← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

بالابتداء، دعلها معرفة، كما قال تعالى: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِين) [النمل: ٨٧] أي: كلهم. قال السيوطي: قد وارد ذو الرمة على قوله: "وإنسان عيني ... البيت" محمد بن عبد الله بن المولى، شاعر المهدي، أدرك الدولتين، فقال من قصيدة: وإنسان عيني في دوائر لجة ... من الدمع يبدو تارة ثم يغرق وترجمة ذي الرمة تقدمت في الإنشاد الرابع والخمسين. وأنشد بعده: إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عاراً عليك ورب قتل عار وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد والثلاثين من أوائل الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد السبعمائة: (٧٤٢) وما شيء حميت بمستاح صدره: أبحت حمى تهامة بعد نجد على أن جملة "حميت" صفة لشيء والرابط محذوف، أي: حميته. قال أبو علي في "الحجة" عند قوله تعالى: (وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) [البقرة: ٤٨]: فمن ذهب إلى أن "فيه" محذوفة من قوله: (وَاتَّقُوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً) [البقرة: ٤٨] جعل "فيه" محذوفة بعد قوله: يقبل، ومن ذهب إلى أنه حذف الجار، وأوصل الفعل إلىة المفعول، ثم حذف الراجع من الصفة، كما يحذف من الصلة؛ كان مذهبه في قوله: "لا يقبل" أيضاً مثله، وحذف الهاء من الصفة يحسن كما يحسن حذفها من الصلة. ألا ترى أن الفعل لا يتسلط بحذف

стр. 2382

المفعول منه على الموصوف، كما لا يتسلط بذلك على الموصول، فمما حذف منه الراجح [من الصفة] إلى الموصوف قوله: وما شيء حميت بمستباح انتهى وقد استشهد به سيبويه في موضعين من كتابه لهذا، قال الأعلم: استشهد به لجواز حذف الهاء من الفعل إذا كان في موضع النعت، لأنه مع المنعوت كالصلة مع الموصول، والحذف في الصلة حسن [بالغ]، فضارعها النعت، فحسن الحذف فيه. خاطب عبد الملك بن مروان، فقال: ملكت العرب، وأبحت حماها بعد مخالفتها لك، وما حميت لا يصل إليه من خالفك لقوة سلطانك، وتهانة: ما سفل من بلاد العرب، ونجد: ما ارتفع، وكنى بهما عن جميع بلاد العرب. انتهى. وقال ابن خلف: و"ما" حرف نفي، وشيء: مرفوع بالابتداء، وحميت: صفته، وبمستباح: خبر المبتدأ، وقد يجوز أن تجعل "ما" حجازية عاملة إلا أن قائل هذا الضشعر جرير وهو تميمي، فحمله عن اللغة التيمية أولى، ولا يجوز أن تنصب شيئاً بحميت، لأنه لو فعل ذلك، لوجب أن يقول: وما شيئاً حميت مستباحاً، ويكون مستباحاً نعتاً لشيء، والنعت لا يكون فيه الباء الزائدة، وكان ينقلب معنى

стр. 2383

المدح، لأنه كان يصير التقدير: وما جميت شيئاً مستباحاً، أي: حميت شيئاً محمياً، وليس فيه مدح. وقوله: أبحث حمى تهامة، أي: قتلت أميرها ومن كان يمنع منها، يعنى عبد الله بن الزبير، وقوله: "بعد نجد" يريد أن بعد أن استبحت نجداً بقتلك أميرها، يعني: مصعب بن الزبير، وما شيء تحميه أنت يمكن أحد أن يستبيحه، يخاطب عبد الملك بن مروان. قال المبرد: يقال: حميت المكان، أي: منعت منه، وأحميته، أي: جعلته حمى لا يقرب. انتهى. والبيت من قصيدة لجرير مدح بها عبد الملك، تقدم ابيات منها في الإنشاد الحادي عشر من أول الكتاب. ولم يصب العيني في قوله: يمدح بالبيت يزيد بن مروان. قال ابن الأنباري في "أماليه": حدثنا أبي قال: ثنا أبو محمد عبد الله بن رسم، قال: قال يعقوب بن السكيت: حدثني عمارة بن عقيل، عن بعض أشياخهم، ن جرؤير قال: أوفدني الحجاج إلى عبد الملك بن مروان، عاشر عشرة، فدخلت عليه، وعنده الأخطل، فأنشدته: أتصحو أم فؤادك غير صاح ... عشية هم صحبك بالرواح فقال: لا بل فؤادك، وأورد القصيدة بتمامها، فقال: من كان مادحنا فليمدحنا هكذا، وأمر لي بمثابة ناقة، وثمانية من الأرقاء، وجام فضة. انتهى. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد السبعمائة: (٧٤٣) ويوماً شهدناه سليماً وعامراً تمامه: قليلاً سوى الطعن النهال نوافله

стр. 2384

على أن الأصل: شهدنا فيه فحذف "في" وكذا استشهد به سيبويه قال الأعلم: الشاهد فيه نصب ضمير اليوم بالفعل تشبيهاً بالمفعول به اتساعاً ومجازاً، والمعنى: شهدنا فيه، وسليم وعامر: قبيلتان من قيس عيلان، والنوافل هنا: الغنائم، يقول لهم: لم تغنم فيه إلا النفوس لما أوليناهم من كثرة الطعن. والنهال: الروية بالدم، وأصل النهل: أول الشرب، والعلل: الشرب بعد الشرب، والطعن هنا جمع طعنة. انتهى. وقال ابن خلف: الشاهد فيه أنه جعل ضمير اليوم كضمير المفعول به على سعة الكلام، ولم يضمر كما تضمر الظروف، وأصله أن يقول: ويوم شهدنا فيه سليماً وعامراً. قال أبو الحسن: الناهل: الذي قد روى، يعني: أن الرمح قد روي من الدم، قال: والناهل أيضاً: العطشان، والنهل أول الشرب، والنوافل: الغنائم وما يصيبه الجيشز يقول: هذا الذي شهدناه سليماً وعامراً قليلة نوافله إلا الطعن، والطعن ليس من النوافل، وهذا كقول الآخر: ليس بيني وبين قيس عتاب ... غير طعن الكلى وضرب الرقاب المعنى: أن هذا اليوم لا غنائم فيه، بل فيه طعن، وهم يصفون الرماح بالنهال، بعنون أنها عطاش إلى شرب الدم، وهذا على طريق المثل يريد: أن أصحابها حراص على الطعن والقتل. انتهى. واستشهد به صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب) [هود: ٦٥] على أن المراد: مكذوب فيه، فاتسع في الظروف بحذف الحرف وأجراه مجرى المفعول به كما في "شهدناه" أي: شهدنا فيه. قوله: ويوماً شهدناه، أي: شهدنا فيه يوماً منصوبا بفعل محذوف تقديره: واذكر يوماً، وروي بالجر على أن

стр. 2385

الواو واو رب، وروي بالفرع على الخبرية لمبتدأ محذوف تقديره: ذلك، وشهد: لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، وهنا متعد إلى اثنين، لأن الأول فيه معنى الظروف، ومن شأنه تعدي الفعل اللازم إليه، وشهده شهوداً، أي: حضره، والمشهد: محضر الناس، وسليماً: هو المفعول الذي يتعدى إليه شهد، وقليلاً: صفة ليوم، ونوافله: فاعله، وسوى: استثناء منقطع، ونهال: جمع نهل، كجبال: جمع جبل، يقول: واذكر يوماً شهدنا فيه هاتين القبيلتين قليلاً عطاياه سوى الطعن النهال، على التهكم، لأن الطعن ليس من النافل، أي: لا غنائم فيه، بل فيه الطعن، وهذا البيت من أبيات سيبويه الخمسين التي جهل قائلوها. والله عز شأنه أعلم به. وأنشد بعده: فيارب ليلى انت في كل موطن ... وأنت الذي في رحمة الله أطمع وتقدم في الإنشاد "الثاني" والأربعون بعد الثلاثمائة". وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والأربعون بعد السبعمائة: (٧٤٤) وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني تمامه: وأشتملت بيي من كان فيك يلوم وأبرزتني للناس حتى تركتني ... لهم غرضاً أرمى وأنت سليم فلو أن قولاً يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قول الوشاة كلوم وهذه الأبيات الثلاثصة أوردها أبو تمام في باب النسيب من "الحماسة" لامرأة أجابت به قول ابن الدمية: وظانت التي كلفتني دلج السرى ... وجون القطا بالجهلتين جثوم

стр. 2386

وأنت التي قطعت قلبي حزازة ... وقرفت قرح القلب وهو كليم وأنت الذي أحتفظت قومي فكلهم ... بعيد الرضا داني الصدود كظيم قال الأصفهاني في "الأغاني": اسم هذه المرأة أميمة. كان ابن الدمينة يعشقها، وهام بها مدة، فلما زصلته، تجنى عليها، وجعل ينقطع عنها، ثم زارها يوماً، فتعاتبها طويلاً، ثم أقبلت عليه، وقالت وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... الأبيات ... وجوابها لابن الدمينة، ثم تزوجها، ولم تزل عنده إلى أن قتل. قال الخطيب التبريزي: قوله: جون القطا، جمع جوني، وجثوم: جمع جاثم، رجثم الطائر: إذا ألصق صدره بالأرض، ويستعمل في السبع وغيره، والجهلة: ما استقبلك من الوادي، وقرفت: قشرت ولم يكن قد برأ، وكطم غيظه: إذا جرعه، وكظم البعير جرته: إذا ابتلعها، والكطم: مخرج النفس، ويقال للمحزون: كطيم. انتهى. وقال الإمام أبو الفضل أمين الدين الطبرسي في شرحه: الدبلج: السير بعض الليل، يقال: سار دلجة، أي: ساعة من الليل، ولذلك أضاف الدلج إلى السرى وهو سير الليل، فجرى مجرى إضافة البعض إلى الكل، والحزازة: وجع في القلب، وأحفظت: أغضبت. انتهى.

стр. 2387

وقال ابن الملا الحلبي في شرحه: وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني هو من الطويل، ولم أقف له على تنمة، ولا قائل. انتهى. وابن الدمينة شاعر إسلامي، تقدمت ترجمته في الإنشاد التاسع والعشرين بعد المائتين. وأنشد بعده وهو الإنشاد الخامس والأربعون بعد السبعمائة: (٧٤٥) نصف لانهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب لا يدري على أن جملة "الماء غامره" حال من النهار ولا رابط من ضمير، ولا واو يربطها به، فيجب أن تقدر الواو، أي: والماء غامرة، أو ضمير ذي الحال، أي: الماء غامره فيه، وهذا على رواية رفع النهار على أنه فاعل نصف، قال صاحب "المصباح" نصف الثاني أي: بلغ نصف نفسه، وهو من باب قتل، ويقال أيضاً: أنصف بالألف وتنصف، وانتصف النهار: بلغت الشمس وسط السماء وهو وقت الزوال. وروي بنصب النهار، فتكون الجملة حالاً من ضمير الغائص المستر في نصف، وهو فعل متعد مفعوله النهار، قال صاحب "المصباح": ونصفت الشيء نصفاً من باب قتل: بلغت نصفه، وعلى هذه الرواية في الجملة ضمير ذي الحال وهو الهاء، وبه استشهد المحقق الرضي، وقال: إن ضمير صاحب الحال إذا كان في آخر الجملة الحالية، فلا شك في ضعفه وقتله، وقد أثبت هاتين الروايتين العسكري في كتاب "التصحيف" قال فيه: قال الرياشي: الذي

стр. 2388

يروي: نصف النهار الماء الغامرة. يريد معنى الواو، أي: انتصف النهار والماء غامرة وهو تحت الماء يعني الغواص، وشريكه بالغيب، أي: بحيث يغيب عنه ولا يدري ما حاله، وإنما يغوص بحبل معه طرفه، وطرفه الآخر مع صاحبه. قال الرياشي: الحال إذا لم يرجع إلى الأول منها شيء، فهو قبيح في العربية، قال: وإذا صيرته ظرفاً، فهو جيد في العربية، قال المازني: الجيد نصب النهار على الظرف. انتهى. وكون نصب النهار على الظرف تجوز في الكلام، والصواب على المفعولية. والعجب من ابن الشجري في "أماليه" فإنه جعل الجملة من النهار المرفوع، وقال: الرابط الضمير، وهذا لا يصح، فإن الضمير ليس للنهار، وأعجب منه قول ابن السيد في شرح أبيات "أدبي الكاتب" في جعله الجملة حالاً، وصاحب الحال غير مذكور في هذا البيت، بل هو في بيت قبل هذا بأبيات قال: وجملة "الماء غامره" حال، وكذلك الجملة التي بعدها، وكان ينبغي أن يقول: والماء غامره؛ فيأتي بواو الحال، ولكنه امتفى بالضمير، ولو لم يكن في الجملتين عائد على صاحب الحال، لم يجز حذف الواو، وأما صاحب هاتين الحالين، فليس بمذكور في البيت، ولكنه مذكور في البيت الذي قبله وهو: كجمانة البحري جاء بها ... غواصها من لجة البحر انتهى. وأغرب من هذين الولين صنيع ابن جني في "سر الصناعة" فإنه حكم على هذه الجملة بأنه لا رابط لها، ثم نقض كلامه، فجعل الضمير رابطاً للحال بصاحبها المحذوف، وقد نقلنا كلامه، وكلام ابن الشجري وغير ذلك في الشاهد الثاني بعد المائتين من شواهد الرضي.

стр. 2389

والبيت من قصيدة للأعشى ميمون البكري، مدح بها قيس بن معدي كرب الكندي، وقد أجاد في التغزل بمحبوبته في أولها إلى أن شبهها بالدرة، ثم وصف تلك الدرة كيف استخرجت من البحر فقال: كجمانة البخري جاء بها ... غواصها من لجة البحر ثم وصف الغواصين بأبيات إلى قوله: نصف النهار الماء عامرة ... البيت ... والجمانة، بضم الجيم: حبة تعمل من فضة كالدرة. ومن أبيات المديح: أنت الرئيس إذا هم نزلوا ... وتواجهوا كالأسد والنمر ولأنت أشجع من أسامة إذ ... يقع الصراخ ولح في الذعر ولأنت أجود بالعطاء من الر ... يان لما ضن بالقطر ولأنت أبين حين تنطق من ... لقمان لما عي بالأمر لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنور ليلة البدر وقيس بن معدي كرب مات في الجاهلية، وهذه القصيدة نقلتها من ديوان العشى، وقد رواها له أبو عبيدة، وابن دريد وغيرهما، وأما الأصمعي، فقد أثبتها للمسيب بن علس الخماعي، وهو خال الأعشى ميمون، وهو جاهلي لم يدرك الإسلام، وقد أوردت ترجمته في الإنشاد التاسع والثلاثين، وترجمة الأعشى تقدمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة.

стр. 2390

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد السبعمائة: (٧٤٦) لقد كان في حول ثواء ثويته ... تقضى لبانات ويسام سائم على ان ثواء بالجر بدل من حول، وهو بدل الاشتمال، لأن الثواء في الحول، فالفعل مشتمل عليهما، أي: دال على كل واحد منهما، كما قال : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ) [البقرة: ٢١٧] فجر "قتالاً" على البدل من الشهر الحرام، لأن القتال فيه، والسؤال مشتمل عليهما معاً، والتقدير: يسألونك عن قتال في الشهر، وكذلك التقدير في البيت: لقد كان في ثواء حول ثويته/ وقول المصنف: وزعم ابن سيده أنه يجوز كون الهاء ... الخ. هذا كله كلام ابن السيد البطليموسي تلميذ ابن سيده قال في "شرح أبيات الجمل": جملة ثويته صفة لثواء، ويجب أن يكون في هذه الجملة ضميران، أحدهما: يعود للثواء الموضوف، وثانيهما للحول المبدل منه، فالهاء في ثويته للثواء، والعائد على الحول مقدر كأنه قال: ثويته فيه. وقد قال بعض من شرح "أبيات الجمل" من مشايخ عصرنا وهو ابن سيده: الهاء في ثويته يجوز أن تعود على الثواء، ويجوز أن تعود على الحول، وذلك خطأ، لأنه إذا أعاد هاء "ثويته" على الحول بقى الموصوف بلا رابط، وإذا جعلها عائدة على ثواء بقي المبدل منه بلا رابط، فلابد من تقدير ضمير آخر كما قلنا. انتهى.

стр. 2391

وقد تبع ابن سيده ابن هشام اللخمي في "شرح أبيات الجمل" أيضاً قال: الهاء في "ثويته" قيل: عائدة على الثواء، وقيل: عائدة على الحول، وهو الأقوى، وهو مفعوله على السعة، لأن الأصل ثويت فيه، فاتسع بحذف الحرف، وإنما قلنا: إنه الأقوى، لأن بدل البعض وبدل الاشتمال لابد فيهما من ضمير يعود على البدل منه. انتهى. وفيه ذهول عن جملة الصفة، ثم قال اللخمي: ومن روى "ثواء" بالنصب لم يكن في البيت شاهد، وانتصب الثواء على أنه مصدر، أو مفعول من أجله، ويجوز ثواء بالرفع على أن يكون اسم كان، وهو ضعيف، حكى ذلك بعضهم، وكان الاستاذ ابن الأخضر لا يجيز أن يكون "ثواء" في البيت بدل اشتمال، قال: وإنما هو بدل بعض من كل، وهو على حذف مضاف تقديره: في حول زمن ثواء. قال الأستاذ ابن أبي العافية: هذا فاسد إعراباً ومعنى، أما الإعراب، فلأن الزمن أعم من الحول، فكأنه أبدل الأكثر من الأقل، وإنما يبدل الأقل من الأكثر، وأما المعنى، فلإنه يخاطب نفسه ويوبخها على أن بقى مع محبوبته حولاً، ولم يقنع، ولو أراد بعض الحول لما كان به أن يوبخها، فإذا بطل هذا، صح الاشتمال، والمعنى: أنك تأنست بهريرة حولاً، وقضيت اللبانة فيه من وصلها، فدعها لما يعنيك من الذب عن حسبك، ومعاتبة معاندك، والفخر بقومك، وأشار إلى ها بقوله: فدعها لما يعنيك واعمد لغيرها ... بشعرك وارغم أنف من أنت راغم انتهى كلامه. وأنشده سيبويه برفع "يسأم" قال في "الكتاب": وسألت الأخفش عن قول الأعشى:

стр. 2392

"لقد كان في حول ... البيت" فرفعه، وقال: لا أعرف فيه غيره، لأن أول الكلام خبر وهو واجب، كأنه قال: ففي حول تقتضي لبانات ويسأم سائم. هذا معناه. قال أبو الحسن: النحوين يقولون: تقضي لبانات ويسأم سائم، نصبوا "يسأم" لأن تقضي اسم. انتهى. قال الأعلم: الشاهد فيه رفع يسأم، لأنه خبر واجب معطوف على تقتضى، واسم كان مضمر [فيها] والتقدير: لقد كان الأمر تقضى لبانات في الحول الذي ثويت فيه، ويسأم من أقام به لطوله، يخاطب به نفسه، والثواء: الإقامة، وهو بدل من الحول، ويجوز نصبه على تقدير ثويته ثواء. ويروى "تقضي لبانات ويسأم سائم" بالنصب على إضمار أن، والعطف على تقضي. انتهى. قال اغلإمام العسكري في كتاب "التصحيف" قال أبو العباس محمد بن يزيد: النحويون ينشدون "تقضي لبانات ويسأم سائم" برفع يسأم، لأنه عطف على فعل وهو تقضى، فلايكون إلا رفعاً، ومن قال: "تقضي لبانات" قال: "ويسأم سائم" بالنصب، لأن "تقضي" اسم، فلم يجز أن يعطف عليه فعل، فأضمر "أن" ليجري المصدر على المصدر، فصار تقضي لبانات، وأن يسأم سائم، أي: وما سئمه سائم. انتهى. وقال أبو جعفر النحاس في "شرح شواهد سيبويه" قوله: ثواء بالجر بدل اشتمال من حول، أي: في ثواء حول، ويجوز ان يروى ثواء بالنصب، أي: ثويته ثواء، واسم كان كالأول ضمير الشأن، ويجوز أن يكون اسمها تقضي على رواية المصدر، و"في حول" خبرها، ويجوز على هذه الرواية نصب ثواء، ويروى

стр. 2393

ثواء بالفرع وبرفع تقضي لجعله بدلاً من ثواء، وفي حول أيضأ الخبر، ويجوز أن يرفع يسأم في هذا كله بقطعه عن الأول. انتهى. وهذا البيت من قصيدة للأعشى ميمون عاتب بها يزيد بن مسهر الشيباني، وتهدده لسبب وقه بينهما. ذكرته في الشاهد التاسع والثلاثين بعد الستمائة من شواهد الرضي، وهذا مطلع القصيدة: هريدة ودعها وإن لام لائم ... غداة غد أم أنت للبين واجم لقد كان في حول صواء ثويته ... .... البيت قال المبرد في "الكامل" هريرو منصوب بفعل مضمر يفسره ودعها، ويجوز رفعه، والأول أحسن، وهريرة، بالتصغير، قينة، وقيل: أمة سوداء، كان العشى ينسب بها، وقيل: إن الأعشى سئل عنها، فقال: لا أعرفها، وإنما هو ألقي في روعي، وغداة: ظرف متعلق ب"ودع"، ويجوز أن يتعلق ب"لام"، و "أم" منقطعة بمعنى بل، والبين: الفراق، والواجم، بالجيم: الشديد الحزن حتى لا يطيق على الكلام، واللبانة بضم اللام: الحاجة، ثم بعد أن وضفها بأبيات، قال: يزيد يغض الطرف دوني كأنما ... زوى بين عينيه على المحاجم فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ... ولا تلقني إلا وأنفك راغم أبا ثابت لا تعلقنك رماحنا ... أبا ثابت واقعد وعرضك سالم

стр. 2394

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والأربعون بعد السبعمائة: (٧٤٧) فمن تكن الحضارة أعجبته .... فأي رجال بادية ترانا على أن الرابط محذوف، قدره الزمخشري بقوله: فلسنا على صفته، وهو أول أبيات خمسة للقطامي، مذكورة في ديوانه، وأوردها المبرد في "الكامل"، وأبو تمام في "الحماسة" بفضل فيها عيش أهل البادية على عيش أهل الحاضرة. وفي ديوانه: "من تكن الحضارة" بدون واو أو فاء، على الخرم، بالخاء المعجمة والراء المهملة. قال جامع ديوانه، أبو سعيد السكري: الحضارة: الحضر، يقال: هو من أهل الحضارة، أي: من أهل الحضر. انتهى. والحضارة، بكسر الحاء وفتحها، معناها الإقامة في الحضر، أي: القرية والمدينة، خلاف البداوة وهي الإقامة في البدية والتعيش فيها. قال المبرد في "الكامل": قوله الحضارة، يريد الأمصار، وتقول العرب: فلان حاضر، وفلان باد، انتهى. وقوله: فأي رجال، أي: اسم استفهام يدل على الكمال، منصوب بترى. قال الطبرسي: وأي هذه تضاف إلى النكرة، تقول: مررت برجل أي برجل: إذا جعلته صفة، وأي رجل أخول: إذا جعلته خبراً، ويراد به المدح والتفخيم، كأنك قلت: نهاية في الرجولية أخوك، يقول: من أعجبه رجال الحضر، فإي أناس بدو نحن، والمعنى: ترانا سادة البدو. انتهى. وفي ديوانه: فأي أناس بادية ترانا ... وبعده:

стр. 2395

ومن رط الجحاش فإن فينا ... قنا سلبا وأفراساً حسانا وكن إذا أغرن على جنابِ ... وأعوزهن كوز حيث كانا أغرن من الضباب على حلال ... وضبة إنه من حان حانا وأحياناً على بكر أخينا ... إذا ما لم نجد إلا أخانا سلب: بفتح السين وكسر اللام، قال السكري: سلباً: طوالاً، يقال: عود سلب، وفرس سلب، وقوله: وكن إذا أغرن، أي: الأفراس، وأراد أصحابها، وأغرن من الإغارة على العدو، وأعوزهن: أحوجهن، قال السكري: جناب بن دهبل بن عبد الله، وينتهي نسبه إلى وبرة بن تغلب، وكوز بن مؤلة، وينتهي نسبه إلى دودان بن أسد، والصباب، بالسكر: اسم معاوية بن كلاب بن ربيعة، وحلال، بالكسر: أصرام يناوح بعضها بعضاً، يريد أبياتاً يقابل بعضها بعضاً، ويقال: حي حلالك، أي: كثير، وضبة بن أد بن طابخة. انتهى. وقال التبريزي: إنهم ىعتيادهم الغارة لا يصبرون عنها حتى إذا أعوهم الأباعد، عطفوا على الأقارب، وقوله: "إنه من حان حانا" كأنه التفت إلى إنسان، فقال له: إنه من أهلك بغزو، فقد أهلك، وقوله: "وأحياناً على بكر"، أي: وأغرن أحياناً على بكر، وبكر أخو تغلب لأنهما أبناء زائل، والقطامي: صاحب الشعر، تغلبي. وروى المبرد البيت الثالث كذا: وكن إذذ أغرن على قبيل ... فإعوزهن كوز حيث كانا ويقال: حي حلالك: إذا كانوا متجاورين مقيمين. انتهى. وترجمة القطامي تقدمت في الإنشاد الثامن والخمسين بعد المائتين.

стр. 2396

وأنشد بعده: ولو أنما أسعى لأدنى معيشة ... البيت ... تقدم الكلام عليه في الإنشاد الثاني عشر بعد الأربعمائة. وقد أورده سيبويه في أوائل كتابه قال: وإنما قلت: ضربت وضربني قومك، فلم تجعل في الأول الهاء والميم، لأن الفعل قد يكون بغير مفعول، ولا يكون الفعل بغير فاعل، وقال امرؤ القيس: فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... البيت ... فإنما رفع، لأنه لم يجعل القليل مطلوباً، وإنما كان المطلوب عنده الملك، وجعل القليل كافياً، ولو لم يرد ذلك ونصب، فسد المعنى. انتهى كلامه. قال ابن خلف: الشاهد فيه إعمال "كفاني" ولم يجز أن يعمل قوله: "لم أطلب" في "قليل" فينصبه، لأنه لو فعل هذا فسد معنى البيت، وذلك أن "لو" لانتفاء ما تضمنه معنى البيت الذيهو جوابها لأجل انتفاء معنى الكلام الذي هو بعدها، وعلة امتناع كون جوابها هو أن ما بعدها لم يقع، ألا ترى أنك تقول: لو جشتني لم أكرمك، ولصار معنى الكلام، لو وقع مجيئك، امتنعت كرامتي لك، فيكون المجيء سبباً لامتناع الإكرام، وأنه متى جاء لم يكرمه، واعلم أن شرط إعمال الفعلين أن يكون لهما معمول واحد يصح أن يعمل فيه كل منهما، كقولك: "ضربني وضربت زيداً" يجوز أن يعمل في زيد: ضربت، فينصبه، ويجوز أن

стр. 2397

يعمل فيه ضربني، فيرفعه، فإن كان لكل واحد منهما معمول غير معمول الآخر، لم يكن من هذا الباب، وكان من عطف الجملة على لجملة كقولك: ضربني زيد، وضربت عمراً، فعلى هذا ينبغي أن لا يكون بيت امرئ القيس من هذا الباب، لأن كفاني يطلب القليل، و "أطلب" يطلب الكثير، فاختلفا، فلم يكن من هذا الباب. ألا ترى أنك لو أعملت الفعل الأول، لوجب الإضمار في الثاني؛ كقولك: "أكرمني وأكرمته زيد" لابد من الهاء، وأنت في قولك: "كفاني ولم أطلب قليل" لا يصح أن تقول: ولم أطلبه، لأن الهاء لم يتقدم لها ذكر، ولا بعدها ما يفسرها، وغنما معمول "أطلب" شيء غير القليل، وهو الكثير، فعلمت من هذا أن بيت امرئ القيس ليس من هذا الباب. وقال علي بت عيسى الربعي في شرح "الإيضاح" في هذا البيت المعنى: كفاني قليل من المال، ولم تجئ الهاء كما جيءي بها في أكرمني وأكرمته زيد لما أعمل لأن في "أكرمني وأكرمته زيد" كان "زيد" فاعلاً مفعولاً، وفي هذا البيت ليس المفعول الفاعل، لأن الكافي المال، والمطلوب الملك، فصار كفاني قليل من المال ولم أطلب الملك، إلى هنا كلام ابن خلف. وكذا في "تذكرة أبي حيان" وابن الأنباري في كتاب "الإنصاف في مسائل الخلاف". وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والأربعون بعد السبعمائة: (٧٤٨) فأتت به حوش الفؤاد مبطناً تمامه: سهداً إذا ما نام ليل الهوجل

стр. 2398

على أن إضافة حوش إلى الفؤاد لفظية لا تفيد تعريفياً؛ بديل أنه حال من الهاء. والبيت من قصيدة لأبي كبير الهذلي، وتقدم أبيات من أولها في الإنشاد الحادي عشر بعد المائة. ونشرح، إن شاء الله تعالى، الأبيات التي قبل هذا البيت وبعده في الباب الثامن. وقوله: فأتت به، أي: فولدته. قال السكري في شرحه: الهوجل: الوخم الثقيل، فأتت به يعني: أمه، حوش الجنان، يعني وحشي الجنان، ومبطناً: خميص البطن، سهداً: يعني يقوظاً لا ينام. انتهى. وضمر البطن محمود في الذكور، وفي "العباب" للصاغاني: رجل حوش الفؤاد، أي: حديث الفؤاد، وأنشد البيت، والسهد، بضمتين: القليل النوم، قال المبرد في "الكامل": قال آخر يصف ابنه: أعرف منه قلة النعاس أي: الذكاء والحركة وكان عبد الملك يقول لمؤدب ولده: علمهم العوم، وخذهم بقلة النوم، وكذلك قال أبو كبير الهذلي: فأتت به حوش الجنان مبطناً ... . . . . . البيت

стр. 2399

وقال الآخر: فجاءت به حوش الفؤاد مسهداً ... وأفضل أولاد الرجال المسهد وقال رسول الله، ﷺ : "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي". انتهى. وإسناد نام إلى ليل: مجاز، وحقيقته: إذا ما نام الهوجل في الليل. وترجمة أبي كبير تقدمت هناك. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والأربعون بعد السبعمائة: (٧٤٩) يارب غابطنا لو كان يطلبكم ... لاقى مباعدة منكم وحرمانا على أن إضافة "غابط" إلى الضمير للتخفيف لا تفيده تعريفاً بدليل دخول "رب" عليه، وهي مختصة بالنكرة، وقد أورده سيبويه في كتابه. لذلك قال أبن خلف: الشاهد فيه أن "غابطنا" نكرة لدخول "رب" عليها، ورب لا تدخل إلا على نكرة، وأن هذه الإضافة لم تعرفه، يريد: "غابط لنا"، والغابط: أن يتمنى لنفسه مثل ما لغيره، من غير أن يريد زوالها عنه، يقول: رب رجل يطن أنا نظفر منكم بما رغبناه، وأنكم تبذلون لنا من فضلكم مات املناه، فيغبطنا على ذلك، ولو طلب وصلكم كما نطلب، لم يظفر منكم بشيء مما كان يرغب. قال اللخمي

стр. 2400

في "شرح أبيات الجمل": رب تتعلق بفعل محذوف دل عليه "لاقى" عند أبي علي، وهو الصحيح، لأن ما تعمل فيه رب لابد له من صفة، والجملة في موضع خفض على الصفة لغابط، وعند غيره تتعلق ب"لاقى" وهي وما بعدها في موضع نصب، ومنكم: متعلق ب"لاقى"، والبيت لجرير من قصيدة هجابها الأخطل، وقبله: إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا يارب غابطنا ... البيت. وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر. وانشد بعده، وهو الإنشاد الخمسون بعد السبعمائة: (٧٥٠) إنارة العقل مكسوف بطوع هوى ... وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا على أن المضاف اكتسب التذكير من المضاف إليه بدليل الإخبار عنه بقوله: مكسوف، ولم يقل: مكسوفة، قال أبو حيان في "شرح التسهيل": لكنه قليل، وليس كتأنيث المذكر لتأنيث المضاف إليه. وأنشد هذا البيت مع أبيات أخرى، ثم قال: وجعل المصنف من هذا القبيل قوله تعالى: (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِين) [الشعراء: ٤] ولم يقل خاضعات، لأن بالإضافة سرى إليها التذكير من المضاف إليه، وهو الضمير. انتهى. قال العيني: إن قائله من المولدين، وهو معنى مليح، وفيه موعظة كبيرة.

стр. 2401

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والخمسون بعد السبعمائة: (٧٥١) طول الليالي أسرعت في نقضي ... نقضن كلي ونقضن بعضي على أن المضاف اكتسب التأنيث من المضاف إليه، ولهذا قال: أسرعت ولم يقل: أسرع، قا أبو حاتم في كتاب "المعمرين": وعاش الأغلب العجلي دهراً طويلاً، وقال: إن الليالي أسرعت في نقضي ... أخذن بعضي وتركن بعضي حنين طولي وحنين عرضي ... أقعدنني من بعد طول نهض انتهى. وقال الأصفهاني في "الأغاني": هذا الرجز للأغلب العجلي، وهو الغلب بن جثم أحد المعمرين، عمر في الجاهلية عمراً طويلاً، وأدرك الإسلام، فأسلم، وحسن إسلامه، وهاجر، وتوجه إلى الكوفة مع سعد بن أبي وقاص، فاستشهد في وقعة نهاوند، ويقال: إنه أول من رجز الأراجيز، فجعله قصائد، ثم تبعه الناس. انتهى. وأورد سيبويه هذا البيت في كتابه، قال ابن خلف: الشاهد في هأنه قال: أسرعت، فأنت ضمير أسرعت، ويجب ان سكون مذكراً، لأنه عائد على طول، وهو مذكر، وإنما أنثه، لأنه أضافه إلى الليالي، وليبس الطول شيئاً غيرها،

стр. 2402

فاكتسب منها التأنيث، وكذا القول في رواية "مر الليالي"، وأما الرواية: "إن الليالي"، وأرى الليالي"، فلا شاهد فيها. والأغلب في اللغة: العهظيم الرقبة، والعجلي: نسبة إلى عجل: قبيلة من ربيعة وهو عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. قال الآمدي: من يقال له الغلب: منهم الأغلب العجلي الراجز وهو الأغلب ابن عمرو بن عبيدة بن حارثة بن دلف بن جشم بن قيس بن سعد بن عجل بن لجيم [ابن الصعب بن علي بن بكر بن وائل] وهو أرجز الرجاز وأرصنهم كلاماً، وأوضحهم معني، ومنهم الأغلب الكلي، واسمه بشر بن حزرم، ومنهم الأغلب بن نباته الأزدي، ثم الدوسي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والخمسون بعد السبعمائة: (٧٥٢) وما حب الديار شغفن قلبي تمامه: ولكن حب من سكن الديارا وقبله: أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

стр. 2403

وهما لقيس العامري الشهير بمجنون ليلى، والكلام كالكلام فيما قبله، وترجمة مجنون ليلى تقدمت في الإنشاء السابع عشر من أوائل الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والخمسون بعد السبعمائة: (٧٥٣) وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم على أن "صدر" اكتسب التأنيث من القناة بالإضافة، ولذلك أنث الفعل المسند إليه وهو "شرقت" وأورده سيبويه في كتابه، قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه أنث "شرقت"، والفعل "للصدر"، لأنه مضاف إلى القناة، وهو بعضها، فالخبر عنه كالخبر عما أضيف إليه، لأن المعنى في شرقت القناة، وشرق صدر القناة واحد: لأن الضاف يكتسب من المضاف إليه عشرة أشياء، وهي: التعريف، والتنكير، والاستفهام، والشرط، والتأنيث، والتذكر، والبناء، ومعنى الظرف من الزمان والمكان، ومعنى المصدر، وقال المبرد في هذا: مجاظه الضرورات عند النحويين، وليس عندي كذلك، بل هو جائز في غير الشعر، وإن منه قراءة الحسن: (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) [يوسف: ١٠] قال: وصدر القناة من القناة، وذكر قول الله : (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِين) [الشعراء: ٤]

стр. 2404

[الشعراء/٤]، ويجوز أن يقحم الصدر، ويعتمد على القناة. قال شيخنا أبو محمد عبد الله بن بري: صواب إنشاد البيت "وتشرق" بالنصب عطفاً على "تهره" في بيت قبله، وهو: لئن كنت في جبٍ ثمانين قامة ... ورقيت أسباب السماء بسلم ليستد رجنك القول حتى تهره ... وتلعم أني لست عنك بمحرم وتشرق بالقول ... البيت يخاطب الأعشى بهذا الشعر عمير بن عبد الله لبن المنذر. من بني ثعلبة يقول: أنت لا تعتصم من هجائي بشيء، ولا يمكنك دفعه، فلئن جعلت في قرار الأرض، أو أصدعت إلى السماء، ليلحقنك من هجائي ما لا تطيقه، والجب: البئر القديمة، ووصفها بأن طولها ثمانون قامة، وأسباب السماء: المواضع التي يتوصل إليها منها، أراد: ورقيت إلى أسباب السماء، فحذف حرف الجر، ولم يرد لئن كنت في جب في حال، ورقيت أسباب السماء في حال أخرى، ولم يمكنه أن يقول: أو رقيت لآجل الشعر، والاستدراج: إيقاع الإنسان في بلية ما كان ثيشعر بها، وتهره: تكرهه، والقول الذي قد أذاعه: هو الذي نشره، وحدث به من يحمله إلى الآفاق، يعني: ما نشره من سب الأعشى وشتمه، والمحرم: الذي قد دخل في الشهر الحرام، والداخل في البلد الحرام، وهو المحرم بالحج، وهو الذي له حرمة وذمام، يقول: لست أمتنع من هجائك في حال من الأحوال، كما يمتنع الذي يدخل في الشهر الحرام، والبد الحرام من أن يقاتل أحداً، أو يؤذيه. ومعنى تشرق: ينقطع كلامك في حقك، يرد: أنه ينقطع كلامك حتى

стр. 2405

لا تقدر على أن تتكلم لما تسمعه من هجائي لك، كما شرقت صدر القناة، يريد: أن الدم إذا وقع على صدر القناة، وكثر عليها، لم يتجاوز الصدر إلى غيره لأنه يجمد عليه، فأراد أن كلامه يقف في حلقه، ولا يمكنه إخراجه كما يقف الدم على صدر القناة، فلا يذهب، وقال سليمان بن يوسف بن عيسى النحوي: يخاطب بالبيت يزيد بن مسهر الشيباني، وكانت بينهما مباينة ومهاجاة. إلى هنا كلام ابن خلف، وهذا كلام المبرد في "الكامل" عند قوله جرير: إذا بعض السنين تعرقتنا ... كفى الأيتام فقد أبي اليتيم قال قوله: "إذا بعض السنين تعرقتنا" يفسر على وجهين، أحدهما: أن يكون ذهب إلى أن بعض السنين، لأنه سنة وسنون، كما قال الأعشى: وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... . . . . . البيت لأن صدر القناة قناة، ومن كلام بعض العرب: ذهبت بعض أصابعه، لأن بعض الأصابع أصبع، فهذا قول، والأجود: أن يكون الخبر في المعنى عن المضاف إليه، وأقحم المضاف توكيداً، لأنه غير خارج من المعنى، وفيكتاب الله (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِين) [الشعراء: ٤] إنما المعنى: فظلوا لها خاضعين، والخضوع بين في الأعناق، فأخبر عنهم، فأقحم الأعناق توكيداً، وكان أبو زيد الأنصاري يقول: أعناقهم: جماعتهم، ويقول: أتاني عنق من الناس، والأول قول عامة النحويين. انتهى. وأورده الفراء في "تفسيره" عند قراءة الحسن: (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ [يوسف: ١٠] وقال: العرب إذا أضافت المذكر إلى المؤنث وهو فعل له، أو هو

стр. 2406

بعض له، قالوا فيه بالتأنيث والتذكير، وأنشد أبياتاً وقال: وإنما جاز هذا كله، لأن الثاني يكفي عن الأول، ألا ترى أنه لو قال: تلتقطه السيارة، لجاز، ولا يجوز: ضربتني غلام جاريتك، لأنك لو ألقيت الغلام، لم تدخل الجارية على معناه. وكذلك قال في سورة لقمان عند قوله تعالى: (يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ) [لقمان: ١٦] برفع مثقال لو قرئ به، قال: وجاز تانيث "تك" زالمثقال ذكر، لأنه مضاف إلى الحبة، والمعنى للحبة، فذهب التأنيث إليها كما قال: وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... . . . . . البيت وأنشد صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا) [آل عمران: ١٠٣] بإرجاع ضمير "منها" إلى "شفا" وهو مذكر لإضافته إلى مؤنث. وشرق يشرق من باب "فرح" بمعنى غص، يقال: شرق بالماء وبريقه: إذا لم يطق بلعه، وغص باللقمة، يريد: وتشرق بكلامك بسبب القول الذي قلته في، وهجوتي به، فاستعمال الشرق في الموضعين استعارة عن عدم القدرة على الكلام في الأول، وعن جمود الدم على صدر القناة من غير تجاوزت عنه في الثاني، و "ما" في "كما" مصدرية، والمعنى: تشرق بسبب القول الذي أفشيته للناس من هجائي كشرق صدر القناة بالدم، ولا تشربه، والمراد: أنه إذا هجاه لا يبرح عنه هجوه

стр. 2407

كالشرق لا يرتقي ولا ينحدر إلى يموت صاحبه فيه. وقوله: لست عنك بمحرم، أي: لست أمتنع من هجائك كما يمتنع الذي يدخل في الشهر الحرام، أو البلد الحرام، وروي: "عنك بمفحم" بفتح الحاء المهملة، وهو الذي لا يقدر على التكلم من شدة غيطه، حتى يصير وجهه كالفحم أسود. هذا أصله، ثم صار بمعنى الذي لا يجيد القول، من باب استعمال المقيد في المطلق. وهو الكأس يهرها، بالضم، عن المبرد وبالكسر عمن سواه هراً وهريراً: إذا كرهها، والهر، بالكسر الاسم، وفي المثل: "لا يعرف هراً من بر" أي: لا يعرف من يكرهه ممن يبره. والأبيات من قصيدة للأعشى ميمون البكري، وترجمة الأعشى تقدمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والخمسون بعد السبعمائة: (٧٥٤) تجنب صديقاً مثل ما واحذر الذي ... يكون كعمرو بين عرب وأعجم فإن صديق السوء يردي، وشاهدي: كما شرقت صدر القناة من الدم قال المصنف: مراده ب "ما" الكتابة عن الرجل الناقص كنقص ما الموصولة، قال الدماميني: ليس المراد الكناية، وإنما المراد تبيه الصديق المأمور بتجنبه بما

стр. 2408

الموصولة بالاتصاف بالنقص، والحذر من الشخص الذي يكون شهيباً بعمرو في التزيد، وأخذ ما ليس له. انتهى. والأولى أن يقول: بما الناقصة كالموصولة والموصوفة. قال الصفدي في شرح "لامية العجم": ويحتمل أن يكون أراد أن يكون أراد بالذي تراه كعمرو الذي في قول الشاعر: المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار والأول أليق وأنسب. وقوله: فإن صديق السوء يزري، أي: يحقر صاحبه كما أن المذكر لما صاحب المؤنث في قوله: "كما شرقت صدر القناة"، صار مؤنثاً، فانحط عن رتبته، فصار حقيراً. وابن حزم هو على بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد الفارسي، أبو محمد القرطبي، ثم اللبلي، بفتح اللام وسكون الموحدة ثم لام، الفقيه الظاهري، صاحب التصانيف، ولد بقرطبة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، نشأ في نعمة ورياسة، وكان أبوه من الوزراء، وولي هو وزارة بعض الخلفاء من بني أمية بالأندلس، ثم ترك، واشتغل في صباه بالأدب والمنطق والعربية، وقال الشعر وترسل، ثم أقبل على العلم، فقرأ "الموطأ" وغيره، ثم تحول شافعياً، فمضى على ذلك وقت، ثم انتقل إلى مذهب الظاهر، وتعصب له، وصنف فيه، ورد على مخالفيه، وكان واسع الحفظ جداً، إلا أنه لثقته بحافظته كان يهجم في القول في التعديل والتجريح، فيقع له أوهام شنيعة، ثم تعصب عليه فقهاء المالكية بأمراء تلك الديار، فمنعوه وآذوه، وطردوه، وحرقوا كتبه علانية، وكان مما يزيد في بغض الناس له تعصبه لبني أمية ماضيهم وباقيهم، واعتقاده لصحة إمامتهم حيث نسب إلى النصب. كذا في "لسان الميزان" لابن حجر. وأنشد بعده: أنا أبو المنهال بعض الأحيان على أن "بعض" اكتسب الظرفية من إضافته إلى اسم مؤقت، وتقدم شرح هذا الشعر في الإنشاد الثامن والسبعين بعد الستمائة. وأنشد بعده: أي يوم سررتني بوصال ... لم ترعني ثلاثة بصدود

стр. 2409

وتقدم الكلام عليه في الإنشاد السادس عشر بعد المائة. وأنشد بعده: ستعلم ليلى أي دين تداينت ... وأي غريم في التقاضي غريمها وتقدم في الإنشاد السادس والخمسين بعد الستمائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والخمسون بعد السبعمائة: (٧٥٥) عليك بأرباب الصدور فمن غدا ... مضافاً لأرباب الصدور تصدرا الأبيات الثلاثة. قال الدماميني: وقوله: "مغرياً" يرجع إلى قوله: "عليك بأرباب"، وقوله: "محذراً" ناظر إلى قوله: "وإياك أن ترضى" فإن قلت: قوله: "يبين قولي مغرياً ومحذراً". لا يصح أن يكون خبراً عن المبتدأين المعطوف

стр. 2410

أحدهما على الآخر من قوله: "فرفع أبو من، ثم خفض مزمل"، ولا خبراً عن أحدهما، أما الأول، فلعدم المطابقة، إذ لم يقل يبينان، وأما الثاني، فلاشتمال الجملة على قيد لا يصح تعلقه بكل منها، وذلك لأن رفع "أبو من" لا يبين قوله "مغرياً ومحذراً". وإنما يبين وقله: مغرياً فقط، وخفض "مزمل" أيضاً لا يبين في الحالتين وإنما يبين في حالة التحذير، فكيف السبيل إلى تصحيح الكلام؟ قلت: السبيل إليه أن يجعل قوله "مغرياً" قيداً للمحذوف لا للمذكور، ويجعل "يبين قولي" بلا قيد، خبراً عن أحدهما، وخبر الآخر محذوفاً، والتقدير، على أن يكون الحذف من الثاني مثلاً: فرفع "أبومن" "يبين قولي"، وخفض "مزمل" كذلك، هما يبينان قولي: "مغرياً ومحذراً". واعلم ان الفاء وثم إذا وقع بعدهما ضمير، فإن كان ذلك الضمير فيما هو من مقام الخبر عن المعطوف بهما مع المعطوف، ففي مطابقته لهما خلاف. قال بعضهم: يجب حذف الخبر من أحدهما نحو: زيد فعمرو قائم، وزيد ثم عمرو قاشم، ولا يجوز المطابقة، فلا يقال في شيء من الصورتين: قاما مثلا، لأن تفاوتهما فيالترتيب يمنع اشتراكهما في الإضمار، وأجاز الباقون مطابقة الضمير هذا هو الحق نحو: زيد ثم عمرو قاما، إذ الاشتراك في الضمير لا يدل على انتقاء الترتيب حتى يناقض الفاء وثم، وهذه الأبيات لأمين الدين المحلي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والخمسون بعد السبعمائة: (٧٥٦) كأن أباناً في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل على أن "مزملاً" حقه الرفع، لأنه صفة "كبير"، لكنه خفض بمجاورة المخفوض، وقد صرح المصنف في بعض تعليقاته أنه خفض لمجاورة "بجاد"،

стр. 2411

وكذا قال أبو حيان في "تذكرته" وقال المحقق الرضي: لمجاورته "أناساً" تقديراً لا ل"بجاد"، لتأخره عن "مزمل" في الرتبة، فإن قوله "في بجاد" متعلق ب"مزمل" ولم يجعل أبو علي خفضه على المجاورة، بل جعله صفة ل"بجاد" قال: أراد: في بجاد مزمل فيه، ثم حذف حرف الجر، فارتفع الضمير واستر في اسم المفعول. والبيت من معلقة امرئ القيس، والرواية: كأن ثبيراً في عرانين وبله وثبير: جبل بمكة، والعرانين، الأوائل، والأصل في هذا قولهم للأنف: عرنين استعير لأوائل المطر، لأن الأنوف تتقدم الوجوه، والوبل: مصدر وبلت اسماء تبل وبلاً: إذا أتت بالوابل، وهو ما عظم من القطر. وضمير "وبله" راجع للسحاب في بيت قبله، والبجاد بكسر الموحدة بعدها جيم: وهو كساء مخطط من أكسية الأعراب من وبر الإبل وصوف الغم، والمزمل: الملتف. قال الزوزني: يقول: كأن ثبيراً في أوائل مطر هذا السحاب سيد أناس ملتف بكساء مخطط شبه تغطيه بالغثاء بتغطي هذا الرجل بالكساء. انتهى. قال الخطيب التبريذي نقلاً عن أبي نصر إن امرأ القيس شبه الجبل وقد غطاه المال والغثاء الذي أحاط به إلا رأسه بشيخ في كساء مخطط، وذلك أن رأس الجبل يضرب إلى السوداء، والماء حوله أبيض. انتهى. وقال الدينوري: شبه ثبيراً برجل مزمل بالثياب، لأن المطر لما سمح سره. وروى المبرد في "الكامل" تبعاً للأصمعي: كأن أبانا في أفانين ودقه ... إلى آخره .. قال: أبان جبل، وهما أبانان: أبان الأسود، وأبان الأبيض، وقوله: في أفانين ودقه. يريد ضروباً، والودق: المطر، فصار له كاللباس على الشيخ المتزمل، وقال آخرون: إنما أراد ما كساه المطر من خضرة النبت، وكلاهما حسن، وذكر

стр. 2412

الودق لأن تلك الخضرة من عمله. انتهى. وقد بسطنا الكلام على هذا البيت بأكثر من هذا في الشاهد الخمسين بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع من أول الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والخمسون بعد السبعمائة: (٧٥٧) وقالت متى يبخل عليك ويعتلل ... يسؤك وإن يكشف غرامك تدرب على أن نائب الفاعل ل"يعتلل" ضمير المصدر المستر فيه. قال الدمياميني: لا حاجة إلى هذا الذي ذكر أنه لابد منه عنده، فإن الضمير النائب عن الفاعل راجع إلى المصدر المعهود، أي: الاعتلال، وهذا على رواية يبخل ويعتلل ويكشف بالبناء للمفعول، وأما على رواية هذه الأفعال بنون التكلم، فلا، لأنها تكون مبينة للمعلوم، وهي رواية أبي سعيد السكري في شرح ديوان امرئ القيس، والأولى رواية الأعلم الشتمري في شرح الأشعار الستة، والبيت لامرئ القيس من قصيدة اختلف في قائلها فمن رواها لامرئ القيس كان مطلعها عنده: خليلي مرا بي على أم جندب ... لنقضي حاجات الفؤاد المعذب ومن رواها لعلقمة بن عبدة التميمي كان مطلعها عنده: ذهبت من الهجران في غير مذهب ... ولم يك حقاً كل هذا التجنب ومن رواها له لم يرو البيت الشاهد له. قال السكري في شرح ديوان امرئ

стр. 2413

القيس قال هشام بن الكلبي: أخذ أبو عمرو الشيباني هذا الحديث عن المفضل زعموا أن امرأ القيس بن حجر تزوج امرأة من طي، وكان مفكراً، فلما كان ليلة ابتنى بها، أبغضته، فجعلت تقول: أصبح ليلي يا خير الفتيان أصبحت! فينظر فيرى الليل كهيئته فلم تزل بذلك حتى أصبح، فزعموا أن عقلمة بن عبدة التميمي ثم أحد ربثيعة بن مالك نزل به، وكان من فحول أهل الجاهلية، وكان صديقاً له، فقال: أحدهما: أينا أشعر؟ فقال هذا: أنا، وقال الآخر: أنا، فتلاحيا حتى قال امرؤ القيس: انعت ناقتك وفرسك، وانعت ناقتي وفرسي. قال: فافعل، والحكم بيني وبينك هذه المرأة من ورائك. يعني: امرأته الطائية، فقال امرؤ القيس خليلي مرا بي على أم جندب ... . . . . . البيت. ومنها: ألم ترياني كلما جئت طارقاً ... وجدت بها طيباً وإن تطيب فإن تنأ عنها حقبة لم تلاقها ... فإنك مهما أحدثت بالمجرب وقالت متى يبخل عليك ويعتلل ... يسؤك وإن يكشف غرامك تدرب قال السكري: تنأى: تبعد، نأيته ونأيت عنه، والبعد: النأي، وحقبة: زمناً. يقول: فإن تنأ عنها حقبة فيما تستقبل، فإنك ستراها على المجرب، أي: التجربة، وقوله: وقال: "متى يبخل .. البيت" قال السكري أي: هذا فيما كانت قالت لنا نكشف غرامك، أي: نعطم ما تريد، تدرب، أي: تتعود وتصير ذا دربة، والغرام: من قولك فلان مغرم بفلان، أي: معنى بحبه، وقال: فكلنا مغرم يهذي بصاحبه انتهى. وقال صاحب "الأغاني": أم جندب هي زوجة امرئ القيس، تزوجها حين هرب من المنذر بن ماء السماء، فأتى جبلي طي، وكان مفركاً فبينا هو معها ليلة إذ

стр. 2414

قالت له: يا خير الفتيان قد أصبحت! فلم يقم، فكررت عليه، فقام فوجد الفجر لم يطلع، فقال لها: ما حملك على ما صنعت؟ وألح عليها، فقالت: حملني أنك ثقيل الصدر، خفيف العجر، سريع الإراقة، بطيء الإفاقة، فعرف صدق قولها، فسكت، فلما أصبح، أتى علقة بن عبدة إليه وهو في خيمته، وأم جندب وراء فنازع امرؤ القيس الشعر، فقال له: قد حكمت بيني وبينك امرأتك، فقالت لهما: قولاً شعراً على روي واحد، فلما قال القصيدتين، عرضاهما عليها، فغلبت علقمة، فقال لها زوجها: بأي شيء غلبته علي؟ قالت: قلت: فللسوط ألهوب وللساق درة ... وللزجر منه وقع أخرج منهب فجهدت فرسك بسوطك، ومريته بساقك، وزجرته وابتعثته بجهدك، وقال علقمة: فولى على آثارهن بحاصب ... وغيبة شؤبوب من الشد ملهب فأدركهن ثانياً من عنانه ... يمر كمر الرائح المتحلب فلم يضرب فرسه، ولم يره بساق، ولم يبتعثه بزجر، فغضب من قولها، فطلقها، وخلف عليها علقمة، فسمى علقمة الفحل. انتهى كلام الأغاني باختصار. وعلقمة بن عبدة: شاعر جاهلي كامرئ القيس، وأورده ابن حجر في قسم

стр. 2415

المخضرمين الذين أدركوا زمن النبي، ﷺ ، ولم يروه والله تعالى أعلم. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والخمسون بعد السبعمائة: (٧٥٨) أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان على أن هذا البيت يؤيد التأويل في الآية، قال الدماميني: يعني أن التأويل في هذا البيت متعين، إذ لا سبيل إلى أن يقال فيه بأن فتحة "بين" فتحة بناء، لأنه مضاف إلى معرب كما قال، فيجب التأويل يدعى أن النائب عن الفاعل ضمير مصدر مقرب معهود، والمعنى: وقد حيل الحول بين العير والنزوان. انتهى. وقوله: أهم بأمر الحزم مراده قتل زوجته كما يأتي قريباً، و "لو" هنا للتمني، والعير، بفتح العين المهملة: الحمار، اهلياً كان أم وحشياً، والنزوان، بفتح النون والزاي المنقوطة بعدها واو: مصدر نزا الحمار ينزو على أنثاه: إذا وثب عليها للجماع، والمصراع الأخير مدون، وقد أورده الزمخشري في أمثاله المسمى ب "المستقصى" فقال: حيل بين العير والنزوان يضرب في منع الرجل مراده. وأول من قاله: صخر بن عمرو بن الشريد، وهو أخو الخنساء، وذلك أنه طعنه ربيعة الأسدي، فأدخل حلقة من حلقات الدرع في جوفه، فمرض زماناً حتى ملته زوجته، فمر بها رجل، وكانت ذات خلق وأوراك، فقال لها: [كيف مريضكم؟ فقالت: لا حي فيرجى، ولا ميت

стр. 2416

فينعى، ثم قال لها: ] ع=هل يباع الكفل؟ قالت: نعم، عما قليل، وذلك بمسمع من صخر، فقال [لها]: أما والله لئن قدرت لأقدمنك قبلي، فقال لها: ماوليني السيف أنظر إليه هل تقله يدي، فناوله، فإذا هو لا يقله، فقال: أرى أم صخر لا تمل عيادتي ... وملت سليمى موضعي ومكاني فإي امرئ ساوى بأم حليلة ... فلا عاش إلا في شقى وهوان أهم بأمر الحزم .. البيت. وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك ومن يغتر بالحدثان فللموت خير من حياة كأنها ... معرس يعسوب برأس سنان انتهى. وهذا اليوم الذي طعن فيه صخر يقال له: "يوم ذات الأثل" أورده أبو عبيدة في أيام العرب، ونقله عنه ابن عبد ربه في أيام العرب من "العقد الفيد" قال الصاغاني: كل شيء ثقل على قوم واغتموا به، فهو جنازة، وأنشد هذا البيت، والعرس: موضع التعريس؛ وهو نزول القوم في السفر آخر الليل، يقعون فيه وقعة الاستراحة، ثم يرتحلون، واليعسوب: أمير النحل، وسيد كل قوم. وقال المبرد في أواخر "الكامل": وكان سبب قتل صخر بن عمرو بن الشريد أنه جمع جمعاً، واغار على بني أسد خزيمة، فنذروا به، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، فارفض أصحابه عنه، وطعن بطعنة في جنه، فاستقل بها، فلما صار إلى أهله تعالج منها فنتأ من الجرح مثل اليد، فأضناه، ذلك حولاً، فسمع سائلاً يسأل امرأته وهو يقول: كيف صخر اليوم؟ فقالت: لا ميت فينعى،

стр. 2417

ولا صحيح فيرجى، فعلم أنها قد برمت به، ورأى تحرق أمه عليها، فقال: أرى أم صخر ما تمل عيادتي .. الأبيات السابقة. ثم عزل على قطع ذلك الموضع، فلما قطعه يئس من نفسه فبكاها، وقال: أيا جارتا إن الخطوب قريب ... من الناس كل المخطئين تصيب أيا جارتا إنا غريبان ههنا ... وكل غريب للغريب نسيب انتهى. وقال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء" طال مرضه ٨ من تلك الطعنة وعاده قومه، فكانوا إذا سألوا امرأته عنه: [قالت لا هو حي فيرجى ولا ميت فينسى] وضخر يسمع كلامها، ويشق جوابها عليه، وإذا سألوا أمه، قالت: أصبح صالحاً بنعمة الله تعالى، فلما أفاق [من علته] بعض الإفاقة، عمد إلى إمرأته، فعلقها بعمود الفسطاط حتى ماتت، وقيل: بل قال: ناولوني سيفي أنظر كيف قوتي، فناولوه، فلم يطق السيف، ففي ذلك يقول: أهم بأمر الحزم .. البيت، وأول الشعر: أرى أم صخر لا تمل عيادتي ... . . . . . البيت. وآخره: لعمري لقد نبهت من كان راقداً ... وأسمعت من كانت له أذنان ثم نكس بعد ذلك فمات، فكانت أخته الخنساء تريثه، ولم تزل تبكيه حتى عميت. انتهى.

стр. 2418

وقال الأخفسش جامع ديوان الخنساء الصحابية: إن صخربن عمرو بن الشريد خرج ذات يوم يتصيد، فبينا هو كذلك إذ أغارت بنو عبس على قومه، فساقوا النعم، وعاثوا، فلما رجع من صيده، رأى محله قومه بلاقع لا أحد بها، فركب فرسه، واستخرج رمحه من الرمل وكان مدفوناً، ثم أتبع القوم، فالتفت عبسي، فأبصره مقبلاً نحوهم، فقال: هذا رجل من بني سليم قد أتاكم وقد أحب الله أن لا يدع منهم أحداً إلا أظفركم به، فليرجع إليه رجل منكم، فليقتله، فشد عليه رجل منهم، فطعنه صخر، فقتله، ثم حمل عليه آخر فقتله صخر، ثم حمل رهط منهم، فاستطرد لهم وجعل ينفرد فارس فيقتله حتى قتل منهم نفراً، فلما رأى ذلك أسراء بني سليم حل بعضهم بعضاً، ثم ثاروا إليهم، فقاتلوهم، وكانت ابنة عمه سليمى على ظهر زنجي من عبيد بني عبس، وكان مولاه قد جعل له أفضل جارية من بني سليم إذا هم ظفروا بهم لشدته وبأسه وإبلائه- أي: إظهار جودة العمل في الحرب- فاختار سليمى، فأخذها وربطها بظهره، فجعل يقاتل وهي على ظهره، فخاف صخر أن يطعنه، فتصل الطعنة إلى الجارية، فعمد إلى عمامته، فربطها دون السنان ليمتنع من الإغراق في جوفه، فينال سليمى، ثم طعن الزنجي، فقتله فرأسته بنو سليم يومئذ عليهم، وقالوا له: اختر أي بنات عمك، فاختار سليمى، فتزوجها، فكانت من أحب الناس إليه، وأكرمهم عليه، ثم إن صخراً خرج في غزاة، فقاتل قتالاً شديداً، وأصابته جراحة عظيمة، فمرض منها، فطال مرضه، وعاده قومه فأتاه يوماً عائد، فقال لسليمى: كيف أصبح صخر؟ فقالت: أصبح لا حياً يرجى، ولا ميتاً ينسى، فسمع ذلك صخر، فشق عليه، وقال في نفسه: هذه ابنة عمي وأحب الناس إلي، وكلاهما عندي حسن، تقزل هذا تضجراً بي وغرضاً منى، وتمنياً لفراقي! أما والله لئن عافاني الله لأقضين ما في نفسي عليها، ثم قال: أنت القائلة لعائدي كذا وكذا؟ قالت غير

стр. 2419

معتذرة عن ذلك: نعم، قال: أما والله لقد نذرت نذراً فيك، وإني لأرجو أن أفي به إن عافاني الله تعالى، قالت: وما نذرك، خير أم شر؟ قال: إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، قالت: والله إن قولي فيك للحق عندي، وما كذبت عليك، فأحفظته. ثم أتاه عائد آخر، فقال: كيف أصبح صخر اليوم؟ قالت أمه: أصبح اليوم بحمد الله ونعمته صالحاً، ما كان منذ اشتكى خيراً منه اليوم، وإنا لنرجو له العافية. ففي ذلك يقول صخر: أرى أم صخر لا تمل عيادتي ... الأبيات، وآخرها كذا: فللموت خير من حياة كأنها ... عقاب تعلى في شباة سنان وأنه أفاق من طعنته فعمد إلى سليمى، فعلقها بعمود الفسطاط، فلم تزل كذلك حتى خرجت، فدفنها، ثم نكس من طعنته، فمات، ثم ساق رواية أبي عبيدة. وقد أطنب العباسي في قصته عند شرح قول الخنساء في مرثية لها من "معاهد التنصيص": وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار وصخر مات في الجاهلية، لم يدرك الإسلام. والخنساء أدركته وأسلمت، واجتمعت بالنبي، ﷺ ، وكان يلاطفها، ويقول لها: أنشدينا يا خناس، وتقدمت ترجمتها في الإنشاد الرابع والعشرين بعد المائة: تتمة: قال ياقوت الحموي في كتاب "معجم الأدباء" في ترجة الحسن بن عبد الله أبي أحمد العسكري: إن الصاحب أبا القاسم إسماعيل بن عباد الوزير، كان يتمنى لقاء أبي أحمد العسكري، ويكاتبه على ممر الأوقات، ويستميل قلبه،

стр. 2420

فيعتل عليه بالشيخوخة، فلما يئس منه الصاحب، احتال في جذب السلطان إلى ذلك الصوب، وكتب إليه حين قرب من عسكر مكرم كتاباً يتضمن علوماً نظماً ونثراً، ومما ضمنه من المنظوم قوله: ولما أبيتم أن تزوروا وقلتم ... ضعفنا ولم نقدر على الوخدان أتيناكم من بعد أرض نزوركم ... على منزل بكر لنا وعوان نسائلكم هل من قرى لنزيلكم ... بملء جفون لا بملء دفان فلما قرأ أبو أحمد الكتاب، أقعد تلميذاً له، فأملى عليه الجواب عن النثر نثراً، وعن النظم نظماً، وبعث به إليه في الحال وكان في آخر جواب أبيانته التي ذكرها على الحال: وقد حيل بين العير والنزوان وهو تضمين، إلا أن الصاحب استحسنه، ووقع منه موقعاً عظيماً، وقال: لو عرفت أن هذا المصراع يقع في هذه القافية لم أتعرض لها، وكنت قد ذهلت عنه وذهب علي. ثم إن أبا أحمد قصده وقت حلوله بعسكر مكرم بلده، ومعه أعيان أصحابه وتلامذته في ساعة لا يمكن الوصول إليه إلا لمثله، وأقبل عليه بالكلية بعد ان أقعده في أرفع موضع من مجلسه، فتفاوضا في مسائل، فزادت منزلته عنده، وأخذ أبو أحمد بالحظ الأوفر منه، وادر على المتصلين به إراداً كانوا يأخذونه إلى أن توفي، وبعد وفاته أيضاً، وأبيات العسكري هي: أروم نهوضاً ثم يثني عزيمتي ... تعوذ أعضائي من الرجفان فضمنت بيت ابن الشريد كأنما تعمد تشبيهي به وعناني أهم بأمر الحزم لو أستطيعه .. البيت. قال ثم نهض، وقال: لابد من الحمل على النفس، فإن الصاحب لا يقنعه هذا، فركب بغلة وقصده، فلم يتمكن من الوصول إلى الصاحب لا ستيلاء الحشم، فصعد تلعة، ورفع صوته بقول أبي تمام:
следующие страницы →