Полный текст (2 797 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
أراد: وحكمات الأبق ومثل ذلك قول الأعشى:
لا يسمع المرء فيها ما يؤنسه ... بالليل إلا نئيم البوم والضوعا
أي: ونئي الضوع، ومثله ما أنشده أبو علي لعمر ابن أبي ربيعة:
كأن أحور من غزلان ذي بقر ... أهدى لها شبه العينين والجيدا
قال: وزعم أبو محمد الأسود أن أبا على صحفه، وإنما هو: سنة العينين، بكسر السين المهملة بعدها نون، وذكر أن البيت ليزيد بن الحكم الثقفي، وذكر على بن حمزة أنه لعمر، والرواية كما قال الأسود لا غير. هذا آخر كلام ابن خلف. وفي عزو كون الليان مفعولاً معه عند الأعلم سهو، وصوابه المفعول له، وهذه عبارته في شرح شواهد سيبويه: ويجوز أن يكون الليان مفعولاً له على المعنى: والليان، فلما أسقط الجار نصبه بالفعل، ويجوز أن يكون نصبه على تقدير: ومخافة الليان، فلما أسقط الجار نصبه بالفعل، ويجوز أن يكون نصبه على التقدير: ومخافة الليان، وأقام الليان مقمامها في الإعراب. انتهى.
وفي البيت تخريجات أخر أحدهما لسيبويه أورده في "باب من المصادر يجري مجرى الفعل" من الكتاب قال فيه: ومن قال: هذا ضارب زيد وعمراً قال: عجبت له من ضرب زيد [وعمراً].
قال الراجز:
قد كنت داينت بها حسانا ... مخافة الإفلاس والليانا
يحسن بيع الأصل والقيانا
стр. 2347
قال ابن خلف: هذا الرجز لزياد العنبري كذا قال أبو علي، ونسب في "الفرخ" لرؤبة، والشاهد نصب الليانا بإضمار فعل، ولم يعطفه على الإفلاس، كأنه قال: وأخاف الليان، وكذلك قوله: يحسن بيع الأصل والقيانا. والقيان: منصوب بإضمار فعل، كأنه قال: ويبيع القيان. انتهى.
وفيه رد على الأعلم، فإنه جعله من باب العطف على الموضع، قال: الشاهد فيه نصب الليان، والقيان حملاً على مخعنى الأول، والتقدير: داينت بها من أجل أن خفت الإفلاس، والليان، ويحسن أن يبيع الأصل والقيان، ثم قال ابن خلف: ويجوز أن ينصب الليان على المفعول له، ويكون معطوفاً على مخافة. انتهى. وفيه أن فاعل الليان غير فاعل المخافة، فلا يصح أن يكون مفعولاً له، وقد تنبه له المصنف فرده، ولو جعله مفعولاً له بتقدير اللام المحذوفة كما قال الأعلم، لصح ما قاله، وخرجه أبو علي في كتاب "الإيضاح" على باب العطف على الموضع. قال ابن بري في شرح أبياته: المخافة: مصدر مضاف للمفعول محذوف الفاعل، والليان: معطوف على موضع المفعول، أي: لأن خفت الإفلاس والليان، ثم جوز أن يكون معطوفاً على مخافة بتقدير المضاف، وأن يكون مفعولاً معه. قال أبو حيان في "تذكرته": الليان: معطوف على موضع الإفلاس، لأن موضعه نصب، لهذا ذهب الفارسي، والفراس، والكوفيون، وأكثر نحاة البصرة. وسيبويه يضمر، كأنه قال: وخفت الليان، وفي قوله: قد كنت داينت رد على من زعم أن "كان" لا يخبر عنها بالماضي، قال ابن خلف: ومعنى داينت: بعت بدين، يقال منه: داينت الرجل أداينه مداينة: إذا بعته بنسيئة، يعني أنه باع حسان بنسيئة، لأنه ثقة في نفسه. وقوله: مخافة الإفلاس، أي: مخافة الإفلاس من أداينه من الناس من غير حسان، يزعم أن حسان لا يخشى منه أن يقول: أفلست، لأنه موسر وماله ظاهر، يقال أفلس الرجل: إذا صار ذا فلوس بعد الدراهم، وفلس: صار عديماً، والليان: المطل والمدافعة من
стр. 2348
الغريم بالحق الذي عليه، يريد أن حسان لا يدافع، ولا يماطل عدماً، يقال: الليان بفتح اللام وكسرها والكسر أقيس، إذ ليس في المصادر فعلان، بفتح الفاء، إلا "الليان" و "الشنآن" فيمن سكن النون، وهما نادران، وقيل: الليان: الذي يلوي بالحق، يريد أنه من صفة الفاعل، وقوله: يحسن بيع الأصل، أي: هو بصير بأصول الأمتعة، عارف بها، لا يطمع في غلطه وخديعته، والقيان: جمع قينة، وهي الأمة مغنية كانت أم غير مغنية، سميت بذلك، لأنها تصلح في شأن أهلها، ويتزين بها، يعني أنه: بصير ببيع الأمتعة والرقيق. انتهى.
وأنشد بعده:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئاً إذا كان جائيا
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثالث والثلاثين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والعشرين بعد السبعمائة:
(٧٢٤) ما الحازم الشهم مقداماً ولا بطلٍ ... إن لم يكن للهوى بالحق غلابا
على أنه عطف بطل بالجر على مقدام المنصوب على توهم أنه مجرور بالباء الزائدة بعد ما النافية كالبيت السابق، فإن "سابقاً" عطف بالجر على "مدرك" المنصوب على توهم زيادة الباء على مدرك الواقع بعد النفي وهو ليس، والحازم من الحزم، وهو ضبط الأمور، والشهم، بالشين المعجمة: الجلد الذكي الفؤاد، والمقدام: الجريء الذي يقدم على الشيء المخوف منه من غير أن يهابه، والبطل الشجاع، وفي معنى هذا البيت قول ابن الوردي في لاميته:
ليس من يقطع طرقاً بطلاً ... إنما من يتقي الله البطل
стр. 2349
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والعشرون بعد السبعمائة:
(٧٢٥) وما كنت ذا نيرب فيهم ... ولا منمش فيهم منمل
(على أنه عطف) منمش بالجر على ذا نيرب المنصوب وهو خبر كنت على توهم زيادة الباء في خبرها المنفي، فإنها تزداد فيه بقلة، كقول الشنفرى:
إذا مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذا أجشع القزل أعجل
وهذا البيت الشاهد أورده ابن الأعرابي في "نوادره" غير معزو إلى قائله مع بيت بعده، وهو:
ولكنني رائب صدعهم ... رفوء لما بينهم مسمل
وقال: أنمش بينهم، ونمش، ورفأ ما بينهم يرفأ، رفءاً: إذا أصلح. انتهى.
وقوله: وما كنت، بضم التاء، والنيرب، بفتح النون وسكون المثناة التحتية. قال المصنف: هي النميمة، ووزن نيرب فيعل، قال الصاغاني في "العباب": قال الليث: النيرب: النميمة، ورجل نيرب، وذو نيرب، أي: ذو نميمة، وقد نيرب: وهو خلط القول، كما تنيرب الريح التراب على الأرض فتفسحه، وأنشد غير الليث:
ولست بذي نيرب في الصديق ... ومناع خير وسبابها
стр. 2350
الهاء راجعة إلى العشيرة، قال: والنيرب: الرجل الجليد. انتهى: والمنمش اسم فاعل من أنمش، وفسره المصنف بقوله: المفسد ذات البين، ولم أر هذا التفسير لا في "تهذيب الأزهري" ولا في "العباب" للصاغاني ولا في "القاموس" وإنما فيها، النمش: بفتح النون وسكون الميم: النميمة، والفعل نمش ينمش كنصر ينصر، قال الأزهري، وتبعه الصاغاني: النمش بالفتح: النميمة والسرار، والنمش أيضاً: الكذب، قال أبو الهيثم في قوله:
يا من لقوم رأيهم خلف مدن
إن يسمعوا عوراء أصغوا في أذن
ونمشوا بكلم غير حسن
أراد: خلطوا حديثاً حسناً بقبيح. انتهى. ويثبت أنمش بهذا الشعر، وهذا مما فاتهم.
ومنمل: اسم فاعل من أنمل، قال الأزهري: قال شمر، وأبو عبيد: نمل الرجل كسمع، وأنمل: إذا نم. انتهى. وفي "القاموس": النمال: النمام، والنميلة كسفينة: النميمة، ورجل نمل ونامل، وقد نمل كنصر وعلم وأنمل. انتهى. وليس في "العباب" إلا نمل، بفتح النون وكسر الميم. قال: ورجل نمل، أي: نمام عن أبي عمرو، وقال الليث: النمل: الرجل الذي لا ينظر إلى شيء إلا عمله، وقال الفراء: ورجل نمل، أي: حاذق. انتهى. ومنمل في البيت صفة كالذي قبله، وظاهره أنه مجرور، فيخالف البيت الذي بعده، فإن قافيته مرفوعة، فيكون فيه من عيوب القافية الإقوام، وهو: التخالف بالجر والرفع، وهذا ليس بلازم، ولنا أن نرفع منملاً على أنه صفة مقطوعة، لأن النكرة قد وصفت بغيره.
стр. 2351
وقوله: وبكني رائب صدعهم. الرائب: اسم فاعل من الرأب، بعد الراء همزة ساكنة. قال صاحب"العباب" ورأبت الإناء رأباً: شعبته وأصلحته، ويقال في الدعاء: اللهم ارأب بينهم، أي: أصلح، ورجل مرأب، بكسر الميم، ورءآب كفعال بالتشديد: إذا كان يرأب صدوع الأقداح، ويصلح بين الناس. انتهى. والصدع، بفتح الصاد وسكون الدال: الشق والثلمة، ورفوء، بفتح الراء ضم الفاء، وقد فسره ابن الأعرابي، وهو وصف من رفأت الثوب أرفؤه رفءاً: إذا أصلحت ما وهى منه، وربما لم يهمز، يقال: من اغتاب خرق، ومن استغفر رفا، كذا في "العباب" ومسمل: اسم فاعل من أسمل، قال الأزهري: قال أبو عبيد عن أبي زيد: أسملت بين القوم إسمالاً: إذا أصلحت بينهم، وقال غيره: سملت بينهم أسمل سملاً، بغير ألف مثله. انتهى. وهو من باب نصر، ولم أر أسمل باللأف إلا في "تهذيب الأزهري" وفي "العباب" سملت بين القو سملاً: إذا أصلحت بينهم، والسامل: الساعي في صلاح معاشه، وسملت الحوض سملاً: إذا نقيته من الحمأة والطين. انتهى. وقوله: لما بينهم، أي: لفساد ما بينهم، وهو متعلق برفوء، ومسمل يطلبه أيضاً في المعنى، ويقدر مثله، ويقال لمثل هذا: التجاذب فإن كلا من التقدم والمتأخر يطلبه على أن يكون معموله، كقوله تعالى: (لا تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ) [يوسف: ٩٢].
وأنشد بعده:
فأبلوني بليتكم لعلي ... أصالحكم وأستدرج نويا
وقد استوفينا الكلام عليه في الإنشاد التاسع والستين بعد الستمائة.
стр. 2352
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والعشرون بعد السبعمائة:
(٧٢٦) فلسنا بالجبال ولا الحدايدا
صدره:
معاوي إننا بشر فأسجح
على أنه عطف الحديد، بالنصب، على خبر ليس المجرور بالياء الزائدة على توهم أنه منصوب، وأول من استشهد به كذا سيبويه، وقد رد عليه المبرد بأن القافية مجرورة، وتبعه جماعة، منهم: الإمام أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري في كتاب "التصحيف" قال: ومما غلط فيه النحويون من الشعر، ورووه موافقاً لما أوردوه، روي عن سيبويه عندما احتج به في نسق السم المنصوب على المخفوض من قول الشاعر:
معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وغلط على الشعر، فإن هذه القصيدة مشهورة ومخفوضة كلها، وأولها:
معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديد
أكلتم أرضنا فجرد تموها ... فهل من قائم أو من حصيد
فهبنا أمة هلكت ضياعاً ... يزيد يسوسها وأبو يزيد
أتطمع في الخلود إذا هلكنا ... وليس لنا ولا لك من خلود
ذروا خون الخلافة واستقيموا ... وتأمير الأراذل والعبيد
وأعطونا السوية لا تزركم ... جنود مردفات بالجنود
стр. 2353
وقال التدميري في "شرح أبيات الجمل" بعد ذكر الأبيات: وقد بان هذه الأبيات أن الصواب رواية: ولا الحديد، بالجر، ولكن سيبويه رواه بالنصب. فتبعه الزجاج، انتهى. وأجاب عنه ابن الأبناري في كتاب "الإنصاف" وتبعه الزمخشري بأن هذا البيت روي مع أبيات منصوبة، ومع أبيات مجرورة، فمن رواه بالجر. روى منه هذه الأبيات المتقدمة، ومن رواه بالنصب روى معه:
أديرها بني حرب علينا ... ولا ترموا بها الغرض البعيدا
يقول: ضموا الخلافة والولاية إليكم، ولا ترموا بنا أقصى المرامي، أي: لا تطرحوا النظر في أمرنا وتتركونا مع الولاة الذين يجورون علينا، وهذا الشعر لعبد الله ابن الزبير الأسدي، والأول لعقبيه بن هبيرة الأسدي، قالوا: وليس ينكر أن يكون بيت من شعرين معاً، لأن الشعراء قد يستعير بعضهم من كلام بعض، وربما أخذ البيت بعينه، كقول الفرزدق:
ترى الناس إن سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
فإن هذا البيت لجميل العذري انتحله الفرزدق، وأورد ابن خلف نظير هذا في شرح شواهد سيبويه ما يزيد على ماشة بيت، ومثل ما نحن فيه قول الأخفش بن شهاب اليشكري:
стр. 2354
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضرب
والقصيدة مرفوعة القوافي، وأخذه قيس بن الخطيم، وجعله في قصيدة مجرورة القوافي، وقد نبهنا عليه في الشاهد الخامس بعد الخمسمائة من شواهد الرضي.
قوله معاوي إننا بشر إلى آخر. هو منادى مرخم معاوية، وأسجح: أمر من الجاحة، بالجيم بعدها حاء مهملة، وهي السهولة والرفق، ولما دفع هذه الأبيات في ورقة لمعاوية، قال له: ما جرأك علي؟ قال: نصحتك إذا غشوك، وصدقتك إذ كذبوك. فقال: ما أظنك إلا صادقاً، فقضى حوائجه. وقوله: فجردتموها، أي: قشرتموها، كما يجرد اللحم عن العظم، وأراد بالقائم والحصيد: القرى التي خربت، فمنها قائم قد بقيت حيطانها، ومنها حصيد زال أثرها، وهل: استفهام صوري بمعنى النفي، ومن زائدة، وقائم: مبتدأ مخصص بالنفي، والخبر محذوف، أي: موجود، والخون: مصدر بمعنى الخيانة، والتأمير: نصب الأمير، والسوية: المساواة والنصفة.
وعقيبة بن هبيرة، كلا الاسمين بالتصغير وهو شاعر جاهلي إسلامي مخضرم ولم يذكره اين حجر في قسم المخضرمين.
وعبد الله بن الزبير، بفتح الزاي وكسر الموحدة، شاعر كوفي المنشأ والمنزل، ومن شعراء الدولة الأموية، ومن شيعتهم والمتعصب لهم، مات في عصر عبد الملك ابن مروان، وقد بسطنا الكلام على هذا الشاهد، وترجمة الشاعرين في الشاهد الرابع والعشرين بعد المائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والعشرون بعد السبعمائة:
стр. 2355
(٧٢٧) مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها
على أنه عطف "ناعباً" بالجر على خبر ليس المنصوب على توهم أنه مجرور بالباء الزائدة، وأنشده سيبويه في موضعين من كتابه بروايتين الأول أنشده: "ولا ناعباً" بالنصب للعطف على مصلحين، واستشهد به على نصب عشيرة بمصلحين، لأن النون فيه بمنزلة التنوين قس واحده، وكلاهما يمنع من الإضافة، وتوجب نصب ما بعده، والثاني: يجر ناعب على توهم الباء في خبر ليس، ولم يجز المبرد إلا نصب "ناعب" قال: لأن حرف الجر لا يضمر، وقد بين سيبويه ضعفه، وبعده مع أخذه لذلك عن العرب سماعاً، فلا معنى للرد عليه. والبيت من قصيدة عدتها تسعة وعشرين بيتاً للأخوص اليربوعي، وهذه الأبيات منها:
وليس بيربوع إلى العقل حاجة ... سوى دنس يسود منها ثيابها
فكيف بنوكي مالك إن غفرتم ... لهم هذه أم كيف بعد خطابها
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... البيت ...
فإن أنتم لم تقتلوا بأخيكم ... فكونوا بغايا بالأكف عيابها
سيخبر ما أحدثتم في أخيكم ... رفاق من الآفاق شتى إيابها
قال الأسود، أبو محمد الحسن الأعرابي الغندجاني، في "فرحة الأديب":
قال الأخوص هذا الشعر لقتال كان بين بني يربوع، وبين بني درام، فأراد بقوله:
стр. 2356
"مشائيم" بني درام بن مالك، لا بني يربوع، وكان من قصة هذا الشعر، أن ناساً من يثربوع وبني دارم اجتمعوا على القرعاء، فقتل بينهم رجل من بني غدانة، يكنى أبا بدر/ فقالت بنو يربوع: والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا، فقالت بنو دارم: إنا لا نعرف قاتله، فأقيموا قسامة نعطكم حقكم، فقالت بنو غدانة: نحن نفعل، فأخرجوا خمسين، فحلفوا كلهم إلا رجلاً: إن الذي قتل أبا بدر عبيد بن زرعة، فقال الباقي من الخمسين: أليس تدفعون إلينا [عبيداً] إذا كملت الخمسين؟ قالوا: لا، ولكنا نديه، لأنا لا ندري من قتله، فقال الباقي عند ذلك وهو أبو بيض الغداني: والله لا أكلمهم أبداً، ولا يفارقنا عبيد حتى نقتله، فقام ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وشيبان بن حنظلة بن بشر بن عمرو، فكفلا بعبيد، فدفعته بنو غدانة إليهما، فلما جهنم الليل، قال ضرار وشيبان لعبيد: انطلق حيث شئت، وغدت بنو غدانة على بني درام، فقالوا لهم: إن صاحبكم قد هرب، ولكن هذه الجية، فاقبلوها من إخوتكم، ولا تطلبوا غير ذلك، فتكونوا كجادع أنفه، ولو علمنا مكان صاحبكم، قصدنا إليه، فلما سمعهم الأخوص يذكرون الدية، قال: دعوني أتكلم، قالوا: تكلم يا أبا خولة، فقال هذه الأبيات من قصيدته. انتهى.
وقوله: وليس بيربوع إلى العقل إلخ ... يقول: إن العقل لا ينفعهم، بل يضرهم ويكسبهم عاراً، ونوكى، بالفتح: جمع أنوك، كأحمق وحمقى، وزناً ومعنى، أي: كيف العشرة معهم، ويروى بدل خطابها: سبابها، بالكسر، مصدر سابه، أي: شاتمه، ومشائيم: جمع مشؤوم كمنصور. قال الأعلم: نسبهم إلى الشؤم، وقلة الصلاح والخير، فيقول: لا يصلحون أمر العشيرة إذا فسد بينهم، ولا يأتمرون
стр. 2357
بخير، فغرابهم لا ينعب إلا بالتشتت والفراق، وهذا مثل للتطير منهم، زنعب الغراب: إذا صاح، وهم يتشاءمون بصوت الغراب، وإنما ذكر هذا على طريق المثل، وإن لم يكن غراب.
وقوله: فكونوا بغايا. إلخ ... : جمع بغي، وصف من بغت المرأة بغاء، بالكسر والمد: إذا زنت، والعياب، بكسر العين المهملة جمع عيبة بفتحها: وهو ما يجعل فيه الثياب، وإذا كانت عيابها في أكف الناس كان أمرها مشهوراً.
وقوله: سيخبر ما أحدثهم إلى آخره: المآب: المرجع إذا رجعت الرفاق تفرقت في كل وجه، وانتشر منهم قبح صنيعكم، ونقله من سمعه إلى من لم يسمعه.
والأخوص، بالخاء المعجمة، يقال: رجل أخوص بين الخوص، أي: غائر العينين، وقد خوص، بالكسر، وأما الأحوص، بالحاء المهملة، فليس هذا، وكثير ما يصحف به، والخوص: ضيق في مؤخر العين. قال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": الأخوص بالخاء معجمة: اسمه زيد بن عمرو بن قيس بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، شاعر فارس له في كتاب بني يربوع أشعار جياد مما تنخلته من قبائلهم. انتهى. وهو شاعر إسلامي معاصر للفرزدق، وسحيم بن وثثيل، وقد بسطنا الكلام على هذا الشاهد، وترجمة قائله في الشاهد الثامن والسبعين بعد المائتين من شواهد الرضي.
وأنشد بعده:
ولبس عباءة وتقر عيني
تمامه:
أحب إلي من لبس الشفوف
стр. 2358
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثاني والعشرين بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد السبعمائة:
(٧٢٨) غير أنا لم تأتنا بيقين ... فنرجي ونكثر التأميلا
على أن الفا للاستئناف، ونرجي مبني على مبتدأ محذوف، أي: فنحن نرجي. قال سيبويه: في باب الفاء من "الكتاب" في بيان أوجه "ما تأتينا فتحدثتا": وإن شئت، رفعت على وجه آخر، كأنك قلت: فأنت نحدثنا، ومثل ذلك قول بعض الحارثيين:
غير أنا لم تأتنا بيقين ... البيت
كأنه قال: فنحن نرجي، فهذا في موضع مبني على المبتدأ. انتهى. وقد تكلمنا عليه بأكثر مما هنا في الشاهد الخامس والستين بعد الستمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والعشرون بعد السبعمائة:
(٧٢٩) ولقد تركت صبية مرحومة ... لم تدر ما جزع عليك فتجزع
وروى:
"ولقد تركت صغيرة مرحومة "
على أن معناه: لم تجزع لكونها لم تعرف الجزع لصغرها، وهذا هو الذي يتادر إليه الذهن، وذهب ابن جني في "إعراب أبيات الحماسة" إلى خلاف هذا،
стр. 2359
فإثبت لها الجزع مع كونها لم تعرفه، ومنشؤه أنه لم يجعل الفاء للسببية المحضة، كما جعل المصنف، بل جوز أن تكون عاطفة وزائدة واستئنافية، قال: هذا البيت طريف غريب الحديث، وذلك أنه ليس بجواب، لأنه مرفوع، ولو كان منصوباً جواباً، لكان أوفق معنى، وأسلب طريقاً، ولا قبله أيضاً فعل مرفوع، فيعطف عليه، ولهذا كان غريباً، غير أن هذا وجهه عندي أن يكون قوله: "فتجزع" صفة لقوله: "مرحومة أو صغيرة"، ويكون معطوفاً على جملة قوله: "لم تدر ما جزع عليك"، لأن هذه الجملة صفة لقوله: "صغيرة أو مرحومة"، فكأنه قال: لقد تركت صغيرة جاهلة بالجزع، فجازعة مع ذلك، فلما وقع "تجزع" موقع الاسم، ارتفع، فجرى مجرى قولك: مررت برجل من أهل العلم، ويقرئ الناس فتعطف "يقرئ" على من أهل العلم، حتى كأنك قلت: عالم مقرئ. وإن شئت جعلت الفاء زائدة، كأنك قلت: لم تدر ما جزع عليك جازعة، أي: تركت صبية جازعة وإن لم تعرف الجزع، أي: صورتها صورة الجازعة، وقد يجوز أن يكون قوله: فتجزع مستأنفاً، أي: فهي تجزع، أي: مع انها لا تعرف الجزع جازعة، أي: حالها حال الفاقدة الجدازعة. هذا كلامه باختصار.
والبيت من أبيات أوردها أبو تمام في باب المراثي من "الحماسة" لمويلك المزموم، يرثي زوجته أم العلاء وهي:
امرر على الجدث الذي حلت به ... أم العلاء فنادها لو تسمع
أنى حللت وكنت جد فروقة ... بلداً يمر به الشجاع فيفزع
صلى عليك الله من مقبورة ... إذ لا يلائمك المكان البلقع
فلقد تركت صغيرة مرحومة ... البيت ...
стр. 2360
فقدت شمائل من لزامك حلوة ... فتبيت تسهر ليلها وتفجع
فإذا سمعت أنينها في ليلها ... طفقت عليك جفون عيني تدمع
وزاد الأعلم النتمري في "حماسته" بعد هذا ستة أبيات. والجدث، بفتح الجيم: القبر، وروي: "فحيها" بدل "فنادها" يقول: امرر على القبر الذي دفنت فيه، وسلم عليها إن كانت تسمع، وهذا توجع وتلهف، والفروقة: الشديدة الخوف يطلق على المذكر والمؤنث، والصلاة من الله: الرحمة، والملائمة: الموافقة، والبلقع: الخالي، ومن مقبورة: تمييز.
وقوله: "لم تدر ما جزع إلى آخره ... " اختار الإمام المرزوقي الفاء للاستئناف وقال: أراد أنها من صغرها لا تعرف المصيبة، ولا الجزع لها، فهي على حالها تجزع، لأن ما تأتيه من البكاء والضجر وترك النوم والقرار فعا الجازعين. وقوله: "فقدت شمائل" جمع شمال، بالكسر: الطبيعة، يقول: كانت قد اعتادت منك أخلاقاً جميلة فقدتها، فبقيت لا تنام ولا تنيم، بل تفج وتوجع، فإذا سمعت بكائها، بكيت، والشؤون: جمع شأن: وهو مجرى الجمع من الرأس إلى العين.
ومويلك: مصغر مالك، والمزموم: من زممت الناقة: إذا وضعت عليها الزمام، وهو شاعر إسلامي.
وقد شرحنا هذا بأكثر مما هنا في الشاهد الرابع والستين بعد الستمائة من شواهد الرضي.
стр. 2361
وأنشد بعده:
وإن شفائي عبرة مهراقة ... وهل عند رسم دارس من معول
على أن جملة الاستفهام معطوفة على جملة الخبر، قال المصنف، بعد أسطر: وكون هذا من عطف الإنشاء على الخبر فيه ما فيه، وبينه سابقاً في بحث "هل" قال هناك: يراد بالاستفهام هنا النفي، لذلك صح العطف فيه، إذ لا يعطف الإنشاء على الخبر، وتقدم الكلام على هذا البيت في الإنشاد الثامن والستين بعد الخمسمائة.
وأنشد لعده، وهو الإنشاد الثلاثون بعد السبعمائة:
(٧٣٠) تناغي غزالاً عند باب ابن عامر ... وكحل مآقيك الحسان بإثمد
على أن بعضهم استدل به على عطف الإنشاء على الخبر، قال المصنف في آخر هذا البحث: وأما "وكحل مآقيك ... إلى آخره" فيتوقف على النظر فيما قبله من الأبيات، وقد يكون معطوفاً على أمر مقدر يدل عليه المعنى، أي: افعل كذا، وكحل. وأقول: لا يمكن هذا التفحص والتنفير إلا بعد سوق الأبيات التي قبله، وهو من قصيدة لحسان بن ثابت الصحابي الخزرجي، أجاب بها قصيدة قيس بن الخطيم الجاهلي الأوسي التي مطلعها:
تروح من الحسناء أم أنت مغتدي ... وكيف انطلاق عاشق لم يزود
стр. 2362
ومطلع قصيدة حسان:
لعمر أبيك الخير ياشعت مانبا ... على لساني في الخطوب ولا يدي
ثم افتخر بأبيات هو أهل لها؛ إلى أن مدح النعمان بن المنذر اللخمي، ثم خاطب قيس بن الخطيم بقوله:
فلا تعجلن يا قيس واربع فإنما ... قصارك أن تلقى بكل مهند
حسام وارماح بأيدي أعزة ... متى ترهم يا ابن الخطيم تبلد
نيوث لدي الأشبال تحمي عرينها ... مداعيس بالخطي في كل مشهد
فقد ذاقت الأوس القتال وطردت ... وأنت لدى الكنات كل مطرد
تناغي لدى الأبواب حوراً نواعما ... وكحل مآقيك الحسان بإثمد
نفتكم عن العلياء أم لئيمة ... وزند متى تقدح به النار يصلد
وهذا آخر القصيدة.
وابن الخطيم، بالخاء المعجمة، شاعر فارس، ولما قدم مكة دعاه النبي، ﷺ ، إلى الإسلام، وتلا عليه القرآن، فقال: إني لأسمع كلاماً عجباً، فدعني انظر في أمري هذه السنة، ثم أعود إليك، فمات قبل الحول.
وقوله: يا شعت مرخم شعثاء، وقوله: واربع: أمر من ربع الرجل يربع على نفسه، من باب"نفع": إذا وقف وترفق بها، وقصارك، بضم القاف: غايتك، وتلقى: بالبناء للمفعول، والمهند: السيف المطبوع في الهند، وحسام، بالجر، صفة لمهند، ومعناه: الشديد القطع، وتبلد أصله: تتبلد، أي: تتحير وتتردد، والليث: الأسد، وأشد ما يكون جريئاً إذا كان في غابه عند أولاده، والأشبال:
стр. 2363
جمع شبل، بالكسر، وهو ولد الأسد، والعرين، بفتح العين المهملة: غابة الأسد، ومداعيس: صفة لأعزة، جمع مدعاس، مبالغة داعس من الدعس: وهو الطعن بالأرماح، والخطي: الرمح، نسبة إلى الخط، بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الطاء، وهو موضع باليمامة، وهو خط هجر، تنسب إليه الرماح، لأنها تحمل من بلاد الهند، فتقوم فيه، والمشهد: مكان الحرب، لأن الأبطال تشهده، أي: تحضره.
وقوله: وطردت: بالبناء للمفعول: مبالغة في طردته، وجملة "وأنت لدى الكنات": حال من ضمير طردت، أو من الأوس، والكنات: جمع كنة، بالضم وتشديد النون، وهي السقيفة أمام البيت. وقوله: "تناغي" الجملة خبر ثان لأنت، أو حال من الضمير المستقر في لدي، والمناغاة: محادثة النساء، والصغار باللين والرفق، وحوراً، أي: نساء حوراً، جمع حوراء بالمد: التي بياض عينها شديد وسوادها شديد، ونواعم: جمع ناعمة، والمشهور "تناغي غزالاً عند باب ابن عامر". يريد محبوبة له تشبه الغزال حسناً، فظهر مما قدمناه: أن هذا البيت ليس له تعلق إلا بالبيت المتقدم عليه، وليس فيه أمر أو نهي لا لفظاً ومعنى، أو معنى فقط، ولو كان فيه ذلك، لكان قوله: "وكحل" معطوفاً عليه، فلما انتفى ما يصلح أن يكون معطوفاً عليه، تعين أن يكون معطوفاً على جملة "تناغي" فثبت الاستدلال على جواز عطف الإنشاء على الخبر، هذا ولا يخفى أن كلام حسان في معرض الاستهزاء بقيس، والاستخفاف، فإنه حيث جعله كالنساء في ملازماتهن البيوت، ومحادثة بعضهن بعضاً، فيجوز بهذه القرينة أن يكون المعطوزف عليه محذوفاً، والتقدير: تناغي لدى الأبواب حوراً نواعماً، فكن من النساء الحور، وكحل مآفيك. وروى السكري أيضاً كالرواية السابقة: "فغن لدى الأبواب حوراً نواعماً". وعىل هذه الرواية لا يبقى نزاع، وغن: فعل أمر من غنى يغني تغنية: إذا ترنم
стр. 2364
بالغناء، ويكون "حور" منصوباً بنزع الخافض، أي: فغن لهن. أو متعد بنفسه لتضمنه معنى: أطربته إطراباً، أي: أطربهن يترنمك، وقوله: مآقيك: سكن الياء للضرورة، وهو جمع مأقي، بفتح الميم وسكون الهمزة وكسر القاف، لغة في الموق: وهو طرف العين الذي يلي الأنف، والمراد به هنا: العين، من باب ذكر الجزء وإرادة الكل، والإثمد: الكحل الأسود، وقيل: هو الكحل الأصفهاني.
وقوله: نفتكم عن العلياء، أي: عن المنزلة الرفيعة، والنفي: الطرد، والزند: العود الذي يقدح به النار وهو الأعلى، والزندة السفلي فيها ثقب، وإذا اجتمعا قيل لها: الزندان، وتقدح: بالبناء للمفعول، والقدح: استخراج النار بالزندين، وإذا أخرج ناراً قيل: ورى الزند، وإذا لم يخرج قيل: صلد الزند يصلد، بالكسر صلوداً، ويقال: زند وارٍ ووري: إذا كان سريع الوري، كثير النار، ومنه قولهم: فلان واري الزناد، يريدون بذلك أنه تجيح واضح الأمر.
وترجمة حسان تقدمت في الإنشاد التاسع والتسعين.
وأنشد بعده:
وقائلة خولان فانكح فتاتهم ... وأكرومة الحيين خلو كما هيا
على أن الصفار استدل به على جواز عطف الإنشاء على الخبر، فإن "انكح" جملة إنشائية معطوفة على جملة: "هذه خولان" وأجاب عنه المصنف بأن الفاء لمجرد السببية، لا للعطف والسببية معاً، وتقدم الكلام عليه في الإنشاد السبعين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد السبعمائة:
(٧٣١) عاضها الله غلاماً بعدما ... شابت الأصداغ والضرس نقد
стр. 2365
على أن ابن جني منع عطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية، وأول هذا البيت يجعل الضرس فاعلاً بفعل يفسره ما بعده، وأنه نقل في "سر الصناعة" أن هذا جائز في الواو فقط، وهذا نص كلامه في بحث الفاء من "سر الصناعة" قال: وأما مذهب مبرمان في أنها للعطف- أي: في نحو: خرجت فإذا زيد- فسقوطه أظهر، وذلك أن جملة "خرجت" فعلية، وجملة "فإذا زيد" اسمية، زيد مبتدأ، وإذا خبره، وحكم المعطوف أن يكون وفق المعطوف عليه، لأن العطف نزير التثنية، فإن قيل: ألست تجيز: قام زيد وأخوك محمد؟ فالجواب: أنه قد يجوز مع الواو لقوتها وتصرفها ما لا يجوز مع الفاء من الاتساع. ألا ترى أنك لو قلت: قام محمد، فعمرو جالس، وأنت تعطف على حد ما تعطف بالواو، لم يكن للفاء هنا مدخل، لأن الثاني ليس متعلقاً بالأول، وحكم الفاء إذا كانت عاطفة أن لا تتجرد من معنى الاتباع والتعليق بالأول، وهذا جواب أبي علي، وهو الصواب، وهذا آخر كلامه. وظهر منه أن مذهبه الجواز بالواو فقط تبعاً لأبي علي، وليس مذهبه المنع كما نقله المصنف، وقال: "عاضها الله غلاماً ... البيت" عطف جملة من مبتدأ وخبر على أخرى من فعل وفاعل. انتهى.
وقال أبو علي في "الحجة": قولهم "عوض" [ف] التضعيف فيه ليس للنقل، ولو كان للنقل من عاض لتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، لأن عاض يتعدى إلى مفعولين يدل عىل ذلك ما أنشده الأصمعي:
عاضها الله غلاماً ... البيت
[وتقول: عوضت زيداً مالاً]، فعوض وعاض لغتان كما أن ميز وماز لغتان، كل واحد منهما بمعنى الآخر انتهى. والنقد، بفتح النون
стр. 2366
والقاف: تآكل في الأسنان، وتقسر في الحافر والقرن، وفعله من باب فرح، يقال: نقدت أسنانه وضرسه. ففعله ووصفه "نقد" بكسر القاف، وروي في البيت "نقد" بكيسر القاف وفتحها، فالمكسور يحوز أن يكون ماضياً ووصفاً، والضرس مذكور، قال الجوهري: (الضرس: السن، وهو مذكر ما دام [له] هذا الاسم؛ لأن الأسنان كلها إناث إلا الأضراس والأنياب. والمفتوح: نقله الجوهري) وهو مصدر على تقدير ذي، وأورد البيت ابن السكيت في "إصلاح المنطق" شاهداً للنقد، قال شارح أبياته يوسف بن السيرافي: أي: عوض الله هذه المرأة من مات من أولادها غلاماً، ولدته بعدما أسنت وشاب رأسها، وتكسرت أسنانها، فمحبتها له أشد محبة، لأنها قد يئست أن تلد غيره، فشفقتها عليه عظيمة. انتهى.
فقول الدماميني ومن تبعه-: المراد: أن هذه المرأة عوضها الله غلاماً تزوجته بعد ما وصلت في الكبر إلى هذه الحالة انتهى- كلام من لم يصل إلى العنقود! و "ما" في "بعد ما" مصدرية، والأصداغ جمع صدغ، بالضم، ما بين لحظ العين إلى أصل الأذن، ويطلق على الشعر الذي يتدلى على هذا الموضع مجازاً. وهو المراد هنا. وهذا البيت لم أقف على قائله، ولا على تتمته والله أعلم.
وأنشد بعده:
هون عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها
وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد والثلاثين بعد المائتين.
стр. 2367
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثلاثون بعد السبعمائة:
(٧٣٢) جفوني ولم أجف الأخلاء إنني ... لغير جميل من خليلي مهمل
الجفاء: خلاف البر، والأخلاء، جمع خليل: وهو الصديق، ومهمل: اسم فاعل من أهمله، أي: تركه: خبر "إن" واللام متعلقة به، ومن متعلقة بمحذوف صفة لجميل.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد السبعمائة:
(٧٣٣) هي النفس تحمل ما حملت
الذي مثل به صاحب "الكشاف" إنما هو:
هي النفس ما حملتها تتحمل
تمامه:
وللدهر أيام تجور وتعدل
وبعده:
ولا عار أن زالت عن المرء نعمة ... ولكن عاراً أن يزول التحمل
وعاقبة الصبر الجميل جميلة ... وأفضل أخلاق الرجال التفضل
وهذه الأبيات من قصيدة لعلي بن الجهم البغدادي، ولم يعرف شارح شواهد التفسير خضر الموصلي قائله، ولا هذه الأبيات، واعترض على صاحب
стр. 2368
"الكشاف" بأن البيت ليس مثل الآية؛ لصحة قولنا: الحياة الدنيا، دون: النفس النفس ما حملتها تتحمل، والنفس الثانية خبر عن الأولى لا حقيقة لها، فلابد من اعتبار ما يرجع الضمير إليه، وأجيب بأن الاستشهاد لمجرد البيان، وهي ضمير القصة، والجملة مفسرة لها نحو: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد). والمصراع الأول وقع في نتفة للملك الفاضل قابوس بن وشمكير وهي:
أصرح بالشكوى ولا أتأول ... إذا أنت لم تجمل فلم أتجمل
أفي كل يوم من هواك تحامل ... علي ومني كل يوم تحمل
وإني لما حملتنيه لصابر ... وإن كان من أدناه يذبل يذبل
ولا أدعي أني صبور وإنما ... هي النفس ما حملتها تتحمل
ولم يعرف هذا المصراع شراح "المغني" وإنما قال ابن الملا الحلبي:
هي النفس تحمل ما حملت
الظاهر أنه نصف بيت من التقارب، ولم أقف على تتمة تقتضي أنه مصراع أول أو ثان، ولا على قائله. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثلاثون بعد السبعمائة:
(٧٣٤) أسكران كان ابن المراغة إذ هجا ... تميماً بجو الشام أم متساكر
стр. 2369
على أنه روي برفع سكران، وابن المراغة، فقال ابن السيرافي، وتبعه ابن خلف في شرح شواهد سيبويه، سكران: خبر مقدم، وابن المراغة: مبتدأ مؤخر، والجملة خبر "كان" الثانية، وهذا غلط منه، لأن الجملة التي هي خبر ضمير الشأن لا تتقدم هي ولا شيء منها عليه، وإنما "كان" على هذه الرواية زائدة، وأورده سيبويه في كتابه للإخبار عن النكرة بالمعرفة على قبح في ضرورة الشعر برواية رفع "سكران"، ونصب "ابن المراغة"، وقال: هذا إنشاد بعضهم، وأكثرهم ينصب "السكران"، ويرفع الآخر على قطع وابتداء. انتهى.
وقوله: وأكثرهم ينصب "السكران"، أي: ويرفع "ابن المراغة" على أنه اسم كان، ويكون مقدماً ما لا قبح فيه، وقوله: ويرفع الآخر، يريد به متساكراً، ويكون رفعه على القطع بجعله خبقر مبتدأ محذوف، أي: أم هو متساكر، فتكون "أم" منقطعة".
وقال ابن جني في "الخصائص": قد حذف خبر كان في قوله:
أسكران كان ابن المراغة ... البيت
ألا ترى أن تقديره: أكان سكران ابن المراغة، فلما حذف الفعل الرافع فسر بالثاني، وابن المراغة المذكور خبر كان الظاهرة، وخبر كان المضمرة محذوف معها، لأن كان الثانية دلت على الأولى، وكذلك الخبر المذكور دل على الخبر المحذوف. انتهى. وقد بسطنا الكلام على هذا البيت في الشاهد الثاني والأربعين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
стр. 2370
والبيت ن قصيدة للفرزدق هجا بها جريراً وهو ابن المراغة، وكان الفرزدق لقب أمه بالمراغة، ونسبها إلى أنها راعية حمير، والمراغة: الأتان التي لا تمتنع من الفحول، وقال الجوهري: لقبها به الأخطل، أي: يتمرغ عليها الرجال، لأن المراغة موضع التمرغ: وهو التمعك، وإذا: ظرف متعلق بكان، وأراد بتميم هنا: بني درام بن مالك بن حنظلة، وهم رهط الفرزدق، وجرير من رهط كليب بن يربوع بن حنظلة، فلم يعتد الفرزدق برهط جرير في تميم احتقاراً لهم، وأراد بجو الشام: داخلها. وروى أبو علي وابن جني: ببطن الشام، وهو بمعناه، وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثلاثون بعد السبعمائة:
(٧٣٥) ربه فتية دعوت إلى ما ... يورث المجد دائباً فأجابوا
رب فيه لإنشاء التكثير، والضمير المتصل به مبهم يفسره فتية، وهذا مما جاء فيه التمييز جمعاً، والمميز مفرداً، وهو جمع فى، وجملة "دعوت" صفة لفتية، والرابط محذوف تقديره: دعوتهم، ويورث: يكسب، والمجد: الشرف والمنزلة العالية، ودائباً: أراد به دائماً. والبيت لم أقف على تتمته، ولا على قائله والله أعلم.
وأنشد بعده:
فلا تلمه أن ينام البائسا
صدره:
قد أصبحت بقرقرى كوانسا
стр. 2371
وهذا وصف الإبل، والمصراع الثاني في وصف الراعي، وتقدم شرحه في الإنشاد الثالث والتسعين بعد الستمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثلاثون بعد السبعمائة:
(٧٣٦) ولو أن مجداً أخلد الدهر واحداً ... من الناس أبقىا مجده الدهر مطمعا
قال ابن عصفور في "الضرورة": ومنه تقدم الضمير على الظاهر لفظاً ورتبة، نحو قول حسان:
فلو أن مجداُ يخلد اليوم
ألا ترى أنه قدم الضمير على "مطعم" لفظاً ورتبة، لأنه متصل بالفاعل، ومطعم: مفعول، ورتبة الفاعل أن تكون قبل المفعول. انتهى.
وقال السهيلي في "الروض الأنف": وذكر ابن هشام قول حسان في مطعم بن عدي، ويذكر جواره للنبي، ﷺ ، وذلك حين رجع (من الطائف) وقيامه في أمر الصحيفة، وفيه:
فلو كان حمد مخلد الدهر واحداً ... البيت
وهذا عند النحويين من أقبح الضرورة، لأنه قدم الفاعل وهو مضاف إلى ضمير المفعول، فصار في الضرورة مثل قوله:
стр. 2372
جزى ربه عني عدي بن حاتم ... البيت ...
غير أنه في البيت أشبه قليلاً لتقدم ذكر مطعم، فكأنه قال: أبقى مجد هذا المذكور المتقدم ذكره مطعماً، فوضع [الظاهر موضع] المضمر كما لو قلت: إن زيداً ضربت جاريته [زيداً، أي: ضربت جاريته] إياه، ولا بأس بمثل هذا، ولا سيما إذا قصدت التعظيم والتفخيم لذكر الممدوح [كما قال الشاعر]:
وما لي أن أكون أعيب يحيى ... ويحيى طاهر الأثواب بر
ويجوز نصبه عندي على البدل من قوله: وبكي عظيم المشعرين، ويكون المفعول من قوله: أبقى مجده محذوفاً كأنه قال: أبقاه مجده [أبداً]، والمفعول لا قبح في حذفه إذا دل عليه الكلام كما في هذا البيت. انتهى كلامه.
وفيه أن مجده إذا نصب، وجعل بدلاً من "عظيم المشعرين" بدل اشتمال لم يكن "أبقى" محتاجاً إلى مفعول، وإنما يحتاج إلى فاعل، فيكون ضمير المجد المخلد.
والبيت من أبيات ثمانية لحسان بن ثابت، رثى بها مطعم بن عدي، والدجبير ابن مطعم الصحابي ومات مطعم ولم يسلم، وهو بوزن اسم فاعل، من الإطعام. قال بان حبيب جامع ديوان حسان: لما توفي أبو طالب، استدت قريش على النبي، ﵌، وآذوه، فبعث، صلى الله عليه وآله، ابن أريقط، أخا بني عدي بن الديل بن بكر إلى الأخنس بن شريق الثقفي ليجيره من قريش،
стр. 2373
فقال لرسوله حين جاءه: إن حليف قريش لا يجير عىل صميمها، وكان حليف بني زهرة، فرجع إلى رسول الله، ﷺ ، فخبره، قال: فانطلق إلى سهيل بن عمرو، من بني عامر بن لؤي، فانطلق إلى سهيل، فذكر ذلك له، فقال سهيل: إن بني عامر لا تجير على بني كعب بن لؤي، فرجع إلى رسول الله، ﷺ ، فخبره، فقال: انطلق إلى مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، فقال: إن محمداً أرسلني إليك لتجيره من قريش حتى يطوف بالكعبة. قال: أفعل، قد أجرته، فليأت، فلا بأس عليه، فجاء، ﵌، فخرج مطعم في بنيه ومن أطاعه من قومه حتى طاف بالكعبة، فأتاه أبو سفيان بن حرب، فقال: أمجير أم مانع؟ قال: بل مجير، قال: فإذن لا يخفر جوارك، فقعد معه أبو سفيان حتى فرغ رسول الله ﷺ ، ثم إن مطعماً هلك. فقال حسان يرثيه، ويذكر وفاءه:
أعيني ألا ابكي سيد واسفحي ... بدمع فإن أنزفته فاسكبي الدما
وبكي عظيم المشعرين وربها ... على الناس معروف له ما تكلما
فلو كان مجد يخلد اليوم واحداً ... من الناس أبقى مجده الدهر مطعما
أجرت رسول الله منهم فأصبحوا ... عبادك ما لبى ملب وأحرما
فلو سئلت عنه معد بأسرها ... وقحطان أو باقي بقية جرهما
لقالوا هو الموفي بخفرة جاره ... وذمته يوماً إذا ما تذمما
فما تطلع الشمس المنيرة فوقهم ... على مثله منهم أعز وأكرما
إباء إذا يأبى وألين شيمة ... وأنوم عن جار إذا الليل أظلما
وقوله: إذا ما تذمما. يقال: تذممه، أي: أعطاه ذمته، ومطعم: أحد الذين قاموا في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم، وبني عبد المطلب.
стр. 2374
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثلاثون بعد السبعمائة:
(٧٣٧) كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤدد ... ورقى نداه ذا الندى في ذرى المجد
في كل مصراع رجع الضمير إلى متأخر لفظاً ورتبة، وكان القياس أن يقول: كسا الحلم صاحبه أثواب السيادة، ورقى الندى صاحبه ذرى المجد، وكسا: يتعدى إلى مفعولين، أحدهما: ذا الحلم، وثانيهما: أثواب، ورقى: بالتشديد يتعدى إلى مفعول واحد، يقال: رقيت في السلم وغيره من باب فرح، والندى: الإحسان، والذرى: جمع ذروة، وذروة كل شيء أعلاه، والمجد: الشرف.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثلاثون بعد السبعمائة:
(٧٣٨) وكائن بالأباطح من صديق ... يراني لو أصبت هو المصابا
على أن "هو" لو كان ضمير فصل كان قياسه أن يقال: "أنا" فقيل: ليس بضمير فصب، وإنما هو توكيد للفاعل في "يراني" وقيل: بل هو ضمير فصل .. إلى آخر ما ذكره. هذا تخريج أبي علي في كتاب "إيضاح الشعر" قال: موضع "هو" رفع لكونه توكيداً للضمير الذي في يراني، لأن "هو" للغائب، والمفعول الأول في يراني للمتلكم، والفصل إنما يكون الأول في المعني، كقوله سبحانه: (إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً) [الكهف: ٣٩] ألا ترى أن "أنا" هو المفعول الأول المعبر عنه ب "ني" والنعى: يراني هو المصابا، أي: يراني للصداقة المصاب لغلظ مصيبتي عليه للصداقة، وليس كالعدو أو الأجنبي الذي لا يهمه ذلك.
стр. 2375
ويجوز أن يكون التقدير في "يرى" يرى مصابي أي: مصيبتي، وما نزل بي المصاب، كقولك: أنت أنت ومصيبتي المصيبة، أي: ما عداه جلل وهين، فيكون "هو" فصلاً بين المضاف المقدر وبين الظاهر. انتهى. وقد بسطنا الكلام على هذا في الشاهد الرابع بعد الأربعمائة من شواهد الرضي.
والبيت من قصيدة لجرير مدح بها الحجاج بن يوسف الثقفي وهذا مطلعها:
سئمت من المواصلة العاتابا ... وأمسى الشيب قدورث الشبابا
إلى أن قال:
لقد نام الخلي وطال ليلي ... بحبك ما أبيت له انتحابا
أرى الهجران يحدث كل يوم ... لقلبي حين أهجركم عتابا
وكائن بالأباطح من صديق ... . . . . . البيت
ومسرور بأوبتنا إليه ... وآخر لا يحب لنا إيابا
دعا الحجاج مثل دعاء نوح ... فاسمع ذا المعارج فاستجابا
ولو لم يرض ربك لم ينزل ... مع النصر الملائكة الغضابا
إذا سعر الخليفة نار حرب ... رأى الحجاج أثقبها شهابا
قوله: وكائن بالأباطح إلى آخره. "كائن" بكسر الهمزة وسكون النون، لغة في "كأين" بفتحها وتشديد المثناة المكسورة، بمعنى "كم" الخبرية لإنشاء التكثير، والأباطح: جمع أبطح: وهو كل مسيل فيه دقاق الحصا، وقال ابن دريد: الأبطح والبطحاء: الرمل المنبسط على وجه الأرض، وقال أبو زيد: الأبطح: أثر المثيل ضيقاً كان أو واسعاً، والأبطح: يضاف إلى مكة وإلى منى،
стр. 2376
لأن المسافة بينه وبينهما واحدة، وربما كان إلى "منى" أقرب وهو المحصب، وهو خيف بني كنانة، كذا قال ياقوت في "معجم البلدان".
وكائن: مبتدأ، ومن صديق: تمييز كائن، وبالأباطح: كان في الأصل مؤخراً عن صديق: صفة له، فلما تقدم عليه، صار حالاً منه، وجملة "يراني إلى آخره": خبر المبتدأ، والياء: مفعول أول، والمصاب: مفعول ثان، وجملة "لو أصبت" بالبناء للمفعول: معترضة، ولو: للشرط، ويراني: دليل جواب، وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثلاثون بعد السبعمائة:
(٧٣٩) لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
على انه قد أقيم الظاهر موضع الضمير الرابط، والأصل: لا أرى الموت يسبقه شيء. وأما قوله: نغص الموت، ففيه أيضاً إقامة الظاهر مقام الضمير، لكن لا للربط، ويجوز مثله إذا كان في جملة مستأنفة، وبسطنا الكلام فيه في الشاهد الستين من شواهد الرضي. والبيت من قصيدة لعدي بن زيد، وتقدمت ترجمته في الإنشاد الواحد والسبعين بعد المائتين. وهذا مطلع القصيدة:
طال ليلي أراقب التنويرا ... أرقب الليل بالصباح بصيرا
شط وصل الذي تريدين مني ... وصغير الأمور يجني الكبيرا
إن للدهر صولة فاحذرنها ... لا تبيتن قد أمنت الدهورا
стр. 2377
قد يبان الفتى صحيحاً فيردى ... ولقد بات آمنا مسرورا
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... البيت
للمنايا مع الغدو رواح ... كل يوم ترى لهن عقيرا
كم ترى اليوم من صحيح تمشى ... وغدا حشو ريطة مقبورا
أين أين الفرار مما سيأتي ... لا أرى طائراً نجا أن يطيرا
فامش قصداً إذا مشيت وأبصر ... إن للقصد منهجا وجسورا
إن في القصد لابن آدم خبراً ... وسبيلاً على الضعيف يسيرا
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الأربعون بعد السبعمائة:
(٧٤٠) وأما الصبر عنها صبرا
أوله:
ألا ليست شعري هل إلى أم جعفر ... سبيل فأما الصبر عنها فلا صبرا
على أن جملة "لا صبر لي" خبر قوله: "فأما الصبر"، والرابط العموم الذي في "لا" النافي للجنس، قال بعض شراح أبيات "الإيضاح": وذهب ابن جني إلى أن الصبر الثاني هو الأول، ولو كان كذلك، لوجب إضماره، لتقدم ذكره، ولبطل عمل "لا" لا تعمل إلا في النكرة الشائعة. انتهى. ويجوز أن يكون الأصل، فلا نصبر صبراً، فحذف الفعل، ونصب المصدر به.
والبيت مطلع قصيدة لابن ميادة.
стр. 2378
وأم جحدر هي بنت حسان المرية، كان يشبب بها ابن ميادة، فحلف أبوها ليخرجنها من عشيرته، ولا يزوجها بنجد، فقدم عليه رجل بالشام، فزوجه إياها، فاشتد ذلك على ابن ميادة، فلما خرج بها زوجها نحو بلاده قال هذه القصيدة، وتقدمت ترجمة ابن ميادة في الإنشاد الثامن والستين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد السبعمائة:
(٧٤١) وإنسان عيني يحسر الماء تارة ... فيبدو وتارات يجم فيغرق
على أن جملة "يحسر الماء" من الفعل والفاعل خبر على قوله: "وإنسان عيني". ليس فيها ضمير يربطها بالمبتدأ، وصح هذا لما في الجملة المعطوفة بالفاء من ضمير المبتدأ، فإن فاعل "يبدو" ضمير إنسان، وتقدم من المصنف في الباب الثاني في "الجمل التي لها محل" أن الفاء نزلت الجملتين منزلة جملة واحدة، فاكتفي في الرابط بضمير إحدى الجملتين، فالخبر مجموع الجملتين، كجملتي الشرط والجزاء إذا وقعتا خبراً. نحو: "زيد إن تقم يكرمك" وبه خرج، فقيل: هو على تقدير أداة الشرط، وقدره شارح ديوان ذي الرمة ابن حبيب "إذا"، وقدره غيره "إن"، وهو الصحيح، لأنها أم الباب، فلما حذفت، ارتفع الفعل والجملة الشرطية
стр. 2379
إذا وقعت خبراً، لم يشترط بكون الرابط في الشرط، بل في أيهما من الشرط والجزاء وجد كفى، وحسر: بمهملات، يجيء لازماً ومتعدياً لواحد، تقول: حسرت كمي عن ذراعي أحسره، بالضم، وأحسره، بالكسر، حسراً: كشفت وحسر حسوراً: انكشف، ويحسر في البيت لاوم، ولا يجوز أن يكون متعدياً، لأن إنسان العين لا يكشف ماء الدمع، وإنما هو مكشوف عنه بجريانه. قال ابن جني في "إعراب الحماسة": فالعائد على الإنسان إنما هو من يبدو، لا من يحسر، ويكفيك من هذا أن العطف نظير التثنية، وحسبك بها اتصالاً وامتزاجاً. انتهى. والرابط عند الكوفيين "أل"، فإنه عوض عن المضاف إليه، والأصل يحسر ماؤه، ويبدو: يظفر، ويجم، بكسر الجيم: يكثر، يقال: جم الشيء جماً من باب ضرب، أي: كثر، فهو جم بوزن المصدر، وغرق الشيء في الماء غرقاً، فهو غرق من باب: تعب، وجاء غارق أيضاً، وفاعل يجم: ضمير الماء، وفاعل يغرق: ضمير الإنسان، ويجم: معطوف على يحسر، ويغرق معطوف على يجم، وجملتا "يجم فيغرق" خبر عن الإنسان أيضاً، والجملة الأولى خاليه عن ضميره، وإنما جاز للفاء كما في يحسر الماء، فيبدو، وأشار بتارة وتارات إلى أن انكشاف إنسان عينه من الدمع قليل نادر، وأن كثرة الدمع أغلبي.
والبيت من قصيدة لذي الرمة، عدتها سبعة وخمسون بيتاً كلها غزل ونسيب، ومطلعها:
أداراً بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهوى يرفض أو يترقرق
وقد شرحناه في الشاهد الثالث عشر بعد المائة من شواهد الرضي، والبيت الشاهد ألم به أبو حية النميري فقال:
стр. 2380
نظرت كأني من وراء زجاجة ... إلى الدار من ماء الصبابة أنظر
فعيناي طوراً تغرقان من البكا ... فإغشى وطوراً يحسران فأبصر
وليس الذي يهمي من العين ماؤها ... ولكنه نفس تذوب فتقطر
وأخذ معنى البيت الثالث ابن دريد، فقال:
قلب تقطع فاستحال نجيعا ... فجرى فصار مع الدموع دموعا
وقال أيضاً:
لا تحسبي دمعي تحدر إنما ... نفسي جرت في دمعي المتحدر
وقبل البيت الشاهد:
قد احتملت مي فهاتيك دارها ... بها السحم تردي والحمام المطوق
أربت عليها كل هوجاء رأدة ... زجول بجولان الحصى حين تسحق
لعمرك إني يوم جرعاء مالك ... لذو عبرة كل يفيض ويخنق
وإنسان عيني ... البيت.
قوله: "قد احتملت مي ... الخ" استشهد به الفارسي في أواخر "الإيضاح" على أنه أدخل الكاف في آخر "هاتيك" كما أدخل "ها" التنبيه في أولها، ولا يقال "تي" بغير "ها"، ولا كاف، إنما يقال: هاتي، أوتيك، كما يقال: تلك، ولا يقال: ذيك، والسحم: جمع أسحم: وهو الآسود يعني الغراب، ويردي: يحجل، واحمام المطوق: القماري، وأربت: أقامت، والهوجاء: الريح المنحرفة الشديدة، ورأدة: تذهب وتجيء، وزجول: ذات زجل، وهو الصوت الشديد.
وقوله: لذو عبرة كل يفيض، ويروى "كلا" منصوباً على الحال من ضمير تفيض، أي: تفيض جميعاً لا يتماسك منها شيء، جعل كلا نكرة، ومن رفعها
стр. 2381
بالابتداء، دعلها معرفة، كما قال تعالى: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِين) [النمل: ٨٧] أي: كلهم. قال السيوطي: قد وارد ذو الرمة على قوله: "وإنسان عيني ... البيت" محمد بن عبد الله بن المولى، شاعر المهدي، أدرك الدولتين، فقال من قصيدة:
وإنسان عيني في دوائر لجة ... من الدمع يبدو تارة ثم يغرق
وترجمة ذي الرمة تقدمت في الإنشاد الرابع والخمسين.
وأنشد بعده:
إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عاراً عليك ورب قتل عار
وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد والثلاثين من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد السبعمائة:
(٧٤٢) وما شيء حميت بمستاح
صدره:
أبحت حمى تهامة بعد نجد
على أن جملة "حميت" صفة لشيء والرابط محذوف، أي: حميته. قال أبو علي في "الحجة" عند قوله تعالى: (وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) [البقرة: ٤٨]: فمن ذهب إلى أن "فيه" محذوفة من قوله: (وَاتَّقُوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً) [البقرة: ٤٨] جعل "فيه" محذوفة بعد قوله: يقبل، ومن ذهب إلى أنه حذف الجار، وأوصل الفعل إلىة المفعول، ثم حذف الراجع من الصفة، كما يحذف من الصلة؛ كان مذهبه في قوله: "لا يقبل" أيضاً مثله، وحذف الهاء من الصفة يحسن كما يحسن حذفها من الصلة. ألا ترى أن الفعل لا يتسلط بحذف
стр. 2382
المفعول منه على الموصوف، كما لا يتسلط بذلك على الموصول، فمما حذف منه الراجح [من الصفة] إلى الموصوف قوله:
وما شيء حميت بمستباح
انتهى
وقد استشهد به سيبويه في موضعين من كتابه لهذا، قال الأعلم: استشهد به لجواز حذف الهاء من الفعل إذا كان في موضع النعت، لأنه مع المنعوت كالصلة مع الموصول، والحذف في الصلة حسن [بالغ]، فضارعها النعت، فحسن الحذف فيه.
خاطب عبد الملك بن مروان، فقال: ملكت العرب، وأبحت حماها بعد مخالفتها لك، وما حميت لا يصل إليه من خالفك لقوة سلطانك، وتهانة: ما سفل من بلاد العرب، ونجد: ما ارتفع، وكنى بهما عن جميع بلاد العرب. انتهى.
وقال ابن خلف: و"ما" حرف نفي، وشيء: مرفوع بالابتداء، وحميت: صفته، وبمستباح: خبر المبتدأ، وقد يجوز أن تجعل "ما" حجازية عاملة إلا أن قائل هذا الضشعر جرير وهو تميمي، فحمله عن اللغة التيمية أولى، ولا يجوز أن تنصب شيئاً بحميت، لأنه لو فعل ذلك، لوجب أن يقول: وما شيئاً حميت مستباحاً، ويكون مستباحاً نعتاً لشيء، والنعت لا يكون فيه الباء الزائدة، وكان ينقلب معنى
стр. 2383
المدح، لأنه كان يصير التقدير: وما جميت شيئاً مستباحاً، أي: حميت شيئاً محمياً، وليس فيه مدح. وقوله: أبحث حمى تهامة، أي: قتلت أميرها ومن كان يمنع منها، يعنى عبد الله بن الزبير، وقوله: "بعد نجد" يريد أن بعد أن استبحت نجداً بقتلك أميرها، يعني: مصعب بن الزبير، وما شيء تحميه أنت يمكن أحد أن يستبيحه، يخاطب عبد الملك بن مروان. قال المبرد: يقال: حميت المكان، أي: منعت منه، وأحميته، أي: جعلته حمى لا يقرب. انتهى.
والبيت من قصيدة لجرير مدح بها عبد الملك، تقدم ابيات منها في الإنشاد الحادي عشر من أول الكتاب. ولم يصب العيني في قوله: يمدح بالبيت يزيد بن مروان.
قال ابن الأنباري في "أماليه": حدثنا أبي قال: ثنا أبو محمد عبد الله بن رسم، قال: قال يعقوب بن السكيت: حدثني عمارة بن عقيل، عن بعض أشياخهم، ن جرؤير قال: أوفدني الحجاج إلى عبد الملك بن مروان، عاشر عشرة، فدخلت عليه، وعنده الأخطل، فأنشدته:
أتصحو أم فؤادك غير صاح ... عشية هم صحبك بالرواح
فقال: لا بل فؤادك، وأورد القصيدة بتمامها، فقال: من كان مادحنا فليمدحنا هكذا، وأمر لي بمثابة ناقة، وثمانية من الأرقاء، وجام فضة. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد السبعمائة:
(٧٤٣) ويوماً شهدناه سليماً وعامراً
تمامه:
قليلاً سوى الطعن النهال نوافله
стр. 2384
على أن الأصل: شهدنا فيه فحذف "في" وكذا استشهد به سيبويه قال الأعلم: الشاهد فيه نصب ضمير اليوم بالفعل تشبيهاً بالمفعول به اتساعاً ومجازاً، والمعنى: شهدنا فيه، وسليم وعامر: قبيلتان من قيس عيلان، والنوافل هنا: الغنائم، يقول لهم: لم تغنم فيه إلا النفوس لما أوليناهم من كثرة الطعن. والنهال: الروية بالدم، وأصل النهل: أول الشرب، والعلل: الشرب بعد الشرب، والطعن هنا جمع طعنة. انتهى.
وقال ابن خلف: الشاهد فيه أنه جعل ضمير اليوم كضمير المفعول به على سعة الكلام، ولم يضمر كما تضمر الظروف، وأصله أن يقول: ويوم شهدنا فيه سليماً وعامراً. قال أبو الحسن: الناهل: الذي قد روى، يعني: أن الرمح قد روي من الدم، قال: والناهل أيضاً: العطشان، والنهل أول الشرب، والنوافل: الغنائم وما يصيبه الجيشز يقول: هذا الذي شهدناه سليماً وعامراً قليلة نوافله إلا الطعن، والطعن ليس من النوافل، وهذا كقول الآخر:
ليس بيني وبين قيس عتاب ... غير طعن الكلى وضرب الرقاب
المعنى: أن هذا اليوم لا غنائم فيه، بل فيه طعن، وهم يصفون الرماح بالنهال، بعنون أنها عطاش إلى شرب الدم، وهذا على طريق المثل يريد: أن أصحابها حراص على الطعن والقتل. انتهى.
واستشهد به صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب) [هود: ٦٥] على أن المراد: مكذوب فيه، فاتسع في الظروف بحذف الحرف وأجراه مجرى المفعول به كما في "شهدناه" أي: شهدنا فيه. قوله: ويوماً شهدناه، أي: شهدنا فيه يوماً منصوبا بفعل محذوف تقديره: واذكر يوماً، وروي بالجر على أن
стр. 2385
الواو واو رب، وروي بالفرع على الخبرية لمبتدأ محذوف تقديره: ذلك، وشهد: لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، وهنا متعد إلى اثنين، لأن الأول فيه معنى الظروف، ومن شأنه تعدي الفعل اللازم إليه، وشهده شهوداً، أي: حضره، والمشهد: محضر الناس، وسليماً: هو المفعول الذي يتعدى إليه شهد، وقليلاً: صفة ليوم، ونوافله: فاعله، وسوى: استثناء منقطع، ونهال: جمع نهل، كجبال: جمع جبل، يقول: واذكر يوماً شهدنا فيه هاتين القبيلتين قليلاً عطاياه سوى الطعن النهال، على التهكم، لأن الطعن ليس من النافل، أي: لا غنائم فيه، بل فيه الطعن، وهذا البيت من أبيات سيبويه الخمسين التي جهل قائلوها. والله عز شأنه أعلم به.
وأنشد بعده:
فيارب ليلى انت في كل موطن ... وأنت الذي في رحمة الله أطمع
وتقدم في الإنشاد "الثاني" والأربعون بعد الثلاثمائة".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والأربعون بعد السبعمائة:
(٧٤٤) وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني
تمامه:
وأشتملت بيي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للناس حتى تركتني ... لهم غرضاً أرمى وأنت سليم
فلو أن قولاً يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قول الوشاة كلوم
وهذه الأبيات الثلاثصة أوردها أبو تمام في باب النسيب من "الحماسة" لامرأة أجابت به قول ابن الدمية:
وظانت التي كلفتني دلج السرى ... وجون القطا بالجهلتين جثوم
следующие страницы →