← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

رواه أبو عبد الله محمد بن جعفر التميمي النحوي في كتاب "المعشرات في اللغة" ذكر كلمات علر حروف الهجاء كل واحدة لها عشرة معان، قال في صفح: وصفح الكلب ذراعيه للعظم صفحاً إذا بسطهما، ومنه قوله: صفح ذراعيه لعظم كلبا وقال شارح "الغريب المصنف": قال أبو عبيد: القنة أي: بضم القاف وتشديد النون: القوة من قوى حبل الليف، قال الراجز: تصفع للقنة. . . . . . . . إللى آخره .. الصفح: الإبراز والظهور، والجأب: الغليظ الصلب، ويروى: يصفح وتصفح بالياء والتاء، والذي تحمله ظاهر البيت أنه يعني حبلاً جعل كهيئة المقود على بعير أو فرس أو حمار أو ما أشبه ذلك. يريد: أنه مد جانبي زوجهه للحبل، ويجوز أن يعني بذلك رجلاً يفتل حبلاً، وأراد أن يقول: يصفح للقنة ذراعين ووجهاً جأباً، فاكتفى بذكر الوجه، وجعل فتله إلى ناحية وجهه كاجتذاب الكلب العهظم إلى جهة وجهه بذراعيه، وقد فسر في الكتاب نصب "وجه" على وجهين، أحدهما: أن كلباً انتصب كأنه خارج مما فتله، ويجوز أن يقصد المفسر بذلك الحال والتمييز، وإن أراد الحال فهو ضعيف جداً وهو إلى التمييز أقرب، كأنه لما قال: "صفح ذراعيه"، فقأبهم بذكر ضمير لا يعود إلى مذكور أتى بقوله "كلباً" مفسراً لذلك الضمير، كما تقول: نعم رجلاً زيد. والوجه الآخر: الكلام من المقلوب، و؟ أن تقديره: صفح كلب ذراعيه لعظم، فقلب، وهذا بين نحو قول الشاعر: ولا تهيبني الموماة أركبها

стр. 2452

أراد: لا أتهيب الموماة، وهذا القلب الذي في البيت أقبح من القلب في موضع آخر؛ من أجل أت الضمير المجرور ى يعود إلى مذكور، والذي هو له متأخر، وهذا البيت لا أعلم أن أصحابنا رووه ولا عرفوه. هذا آخر كلام يوسف بن أبي سعيد السيرافي فيما كتبه على "الغريب المصنف". وأنشد بعده: لن ما رأيت أبا يزيد مقاتلاً ... أدع القتال وأشهد الهيجاء تقدم الكلام عليه في الإنشاد التاسع والخمسين لعد الأربعمائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والسبعون بعد السبعمائة: (٧٧٦) تركت بنا لوحاً ولو شئت جادنا ... بعيد الكرى ثلج بكرمان ناصح قال ظأبو علي في "الشيرازيات": لا يتعلق الظرف وهو "بعيد" بالفعل وهو "جاد" لضعفه في المعنى، وكلن التأويل: لو شئت جادنا ثلج بعيد الكرى، فالعامل في الظرف ثلج، وإن تقدم عليه، وكذا قال ابن جني في ثلاث مواضع من "إعراب الحماسة". والبيت من قصيدة لجرير مدح بها عبد العزيز بن مروان وقبله: منعت شفاء النفس ممكن تركته ... به كالجوى مما تجن الجوانح قال الأزهري: الجى بالقصر: كل داء يأخذ في الباطن لا يستمرأ معه الطعام، يقال: رجل جو وامرأة جوية، واللوح، بفتح اللام: العطش، ممم زيادة ممم القصيدة إلى خالد. وكان أبو ذؤيب فعل كذلك برجل يقال له: مالك، وكان رسوله إلى امرأة كان كالشرق لا يرتقي ولا ينحدر إلى أن يموت صاحبه فيه. وقوله: لست عنك بمحرم، أي: لست أمتنع من هجائك كما يمتنع الذي يدخل في الشهر الحرام، أو البلد الحرام، وروى: "عنك بمفحم" بفتح الحاء المهملة، وهو الذي لا يقدر على التكلم من شدة غيظه، حتى يصير وجهه كالفحم أسود. هذا أصله، ثم صار بمعنى الذي ممم نهاية الزيادة ممم

стр. 2453

وفعله: لاح يلوح، وجادنا: أروانا من الجود، بفتح الجيم: المطر الغزير، والكردي: النوم، وتصغير (بعد) لتقريب الزمن، وشبه ريقها بالثلج، وأضافه إلى كرمان، لأن ثلجه كثير لا ينقطع عنه. يعني أن ريقها يوجد باردا كالثلج عقب النوم بلا فاصلة، وهذا غاية في اعتدال المزاج، فإن الريق ورائحة الفم يتغيران في النوم من أبخرة الطعام، وناصح بمهملتين: خالص، صفة لثلج. وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر. وأشد بعده: هون عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد والثلاثين بعد المائتين. وأنشد بعده: دع عنك نهبا صيح في حجراته تمامه: ولكن حديثا ما حديث الرواحل وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد والأربعين بعد المائتين. وأنشد بعده: غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها تمامه: تصل وعن قيض ببيداء مجهل وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثلاثين بعد المائتين.

стр. 2454

وأنشد بعده: ولقد أراني للرماح درية ... من عن يميني مرة وأمامي وتقدم شرحه في الإنشاد التاسع والثلاثين بعد المائتين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والسبعون بعد السبعمائة: إن امرأ القيس جرى إلى مدى ... فاعتاقه حمامه دون المدى هذا من مقصورة ابن دريد المشهورة، والمدى: الغاية، وهي طلب الملك، ويدل عليه قوله لصاحبه: فقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا واعتاقه: حبسه، من العوق، والحمام، بالكسر: الموت، ودون المدى، أي: دون تلك الغاية، وهي طلب الملك، والمدى يكتب بالياء. وكان من حديث امرئ القيس أن أباه طرده لما قال الشعر، وقيل: من أجل زوجه، وهي أم الحويرث التي كان يشبب بها في أشعاره، فكان ينتقل في أحياء العرب ويستتبع صعاليكهم وذؤبانهم، وكان يغير بهم، وكان أبوه ملك بني أسد، فعسفهم عسفا شديدا، فتمالؤوا على قتله، فلما بلغ امرأ القيس قتل أبيه وهو يشرب، قال: ضيعني صغيرا، وحملني ثقل الثأر كبيرا، (اليوم خمر وغدا أمر)، فأرسلها مثلا، ثم جمع جمعا من بني بكر بن وائل وغيرهم من صعاليك العرب، وخرج يريد بني أسد، فخبرهم كاهنهم بخروجه إليهم، فارتحلوا

стр. 2455

فوقع في بني كنانة، فقتلهم قتلا ذريعا، ثم إن أصحابه اختلفوا عليه حين أوقع ببني كنانة، فقالوا: أوقعت بقوم براء وظلمتهم، فخرج إلى اليمن فثبطه عن أمره من قصده ليستعين على أخذ الثأر به، ثم خرج إلى قيصر، فلما وصل إليه، استعان به، فوعده أن يرفده بجيش، وكان قد سبق إلى قيصر رجل من أسد يقال له: الطماح، فوشى به إلى قيصر فتذمم أن يقتله، فوجه معه جيشا، ثم أتبعه رجلا معه حلة مسمومة، وقال له: اقرأ ﵇، وقل له: إن الملك قد بعث إليك بحلة قد لبسها ليكرمك بها، وأدخله الحمام، فإذا خرج، فألبسه إياها ففعل، فلما ألبسه تنفط بدنه وكان يحمل على محفة، ثم نزل إلى جنب جبل وإلى جانبه قبر لابنه بعض ملوك الروم، فسأل عن القبر فأخبر به فقال: أجارتنا إن الخطوب تنوب ... وإني مقيم ما أقام عسيب الأبيات المشهورة، ثم مات فدفن في ذلك الجبل. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والسبعون بعد السبعمائة: (٧٧٨) ينوي التي فضلها رب العلى ... لما دحا تربتها على البنى هذا أيضا من تلك المقصورة، وينوي: يقصد، وفاعله ضمير الشاحب في بيت قبله، وجمله ينوي: صفة لشاحب، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو

стр. 2456

ينوي. والتي ينوي: هي مكة المكرمة، وفضلها رب العلى، أي: رب السموات، وفضلها بأن سماها أم القرى، وجعل فيها بيته، ودحا الأرض من تحتها، وقيل من تحت الكعبة، أي: بسطها، والتربة: أحد التراب، والبنى، بكسر الموحدة بعدها نون: جمع بنية كقرب: جمع قربة، وفيها الضم أيضا فيكون كعرى جمع عروة، وتكتب بالياء. وتقدمت ترجمة ابن دريد مع ما يتعلق بالمقصورة في الإنشاد التاسع والخمسين بعد الستمائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والسبعون بعد السبعمائة: (٧٧٩) أفنى تلادي وما جمعت من نشب ... قرع القوقيز أفواه الأباريق على أن أفواه بالرفع فاعل المصدر، وهو (قرع) المضاف إلى مفعوله، وقرع فاعل (أفنى)، وتلادي: مفعوله، والتلاد: المال القديم، والنشب: العقار، والقواقيز: جمع قاقوزة: وهي الكؤوس الصعار، وقد قالوا: قازوزة، وجمعها قوازيز قال الجوهري: القازوزة مشربة، وهي قدح، [وكذلك القاقوزة]، ولا تقل قاقزة، وقال ابن السكيت: وأما القاقزة، فمولدة. والأباريق جمع إبريق، وهو من أواني الخمر.

стр. 2457

والبيت من قصيدة للأقيشر الأسدي، ومنها: لا تشربن أبدا راحا مسارقة ... إلا مع الغر أبناء البطاريق عليك كل فتى سمح خلائقه ... محض العروق كريم غير ممذوق ولا تصاحب لئيما فيه مقرفة ... ولا تزرون أصحاب الدوانيق قال صاحب (الأغاني): الأقيشر لقب لقب به، لأنه كان أحمر الوجه أقشر، واسمه المغيرة بن عبد الله الأسدي، وعمر عمرا طويلا، ولد في الجاهلية، وكان كوفيا خليعا ماجنا فاسقا فاجرا، مدمن الخمر، قبيح المنظر، وله حكايات في شرب الخمر، والافتراء على الخمارين، ولم يسلم من هجوه أحد، وأطنب صاحب (الأغاني) في حكايته وأموره نعوذ بالله منها. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثمانون بعد السبعمائة: (٧٨٠) أظلوم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم نسبه المصنف تبعا للحريري إلى العرجي، وهو عبد الله بن عمرو، وهو ابن عم عثمان بن عفان، نسب إلى العرج، بفتح العين وسكون الراء المهملتين وثالثه جيم، وهو منزل بطريق مكة سكنه، فنسب إليه، والصحيح أن الشعر للحارث بن خالد المخزومي، كما يأتي عن جماعة، والحكاية لخصها المصنف من (درة الغواص)

стр. 2458

والهمزة في أظلوم للنداء، والرواية الصحيحة: (أظليم) بالتصغير، روى الأصفهاني في كتاب (الأغاني) عن جماعة قالوا: حدثنا أبو عثمان المازني قال: كان سبب طلب الواثق إياي أن مخارقا غنى في مجلسه: أظليم إن مصابكم رجلا ... البيت فغناه مخارق: رجل، فتابعه بعض القوم، وخالفه آخرون، فسأل الواثق عمن بقي من رؤسائ النحويين، فذكرت له، فأمر بحملي وإزاحة علتي، فلما وصلنا إليه، وسلمت عليه، قال لي: ممن الرجل؟ قلت: من بني مازن، قال: أمن مازن تميم، أم مازن قيس، أن مازن ربيعة، أم مازن اليمن؟ قلت: من مازن ربيعة، قال لي: با اسمك يريد: ما اسمك؟ وهي لغة كثيرة في قومنا، فقلت على القياس: اسمي مكر، أي: بكر يا أمير المؤمنين، فضحك، وقال: اجلس واطبن يريد اطمن، فجلست، فسألني عن البيت، فقلت: إن مصابكم رجلا فقال: أين خبر (إن) قلت: ظلم، وقال الأخفش في خبره: فقلت: إن معنى (مصابكم) إصابتكم مثل ما تقول: إن قتلكم رجلا حياكم ظلم، ثم قلت: يا أمير المؤمنين إن البيت كله معلق لا معنى له حتى يتم بقوله (ظلم) ألا ترى أنه لو قال: أظليم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ... فكأنه لم يفد شيئا حتى يقول (ظلم) ولو قال: أظليم إن مصابكم رجل أهدى السلام تحية لما احتاج إلى ظلم، ولا كان له معنى إلا أن يجعل التحية بالسلام ظلما، وذلك محال ويجب حينئذ أن يقول: أظليم إن مصابكم رجل ... أهدى السلام تحية ظلما ولا معنى لذلك ولا هو له، لو كان وجه معنى الشاعر في شعره. فقال:

стр. 2459

صدقت. ألك ولد؟ قلت: بنية لا غير. قال فما قالت حين ودعتها؟ قلت: أنشدت قول الأعشى: تقول ابنتي حين جد الرحيل ... أرانا سواء ومن قد يتم أبانا فلا رمت من عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم فإنا إذا أضمرتك البلا ... دنجفى ويقطع منا الرحم قال: فما قلت لها؟ قال: قلت لها ما قال جرير: ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح فقال: ثق بالنجاح، إن شاء الله، إن ها هنا قوما يختلفون إلى أولادنا، فامتحنهم، فمن كان منهم عالما ينتفع به ألزمناهم إياه، ومن كان بغير هذه الصورة، قطعناهم عنه فأمر فجمعوا إلى فامتحنتهم، فما وجدت فيهم طائلا، وحذروا ناحيتي، فقلت: لا بأس على أحد، فلما رجعت إليه، قال: كيف رأيتهم؟ قلت: يفضل بعضهم بعضا في علوم، ويفضل الباقون في غيرها، فكل يحتاج إليه، فقال الواثق: إني خاطبت منهم واحدا، فكان في نهاية الجهل في خطابه ونظره، فقلت: يا أمير المؤمنين أكثر من تقدم منهم بهذه الصفة، ولقد أنشدت فيهم: إن المعلم لا يزال مضعفا ... ولو ابنتي فوق السماء سماء من علم الصبيان صبوا عقله ... مما يلاقي غدوة ومساء هذا آخر ما رواه الأصفهاني. وذكر العسكري هذه الحكاية مجملة في كتاب (التصحيف) وقال في آخرها: ثم أحضر التوزي وكان في دار الواثق، وكان ممن يقول: إن مصابكم رجل،

стр. 2460

يظن أن مصابكم: اسم مفعول ورجل خبر، فقال له المازني: كيف تقول: إن ضربك زيدا ظلم؟ فقال التوزي: حسبي، وفهم. انتهى. وأورد صاحب (الأغاني) قبل ما تقلناه بوريقات الأبيات: أقوى من ال ظليمة الحرم ... فالعيرتان فأوحش الخطم فجنوب أثبرة فملحدها ... فالسدرتان فما حوى دسم وبما أرى شخصا به حسنا ... في القوم إذ تحتله نعم إذ ودها صاف ورؤيتها ... أمنية وكلاهما غنم لفاء ممكور مخلخلها ... عجزاء ليس لعظمها حجم خمصانة قلق موشحها ... رؤد الشباب علا بها عظم وكأن غالية تباشرها ... تحت الثياب إذا صغا النجم أظليم إن مصابكم رجلا ... البيت أقصيته وأراد سلمكم ... فليهنه إذ جاءك السلم هذا نسب الحارث: وهو الحارث بن خالد بن العاصي بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. الخطم، بفتح الخاء المعجمة، قال الزبير بن بكار في (أنساب قريش) بعد إنشاد هذا الشعر للحارث بن خالد: موضع دون سدرة آل أسد، والخرم، بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء المهملة، قال الزبير: موضع أمام الخطم بيسار عن طريق نخلة، والعيرة، بفتح المهملة وسكون المثناة التحتية، قال الزبير: العيرة: الجبل عند الميل على يمين الذاهب إلى منى، والعيرة: الجبل الذي يقابله، فهما العيرتان اللتان عنى الحارث بن خالد، قال الزبير وصاحب (الأغاني): كان الحارث خطب أم عبد الملك بنت عبد الله بن خالد بن أسد، وخطبها عبد الله بن مطيع،

стр. 2461

فتزوجها عبد الله، ثم طلقها أو مات عنها، فتزوجها الحارث بن خالد بعد ذلك، وقال فيها قبل أن يتزوج: أقوى من ال ظليمة الخرم ... الأبيات. وقد أورد ياقوت الحموي هذه الحكاية في ترجمة المازني، وصدرها برواية المبرد عن المازني في امتناعه من إقراء ذمي كتاب سيبويه في مقابلة [مائة] دينار، ثم ذكر الحكاية من طريق صاحب الأغاني حرفا بحرف، ثم قال: وأمر له بألف دينار، وفي رواية بخمسمائة دينار، وأجرى عليه في كل شهر مائة دينار. وزاد الزبيدي: قال المازني: وكنت بحضرته يوما، فقلت لابن قادم وابن سعدان، وقد كابراني، كيف تقول: نفقتك دينارا أصلح من درهم؟ فقال؟ دينار بالرفع، قلت: فكيف تقول: ضربك زيدا خير لك؟ فنصب زيدا، وطالبه بالفرق بينها فانقطع، وكان ابن السكيت حاضرا، فقال الواثق: سله عن سألة، فقلت: ما وزن نكتل؟ فقال: نفعل، فقال الواثق: غلطت، ثم قال لي فسره، فقلت: أصله نكتل، قلبت الياء ألفا لفتح ما قبلها، فصار نكتال، فأسكنت اللاك للجزم، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فلما خرجنا، قال لي يعقوب: ما حملك على هذا وبيني وبينك مودة خالصة، فقلت: والله ما قصدت تخطئتك، ولم أظن أنه يعزب عنك ذلك. هذا آخر ما ساقه ياقوت. وساق حكاية المازني في هذا البيت بحضرة الواثق أبو عبد الله محمد بن الحسين اليمني في (طبقات النحويين) وتاريخ وفاته سنة أربعمائة. قال: إن جارية غنت بحضرة الواثق: أظليم إن مصابكم رجلا ... البيت

стр. 2462

إلى قوله فتقدم الواثق بإحضاره يعني المازني. قال أبو العباس المبرد: حدثني المازني، قال: لما قدمت (سر من رأى)، ودخلت على الخليفة، فقال لي: يا مازني من خلفت وراءك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أخية أصغر مني أقيمها مقام الولد، قال فما قالت لك حين خرجت؟ قال: أطرقت حولي وهي تبكي أقول لك يا أخي كما قالت بنت الأعشى، وأنشد الأبيات. قال لي: فما قلت لها؟ قال: قلت لها يا أخية -كما ما قال جرير لابنته-: ثقي بالله ليس له شريك ... البيت قال: لا جرم أنها ستنجح، وأمر لي بثلاثين ألف درهم. وفي غير هذه الرواية أنه لما دخل على الواثق قال لي: با اسمك يريد ما اسمك؟ قال المازني: كأنه أراد أن يعلمني معرفته بإبدال الباء مكان الميم في هذه اللغة، فقلت له: بكر المازني، قال: أمازن شيبان، أم مازن تميم؟ قلت: شيبان، فقال: حدثنا. قلت: يا أمير المؤمنين، هيبتك تمنعني من ذلك، وقد قال الراجز: لا تقلواها وادلواها دلوا ... إن مع اليوم أخاه غدوا قال: فسره لنا، قلت: لا تقلواها: لا تعنفاها في السير، يقال: قلوته إذا سرت سيرا عنيفا، ودلوت: إذا سرت سيرا رقيقا، ثم أحضر التوزي، وكان في دار الواثق، وكان يقول: إن مصابكم رجل، يظن أن مصابكم اسم مفعول، ورجل: خبر، فقلت له: كيف تقول إن ضربك زيدا ظلم؟ قال التوزي: حسبي وفهم. وذكر أنه شجر بين محمد بن عبد الملك الزيات، وأحمد بن أبي دواد في هذا البيت الذي غلط فيه التوزي، فقال ابن الزيات: رجلا، وقال ابن أبي دواد: رجل، فسألا عنه يعقوب بن السكيت، فحكم لابن أبي دواد بالرفع عصبية لا جهلا، قال ثعلب: فلقيت يعقوب، فعاتبته في هذا عتابا ممضا، فقال لي:

стр. 2463

اسمع عذري، جاءني رسول ابن أبي دواد، فمضيت إليه، فلما رآني بش بي وقربني، ورفعني، وأحفى في المسألة عن أخباري، ثم قال لي: يا أبا يوسف ما لي أرى الكسوة ناقصة؟ يا غلام، دست ثياب كامل من كسوتي، قال: فأحضر، ثم قال: كيس فيه مائتا دينار فأحضر، ثم قال: أراكب أنت؟ قلت: لا بل راجل، قال: حماري الفلاني بسرجه ولجامه فأحضر، قال: يسلم الجميع إلى غلام أبي يوسف، فشكرت له ذلك، ثم قال لي: يا أبا يوسف، أنشدت هذا البيت: أظليم إن مصابكم رجل .. فقال الوزير: إنما هو رجلا، بالنصب، وقد تراضينا بك، فقلت: القول ما قلت، فخرجت من عنده، فإذا رسول محمد ابن عبد الملك، فقال: أجب الوزير، فلما دخلت عليه، بدرلي وأنا واقف، فقال: يا يعقوب أليس الرواية: أظليم إن مصابكم رجلا؟ فقلت: لا بل رجل، فقال: اغرب. قال يعقوب: فكيف كنت تراني أن أقول! ؟ هذا آخر كلامه. وأنشد بعده: ونحن عن فضلك ما استغنينا وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الخامس والثلاثين بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثمانون بعد السبعمائة: (٧٨١) وهن وقوف ينتظرن قضاءه ... بضاحي عذاة أمره وهو ضامز على أن الباء متعلقة بـ (قضاءه)، ولا حاجة إلى تقدير ابن الشجري إلى آخره. أقول: أورده ابن الشجري في المجلس التاسع والعشرين من (أماليه) أنشد البيت، وقال: أي: ينتظران قضاءه: أمره، وهو وروده بهن، والضاحي من الأرض:

стр. 2464

الظاهر البارز، والعذاءة: الأرض الطيبة التربة، الكريمة النبت، والضامز: الرجل الساكت، شبهه –في إمساكه عن النهاق- به، والضامز من الإبل: الممسك عن الجرة. وفي البيت فصل بالضرف الأجنبي بين المصدر ومنصوبه، لأ، قوله: (بضاحي عذاة) متعلق بوقوف، أو ينتظران، فهو أجنبي من المصدر الذي هو قضاء، فوجب لذلك حمل المفعول على فعل آخر كأنه لما قال: (ينتظران قضاءه بضاحي عذاة) أضمر (يقضي)، فنصب به أمره. انتهى كلامه. وقال ابن السيد في (شرح أبيات الجمل) لا يجوز لك أن تحول بين الصلة والموصول، لأن ما بعد القضاء صلة المصدر، فيجب أن يكون ظرفا للقضاء لا لوقوف، ولا لينتظرن انتهى. فالمصنف مسبوق به، وخالف ابن هشام اللخمي في (شرح أبيات الجمل) فقال: والباء من قوله: (بضاحي) متعلقة بـ (ينتظرن) وهو غير جيد منه. قال ابن السيد: وجملة (ينتظرن قضاءه) حال من الضمير في (وقوف)، أو صفة له، وجملة (وهو ضامز) حال أيضا، ووقوف: جمع واقف، وكان يجب أن يقول: واقفات أو وقف، وكأنه حمله على النسب، كناقة ضامز، أو حمل التذكير على معنى الشخص، أو لأن الجمع يذكر ويؤنث، ويحتمل أن يريد: وهن ذات وقوف، فحذف المضاف، فيكون الوقوف مصدرا. وقال اللخمي: جملة (وهن وقوف) حال من الهاء من عيونها الواقعة في البيت الذي قبله، وجملة (ينتظرن) حال من ضمير وقوف أو صفة له أو خبر بعد خبر. انتهى. والبيت من قصيدة للشماخ. وقوله: (وهن وقوف) الذي في ديوانه: لهن صليل ينتظرن قضاءه

стр. 2465

قال جامع ديوانه: هذا مثل يقال: جاء بسقائه يصل، أي: قد يبس، فقيل لكل عطشان: يصل. والعذاة، بإهمال العين وإعجام الذال: البعيد من الماء والريف، والضامر: الساكت، ينتظرون قضاءه: أمره ليسرد بهن، أي: ليقضي أمره فيهن. انتهى. والضمير المؤنث للأتن الوحشية، جمع أتان، وهي أنثى الحمار، والضمير المذكور راجع للجأب، وهو الحمار الوحشي، وقضاءه: مصدر مضاف إلى فاعله، وأمره: مفعوله؛ وهو من قضيت حاجتي، أي بلغتها ونلتها. وقد أورد أبن جني هذا البيت في "اعراب الحماسة" وتعرض لمعنى الباء، ولم يتعرض لمتعلقها، قال بعد انشاد البيت، أي: في ضاحي عذاة، وتوهم بعضهم أن الباء لا تقع بمعنى في إلا مع المعرفة كقولنا: كنا بالبصرة وأقمنا بالمدينة، والبيت شاهد عليه، ألا ترى أن ضاحي عذاة نكرة لا معرفة. انتهى. والبيت من قصيدة طويلة للشماخ وهذا بعد أربعة ابيات من أولها: كأن قتودي فوق جأب مطرد ... من الحقب لاحته الجداد الغوارز طوى ظمأها في جمرة القيظ بعدما ... جرت في عنان الشعريين الأماعز وظلت بأعراف كأن عيونها ... إلى الشمس هل تدنو ركي نواكز وهن وقوف ينتظرن قضاءه ... .. البيت. فلما رأين الورد منه عزيمة ... مضين ولاقاهن خل مجاوز قوله: "كأن قتودي فوق إلى آخره": يريد تشبيه راحلته بحمار وحش يطلب ماء من شدة القيظ مع أتنه، والقتود، بالضم جمع قتد، بفتحتين: وهو خشب الرحل، والجأب، بالجيم والهمزة: الحمار الغليظ من حمر الوحش، والمطر: الذي طردته الرماة، أعني: مطاردة الصائد إياه، والحقب جمع أحقب: وهو الحمار الأبيض الحقوين، ولاحته: غيرته، والجداد، بكسر الجيم: جمع جدود، بفتحها: وهي التي قد يبس لونها، والغوارز: التي قلت ألبانها جمع غارز، وقوله: ظمأها: قال جامع ديوانه، أي: زاد فيه؛ أدخل ظمأين في ظمء، حيث اشتد الحر، أي: جعل الظمأين ظمأ واحدا خوفا من النهوض إلى الماء، فهو أشد

стр. 2466

لعطشه وعطشها، وجمرة القيظ: شدة حره وتلهبه، وروي: بيضة الحر، وهي معظمه، ويقال: قد باض الحر علينا، "وجرت في عنان الشعريين": ضربه مثلا يقول: بعد ما طلعت الشعري، وعنانها: أولها، والظمء: قدر ما بين الشربين. انتهى. والأمعز: الأرض الغليظة ذات الحجارة، وجري الأماعز ها هنا: سيلانها، وهو كناية عن السراب. وقوله: وظلت بأعراف إلى آخره يعني الأتن، وظلت: أقامت، والأعراف: ظهور الرمال جمع عرف. والركي: الآبار، الواحدة ركية. قال جامع ديوانه: هل تدنو: هل تغيب، أي: قائلة هل تدنو للمغيب، والنواكز: الغوائر، نكزت البئر تنكز نكوزا: إذا ذهب ماؤها. وقوله: فلما رأين الأمر منه .. إلى آخره. قال جامع ديوانه: حل: طريق مجاوز، أي يجاوز الرملة، يريد أن الخل الطريق في الرمل، والمجاوز: النافذ إلى غيره، يقول: لما رأين أن ورد الماء عزيمة منه مصمم عليه اسرعن في المضي، وصادف طريقهن الرمل، فلما قطعته أدركن الماء، صادفن الصيادين إلى آخرما ذكره. والشماخ: شاعر صحاني، اسمه معقل بن ضرار، وديوانه كله على هذا النمط، وليس فيه ما يصلح للمذاكرة، وتقدمت ترجمته في الانشاد الثامن بعد الستمائة. وانشد بعده، وهو الانشاد الثاني والثمانون بعد السبعمائة: (٧٨٢) وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه قال ابن الشجري في المجلس التاسع والعشرين من "أماليه": قوله: "بأن تسعدا"

стр. 2467

متعلق في المعنى بالوفاء، لأنه اراد: "وفاؤكما بأن تسعدا كالربع"، فلما فصل بينهما بأجنبي، وجب عند النحويين تعليقه بمضمر، تقديره ععند أبي الفتح: "وفيتما بأن تسعدا"، والمعنى: "وفيتما باسعادي وفاء ضعيفا"، ولذلك شبه وفاءهما بالربع الدارس. قال له بأي شيء تتعلق الباء من "بأن؟ " فقال: بالمصدر الذي هو وفاؤكما، فقلت له: وبم ارتفع وفاؤكم؟ فقال: بالابتداء، فقلت: وما خبره؟ فقال كالربع، فقلت: وهل يصح أن تخبر عن اسم وقد بقيت منه بقية، وهي الباء ومجرورها؟ فقال: هذا لا أدري ما هو إلا أنه قد جاء في الشعر له نظائر، وانشدني: لسنا كمن حلت إياد دارها ... تكريت ترقب حبها أن يحصدا أي: لسنا كإياد، فدارها الآن ليست منصوبة بحلت هذه، وإن كان المعنى يقتضي ذلك، لأنه لا يبدل من الاسم إلا بعد تمامه، وإنما هي منصوبة بفعل مضمر يدل عليه: "حلت" الظاهر، كأنه قال: فما بعد "حلت دارها" انتهى كلام أبي الفتح. ومعنى البيت: أنه خاطب صاحبيه وقد كانا عاهداه بأن يسعداه ببكائهما عند ربع أحبته، فقال: وفاؤكما بإسعادي شبه للربع، ثم يبين وجه الشبه بينهما بقوله: "أشجاه طاسمه" يعني أن الربع إذا تقادم عهده فدرس، كأن أشجي لزائره، أي أبعث لشجوه، أي: لحزنه، لأنه لا يتسلى به المحب كما يتسلى بالربع الواضح، وكذلك الوفاء بالاسعاد إذا لم يكن بدمع ساجم-[أي: هامل-كان أبعث للحزن، فأراد: أبكيا معي بدمع ساجم] فإن الدمع أشفى للغليل إذا سجم. كما أن الربع أشجى للمحب إذا عفا وطسم. انتهى كلامه.

стр. 2468

وقال ابن الحاجب في "أماليه": الظاهر أنه أراد أن يخبر عن "وفاؤكما" كما بقوله: "بأن تسعدا"، أي: وفاؤكما حاصل بأن تسعدا، وقوله كالربع مقدم، والمراد به التأخر متعلق إم تعلق به "بأن تسعدا" أي: حاصل بإسعاد كما مثل حصول وفاء الربع بإسعاده بالشجاب بسبب الطسم، وإما متعلق بالإسعاد، أي وفاؤكما حاصل بإسعادكما إسعادا مثل اسعاد الربع بما ذكر، وإما متعلق بالإسعاد، أي: وفاؤكما حاصل بإسعادكم إسعادا مثل إسعاد الربع بما ذكر، وإما بوفائكما وفاء مثل وفاء الربع بالطسم المعين على الشجا حاصل بأن تسعدا، وإما متعلق بمحذوف على أن يكون خبر مبتدأ، أي: هو كالربع إما إضمار للوفاء، وإما إضمار للإسعاد، وإما إضمار للمخاطب، وما ذكره أبن جني في معناه عن المتنبي مشعر بأن الباء وما في حيزها في قوله: بأن تسعدا هو الخير عن "وفاؤكما"، ويجوز أن يكون قوله: كالربع، خبر المبتدأ الذي هو وفاؤكما. وقوله بأن تسعدا متعلق بوفائكما، أي: وفاؤكما بالإسعاج مشبه للربع في وفائه بالطسم المعين على الشجا. وقوله: أشجاه طاسمه تقرير للمعنى الذي يكون به الربع معينا على الاسعاد، وهو الإخبار عن كونه مشجيا إذا كان طاسما، وكلها تعسفات لما يلزم من تقديم متعلق المصدر عليه، أو الفصل بين المبتدأ وخبره بالأجنبي الذي هو كالربع، وقوله: "والدمع أشفاه ساجمه" مما يقوي هذا المعنى، ويقرر أنه أراد بالاسعاد ما يعين على البكاء والشجا، فذلك جعل غزارة الدمع شافية، فيقوى أن يكون المعنى بقوله عن الربع: "أشجاه طاسمه" تقرير أن طسمه مسعد لكونه يؤدي إلى الشجا المتضمن لغزارة الدمع التي جعلها شافية، ولإسعاد أبلغ مما يؤدي إلى الشفاء، وهذا يضعف قول من يزعم أن قوله كالربع خبر المبتدأ، وعلى معنى أنه أخبر عن وفائهما وعدمه كالربع في دثوره وإبكائه. هذا آخر كلام أبن الحاجب. والبيت مطلع قصيدة للمتنبي

стр. 2469

وأنشد بعده، وهو الانشاد الثالث والثمانون بعد السبعمائة: (٧٨٣) لسنا كمن حلت إياد دارها ... تكريت تمنع حبها أن يحصدا أورده أبن جني في بابين من "الخصائص" الأول باب شجاعة العربية قال: أنشده أبو الحسن، ومعناه: لسنا كمن حلت دارها، ثم أبدل "إياد" من "من" فإن حملته على هذا، كان لحنا لفصله بالبدل بين بعض الصلة وبعض، فجري ذلك في فساده مجرى قولك: مررت بالضارب زيد جعفرا، وذلك أن البدل إذا جرى على المبدل منه آذن بتمامه وانقضاء أجزائه، فكيف يسوغ لك أن تبدل منه وقد بقيت منه بقية هذا خطأ في الصناعة، وإذا كان كذلك، والمعنى عليه، أضمرت ما يدل عليه "حلت" فتنصب به الدار، فصار تقديره: لسنا كمن حلت إياد، أي: كإياد التي حلت، ثم قلت من بعد: حلت دارها، فدل "حلت" في الصلة على "حلت" وهذه التي نصبت دارها. وذاكرت المتنبي شاعرنا نحوا من هذا، وطالبته به في شيء من شعره، فقال: لا أدري ما هو إلا أن الشاعر قال: "لسنا كمن حلت .. البيت". فعجبت من ذكائه، وحضوره مع قوة المطالبة له حتى أورد ما هو في معنى البيت الذي تعقبته عليه من شعره، واستكثرت ذلك منه، والبيت قوله: وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... أنتهى. والثاني: باب تجاذب المعاني والإعراب، قال: ومن ذلك ما انشده أبو الحسن: لسنا كمن حلت. . ... . . . . . البيت. فإياد يدل من "من"، وإن كان كذلك. لم يمكنك أن تنصب دارها بحلت هذه

стр. 2470

الظاهرة لما فيه من الفصل، فيحسن ما تضمر لها فعلا بتناوله، فكأنه قال فيما بعد: حلت دارها، وإذا جازت دلالة المصدر على فعله، والفعل على مصدره، كانت دلالة الفعل على الفعل الذي هو مثله أدنى إلى الجواز وأقرب مأخذا في الاستعمال. أنتهى. وحلت: نزلت، وفي نسخ هذا الكتاب جعلت وهو تحريف من النساخ. وإياد: قبيلة من معد، تكريت، بفتح أوله: بلد بشاطئ الفرات، سميت بتكريت بنت وائل، وهي عطف بيان لدارها، وتنظر معناه: تنظر، و"تمنع" من تحريف النساخ. وروي "ترقب" بمعنى: تنظر المذكورة، وحبه، أي: حب تكريت باعتبار البلد، ويروى حبها، والضمير لإياد، والمراد به الزرع مثل البر والشعير والذرة والدخن وما أشبه ذلك، مما يؤكل ويحصد بالبناء للمفعول من حصد الزرع: إذا أخذه من منبته بمنجل وغيره بعد استوائه، يريد أن قبيلة إياد أهل زرع وفلاحة معيشتهم بزرعهم، فهم ينتظرون إدراكه، وليسوا بأصحاب إبل ولا بداوة. والبيت من قصيدة للأعشى ميمون البكري كتبها عن قومه، وأرسلها إلى كسرى أنوشروان لما طلب منهم الدخول في حكمه، فأبوا. قال بعد أبيات كثيرة من أولها: من مبلغ كسرى إذا ما جاءه ... عنا وأبلغ من سعى وتجردا التجرد: التخفف للسير. تجرد للسفر: إذا اكتفى بأخف ثيابه. آليت لا أعطيه من ابنائنا ... رهنا فيفسدهم كمن قد أفسدا كلا وبيت الله حتى تنزلوا ... من رأس شاهقة إلينا الاسودا لنقاتلنكم على ما خيلت ... ولتحفلن لمن بغى وتمردا ما بين عانة والفرات كأنما ... جس الغواة به ضراما موقدا

стр. 2471

لسنا كمن حلت إياد دارها ... تكريت تنظر حبه أن يحصدا جعل الإله طعامنا في مالنا ... رزقا تضمنه لنا ان ينفدا مثل الهضاب جوارها بسيوفنا ... فإذا تراع فإنها لن تطردا ولعمر جدك لز رأيت مقامنا ... لرأيت منا منظرا لك مبعدا في عارض من أوائل أن تلقه ... يوم الهياج يكن مسيرك أنكدا فأقعد عليك التاج معتصبا به ... لا تطلبن سوامنا فتعبدا لا تحسبنا غافلين عن التي ... تغشى وجوه القوم لونا أسودا وترجمت الأعشي تقدمت في الانشاد التاسع عشر بعد المائة. وأنشد بعده فلولا الغمد يمسكه لسالا أوله ... يذيب الرعب منه كل عضب وتقدم الكلام عليه في الانشاد الاربعين بعد الأربعمائة. وأنشد بعده، وهو الانشاد الرابع والثمانون بعد السبعمائة: (٧٨٤) ابعد بعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود في عني من الظلم قال الحريري في "درة الغواص": قد عيب على المتنبي هذا البيت، ومن تأول

стр. 2472

له في جعل أسود هنا من قبيل الوصف المحض الذي تأنيثه سوداء، وأخرجه عن حيز أفعل التفضيل والترجيح بين الاشياء، ويكون على هذا التأويل قد تم الكلام، وكملت الحجة في قوله: لأنت أسود في عيني، وتكون "من" التي في قوله: "من الظلم" لتبيين جنس السواد، لأنها صلة أسود. ومعنى قوله: لا بياض له، أي: ماله نور، ولا عليه طلاوة. أنتهى. وقال الواحدي: وجميع من فسر هذا الشعر قالوا في قوله: "لأنت أسود في عيني من الظلم": إن هذا من الشاذ الذي أجازه الكوفيون من نحو قوله: أبيض من أخت بني بياض وسمعت العروضي يقول: أسود هنا واحد السود، والظلم: الليالي الثلاث في أواخر الشهر التي يقال لها: ثلاث ظلم، يقول لبياض شبيه: أنت عندي واحد من تلك الليالي الظلم. وقوله: إبعد، بكسر الهمزة وفتح العين من باب فرح، يقال: بعد يبعد بعدا: إذا ذل وهلك، وعني بالبياض الأول الشيب، يقول: يا بياضا ليس له بياض يريد معنى قول أبي تمام: له منظرا في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع يقول: بياض الشيب ليس ببياض فيه نور وسرور، وهو أشد سوادا من

стр. 2473

الظلم، لما يودي به من قرب الأجل، وقطع الأمل. والبيت من قصيدة قالها المتنبي في صباه. وأنشد بعده، وهو الانشاد الخامس والثمانون بعد السبعمائة (٧٨٥) يلقاك مرتديا بأحمر من دم ... ذهبت بخضرته الطلى والأكبد قال أبو حيان في "تذكرته": الظاهر أنه أفعل التفضيل، وتأويله أن "من دم" في موضع الصفة جعله من لكثرة تلبسه بالدم، أو "من دم" للتعليل، أي: هو محمر من أجل الدم. أنتهى. والبيت قصيدة للمتنبي، مدح بها شجاع بن محمد الطائي مطلعها: اليوم عهدكم فأين الموعد ... هيهات ليس اليوم عهدكم غد وقبل البيت: صح يال جلهمة تذرك وإنما ... أشفار عينك ذابل ومهند من كل أكبر من جبال تهامة ... قلبا ومن جود الغوادي أجود يلقاك مرتديا ... البيت. جلهمة: اسم طيء، وطئ: لقب. يقول: إذا دعوتهم، دنوا منك برماحهم وسلاحهم، فيكونون في الدنو منك كأشفار عينك. وقوله: "من كل أكبر" هذا صفة رجال جلهمة، يقول: من كل رجل أكبر قلبا من الجبال، وأجود من مطر السحاب.

стр. 2474

وقوله: يلقاك مرتديا، أي: متقلدا بسيف قد أحمر من الدم وزالت خضرة جوهرة بدماء الأعناق والأكباد. هذا كلام الواحدي. والطلى، جمع طلية: مقدم العنق، والأكبد: جمع كبد، وهذا الجمع غير معهود، وإنما المعهود وأكباد وكبود. وأنشد بعده، وهو الانشاد السادس والثمانون بعد السبعمائة: (٧٨٦) تتقطعت بي دونك الاسباب قال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": ومنها زيادة حرف في الكلمة على طريق التوهم نحو قولك: طلب لعرفك يا ابن يحيى بعدما ... تتقطعت بي دونك الاسباب زاد تاء التوهم، وذلك أن "تقطعت" كثرت في الكلام حتى ظن أنها فعللت، فزاد عليها التاء التي تزداد في تفعلت. انتهى كلامه. وطلب: مبتدأ محذف الخبر، تقديره: عندي طلب، واللعرف بالضم: المعروف والإحسان، والظاهر أن يحيى هنا هو يحيى بن خالد البرمكي، وأبنه إما جعفر وإما الفضل، وإما موسى، والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثامنون بعد السبعمائة .: (٧٨٧) اتقرح أكباد المحبين كالذي ... أرى كبدي من حب مية تقرح على أن صاحب كتاب "البديع" وهو كتاب خالف فيه النحويين في أمور كثيرة

стр. 2475

زعم فيه أن "الذي" في البيت بمعنى "أن" وأن "أن" تأتي بمعنى "الذي" قد ذكره أبو حيان في "تذكرته" وسرد ما وقع في كتابه من مخالفة النحويين من أول كتابه إلى آخره. قال: محمد بن مسعود بن الزكي له كتاب في النحو سماه بالبديع، أدعى فيه أشياء خارجة عن المعتاد في النحو، وذكر فيه أن النحاة على خمس طبقات، وخلط فيها، وغلط غلطا فاحشا فيها، وذكر من الطبقة الخامسة أبا الحسن على بن فضال المجاشعي المغربي، وأنه ورد غزنة سنة ست وستين وأربعمائة، وأقام بمها مكرما معظما، وصنف تصانيف منها كتاب "الإكسير في النحو" وذكر من هذه الطبقة أبا الفرج عبد الرحمن بن عدنان المغربي، ورد غزنة سنة أربع وخمسمائة، قال: وهو إمام مقدام هم هرم يناهز المائة، أو يجاوزها، وكان يقول: إن بن فضال المجشاعي قرأ الكتاب على، وتلمذ برهة بين يدي، وأقام بها ثلاث سنين ملحوظ المنزلة من أكابر الدولة، وكنت مدة إقامته ملازما لخدمته، قارئا عليه كتاب الأصول، وهو كان يحفظه ظاهرا. ثم أخذ أبو حيان في سرد ما خالف فيه من باب الإعراب إلى مسألتنا هذه، قال: ومن المشكلات قولهم: زيد أعقل من أن يهذي، ولا يجوز: زيد أعقل من الهذيان؛ لأن "أن" ها هنا بمعنى "الذي" كما أن الذي بمعنى "أن" في قول ذي الرمة اتقرح أكباد المحبين كالذي ... . . . . . البيت. وفي قوله: (وخضتم كالذي خاضوا) [التوبة/٦٩] أي: كخوضهم، وقوله: (ذلك الذي يبشر الله عباده) [الشورى/ ٢٣] انتهى كلامه. قال الدماميني: اتقرح: اتضعف، والكبد مؤنثة، فتقرح بالتاء الفوقية. وينبغي أن يكون صلة الذي على جعلها مصدرية، هي الجملة الاسمية وهي: "كبدي من حب مية تقرح". وقوله: "رأى" جملة معترضة بين الصلة والموصول، والمعنى: اتقرح أكباد المحبين مثل قرح كبدي فيما أراه. أقول: من قال بمصدريتها

стр. 2476

جعل صلتها جملة فعلية، وجميع ما مثلوا به كذلك، وأما وصلها بالاسمية فيحتاج إلى شاهد أو نقل. ثم قال: ويحتمل أن يجعل "الذي" موصولا اسميا، وصلته " أرى" وما بعده، والعائد محذوف، أي: أراه، وقوله: تقرح، في موضع نصب على أنهه مفعول ثان لأرى، وكبدي مفعول منصوب بتقرح، فهو بالياء التحتية، و"الذي" وصف لمحذوف، والمعنى: اتقرح أكباد المحبين كالقرح الذي أراه يقرح كبدي من حب مية. انتهى كلامه. وهذا البيت من قصيدة لذي الرمة، وليس الثابت في ديوانه كذلك وعندي نسختان صحيحتان منه، والرواية فيهما إنما هي كذا اتقرح أكباد المحبين كالذي ... أرى كبدي من حب مية تقرح وبعده إذا خطرت من ذكر مية خطرة ... على القلب كادت في فؤادي تجرح وتقدم بعد أبيات منها في الانشاد السادس والثمانين بعد الثلاثمائة. وقد أورد السيوطي هذا البيت في ضمن قصيدة لجميل بن معمر، هذا مما يتعجب منه، فإن مية محبوبة ذي الرمة لا جميل. وتقدمت ترجمة ذي الرمة في الإنشاد الرابع والخمسين.

стр. 2477

وأنشد بعده وهو الانشاد الثامن والثمانون بعد السبعمائة: (٧٨٨) إذا أنت فضلت امأ ذا براعة ... على ناقص كان المديح من النقص ولم أقف على ئتمته، ولا على قائله، والله أعلم. وأنشد بعده ولبس عباءة وتقر عيني وتمامه: أحب إلي من لبس الشفوف وتقدم عليه في الكلام في الإنشاد الثاني والعشرين بعد الاربعمائة وأنشد بعده: لتقم أنت يا ابن خير قريش ... فلتقضي حوائج المسلمينا وتقدم في الانشاد الرابع والسبعين بعد الثلاثمائة. وأنشد بعده وهو الانشاد التاسع والثمانون بعد السبعمائة (٧٨٩) إذا ما شاء ضروا من أرادوا ... ولا يألوا لهم أحد ضرارا على أن أصله شاؤوا حذفت الواو وأكتفى بالضمة لأنها تدل عليها، وأورده القراء في تفسيره عند قوله تعالى: (وأخشوني) من سورة البقرة [الآية/ ١٥٠] قال: أثبتت فيها الياء ولم يثبت في غيرها، وكل ذلك صواب وإنما استجازوا حذف

стр. 2478

الياء لأن كسرة النون تدل عليها، وليست العرب تتهيب حذف الياء من آخر الكلام إذا كان ما قبلها مكسورا من ذلك (أكرمن. وأهانن) في سورة الفجر [الآية ١٥ و ١٦]، وقوله: (اتمدونن بمال) [النمل/ ٣٦]. ومن غير النون: المناد، والداع، وهو كثير يكتفي من الياء بكسرة ما قبلها، ومن الواو بضمة ما قبلها مثل قوله: (سندع الزبانية) [العلق/١٨]، ((ويدع الإنسان) [الإسراء/ ٩١] وما أشبههه. وقد تسقط العرب الواو، وهي واو جمع اكتفى بالضمة قبلها، فقالوا في ضربوا "قد ضرب" وفي قالوا: "قد قال" وهي في هوازن وعليا قيس، أنشدني بعضهم: إذا ما شاء ضروا من أرادوا ... ولا يألوا لهم أحد ضرارا وأنشدني بعضهم فلو ان الأطبا كان عندي ... وكان مع الأطباء الأساة وتفعل ذلك في ياء التأنيث [من تحت] كقول عنترة: إن العدو لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحلي وتخضب يحذفون الياء وهي دليل على الانثى اكتفاء بالكسرة. هذا آخر كلامه. وأنشده أبو الحسين عبد الله بن محمد بن سفيان النحوي في كتاب "التفسح في منثور اللغة ومنظومها" كذا: إذا ما شاء ضروا من أرادوا ... ولا يسطيعهم أحد ضرارا

стр. 2479

قوله ولا يألأوهم أي: لا يستطيعهم. قال الجوهري: وألاه يألأوه ألوا: استطاعه. والضرار: المضارة، مصدر ضاره، أي: أوقع كل الضرر بصاحبه. وهذا البيت مشهور في تصانيف العلماء، ولم يذكر أحد منهم قائله، والله أعلم. وأنشد بعده إن الذي حانت بفلج دماؤهم تمامه: هم القوم كل القوم يا أم خالد وتقدم الكلام عليه في الانشاد الرابع عشر بعد الثلاثمائة. وأنشد بعده: فسلم على أيهم أفضل صدره: إذا ما لقيت بني مالك وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الخامس عشر بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التسعون بعد السبعمائة (٧٩٠) إنك إن يصرع أخوك تصرع على أنه كان ينبغي أن يجزم "تصرع" لأنه جواب الشرط، والجملة الشرطية تكون خبرا ل"إنك" لكنه رفع تصرع، وجعله مع مرفوعه خبرا لإنك، والجملة دليل جواب الشرط، وهو من رجز لعمرو بن خثارم البجلي، وهو:

стр. 2480

يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إن أخوك فأنظرن ما تصنع إنك إن يصرع أخوك تصرع وهو رجز طويل. قال ابن الأعرابي في "نوادره": كان جرير بن عبد الله البجلي تنافر هو وخالد بن أرطاة الكلبي إلى الأقرع بن حابس، وكان عالم العرب في زمانه، والمنافرة: المحاكمة، والعرب كانوا إذا تنازع وتفاخر الرجلان منهم، وادعى كل واحد أنه أعز من صاحبه تحاكما إلى عالم، فمن فضل منهما فضل نفره على نفر الآخر، فقال الأقرع: ما عندك يا خالد؟ فقال: ننزل البراح، ونطعن بالرماح، ونحن فتيان الصياح. فقال: ما عندك يا جرير؟ فقال: نحن أهل المذهب، والأحمر المعتصر، نخيف ولا نخاف، ونطعم ولا نستطعم، ونحن حي لقاح، نطعم ما هبت الرياح، نطعم ما هبت الرياح، نطعم الدهر ونصوم شهر، ونحن ملوك القسر. فقال: واللات والعزى لو نافرت قيصر ملك الروم، وكسرى ملك عيم الفرس، والنعمان ملك العرب، لنصرتك عليهم. فقال عمروا بن خثارم البجلي هذه الأرجوزة في تلك المنافرة، وكانت هذه المنافرة في الجاهلية، وأقرع بن حابس، وجرير بن عبد الله اسلما، وهما صحابيان. وعمرو بن خثارم مات في الجاهلية. والصرع: الهلاك. وقد أوردنا هذا الرجز بتمامه، مع سبب المنافرة، شرحنا ما فيه من غريب ومشكل في الشاهد الواحد والثمانين بعد الخمسمائة من شواهد الرضي.

стр. 2481

وأنشد بعده: "ليسوا مصلحين" هو قطعة من بيت وأصله: مشائم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها وتقدم قريبا. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والتسعون بعد السبعمائة: (٧٩١) ولا ذاكر الله إلا قليلا على أن التنوين قد حذف من ذاكر المنصوب لالتقاء الساكنين، فإن التنوين نون ساكنة ولام الجلالة ساكنة، وكان يمكن دفع التقاء الساكنين بتحريك نون التنوين بالكسر، لكل حذف التنوين لضرورة الشعر. والمصراع من شعر لأبي الأسود الدؤلي، وروي صاحب "الأغاني" بسنده عن أبي عوانه قال: كان أبو الأسود يجلس إلى فناء امرأة بالبصرة، فيتحدث إليها، وكانت جميلة، فقالت له يا أبا الأسود هل لك أن اتزوجك؟ فإني صناع الكف، حسنة التدبير، قانعة بالميسور. قال: نعم، فجمعت أهلها، وتزوجته، فوجدها بخلاف ما قالت، وأسرعت في ماله، ومدت يدها إلى جبايته، وأفشت سره، فغدا على من كان حضر تزويجه إياها فسألهم أن يجتمعوا عنده ففعلوا، فقال لهم: أربت أمرا كنت لم أبله ... أتأنى فقال اتخذني خليلا

стр. 2482

فخاللته ثم أكرمته ... فلم استفد من لديه فتيلا وألفيته حين جربته ... كذوب الحديث سروقا بخيلا فذكرته ثم عاتبته ... عتابا رفيقا وقولا جميلا فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا ألست حقيقا بتوديعه ... وإتباع ذلك صرما طويلا فقالوا: بلى والله يا أبا الأسود، فقال: تلك صاحبتكم وقد طلقتها، وأنا أحب أن أسر ما أنكرته من أمرها، فانصرفت معهم، انتهى. وقوله: أريت أمرا إلى آخره، سلك أبو الاسود بهذا الكلام طريقة التعمية على مخاطبة ليتم ما يريد، ولو نسب هذه العيوب إليها مصرحا بها، لربما دافعوا عنها: وأريت بمعنى أخبرني، وأصل الهمزة فيه للاستفهام، وريت أصله رأيت حذفت الهمزة، وهي عين الفعل تخفيفا، قال صاحب "الصحاح": وربما جاء ماضيه بلا همزة، قال الشاعر: صاح هل ربت أو سمعت براع ... رد في الضرع ما قرى في الحلاب قال الكرماني في "شرح البخاري": أربت بمعنى أخبرني، وفيه تجوز إطلاق الرؤية وإرادة الإخبار، لأن الرؤية سبب الإخبار، وجعل الاستفهام بمعنى الأمر بجامع الطلب. انتهى. والرؤية هنا منقولة من رؤية البصر، ولهذا تعدت لمفعل واحد، وزعم المصنف

стр. 2483

في بحث التاء أن أرأيتك منقولة من الرؤية العلمية، فتقتضي مفعولين، فيقدر الثاني إذا لم يوجد وهو تكلف. ولك أبله من بلاه ببلوه بلوا: إذا جربه واختبره، وخاللته: اتخذته خليلا، والفتيل: الشيء الحقير، وأصله ما يوجد في شق النواة، والرفيق: من الرفق ضد العنف، وقوله: فالفيته غير مستعتب، ألفي: بمعنى وجد، يتعدى لمفعولين، وعند بعضهم المفعول الثاني حال، ومستعتب: اسم فاعل الراجع بالعتاب، واستعتب واعتب بمعنى، وعناهما: أزال الشكوى، فالهمزة في اعتب للسلب، واستعتب: طلب الإعتاب، والعتبي اسم للأعتاب، والمعنى ذكرته ما كان بيننا من العهود، وعاتبته على تركها، فوجدته غير طالب رضاي. وقوله: ولا ذاكر الله، روى بنصب ذاكر ووجره، فالنصب للعطف على غير، والجر للعطف على مستعتب، ولا لتأكيد النفي المستفاد من غير، وعلى هذه الرواية اقتصر ابن الشجري، فقال: عطف نكرة على نكرة مجرورة بإضافة غير إليها وانتصاب غير على الحال. انتهى. والتوديع هنا الفراق، والصرم بالضم: الهجر، وقد بسطنا الكلام على هذا في الشاهد الثالث والأربعين بعد التسعمائة من شواهد الرضي، وترجمة أبي الاسود تقدمت في الإنشاد السابع والعشرين بعد الثلاثمائة.

стр. 2484

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والتسعون بعد السبعمائة (٧٩٢) خليلي ما واف بعهدي أنتما تمامه إذا لم تكونا لي على من أقاطع خليلي منادى، وما نافيه، وواف: مبتدأ اسم فاعل من وفى بالعهد: إذا التزمه، ولم يفعل خلافه، والعهد: الميثاق والوصية، وانتما فاعل واف، وساد مسد خبره، وإن يجوز أن تكون ظرفا لواف، ويجوز أنن تكون شرطة، ويكون جملة "ما واف بعهدي انتما" دليل جوابها وتكون تامة، وعلى متعلقة به، والمعنى: إذا لم تساعدني على قطع ما أقاطعه فما وفيتما بعهدي، والبيت مجهول قائله، والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والتسعون بعد السبعمائة: (٧٩٣) وحبذا نفحات من يمانيه ... تأتيك من قبل الريان أحيانا على أنه قيل: الاسم الذي بعد "حبذا" عطف بيان لذا، ويرده هذا البيت، فإن المعرفة لا تبين بالنكرة، وقد جمع أبو حيان في "تذكرته" جميع المذاهب، فأحببت أن أثبته هنا، قال: "حبذا زيد"، حبذا: مبتدأ عند المبرد ذكره في "المقتضب"، وابن جني في "اللمع" وعند الأخفش: "زيد" مرتفع بحبذا

стр. 2485

كما ارتفع الاسم بضرب، وهو ظاهر مذهب الجرمي في "الفرخ"، ومذهب ابن كيسان أن ذا مرفوع بحب، وزيد مرفوع بما ارتفع به في نعم الرجل زيد، وحكى عن بعض البصريين أن حبذا خبر مقدم، واختار ابن الحاج أن يكون "زيد" بدلا من ذا، ولا يلزم منه حب زيد، لأنه استعمل استعمال الأمثال، واجاز الصيمري أن يكون زيد مبتدأ خبره حبذا، وأن يكون حبذا مبتدأ خبره زيد، وأن يكون خبرا لمبتدأ محذوف كما قيل في: نعم الرجل زيد، أي: هو زيد، ومذهب درويد: أن ذا صلة، يعني زائدة، وليست اسما مشارا إليه بدليل حذفه في "وحب دينا" قال: وكثرة إدخالهم حرف النداء على حبذا ما يدل على أنه أسم. هذا موضع تعجب منه، لأن "يا" ليس يلزم أن تدخل على الاسماء في مذهب سيبويه وأبى على وابن جني، لأنه يقع بعدها الحروف والأفعال. انتهى. والبيت من قصيدة لجرير هجا بها الأخطل. وقبله: يا حبذا جبل الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا وبعده هبت جنوبا فذكرى ما ذكرتكم ... عند الصفاة التي شرقي حوارنا قوله: "يا حبا جبل الريان" هو من شواهد الجمل الزجاجية، قال ابن السيد في شرحها، قوله: يا حبذا يحتمل أن يكون "يا" نداء، والمنادى محذوفا، كأنه قال: يا قوم حبذا جبل الريان، ويحتمل أن تكون استفتاح كلام، وقوله: من جبل في موضع نصب على التمييز، والعامل فيه معنى الجملة المتقدمة، كأنه قال: هو

стр. 2486

حبيب إلى من بين الجبال، وأخصه بمحبتي من بين الجبال، كذا قال الكسائي والفراء، وقال اللخمي في شرحها ايضا: الريان: أرض لبني عامر بن صعصعة كانت محبوبته تحل بجبل الريان، فحبب إليه ذلك الجبل من أجل محبوبته، وساكن الريان من كان من صديق أو عدو، لأن منازل الأحباب عند العرب بمنزلة الأحباب، فهي تحن إليها، وتذكرها في أشعارها، وقال المتنبي في هذا المعنى: لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أواهل ويروى أن الفرزدق قال له: وإن كان ساكنه قرودا؟ فقال له جرير: إنما قلت "من". وحكي مسعود الدولة المصري أن "من" في قوله "من كان" في موضع نصب على التمييز أيضا، وما بعدها في موضع الصفة، قال: ويدل على كونها تفسيرا أنها على مقابلة قوله: من جبل، وجاء التفسيران بعد المقصود، وقيل: إن من استفهام، وهي خبر كان مقدم، والتقدير: أي شيء كان فإني أحبه، وقيل: إن "من" بدل من ساكن ويكون اسم كان ضميرا فيها عائدا على "من" ويكون الخبر محذوفا، والتقدير: من كان ساكنا من الناس فساكن الخير، وأحسن هذه الأقوال، وأقواها كون "من" خبرا مقدما لكان. انتهى كلام اللخمي. وقوله: وحبذا نفحات، جمع نفحة من قولك: نفحت الريح: إذاا هبت، ويعني اليمانة: الجنوب، لأنها تهب من قبل اليمن، وأوضح ذلك بقوله: هبت جنوبا. والمعنى: أنه لما هبت الريح من ناحية من يحبه تذكره، وحن إليه، وفي "معجم البلدان": الريان: جبل في ديار طيء، لا يزال يسيل منه الماء، والريان أيضا: واد في حمى ضرية في أرض كلاب أعلاه لبني الضباب، وأسفله لبني جعفر، وقال أبو زياد: الريان: واد يقسم حمى ضرية من قبل مهب الجنوب ثم يذهب نحو مهب الشمال، وريان: اسم جبل في بلاد بني عامر، والريان:

стр. 2487

جبل أسود عظيم في بلاد طيء إذا أوقدت عليه النار، أبصرت من مسيرة ثلاث، وقيل: هو من أطول جبال أجأ، قال جرير إما فيه أو في غيره: يا حبذا جبل الريان من جبل ... البيتين وقوله: هبت جنوبا إلى آخره ... هو من شواهد سيبويه. قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه جعل شرقي حوران ظرفا، ولو لم يكن ظرفا لم تكتف به صلة "الي" والصفاة: الصخرة الملساء، وهي هنا موضع بعينه، وحوران: موضع معروف بالشام، وأراد: هبت الريح جنوبا. وجنوبا منصوب على الحال، وإن شئت رفعت جنوبا بهبت، ويجوز أن يكون الضمير في هبت يعود إلى اليمانية في البيت السابق. وترجمة جرير تقدمت في الانشاد الحادي عشر. وانشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والتسعون بعد السبعمائة: (٧٩٤) ألا حبذا لوما الحياء وربما ... منحت الهوى ما ليس المتقارب هو من ابيات لمرادس بن همام الطائي، وقيل: مرادس بن هماس، أوردها أبو تمام في "الحماسة"، وهي: هويتك حتى كاد يقتلني الهوى ... وزرتك حتى لامني كل صاحب وحتى رأى مني أدانيك رقة ... إليك ولولا انت ما لان جانبي ألا حبذا لوما الحياة وربما ... منحت الهوى ما ليس بالمتقارب بأهلي ظباء من ربيعة عامر ... عذاب الثنايا مشرفات الحقائب

стр. 2488

قال التبريزي في شرحه: قوله: لولا أنت، أي: لولا هواك ما لنت لهم، وقوله: ألا حبذا، المحبوب محذوف كما حذف المحمود في قوله تعالى: (نعم العبد أنه أواب) [ص/ ٣٠]، والمراد: حبيب إلى التهتك في الهوى لولا الحياء، على أنني ربما منحت هواي ما لا مطمع في دنوه، ويروى: "من ليس بالمتقارب" أي: أحببت من لا ينصفني، ولا مطمع فيهز قال أبو العلاء: لوما الحياء، أي: حبذا ذكر هؤلاء النساء لولا أني استحي أن أذكرهن، والحياء مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف، والمعنى: لوما الحياء يمنعني، ولو رويت لوما الحياء، فجعلت لوما من اللوم، وأضفته إلى الحياء، لحسن ذلك، والمعنى قريب من الأول، انتهى كلامه. وقال ابن جني في "إعراب الحماسة" قوله: ألا حبذا، حذف المقصود بذكر المحبة، كما حذف المثني عليه في قوله تعالى (نعم العبد) لما علم أنه أيوب، فكذلك عرف من المقصود بالمحبة هنا بقوله: بأهلي ظباء .. فكأنه قال: حبذا ظباء من قصتهن كذا، وزاد في أنه بذلك طول الكلام، فصار كالعوض في اللفظ من المحذوف. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والتسعون بعد البعمائة: (٧٩٥) لم أكن بأعجلهم وهو قطعة من بيت من قصيدة الشنفري الشهيرة بلامية العرب وهو: وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذا أجشع القوم أعجل

стр. 2489

زيدت الياء في خبر كان المنفية، والجشع، بفتحتين: شدة الحرص على الأكل يصف نفسه بالقناعة وعدم الشره. وهذه القصيدة ثمانية وستون بيتا، وقد شرحتها تماما في مواضع متفرقة من شواهد الرضى، والشنفري: شاعر جاهلي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والتسعون بعد السبعمائة: (٧٩٦) أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني ... وفرق الهجر بين الجفن والوسن قال ابن الحجاب في "أماليه": اسفا يجوز أن يكون مفعولا من أجله، وكان القياس يقتضي مجيء اللام، إذا ليس هو لفاعل الفعل المعلل، فيكون حذفها لضرورة الشعر، وقد جاء مثل ذلك ويجوز أن يقال: إن الهوى لما كان من سبب المتكلم، فكأنه هو الذي أبلى نفسه، فيكون أسفا فعلا لفاعل الفعل المعلل في المعنى، ويجوز أن يقال: إنه جعل الهوى أسفا مبالغة، كأن الحب نفسه صار له أسف على من تعلق به، فيكون لذلك فعلا لفاعل الفعل المعلل أيضا، ولا يستقيم أن يكون مصدرار إلا على تأويل حذف مضاف، كأنه قيل: إبلاء أسف وهو ضعيف، لأنه يؤدي إلى أن يكون متعلقات الفعل كلها مصادر، كقولك: ضربت يوم الجمعة، لصحة تقدير: ضربت ضرب يوم الجمعة، وفيه اخراج الأبواب عن حقائقها. انتهى. وقال الواحدي: الأسف: شدة الحزن، يقال: أسف يأسف أسفا فهو أسف وأسيف، وانتصب أسفا على المصدر، ودل على فعله بما تقدمه، لأن إبلاء الهوى بدنه يدل على أسفه كأنه قال: أسف أسفا، ومثله كثير في التنزيل كقوله تعالى: (صنع الله الذي اتقن) [النمل/ ٨٨]، وبلي الثوب يبلي بلى وبلاء، وأبلاه

стр. 2490

وغيره إبلاء، ومعنى إبلاء الهوى بدنه: إذهابه لحمه وقوته بما يورد عليه من شدائده، وخص يوم النوى لأن برح الهوى إنما يشتد عند الفراق، ويوم النوى ظرف للإبلاء، ويجوز أن يكون معمول المصر الذي هو أسفا، والمعنى يقول: أدى الهوى بدني إلى الأسف والهزال يوم الفراق، وبعد هجر الحبيب بين جفني والنوم، أي: لم أجد بعده نوما. أنتهى. وهذا البيت أول أبيات ثلاثة قالها في صباه، وهي أول ديوانه، وبعده: روح تردد في مثل الحلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم أبن كفى بجسمي نحولا أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني ويأتي شرحها في الباب السابع إن شاء الله تعالى وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والتسعون بعد السبعمائة: (٧٩٧) إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند على أنه روى الضحاك بالحركات الثلاث، قال أبو حيان في تذكرته: أجاز الأخفش في "الضحاك" الرفع على أنه قام مقام مضاف محذوف، أي: وحسب الضحاك، والنصب على أنه مفعول معه، والجر عطفا على الضمير. انتهى. وقال أبو بكر بن السراج في "الأصول": قال الأخفش: تقول: حسبك وعبد الله درهمان، على معنى يكفيك وعبد الله درهمان، فإن جررت، فهو جائز، وهو قبيح، وقبحه لأنك تعطف ظاهرا على ضمير مجرور، وأنشد: إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... البيت ..
следующие страницы →