Полный текст (2 797 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
بعدها همزة، وقد بسطنا الكلام عليه في الشاهد الثاني والثلاثين بعد المائة ن شواهد الرضي، وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأنشد بعده:
لقائل يا نصر نصراً نصرا
قبله:
إني وأسطار سطرن سطرا
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد السادس والعشرين بعد الستمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والتسعون بعد الستمائة:
(٦٩٨) من صديق أو أخي ثقة ... أو عدو شاحط دارا
على ان شاحطاً صفة مشبهة بمعنى بعيد، وداراً: تمييز محول من الفاعل.
والذي رواه سيبويه وأتباعه: "من حبيب أو أخي ثقة" وأورده سيبويه في باب الصفة المشبهة من أوائل الكتاب قال: واعلم أن كينونة الألف واللام في الاسم الآخر- يعني نحو حسن الوجه- أحسن وأكثر من أن لا يكون فيه الألف واللام، وهذا عربي كما أن التنوين عربي مطرد، وأنشد هذا البيت وغيره.
قال ابن خلف تبعاً للأعلم: الشاهد فيه أنه نون "شاحطاً" ونصب به "داراً" تشبيهاً بالمفعول به، وأصله شاحطة داره، ثم نقل الفعل إلى ما تقدم ذكره، والشاحط: البعيد. وقوله: "من حبيب" زعموا أنه في صلة "فوجدت العيش" في بيت قبله:
إنني رمت الخطوب فتى ... فوجدت العيش أطوارا
ليس يغني عيشه أحد ... لا يلاقي فيه إمعارا
стр. 2312
يريد: فوجدت العيش من حبيب، وقيل: لإنه في موضوع الوصف لأحد، كأنه قال: ليس يفني عيشه أحد من الأولياء والأعداء لا يلاقي فيه ما يكرهه. وقوله: رمت الخطوب، أي: رمت معرفة الخطوب، وهي الأحوال المختلفة، يعني: أنه طلب معرفة الأشياء، وبحث عنها وهو حدث، والأطوار: الأحوال المختلفة، يقول: وجدت عيش الإنسان في طول عمره يختلف، فتارة يستغني، وتارة يفتقر، وتارة يصح، وتارة يمرض، وتارة يصيب، وتارة يخطئ، وقوله: ليس يفني عيشه، يريد: أزمان عيشه، والإمعار: الافتقار وتغير الحال. وقوله: "أو أخي ثقة "أي: من صديق حميم يوثق به في الشدة. هذا آخر كلامه.
والجيد أن تكون للبيان، فتكون مع مجرورها في موضع الحال من أحد، ورمت مصدره الروم: وهو الطلب، وفتى، أي شاباً، حال من التاء في "رمت" ويفني: مضارع أفناه، وعيشه: مفعوله مضاف إلى الضمير، وأحد: فاعله، والعيش: مصدر عاش، أي: صار ذا حياة، وجملة "لا يلاقي" إلى آخره، صفة لأحد، والإمعار، بالكسر مصدر أمعر، بالعين المهملة. وهذه الأبيات من قصيدة لعدي بن زيد العبادي، تقدم أبيات من أولها في الإنشاد الخامس بعد الثلاثمائة، ومطلعها:
يا لبينى أوقدي نارا ... إن من تهوين قد حارا
وعدي هذا جاهلي تقدمت ترجمته في الإنشاد الواحد والسبعين بعد المائتين. وقال السيوطي وتبعه ابن الملا في شرحه: هو عدي بن زيد بن حارث التيمي، وهذا خلاف الواقع، فإن عدياً هذا عبادي لا تيمي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والتسعون بعد الستمائة:
(٦٩٩) فظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل
стр. 2313
على أن البغداديين أجازوا إتباع المنصوب بمجرور، قال الفراء في "تفسيره": قوله تعالى: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) [الأنعام: ٩٦] الليل في موضع نصب في المعنى، فرد الشمس والقمر على معناه لما فرق بينهما، بقوله: "سكناً"، فإذا لم يفرق بينهما آثروا الخفض، وقد يجوز أن ينصب وإن لم يحل بينهما بشيء، أنشد بعضهم:
بينا نحن ننظره أتانا ... معلق وفضة وزناد راعي
وتقول: "أنت آخذ حقك وحق غيرك"، فتضيف في الثاني، وقد نونت في الأول، لأن المعنى في قولك: "أنت ضارب زيداً وضارب زيد سواء"، وأحسن ذلك أن تحول بينهما بشيءٍ كما قال امرؤ القيس:
فظل طهاة اللحم من بين منضج ... . . . . . البيت
فنصب الصفيف، وخفض القدير على ما قلت لك. انتهى.
وأبو جعفر النحاس لم يشرط المحرز، فإنه قال في شرح معلقة امرئ القيس: وقد أجاز سيبويه مثله، إنه كان يجوز أن يقال: "من بين منضج صفيف شواء"، فحمل قديراً على صفيف لو كان مخفوضاً، وشرح هذا: أنك إذا عطفت الثاني عليه، جاز لك أن تعربه بإعراب الأول، وجاز لك أن تعربه بما كان يجوز في الأول، فيقال: هذا ضارب زيد وعمرو، وإن شئت قلت: هذا ضارب زيد وعمراً، لأنه قد كان يجوز لك أن تقول: هذا ضارب زيداً وعمراً، وإن شئت قلت: هذا ضارب زيداً وعمرو، لأنه قد كان يجوز لك أن تقول: هذا ضارب زيد وعمرو، فهذا يجيء على مذهب سيبويه. وأنشد:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها
وأبو عثمان المازني، وأبو العباس المبرد، لا يجيزان هذه الرواية، والرواية عندهما: "ولا ناعباً"، لأنه لا يجوز أن يضمر الخافض، لأنه لا يتصرف وهو
стр. 2314
من تمام الاسم، وأما القول في البيت: فإن قديراً: معطوف على "منضج" بلا ضرورة والتقدير: ومن بين منضج قدير، ثم حذف منضج وأقام قديراً مقامه في الإعراب كما قال تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢] انتهى كلامه.
وهذا هو التخريج الجيد، وقد اعتمده أبو علي في كتاب "إيضاح الشعر" قال: القول فيه: إنه على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كأنه: من بين منضج، أو متخذ قدير، ألا ترى أن "بين" ههنا تقتضي الإضافة إلى اثنين متجانسين من حيث كان تبييناً للطهاة، فإذا كان كذلك علمت أنه مثل قوله: سل القرية، وعلمت أيضاً أنه لا حجة فيه لمن أجاز: هذا ضارب زيداً وعمرو، إذا "القدير" ليس بمعطوف على "الصفيف"، إنما هو معطوف على الاسم المشارك في "بين"، وإنام حذف اسم الفاعل، وأقام المضاف إليه مقامه، لأن "بين" تقتضيه، وفي الكلام دلالة على حذفه من حيث ذكرنا. انتهى كلامه.
وقال أبو حيان في تذكرته: أجاز الكوفيون: "هذا ضارب زيداً وعمرو" بالخفض محمولاً على زيد، لأنه يكون مخفوضاً، وعلى ذلك حملوا:
"فظل طهاة اللحم ... البيت" ولا حجة فيه، ولا في الجواز، لأنه يمكن أن يقدر: أو منضج قدير، فحذفه، وجعله بمنزلة المثبت لتقدم ذكره، ولا يبعد عطفه على شواء، وأو بمعنى الواو، وبين تقتضي ذلك. انتهى.
والبيت من معلقة امرئ القيس، وصف كثرة ما صاد بفرسه، فكثر عنده لحم الصيد، والطهاة جمع طاه من الطهو والطهي وهما إنضاج اللحم، والإنضاج يشتمل على طبخ اللحم وشيه، والصفيف: المصفوف على الحجارة لينضج، يقول: ظل المنضجون اللحم وهم صنفان: صنف ينضجون شواء مصفوفاً على الحجارة في النار، وهو المسمى بالكباب، وصنف يطبخون اللحم في القدور، ووصف القدير بمعجل، لأنهم كانوا يستحسنون تعجيل ما كان من الصيد ويستظرفونه. ومن في قوله "من بين" للتفصيل والتفسير نحو: هم من بين عالم وزاهد، أي إنهم لا يعدون هذين الصنفين. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع.
стр. 2315
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الموفي السبعمائة:
(٧٠٠) إنما الميت من يعيش كئيباً ... كاسفاً باله قليل الرخاء
على أن الحال قد يتوقف عليها معنى الكلام، فإن "كئيباً" حال من ضمير يعيش، فإن الكلام، وهو جملة: "إنما الميت من يعيش" لا يتم معناه بدونها، وهو آخر أبيات ستة لعدي بن الرعلاء الغساني، وتقدم شرح أربعة منها في الإنشاد الثالث عشر بعد المائتين، وقيبل هذا البيت:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء
قال الصاغاني في "العباب": الموت ضد الحياة، وقد مات يموت ويمات أيضاً، وأكثر ما يتكلم بها طيء، وقد تكلم بها سائر العرب، وقال يونس في كتاب اللغات: إن يميت لغة فيها، فهو ميت بالتشديد، وميت بالتخفيف، وقوم موتى وأموات وميتون، وأصل ميت: ميوت، على فيعل، ثم أدغم، ثم يخفف، فيقال: ميت، قال عدي بن الرعلاء الغساني: وأنشد هذين البيتين. لكن رواه: "من يعيش بئيساً" ثم قال: ويروى "يعيش كئيباً"، ويستوى فيه المذكر والمؤنث، قال تعالى: (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا) [الفرقان: ٤٩] ولم يقل: ميتة، قال الفراء: يقال لمن لم يمت: إنه مائت عن قليل وميت، ولا يقولون لمن مات: هذا مائت. انتهى كلامه. والبئيس، بفتح الموحدة بعدها همزة مكسورة على وزن فعيل: وهو من اتصف بالبؤس، وهو سوء الحال، وشدة الفقر، والكئيب،
стр. 2316
بفتح الكاف بعدها همزة مكسورة: وهو من اتصف بالكآبة، بعد الكاف همزة ممدودة، وهي سوء الحال، والانكسار من الحزن.
وفي "عمدة الحفاظ" للسمين: وكسوف الشمس والقمر استتارهما بعارضٍ في علم الله، ومنهم من خص الكسوف بالشمس، والخسوف بالقمر، ثم استعير ذلك لتغير الوجه [والحال]، فقيل: كسف وجهه وحاله وماله، وأنشد هذين البيتين. وقال شمر: الكسوف في الوجه: صفرة وتغير، وقال أبو زيد: كسف باله، إذا حدثته نفسه الشر، وقيل: كسوف البال: أن يضيق عليه أمله، وفي "العباب" البال: الحال، يقال: فلان كاسف البال، أي: سيء الحال، قال امرؤ القيس:
فأصبحت معشوقاً وأصبح بعلها ... عليه القتام كاسف الطن والبال
وقال الهواري: البال: الأمل، وكسوف البال: أن يضيق على الإنسان الأمل، وفلان رخي البال: إذا لم يشتد عليها الأمر، ولم يكترث، وفي "المصباح": العيش رخي ورخو: إذا اتسع، فهو رخي على فعيل، والاسم الرخاء، وزيد رخي البال، أي: في نعمة وخصب. ورأيت هذين البيتين في ديوان الحارث بن حلزة صاحب الملعقة، قال جامع ديوانه: هذا ليس له، وهي من أبيات لعدي بن الرعلاء الغساني، وقد ذكرناه في الإنشاد الثالث عشر بعد المائتين. وكاسفاً وقليىً: حالان كالأول، ويجوز أن تكون أحوالاً متداخلة، و "باله": فاعل كاسف.
стр. 2317
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد بعد السبعمائة:
(٧٠١) علي إذا ما زرت ليلى بخفية ... زيارة بيت الله رجلان حافيا
على أن رجلان وحافياً حالان متعددتان من فاعل المصدر المحذوف، والأصل: زيارتي بيت الله، فلما حذف الفاعل وهو الياء أضيف المصدر إلى المفعول، ويجوز أن يكون صاحب الحال الياء في "علي" أو ضمير المتكلم في رواية: "نذرت إذا لاقيت ليلى" ويجوز أن يكونا حالين متداخلتين بأن يكون "حافياً" حال من الضمير المستر في "رجلان".
والبيت من قصيدة طويلة لمجنون ليلى وهو قيس العامري ومطلعها:
بثمدين لاحت نار ليلى وصحبتي ... قوافل تسري قد سلكن النواحيا
فقال خبير القوم لمعة كوكب ... بدا في ظلام الليل فرداً يمانيا
فقلت لهم بل نار ليلى توقدت ... على نثز من حيها فأضاليا
ألا يا أبا ليلى لقيت من العدى ... كما لقيت روحي وذقت مذاقيا
ألا يا أبا ليلى أراك معلقاً ... دوين الثريا ثم تترك هاويا
أصلي فما أدري إذا ما ذكرتها ... أللشرق أم للغرب كانت صلاتيا
أصلي فما أدري إذا ما ذكرتها ... أثنتين صليت الضحى أم ثمانيا
نذرت إذا لا قيت ليلى بخفية ... . . . . . البيت
ويروى أيضاً:
نذرت إذا ما جئت ليلى بخفية
ومنها هذا البيت المشهور:
على أني راضٍ بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا علي ولا ليا
стр. 2318
وهي قصيدة غرامية. وثمدين بصيغة المثنى: موضع، ورجلان، بفتح الراء: صفة مشبهة بمعنى ماشٍ.
قال صاحب "المصباح" ورجل رجلاً، من باب تعب: قوي على المشي، ويطلق الرجل، أي: بفتح الراء وضم الجيم، على الراجل، وهو خلاف الفارس، وجمه الراجل: رجل، كصاحب وصحب، ورجالة ورجال أيضاً. انتهى.
وفي "العباب": الرجل: خلاف الفارس، والجمع رجل، قال تعالى: (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) [الإسراء: ٦٤] ورجالة ورجال، قال تعالى: (فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا) [البقرة: ٢٣٩] ورجلة، قال أبو عمرو: وليس في كلامهم فعلة جاءت جمعاً غير رجلة، جمع راجل، وكمأة جمع كمءٍ، والرجلان أيضاً: الراجل، والجمع رجلي ورجال، مثل عجلان وعجلى وعجال. انتهى.
والحافي: غير المنتعل، وهو اسم فاعل من حفي زيد يحفي، من باب تعب، حفاء، مثل سلام: مشى بغير نعل ولا خف، فهو حاف، والجمع: حفاة، كقاض وقضاة، والحفاء، بالكسر والمد اسم منه، وحفي من كثرة المشي حتى رقت قدمه حفى فهو حفٍ، من باب تعب، كذا في "المصباح".
وإنما اشترط الزيارة بالخفية ليظهر لها ما يجده على حسب مراده، وليتمكن من الكلام معها بخلاف ما إذا جاءها وعندها أحد، فلا يتمكن من ذلك، وأراد بالخفية: الخلوة، وبها رواه السيد في الحالة المقتضية لتقيد الفعل بالشروط المختلفة من "شرح المفتاح" وقال: وقد صحف جماعة، رجلان، برجلاي، وبنوا عليه خرافات في إعراب البيت حتى قال قائلهم" رجلاي فاعل زيارة، وحافياً حال من ضمير
стр. 2319
المتكلم في رجلاي، لأنه في معنى: زيارتي بيت الله حافياً، وأنت خبير بأن نسبة زيارة بيت الله إلى الرجل ركيكة جداً، وبأن الحافي إذا لم يكن راجلاً لم يكن له مشقة عظيمة، وقد ذكر هذا المصحف بمحضر جمع من أدباء الشام، فاتخذوه أضحوكة يتلهى بها. انتهى. وكتب في مناهيه: هذا التصحيف إنما وقع في أهل خراسان ومن يليهم دون عراق العرب والشام، والعاقل إذا تأمل ما قررناه من المعنى، لم يبق له شبهة في أنهم وقعوا في تصحيفهم في حيرة وركاكة في توجيه إعراب البيت، وكتب بعد هذا: تظهر لك هذه الركاكة إذا نظرت إلى لطافة قوله:
ولو قدرت على الإتيان زرتكم ... سحباً على الوجه لا مشياً على الرأس
وكتب بعد هذا: فلا شك أن مقصود الشاعر المشقة العظيمة. انتهى.
وترجمة مجنون ليلى تقدمت في الإنشاد السابع عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني بعد السبعمائة:
(٧٠٢) نجوت وهذا تحملين طليق
وصدره:
عدس ما لعباد عليك إمارة
على ان الحال يجوز تقدمها على عاملها بشرطه كما هنا، فإن جملة "تحملين" حال من ضمير طليق، وطليق: وصف من فعل متصرف، وهذا مذهب البصريين،
стр. 2320
وأما الكوفيون، فيقولون: هذا اسم موصول، وجملة "تحملين" صلة، وحذف العائد، لكونه ضمير نصب، أي: والذي تحملينه طليق.
والبيت أول أبيات ثمانية ليزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري البصري، ذكره الجكحي في الطبقة السابعة من شعراء الإسلام، ولقب جده مفرغاً، لأنه راهن على شرب سقاء لبن، فشربه حتى فرغه، فسمي مفرغاً، وكان يزيد هجاءً، فهجا عباد بن زياد بن سمية، وهو والي خراسان، وشاع هجوه الكثير بين الناس، فظفر به، فسجنه، وأراد قتله، فشفع في هقومه عند معاوية، فشفعهم، وبعث بريداً يقال له خمخام إلى البصرة، فأخرجه من الحبس قبل أن يشعر به عباد، فلما قدمت إليه بغلة، نفرت، فخاطبها بقوله:
عدس ما لعباد عليك إمارة ... . . . . . البيت
وعدس: فيه أقوال كثيرة، أشهرها: كونه كلمة زجر للبغل.
وعباد هذا: هو أخو عبيد الله بن زياد، الذي قاتل الحسين بن علي، ﵁، في كربلاء، والإمارة: الحكومة، وطليق: مطلق، وقد شرحنا هذه الأبيات، وذكرنا سبب هجوه إياه مع ترجمة يزيد، وبسطنا الكلام عليها في الشاهد الثامن والعشرين بعد الأربعمائة، وفي الشاهد الثالث بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث بعد السبعمائة:
(٧٠٣) رددت بمثل السيد نهد مقلص ... كميش إذا عطفاه ماء تحلبا
стр. 2321
على أن ابن مالك استدل به على جواز تقدم التمييز على عامله المتصرف كالحال، فإن "ماء" تمييز، وعامله "تحلب"، وحكم عليه المصنف بالسهو، وقد بينه. وابن مالك في هذا التجويز تابع لابن الشجري، فإنه جوز أن يكون التمييز منصوباً ب "تحلب" مع كون عطفاه فاعلاً بفعل محذوف يفسره المذكور. وقد اورد هذا، البيت في المجلس الخامس من "أماليه" وقال: إن احتج محتج لمن أجاز "عرقاً تصبب" فالدافع له أن يقول: إن العامل في الماء هو الرافع للعطفين من حيث كان التقدير: إذا تحلب عطفاه ماء، فإن قيل: لم نجد اسمين معاً مرفوعاً ومنصوباً عمل فيهما فعل مضمر! قيل: بلى، قال سيبويه في "باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره": من ذلك قول العرب: أما أنت منطلقاً انطلقت معك، أي: لأن كنت منطلقاً انطلقت معك، وهذا الذي ذكره من مجيء اسمين مرفوع ومنصوب مضمر، وإن لم يكثر، فإنه قد ورد، ولو زعم زاعم أن "عطفاه" رفع بالفعل المضر، وأن "ماء" منتصب بقوله: "تحلباً" على قول من روى:
وما كان نفساً بالفرق تطيب
لم يبعد قوله. انتهى كلامه باختصار.
والبيت من قصيدة لربيعة بن مقروم الضبي، عدتها خمسة وعشرون بيتاً وهي مسطورة في "المفضليات" ومطلعها:
تذكرت والذكرى تهيجك زينبا ... وأصبح باقي وصلها قد تقضبا
وحل بفلج فالأباتر أهلها ... وشطت فحلت عمرة فمثقبا
стр. 2322
فإما تريني قد تركت لجاجي ... وأصبحت مبيض العذارين أشيبا
فيارب خصم قد كففت دفاعه ... وقومت منه درأه فتنكبا
ومولى على ضنك المقام نصرته ... إذا النكس أكبى زنده فتذبذبا
وأضياف ليل في شمال عرية ... قريت من الكوم السديف المرعبا
وواردة كأنها عصب القطا ... تثير عجاباً بالسنابك أصهبا
وزعمت بمثل السيد نهد مقلص ... البيت ...
قوله: تذكرت: خطاب لنفسه، وهاجه الشيء: أثاره، يتعدى لمفعول واحد وهنا قد تعدى إلى مفعولين في الظاهر، وليس بمذكور في كتب اللغة، وفاعل تهيجك: ضمير الذكرى، والكاف مفعول تهيج على حذف مضاف، أي: تهيج شوقك لزينب، أو من أجل زينب، فزينب منصوب بنزع الخافض، وتقضب، بالقاف والضاد المعجمة، أي: تقطع، ولم يكتب ابن الأنباري لشرح هذا البيت شيئاً.
وقوله: "وحل بفلج .. إلى آخره" فلج، بفتح الفاء وسكون اللام بعدها جيم: موضع، والأباتر: بضم الهمزة بعدها موحدة، وبعد الألف مثناة فوقية: موضع أيضاً، وشطت: بعدت، وحلت: نزلت، وعمرة، بفتح العين المهملة وسكون الميم: موضع أيضاً، ومثقب: بضم الميم بعدها ثاء مثلثة، وفتح القاف المشددة، موضع أيضاً.
وقوله: "فإما تريني .. إلى آخره" أصله: "إن ما" وإن شرطية، وما زائدة، واللجاجة: اللج والعناد، وقوله: "فيارب خصم" الفاء في جواب إن، و "يا" للتنبيه، ورب: للتثكير، والدفاع: المافعة، وقومت: عدلت، والدرء: المخالفة والمدافعة، وتدار أالقوم في الأمر: تدافعوا واختلفوا، وتنكب عن الشيء: عدل عنه.
وقوله: "ومولى على ضنك .. إلى آخره" قال ابن الأنباري في شرحه: قال الضبي: المولى هنا الولي، والضنك: الضيق، أي: نصرته على ضيق من الأمر
стр. 2323
وشدة حتى دفعت عن الظلم، والنكس، بكسر النون: الردئ من الرجال، وأكبى زنده: لم يأت بنارٍ، يريد: أنه لم يكن عنده نصرة، فتذبذب: لم يثبت على شيء.
وقوله: وأضياف ليل، بالجر، معطوف على مجرور رب، كالبيت قبله. قال ابن الأنباري: يريد أنه: قرى ضيفانه في ليلة باردة، والسديف: شطب السنام، والمرعب: بالراء والعين المهملتين: المقطع، والكوم: جمع كوماء: وهي العظيمة السنام.
وقوله: "وواردة كأنها .. إلى آخره"، وهذا أيضاً، معطوف على مجرور رب، وغفل السيوطي، فجعل الواو العاطفة واو رب. قال ابن الأنباري: الواردة: قطع من الخيل، وعصب القطا: جماعاتها، الواحدة عصبة، شبه الخيل في سرعتها بالقطا في سرعته، وقال غير الضبي: العصب: جمع عصبة، وهي العشرة عدداً من كل شيء، وأصهب: يعني الغبار في لونه.
وقوله: "وزعت بمثل السيد .. إلى آخره" هذا جواب رب، قال ابن الأنباري: وزعت: كففت، وفي الحديث: "لابد للناس من وزعة" أي: كففة يكفونهم، والسيد: الذئب، والنهد: الضخم، والمراكل: جمع مركل كجعفر: موضع عقبي الفارس من جنبي الفرس، يصف انتفاخ ذلك الموضع، والمقلص، بكسر اللام المشددة: الطويل القوائم، وكميش، بفتح الكاف وكسر الميم: الجاد في عدوه، منكمش: مسرع، ويروي: جهير، بفتح الجيم: الشديد الجري، وعطفاه: جانباه، شبه فرسه بالذئب في سرعته وتحلب عرقه من شدة الجري، فقطر عرقه كالماء القاطر.
قال ابن الأنباري: ربيعة بن مقروم: ينتهي نسبه إلى ضبة بن أد، وكان ممن أصفق عليه كسرى، ثم عاش في الإسلام، وهو مسلم، وشهد القادسية. انتهى. وتقدمت ترجمته في الإنشاد التاسع والستين بعد المائتين.
стр. 2324
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع بعد السبعمائة:
(٧٠٤) إذا المرء عينا قر بالعيش مثرياً ... ولم يعن بالإحسان كان مذمما
لما تقدم قبله، وقررت عينه: سكنت، فلم تطمح بالنظر إلى من فوقه، ومثرياً: حال من المرء، من أثرى الرجل: إذا كثر ماله، ويعن: من عني بالأمر، بالبناء للمفعول: إذا اهتم به، والمذمم: ضد الممدوح. والبيت لحسان بن ثابت الصحابي الأنصاري.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس بعد السبعمائة:
(٧٠٥) وما ارعويت وشيباً رأسي اشتعلا
على أن تقدم التمييز على ضرورة، ولم يذكر ابن عصفور في كتاب "الضرائر" وإنما ذكر الفصل بين الأعداد والتمييز كقوله:
على أنني بعد ما قد مضى ... ثلاثون للهجر حولا كميلا
أي: ثلاثون حولا كميلاً للهجر.
وقال ابن الأنباري قفي "مسائل الخلاف" ذهب بعض الكوفيين إلى جواز تقدم التمييز على عامله إذا كان فعلاً متصرفاً، ووافقهم على ذلك المازني، والمبرد من البصريين، وذكر حجج الفريقين من الجواز والمنع، ورد دليل المجيز بأنه نادر، إنما جاء في الشعر.
стр. 2325
والحزم: ضبط الأمر، والأخذ بالثقة، والارعواء: الرجوع عن فعل القبيح، واشتعال شيب الرأس: عبارة عن انتشار الشيب في الرأس.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس بعد السبعمائة ":
(٧٠٦) أنفساً تطيب بنيل المنى ... وداعي المنون ينادي جهارا
لما تقدم قبله، ونيل: مصدر نال الشيء: إذا أصابه، وظفر به، والمنى: جمع منية، بالضم: وهي ما يتمناه الإنسان، والمنون، بفتح الميم: الموت، مأخوذ من المن: وهو المقطع، وسمي الموت منوناً، لأنها تقطع المدد، وتنقص العدد. قال القراء: المنون مؤنثة، وتكون واحدة وجمعاً، وجملة: "وداعي المنون .. " إلى آخره: حالية، والاستفهام لإنكار التوبيخي، ومفعول ينادي: محذوف، والتقدير: يناديك، أو ينادي كل حيٍ، ومثل تقدم التمييز في البيتين قول أعشى همدان:
أتهجر ليلى بالفراق حبيبها ... وما كان نفساً بالفراق تطيب
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع بعد السبعمائة:
(٧٠٧) يا حبذا المال مبذولاً بلا سرفٍ
تمامه:
في أوجه البر إسراراً وإعلاناً
على ان مبذولاً حال لا تمييز، قال ابن مالك في شرح "العمدة": وتنفرد "حبذا" من "نعم" بدخول "يا" عليها، وبكثرة وقوع تمييز أو حال قبل مخصوص "حبذا" وبعده، فوقوع التمييز قبل المخصوص كقول الشاعر:
стр. 2326
ألا حبذا قوما سليم فإنهم ... وفوا إذا تواصلوا بالإعانة والنصر
ووقوعه بعد المخصوص كقوله:
حبذا الصبر شيمة لامرئ را ... م مباراة مولع بالمعاني
ووقوع الحال قبل المخصوص، كقول الراجز:
يا حبذا مرجواً المثري السخي ... من يرجه فعيشه العيش الرخي
ووقوعها بعد المخصوص، كقول الشاعر:
يا حبذا المال مبذولاً بلا سرفٍ ... . . . . . البيت.
وقال ناظر الجيش في "شرح التسهيل": وقد يقع موقع التمييز حال كقولك: حبذا زيد قاصداً ومقصوداً، ولا حبذا عمرو صادراً ولا وارداً، ومنه قول الشاعر: يا حبذا المال مبذوللاً بلا سرفٍ ... . . . . .
والتزم بعض المتأخرين كون المنصوب بعده تمييزا، وليس ملتزماً، لأن الحال قد أغنت عنه في النظم والنثر. انتهى.
والسرف بفتحيتين: اسم للإسراف، مصدر إسراف: إذا جاوز الاعتدال، والبر، بالكسر: الخير، والإسراء: مصدر أسر، أي: أخفى وكتم، والإعلان: مصدر أعلن، أي: أظهر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن بعد السبعمائة:
(٧٠٨) تزود مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك زادا
стр. 2327
على أن الصحيح: أن زاداً ليس بتمييز، بل أحد ما ذكره؛ وهذا التصحيح لابن يعيش. قال في "شرح المفصل": اختلف الأئمة في هذه المسألة فمنع سيبويه [ذلك وأنه لا يقال: "نعم الرجل رجلاً زيد"]، و [كذلك] السيرافي، وابن السراج وأجازه المبرد، وأبو على، واحتج [في ذلك] سيبويه بأن المقصود من المنصوب والمرفوع الدلالة على الجنس وأحدهما كافٍ على الآخر وأيضاً، فإن ذلك ربما أوهم بأن الفعل الواحد له فاعلان، وذلك إن رفعت اسم الجنس، فإنه فاعل، وإذا نصبت النكرة بع ذلك آذنت بأن الفعل فيه ضمير فاعل، لأن النكرة المنصوبة لا تأتي إلا كذلك، وحجة المبرد في الجواز الغلو في البيان والتأكيد، والأول أظهر، وأما بيت جرير وهو:
تزود مثل زاد أبيك فينا ... البيت ...
فإن المبرد أنشده شاهداً على جواز ذلك، [فإنه رفع الزاد المعرف بالألف واللام بأنه فاعل نعم وزاد أبيك هو المخصوص بالمدح وزاداً تمييز وتفسير]، فالقول عليه أإنا لا نسلم أن زادا منصوب بنعم، وإنما هو مفعول به بتزويد، والتقدير: تزود زاداً مثل زاد أبيك فينا، فلما قدم صفته عليه نصبها على الحال، ويجوز أن يكون مصدراً مؤكداً محذوف الزوائد، والتقدير: تزود مثل زاد أبيك فينا تزوداً. ويجوز أن يكون تمييزاً لمثل، كما يقال: ما رأيت مثله رجلاً، وعلى تقدير أن يكون العامل فيه "نعم" فإن ذلك من ضرورة الشعر، لا يجعل قياساً. وقد بسطنا الكلام على هذا في الشاهد الرابع والستين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
والبيت من قصيدة لجرير في مدح عمر بن عبد العزيز، تقدم أبيات منها في الإنشاد السادس عشر من أوائل هذا الكتاب.
стр. 2328
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع بعد السبعمائة:
(٧٠٩) نعم الفتاة فتاة هند لو بذلت ... رد التحية نظقاً أو بإيماء
الفتاة: المرأة الشابة، وفتاة: حال مؤكدة، ونطقاً أصله: بنطق، بدليل قوله: أو بإيماء، فلما حذفت الباء نصب مجرورها.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العاشر بعد السبعمائة:
(٧١٠) وقد أغتدي والطير في وكناته
تمامه:
بمنجرد قيد الأوابد هيكل
على أن جملة: والطير في وكناته حالية من ضمير أغتدي بمعنى أذهب غدوة، والوكنات، بضم الواو والكاف، ويجوز فتحها وتسكن أيضاً؛ جمع وكنة بسكونها، من وكن الطائر يكن وكوناً إذا استقر في وكنته، وهي مقره ليلاً، وهي أيضاً عشه الذي يبيض فيه. وقوله: بمنجرد، أي: بفرس منجرد، وهو القصير الشعر، وهو من صفة الخيل الكريمة، والأوابد جمع آبدة: وهي الوحش، يريد ان هذا الفرس من سرعته يلحق الأوابد، فيصير لها بمنزلة القيد فلا ينجو منها شيء، والهيكل: الطويل الضخم، وقد بسطنا الكلام على هذا البيت في الإنشاد الثالث والخمسين بعد المائتين من هذا الكتاب، وفي الشاهد الخامس والثمانين بعد المائة من الرضي.
стр. 2329
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الحادي عشر بعد السبعمائة "
(٧١١) قدر أحلك ذا المجاز
هو قطعة من بيت وهو:
قدر أحلك ذا المجاز وقد أرى ... وأبي مالك ذو المجاز بدار
على أن "قدر" مبتدأ ومسوغه مقدر، تقديره: لا يغالب، وبعده بيت آخر وهو: إلا كداركم بذي بقر الحمى ... هيهات ذو بقر من المزدار ونسبهما أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم" إلى مؤرخ السلمي، وهو شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، ومؤرخ، بضم الميم وفتح الهمزة وتشديد الراء المكسورة بعدها جيم، والسلمي: نسبة إلى سليم بالتصغير: قبيلة معروفة، والقدر: قضاء الله وحكمه، وأحلك: أنزلك، متعدي حل بالمكان: إذا نزل به، والهمزة للتصبير، أي: صيرك حالاً بذي المجاز، وهو بفتح الميم بعدها جيم وآخره زاي منقوطة، قال ياقوت الحموي في "المشترك وضعاً المختلف صقعاً": ذو المجاز: موضع بسوق عرفة من جهة كبكب عن يمين الإمام على فرسخٍ من عرفة، كانت تقوم فيه بالجاهلية سوق ثمانية أيام، والمجاز: موضع قريب من ينبع والقصيبة. انتهى.
وفي "العباب" للصاغاني: وقال الصمعي: ذو المجاز ماء في أصل كبكي خلف عرفة، وهو لهذيل. انتهى. ورواه ثعلب في "أماليه":
قدر أحلك ذا النخيل وقد أرى ... وأبي مالك ذو النخيل بدار
стр. 2330
والنخيل: بضم النون وفتح الخاء المعجمة، قال ياقوت في "معجم البلدان" ذو النخيل: موضع قرب مكة بين مغمس وأثبرة، وهو يفرغ في صدر مكة، وذو النخيل أيضاً: موضع دوين حضر موت. وقوله: وأبي، الواو للقسم، والجملة المنفية وهي "مالك ذو المجاز بدار" جواب القسم، وأبي بتشديد الياء، قال المبرد: مفرد ردت لامه في الإضافة إلى الياء، فيكون أصله أبوي، قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، وأبدلت ضمة الموحدة كسرة؛ لئلا تعود الواو. وكلام المبرد، وإن كان موافقاً للقياس إلا أنه لم يقم عليه دليل قاطع، قال الزمخشري في "المفصل" وقد أجاز المبرد أبي وأخي وأنشد:
وأبي مالك ذو المجاز بدار
وصحة محمله على الجمع في قوله: "وفديننا بالأبينا" تدفع ذلك، يريد أن لفظ "أبي" جاء على لفظ الجمع، ولا قرينة تخلصه للأفراد، فحمل على لفظ الجمع، وسقط الاحتجاج به للأفراد، فيكون أصله "أبين" حذفت نونه للإضافة، إلى الياء، وأدغمت الياء في الياء. وقد عزا ثعلب في "أماليه العاشرة" إلى الفراء ما عزاه الزمخشري إلى المبرد، وهذا نصه: الفراء يقول: من أتم "الأب" فقال: هذا أبوك، فأضاف إلى نفسه، قال: هذا أبي، خفيف، قال: والقياس قول العرب هذا أبي فاعلم، وهو الاختيار وأنشد:
فلا وأبي لا آتيك حتى ... ينسى الواله الصب الحنينا
стр. 2331
وقال: أنشد الكسائي ب "رنبويه"- قرية من قرى الجبل- قبل أن يموت:
قدر أحلك ذا النخيل وقد أرى ... وأبي مالك ذو النخيل بدار
إلا كداركم بذي بقر الحمى ... هيهات ذو بقرٍ من المزدار انتهى نصه.
وقال الصاغاني: ذو بقر: واد بين أخيلة الحمى، حمى الربذة، قال القحيف العقيلي:
فيا عجبى مني ون طارق الكرى ... إذا منع العين الرقاد وسهدا
ومن عبرة فاضت شآبيب أن بدا ... بذي بقر آيات ربع تأبدا
أي: توحش. وقال تميم بن مقبل:
إني رأيتكما يوماً بمنزلة ... ما قامها الحي واحتلوا بذي بقر
قال ابن الكلبي: سمي ببقر ابن جنادة: احتفره. انتهى. والمزدار: مفتعل، من الزيارة، وهو مصدر ميمي، وأراد بالحمى: حمى الربذة، بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة، وهي قرية كانت في صدر الإسلام عامرة من جهة شرقي المدينة على طريق حاج العراق نحو ثلاثة أيام.
وقد بسطنا الكلام على هذا البيت بأكثر من هذا في الشاهد السابع عشر بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني عشر بعد السبعمائة:
(٧١٢) عندي اصطبار وشكوى عند قاتلتي ... فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا
стр. 2332
الصبر: حبس النفس عن الجزع، والاصطبار أبلغ منه، وشكوى الإنسان غبره إخباره بسوء فعله، والفعل: شكوته شكاية، والشكوى: اسم مصدر، و "سمع" مفسر لعامل الجار والمجرور والمرفوع، أي: فهل سمع بأعجب من هذا امرؤ! يريد: أن اصطبار المظلوم وشكوى الظالم غريب يتعجب منه.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث عشر بعد السبعمائة:
(٧١٣) سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا ... محياك أخفى ضوؤه كل شارق
سرينا: من السرى، وهو سير الليل، وأضاء: انتشر نوره، ويأتي متعدياً أيضاً، ويقال أيضاً: ضاء، بلا ألف، والمحيا: الوجه، لأنه يحيى عند رؤيته، والشارق: النجم، وكل مضيء، والمراد: ذو الشروق، كتامر ولابن، وبدا: ظهر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع اشر بعد السبعمائة:
(٧١٤) الذئب يطرقها في الدهر واحدة ... وكل يوم تراني مدية بيدي
على أم مدية مبتدأ، وبيدي: خبر، وصح الابتداء بالنكرة لوقوعها في أول جملة حالية، كقوله في البيت السابق: ونجم قد أضاء.
والبيت ثاني بيت أوردهما أبو تمام في أول الأضياف من "الحماسة" والذي قبله:
تركت ضأني تود الذئب راعيها ... وأنها لا تراني آخر الأبد
стр. 2333
قال ابن جني في "إعراب الحماسة": قوله: "مدية بيدي" جملة منصوبة الموضع على الحال، أي تراني جاعلاً سكيناً، ويجوز مدية بالنصب على بدل الاستمال من الياء، أي: ترى مدينة بيدي، والباء على الأول مرفوع الموضع، لأنها خبر مدية، وهي متعلقة بمحذوف، وفي الثاني لك أن تجعلها صفة لمدية، فيتعلق أيضاً بمحذوف انتهى. وأراد بالتعليق الربط.
وقال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: وأما من نصب "مدية" فهي مفعول لمحذوف، أي: حاملاً أو آخذاً، أو بدلاً من الياء، وهو ضعيف. انتهى. وكان وجه الضعف أن بدل الاشتمال لابد له من ضمير يعود على المبدل منه، ولا ضمير متصل بمدية يعود على المتكلم، وفيه أن "مدية" وإن لم يتصل بها ضمير، فقد اتصل بصفتها الضمير، وهو كاف.
وقوله: تركت ضأني. الترك: يتعدى إلى مفعولين، أصلهما المبتدأ والخبر، لتضمنه معنى الجعل، وضأني: المفعول الأول، وجملة "تود" المفعول الثاني، والضأن: ذوات الصوف من الغم، الواحدة: ضائنة، قال ابن الأنباري: الضأن مؤنثة، والراعي: حارس الغنم، وسائر المواشي.
قال ابن جني: راعيها: مفعول ثان، ويؤنسك أن ل "وددت" مفعولين، وقوع "أن" بعدها كوقوعها بعد علمت، وهذا لعمري ليس بقاطع، لقولك: ظننت الحديث، وطننت أنك فاعل، لكن في وقوع "أن" بعدها تأنيساً بتعديها إلى مفعولين، لأنها مما يقع بعد المتعدى إليهما.
وقوله أيضاً هنا "راعيها" معرفة يكاد يوحشك من كونه حالاً، ولا يبعد عندي فيه الحال، وذلك أنه لا يومئ بهذا إلى راع معين، وأنت أيضاً تجد معناه راعياً [لها]، فلما كان المعنى معنى النكرة [لم يبل فيه بلفظ المعرفة. انتهى.
стр. 2334
"وآخر الأبد" نصب على الظروف يعني إلى آخر الدهر وإنما كانت ضأنه تتمنى أن يكون الذئب راعياً لها]، وأنها لا ترى صاحبها أبداً، لأنه شر من الذئب عليها.
والبيت الثاني: اشتئناف بياني كالعلة للمواددة، وقوله: "الذئب يطرقها" الطروق: الإتيان ليلاً، قال الأزهري: الدهر عند العرب يطلق على الزمان، وعلى الفصل من فصول السنة، وأقل من ذلك، ويقع على مدة الدنيا كلها: وسمعت غير واحد من العرب يقول: أقمنا على ماء كذا دهراً، وهذا المرعى يكفينا دهراً، وعلمنا دهراً.
وقوله واحدة. قال الخطيب التبريزي: منصوب على الظروف، أي: مرة واحدة، ويجوز أن يكون صفة لمصدر منصوب، أي: طرقة واحدة، "وكل يوم" ظرف لقوله: تراني، والمدية، بالضم: السكين. قال ابن جني: وأما المدية عندي، فمن لفظ المدى [ومعناه]، والتفاؤهما أنها يقال لها: السكين، وهي فعيل من السكون، وذلك لأنها في غالب الأمر إنما تراد للذبح، وإذا ذبحت الذبيحة سكنت، وبلغ مداها. انتهى. ولم يصرح أحد من شراح "الحماسة" باسم قائل هذين البيتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس عشر بعد السبعمائة:
(٧١٥) عرضنا فلمسنا فسلم كارها ... علينا وتبريح من الوجد خانقه
стр. 2335
على أن ابن مالك مثل لمثل ما تقدم قبله، ونظر المصنف فيه بأن النكرة موصوفة بالظرف، والبيت من أبيات ثمانية، لعبد الله بن الدمينة، أوردها أبو تمام في باب النسيب من "الحماسة" وهي:
ولما لحقنا بالحمول ودونها ... خميص الحشاتوهي القميص عواتقه
قليل قذى العينين تعلم أنه ... هو الموت إن لم تصر، عنا بوائقه
عرضنا فسلمنا فسلم كارهاً ... . . . . . البيت
فسايرته مقدار ميل وليتني ... بكرهي له مادام حياً أرافقه
ولما رأت أن لا وصال وأنه ... مدى الصرم ممدود عليه سرادقه
رمتني بطرف لو كمياً رمت به ... لبل نجيعاً نحره وبنائقه
ولمح بعينيها كأن وميضه ... وميض الحيا تهدى لنجد شقائقه
ورحنا وكل نفسه قد تصعدت ... إلى النحر حتى ضمها متضائقه
قال التبريزي: يعني بخميص الحشا: قيم المرأة التي شبب بها، والعاتق: موضع نجاد السيف من الكتف، وصفه بقلة اللحم، لأن ذلك مما يمدح به الرجل، يريد أن القميص لا يقع من عاتقه على وطئ، لأن عظامه غير مكسوة باللحم، وأراد بالحمول: الظعائن وأثقالها.
وقوله: "قليل قذى العينين" يصفه بحدة النظر، وأنه ليس بعينيه غمص، فهو أحد لنظره، وإنما يريد مراعاته أهله لشدة الغيرة، فنحن نخاف من صولته، وإن لم تصرف عنا واثقه، واستعمل "تصرى" في معنى تصرف، والبوائق: الدواهي.
وقوله: "عرضنا ... إلى آخره" يقول: سلمنا عليه وهو كاره لقربه منا ولقربنا منه، إذ كان بغار على نسائه، وانتصب "كارهاً" على الحال، وتبريح: تشديد، وبرح: شدة، وانتصب "مقدار ميل" على الظروف، وأرافقه: خبر ليت.
стр. 2336
وقوله: "وكرهي له" نصب على الحال، والعامل فيه "أرافقه".
وقوله: "أن لا وصال .. إلى آخره"، "أن" مخففة من الثقيلة، ولا: نافية للجنس، وخبره محذوف، أي: بيننا، والجملة: خبر "أن" المخففة، واسمها: ضمير شأن، وكذلك ضمير "أنه" واللمح [النظر] ويستعمل في البرق والبصر، والطرف: النظر هنا، وكأن الرمي بالطرف كان إنكاراً منها، واللمح بالعين: مواعدة بجميل بعد تعذر المطلوب، والومض والوميض: اللمع [وأومضت فلانة بعينيها؛ إذا برقت]، والشقيقة: الرقة؛ إذا استطارت في عرض السحاب وتكشفت أيضاً، كأنه جعلها قاتلة في رميها، محيية بلمحها. انتهى كلام التبريزي.
وقال ابن جني: قوله عرضنا فسلمنا البيت ... هذا النحو من تسمية الثواب باسم العمل، نحو قوله تعالى: (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) [الشورى: ٤٠] وقوله التغلبي:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فكذلك قوله: فسلمنا فسلم، أي: فسلمنا فرد السلام، والأول في العرف والاستعمال مسلم، والثاني راد، ولو كان في الحقيقة منه السلام، فإن العرف بما ذكرنا جرى. انتهى.
وترجمة ابن الدمينة تقدمت في الإنشاد التاسع والعشرين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس عشر بعد السبعمائة:
(٧١٦) فأقبلت زحفاً على الركبتين ... فثوب نسيت وثوب أجر
стр. 2337
هذا البيت من قصيدة لامرئ القيس، وقيل: لربيعة بن جعشم النمري، وقد ذكرنا ما يتعلق به في الشاهد الثامن والخمسين من شواهد الرضي، ورواه ابن الأنباري في شرح "المفضليات" كذا:
فلما دنوت تسديتها ... فثوبا نسيت وثوبا أجر
وقال: تسديته: إذا تخطيت إليه، وقيل: علوته. انتهى. وكذا رواه السكري في شرح ديوان امرئ القيس بنصب "ثوب" على أنه مفعول مقدم، قال: وقال الأصمعي: تسديتها: علوتها وركبتها، ويقال: تسدى فلان فلاناُ: إذا أخذه من فوقه، أي: ذهبت بفؤادي فنسيت ثوبي كما قال:
ومثلك بيضاء العوارض طفلة ... لعوب تنسيني إذا قمت سربالي
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع عشر بعد السبعمائة:
(٧١٧) وكنت كذي رجلين رجلٍ صحيحيةٍ ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت
على أن قوله رجل في الموضعين بالجر بدل من رجلين، بدل مفصل من مجمل.
والبيت من قصيدة جيدة لكثير عزة أوردناها من رواية أبي على القالي في الإنشاد السابع والعشرين بعد الستمائة.
стр. 2338
والبيت من شواهد سيبويه استشهد به كذلك، قال الأعلم في شرح شواهده: الشاهد فيه حمل رجل صحيحة وما بعهدها على قوله رجلين لدلاً منهما، وتبييناً لهما، ولو رفعت على القطع لجاز: وصف كلفه بمن يحب، وحرصه على الإقامة عندها، فتمنى أن يكون أشل الرجل حتى لا يبرح عنها. انتهى. ومفعول رمى: محذوف، تقديره: الداء والشل مثلاً، وشلت بالبناء للفاعل، والفاء عطفت جملة "شلت" على جملة "رمت"، وشلت اليد تشل شللاً وشلاً، بالإدغام، من باب تعب: إذا فسدت عروقها، فبطل حركاتها، وقال ابن خلف في شرح شواهد سيبويه يروى: جل صحيحة، على البدل، ويروى بالرفع، وتقديره: هما رجل صحيحة ورجل شلاء، وإن شئت قدرت إحداهما: رجل صحيحة، والأخرى رجل شلاء، فيكون الكلام جملتين، وفي التقدير الأول جملة واحدة، وإن شئت كان التقدير: منهما رجل صحيحة، زمنها رجل ... ، فيكون كل واحدة منهما مبتدأ محذوف الخبر، ويكون الكلام أيضاً جملتين، هذا تقديره. ولا يخفى أن تقليل الحذف ما أمكن هو الجيد. ثم قال ابن خلف: والفاء في قوله: فشلت: جواب، والجملة في معنى الشرط. هذا كلامه، وهو خلاف ما ذكرناه. وأما تشبيهه نفسه بذي رجلين الموصوفتين، ففيه لأصحاب المعاني قولان؛ قيل أراد: أنها عاهدته وواثقته أن لا تحول عليه، فثبت هو على عهده ولم تثيت هى، وقيل: إنما تمنى أن تضيع قلوصه، فيجد سبيلاً إلى بقائه عندما، فيكون من يقائه عندها كذي رجلٍ صحيحة، ومن ذهاب قلوصه الحاملة له، وانقطاعه عن سفره كذي رجل شلاء، وكلا المعنيين صحيح، أما المعنى الأول، فكقول النجاشي:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رماهخا ضائب الحدثان
فأما التي صحت فأزد شنودة ... وأما التي شلت فأزد عمان
стр. 2339
ويدل عليه قول كثير عزة:
وكنا سلكنا في صعود من الهوى ... فلما توافينا ثبت وزنت
وكنا عقدنا عقدة الوصل بيننا ... فلما تولينا شددت وحلت
وأما الذين قالوا: إنه داخل في التمني، فإنما قالوا ذلك، لأن قبله:
فليت قلوصي عند عزة قيدت ... بحبل ضعيف عز منها فضلت
وغودر في الحي المقيمين رحلها ... وكان لها باغ سواي فبلت
والقول الأول للأعلم، والثاني لابن سيده.
وقال عبد الدائم: معنى البيت أنه بين خوف ورجاء، وقرب وتناء، وكثير عزة اخذ هذا المعنى من النجاشي، أورده ابن رشيق في "العمدة" في الاهتدام من أقسام السرقة الشعرية، قال: والاهتدام نحو قول النجاشي:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمت فيها يد الحدثان
فأخذ كثير القسم الأول، واهتدم باقي البيت، فجاء بالمعنى في غير اللفظ.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن عشر بعد السبعمائة:
(٧١٨) لعوب تنسيني إذا قمت سربالي
صدره:
ومثلك بيضاء العوارض طفلة
والبيت من قصيدة لامرئ القيس تقدم بعض منها في الإنشاد الثالث والستين بعد المائة، وبعض آخر في الإنشاد الخامس بعد المائتين، وتقدم مطلعها في التاسع والسبعين
стр. 2340
بعد المائتين، وبعض في الإنشاد السابع والثمانين بعد المائتين، وبعض آخر في الإنشاد الثالث والستين بعد الثلاثمائة، وأبيات أخر في الإنشاد الثاني عشر بعد الأربعمائة ويأتي بعضها، إن شاء الله تعالى، في الباب الخامس.
وقوله: ومثلك: رب مقدرة بعد الواو، والعوارض: الأضراس من الأسنان، وطفلة ولعوب، بالجر: صفتان لمجرور رب، والطفلة، بفتح الطاء: الناعمة، وبكسرها: الصغيرة، ولعوب: ضحوك، يقول: تذهب بفؤادي، ومثله قول كثير:
وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب
وروى أبو عبيدة تناساني بمعنى نسيني. كما قال الآخر:
تخاطأت النبل أحشاءه ... وأخر دهرا فلم يعجل
يريد: أخطأت النبل: والسربال: القميص، كذا في شرح السكري، وكأن السيوطي لم بعلق نظره بهذا الصراع، فلم يورده في الشواهد، وقال ابن الملا في شرحه: لم أقف على صدر هذا المصراع، ولا على اسم قائله.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع عشر بعد السبعمائة:
(٧١٩) إذا لم تجد من دون عدنان والداً ... ودون معد فلتزعك العواذل
стр. 2341
على أن دون معطوف على موضع من دون. والبيت من قصيدة للبيد بن ربيعة العامري، وتقدم أبيات من أولها في الإنشاد الرابع بعد المائتين. وقبل هذا البيت: فإن أنت لم تصدقك نفسك فانتسب ... لعلك تهديك القرون الأوائل
يقول: إن لم تصقك نفسك عن هذه الأخبار، بل كذبتك، فنتسب، أي: قل ابن فلان ابن فلان، فإنك لا ترى أحداً بقى، لعلك تهديك هذه القرون، وترشدك، وقوله: فإن لم تجد إلى آخره ... تزعك: تكفك، وهو بفتح الراء المعجمة، قال الطوسي في شرح ديوان لبيد: وزعه يزعه، بالفتح ويزعه، بالكسر، وزعاً ووزوعاً: إذا كففته. انتهى. يقول: لم يبق لك أب حتى إلى عدنان، فكف عن الطمع في الحياة ومعنى البيتين: إن غاية الإنسان الموت، فينبغي له أن يتغظ بأن ينسب نفسه إلى عدنان، فإن لم يجد من بينه وبينه من الآباء باقياً، فليعلم أنه يصير إلى مصيرهم، فينبغي له أن ينزع عماً هو عليه، والعواذل هنا: حوادث الدهر وزواجره، وإسناد العذل إليها مجاز، وقد تكلمنا فيه بأبسط مما هنا في الشاهد الثالث والعشرين بعد المائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العشرون بعد السبعمائة:
(٧٢٠) خليلي هل طب فإني وأنتما ... وإن لم تبوحا بالهوى دنفان
خليلي: منادى مضاف، والطب: علاج الجسم والنفس والرفق، وهو مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير هل عندكما طب، والدنف، بفتح الدال وكسر النون: المريض الدائم المرض، ودنفان: خبر "أنتما" وخبر "إني" محذوف والتقدير: فإني دنف، وباح بسره يبوح بوحاً: إذا أظهره، والهوى: العشق.
стр. 2342
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والعشرون بعد السبعمائة:
(٧٢١) ومن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب
على أن قوله: لغريب: خبر إن، وخبر "قيار" محذوف، والتقدير: فإني لغريب بها وقيار كذلك، وقد بسطنا الكلام على هذا، في الشاهد الرابع والخمسين بعد السبعمائة من شواهد الرضي، وهو أول أبيات أربعة أوردها المبرد في "الكامل" لضابئ بن الحارث البرمجي، قالها وهو محبوس بالمدينة في زمن عثمان ابن عفان، رضيي الله تعالى عنه، وبعده:
وما عاجلات الطير تدني من الفتي ... نجاحاً ولا عن ريثهن يخيب
ورب أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهن وجيب
ولا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب
وزارد ابن قتيبة بعدها بيتاُ في ترجمته من كتاب الشعراء وهو:
وفي الشك تفريط وفي الحزم قوة ... ويخطي الفتى في حدسه ويصيب
وزاد بعده بيتأ أبو تمام في مختار أشعار القبائل، وهو:
ولست بمستبق خليلاً ولا أخاً ... إذا لم تعد الشيء وهو يريب
стр. 2343
وقال الدماميني قبل البيت الشاهد:
دعاك الهوى والشوق لما ترنمت ... هتوف الضحى بين الغصون طروب
يجاوبها ورق الحمام لصوتها ... فكل لكل مسعد ومجيب
وقوله: ومن يك أمسى إلى آخره. رحله: اسم أمسى، وبالمدينة: خبرها، وجملة أمسى: خبر يك، والرحل: المنزل وما يحتاج إليه المسافر من الأثاث. وقوله: فإني وقيار .. إلى آخره. هذا في الحقيقة ليس بجواب اسم الشرط، وإنما هو علته، وقامت مقامه، والأصل: فلست مثله، لأنني فيها غريب. وقال ابن خلف: يقول من كان بالمدينة بيته ومنزله، فلست من أهلها ولا لي بها منزل. انتهى.
وفيه انه ليس في هذا التقدير ولا في علته ضمير اسم الشرط الرابط بينهما وما قدرناه متكفل به، ثم قال: وزعم الخيل: أن قياراً اسم فرس له غبراء، ويقال: قيار اسم جملة، وقيل: اسم رجل، وقوله: وما عاجلات الطير إلى آخره: يريد الطير التي تقدم الطيران، وإذا خرج الإنسان من منزله، فإراد أن يزجر الطير، فما مر به في أول ما يبصر، فهو عاجلات الطير وإن أبطأت عنه، وانتظرها، فقد راثت، أي: أبطأت، والأول عندهم محمود، والثاني مذموم. يقول: النجح ليس بأن يعجل الطائر الطيران كما يقول الذين يزجرون الطير، ولا الخيبة في إبطائها، وهذا رد لمذهب الأعراب.
وقوله: ورب أمور .. إلى آخره. الضير: الضر والمخشاة، بفتح الميم مصدر ميمي بمعنى الخشية، والوجيب: الاضطراب. وقوله: إذا لم تعد الشيء ... إلى آخره. يقول: إن لم تتعد الشيء المريب وتتجاوزه لأجل الصديق.
وضابئ؛ بالضاد المعجمة وبعد الموحدة همزة تكتب بصورة الباء، وهو ضبابئ
стр. 2344
ابن الحارث التميمي البرمجي، بضم الموحدة وسكون الراء وضم الجيم، نسبة إلى البراجم، وهم ست بطون من أولاد حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، لقبوا بالبراجم، لأن رجلاً منهم اسمه حارثة بن عامر، قال لهم: تعالوا نجتمع مثل براجم يدي هذه، ففعلوا؛ فسموا البراجم، وهي عقد الأصابع، وفي كل أصبع ثلاث براجم، وضابئ أدرك النبي، ﷺ ، وكان يقتنص الوحش، فاستعار من بعض نبي جرول بن نهشل كلباً اسمه قرحان، بضم القاف، وقيل: من بني عبد الله بن هوذة وكان يصيد به البقر والظباء والضباع، فطال مكثه عنده، فطلبوه، فامتنع، فركبوا يطلبون كلبهم، فقال لامرأته: اخلطي لهم في قدرك من لحوم البقر والظباء والضباع، فإن عافوا بعضاً وأكلوا بعضاً تركوا الكلب لك، وإن هم لم يعرفوا، فلا كلب لك، فلما أطعمهم أكلوا، ثم أخذوا كلبهم، فغضب ضبابئ، ورمى أمهم بالكلب في أبيات نقلناها في الشاهد التاسع والأربعين بعد السبعمائة من شواهد الرضي، فلما بلغهم الشعر، وأنه رمى أمهم بالكلب، استعدوا عليه عثمان بن عفان، ﵁، وكان يحبس على الهجاء، فأرسل إليه ونشده الشعر وقال له: ما أعرف في العرب أفحش ولا ألأم منك؛ فإني ما رأيت أحداً رمى أحداً بكلب غيرك، وإني لأظنك [لو كنت] في زمن النبي، ﷺ ، لنزل فيك وحي! فحسبه، فقال في الحبس هذه الأبيات، فلما سمعها، أخرجه من الحبس، فأخذ سكيناً [فجعلها] في أسفل نعله ليفتك بعثمان، فأعلم بذلك، فضربه، ورده إلى الحبس إلى أن مات فيه، وفي ذلك قال من أبيات أوردناها في الشاهد التاسع والأربعين بعد السبعمائة، من شواهد الرضي:
هممت ولم أفعل وكدت وليتي ... تركت على عثمان تبكي حلائله
стр. 2345
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني زوالعشرون بعد السبعمائة:
(٧٢٢) هويت سناء مستطاباً مجدداً ... فلم تخل من تمهيد مجد وسوددا
على أن سوددا معطوف على موضع مجد، لأن "تمهيد" مصدر مضاف لمفعوله، وفاعله محذوف، والتقدير: من تمهيدك مجداً وسودداً، وهويت بكسر الواو بمعنى أحببت، وتمهيد الأمور: تسويتها وإصلاحها، والمجد: الرفعة، والسودد: السيادة، والثناء: الذكر الجميل، وكونه مجدداً يدل على أنه مولع باكتساب المحامد.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والعشرون بعد السبعمائه:
(٧٢٣) قد كنت داينت بها حسانا ... مخافة الإفلاس والليانا
على أن يكون "الليان" مفعولً معه، وأن يكون معطوفاً على "مخافة" على حذف مضاف، أي: ومخافة الليان، وهذان الوجهان عزاهما ابن خلف لأبي الحجاج الأعلم الشنتمري قال: وقال أبو الحجاج: ويجوز أيضاً في الليان النصب من وجهين، أحدهما: أن ينصب على المفعول معه، أي: مخافة الإفلاس مع الليان، والآخر: أن يريد: ومخافة الليان، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، قال الشيخ أبو محمد عبد الله بن بري: يقوي هذا القول عندي قول زهير:
القائد الخيل منكوباً دوابرها ... قد أحكمت حكمات القد والأبقا
стр. 2346
أراد: وحكمات الأبق ومثل ذلك قول الأعشى:
لا يسمع المرء فيها ما يؤنسه ... بالليل إلا نئيم البوم والضوعا
أي: ونئي الضوع، ومثله ما أنشده أبو علي لعمر ابن أبي ربيعة:
كأن أحور من غزلان ذي بقر ... أهدى لها شبه العينين والجيدا
قال: وزعم أبو محمد الأسود أن أبا على صحفه، وإنما هو: سنة العينين، بكسر السين المهملة بعدها نون، وذكر أن البيت ليزيد بن الحكم الثقفي، وذكر على بن حمزة أنه لعمر، والرواية كما قال الأسود لا غير. هذا آخر كلام ابن خلف. وفي عزو كون الليان مفعولاً معه عند الأعلم سهو، وصوابه المفعول له، وهذه عبارته في شرح شواهد سيبويه: ويجوز أن يكون الليان مفعولاً له على المعنى: والليان، فلما أسقط الجار نصبه بالفعل، ويجوز أن يكون نصبه على تقدير: ومخافة الليان، فلما أسقط الجار نصبه بالفعل، ويجوز أن يكون نصبه على التقدير: ومخافة الليان، وأقام الليان مقمامها في الإعراب. انتهى.
وفي البيت تخريجات أخر أحدهما لسيبويه أورده في "باب من المصادر يجري مجرى الفعل" من الكتاب قال فيه: ومن قال: هذا ضارب زيد وعمراً قال: عجبت له من ضرب زيد [وعمراً].
قال الراجز:
قد كنت داينت بها حسانا ... مخافة الإفلاس والليانا
يحسن بيع الأصل والقيانا
стр. 2347
قال ابن خلف: هذا الرجز لزياد العنبري كذا قال أبو علي، ونسب في "الفرخ" لرؤبة، والشاهد نصب الليانا بإضمار فعل، ولم يعطفه على الإفلاس، كأنه قال: وأخاف الليان، وكذلك قوله: يحسن بيع الأصل والقيانا. والقيان: منصوب بإضمار فعل، كأنه قال: ويبيع القيان. انتهى.
وفيه رد على الأعلم، فإنه جعله من باب العطف على الموضع، قال: الشاهد فيه نصب الليان، والقيان حملاً على مخعنى الأول، والتقدير: داينت بها من أجل أن خفت الإفلاس، والليان، ويحسن أن يبيع الأصل والقيان، ثم قال ابن خلف: ويجوز أن ينصب الليان على المفعول له، ويكون معطوفاً على مخافة. انتهى. وفيه أن فاعل الليان غير فاعل المخافة، فلا يصح أن يكون مفعولاً له، وقد تنبه له المصنف فرده، ولو جعله مفعولاً له بتقدير اللام المحذوفة كما قال الأعلم، لصح ما قاله، وخرجه أبو علي في كتاب "الإيضاح" على باب العطف على الموضع. قال ابن بري في شرح أبياته: المخافة: مصدر مضاف للمفعول محذوف الفاعل، والليان: معطوف على موضع المفعول، أي: لأن خفت الإفلاس والليان، ثم جوز أن يكون معطوفاً على مخافة بتقدير المضاف، وأن يكون مفعولاً معه. قال أبو حيان في "تذكرته": الليان: معطوف على موضع الإفلاس، لأن موضعه نصب، لهذا ذهب الفارسي، والفراس، والكوفيون، وأكثر نحاة البصرة. وسيبويه يضمر، كأنه قال: وخفت الليان، وفي قوله: قد كنت داينت رد على من زعم أن "كان" لا يخبر عنها بالماضي، قال ابن خلف: ومعنى داينت: بعت بدين، يقال منه: داينت الرجل أداينه مداينة: إذا بعته بنسيئة، يعني أنه باع حسان بنسيئة، لأنه ثقة في نفسه. وقوله: مخافة الإفلاس، أي: مخافة الإفلاس من أداينه من الناس من غير حسان، يزعم أن حسان لا يخشى منه أن يقول: أفلست، لأنه موسر وماله ظاهر، يقال أفلس الرجل: إذا صار ذا فلوس بعد الدراهم، وفلس: صار عديماً، والليان: المطل والمدافعة من
стр. 2348
الغريم بالحق الذي عليه، يريد أن حسان لا يدافع، ولا يماطل عدماً، يقال: الليان بفتح اللام وكسرها والكسر أقيس، إذ ليس في المصادر فعلان، بفتح الفاء، إلا "الليان" و "الشنآن" فيمن سكن النون، وهما نادران، وقيل: الليان: الذي يلوي بالحق، يريد أنه من صفة الفاعل، وقوله: يحسن بيع الأصل، أي: هو بصير بأصول الأمتعة، عارف بها، لا يطمع في غلطه وخديعته، والقيان: جمع قينة، وهي الأمة مغنية كانت أم غير مغنية، سميت بذلك، لأنها تصلح في شأن أهلها، ويتزين بها، يعني أنه: بصير ببيع الأمتعة والرقيق. انتهى.
وأنشد بعده:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئاً إذا كان جائيا
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثالث والثلاثين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والعشرين بعد السبعمائة:
(٧٢٤) ما الحازم الشهم مقداماً ولا بطلٍ ... إن لم يكن للهوى بالحق غلابا
على أنه عطف بطل بالجر على مقدام المنصوب على توهم أنه مجرور بالباء الزائدة بعد ما النافية كالبيت السابق، فإن "سابقاً" عطف بالجر على "مدرك" المنصوب على توهم زيادة الباء على مدرك الواقع بعد النفي وهو ليس، والحازم من الحزم، وهو ضبط الأمور، والشهم، بالشين المعجمة: الجلد الذكي الفؤاد، والمقدام: الجريء الذي يقدم على الشيء المخوف منه من غير أن يهابه، والبطل الشجاع، وفي معنى هذا البيت قول ابن الوردي في لاميته:
ليس من يقطع طرقاً بطلاً ... إنما من يتقي الله البطل
стр. 2349
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والعشرون بعد السبعمائة:
(٧٢٥) وما كنت ذا نيرب فيهم ... ولا منمش فيهم منمل
(على أنه عطف) منمش بالجر على ذا نيرب المنصوب وهو خبر كنت على توهم زيادة الباء في خبرها المنفي، فإنها تزداد فيه بقلة، كقول الشنفرى:
إذا مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذا أجشع القزل أعجل
وهذا البيت الشاهد أورده ابن الأعرابي في "نوادره" غير معزو إلى قائله مع بيت بعده، وهو:
ولكنني رائب صدعهم ... رفوء لما بينهم مسمل
وقال: أنمش بينهم، ونمش، ورفأ ما بينهم يرفأ، رفءاً: إذا أصلح. انتهى.
وقوله: وما كنت، بضم التاء، والنيرب، بفتح النون وسكون المثناة التحتية. قال المصنف: هي النميمة، ووزن نيرب فيعل، قال الصاغاني في "العباب": قال الليث: النيرب: النميمة، ورجل نيرب، وذو نيرب، أي: ذو نميمة، وقد نيرب: وهو خلط القول، كما تنيرب الريح التراب على الأرض فتفسحه، وأنشد غير الليث:
ولست بذي نيرب في الصديق ... ومناع خير وسبابها
стр. 2350
الهاء راجعة إلى العشيرة، قال: والنيرب: الرجل الجليد. انتهى: والمنمش اسم فاعل من أنمش، وفسره المصنف بقوله: المفسد ذات البين، ولم أر هذا التفسير لا في "تهذيب الأزهري" ولا في "العباب" للصاغاني ولا في "القاموس" وإنما فيها، النمش: بفتح النون وسكون الميم: النميمة، والفعل نمش ينمش كنصر ينصر، قال الأزهري، وتبعه الصاغاني: النمش بالفتح: النميمة والسرار، والنمش أيضاً: الكذب، قال أبو الهيثم في قوله:
يا من لقوم رأيهم خلف مدن
إن يسمعوا عوراء أصغوا في أذن
ونمشوا بكلم غير حسن
أراد: خلطوا حديثاً حسناً بقبيح. انتهى. ويثبت أنمش بهذا الشعر، وهذا مما فاتهم.
ومنمل: اسم فاعل من أنمل، قال الأزهري: قال شمر، وأبو عبيد: نمل الرجل كسمع، وأنمل: إذا نم. انتهى. وفي "القاموس": النمال: النمام، والنميلة كسفينة: النميمة، ورجل نمل ونامل، وقد نمل كنصر وعلم وأنمل. انتهى. وليس في "العباب" إلا نمل، بفتح النون وكسر الميم. قال: ورجل نمل، أي: نمام عن أبي عمرو، وقال الليث: النمل: الرجل الذي لا ينظر إلى شيء إلا عمله، وقال الفراء: ورجل نمل، أي: حاذق. انتهى. ومنمل في البيت صفة كالذي قبله، وظاهره أنه مجرور، فيخالف البيت الذي بعده، فإن قافيته مرفوعة، فيكون فيه من عيوب القافية الإقوام، وهو: التخالف بالجر والرفع، وهذا ليس بلازم، ولنا أن نرفع منملاً على أنه صفة مقطوعة، لأن النكرة قد وصفت بغيره.
следующие страницы →