Полный текст (2 797 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
حبيب إلى من بين الجبال، وأخصه بمحبتي من بين الجبال، كذا قال الكسائي والفراء، وقال اللخمي في شرحها ايضا: الريان: أرض لبني عامر بن صعصعة كانت محبوبته تحل بجبل الريان، فحبب إليه ذلك الجبل من أجل محبوبته، وساكن الريان من كان من صديق أو عدو، لأن منازل الأحباب عند العرب بمنزلة الأحباب، فهي تحن إليها، وتذكرها في أشعارها، وقال المتنبي في هذا المعنى:
لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أواهل
ويروى أن الفرزدق قال له: وإن كان ساكنه قرودا؟ فقال له جرير: إنما قلت "من".
وحكي مسعود الدولة المصري أن "من" في قوله "من كان" في موضع نصب على التمييز أيضا، وما بعدها في موضع الصفة، قال: ويدل على كونها تفسيرا أنها على مقابلة قوله: من جبل، وجاء التفسيران بعد المقصود، وقيل: إن من استفهام، وهي خبر كان مقدم، والتقدير: أي شيء كان فإني أحبه، وقيل: إن "من" بدل من ساكن ويكون اسم كان ضميرا فيها عائدا على "من" ويكون الخبر محذوفا، والتقدير: من كان ساكنا من الناس فساكن الخير، وأحسن هذه الأقوال، وأقواها كون "من" خبرا مقدما لكان. انتهى كلام اللخمي.
وقوله: وحبذا نفحات، جمع نفحة من قولك: نفحت الريح: إذاا هبت، ويعني اليمانة: الجنوب، لأنها تهب من قبل اليمن، وأوضح ذلك بقوله: هبت جنوبا. والمعنى: أنه لما هبت الريح من ناحية من يحبه تذكره، وحن إليه، وفي "معجم البلدان": الريان: جبل في ديار طيء، لا يزال يسيل منه الماء، والريان أيضا: واد في حمى ضرية في أرض كلاب أعلاه لبني الضباب، وأسفله لبني جعفر، وقال أبو زياد: الريان: واد يقسم حمى ضرية من قبل مهب الجنوب ثم يذهب نحو مهب الشمال، وريان: اسم جبل في بلاد بني عامر، والريان:
стр. 2487
جبل أسود عظيم في بلاد طيء إذا أوقدت عليه النار، أبصرت من مسيرة ثلاث، وقيل: هو من أطول جبال أجأ، قال جرير إما فيه أو في غيره:
يا حبذا جبل الريان من جبل ... البيتين
وقوله: هبت جنوبا إلى آخره ... هو من شواهد سيبويه. قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه جعل شرقي حوران ظرفا، ولو لم يكن ظرفا لم تكتف به صلة "الي" والصفاة: الصخرة الملساء، وهي هنا موضع بعينه، وحوران: موضع معروف بالشام، وأراد: هبت الريح جنوبا. وجنوبا منصوب على الحال، وإن شئت رفعت جنوبا بهبت، ويجوز أن يكون الضمير في هبت يعود إلى اليمانية في البيت السابق. وترجمة جرير تقدمت في الانشاد الحادي عشر.
وانشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والتسعون بعد السبعمائة:
(٧٩٤) ألا حبذا لوما الحياء وربما ... منحت الهوى ما ليس المتقارب
هو من ابيات لمرادس بن همام الطائي، وقيل: مرادس بن هماس، أوردها أبو تمام في "الحماسة"، وهي:
هويتك حتى كاد يقتلني الهوى ... وزرتك حتى لامني كل صاحب
وحتى رأى مني أدانيك رقة ... إليك ولولا انت ما لان جانبي
ألا حبذا لوما الحياة وربما ... منحت الهوى ما ليس بالمتقارب
بأهلي ظباء من ربيعة عامر ... عذاب الثنايا مشرفات الحقائب
стр. 2488
قال التبريزي في شرحه: قوله: لولا أنت، أي: لولا هواك ما لنت لهم، وقوله: ألا حبذا، المحبوب محذوف كما حذف المحمود في قوله تعالى: (نعم العبد أنه أواب) [ص/ ٣٠]، والمراد: حبيب إلى التهتك في الهوى لولا الحياء، على أنني ربما منحت هواي ما لا مطمع في دنوه، ويروى: "من ليس بالمتقارب" أي: أحببت من لا ينصفني، ولا مطمع فيهز قال أبو العلاء: لوما الحياء، أي: حبذا ذكر هؤلاء النساء لولا أني استحي أن أذكرهن، والحياء مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف، والمعنى: لوما الحياء يمنعني، ولو رويت لوما الحياء، فجعلت لوما من اللوم، وأضفته إلى الحياء، لحسن ذلك، والمعنى قريب من الأول، انتهى كلامه.
وقال ابن جني في "إعراب الحماسة" قوله: ألا حبذا، حذف المقصود بذكر المحبة، كما حذف المثني عليه في قوله تعالى (نعم العبد) لما علم أنه أيوب، فكذلك عرف من المقصود بالمحبة هنا بقوله: بأهلي ظباء .. فكأنه قال: حبذا ظباء من قصتهن كذا، وزاد في أنه بذلك طول الكلام، فصار كالعوض في اللفظ من المحذوف.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والتسعون بعد البعمائة:
(٧٩٥) لم أكن بأعجلهم
وهو قطعة من بيت من قصيدة الشنفري الشهيرة بلامية العرب وهو:
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذا أجشع القوم أعجل
стр. 2489
زيدت الياء في خبر كان المنفية، والجشع، بفتحتين: شدة الحرص على الأكل يصف نفسه بالقناعة وعدم الشره. وهذه القصيدة ثمانية وستون بيتا، وقد شرحتها تماما في مواضع متفرقة من شواهد الرضى، والشنفري: شاعر جاهلي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والتسعون بعد السبعمائة:
(٧٩٦) أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني ... وفرق الهجر بين الجفن والوسن
قال ابن الحجاب في "أماليه": اسفا يجوز أن يكون مفعولا من أجله، وكان القياس يقتضي مجيء اللام، إذا ليس هو لفاعل الفعل المعلل، فيكون حذفها لضرورة الشعر، وقد جاء مثل ذلك ويجوز أن يقال: إن الهوى لما كان من سبب المتكلم، فكأنه هو الذي أبلى نفسه، فيكون أسفا فعلا لفاعل الفعل المعلل في المعنى، ويجوز أن يقال: إنه جعل الهوى أسفا مبالغة، كأن الحب نفسه صار له أسف على من تعلق به، فيكون لذلك فعلا لفاعل الفعل المعلل أيضا، ولا يستقيم أن يكون مصدرار إلا على تأويل حذف مضاف، كأنه قيل: إبلاء أسف وهو ضعيف، لأنه يؤدي إلى أن يكون متعلقات الفعل كلها مصادر، كقولك: ضربت يوم الجمعة، لصحة تقدير: ضربت ضرب يوم الجمعة، وفيه اخراج الأبواب عن حقائقها. انتهى.
وقال الواحدي: الأسف: شدة الحزن، يقال: أسف يأسف أسفا فهو أسف وأسيف، وانتصب أسفا على المصدر، ودل على فعله بما تقدمه، لأن إبلاء الهوى بدنه يدل على أسفه كأنه قال: أسف أسفا، ومثله كثير في التنزيل كقوله تعالى: (صنع الله الذي اتقن) [النمل/ ٨٨]، وبلي الثوب يبلي بلى وبلاء، وأبلاه
стр. 2490
وغيره إبلاء، ومعنى إبلاء الهوى بدنه: إذهابه لحمه وقوته بما يورد عليه من شدائده، وخص يوم النوى لأن برح الهوى إنما يشتد عند الفراق، ويوم النوى ظرف للإبلاء، ويجوز أن يكون معمول المصر الذي هو أسفا، والمعنى يقول: أدى الهوى بدني إلى الأسف والهزال يوم الفراق، وبعد هجر الحبيب بين جفني والنوم، أي: لم أجد بعده نوما. أنتهى.
وهذا البيت أول أبيات ثلاثة قالها في صباه، وهي أول ديوانه، وبعده:
روح تردد في مثل الحلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم أبن
كفى بجسمي نحولا أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
ويأتي شرحها في الباب السابع إن شاء الله تعالى
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والتسعون بعد السبعمائة:
(٧٩٧) إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند
على أنه روى الضحاك بالحركات الثلاث، قال أبو حيان في تذكرته: أجاز الأخفش في "الضحاك" الرفع على أنه قام مقام مضاف محذوف، أي: وحسب الضحاك، والنصب على أنه مفعول معه، والجر عطفا على الضمير. انتهى.
وقال أبو بكر بن السراج في "الأصول": قال الأخفش: تقول: حسبك وعبد الله درهمان، على معنى يكفيك وعبد الله درهمان، فإن جررت، فهو جائز، وهو قبيح، وقبحه لأنك تعطف ظاهرا على ضمير مجرور، وأنشد:
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... البيت ..
стр. 2491
فمنهم من ينصب الضحاك، ومنهم من يجر، ومنهم من يرفع، فإن ظهرت، قلت: حسب زيد وأخيه درهمان، وقبح النصب والرفع، لأنك لم تضطر إلى ذلك. أنتهى. والعصا مستعار لجماعة المسلمين، وانشقاقها: عبارة عن اختلاف كلمتهم، قال صاحب "العباب": وانشقت العصا، أي: تفرق الأمر، وأصل هذا في الخوارج، فإنهم شقوا عصا المسلمين، أي: اجتماعهم وائتلافهم، أي: فرقوا جمعهم، ووقع الخلاف، وذلك لأنها لا تدعى العصا حتى تكون جميعا، فإذا انشقت لم تدع عصا، ومن ذلك قولهم للرجل إذا قام بالمكان، وأطمأن به، واجتمع له فيه أمره، قد ألقى عصاه، قال:
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا البيت ..
أقول القاء العصا كناية ععن الإقامة كقول الشاعر:
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر
ولقد ظرف الباخرزي في قوله:
حمل العصا للمبتلي بالشيب عنوان البلا
وصف المسافر أنه ألقى العصا كي ينزلا
فعلى القياس سبيل من حمل العصا أن يرحلا
والهيجاء هنا بالمد: الحرب، وتقصر أيضا، والضحاك: هنا اسم رجل، وزعم جماعة من شراح الأبيات أنه أسم سيف، ولا يستقيم المعنى عليه، على أني راجعت "العباب" و"التهذيب" فلم ار فيهما أن الضحاك اسم سيف، أو هو وصف من أوصافه، والمهند: القاطع، وقيل: المطبوع في الهند، والمعنى: إذا
стр. 2492
اختلفت الكلمة ووقعت الحرب، فيكفيك سيف مهند مع ظاهرة هذا الرجل على وجه، أو يكفيكما سيف مهند على وجه آخر، ويشهد لهذا رواية القالي في "الأمالي":
فيكفيك والضحاك سيف مهند
وقال بعض فضلاء العجم في شرح ابيات "المفصل"، المعنى: إذا وقعت الحرب، ووقع الخلاف والتفرق، فقد كفاك مع هذا الرجل وهو الضحاك، أي كفاكما هذا السيف واستغنيتما به. انتهى. والبيت قائله مجهوا، والله أعلم.
وأنشد بعده:
في ليلة لا ترى بها أحدا ... يحكى علينا إلا كواكبها
وتقدم الكلام عليه في الانشاد الثالث والعشرين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والتسعون بعد السبعمائة:
(٧٩٨) ها بينا ذا صريح النصح فاصغ له ... وطع فطاعة مهد نصحه رشد
الصريح: الخالص الذي لم يمازجه شيء، واصغ بضم الغين المعجمة: أمر من صغا يصغوا صغوا: إذا مال لاستماع الكلام، وفيه لغة أخرى، وهي: صغا يصغي بمعناه، فيكون بكسر الغين، وطع: من طاع بمعنى: انقاد، ومهد: اسم فاعل من أهدى هدية، ونصحه: مفعوله، والرشد بفتحتين: خلاف الغي، والبيت قائله مجهول، ولا اعرف تتمه. والله أعلم.
стр. 2493
وأنشد بعده، وهو الانشاد التاسع والتسعون بعد السبعمائة
(٧٩٩) خرجت بها أمشي تجر وراءنا ... على أثرينا ذيل مرط مرحل
على أن جملة أمشي حال من التاء في "خرجت"، وجملة "تجر وراءنا" حال من ضمير "بها"، والبيت من معلقة امريء القيس، وقبله:
اتيت وقد نضت لبنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل
فقالت يمين لله مالك حيلة ... وما إن أرى عنك الغواية تنجلي
فقمت بها أمشي تجر وراءنا ... البيت ..
نضا الثوب بنوضه نضوا: إذا خلعه ونزعه، وجملة: "وقد نضت" حال من التاء، ولدي: ظرف عامله نضت، واللبسة بالكسر: حال الابس وهيئة لبس الثوب كالجلسة، والمتفضل: اللا بس ثوبا واحدا للنوم، أو للخفة في العمل، واسم ذلك الثوب الفضل بضمتين، ويقال للرجل والمرأة: فضل أيضا، والمفضل بكسر الميم: الإزار الذي ينام فيه، أخبر أنه جاءها وقت خلوتها وتومها لينال منها ما يريد.
وقوله: فقالت يمين الله: منصوب بمعنى حلفت بيمين الله، ثم أسقطت الباء، فتعدى الفعل إليه، ثم حذف، ويروى يمين الله بالرفع مبتدأ، وخبره قسمي محذوفا، أو تقديره: على، وجملة: "مالك حيلة" جواب القسم، وإن بعد ما زائده والغواية: الغي، ويروى بدله: "العماية" بمعناه. المعنى: أنها خافت أ، يعلم بأمرهما فقالت: مالك حيلة في التخليص، أو مالك حيلة فيما قصدت له، وقال ابن حبيب: لا أقدر أن احتال في دفعك عني، وقوله: فقمت بها، وروي:
стр. 2494
خرجت بها، أي اخرجتها، فالباء للتعدية، واثرينا بالتثنية، وروي: "على إثرنا" بكسر الهمزة وسكون المثلثة، والأول بفتحتين، و"ذيل" بالإفراد مع الرواية الأولى، وبالجمع مع الثانية، والمرط بالكسر عند العرب: كساء من خز أو مرعزي، أو من صوف، وقد تسمى الملاءة مرطا، وإنما تجر ذيل المرط ليخفي الأثر، ولا يعرف موضعها، والمرحل: الثوب الذي فيه صور الرحال من الوشي وترجمة امرئ القيس تقدمت في أول الكتاب.
وانشد بعده، وهو الانشاد الموفي الثمانمائة:
(٨٠٠) عهدت سعاد ذات هوى معني ... فزدت وعاد سلوانا هواها
عهد من عهدته بمال، أي: عرفته به، والأمر كما عهد، أي: عرف، وذات هوى بالنصب: حال من مفعول عهدت وهو سعاد، والهوى: العشق، ومعنى حال من فاعل عهدت وهو التاء، وفي "المصباح": وعني يعني من باب تعب: إذا أصابه مشقة، ويتعدى بالتضعيف، فيقال: عناه تعنية: إذا كلفه ما يشق عليه، والاسم: العناء بالمد. انتهى. والمراد بالمعنى هنا: العاشق، والسلوان مصدره سلاه يسلوه سلوا وسلوانا: إذا نسيه مع ما كان كثير الذكر والمحبه له، يقول: كنت وسعاد متحابين، فأما أنا فصرت إلى ازدياد، وأما هي، فصارت إلى السلو والنسيان، والبيت لم أقف له على تنمية ولا قائل، والله أعلم.
стр. 2495
وأنشد بعده، وهو الانشاد الواحد بعد الثمانمائة:
(٨٠١) ومن يقترب منا ويخضع نؤوة
تمامه:
ولا يخش ظلما ما أفام ولا هضما
من اسم شرط جازم، ويقترب: فعل الشرط مجزوم به، ونؤوه: جزاء الشرط مجزوم بحذف اليا، وهو من أواه يؤويه إيواءا: إذا أنزله عنده وأكرمه، ولا يخش معطوف عليه، ولا النافية لا تمنع الجزم، ويخضع منصوب بأن مضمرة، وتؤول الفعل بالمصدر، والواو عاطفة مصدرا مؤولا على مصدر متوهم، لأن المعنى: من يكن منه اقتراب وخضوع نؤوه، وفي "المصباح": هضمه هضما من باب ضرب: دفعه عن موضعه فانهضم، وقيل: هضمه كسره، وهضمه حقه: نقصه. والبيت لم أقف له تتمة ولا قائل، والله أعلم.
وأنشد بعده:
أمرتك الحسر ...
هو قطعة من بيت، وهو:
أمرتك الحسر فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
وتقدم الكلام عليه في الانشاد الثالث والعشرين بعد الخمسمائة.
وأنشد بعده:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
وقد استوفينا الكلام عليه في الانشاد الخامس بعد المائة.
стр. 2496
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثاني بعد الثمانمائة:
(٨٠٢) تمنى ابنتاى أن يعيش أبوهما ... وهل أن إلا من ربيعة أو مضر
على أن بعضهم استدل على جواز: قام هند في الشعر، كقوله: تمنى ابنتاي بناءين، فحذفت إحداهما تخفيفا، كما في قوله تعالة (نار تلظى) [الليل/ ١٤]، واستشهد به المحقق الرضي على أن فيه الإيهام على السامع، وقد قصد به الرد على الكوفيين، وذكرنا ما يتعلق به في الشاهد السادس والتسعين بعد الثمانمائة من شواهد الرضى. والبيت أول ابيات للبيد بن ربيعة اللعامري الصحابي قالها لابنته لما حضرته الوفاة، وبعده:
فقوما وقلا بالذي تعلمانه ... ولا تخشما وجها ولا تحلقا شعر
وقولا هو المرء الذي لا صديقه ... أضاع ولا خان الخليل ولا غدر
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
وقد شرحنا هذه الابيات، وبسطنا الكلام على قوله: ثم اسم السلام عليكما في الشاهد الخامس بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي، وترجمة لبيد تقدمت في الانشاد الواحد والستين.
стр. 2497
وانشد بعده، وهو الانشاد الثالث بعد الثمانمائة:
(٨٠٣) فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في انيابها السم ناقع
على أن قوله: ناقع خبر لقوله السم، وفي متعلقة بناقع، أو خبر ثان للسم، وهذا قول سيبويه. قال الأعلم في شرح شواهده: الشاهد في رفع ناقع خيرا عن السم عن إلغاء المجرور، ولو نصب على الحال، والخبر المجرور، لجاز، والمساورة: المواثبة، والأفعى لا تلدغ إلا وثبا، والضئيلة الدقيقة من الكبر وهو أشد لمسها، والرقش: جمع رقشاء، وهي المنقطة بسواد، [والناقع: الخالص] قال جامع ديوان الخطيئة عن قوله:
كأني ساورتني ذات سم ... نقيع ما تلائمها رقاها
النقيع: المنقوع المجتمع، وذلك أن الحية يجتمع سمها من أول الشهر إلى النصف منه، فإن أصابت شيئا لفظته فيه، فإن جاء النصف ولم تصب شيئا تنهشه، لفظته من فيها بالأرض، ثم استأنفت تجمع إلى رأس الشهر، ثم تفعل فعلها الأول، فهذا دأبها الدهر كله. أنتهى.
والبيت من القصيدة للنابغة الذيباني يذكر فيها شدة خوفه من النعمان بن المنذر، وأنه لا ينام الليل إلا غرار لتهمة كان اتهم بها عنده، وقبله:
وعيد أبي قابوس في كنهه ... اتاني ودوني راكس فالضواجع
стр. 2498
أبو قابوس: كنية النعمان بن المنذر، وكنة الشيء: مقداره، قال الأصمعي: أي: جائني وعيده في قدر الوعيد، أي لم أكن بلغت ما يغضب علي فيه، وراكس: اسم واد، والضواجع جمع ضاجعة وهو نحنى الوادي، أي: اتاني وعيده وبيني وبينه الأودية والجبا، ثم وصف الحية بقوله:
يسهد في ليل التمام سليمها ... لحلى النساء في يديه قعاقع
ليل التمام بكسر التاء: أطول ليلة في السنة، والسليم: اللديغ، سمي به تفاؤلا، وكان اللديغ يجعل حلي النساء في يديه، وخلاخليهن في رجليه حتى لا ينام من قعقعتها، أي صوتها.
تناذرها الراقون من سوء سمها ... تطلقه حينا وحينا تراجع
الحيات، وتطلقه: تخف عنه مرة وتشتد عليه مرة، قال المبرد في "الكامل": ومن التشبيه الصحيح هذه الابيات، وهذه صفة الخائف المهموم. وقد شرحنا هذه القصيدة جميعا في الشاهد الخامس والخمسين بعد المائة من شواهد الرضي وترجمة النابغة تقدمت في الانشاد الثالث والعشرين
وأنشد بعده، وهو الانشاد الرابع بعد الثمانمائة:
(٨٠٤) ولست بالأكثر منهم حصا ... وإنما العزة للكاثر
صوابه في الرواية: "ولست بالأكثر منه حصا".
стр. 2499
والبيت من قصيدة للأعشى، ميمون البكري، يهجو بها علقمة بن علاثة، وينفر عليه عامر بن الطفيل، وكان علقمة بن علاثة نافر ابن عمه عامر بن الطفيل العامريين، وكان علقمه كريما رئيسا، وكان عامر عاهرا سفيها، وساقا إبلا جمة لينحر لهما المنفر له، فهابت حكام العرب أن يحكموا بينهما بشيء، إلى أن جاء الأعشى إلى علقمة مستجيرا به، فقال: أجيرك من الاسود والأحمر، قال: ومن الموت، قال: لا. فأتى عامرا، فقال له مثل ذلك، فقال: ومن الموت؟ فقال: نعم، قال: وكيف ذلك؟ قال: إن مت في جواري ودينك، فقال علقمة: لو علمت أن ذلك مراده، لهان علي، ثم أن الأعشى ركب ناقته، ووقف في نادي القوم، وانشدهم هذه القصيدة، ومطلعها:
شاقك من قيلة أطلالاها ... بالشط فالجزع إلى حاجر
وقيلة: امرأة، والشط: جانب النهر، وحاجر: موضع، ثم بعد أن نسب باثنى عشر بيتا قال:
دعها فقد أعذرت في ذكرها ... واذكر خني علقمة الحائر
الحي: الفحش، والحائر: الغادر.
اسفها توعدني جاهلا ... لست على الأعداء بالقادر
بحلف بالله لئن جاءه ... عني نبأ من سامع خابر
ليجعلني ضحكة بعدها ... خدعت يا علقم من ناذر
آليت بالله على فتكه ... فلم أقله عثرة العاثر
ليأتنه منطق فاحش ... مستوسق للسامع الآثر
لا تحسبني عنكم غافلا ... فلست بالواني ولا الفاتر
стр. 2500
لي أن قال:
فاقن حياء أنت في هذه ... مالك بعد الجهل من عاذر
إن الذي فيه تماريتما ... بين للسامع والناظر
ما جعل الجد الظنون الذي ... جنب صوت اللجب الماطر
مثل الفراتي إذا ما جرى ... يقذف بالبوصي والماهر
الجد، بضم الجيم: الئر القديمة التي لا يدرى فيها ماء أم لا، والصوب: المطر، واللجب: السحاب، والفراتي: الفرات المعروف، أو الماء العذب، والبوصي: نوع من السفن، والماهر: السابح.
أقول لما جاءني فخره ... سبحان من علقمه الفاخر
أي: سبحان الله على معنى التعجب، كما جرت به عادة العرب.
علقم لا تسفه ولا تجعلن ... عرضك للوارد والصادر
وأول الحكم على وجهه ... ليس قضائي بالهوى الجائر
حكمتموه فقضي بينكم ... أبلج مثل القمر الباهر
لا يأخذ الرشوة في حكمه ... ولا يبالي غبن الخاسر
كم قد مضى شعري في مثله ... فلست بالمدى ولا النائر
ولست في السلم بذي نائل ... ولست في الهيجاء بالجاسر
ولست بالأكثر منه حصا ... وإنما العزة للكاثر
ولست في الأثرين من مالك ... ولا إلى بكر اولي الناصر
هم هامة الحي إذا ما دعوا ... ومالك في السؤؤد القاهر
ساد وألفى قومه سادة ... وكابرا سادوك ععن كابر
فاصبر على حظك مما ترى ... فإنما الفلج مع الصابر
стр. 2501
علقم ما انت إلى عامر ... الناقم الاوتار والواتر
واللبيب الخيل بخيل إذا ... ثار غبار الكبسة المسائر
اللبس: خلط الشيء بعضه ببعض، والكبة بالفتح هنا: الجماعة، والكبة: الزحام.
سددت بني الأحوص لم تعدهم ... وعامر ساد بني عامر
قد قتلت شعري فمضى فيكما ... فاعترف المنفور للنافر
وبعد هذه الابيات قال جامع ديوان الاعشي: لما قال الأعشي هذه القصيدة، نذر علقمه دمه وجعل على كل طريق رصدا، فاتفق أن الأعشى خرج يريد وجها ومعه دليل، فأخطأ به الطريق، فألقاه في ديار بني عامر، فأخذه رهط علقمة، فأتوه به، فقال له علقمة: الحمد لله الذي أمكن منك، فقال الأعشي:
أعلقم قد صبرتني الأمور ... إليك وما أنت لي مقنص
فهب لي نفسي فدتك النفوس ... ولا زلت تنمي ولا تنقص
فقال قوم علقمة: أقتله وارحنا منه والعرب من شر لسانه، فقال علقمة: إذا تطلبوا بدمه، ولا ينغسل على ما قاله، ولا يعرف فضلى عنده القدرة، فأمر به فحل وثاقه، وألقى عليه حلة، وحمله على ناقة، واحسن عطاءه، ثم قال له: اذهب حيث شئت، واخرج معه من بني كلاب من يبلغه مأمنه، فقال الأعشى بعد ذلك:
علقم يا خير بني عامر ... للضيف والصاحب والزائر
والضاحك السن على همه ... والغاافر العثرة للعائر
стр. 2502
وهذا كله في الجاهلية، ثم إن علقمة قدم على رسول الله ﷺ وهو شيخ، فأسلم، وبايع، وروي حديثا واحدا، واستعمله عمر بن الخطاب على حوران، فمات بها.
وقوله: "ولست بالأكثر منه حصا" الحصا: : العدد، لأن العرب أميون لا يعرفون الحساب بالقلم وإنما كانوا يعدون بالحصا، وبه يحسبون المعدود، واشتقوا منه فعلا، فقالوا: احصيت، والعزة: القوة والغلبة، والكاثر: الغالب بالكثرة. من كاثرته فكثرته، أي: غلبته، وقد بسطنا الكلام على هذا في الشاهد السابع عشر بع الستمائة، وفي الشاهد الخامس والثلاثين بعد المائتين من شواهد المحقق الرضي. وعامر بن الطفيل مات كافرا كالأعشى، وتقدمت ترجمته في الإنشاء التاسع عشر بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الخامس بعد الثمانمائة:
(٨٠٥) على أنني بعد ما قد مضى ... ثلاثون للهجر حولا كميلا
انشده سيبويه في باب كم مع مبيت بعده، وهو:
يذكرنك حنين العجول ... ونوح الحمامة تدعو هديلا
стр. 2503
قال الأعلم في شرح شواهده: الشاهد في فصله بين الثلاثين والحول بالمجرور ضرورة، فجعل سيبويه هذا تقوية لما يجوز في كم من الفصل عوضا لما نعته من التصرف في الكلام بالتقديم والتأخير لتضمنها معنى الاستفهام والتصدر لذلك، والثلاثون ونحوها من العدد لا تمتنع من التقديم والتأخير، لأنها لم تتضمن معنى يجب لها به التصدر، فعلت في المميز متصلا بها على ما يجيب في التمييز. انتهى. وقوله: علىى أنني متعلق بما قبله، والحول: السنة، والكميل: الكامل، وثلاثونن: فاعل مضى، والتذكير يتعدى لمفعولين، أحدهما الياء، وثانيهما الكاف، وحنين: فاعل يذكرنيك، وهو ترجيع الناقة صوتها اثر ولدها، هذا اصله، ومنه معنى الاشتياق، والعجول من الإبل: الواله التي فقدت ولدها بذبح أو موت أو هبة، وقيل التي ألقت ولدها قببل أن يتم بشهر أو شهرين، ونوح الحمامة: صوت تستقبل به صاحبها، لأن أصل النوح: التقابل، وجملة "تدعو": حال من الحمامة، قال ابن قتيبة في "أدب الكتاب": العرب تجعل الهديل مرة فرخا تزعم الأعراب أنه كان على عهد نوح ﵇، فصاده جارح من جوارح الطير، قالوا: فليس من حمامة إلا وهي تبكي عليه، ومرة يجعلونه الطائر نفسه، ومره يجعلونه الصوت. انتهى.
فعلى الأول هو مفعول تدعو بمعنى تبكيه وترثيه، وكذلك على الثاني بمعنى تطلبه لسافدها، لأنه ذكر، قال صاحب "العباب": الهديل: الذكر من الحمام، وعلى الثالث مفعول مطلق، وناصبه إما تدعو بمعنى تهدل، وإما فعل مقدر من لفظه، أي تهدل هديلا، قال صاحب "العباب": والهديل: صوت الحمام، يقال: هدل الحمام يهدل هديلا، مثل: هدر يهدر هديرا.
ومعنى البيتين: لم أنس عهدك على هذه، وكلما حنت عجول، أو هدلت حمامة رقت نفسي، فذكرتك.
والبيتان من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف قائلوها، ونقل العيني عن "الموعب" أنهما للعباس بن مرداس الصحابي، والله أعلم.
стр. 2504
وأنشد بعده
كما عسل الطريق الثعلب
صدره:
لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب
وتقدم الكلام عليه في الانشاد الثالث من أول الكتاب
وأنشد بعده، وهو الانشاد السادس بعد الثمانمائة
(٨٠٦) له حاجب في كل أمر يشينه
تمامه:
وليس له عن طالب العرف حاجب
هو من ابيات "تلخيص المفتاح" استشهد به على أن التنوين في حاجب الأول للتعظيم، وفي حاجب الثاني للتحقير.
والبيت من أبيات ثلاثة لمروان ابن ابي السمط، اوردها صاحب " الحماسة البصرية" وهي:
في لا يبالي المدلجون بنوره ... إلى بابه أن لا تضيء الكواكب
له حاجب عن كل أمر يشينه ... . . . . . البيت
أصم عن الفحشاء حتى كأنه ... إذا ذكرت في مجلس القوم غائب
وروي القالي في "أماليه" البيتين الآخريين عن أبي بكر أبن الانباري (انتهى
стр. 2505
وجميعهم نسب البيت إلى ابي السمط، قال ابن السبكي في "عروس الافراح" وتبعه الدماميني: هو مروان بن أبي حفصة، قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء" هو مولى مروان بن الحكم، وكان أعتق ابا حفصة يوم الدار، قال مروان:
بنو مروان قومى اعتقوني ... وكل الناس يعد لهم عبيد
والحاجب: المانع، والشين العيب، والعرف: المعروف بالإحسان، قال ابن خلكان: مروان بن أبي) حفصة: سليمان بن يحي بن أبي حفصة يزيد الشاعر المشهور كان جده أبو حفصة مولى ابن الحكم، فأبلى يوم الدار فأعتقه، وقيل: بل كان لعثمان، فوهبة لمروان بن الحكم، ومروان الشاعر من أهل اليمامة، وفد بغداد، ومدح المهدي والرشيد، ومولده سنة خمس ومائة، وتوفى ببغداد سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومائة.
وأنشد بعده، وهو الانشاد السابع بعد الثمانمائة:
(٨٠٧) فارسا ما غادروه ملحما ... غير زميل ولا نكس وكل
قال ابن الشجري: الرواية نصب فارس بمضمر يفسره الظاهر، و "ما" صلة ويجوز فيه الابتداء، وجملة غادروه صفة له، وغير زميل خبره، وقال ابن
стр. 2506
الخشاب فيما كتبه على هامشه ومن خطة نقلت: الرواية برفع فارس كذا رواه أبو زكريا عن المغربي وغيره، وكذا قرأناه على الشيوخ عنه. انتهى.
والبيت من أبيات ثلاثة أوردها أبو تمام في آخر باب المرائي من "الحماسة" وتقدم بيتها الأول في بحث "لو" في الانشاد الرابع والثلاثين بعد الاربعمائة وبسطنا الكلام عليها هناك، والملحم بصيغة اسم المفعول من ألحمته الحرب إ ١ انشبت به في المعركة فقطع لحمه، ويقال للحرب: الملحمة باسم الفاعل، والزميل بضم الزاي وتشديد الميم المفتوحة بعدها ياء ساكنة: الجبان الضعيف، والنكس بكسر النون: الرجل الذي لا خير فيه، والوكل بفتحتين: الذي يكل أمره إلى غيره، وبسط الكلام فيه هناك.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثامن بعد الثمانمائة:
(٨٠٨) دعوني فيا لبي إذا هدرت لهم
تمامه:
شقاق أقوام فأسكتها بدري
قال المفضل بن سلمة الضبي في كتاب "الفاخر" قال الفراء: معنى ليبك إجابة لك قال: ومنه التلبية بالحج، وإنما هو إجابة لأمرك بالحج، وثني يريد إجابة بعد إجابة، ونصبه على المصدر، وقال الأحمر: معناه: إلباب بك، أي: إقامة ولزوم لك، وهو مأخوذ من قولك: لب بالمكان وألب: إذا أقام به، قال: وكان أصله لببك فاستقلوا ثلاث باءات، فقلبوا إحداهن ياء، كما قالوا: تظنيت، يريدون، تظنيت، ومنه قول العجاج:
تقضي البازي إذا البازي كسر
стр. 2507
أراد: تقضض البازي، فاستثقل الضادات، فقلبت إحداهن ياء، وقد حكي أبو عبيد عن الخليل أننه قال: أصلها من: لببت بالمكان، فإذا دعا الرجل صاحبه، قال لبيك، فكأنه قال: أنا مقيم عندك، وحكي عنه أيضا أنه قال: هو مأخوذ من قولهم: أم لبة، أي محبة عاطفة، فإن كان كذذلك، فمعناه: إقبال إليك، ومحبة لك، ويقال: إنه مأخوذ من قولهم: داري تلب دارك، فيكون معناه: اتجاهي إليك، وإقبالي على أمرك، هذا آخر كلام المفضل.
وفي "العباب" للصاغاني قال ابن الانباري في "لبيك" أربعة أقوال، احدها إجابتي لك مأخوذ من: لب بالمكان، وألب له: إذا أقام به، وقالوا: لبيك فثنوا لأنهم أرادوا إجابة بعد إجابة، وقال بعض النحويين: أصل لبيك: لبيك فاستثقل الجمع بين ثلاث باءات، فأبدلوا من الثالثة ياء، كما قالوا: تظنيت، والثاني: اتجاهي يا رب وقصدي لك، فثني للتوكيد، وأخذ من قولهم: داري تلب دارك، أي تواجهها، والثالث محبتي لك يا رب من قول العرب: امرأة لبة: إذا كانت محبة لولدها، عاطفة عليه، والرابع: اخلاصي لك يا رب من قولهم: حسب لباب: إذا كان خالصا محضا. انتهى.
وقوله: دعوني فيا لب إلى آخره .. أي طلبني المستغيثون لدفع الأعداء عنهم، فيا من دعاني: للبيك، فحذف الكاف لضرورة الشعر، وبقيت الياء ساكنة على حالها، وإذا ظرف لدعوني، وضمير لهم للأعداء، والشقاشق: جمع شقشقة، بكسر الشين، وهي شيء كالرئة يخرجها البعير من فيه إذا هاج، وهدرت شقشقة البعير: قرقرت وصوتت، واستعير هديرها للوعيد والتهديد المزعج، واسكتها: خلاف انطقها، والضمير لشقاشق، وبدري: مبادرتي ومارعتي للدفع منهم، والبيت لم أقف له على تتمة، ولا على قائل، والله أعلم,
стр. 2508
وأنشد بعده، وهو الانشاد التاسع بعد الثمانمائة:
(٨٠٩) لقلت لبيه لمن يدعوني
قبله
إنك لو دعوتني ودونسي ... زوراء ذات منزع بيون
ولو قال بعد هذا
لقلت لبيك أمن يدعوني
لسلم من الشذوذ وقوله: ودوني، أي: أمامي وقدامي، والزوراء: بإعجام الأول وسكون الواو بعدها راء مهملة فألف ممدودة: البئر البعيدة والقعر، والأرض البعيدة أيضا، والمنزع بالنون والزاي المعجمة: مصدر نزع الرجل، إذا استقى، أي: نزع الدلو وهو جذبها وسحبها، والبيون بفتح الموحدة وضم المثناة التحتية: البئر البعيدة القعر الواسعة، ولم أقف على قائل هذا الشعر والله أعلم به.
وأنشد بعده، وهو الانشاد العاشر بعد الثمانمائة:
(٨١٠) فلبى، فلبى يدي مسور
صدره:
دعوت لما نابني مسورا
على أنه أضاف "لبى" إلى اسم ظاهر، وهو شاذ، ونابني: أصابني من النائبة وهي المصيبة، واللام للتعليل، ومسورا بكسر الميم: مفعول دعوت، وقوله: فلبى الفاء عاطفة على دعوت، أي: فأجاب وهو فعل ماض من التلبية، والفاء
стр. 2509
الثانية سببية، ولبى باء التثنية، أضيف إلى يدي مسور، وخص يديه، لأنهما الدافعتان ضره، والمعنى: دعوت مسورا لينصرني، ويدفع عن ما نابني من الشدائد، فأجابني، ولباني، فاجاب الله دعاءه، وأعانه كما أعانني, والبيت من شواهد سيبويه، قال الأعلم: الشاهد فيه قوله: فلبي يدي باثبات الياء لأنها ياء التثنية، وإنما احتج به على يونس لزعمه أن لبيك اسم مفرد، وأن ياءه كياء عليك، ولو كان بمنزلة عليك، لقال: فلبى يدي مسور كما تقول على يديه ونحوه، يقول: دعوت مسورا لرفع نائبه نابتني، فاجابني بالعطاء فيها وكفاني مؤونتها، وكأنه سأل في دية وإنما لي يديه، لأنهما الدافعتان إليه ما سأله، فخصهما بالتلبية لذلك. انتهى.
قال بعضهم: إن لي الأولى تكتب بالألف، والثانية بالياء ليعرف أن الأولى فعل، والثانية مصدر منصوب بالياء، قال الفارسي: لا حجة له في البيت على ما ذكر، لأنه يجوز في نحو هذه الألف التي تطرفت أن تقلب ياء في الوقوف، فيقال في أفعى في أفعى بقلب الألف ياء، ومنهم من يجري الوصول مجرى الوقوف، فيمكن أ، يكون "فلي يدي مسور" من ذلك، قال ابو حيان: وهذا الذي قاله الفارسي يمكن إن سمع من كلامهم "لبا زيد" انتهى.
والتلبية مأخوذة من لبيك، قال أبن جني في "سر الصناعة" وهذا كلامه فيه قال: قال بعضهم في لبيت بالحج، إنما هو لبيت، فقلبت من قولهم: ألب بالمكان: أقام به، قرأت على أبي علي للمضرب بن كعب:
فقلت لها فيثي إليك فإنني ... حرام وإني بعد ذاك لبيب
стр. 2510
أي ملب بالحج، قال ابن السكيت: وقوله بعد ذاك، أي: مع ذاك، فأما حقيقة لبيك عند أهل الصنعة فليس أصل يائه باء، وإنما الياء في لبيت هي الياء في قولهم: لبيك وسعديك، اشتقوا من الصوت فعلا، فجمعوه من حروفه، كما قالوا من سبحان الله: سبحت، أي قلت سبحان الله، ومن لا إله إلا الله، هللت، ومن لاحول ولا قوة إلا بالله: حوقلت، ومن بسم الله: بسملت، ومن هلم وهو مركب من ها ولم عندنا، ومن هل وأم عند البغداديين، فقالوا: هلممت.
وكتب إلى أبو علي في حلب في شيء سألته عنه، فقال: قال لي بعضهم: سألتك حاجة، فلاليت فيها، أي: قلت لي: لا، وسألتك حاجة، فلو ليت لي، أي قلت لي: لولا، قال: وقالوا: بأبأ الصبي أباه، أي قال له: بابا، وحكي لنا عن الأصمعي أو أبي زيد انهم يقولون: رجل ويلمه، للداهية، اشتقوه وصفا من قولهم: وي لمه، وأصله: ويل لأمه، وهذا كثير، وكذلك أيضا اشتقوا: لبيت من لفظ لبيك، فجاؤوا في البيت بالياء التي هي للتثنية في لبيك، وعلى هذا قول سيبويه، فأما يونس، فزعم أن لبيك أسم مفرد، وأصله عنده: لبب، ووزنه فعلل، ولا يجوز أن يحمله على فعل لفلة فعل في الاسماء، وكثرة فعلل، فقلبت الباء التي هي اللام الثانية من لبب ياء هربا من التضعيف، فصار لبي، ثم أبدلت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت لبا، ثم انها لما وصلت بالكاف في لبيك، وبالهاء في لبيه نحو ما انشدنا أبو علي:
إنك لو دعوتني ودوني ... زوراء ذات منزع بيون
لقلت لبيه لمن يدعوني
قلبت الألف ياء، كما قلبت في وإلى وعلى إذا وصلتها بالضمير فقلت: إليك وعليك ولديك، ووجه التشبيه بينهما أن لبيك ليس له تصرف غيره من الاسماء لأنه لا يكون منصوبا، ولا يكون إلا مضافا، كما أن إليك وعليك ولديك
стр. 2511
ولا تكون إلا منصوبة المواضع، ملازمة للإضافة، فقلبوا ألفه ياء، فقالوا لبيككما قالوا: عليك وإليك ولديك، ونظير هذا: كلا وكلتا في قلبهم الألف ياء متى أتصلت بضمير، فكانت في موضع نصب أو جر، ولم يقلبوا الألف في موضع الرفع باء، لأنهما بعدا برفعهما عن شبه اليك وعليك ولدي، إذ كن لاحظ لهن في الرفع، واحتج سيبويه على يونس، فقال لو كانت ياء لبيك بمنزلة ياء إليك وعليك ولديك، لوجب متى أضفتها إلى المظهر أن تقرها ألفا، كما أنك إذا أضفت عليك واختيها إلى المظهر أقررت ألفها بحالها ولكنت تقول: على هذا: لبي زيد، ولبي جعفر، كما تقول: إلى زيد وعلى زيد، ولدى سعد، وانشد قول الشاعر:
دعوت لما نابني مسورا ... فلبى فلبى يدي مسور
قال: فقوله: فلبى بالياء مع إضافته إياه إلى المظهر دلالة على أنه اسم مثنى بمنزلة غلامي زيد، وصاحبي سعد، هذا شرح المذهبين وبسطهما، ومعاني قول سيبويه ويونس فيهما، وإن لم يكن لفظهما، فإنه غرضهما، ثم إن أبا على فيما بعد انتزع لنا شيئا يونس به قول يونس، ولم يقطع به، وإنما ذكره تعللا، وهو أنه قال ليونس أن يحتج فيقول: قوله فلبى يدي إنما جاء على قول من قال في الوصل: هذه أفعى عظيمة، وهذه عصى طويلة، أي: أفعى وعصا، وقد حكي سيبويه: أنهم يقولون ذلك في الوصل، كما يقولونه في الوقف، وهذا ليس عندنا مقنعا وإنما فيه بعض التأنيس والقول بعد قول سيبويه، فقول من قال: إن لبيت بالحج من قولنا: ألب بالمكان، إلى قول يونس أقرب منه إلى قول سيبويه، ألا ترى أن الياء في "لبيك" عن يونس إنما هي بدل من الألف المبدلة من الباء المبدلة في لبب على تقدير قول يونس، وهذا كله منتزع من قول سيبويه والخليل أن لبيك من قولهم: ألب بالمكان إلا أنهما لم يزعما أن الياء بدل من اللام الثانية، فأعرف هذه المسألة فإنها من لطيف ما في الكتاب، وإن أعان الله على شرحه وتفسيره، سقت جميعه من التقصي والتنظير
стр. 2512
على هذه الطريق، وعلى ما هو ألطف وأدق منها إن شاء الله. هذا آخر كلام ابن جني قناها برمته لفوائده ونفاسته ولله الحمد.
وأنشد بعده
عسى الكرب الذي امسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
وتقدم الكلام عليه، في الانشاد السادس والاربعين بعد المائتين,
وأنشد بعده، وهو الانشاد الحادي عشر بعد الثمانمائة:
(٨١١) وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ... ثوبي فأنهض نهض الشارب الثمل
على أن ثوبي بدل اشتمال من تاء جعلت، وهذا هو المشهور، وقال ابن مالك في التسهيل وتبعه المحقق، وربما جاء خبر جعل جملة اسمية وفعلية مصدرة بإذا فيكون ثوبي فاعل يثقلني، ويكون وقوع الجملة الشرطية خبرا لجعل موقع الفعل المضارع نادرا، ولا يخفي أنه إذا جاز تخريجها على ما ثبت لها، لا ينبغي العدول عنه إلى ادعاء الندرة، فأنه لا مانع من جعل يثقلني خبرا لها، ويكون ثوبي بدل اشتمال من التاء في جعلت، وذلك بتقدير إذا ظرفية.
والبيت من ابيات خمسة لعمرو بن أحمر الباهلي إلا أن قافيتها رائية لا لامية كما وقع في انشاد النحويين، والابيات رواها لعمرو المذكور المرزباني في "الموشح" ورأيتها كذلك بخط ابن نبتة السعدي صاحب "الحطب النباتية" ورواها عن ابي سعيد السكري عن ابن حبيب، عن ابن الاعرابي، وقد أقوى ي بيتين منها، نص عليه المزربانب وهي:
стр. 2513
ما للكواعب يا عياء قد جعلت ... تزور عنب وتطوى دوني الحجر
قد كنت فراج أبواب مغلقة ... دب الرياد إذا ما خولس النظر
فقد جعلت أرى الشخصين أربعة ... والواحد اثنين مما بورك البصر
وكنت أمشي على رجلين معتدلا ... فصرت أمشي على رجل من الشجر
وقد جعلت إذا ما قمت بثقلني ... ثوبي فانهض نهض الشارب السكر
وصف بها الشيخوخة، وضعف الحواس، وعجز القوى. وقوله: ما للكواعب استفهام انكاري، انكر اعراض الكواعب عنه، والكاعب: الشابة، وعيساء: اسم امرأة، وازور عنه: مال عنه، وتطوى بالبناء للمفعول، يريد انهن لا يقبلن على، ويسددن أبواب الحجر أمامي، وفرجة الباب: فتحته، وذب الرياد بالنصب خبر آخر لكان وهو بالذال المعجمة، أي كثير الحركة والدخول والخروج، يقال فلان ذب الرياد: إذا كان لا يستقر في موضع، والرياد مصدر رواد يرواد، وخولس للمفعول، خالس الشيء: اخنطفه بسرعة على غفلة، يقول: كان النساء يتسارقن النظر إلى لحسني وبابي عندما كنت خفيف الحركة، وجعل: من أفعال الشروع، وقوله "مما بورك النظر" تهكم واستهزاء ببصره، جعل ضعف بصره بركة، أي: زيادة، لأنه يريه الشيء مضاعفا، وأراد برجل من الشجر: العصا، لأن الشيوخ يعتمدون عليها في المشي، وقوله: يثقلني من اثقله الشيء: إذا أجهده واتعبه يجعله ثقيلا، وانهض معطوف على يثقلني، فهو خبر آخر بالعطف، وليس معطوفا على جعلت، كما زعم العيني لوجهين، أحدهما: أن النهوض على هذا الوجه مسبب عن اثقاله الثوب، وثانيهما: تناسب المتعاطفين في الضارعية، وفي السببية، وانهض: أقوم، وله مصدران، أحدهما ما في المبيت، والثاني النهوض، والسكر: صفة مشبهة.
стр. 2514
وعمرو بن أحمر: شاعر اسلامي في الدولة الأموية، وتقدمت ترجمته في الانشاد العاشر بعد المائة، وقال العيني: البيت الشاهد لأبي حية النميري، وقد نسب للحكم بن عبدل الأعرج الأسدي، وليس بصحيح لأنه لا يوجد في ديوانه، وقد بطنا الكلام بأكثر مما هنا في الشاهد الخامس والخمسين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني عشر بعد الثمانمائة:
(٨١٢) نطوف ما نطوف ثم نأوى ... ذوو الأموال منا والعديم
إلى حفر أسافلهن جوف ... وأعلاهن صفاح مقيم
على أن الرواية في "نأوى" بالنون، فلا يمكن أن يكون فاعله ذوو، فاحتيج إلى التأويل يجعله فاعلا لفعل مقدر مبدوء بياء الغيبة يفره نأوي، والتقدير: يأوي ذوو الأموال، فيكون مع ما بعده توكيدا لنأوي بالنون، وهذه رواية غير مشهورة، فإن الشعر من "الحماسة" وفي نسخها وشروحها إنما "يأوي" ببياء الغيبة لا بالنون، ولو كان بالنون لذكره شراحها، وتكلموا فيه.
والبيتان آخر ابيات عدتها اربعة عشر بيتا للبرج بن مسهر الطائي أوردها أبو تمام في أوائل باب النسيب من "الحماسة"، وتقدم شرح أبيات من أولها في الانشاد الثاني والثلاثين بعد المائة، وقبلهما:
стр. 2515
فبتنا بين ذاك وبين مسك ... فيا عجبا لعيش لو يدوم
وفينا مسمعات عند شرب ... وغزلان يعد لها الحميم
قوله: بين ذاك، قال ابو الفضل الطبرسي في شرحه للحماسة، إشارة إلى ما وصفه من الحصب وطيب العيش والترفه والتعطروالتمتع فيا عجبا! إنما تعجب من استمرار الوقت بمثل العيش الذي وصف، وكيف سمح الزمان به، والمسمعات: المغنيات، والسماع الغناء، والحميم: الماء المغلي يسمط به الغزلان، يريد: أنا صدنا فأغلينا الماء للصيد، ويريد بالحفر: القبور، أي: آخر أمر ذي المال، والعديم وهو من لا شيء له، الموت، والصفاح: الحجارة العراض. انتهى كلامه. ونطوف، بالتشديد للتكثير في الفعل، وما مصدرية زمانية، أي نطوف مدة تطوافنا، وقوله: إلى حفر متعلق بنأوي، وفيه العيب المسمى بالتضمين، وهو أن يتوقف معنى البيت الأول عن الثاني، والحفر: جمع حفرة، وأراد بها حفرة القبر، وجوف: جمع أجوف، بمعنى ذي جوف، والصفاح بصم الصاد وتشديد الفاء: الحجر العريض، وصف الحفر بأنها جوف الأافل لحدودها، وأن أعليها نصبت عليها الحجارة العراض كالسقوف بها، وهي دائمة على هذه الصفة.
وانشد بعده، وهو الانشاد الثالث عشر بعد الثمانمائة:
(٨١٣) ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا
على أن الكوفيين استدلوا به على جواز تقدم الفاعل، قالوا: إن مشيها روي مرفوعا، ولا جائز أن يكون مبتدئا إذ لا خبر له غي اللفظ إلا وثيدا، وهو منصوب
стр. 2516
على الحال، فتعين أن يكون فاعلا بوثيدا مقدما عليه، واجاب البصريون بما ذكره المصنف، وروي مشيها بالحفض، واقتصر عليها الجواليقي في شرح "أدب الكتاب" في باب معرفة جواهر الأرض، قال: ومشيها خفض على البدل من الجمال بدل الاشتمال، والتقدير: ما المشي الجمال وثيدا، والوثيد من المشي: الرويد، ونصبه على الحال، و"ما" استفهام على سبيل الانكار، والجندل: الحجارة، وبعده:
أم صرفانا باردا شديدا ... أم الرجال قبضا قعودا
والصرفان، قيل: الرصاص، وقيل جنس من التمر، والقبض: جمع قابض وهو المجتمع، ومن روي "جثما" فهو جمع جاثم.
والابيات للزباء قالتها لما نظرت إلى الجمال التي جاء بها قصير بن سعد صاحب جذيمة، وكان قد احتال عليها، وجعل الرجال في توابيت، وجعل التوابيت في جوالقات، فرأتها تسير مثقلة، فأنكرت ثقلها، وقالت هذه الابيات، والقصة مشهورة. أنتهى كلامه.
وقال ابن السيد في شرح "أدب الكاتب" هذا الرجز للزباء قالته حين جاءها قصير اللخمي بالجمال، وعليها صاجيق فيها رجال عمرو بن عمدي، وتقدم إليها وقال: قد جئتك [بما صأى وصمت] فاشرفت، فنظرت إلى الجمالتمشي مشيا ضعيفا لثقل ما على ظهورهها، فقالت هذا الرجز، وخبرها مشهور، وكان أبو حاتم يقول: هي الزبي بالقصر، ويجعلها تأنيث زبان مثل كران وسكرى، وقال غيره: إنما هي الزباء بالمد تأنيث الأزب، وفي الصرفان ثلاثة أقول، قيل: هو الرصاص وقيل: هو الموت، لأنه انصراف عن الحياة، وقيل: هو نوه من التمر ذكر ذلك أبو حنيفة. وروي الكوفيون مشيها بالرفع والنصب والخفض، قالوا:
стр. 2517
فمن رفع أراد: ما للجمال وثيدا مشيها، فقدم الفاعل ضرورة، ومن نصب، فعلى المصدر بفعل مضمر، أراد تمشي مشيها، ومن خفض فعلى البدل من الجمال، والبصريون لا يجيزون تقديم الفاعل قبل الفعل، قال أبو علي: من روى مشيها بالرفع أبدله من الضمير الذي في قوله: للجمال المرفوع، قال: وإن شئت جعلته مبتدأ، ووئيدا منتصب به وفي وصلته، والخبر مضمر، والجملة في موضع نصب، قال: ويجوز أن يكون وثيدا حالا سد مسد الخبر، وهذه حال غريبة في الأحوال السادة مسد الأخبار، لأن النحويين يقدرون الحال السادة مسد الخبر بإذا وإذا، ويضمرون معمهما كان التامة لتكون عاملة في الحال، فإذا قلت: ضربي زيدا قائما، فتقديره عندهم: إذا كان قائما، أو إذ كان قائما، لأن الحال إنما جاز أن تسد في هذا الموضع مسد الخبر، لأنها نابت مناب ظرف الزمان المحذوف، ولذلك لم يجز أن تسد مسد خبر المبتدأ إلا إذا كان المبتدأ مصدرا أو في تأويل المصدر، كما أن الزمان لا يكون خبرا إلا عن المصدر، أو ما يسد مسده، ولا يجوز تقدير ذلك في بيت الزباء، ألا ترى أنك إذا قلت: ما للجمال مشيها إذا كان وئيدا أو إذ كانت وثيدا كان ذلك خطأ؟ لأن الزباء إنما قالت هذا القول في حال تشاهدها، ولم تقل ذلك في شيء ماض ولا مستقبل، فلا يصح دخول كان ها هنا، ولا دخول إذ وإذا، ومع ذلك فإن وثيدا على هذا التقدير لا يجوز أن يكون حالا إلا بعد من التأويل فلأجل هذا الذي قلناه صار كثير من النحويين ينكرون قول ابي علي هذا، ويرده لمخالفة المعهود من أمر الأحوال السادة مسد الأخبار. وتلخيص قول أبي علي أن يكون التقدير: مشيها حين أراها المضمر فعل حال، وبحذف ذات، ويقيم الوثيد مقامها، وهذا آخر كلام ابن السيد. والقول الأول، وهو القول بالبدلية، رده المصنف وغيره. ونقل ابن السيد عن ابي حنيفة الدينوري أن الصرفان جنس
стр. 2518
من التمر، وهذه عبارته في "كتاب النبات": قال بعض الرواة: الصرفان من أرزن التمر، قال: وكذلك قال الشاعر:
ما للجمال مشيها .. إلى آخره.
والبارد: الذي ذهبت رطوبته وماؤه وحصل جامده، واخبرني بعض العرب قال: الصرفانة: تمر حمراء نحو البرنية إلا أنها صلبة المضغة علكة، وهي ارزن التمر كله، يعده ذوو العيالات وذوو العبيد والأجراء لجزاءته وعظم موقعه، والناس يدخرونه، ومن أمثالهم: "صرفانة ربعية تصرم بالصيف، وتؤكل بالشتية"، وأخبرني النوشانجي قال: الصرفان هي الصيحانية بالحجاز نختها كنخلتها. انتهى كلامه.
وقد ساق الجاحظ قصة ازباء: اسمها هند، ومكت اشام بعد عمها الضيون، وكانت جذيمة الابرش قتل عمها، فبعث إيها جزيمة يخطبها، فكتبت إليه تأمره بالقدوم إيها لتزوجه نفسها، فاستشار نصحاءه، وقالوا: أيها الملك إن تزوجت بها جمعت ملك الشام إلى ملكك بالحيرة، فاستخلف عند ذلك ابن اخته عمرو بن عدي، وسار في الف فارس من خاصته، فما انتهى إلى مكان يسمى بقة وهو حد مملكتها ومملكته، نز في ذلك المكان، واستشار أصحابه ايضا في المصير إيها أو الانصراف، فزينوا له الإلمام بها، وقالوا: إنك إن انصرفت من هاهنا حملوه على جبن ووهن، فدنا منه قصير، وهو مولى له، فقال له: أيها الملك لا تقبل مشورة هؤلاء وانصرف إلى ملكك حتى يتبين لك أمرها، فإنها امرأة موتورة، ومن شأن النساء الغدر، فلم يحفل بقوله، ومضى حتى أقتحم مملكتها، فقال له قصير: ببقة صرم الأمر، ثم أرسلها مثلا، فلما بلغ المرأة قدومه عليها، أمرت جنودها، فاستقبلوا الملك، فقال له قصير: أيها الملك إن جنودها لم يرتجلوا لك كما يترجل للملوك، ولست آمن عليك، فاركب العصا، فانج بنفسك، والعصا كانت فرسا لجذيمة لا يشق غبارها، فلم يعبأ جذيمة بقوله، وسار حتى دخل المدينة، وأمرت هند الزباء بأصحابه أن
стр. 2519
ينزلوا، فأنزلوا، واخذ منهم اسلحتهم ودوابهم، واذنت لجذيمة فدخل عليها وهي في قصر لها، ولم يكن معها في قصرها إلا الجواري، فأومت إليهن بأن يأخذنه، قال: فاجتمعن عليه، ليكتفنه، فامتنع عليهن، فلم يزلن يضربنه بالأعمدة حتى اثخنه وكتفنه، ثم دعت بنطع، فاجلسته فيه، وكشفت عن عورتها، فنظر جذيمة فإذا لها شعرة وافية، فقالت: كيف ترى عروسك أشوار عرس أم ترى؟ فقا: أرى بظرا ناتئا، ونتنا فاشيا، ولا أعلم ما وراء ذلك، قالت: أما إنه ليس من عدم المواسي، أو لقلة الأواسي، ولكنها شيمة من أناسي، ثم أمرت به فقطعت عروقه، فجعلت دماؤه تشخب في النطع، فقالت: لا يحزنك ما ترى، فإنه دم هراقه أهله، فأرسلتها مثلا، واحتال قصير للعصا حتى وصل إليها فركبها، ثم دفعها، فجعلت تهوي به كأنها الريح، وكان المكان الذي قصد فيه جذيمة مشرفا على الطريق، فنظر جذيمة إليه وقد دفع الفرس، فقال: لله حزم على رأس العصا، فلم تزل دماؤه تشخي حتى مات، ثم أمرت بأصحابه، فقتلوا أجمع، وكان عمرو ابن عدي يركب كل يوم من الحيرة، فيأتي طريق الشام يتجسس على خبره وحاله، فلم يبلغه أحد خبره، فبينما هو ذات يوم في ذلك، إذ نظر إلى فارس يقبل على الطريق، فلما دنا منه عرف الفرس، وقال يا خير ما جاءت به العصا، فذهبت مثلا، فلما دنا منه قصير، قال له ما وراءك؟ قال: قتل خالك وجنوده جميعا، فأطلب بثأرك، قال وكيف لي بها وهي أمنع من عقاب الجو؟ فذهبت مثلا، وإن قصيرا أمر بأ، ف نفسه، فجدع، ثم ركب وصار نحو الزباء، فاستأذن عليها، فقيل ها: إن موى لجذيمة وقهرمانه وأكرم الناس عيه قد اتاك مجدوعا، فاذنت له، فدخل عيها، قالت: من صنع بك ذا؟ فقال: أيها الملكة، هذا فعل عمرو ابن عدي اتهمني، وتجنى، وزعم أني أشرت على خاله بالمصير اليك حتى فع بي ما ترين. ولم آمنه أن يقتلني، فخرجت هاربا إليك لأكون في خدمتك، ولي جدى
стр. 2520
وعندي غناء، قالت: نعم، أقم فعندي لك ما تحب، وولته نفقتها، فخفف لها، ورأت منه الرشاد والرشاقة فيما اسندته إليه، فأقام عندها حولا، ثم قال لها: ايتها الملكة إن لي بالعراق مالا كثيرا، فإذا اذنت لي بالخروج لحمله فافعلي، فدفعت إليه مالا كثيرا وامرته أن يشتري لها ثيابا من الخز والوشي ولآليء ومسكا وعنبرا وياقوتا ولحوخا، فانطلق حتى اتى عمرا، فأمره فأخذ منه ضعفي مالها، وانصرف نحوها فاسترخصت ما جاء به وردته الثانية والثالثة، فكان يأخذ كل مرة أضعاف مالها يشتري لها جميع ما تريد، فتسترخصه، ووقع قصير بقلبها، ثم بعثت به في الرابعة بمال عظيم وامرته أن يشتري اثاثا ومتاعا وفرشا وآنية، فانطلق إلى عمرو، فقال قد قضيت ما عي، وبقي ما عليك، قال: ومال الذي تريد؟ قال أخرج معي في ألفي فارس من خدمك، وكونوا في جوف الجوالق على كل بعير رجلان، فانتخب عمرو من اصحابه ألفي فارس فخرج بهم، وخرجوا معه في الجواليق كل رجل بسيفه، وكان يسير إيها انهار، فإذا امسى الليل فتح الجواليق يخرجوا ويطعموا ويشربوا ويقضوا حوائجهم، حتى إذا كان بينه وبين مدينتها مقدار ميل تقدم حتى دخل عليها، وقال ايتها الملكة أصعدي من اقصر لتنظري ما اتيتك به، فصعدت فنظرت إلى ثقل الأحمال على الأجمال، فقالت:
ما للجمال مشيها وثيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا
أم صرفانا باردا شديدا
فأجابها قصير سرا، فقال:
بل الرجال جثما قعودا
فقال: لما عليها من المتاع الثقيل النفيس، وأمرت بالأحمال، فأدخلت قصرها وكان وقت المساء، فقالت إذا كان غدا نظرنا إلى ما اتيتنا به، فلما جن عليهم الليل فتحوا الجواليق، وخرجوا فقتلوا جميع من في القصر، وكان لها سرب قد أعدته للفزع والهرب إن حل بها روع يخرج إلى الصحراء، وقد كان قصير عرف ذلك
стр. 2521
المكان ووصفه لعمرو، فبادر عمرو إلى السرب فاستقبلته الزباء، فولت اربة نحو السرب، فاستقبلها بالسيف [فمصت فصها وكان مسموما]، فقالت: بيدي لا بيدك يا عمرو، ولا بيد العبد، فقال عمرو يدي ويده سواء، وفي كليهما شفاء، وضربها بسسيفه حتى قتلها، فاقبل قصير حتى وقف عليها فجعل يدخل سيفه في فرجها ويقول
ولو رأوني بسيفي يوم أدخله ... بفرج زباء ماتوا كلهم فرحا
وغنم عمرو واصحابه من مدينتها أموالا جليلة، وانصرفوا إلى الحيرة، فكان عمرو الملك بعد خاله جذيمة، وعمرو هذا هو جد النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي هذا آخر كلام الجاحظ.
وانشد بعده
صددت فأطولت الصدود وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم
وتقدم الكلام عليه في الانشاد الثامن بعد الخمسمائة
وانشد بعده
وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب
وتقدم ما يتعلق به في الانشاد الثامن والخمسين بعد الستمائة.
стр. 2522
وانشد بعده، وهو الانشاد الرابع عشر بعد الثمانمائة:
(٨١٤) فإن لا مال أعطيه فإني ... صديق من غدو أو رواح
على أن الأصل: فإن أكن، ولا: نافية للجنس، وجملة أأعطيه: خبرها، وجملة "لا ما أعطيه" خبر "أكن" المحذوفة، والمفعول الأول من أعطيه محذوف تقديره: أعطيكموه، وجملة فإني صديق جزاء الشرط، ومن بمعنى في، والغدو: أول النهار، والرواح: ما بعد الزوال، والمراد في جميع الأوقات.
وأنشد بعده
ونبئت ليلى ارسلت بشفاعة ... إلى فهلا نفس ليلي شفيعها
وتقدم شرحه في الانشاد الثامن بعد المائة.
وانشد بعده وهو الانشاد الخامس عشر بعد الثمانمائة:
(٨١٥) بربك هـ ضممت إيك ليلى
على أن اقسم الاستعطافي يجب أن يكون جوابه جملة انشائية كما هنا، فإن جمة هل ضممت جواب قوله: بربك، وهو قسم استعطافي، قال ابن الحباز في "النهاية":
стр. 2523
وتختص اباء بظهور فع القسم، وبدخولها على الضمير، وباستعمالها لاستعطاف، ولا تكون للاستعطاف، إلا إذا اعتقبها كلام ليس بخبر من أمر او نهي أو استفهام نحو قوله
بدينك هل ضممت إليك ليلى ... وهل قبلت قبل الصبح فاها
وهل مالت عليك ذؤابتها ... كمثل الاقحوانة في نداها
ولا يظهر الفعل الذي يتعلق به هذا الاستعطاف، ويجوز ان يعقبها الشرط، انتهى كلامه.
وفي "الارتشاف" لأبي حيان: فع الطلب لا يعدي إلا بالباء وحدها، ويجوز حذفه كقوه:
بدينك هل ضممت إليك ليلى
أي أسألك بدينك وقد يحذف الفعل، وحروف الجر كقوله:
أقول لبواب على باب دراهما ... أميرك بلغها السلام وابشر
أي أسألك بأميرك. انتهى.
وقوله: قبيل الصبح، روى بدله: بعيد النوم، وخص ما بعد النوم، لأن الأفواه تتغير رائحتها بالنوم، وإذا كان فوها طيبا بعد النوم فما الظن به في غير النوم، والمراد أن نكهتها طيبة في سائر الأوقات. وروي:
وهل رفت عليك قرون ليلى ... رفيف الاقحوانة في نداها
وفي "التهذيب": يقال للنبات الذي يهتز خضرة وتلألؤا: قد رف يرف رفيفا: والقرون جمع قرن كفلوس جمع فل: وهي الذؤابة من الشعر.
وروي صاحب "الأغاني" بسنده عن الهيثم بن عدي، أن المجنون العامري، مر ذات يوم بزوج ليلى وهو جالس يصطلي في يوم شات، وقد أتى ابن عم له في حي المجنون لحاجة فوقف عليه ثم أنشأ يقول:
стр. 2524
بربك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الصبح أو قبلت فاها
وهل رفت عليك قرون ليلى ... رفيف الاقحوانة في نداها
فقال: اللهم إذا حلفتني، فنهم، قال: فقبض المجنون بكلتا يديه من الجمر قبضة، فما فارقها حتى سقط مغشيا عليه، وسقط الجمر مع لحم راحتيه، فقام زوج ليلى مغموما بفعله، متعجبا منه. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الانشاد السادس عشر بعد الثمانمائة:
(٨١٦) بعيشك يا سلمى ارحمي ذا صبابة ... أبي غير ما يرضيك في السر والجهر
على أن جملة "ارحمي ذا صبابة" جواب للقسم الاستعطافي، وجملة النداء معترضة بين اقسم وجوابه، والصبابة: رقة الشوق، والعيش هنا الحياة، وابي بمعنى كره خلاف ما يرضيك سرا وعلانية، ويأتي أبي بمعنى امتنع، وليس بمراد هنا.
وانشد بعده
وإني لرام نظرة قبل التي ... لعلي وإن شطت نواها أزورها
وتفدم الكلام عليه في الانشاد الواحد والعشرين بعد الستمائة.
وانشد بعده
جاؤوا بمذاق هل رأيت الذئب قط
وتقدم الكلام عليه في الانشاد الثالث بعد الاربعمائة.
стр. 2525
وانشد بعده، وهو الانشاد السابع عشر بعد الثمانمائة:
(٨١٧) فإنما انت اخ لا نعدمه
على ان جملة "لا نعدمه" وهي غير خيرية وقعت لصفة نكرة، وهو أخ، ولا نعدمه: جملة دعائية إنشائية، إذ ليس المراد بها وصف الأخ بأنه غير معدوم، وأوله المصنف بتقدير القول، وقال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": ومنه وضع الجملة غير الخيرية موضع الوصف نحو قوله:
فإنما انت اخ لا نعدمه
ألا ترى أنه وضع "لا نعدمه" وهي جملة دعاء موضع مدعو له بالمواصلة. انتهى. والبيت من رجز أورده ثعلب في "أماليه" الكراسة الخامسة، قال انشدنا أبو العباس لأبي محمد الحذلمي:
يا سعد عم الماء ورد يدهمه ... يوم تلاقى شاؤه ونعمه
واختلفت لأمراسه وقتمه ... فإنما أنت أخ لا نعدمه
فأبلنا منك بلاء نعلمه ... فقام وثاب نبيل محزمه
لم يلق بؤسا لحمه ولا دمه ... ولم تبت حمى به توصمه
لم يتجشأ من طعام يبشمه ... يدق مدماك الطوى قدمه
следующие страницы →