابن جني في "إعراب أبيات الحماسة": يقال: جاء فلان في أثبية من قومه، وأثبية وزنها أفعولة من لفظ الثبة، ومعناها، ومنه قولهم: ثبت الثناء على الرجل: إذا أكثرته عليه قال لبيد:
يثبي ثناء من لبيد وقوله ... إلا انعم على حسن التحية واشرب
ولام، أثبية وثبة، واو، لما وصى به أبو الحسن من اللام المحذوفة إذا جهل أمرها على الواو، لنها الباب الأكبر، وأصله أثبوة غير أن الحرف طال، فثقلت
стр. 2271
لامه، فقلبت ياء، كأدحية: من دحوت، وقياس من قال: أحدوة وأدعوة أن يقول: أثبوة. انتهى.
والبيت نسبه سيبويه وشراح شواهده إلى بعض السعديين، وقال ابن السيد: لا أعلم قائله، وأظنه لعبيد بن ماوية الطائي، لقوله: "أنا ابن ماوية"، وجزم به اللخمي، وقال الصاغاني في "العباب": هو لفدكي بن أعبد المنقري قال: ونقرت بالفرس نقراً، وهو صويت تزعجه به، وذلك أن تلصق لسانك بحنكك، ثم تفتح، وقول الفكدي بن أبعد المنقري:
أنا ابن ماويةإذ جد النقر
أراد: النقر بالخيل، فلما وقف نقل حركة الراء إلى القاف إذا كان ساكناً ليعلم السامع أنها حركة الحرف في الوصل كما تقول: هذا بكر، ومررت ببكر، ولا يكون ذلك في النصب، وإن شئت لم تنقل، ووقفت على السكون وإن كان قبله ساكن. انتهى كلامه، ومن خطه نقلت.
وقال في مادة "فدك": وفدكي بن أعبد أبو ميا أم عمرو بن الأهتم، وأمها بنت علقمة بن زرارة. قال عمرو بن الأهتم:
نمتني عروق من زرارة للعلى ... ومن فدكي والأشد عروق
انتهى. وعمرو بن الأهتم صحابي، وفدكي، بفتح الفاء والدال بعدها كاف والياء مشددة، والمنقري: نسبة إلى منقر، بكسر الميم، وسكون النون، هو أبو حي من تميم، وهو منقر بن عبيد بن مقاعس، وهو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد ابن زيد بن تميم.
стр. 2272
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثمانون بعد الستمائة:
(٦٨٠) حتى شآها كليل موهناً عمل
تمامه:
باتت طراباً وبات الليل لم ينم
على أن "موهناً" ظرف لكليل لا مفعول به خلافاً لسيبويه. قال الأعلم: الشاهد نصب الموهن بكليل، لأنه مغير عن بنائه للتكثير، وقد رد هذا التأويل على سيبويه بأن فعيلاً وفعلاً بناءان لما لا يتعدى في الأصل، والمعنى عنده: أن البرق ضعيف الهبوب، كليل في نفسه، وهذا الرد غير صحيح، إذ لو كان كليلاً- كما قال- لم يقل "عمل" وهو الكثير العمل، ولا وصفه بقوله: وبات الليل لم ينم، والمعنى على مذهب سيبويه: أنه وصف حماراً وأتناً نظرت إلى برق مستمطر دال على الغيث يكل الموهن بدؤوبه وتوالي لمعانه، كما يقال: أتعبت ليلك، أي: سرت فيه سيراً حثيثاً متعباً متوالياً، والموهن: وقت من الليل فشاها ذلك البرق، أي: ساقها وأزعجها إلى مهبه، فباتت طربة إليه، منتقلة نحوه، وفعيل بمعنى مفعل: موجود كثير، يقال: بصير في معنى مبصر، وعذاب أليم بمعنى مؤلم، وسميع بمعنى مسمع، وكذلك كليل في معنى مكل، وإذا كان في معناه عمل عمله، لأنه مغير منه للتكثير. انتهى كلامه.
وقال غبن خلف أيضاً: الشاهد نصب: موهناً بكليل نصب المفعول به، لأنه بمعنى مكل، فيعمل عمله، وقال المبرد: موهناً ظرف، وليس بمفعول به، ولا حجة له فيه، وجعل كليلاً من كل يكل، وكل لا يتعدى إلى مفعول به، فكيف يتعدى كليل. قال أبو جعفر: لا يجوز عند الجرمي والمازني والمبرد أن يعملوا
стр. 2273
فعيلاً فقال: وما علمت إلا أن النحويين مجمعون على ذلك، ولا يجيزون هو رحيم زيداً، ولا عليم الفقه، والعلة فيه أن فعيلاً في الأصل من فعل فهو فعيل، وهذا لا ينصب بإجماعهم وهو معهم على ذلك، وفعيل هذا بمنزلة ذاك، لأنه إنما يخبر به عما في الهيئة، فهو ملحق به لا يعمل كما لا يعمل، وفعل عند المبرد بمنزلته، واحتج بقولهم: رجل طب وطبيب. قال أبو إسحاق في الحجة لسيبويه في إعمال فعيل: إن الأصل كان لا يعمل إلا ما جرى على الفعل، فلما أعلموا ضروباً؛ لأنه بمعنى ضارب، وجب أن يكون فعيل مثله، قال: ومنه قدير، وسيبويه أورد هذا على أنه للمبالغة في كال، وكال يتعدى إلى مفعول على تقديره، وكأن الذي عند سيبويه أن كللت يتعدى، ويكون معناه أنه كلل الموهن، أي: جعل يبرق فيه برقاً ضعيفاً، وزعم أن كليلاً بمعنى مكل وليس هذا من مذهب سيبويه في شيء؛ لأن سيبويه غرضه ذكر فعيل الذي هو مبلغه فاعل، وما تعرض لفعيل الذي هو بمعنى مفعل. وقد روى أبو الحسن اللحياني في "نوادره" أن بعض العرب يقول في صفة الله : " هو سميع قولك وقول غيرك، بتنوين سميع ونصب قولك، وهذا يشهد لصحة مذهب سيبويه.
وقال أبو نصر هارون بن موسى: زعم الراد على سيبويه أن موهناً ظرف، وهو على ما ذكره فاسد المعنى، والكليل هنا: البرق، والموهن: وقت من الليل، ولو كان ظرفاً لوصف البرق بالضعف في لمعانه، وإذا كان بهذه الصفة، فكيف يسوقها وهو لا يدل على المطر؟ ولكن البرق إذا تكرر في لمعانه واشتد ودام، دل على المطر وساق، وأتعب الموهن في ظلمته، لأنه كلما هب ذهبت الظلمة، ثم يرجع إذا فتر البرق، ثم يذهب إذا لمع، فلذلك عدى الشاعر الكليل إلى الموهن. انتهى.
وقد نقلنا نص كلام سيبويه، هذه المسألة في شرح الشاهد الرابع من بعد الستمائة من شواهد الرضي.
стр. 2274
والبيت من قصيدة لساعدة بن جؤية الهذلي، تقدم شرح أبيات من أولها في الإنشاد الثاني والستين.
وقوله: حتى شاها، فاعل شأى: كليل، وها: ضمير الصوار في بيت قبله، والصوار بكسر الصاد المهملة: جماعة البقر، قال السكري في "شرح أشعار هذيل": قوله حتى شاها يعني: شأى البقر، يقال: شؤته، فكان ينبغي أن يقول: شاءها، فقلب، فقدم الهمزة، ومعنى شؤته: سبقته وهيجته وسررته، يقول: حتى شاق البقر كليل، وهو البرق الضعيف، وموهناً: بعد هدء من الليل، وعمل أي: ذو عمل، لا يفتر البرق من اللمعان، وباتت طراباً، يعني: البقر، وبات الليل يعني: البرق، وعما: دائب، يقال للرجل إذا دأب: قد عمل يعمل. انتهى.
وقال ابن خلف: شاها: ساقها، وقال الأخفش: تبعها، يقال: شاءني الأمر وشآني: ساقني، ويقال أيضاً: شآني، حزنني، وكليل، أي: برق ضعيف، وإنما كان ضعيفاً، لأنه ظهر من بعيد، والموهن، بفتح الميم وكسر الهاء: قطعة من الليل، والعمل، بكسر الميم: الدائب المجتهد في عمله، الذي لا يفتر، وباتت طراباً: يعني البقر الوحشية طراباً إلى السير، إلى الموضع الذي فيه البرق، وبات البرق الليل أجمع لا يفتر عن اللمعان، فعبر عن البرق أنه لم ينم لاتصاله من أول الليل إلى آخره.
وقد أوردنا عدة أبيات من هذه القصيدة مع هذا البيت، وشرحناها في الإنشاد الثامن والثلاثين بعد الخمسمائة.
стр. 2275
ولما لم يقف الدماميني على أصل الشعر قال: شآها: سبقها، والضمير للسحاب، وتبعه ابن الملا وغيره من الشراح
وأنشد بعده:
ونعم من هو في سر وإعلان
صدره:
ونعم مزكا من ضاقت مذاهبه
وتقدم شرحه في الإنشاد الرابع والثلاثين بعد الخمسمائة.
وأنشد بعده:
لمية موحشاً طل
تمامه:
يلوح كأنه خلل
وتقدم شرحه في الإنشاد الثالث والعشرين بعد المائة.
وأنشد بعده:
أبا خراشة أما أنت ذا نفر
تمامه:
فإن قومي لم تأكلهم الصبع
وتقدم شرحه في الإنشاد الثالث والأربعين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثمانون بعد الستمائة:
(٦٨١) وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول
стр. 2276
على أن بعضهم قال: "غداة البين": ظرف للنفي، واقتصر المصنف في "شرح بانت سعاد" على تعلق غداة بكاف التشبيه المحذوفة، بل آل كلامه هناك إلى أنه لا يجوز تعليق غداة إلا بذلك الحرف، فإنه قال هناك: فإن قلت: الحرف الحامل لمعنى التشبيه مقدر بعد إلا، وما بعد إلا لا يعمل فيما قبلها إذا كان فعلاً مذكوراً بالإجماع، فما ظنك به إذا كان حرفاً محذوفاً؟ قلت: المخلص من ذلك أن يقدر حرف التشبيه قبلها، وقبل الظرف أيضاً، داخلاً على سعاد، أي: وما كسعاد في هذا الوقت إلا ظبي أغن. انتهى. ولا ضرورة إلى ذلك، ولا إلى تعلقه بحرف النفي؛ لجواز تعلقه بمضاف محذوف، والتقدير: وما وصف سعاد غداة البين إلا كوصف ظبي أغن، أو ما حال سعاد إلا كحال ظبي، فالظرف يتعلق بهذا المضاف، كما قالوا يتعلق الظرف به في قوله تعالى: (واذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إذِ انتَبَذَتْ) [مريم/١٦] أي: حال مريم وأتعجب من قول المصنف هنا: وقد ذكرت في شرحي لقصيدة كعب أن المختار تعلق الظرف بمعنى التشبيه. انتهى. وأراد بغير المختار: التعلق بحروف النفي، ووجه التعجب أنه لم يذكر هناك تعلق بحرف النفي أصلاً، وإنما ذكر تعلقه بحرف التشبيه لا غير، وإخباره هذا مبني على توهم ذكرها هناك من غير مراجعة، ولم ينتبه لهذا شراح المغني.
والبيت من أول قصيدة "بانت سعاد" والغداة: مقابل العشي، والمراد هنا مطلق الزمن، والبين: الفراق، وإذ: بدل من غداة. وجمع ضمير "سعاد" في رحلوا باعتبار قومها، والأغن من وصف الظبي، والغنة: صوت لذيذ يخرج من الأنف، شبهها بالظبي الأغن، ووجه الشبه هنا النفور، والطرف: العين، والغض: فتور وانكسار يكون في الأجفان. وقد شرح المصنف هذا البيت شرحاً وافياً شافياً في شرحه لهذه القصيدة. وقد كتبنا ما يتعلق به في حاشيتنا عليه. وترجمة كعب تقدمت في الإنشاد العشرين بعد الثلاثمائة.
стр. 2277
وأنشد بعده:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
وتقدم شرحه في الإنشاد الثالث والستين بعد الثلاثمائة:
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثمانون بعد الستمائة:
(٦٨٢) تعيرنا أننا عالة ... ونحن صعاليك أنتم ملوكا
على أن "صعاليك وملوك" حالان، وعاملهما كاف التشبيه المحذوفة، وكذا أورده الخبيصي في "شرح الكافية الحاجبية" المسمى ب "الوشاح" وقد شرح شواهده الكرماني باسم "الشاه شجاع" قال فيه: البيت للنابغة، يقال: عيرته كذا، والعامة تقول: عيرته بكذا. قال النابغة:
وعيرتني بنو ذبيان رهبته ... وهل على بأن أخشاه من عار
والعالة جمع عائل، وهو الفقير، والصعاليك جمع صعلوك: وهو الفقير، وقوله: أننا عالة: في موضع المفعول الثاني لتعيرنا، وقوله: ونحن: مبتدأ، وخبره أنتم، وصعاليك: حال من نحن، وملوك حال من أنتم، والعامل فيهما معنى التشبيه المستفاد من إسناد أنتم إلى نحن، فإن قيل: فعلى هذا كان القياس أن لا تتقدم الحال على مثل هذا العامل؟ قلت: قال شارح "التسهيل": ومما يعمل في الحال، ولا تتقدم الحال عليه نحو زيد مثلك شجاعاً، وكذا إذا كان التشبيه ضمناً نحو: أبو يوسف أبو حنيفة فقهاً، وقد يتوسط هذا النوع بين حالين، فيعمل في إحداهما متأخراً، وفي الأخرى متقدماً كقوله:
تعيرنا أننا عالة ... البيت
стр. 2278
أراد: نحن في حال تصعلكنا مثلكم في حال ملككم، فحذف مثل، وأقام المضاف إليه مقامه مضمناً معناه، وأعمل ما فيه من معنى التشبيه. انتهى. هذا آخر كلام الكرماني وقد أورد العلم السخاوي هذا البيت في كتابه "سفر السعادة" الذي نقل منه المصنف قال: مسألة سأل عنها على بن أبي زيد الفصيحي، [أبا] القاسم بن علي الحريري، قال: ما يقول سيدنا، أدام الله توفيقه، في انتصاب لفظي بعض الشعراء وهو قوله:
تعيرنا أننا عالة ... ونحن صعاليك، أنتم ملوكاً
فعلى ماذا عطف قوله: ونحن؟ وعلى أي وجه يعمل المتنبي وغيره من الشعراء نحو: أسمر مقبلها، وأبيض مجردها؟ وهل هما من الصفات المشبهة بأسماء الفاعلين أم لا؟ فإن الشريطة في الصفة المشبهة باسم الفاعل أن لا تكون جارية على يفعل من فعلها، نحو: حسن وكريم، فإن حسناً ليس على زنة حسن. وأسمر على زنة يسمر ويسمر فإن اللغتين قد حكينا، وليس هذا شرطها. ينعم بإيضاحها.
فالجواب: اللهم إنا نعوذ بك أن نعنت كما نستعيذك أن نعنت، ونبرأ إليك من أن نفضحن كما نستعصمك من أن نفضح، ونستميحك بصيرة تشغلنا بالمهمات عن الترهات، وتنزهنا عن التعلم للمباهاة والمباراة، ونسألك اللهم أن تجعلنا ممن إذا رأى حسنة رواها، وإن عثر على سيئة وراها، برحمتك يا أرحم الراحمين.
стр. 2279
وقفت على السؤالين الملوح بشر مصدرهما، وهجنة مصدرهما، إذ كان رسول الله ﷺ : "نهى عن الأغلوطات" وزجر عن تطلب السقطات والعثرات، وكان ابن سيرين [﵀] إذا سئل عن عويص اشمأز منه، وقال: سل أخاك إبليس عن هذا، ومع هذا فإني كرهت رد السائل، ولرب عيني أفصح من لسن، لا سيما إذا لم يأت بحسن.
أما السؤال الأول، فهو من مسائل المعاياة، وأسئلة الإعنات، ولا عيب أن يجهله النحوي المدرس فضلاً عمن لا يدعي ولا يلبس، وهو من الأبيات التي جرى فيها التقديم والتأخير لضرورة الشعر، تقديره: تعيرنا أننا عالة صعاليك ملوكاً أنتم ونحن، وعالة فيه: جمع عائل، المشتق من عال يعول، وانتصاب صعاليك به، وملوكاً صفتهم.
وأما أسمر وأبيض، فإنما أعملا لمجيء الفعل منهما على أفعل وأفعال المخالفين لزنتهما، فهذا ما حضرني من الجواب، ولعلني نكبت فيه عن طريق الصواب.
قلت: وما أرى هذا الجواب مستقيماً، لأن الملوك لا يكون صفة للصعاليك، وقوله في تقديره: "صعاليك ملوكاً أنتم ونحن" لا معنى له، وإنما الصواب أن يقال: عالة بمعنى عالني الشيء إذا أثقلني، أي: تعيرنا بأنا عالة ملوكاً، أي نثقلهم بطرح كلنا عليهم في حال التصعلك، فصعاليك منصوب على الحال، وقوله: ونحن مبتدأ، وأنتم خبره، أي: ونحن مثلكم، فكيف تعيرنا، قال الله :
стр. 2280
(وأزواجه أمهاتهم) [الأحزاب/٦] وتقول النحاة: أبو يوسف أبو حنيفة، وتقدير الشعر: تعيرنا أننا عالة ملوكاً صعاليك، ونحن أنتم، وفي "عال" بمعنى أثقل، جاء قول أمية ابن أبي الصلت: ... وعالت البيقورا. أي أثقلت البقر، وأما أسمر وأبيض وأحمرن فإنهم أجروا هذا الضرب مجرى الصفة المشبهة باسم الفاعل، وشبهت هذه بالصفة المشبهة باسم الفاعل في أنها تذكر وتؤنث وتثنى وتجمع، وأنها تدل على معنى ثابت، وتشبه أفعل التفضيل أيضاً بالصفة المشبهة إذا لم يكن مصحوباً بمن، وكان صفة لما ذكرناه نحو: أجب الظهر. هذا آخر ما أورده السخاوي باختصار من أواخره يسير.
والشعر لم أقف على قائله، ولو وقفنا عليه، لكان يظهر معنى هذا البيت، وقول الكرماني: إنه للنابغة لاعبرة به، وقول المصنف: ولم يتعرض، أي الحريري لقوله - ملوكاً- خلاف الواقع، فإنه جعله صفة لصعاليك، وزيفه السخاوي كما نقلنا.
وأنشد بعده:
لعل أبي المغوار منك قريب
صدره:
فقلت ادع أخرى وأرفع الصوت جهرة
وتقدم شرحه في الإنشاد الثامن والستون بعد الأربعمائة.
следующие страницы →