← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

على أن بعضهم قال: "غداة البين": ظرف للنفي، واقتصر المصنف في "شرح بانت سعاد" على تعلق غداة بكاف التشبيه المحذوفة، بل آل كلامه هناك إلى أنه لا يجوز تعليق غداة إلا بذلك الحرف، فإنه قال هناك: فإن قلت: الحرف الحامل لمعنى التشبيه مقدر بعد إلا، وما بعد إلا لا يعمل فيما قبلها إذا كان فعلاً مذكوراً بالإجماع، فما ظنك به إذا كان حرفاً محذوفاً؟ قلت: المخلص من ذلك أن يقدر حرف التشبيه قبلها، وقبل الظرف أيضاً، داخلاً على سعاد، أي: وما كسعاد في هذا الوقت إلا ظبي أغن. انتهى. ولا ضرورة إلى ذلك، ولا إلى تعلقه بحرف النفي؛ لجواز تعلقه بمضاف محذوف، والتقدير: وما وصف سعاد غداة البين إلا كوصف ظبي أغن، أو ما حال سعاد إلا كحال ظبي، فالظرف يتعلق بهذا المضاف، كما قالوا يتعلق الظرف به في قوله تعالى: (واذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إذِ انتَبَذَتْ) [مريم/١٦] أي: حال مريم وأتعجب من قول المصنف هنا: وقد ذكرت في شرحي لقصيدة كعب أن المختار تعلق الظرف بمعنى التشبيه. انتهى. وأراد بغير المختار: التعلق بحروف النفي، ووجه التعجب أنه لم يذكر هناك تعلق بحرف النفي أصلاً، وإنما ذكر تعلقه بحرف التشبيه لا غير، وإخباره هذا مبني على توهم ذكرها هناك من غير مراجعة، ولم ينتبه لهذا شراح المغني. والبيت من أول قصيدة "بانت سعاد" والغداة: مقابل العشي، والمراد هنا مطلق الزمن، والبين: الفراق، وإذ: بدل من غداة. وجمع ضمير "سعاد" في رحلوا باعتبار قومها، والأغن من وصف الظبي، والغنة: صوت لذيذ يخرج من الأنف، شبهها بالظبي الأغن، ووجه الشبه هنا النفور، والطرف: العين، والغض: فتور وانكسار يكون في الأجفان. وقد شرح المصنف هذا البيت شرحاً وافياً شافياً في شرحه لهذه القصيدة. وقد كتبنا ما يتعلق به في حاشيتنا عليه. وترجمة كعب تقدمت في الإنشاد العشرين بعد الثلاثمائة.

стр. 2277

وأنشد بعده: كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي وتقدم شرحه في الإنشاد الثالث والستين بعد الثلاثمائة: وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثمانون بعد الستمائة: (٦٨٢) تعيرنا أننا عالة ... ونحن صعاليك أنتم ملوكا على أن "صعاليك وملوك" حالان، وعاملهما كاف التشبيه المحذوفة، وكذا أورده الخبيصي في "شرح الكافية الحاجبية" المسمى ب "الوشاح" وقد شرح شواهده الكرماني باسم "الشاه شجاع" قال فيه: البيت للنابغة، يقال: عيرته كذا، والعامة تقول: عيرته بكذا. قال النابغة: وعيرتني بنو ذبيان رهبته ... وهل على بأن أخشاه من عار والعالة جمع عائل، وهو الفقير، والصعاليك جمع صعلوك: وهو الفقير، وقوله: أننا عالة: في موضع المفعول الثاني لتعيرنا، وقوله: ونحن: مبتدأ، وخبره أنتم، وصعاليك: حال من نحن، وملوك حال من أنتم، والعامل فيهما معنى التشبيه المستفاد من إسناد أنتم إلى نحن، فإن قيل: فعلى هذا كان القياس أن لا تتقدم الحال على مثل هذا العامل؟ قلت: قال شارح "التسهيل": ومما يعمل في الحال، ولا تتقدم الحال عليه نحو زيد مثلك شجاعاً، وكذا إذا كان التشبيه ضمناً نحو: أبو يوسف أبو حنيفة فقهاً، وقد يتوسط هذا النوع بين حالين، فيعمل في إحداهما متأخراً، وفي الأخرى متقدماً كقوله: تعيرنا أننا عالة ... البيت

стр. 2278

أراد: نحن في حال تصعلكنا مثلكم في حال ملككم، فحذف مثل، وأقام المضاف إليه مقامه مضمناً معناه، وأعمل ما فيه من معنى التشبيه. انتهى. هذا آخر كلام الكرماني وقد أورد العلم السخاوي هذا البيت في كتابه "سفر السعادة" الذي نقل منه المصنف قال: مسألة سأل عنها على بن أبي زيد الفصيحي، [أبا] القاسم بن علي الحريري، قال: ما يقول سيدنا، أدام الله توفيقه، في انتصاب لفظي بعض الشعراء وهو قوله: تعيرنا أننا عالة ... ونحن صعاليك، أنتم ملوكاً فعلى ماذا عطف قوله: ونحن؟ وعلى أي وجه يعمل المتنبي وغيره من الشعراء نحو: أسمر مقبلها، وأبيض مجردها؟ وهل هما من الصفات المشبهة بأسماء الفاعلين أم لا؟ فإن الشريطة في الصفة المشبهة باسم الفاعل أن لا تكون جارية على يفعل من فعلها، نحو: حسن وكريم، فإن حسناً ليس على زنة حسن. وأسمر على زنة يسمر ويسمر فإن اللغتين قد حكينا، وليس هذا شرطها. ينعم بإيضاحها. فالجواب: اللهم إنا نعوذ بك أن نعنت كما نستعيذك أن نعنت، ونبرأ إليك من أن نفضحن كما نستعصمك من أن نفضح، ونستميحك بصيرة تشغلنا بالمهمات عن الترهات، وتنزهنا عن التعلم للمباهاة والمباراة، ونسألك اللهم أن تجعلنا ممن إذا رأى حسنة رواها، وإن عثر على سيئة وراها، برحمتك يا أرحم الراحمين.

стр. 2279

وقفت على السؤالين الملوح بشر مصدرهما، وهجنة مصدرهما، إذ كان رسول الله ﷺ : "نهى عن الأغلوطات" وزجر عن تطلب السقطات والعثرات، وكان ابن سيرين [﵀] إذا سئل عن عويص اشمأز منه، وقال: سل أخاك إبليس عن هذا، ومع هذا فإني كرهت رد السائل، ولرب عيني أفصح من لسن، لا سيما إذا لم يأت بحسن. أما السؤال الأول، فهو من مسائل المعاياة، وأسئلة الإعنات، ولا عيب أن يجهله النحوي المدرس فضلاً عمن لا يدعي ولا يلبس، وهو من الأبيات التي جرى فيها التقديم والتأخير لضرورة الشعر، تقديره: تعيرنا أننا عالة صعاليك ملوكاً أنتم ونحن، وعالة فيه: جمع عائل، المشتق من عال يعول، وانتصاب صعاليك به، وملوكاً صفتهم. وأما أسمر وأبيض، فإنما أعملا لمجيء الفعل منهما على أفعل وأفعال المخالفين لزنتهما، فهذا ما حضرني من الجواب، ولعلني نكبت فيه عن طريق الصواب. قلت: وما أرى هذا الجواب مستقيماً، لأن الملوك لا يكون صفة للصعاليك، وقوله في تقديره: "صعاليك ملوكاً أنتم ونحن" لا معنى له، وإنما الصواب أن يقال: عالة بمعنى عالني الشيء إذا أثقلني، أي: تعيرنا بأنا عالة ملوكاً، أي نثقلهم بطرح كلنا عليهم في حال التصعلك، فصعاليك منصوب على الحال، وقوله: ونحن مبتدأ، وأنتم خبره، أي: ونحن مثلكم، فكيف تعيرنا، قال الله :

стр. 2280

(وأزواجه أمهاتهم) [الأحزاب/٦] وتقول النحاة: أبو يوسف أبو حنيفة، وتقدير الشعر: تعيرنا أننا عالة ملوكاً صعاليك، ونحن أنتم، وفي "عال" بمعنى أثقل، جاء قول أمية ابن أبي الصلت: ... وعالت البيقورا. أي أثقلت البقر، وأما أسمر وأبيض وأحمرن فإنهم أجروا هذا الضرب مجرى الصفة المشبهة باسم الفاعل، وشبهت هذه بالصفة المشبهة باسم الفاعل في أنها تذكر وتؤنث وتثنى وتجمع، وأنها تدل على معنى ثابت، وتشبه أفعل التفضيل أيضاً بالصفة المشبهة إذا لم يكن مصحوباً بمن، وكان صفة لما ذكرناه نحو: أجب الظهر. هذا آخر ما أورده السخاوي باختصار من أواخره يسير. والشعر لم أقف على قائله، ولو وقفنا عليه، لكان يظهر معنى هذا البيت، وقول الكرماني: إنه للنابغة لاعبرة به، وقول المصنف: ولم يتعرض، أي الحريري لقوله - ملوكاً- خلاف الواقع، فإنه جعله صفة لصعاليك، وزيفه السخاوي كما نقلنا. وأنشد بعده: لعل أبي المغوار منك قريب صدره: فقلت ادع أخرى وأرفع الصوت جهرة وتقدم شرحه في الإنشاد الثامن والستون بعد الأربعمائة.

стр. 2281

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثمانون بعد الستمائة: (٦٨٣) أن لا يجاورنا إلاك ديار أوله: وما نبالي إذا ما كنت جارتنا قال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: لا يلي "إلا" من الضمئر إلا المنفصل، وقد يليها المتصل بشرطين: كونه بلفظ المنصوب لا المرفوع، وكون ذلك في الشعر، كقوله: وما نبالي إذا ما كنت جارتنا ... البيت وكان حقه: إلا إياك، وإنما استحق النصب، لأنه استثناء مقدم على المستثنى منه وهو ديار، فهو كقول الكميت: وما لي إلا آل أحمد شيعة وإنما استحق الفصل مع أنه معمول ل" إلا " على الصحيح، لأن نحو: ما ألفيت إلا إياك، معمول للفعل بالاتفاق، فلا يصح اتصاله بغير عامله، ثم حمل عليه غير المفرغ ليجبرنا على سنن واحد، وإنما سهل وصله في الضرورة الثالثة أمور: أحدها: أن الأصل في الضمير الاتصال. الثاني: أن الأصل في الحرف الناصب للضمير أن يتصل به نحو: إنك، ولعلك، الثالث: إجراء "إلا" مجرى

стр. 2282

طغير" أختها فأجريت مجراها في الوصف بها. وزعم الناظم في "شرح التسهيل" أن الفصل في البيت ليس بضرورة، لتمكن الشاعر من أن يقول: أن لا يكون لنا خل ولا جار. وغذا فتح هذا الباب لم يكن في الوجود ضرورة، وإنما الضرورة عبارة عما أتى في الشعر على خلاف ما عليه النثر، وزعم أبو الفتح أن الذي يسوغ لهم أن يرتكبوا في الشعر ما لهم عنه مندوحة إرادة أن يسهل عليهم ارتكابه عند الاضطرار، وجعل من ذلك قوله: زج القلوص أبي مزاده فإنه فصل بين المتضايفين بمعمول المضاف مع تمكنه من أن يضيف المصدر إلى المفعول، ويرفع الفاعل. وظهر لي وجهان غير ما ذكر، أحدهما: أن أكثر أشعارهم كانت تقع في غير روية، فقد لا يتمكنون من تخير الوجه الذي لا ضرورة فيه. والثاني: أن الشعر لما كان مظنة الضرورة، استباحوا فيه ما لم يضطروا إليه كما أبيح القصر في الشعر، لكونه مظنة المشقة مع أنها قد تنتفي مع بقاء الرخصة، ويقال: باليته، وبه، وهما محتملان هنا، لأن الجار يحذف من أن وأن قياساً والمحل على الأول نصبن وعلى الثاني نصب بإسقاط الجار، وموضع "إذا" نصب بفعل الجواب المحذوف، أو فعل الشرط إذا لم تقدر إذا مضافة، وديار من ألفاظ العموم لا يستعمل في الإيجاب، وأصله ديوار. هذا آخر كلامه.

стр. 2283

والمبالاة الاكتراث بالشيء، والاهتمام به، وأن لا يجاوزنا في تأويل مفرد معمول له، وديار: أحد، وأصله ساكن دار، وما زائدة، والمبرد رواه: أن لا يجاورنا سواك ديار فلا شاهد فيه، والبيت أنشده الفراء في تفسيره ولم يعزه لأحد. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثمانون بعد الستمائة: (٦٨٤) نحن بغرس الودي أعلمنا ... منا بركض الجياد في السدف على أن ابن جني ادعى أن "نا" مؤكدة للضمير المستر في "أعلم" وخرجه ابن عصفور في كتاب "الضرائر" على غير هذا قال: ومنه تأكيد الاسم المخفوض بالإضافة باسم مخفوض بمن، حملاً على المعنى، نحو قال قيس بن الخطيم: نحن بغرس الودي أعلمنا ... البيت. فوكد ضمير المتكلم المخفوض بإضافة "أعلم" إليه بالمجرور بمن حملاً على المعنى، ألا ترى ان قوله: نحن بغرس ... البيت. معناه: أعلم منا بركض الجياد، فلذلك حكم له بدلاً من حكمه بحكم الضمير المجرور بمن. انتهى. ورواه أبو عبد الله محمد بن الحسين اليمني، وتوفي سنة أربع مائة، في "طبقات النحويين" كذا: نحن بغرس الودي أعلم ... منا بقياد الجياد في السدف وعليه لا ضرورة فيه. قال اليمني في ترجمة الأصمعي: حدثنا عبد الله،

стр. 2284

حدثنا أحمد بن عبيد، حدثنا الأصمعي عن عوانة قال: كان للنعمان بن المنذر مجلس قد اتخذه قريباً من قصره بالحيرة، وجعله لنزهته، وجعل تحته طاقات معقودة تحمله، وجعل ضهره مقعداً، وبالغ في تحسينه وتبييضه حتى كان يلمع، وسماه ضاحكاً، وكان له فرس يسميه اليحموم، وقد ذكرته العرب في اشعارها، وكان للنعمان أخ من الرضاعة يقال له: سعد ولقبه القرقورة، من أهل هجر، وكان اضحك الناس وأبطلهم، وكان النعمان معجباً به، فجلس النعمان يوماً في مجلسه ذلك، وأتي بحمار وحش، فدعا بفرسه اليحموم، وقال: يا سعد، قم فاركبه، وخلوا عن هذا الحمار وادفعوا إلى سعد مطرداً حتى يطلبه ويصرعه. فقال سعد: إني إذن أكون أنا الصريع لا الحمار، مالي ولهذا؟ فقال: أقسم لتفعبن، ثم أمر بسعد فحمل على الفرس، ودفع إليه الرمح، وخلي عن الحمار، فنظر إلى ابن له قائماً في النظارة، فقال: "بأبي وجوه اليتامى" فأرسلها مثلاً، وركض به الفرس، فطار عقله، فألقى الرمح من يده، وأكب على معرفة الفرس، فتعلق بها وصاح، فضحك الناس، وقال: أدركوه، فأدرك، وأنزل. وقال سعد في ذلك: نحن بغرس الودي أعلم منا ... بقياد الجياد في السدف يا لهف أمي فكيف أطعنه ... مستمسكاً واليدان في العرف قد كنت أدركته فأدركني ... للحين عرق من معشر عنف انتهى ما أورده اليمني.

стр. 2285

والودي، بفتح الواو وكسر الدال المهملة وتشديد الياء: النخلة الصغيرة تقلع من جنب أمها، وتغرس في موضع آخر، ويقال له: الجثيث، بجيم وثاءين مثلثتين، قال ابو حنيفة الدينوري في كتاب "النبات": قال الأصمعي: والجثيث هو الودي، والهراء، بفتح الهاء والمد، والفسيل، بفتح الفاء وكسر السين المهملة، وقال الأنصاري في الودي: نحن بغرس الودي أعلمنا منه ... البيت. وقال آخر في الفسيل: وبات يروي أصول الفسيل ... فعاش الفسيل ومات الرجل انتهى. وأراد بالأنصاري: قيس بن الخطيم، والجياد، جمع جواد: وهو الفرس الأصيل، والسدف، بفتح السين والدال المهملتين. قال القالي في "أماليه": قال الفراء: أتانا بالسدفة، بضم فسكون، وسدفة، بفتحتين، وهو السدف، بفتحتين، والشدف، بفتح الشين المعجمة والدال. قال أبو زيد: السدف في لغة قيس: الضوء، وفي لغة تميم: الظلمة، وأنشد بعض اللغويين: فأقطع الليل إذا ما أسدفا أي: أظلم، وبعض اللغويين جعل السدفة اختلاط الضوء بالظلام، مثل ما بين صلاة الصبح غلى الفجر. انتهى. وقال ثعلب في "أماليه" أتيته بسدفة من الليل وشدفة، بضم الشين والسين، وسدفة وشدفة، بفتحهما، والسدف والشدف، بفتحهما وفتح الدال. انتهى.

стр. 2286

والعرف، بضمتي العين والراء المهملتين: المعرفة، بفتح الميم، وهما شعر عنق الفرس، والحين، بالفتح: الهلاك، وعنف، بضم العين المهملة والنون، جمع عنيف: وهو الذي ليس له رفق بركوب الخيل، وهذا على سبيل التهكم، وهذا كما يقال: العرق نزاع. وسعد القرقرة: جاهلي، ولم أر هذا الشعر في ديوان قيس بن الخطيم، ولا يليق أن يكون له، لأنه فارس شجاع. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثمانون بعد الستمائة: (٦٨٥) فإن فؤادي عندك الدهر أجمع صدره: وإن يك جثماني بأرض سواكم على أن أجمع تأكيداً للضمير المستتر في الظرف، وهو عندك، بكسر الكاف، فإنه خطاب لإمرأة. فإن قلت: فكيف قال: سواكم؟ قلت: قد تخاطب المرأة بخطاب جماعة الذكور مبالغة في سترها، كقوله تعالى: (فقال لأاهله امكثوا) [طه/١٠]، وقوله: "بأرض سواكم" يروى بالإضافة، ويروى بالتنوين، ففيه حذف مضاف، أي سوى أرضكم، والبيت من قصيدة لجميل بن معمر، وقبله: ألا تتقين الله فيمن قتلته ... فأمسى إليكم خاشعاً يتضرع وبعده: إذا قلت هذا حين أسلو واجتري ... على هجرها ظلت لها النفس تشفع

стр. 2287

ألا تتقين الله في قتل عاشق ... له كبد حرى عليك تقطع غريب مشوق مولع باد كاركم ... وكل غريب الدار بالشوق مولع فأصبحت مما أحدث الدهر موجعاً ... وكنت لريب الدهر لا أتخشع فيا رب حببني إليها وأعطني المودة ... منها أنت تعطي وتمنع وترجمة جميل تقدمت في الإنشاد الثالث والثلاثين، وقال أبو حيان في "تذكرته": البيت لكثير عزة، قال: وبعده: إذا قلت هذا حين أسلو ذكرتها ... فظلت لها نفسي تتوق وتنزع وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثمانون بعد الستمائة: (٦٨٦) ظلت بها تنطوي على كبد ... نضيجة فوق خلبها يدها هو من قصيدة [للمتنبي] وقبله، وهو مطلعها: أهلاً بدار سباك أغيدها ... أبعد ما بان عنك خردها قال الواحدي: الأغيد: الناعم البدن، وأراد هنا: جارية، وذكر اللفظ، لأنه عني الشخص، والخرد؛ جمع الخريدة: وهي البكر التي لم تمس، وقوله: أبعد ما بان، أي: أبعد شيء فارقك جواري هذه الدار، ورواه قوم بالنصب على أنه حال من أغيد، والعامل في الحال "سباك" يقول: أبعد ما بان منك. وهذا من العجب أن إنساناً يسبني وهو بعيد، والمعنى أنه أسرك بحبه، وهو على البعد منك،

стр. 2288

وانتصب "أهلاً بمضمر تقديره: جعل الله أهلاً بتلك الدار، فتكون مأهولة، وإنما تكون مأهولة إذا سقيت الغيث، وأنبتت الكلأ، فيعود إليها أهلها، وهو في الحقيقة دعاء لها بالسقي، وقوله: ظلت بها .. إلى آخره، يريد: ظللت، فحذف إحدى اللامين تخفيفاً، يقول: ظللت بتلك الدار تنثني على كبدك واضعاً يدك فوق خلبها، والمحزون يفعل ذلك كثيراً لما يجده في كبده من حرارة الوجد يخاف على كبده أن تنشق كما قال: عشية أثني البرد ثم ألوثه ... على كبدي من خشية أن تقطعا وقال الصمة القشيري: وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدعا وقد ذكره أبو الطيب، فقال: فيه أيديكما على الظفر الحلو وأيدي قوم على الأكباد والانطواء كالانثناء، والنضج لليد، ولكن جرى نعتاً للكبد لإضافة اليد إليها. كقوله تعالى: (ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها) [النساء/٧٥] الظلم للأهل، وجرى صفة للقرية، وجعل اليد نضيجة لأنه أدام وضعها على الكبد، فأنضجها بما فيها من الحرارة، ولهذا جاز تسميته باسم ما يصحبه كانت الإضافة أهون؛ فلطول وضع يده على الكبد أضافها إليها، لأنها كأنها الكبد لما لم تر إلا عليها، والخلب، بالكسر: غشاء للكبد رقيق لازق بها، وارتفع يدها بنضيجة،

стр. 2289

وهو اسم فاعل يعمل عمل الفعل، ويجوز أن يكون نضيجة من صفة الكبد وتم الكلام، ثم ذكر وضع اليد على الكبد، والأول أجود. هذا كله كلام الواحدي. وتقدم شرح بيتين بعدهما في الإنشاد التسعين بعد الثلاثمائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثمانون بعد الستمائة: (٦٨٧) بمسعاته هلك الفتى أو نجاته المسعاة: مصدر ميمي بمعنى السعي، وهو المراد هنا لا المسعاة بمعنى المكرمة في أنواع المجد، وفي "الصحاح" المسعاة: واحدة المساعي في الكرم والجود. انتهى. وأصل السعي: التصرف في كل عمل، وعليه قوله تعالى: (وأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى) [النجم/٣٩]، والمكرمة، بفتح الميم وضم الراء: اسم من الكرم، وفعل الخير مكرمة، أي: سبب الكرم. كذا في "المصباح"، والهلك، بضم الهاء وسكون اللام، للمصدر الذي هو الهلاك، والمعنى هلاك الإنسان أو نجاته ليس إلا بسبب سعيه، فإن سعى بخير نجا، وإن سعى بشر هلك، وذهب الدماميني إلى المعنى الثاني للمسعاة. قال: فإن قلت: الكرم إنما يستقيم في العرف كونه سبباً للنجاة لا للهلاك، قلت: الإنسان قد يترك المسعاة فيهلك، وقد يفعلها فينجو، فهلاكه ونجاته بسبب المسعاة تركاً وفعلاً. وأقول: الأحسن أن يكون معناه على هذا التقدير: إن الكرم كما يكون سبب النجاة يكون سبب الهلاك، فإن الفعل الجميل مع النذل قد يكون سبباً للهلاك، كما قال، ﷺ : "اتق شر من أحسنت إليه" وكما قال الشاعر:

стр. 2290

أرى الإحسان عند الحر ديناً ... وعند النذل منقصة وذماً كقطر الماء في اللأصداف در ... وفي جوف الأفاعي صار سماً وأنشد بعده: فخير نحن عند البأس منكم ... إذا الداعي المثوب قال يالا وتقدم شرحه في الإنشاد الرابع والستين بعد الثلاثمائة: وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثمانون بعد الستمائة: (٦٨٨) لك العز إن مولاك عز وإن يهن ... فأنت لدى بحبوحة الهون كائن العز: القوة، ومولاك: فاعل فعل محذوف يفسره ما بعده، والمولى له معان كثيرة: السيد، وابن العم، والحليف، والناصر، والمنعم، والمعتق، والتابع. وكل واحد من هذه المعاني يجوز أن يكون المراد هنا. وقوله: وإن يهن، بفتح الياء وضم الهاء، مضارع هان، بمعنى: ذل، وهذا هو المناسب لقوله "عز" وضبطه العيني بالبناء للمجهول، وتبعه السيوطي، وابن الملا، وغيرهما. وبحبوحة الشيء: وسطه، والهون بالضم: الذل.

стр. 2291

وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثمانون بعد الستمائة: (٦٨٩) كل أمر مباعد أو مداني ... فمنوط بحكمة المتعالي مباعد: اسم فاعل صفة الأمر. قال صاحب "المصباح": وباعدت مباعدة، [واستبعدته: عددته بعيداً]، وأبعدت في المذهب إبعاداً بمعنى تباعدت، ومداني: اسم فاعل من داناه: إذا قاربه، ومنوط. اسم مفعول، من ناطه نوطاً، أي علقه، قال الراغب: الحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل، فالحكمة من الله تعالى معرفة الأشياء، وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان معرفة الموجودات، وفعل الخيرات، وهذا هو الذي وصف به لقمان في قوله تعالى: (ولَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ) [لقمان/ ١٢]، وفي "القاموس" الحكمة: العدل، والمتعالي: من أسماء الله تعالى. قال السمين في "عمدة الحفاظ": العلي: الرفيع القدر، وقيل: معناه أنه يعلو أن يحيط به وصف الواصفين، بل علم العارفين، وعليه قوله: (تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [النحل/٣] قيل: وتخصيص لفظ المتعال لمبالغة ذلك منه، لا على سبيل التكلف، كما يكون من البشر، وكل: مبتدأ، ومنوط: خبره.

стр. 2292

الباب الرابع أنشد فيه، وهو الإنشاد التسعون بعد الستمائة: (٦٩٠) بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد أصل الكلام فيه: بنو أبنائنا مثل أبنائنا، فقدم وأخر، وحذف "مثل" للعلم بقصد التشبيه، لأن المراد تشبيه أبناء الأبناء بالأبناء لا العكس. قال المصنف في "شرح أبيات ابن الناظم": قد يقال: إن هذا البيت لا تقديم فيه ولا تأخير، وإنه جاء على عكس التشبيه مبالغة، كقوله: ورمل كأوراك العذارى قطعته وقال العيني: هذا البيت استشهد به النحاة على جواز تقديم الخبر، والبيانيون على التشبيه، والفقهاء والفرضيون على دخول أبناء الأبناء في الميراث والوصية، والوقف، وعلى أن الانتساب إلى الآباء، ولم أر أحداً منهم عزاه إلى قائله والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والتسعون بعد الستمائة:

стр. 2293

(٦٩١) ولا يك موقف منك الوداعا صدره: قفي قبل التفرق يا ضباعا على أن فيه اسم "يك" نكرة، وخبرها معرفة، لضرورة الشعر، ويجوز عند ابن مالك والرضي الإخبار عن النكرة بالمعرفة في بابي "إن" و"كان" في اختيار الكلام، وقد أوردنا ما يتعلق بهذا في الشاهد الثالث والأربعين بعد المائة، وفي ما بعد الشاهد الواحد والأربعين بعد السبعمائة من شواهد الرضي. وضباع: مرخم ضباعة، فحذفت الهاء للترخيم، وعوض منها الألف، قال الأعلم: والوقف عليها عوض من الهاء، لأنهم إنما رخموا ما فيه الهاء، ثم لما وقفوا عليه، ردوا الهاء للوقف، فلما لم يمكنهم رد الهاء، جعلوا الألف عوضاً منها على ما بينه سيبويه. قال الدماميني في "شرح التسهيل": قد يقال: لا نسلم أن هذه الألف عوض عن الهاء المحذوفة، بل هي ألف الإطلاق، والمسألة لا يستدل عليها بالشعر، فإن ثبت مثل ذلك في النثر ثبت الدعوى، وإلا فلا. انتهى. ولا يخفى أنه يجوز أن يأتي حرف لمعنيين، كألف التثنية، فلا مانع من كون ألف الإطلاق عوضاً. وقوله: والمسألة لا يستدل عليها إلى آخره، أقول: هذا التعويض مخصوص بالقافية، فكيف يستدل له بالنثر. قال سيبويه في "الكتاب" أعلم أن الشعراء إذا اضطروا، حذفوا هذه الهاء في الوقف، وذلك لأنهم يجعلون المدة التي تلحق القوافي بدلاً منها. قال ابن الخرع:

стр. 2294

كادت فزارة تشقى بنا ... فأولى فزارة أولى فزارا وقال القطامي: قفي قبل التفرق يا ضباعا وقال هدبة: عوجي علينا واربعي يا فاطما وإنما كان الحذف للهاءات ألزم في الوصل، وفيها أكثر منه في سائر الحروف في النداء، من قبل أن الهاء في الوصل في غير النداء تبدل مكانها التاء، فلما صارت الهاء في موضع يحذف منه في الابتداء فيه تخفيفاً، كان ما يبدل ويتغير أولى بالحذف، وهو له ألزم، وجعلوا تغييره الحذف في موضع الحذف إذا كان متغيراً لا محالة، وسمعنا الثقة من العرب يقول: يا حرمل، يريد: يا حرملة، كما قال بعضهم: ارم، يقفون بغير هاء، هذا نصه بحروفه. قال السيرافي: ويجوز هذه الأبيات في غير الضرورة، لأن سيبويه حكى: يا حرمل في: يا حرملة، وغذا كان كذلك، فليس بضرورة، لأن فتحته في الوصل توجب إذا صارت في قافية مطلقة أن تمد وتوصل، كقولنا في آخر القافية: مررت بعمرو، ورأيت الرجلا. انتهى. وقوله: ولا يك موقف .. إلى آخره. قال اللخمي في "شرح أبيات الجمل": يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون على الطلب والرغبة، كأنه قال: لا تجعلي هذا الموقف آخر وداعي منك، والآخر: أن يكون على الدعاء، كأنه قال: لا جعل الله موقفك هذا آخر الوداع. انتهى. ففيه حذف مضاف من الوداع، وقدره بعضهم موقف الوداع، وهذا أحسن، وروى الأخفش المجاشعي في كتاب "المعاياة": ولا يك موقفاً منك الوداعا

стр. 2295

وقال: نصب موقفاً لأنه أراد: قفي موقفاً، ولا يكن الوداعا، هذا إنشاد بعضهم فيما ذكروا، ورفع بعضهم موقف. انتهى. وعليه فاسم "يك" ضمير المصدر المفهوم من "قفي" كأنه قال: ولا يكن الموقف موقف الوداع، و"يك" أصله: "يكن" حذفت النون تخفيفاً لكثرة الاستعمال. قال اللخمي: وفيه عطف المفرد، وهو قوله: ولا يك، على المبني، وهو قوله: قفي، وإنما سوغ ذلك وجود العامل وهي "لا" كقوله تعالى: (وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا ولْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ) [العنكبوت/١٢]، ولو قلت: اقصدني وأكرمك، بالجزم على اللفظ، لم يجز عند البصريين، لأن "اقصدني" فعل مبني لا جازم له، فلا يعطف على لفظه، فلو قلت: اقصدني ولأحدثك، فأدخلت لام الأمر، جازت المسألة كما في الآية. وأقول: هذا غلط منه أو تغليط، فإن عطف "ولا يك" على قفي من عطف جملة على جملة، وأما عدم جواز المثال، فلأنه من قبيل عطف مفرد على جملة لا جازم لمسندها، وأم تصحيحه باللام، فمن عطف جملة على جملة كالآية، لا من عطف مفرد على مفرد. والبيت مطلع قصيدة للقطامي التغلبي مدح بها زفر بن الحارث الكلابي القيسي، وكان بنو أسد أحاطوا به في نواحي الجزيرة، وأسروه يوم الخابور، وأرادوا قتله، فحال زفر بينه وبينهم وحماه، وحمله وكساه، وأعطاه مائة ناقة، فمدحه بهذه القصيدة وأشار إلى هذا في هذه القصيدة بقوله: أكفراً بعد رد الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرتاعا وهو من شواهد الرضى، وشرحناه في الشاهد التاسع والتسعين بعد الخمسمائة من شواهده وغيرها، وخص قيساً وتغلب على السلم. كذا في شرح ديوانه. وبعد هذا البيت:

стр. 2296

قفي فادي أسيرك إن قومي ... وقومك لا أرى لهم اجتماعا وكيف تجامع مع ما استحلا ... من الحرم الكبار وما أضاعا ألم يحزنك أن حبال قيس ... وتغلب قد تباينت انقطاعا يطيعون الغواة وكان شراً ... لمؤتمر الغواية أن يطاعا ألم يحزنك أن ابني نزار ... أسالا من دمائهم التلاعا وفيها شواهد أخر أوردناها في شواهد الرضى. وقوله: قفي فادي إلى آخره .. خطاب لضباعة بنت زفر الممدوح، لأنه كان عند والدها أسيراً له، والمفاداة: أخذ الفدية من الأسير وإطلاقه، وحرف الدماميني هذه الكلمة: ب "داري" من المداراة، وفسرها بقوله: لايني واخفضي جناحك. والحبال: المواصلة والعهود التي كانت بين قيس وتغلب، وتباينت: تفرقت، روي أن ضباعة لما سمعت قوله: ألم يحزنك .. إلى آخره، قالت: بلى والله لقد حزنني: وحزنه، وأحزنه لغتان، والمؤتمر: الذي يرى الغواية رأياً، ويأمر بها نفسه، وابنا نزار: ربيعة ومضر. والتلعة: مسيل من الارتفاع إلى بطن الوادي، ولما لم يقف الدماميني على منشأ القصيدة وأصلها، قال: أراد أسيرك: محبك الذي أسرته بمحبتك، هذا الظاهر، ويحتمل أن يكون أراد أسير أبيك، فإن أباها زفر كان قد أسره، ثم من عليه فأطلقه وأعطاه مائة من الإبل. انتهى كلامه. وقلده ابن الملا، ونقل هذا الكلام، وكلا الاحتمالين خلاف الواقع. وترجمة القطامي تقدمت في الإنشاد الثامن والخمسين بعد المائتين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والتسعون بعد الستمائة:

стр. 2297

(٦٩٢) يكون مزاجها عسل وماء صدره: كأن سبيئة من بيت رأس لما تقدم قبله، فمزاجها بالنصب: خبر يكون، وعسل: اسمها، وهذا جائز عند المحقق الرضي، واستشهد به الجواز الإخبار عن النكرة بالمعرفة في بابي " إن وكان". قال الزمخشري في شرح شواهد سيبوية: وإنما جاز هذا، لأن العسل والماء من الأجناس يؤدي نكرته على معرفته في المعنى لا فرق بين شربت ماء وشربت عسلاً. انتهى. وسبقه ابن جني إلى هذا التوجيه في "المحتسب" ونقله عمن قبله، وتبعه ابن السيد في "أبيات المعاني" واللخمي في شرح أبيات "الجمل" وغيرهم، وقد نقلنا الجميع فيما بعد الشاهد الواحد والأربعين بعد السبعمائة من شواهد الرضي. وحكم المصنف هنا بأنه من باب ضرورة الشعر، وفي الباب الثامن بأنه من باب القلب، وهذا أيضاً من الضرورة، وأوردهما ابن عصفور في كتاب "الضرائر" وروي برفع مزاجها أيضاً، واختلف في التوجيه أيضاً، فنقل الرضي عن أبي البقاء بأنه حكم على أن يكون بالزيادة، فتكون الجملة في موضع نصب صفة ثانية ل "سبيئة" أو حال منها، وتبعه ابن الناظم في شرح الألفية، فحكم بزيادتها في قولها: أنت تكون ماجد نبيل

стр. 2298

فماجد خبر أنت، وارتضاه المصنف في شرح أبياته، وأنكر زيادتها بلفظ المضارع هنا، فحكم بضمير الشأن في تكون، وجعل جملة: "مزاجها عسل وماء" خبرها، وحرجه اللخمي: على أن اسم "تكون" ضمير سبيئة، وجملة: "مزاجها عسل وماء" خبرها، قال: ويجوز ان يكون خبرها قوله: من بيت رأس، وجملة تكون من بيت رأس: صفة لسبيئة، وجملة مزاجها عسل وماء: صفة ثانية لسبيئة، وعلى هذين الوجهين يقال: تكون بالمثناة الفوقية، وكذا خرجه ابن السيد في "أبيات المعاني" والسبيئة بالهمزة ككريمة: الخمر، قال صاحب "القاموس": سبأ الخمر كجعل سبئاً وسباء ومسبئاً: شراها كاستبأها، وبياعها السباء. والسبيئة ككريمةك الخمر. انتهى. وبيت رأس: قرية. قال ابن السيد فيما كتبه على كامل المبرد، قال عبيد الله بن عبد الله بن خرداذبة: بيت رأس: اسم قرية بالشام من ناحية الأردن، كانت الخمور تباع فيها، وفيها ماتت حبابة جارية يزيد بن عبد الملك، فمات يزيد بعد بضع سنين جزعاً عليها. انتهى. وقيل: بيت: موضع الخمر، ورأس: اسم للخمار، وقصد إلى بيت الخمار، لأن خمرة أطيب الخمر، وقيل: الرأس هنا بمعنى الرئيس، أي: من بيت رئيس، قال اللخمي: وهذا أحسن الأقوال، لأن الرؤساء إنما تشرب الخمر ممزوجة، وإنما اشترط أن يمزجها، لأنها خمرة شامية صليبة، فإن لم تمزج، قتلت شاربها وخص العسل والماء، لأن العسل أحلى ما يخالطها، وأنه يذهب بمرارتها. وأما الماء، فيبردها ويلينها، وإنما يشربها الرؤساء والملوك ممزوجة كراهية أن تخرجهم عن عقولهم، ألا ترى إلى قول عدي بن زيد: رب ركب قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال وقد عابت على جزيمة الأبرش أخته شرب الخمر صرفاً لأمر لحقها من ذلك، فقالت له: ذاك من شربك المدامة صرفاً ... وتماديك في الصبا والمجون

стр. 2299

وخبر "كأن" في بيت بعده وهو: على أنيابها أو طعم غض ... من التفاح هصره اجتناء فقوله: على أنيابها: هو خبر "كأن"، والأنياب أربعة أسنان: ثنتان من يمين الثنايا، واحدة من فوق، وواحدة من أسفل، وثنتان من شمالها كذلك، شبه طعم ريقها بطعم خمر قد مزجت بعسل أو ماء، أو كطعم تفاح غض قد اجتني، فطعم، بالنصب، معطوف على "سبيئة"، وهصره، بالتشديد: أماله، والاجتناء: أخذ الثمرة من الشجرة. والبيتان من قصيدة لحسان بن ثابت مدح بها النبي، ﷺ ، وهجا أبا سفيان، وكان هجا النبي، ﷺ ، قبل إسلامه، قالها قبل فتح مكة، وقد أوردنا القصيدة، وشرحناها في الشاهد الثاني والثلاثين بعد السبعمائة من شواهد الرضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والتسعون بعد الستمائة: (٦٩٣) فلا تلمه أن ينام البائسا صدره: قد أصبحت بقرقري كوانسا على أن الكسائي قال: يجوز أن يوصف الضمير للترحم عليه والتوجع له، فالبائس صفة لضمير المفعول وهو الهاء في "لا تلمه" وعند سيبويه يجوز أن يكون بدلاً من الهاء، وأن يكون منصوباً بعامل محذوف على الترحم، قال في: "باب ما يجري من الشتم مجرى التعظيم وما أشبهه" من كتابه: ومن هذا الباب الترحم،

стр. 2300

والترحم يكون بالمسكين والبائس ونحوه، ولا يكون بكل صفة، ولا كل اسم، ولكن ترحم بما ترحم به العرب، وزعم الخليل، رحمه الله تعالى، أنه يقول: مررت به المسكين، على البدل، وفيه معنى الترحم، وبدله كبدل: مررت به أخيك، وقال: فأصبحت بقرقري كوانسا ... البيت. وكان الخليل يقول: إن شئت رفعته من وجهين. وقلت: مررت به البائس، كأنه لما قال: مررت به، قال: المسكين هو، كما قال مبتدئاً: المسكين هو والبائس أنت، وإن شاء قال: مررت به المسكين، كما قال: بنا تميماً يكشف الضباب وفيه معنى الترحم، كما كان في قوله: "رحمة الله عليه" معنى: ﵀، فيما يترحم به يجوز فيه هذان الوجهان، وهو قول الخليل. انتهى. وقال السيرافي: الترحم إنما هو رقة وتحنن يلحق الذاكر على المذكور في حال ذكره إياه رقة عليه وتحنناً، وإعرابه ما ذكره، وقوله: كما تقول مبتدئاً: المسكين أنت ... إلى آخره. هذا أحد وجهي الرفع، والوجه الآخر أن تجعل المسكين ابتداء، وخبره مررت به، وقوله: وإن شئت مررت به المسكين؛ فتنصب .. إلى آخره. يريد: أن نصبه المسكين بإضمار شيء من ألفاظ الرحمة له، كأنه قال: ارحم المسكين. وما أشبهه. كما أن قوله "بنا تميماً" ينصب "تميماً" بإضمار شيء يوجب الاختصاص والفخر. انتهى. قال ابن خلف: الشاهد فيه: نصب البائس بإضمار فعل على معنى الترحم، وهو فعل لا يظهر، قال أبو الحسن: وذلك أن تنصبه على البدل من الهاء في "لا تلمه"

стр. 2301

وفي الجميع معنى الترحم؛ لأن البائس والمسكين ونحوهما كثر استعمالها في الترحم كما قال الآخر: لنا يوم وللكروان يوم ... تطير البائسات ولا نطير فنصب البائسات على الترحم، بإضمار أعني، ومعنى الترحم في أعني أوضح منه في البدل، لأنك في البدل تجعله على فعل ليس فيه تنبيه عليه، وفي "أعني" تحمله على فعل لم تقصد به غير تعيينه، وهو أبلغ، قال: والمكنس: الموضع الذي يكون فيه الظبي وقد كنس، فاستعاره للإبل: وصف إبلاً بركت بعد الشبع، فنام راعيها، لأنه غير محتاج إلى رعيها. وقرقري، بقافين: موضع مخصب باليمامة، والبائس: الفقير المحتاج. انتهى. وقال كذا الأعلم. وهذا أحد الأبيات الخمسين التي استشهد بها سيبويه ولم يعرف قائلها والله أعلم. ولا تلمه: مضارع "لامه" على كذا من باب قال: عذله عليه، وأن ينام في تأويل مصدر مجرور بعلى المقدرة، وتتعلق بقوله: لا تلمه، وفاعل ينام: ضمير مستتر عائد على ما عاد عليه الهاء، وهو الراعي. وهذا البيت من تمام الرجز أو بيتان من مشطورة.

стр. 2302

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والتسعون بعد الستمائة: (٦٩٤) لقد أذهلتني أم عمرو بكلمة ... أتصبر يوم البين أم لست تصبر وأذهلتني: شغلتي عن النظر في أمري بما ألقته إلى من قولها ذلك، لإشعاره بوقوع التفرقة وتشتيت الشمل، ولأنه في الظاهر كلام من لم يعتقد من محب صدق دعواه، إذ هو يقتضي صدق الصبر والتسليم والانقياد. وسمي الكلام الاستفهامي كلمة لإِطلاق الكلمة على الكلام، وفي الحديث "أصدق كلمة قالها لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل" وأنشد بعده: أقول له ارحل لا تقيمن عندنا تمامه: وإلا فكن في السر والجهر مسلما وتقدم اكلام عليه في الإنشاد السبعين بعد الستمائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والتسعون بعد الستمائة: (٦٩٥) رويد بني شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا غداً خيلي علىا سفوان تلاقوا جياداً لا تحيد عن الوغا ... إذا ما غدت في المأزق المتداني

стр. 2303

تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم ... على ما جنت فيهم يد الحدثان قال ابن جني في "المحتسب" قرأ ابن مسعود ﴿يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [البقرة: ٢٨٤] جزم بغير وفاء، وجزم هذا على البدل من "يحاسبكم" على وجه التفصيل لجملة الحساب، ولا محالة أن التفصيل أوضح من المفصل، فجرى مجرى بدل البعض أو الاشتمال، والبعض: كضربت زيداً رأسه، والاستمال: كأحب زيداً عقله، وهذا البدل ونحوه واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان، فمن ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ و ٦٩] لأن مضاعفة العذاب هو لقى الآثام، وعليه قوله: رويد بن شيبان بعض وعيدكم ... . . . . . إلى آخر الأبيات الثلاثة. فأبدل "تلاقوا جياداً" من قوله: "تلاقوا غداً خيلي" وجاز إبداله منه للبيان، وإن كان من لفظه، وعلى مثاله لما اتصل بالثاني من قوله: "جياداً لا تحيد عن الوغا" وأبدل "تلاقوهم" من "تلاقوا جياداً" لما اتصل به من المعطوف عليه، وهو قوله: "فتعلموا كيف صبرهم" وإذا حصلت فائدة البيان لم تبل أمن نفس المبدل كانت، أم مما اتصل به فضله عليه، أم من معطوف مضموم إليه، فإن أكثر الفوائد إنما تجتنى من الإلحاق والفضلات، وما أكثر ما تصلح الجمل وتتممها! ولولا مكانها لوهت ولم تستمسك، ألا تراك لو قلت: زيد قامت هند. لم تتم الجملة! فلو وصلت بها فضلة ما لتمت، وذلك كأن تقول: زيد قامت هند في داره، أو: معه أو بسببه، أو لتكرمه، أو فاكرمته أو نحو ذلك، فصحت المسألة لعود

стр. 2304

الضمير على المبتدأ من الجملة. هذا كلامه. ولله دره في اتساق كلامه كعقود الجمان مع بيان ليس فوقه تبيان! وقال أيضاً في "إعراب الحماسة": وأما قوله: "تلاقوا جياداً" فبدل من قوله: "تلاقوا غداً خيلي"، والأفعال قد تبدل بعضها من بعض، تقول: إن تقصدني تزرني أحسن إليك، وتقول: إن تزرني أحسن إليك أعطك، فتبدل "أعطك" من "أحسن إليك" قال تعالى: (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) [الفرقان: ٦٨ و ٦٩] وعلى هذا لا يحسن أن تقول: "إن تزرني أعطك ألفاً أحسن إليك"، وذلك أن إعطاءك إياه ألفاً أوضح في البيان من "أحسن إليك" لأن الإحسان قد يكون عطية وغيرها، وإنما يبدل الأعراف من الأنكر لما فيه من البيان، ولا يبدل الأعم من الأخص، لأنه بضد ما وضع الأمر عليه، ولهذا عدل سيبويه في قول الشاعر: اعتاد قلبك من سلمى عوائده ... وهاج أهواءك المكنونة الطلل ربع قواء أذاع المعصرات به ... وكل حيران سار ماؤه خضل عن أن يجعل "ربع" بدلاً من "طلل" لأنه أكثر منه، وإنما يبدل الأقل من الأكثر للبيان، ل الأكثر من الأقل، ثم أبدل من بعد "تلاقوهم" من "تلاقوا جياداً" المبدل من "تلاقوا غداً خيلي"، وساغ ذلك لما في قوله: تلاقوهم، فتعرفوا كيف صبرهم على كذا. وجاز أن يبدل الثالث من الثاني لما معه من ذكر الصبر المفخور به، وهذا يدلك على فوة اتصال المعطوف بالمعطوف عليه، وذلك أن الفائدة إنما هي في ذكر الصبر، لا في مجرد تلاقوهم، ونحو من هذا قول كثير: وإنسان عيني يحسر الماء تارة ... فيبد وتارات يجم فيغرق

стр. 2305

فالعائد على الإنسان إنما هو من " يبدو" لا من "يحسر" ويكفيك من هذا أن العطف نظير التثنية، وحسبك بها اتصالاً وامتزاجاً. انتهى كلامه. وفي هذا من الفوائد ما ليس في كلامه الأول. وفي هذا الشعر من أبيات ستة لو دالك بن ثميل المازني أوردها أبو تمام في أوائل "الحماسة" وبعد البيت الثاني: عليها الكماة الغر من آل مازن ... ليوث طعان عند كل طعان تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم ... . . . . . البيت مقاديم وصالون في الروع خطوهم ... بكل رقيق الشفرتين يمان إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لآية حرب أم لأي مكان وقوله: رويد بني شيبان، قال الخطيب التبريزي في شرحه؛ ويروى: "رويداً بني شيبان" وهو الأكثر، ورويداً تصغير إرواد مرخماً، وانتصابه بفعل مضمر دل عليه لفظه، وأكثر ما يجيء تصغير الترخيم في الأعلام، ورويداً اسم ل "أرفق"، فيبني كما يبني أسماء الأفعال، وانتصب: "بعض وعيدكم" بفعل مضمر دل عليه رويد، فكأنه لما قال: أرودوا يا بني شيبان، قال: كفوا بعض الوعيد، وهذا تهكم، وتلاقوا: مجزوم على أنه جواب الأمر الذي دل عليه رويد، وقوله: "غداً" لم يرد به اليوم الذي هو غد يومه، وإنما دل به على تقريب الأمر، كأنه قال: تلاقوا خيلي قريباً على سفوان، وهو ماء على أميال من البصرة، وكان بنو شيبان توعدوا تميماً، وتنزعم أن سفوان لهم، وأرادوا إجلاء بني مازن عنه ومن كان معهم من بني تميم. وقوله: "تلاقوا جيااً": بدل من قوله الأول، ونبّه بهذا على أنَّ المراد بالخيل الفرسان، ويجوز أن يكون أراد بالخيل الدواب ووصفها بأنها لا تجبن في الوغا لدوام ممارستها، ثم خبَّر عن أصحابها بقوله: تلاقوهم، والوغا (بالغين معجمة و)

стр. 2306

بالعين غير منقوطة. أصله الجلبة والأصوات، ثم سميت الحرب به، والمأزق: المضيق، وأصله من الأزق، وهو الضيق في الحرب، [فهو مفعل منه]. وقوله: فتعرفوا، أي: من بلائهم ما يستدل به على حسن صبرهم على ما جنت، أي: على جناية، وموضعه نصب على الحال، والعامل فيه "تعرفوا" ويد الحدثان: مثل [أراد الحوادث]، وليس للحدثان يد، إنما استعار ذلك، لأن أكثر الجناية باليد تكون، ورقيق الشقرتين، أي: الحدين، وأصل الشفر: القطع، وسمي الحرف من كل شيء شفراً، لأنه كالمقصود منه، والاستنجاد: الاستنصار، يقول: هؤلاء لحرصهم على الحرب إذا استنصرهم صارخ، ودعاهم إلى الحرب؛ لم يطلبوا علة يتأخرون بها. هذا آخر كلام الخطيب. وقال ابن جني: قوله: على ما جنت فيهم يد الحدثان. يحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون "على" متصلة بنفس الصبر، ومعمولة له، كقولك: عجبت من صبرك على الضرب! والآخر أن يكون بمنزلة مع، كقول الأعشى: وأصفدني على الزمانة قائدا أي: مع أنا فيه من الزمانة، فتكون متعلقة بنفس كيف، كقولك: كيف [هو] زيد، على ما [هو] فيه من المعرفة والفضل، ويجوز أيضاً مع هذا المعنى أن تكون متعلقة بنفس الصبر، لا على قولك صبرت على كذا، ولكن كقولك: صبرت مع أنا فيه من الشدة والبؤس، أي: صبرت على ما هذه الحال، أي: وأنا في هذه الحال، فاعرف ذلك فرقاً بين العوين. انتهى.

стр. 2307

وقال أيضاً في رويد: من رواه: "رويد يني" بغير تنوين، فهو اسم سمي به الفعل، بمنزلة عندك، ودونك، وصه، ومه، وإيه، وهلم. ومن رواه منوناً: [فهو] منصوب عنده على المصدر، أي: أرود إرواداً، غير أنه حقر تحقير الترخيم بحذف زيادته، وفي هذا رد على الفراء في قوله: إنه لا يحقر الاسم تحقير الترخيم إلا في الأعلام نحو قولهم: أسود سويد، وفي أزهر زهير، ولا أدفع أن يكون [ذلك] في الأعلام أقيس منه في الأجناس من حيث كانت العلمية فيه دالة على المحذوف، فأما أنه لا يجوز إلا في الأعلام فلا. ألا ترى قولهم في تحقير أكمت وكتماء: كميت، وقولهم قفي السكت: سكيت. وبني شيبان منصوب على نداء المضاف [البتة] في القولين جميعاً، كقولك مع التنوين: رفقاً [يا] بني شيبان، فكذلك حاله إذا بناه، وجعله اسماً للفعل في الأمر، كأنه قال: رويدكم يا بني شيبان [أي: انتظروا الأمر يابني شيبان]. فإن قلت: فهلا تجيز أن يكون "بني شيبان" مع كون رويد اسماً للفعل مجروراً بإضافة رويد [هذه لاسم المبني] إليه، كما تقول في الكاف والميم من رويدكم: إنها اسم مجرور بإضافة هذا السم المبني إليه! ويستدل على أنها اسم لا حرف خطاب بما حكاه سيبويه عنهم من قولهم: رويدكم أجمعين وأجمعون، وأجمعين توكيد للكاف والميم، وأجمعون توكيد للضمير المرفوع فيه؟ فالجواب: أن ذلك لا يجوز هنا من قبل أن هذه الأسماء المسمى بها الأفعال لا يؤمر بها الغائب، وإنما هي موضوعة لأمر الحاضر تقول: عليك زيداُ، ولا يجوز: عليه زيداً، لأن الغائب لا يتمكن في الأمر تمكن الحاضر فيه، لأنك حينئذٍ تحتاج إلى فعلين: أحدهما للغائب، والآخر للحاضر، ليؤديه عنك الغائب، فيكثر الإضمار فيجتنب لما فيه من كثرة الاتساع. انتهى كلامه. وسفوان، بفتح السين والفاء، قا ياقوت في "معجم البلدان": كأنه فعلان من سفت الريح التراب، وأصضله الياء، إلا أنه هكذا تكلموا به، قال أبو منصور:

стр. 2308

سفوان: ماء على قدر مرحلة من باب المربد من البصرة، وبه ماء كثير السافي، وهو التراب. انتهى. وقال البكري: سفوان: ما بين ديار بني شيبان، وديار بني مازن، على أربعة أميال من البصرة عند جبل سنام، ومكان سفوان من البصرة، كمكان القادسية من الكوفة، وقال الشرقي بن القطامي: التقت عليه القبيلتان، فتنازعتا فيه، فاقتلوا قتالاً شديداً، فظهرت بنو تميم، وشلوا بني شيبان [حتى وردوا المحدثة]، فقال ودال المازني: رويد بني شيبان بعض وعيدكم ... . . . . . البيت، انتهى. وفي "العقد الفريد" لابن عبد ربه، يوم سفوان، قال أبو عبيد: التقت بنو مازن وبنو شيبان على ماءٍ يقال له سفوان، فزعمت بنو شيبان أنه لهم، وأرادوا أن يجلوا تميماً عنه، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فظهر عليهم بنو تميم، فأجلوهم عنه، وكانوا يتوعدون بني مازن قبل ذلك، فقال في ذلك الوداك، وأنشد الأبيات. انتهى. ووداك بن ثميل المازني، وهو مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، شاعر إسلامي في الدولة المروانية، وهو بفتح الواو وتشديد الدال وآخره كاف، وثميل بضم المثلثة. قال الخطيب التبريزي: وقيل: هو وداك بن سنان، مثل وداك: فعال، من الودك، وهو الدسم، وأصله الصفة، وثميل: تصغير ثمل أو ثامل، على الترخيم، ويقال فيه أيضاً: نميل بالنون.

стр. 2309

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والتسعون بعد الستمائة: (٦٩٦) يا زيد زيد اليعملات الذبل وبعده: تطاول الليل هديت فانزل وزيد الأول فيه وجهان بناؤه على الضم، ونصبه، وزيد لاثاني منصوب لا غير، وعلى ضم الأول، فزيد الثاني بدل من الأول، أو عطف بيان له، واليعملات، جمع اليعمله، بفتح الياء والميم: الناقة المطبوعة على العمل، وقيل: القوية عليه، وكذلك الجمل. قال صاحب "القاموس": ولا يوصف بهما، إنما هما أسماؤه، والذبل: جمع ذابل: وهي الضامرة من طول السفر، وأضاف زيداً إلى اليعملات لحسن قيامه عليها، ومعرفته بحدائها. وقوله: تطاول الليل، أي: انزل عن راحلتك، واحد الإبل، فإن الليل قد طال، وحدث للإبل الكلال، فنشطها بالحداء، وأزل عنها الأعياء. وجملة"هديت" دعاء بدوام الهداية. وهذا الشعر لعبد الله بن رواحة الأنصاري، ﵁، قال في غزوة "مؤته" وهي بأدنى البلقاء، من أرض الشام، وكانت في جمادى الأولى من سنة ثمان من الهجرة. قال صاحب "الاستيعاب": ذكر ابن إسحاق أن زيد بن أرقم كان يتيماً في حجر ابن رواحة، فخرج [به] معه إلى مؤتة يحمله على حقيبة رحله، فسمعه زيد بن أرقم يقول ليلاً: إذا أدنيتني وحملت رجلي ... مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك فانعمي وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي

стр. 2310

فبكى زيد بن أرقم، فخفقه ابن رواحة بالدرة، وقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة، وترجع بين شعبي الرحل! ولزيد بن أرقم يقول ابن رواحة يا زيد زيد زيد اليعملات الذبل ... . . . . . إلى آخره. وقيل: بل قال ذلك في غزوة مؤتة في زيد بن حارثة. انتهى. وزيد بن حارثة كان أمير الجيش في هذه الغزوة، وقد بسطنا الكلام على هذا في الشاهد الثالث والثلاثين بعد المائة من شواهد الرضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والتسعون بعد الستمائة: (٦٩٧) يا تيم تيم عدي لا أبا لكم ... لا يلقينكم في سوءة عمر لما تقدم قبله، وأضاف تيماً إلى عدي للتخصيص، واحترز به عن تيم مرة في قريش، وعن تيم غالب بن قهر في قريش أيضاً، وعن تيم قيس بن ثعلبة، وعن تيم شيبان، وعن تيم ضبة. وعدي المذكور أخو تيم، فإنهما ابنا عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر. ومعنى: "لا أبا لكم" الغلظة في الخطاب، وأصله أن ينسب المخاطب إلى غير أب معلوم شتماً له واحتقاراً له، وقوله: "لا يلقينكم" النهي واقع في اللفظ على عمر وهو في المعنى واقع عليهم، والسوءة، بالفتح: الحالة الشنيعة، أي: امنعوه من هجائي حتى تأمنوا أن ألقاكم في بلية، فأنتم قادرون على كفه، فإذا تركتم نهيه، فكأنكم رضيتم بهجوه إياي. والبيت من قصيدة لجرير هجا بها عمر بن لجأ التيمي، ولجأ، بفتح اللام والجيم

стр. 2311

بعدها همزة، وقد بسطنا الكلام عليه في الشاهد الثاني والثلاثين بعد المائة ن شواهد الرضي، وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر. وأنشد بعده: لقائل يا نصر نصراً نصرا قبله: إني وأسطار سطرن سطرا وتقدم الكلام عليه في الإنشاد السادس والعشرين بعد الستمائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والتسعون بعد الستمائة: (٦٩٨) من صديق أو أخي ثقة ... أو عدو شاحط دارا على ان شاحطاً صفة مشبهة بمعنى بعيد، وداراً: تمييز محول من الفاعل. والذي رواه سيبويه وأتباعه: "من حبيب أو أخي ثقة" وأورده سيبويه في باب الصفة المشبهة من أوائل الكتاب قال: واعلم أن كينونة الألف واللام في الاسم الآخر- يعني نحو حسن الوجه- أحسن وأكثر من أن لا يكون فيه الألف واللام، وهذا عربي كما أن التنوين عربي مطرد، وأنشد هذا البيت وغيره. قال ابن خلف تبعاً للأعلم: الشاهد فيه أنه نون "شاحطاً" ونصب به "داراً" تشبيهاً بالمفعول به، وأصله شاحطة داره، ثم نقل الفعل إلى ما تقدم ذكره، والشاحط: البعيد. وقوله: "من حبيب" زعموا أنه في صلة "فوجدت العيش" في بيت قبله: إنني رمت الخطوب فتى ... فوجدت العيش أطوارا ليس يغني عيشه أحد ... لا يلاقي فيه إمعارا

стр. 2312

يريد: فوجدت العيش من حبيب، وقيل: لإنه في موضوع الوصف لأحد، كأنه قال: ليس يفني عيشه أحد من الأولياء والأعداء لا يلاقي فيه ما يكرهه. وقوله: رمت الخطوب، أي: رمت معرفة الخطوب، وهي الأحوال المختلفة، يعني: أنه طلب معرفة الأشياء، وبحث عنها وهو حدث، والأطوار: الأحوال المختلفة، يقول: وجدت عيش الإنسان في طول عمره يختلف، فتارة يستغني، وتارة يفتقر، وتارة يصح، وتارة يمرض، وتارة يصيب، وتارة يخطئ، وقوله: ليس يفني عيشه، يريد: أزمان عيشه، والإمعار: الافتقار وتغير الحال. وقوله: "أو أخي ثقة "أي: من صديق حميم يوثق به في الشدة. هذا آخر كلامه. والجيد أن تكون للبيان، فتكون مع مجرورها في موضع الحال من أحد، ورمت مصدره الروم: وهو الطلب، وفتى، أي شاباً، حال من التاء في "رمت" ويفني: مضارع أفناه، وعيشه: مفعوله مضاف إلى الضمير، وأحد: فاعله، والعيش: مصدر عاش، أي: صار ذا حياة، وجملة "لا يلاقي" إلى آخره، صفة لأحد، والإمعار، بالكسر مصدر أمعر، بالعين المهملة. وهذه الأبيات من قصيدة لعدي بن زيد العبادي، تقدم أبيات من أولها في الإنشاد الخامس بعد الثلاثمائة، ومطلعها: يا لبينى أوقدي نارا ... إن من تهوين قد حارا وعدي هذا جاهلي تقدمت ترجمته في الإنشاد الواحد والسبعين بعد المائتين. وقال السيوطي وتبعه ابن الملا في شرحه: هو عدي بن زيد بن حارث التيمي، وهذا خلاف الواقع، فإن عدياً هذا عبادي لا تيمي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والتسعون بعد الستمائة: (٦٩٩) فظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل

стр. 2313

على أن البغداديين أجازوا إتباع المنصوب بمجرور، قال الفراء في "تفسيره": قوله تعالى: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) [الأنعام: ٩٦] الليل في موضع نصب في المعنى، فرد الشمس والقمر على معناه لما فرق بينهما، بقوله: "سكناً"، فإذا لم يفرق بينهما آثروا الخفض، وقد يجوز أن ينصب وإن لم يحل بينهما بشيء، أنشد بعضهم: بينا نحن ننظره أتانا ... معلق وفضة وزناد راعي وتقول: "أنت آخذ حقك وحق غيرك"، فتضيف في الثاني، وقد نونت في الأول، لأن المعنى في قولك: "أنت ضارب زيداً وضارب زيد سواء"، وأحسن ذلك أن تحول بينهما بشيءٍ كما قال امرؤ القيس: فظل طهاة اللحم من بين منضج ... . . . . . البيت فنصب الصفيف، وخفض القدير على ما قلت لك. انتهى. وأبو جعفر النحاس لم يشرط المحرز، فإنه قال في شرح معلقة امرئ القيس: وقد أجاز سيبويه مثله، إنه كان يجوز أن يقال: "من بين منضج صفيف شواء"، فحمل قديراً على صفيف لو كان مخفوضاً، وشرح هذا: أنك إذا عطفت الثاني عليه، جاز لك أن تعربه بإعراب الأول، وجاز لك أن تعربه بما كان يجوز في الأول، فيقال: هذا ضارب زيد وعمرو، وإن شئت قلت: هذا ضارب زيد وعمراً، لأنه قد كان يجوز لك أن تقول: هذا ضارب زيداً وعمراً، وإن شئت قلت: هذا ضارب زيداً وعمرو، لأنه قد كان يجوز لك أن تقول: هذا ضارب زيد وعمرو، فهذا يجيء على مذهب سيبويه. وأنشد: مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها وأبو عثمان المازني، وأبو العباس المبرد، لا يجيزان هذه الرواية، والرواية عندهما: "ولا ناعباً"، لأنه لا يجوز أن يضمر الخافض، لأنه لا يتصرف وهو

стр. 2314

من تمام الاسم، وأما القول في البيت: فإن قديراً: معطوف على "منضج" بلا ضرورة والتقدير: ومن بين منضج قدير، ثم حذف منضج وأقام قديراً مقامه في الإعراب كما قال تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢] انتهى كلامه. وهذا هو التخريج الجيد، وقد اعتمده أبو علي في كتاب "إيضاح الشعر" قال: القول فيه: إنه على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كأنه: من بين منضج، أو متخذ قدير، ألا ترى أن "بين" ههنا تقتضي الإضافة إلى اثنين متجانسين من حيث كان تبييناً للطهاة، فإذا كان كذلك علمت أنه مثل قوله: سل القرية، وعلمت أيضاً أنه لا حجة فيه لمن أجاز: هذا ضارب زيداً وعمرو، إذا "القدير" ليس بمعطوف على "الصفيف"، إنما هو معطوف على الاسم المشارك في "بين"، وإنام حذف اسم الفاعل، وأقام المضاف إليه مقامه، لأن "بين" تقتضيه، وفي الكلام دلالة على حذفه من حيث ذكرنا. انتهى كلامه. وقال أبو حيان في تذكرته: أجاز الكوفيون: "هذا ضارب زيداً وعمرو" بالخفض محمولاً على زيد، لأنه يكون مخفوضاً، وعلى ذلك حملوا: "فظل طهاة اللحم ... البيت" ولا حجة فيه، ولا في الجواز، لأنه يمكن أن يقدر: أو منضج قدير، فحذفه، وجعله بمنزلة المثبت لتقدم ذكره، ولا يبعد عطفه على شواء، وأو بمعنى الواو، وبين تقتضي ذلك. انتهى. والبيت من معلقة امرئ القيس، وصف كثرة ما صاد بفرسه، فكثر عنده لحم الصيد، والطهاة جمع طاه من الطهو والطهي وهما إنضاج اللحم، والإنضاج يشتمل على طبخ اللحم وشيه، والصفيف: المصفوف على الحجارة لينضج، يقول: ظل المنضجون اللحم وهم صنفان: صنف ينضجون شواء مصفوفاً على الحجارة في النار، وهو المسمى بالكباب، وصنف يطبخون اللحم في القدور، ووصف القدير بمعجل، لأنهم كانوا يستحسنون تعجيل ما كان من الصيد ويستظرفونه. ومن في قوله "من بين" للتفصيل والتفسير نحو: هم من بين عالم وزاهد، أي إنهم لا يعدون هذين الصنفين. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع.

стр. 2315

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الموفي السبعمائة: (٧٠٠) إنما الميت من يعيش كئيباً ... كاسفاً باله قليل الرخاء على أن الحال قد يتوقف عليها معنى الكلام، فإن "كئيباً" حال من ضمير يعيش، فإن الكلام، وهو جملة: "إنما الميت من يعيش" لا يتم معناه بدونها، وهو آخر أبيات ستة لعدي بن الرعلاء الغساني، وتقدم شرح أربعة منها في الإنشاد الثالث عشر بعد المائتين، وقيبل هذا البيت: ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء قال الصاغاني في "العباب": الموت ضد الحياة، وقد مات يموت ويمات أيضاً، وأكثر ما يتكلم بها طيء، وقد تكلم بها سائر العرب، وقال يونس في كتاب اللغات: إن يميت لغة فيها، فهو ميت بالتشديد، وميت بالتخفيف، وقوم موتى وأموات وميتون، وأصل ميت: ميوت، على فيعل، ثم أدغم، ثم يخفف، فيقال: ميت، قال عدي بن الرعلاء الغساني: وأنشد هذين البيتين. لكن رواه: "من يعيش بئيساً" ثم قال: ويروى "يعيش كئيباً"، ويستوى فيه المذكر والمؤنث، قال تعالى: (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا) [الفرقان: ٤٩] ولم يقل: ميتة، قال الفراء: يقال لمن لم يمت: إنه مائت عن قليل وميت، ولا يقولون لمن مات: هذا مائت. انتهى كلامه. والبئيس، بفتح الموحدة بعدها همزة مكسورة على وزن فعيل: وهو من اتصف بالبؤس، وهو سوء الحال، وشدة الفقر، والكئيب،
следующие страницы →