Полный текст (2 797 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
المكان ووصفه لعمرو، فبادر عمرو إلى السرب فاستقبلته الزباء، فولت اربة نحو السرب، فاستقبلها بالسيف [فمصت فصها وكان مسموما]، فقالت: بيدي لا بيدك يا عمرو، ولا بيد العبد، فقال عمرو يدي ويده سواء، وفي كليهما شفاء، وضربها بسسيفه حتى قتلها، فاقبل قصير حتى وقف عليها فجعل يدخل سيفه في فرجها ويقول
ولو رأوني بسيفي يوم أدخله ... بفرج زباء ماتوا كلهم فرحا
وغنم عمرو واصحابه من مدينتها أموالا جليلة، وانصرفوا إلى الحيرة، فكان عمرو الملك بعد خاله جذيمة، وعمرو هذا هو جد النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي هذا آخر كلام الجاحظ.
وانشد بعده
صددت فأطولت الصدود وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم
وتقدم الكلام عليه في الانشاد الثامن بعد الخمسمائة
وانشد بعده
وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب
وتقدم ما يتعلق به في الانشاد الثامن والخمسين بعد الستمائة.
стр. 2522
وانشد بعده، وهو الانشاد الرابع عشر بعد الثمانمائة:
(٨١٤) فإن لا مال أعطيه فإني ... صديق من غدو أو رواح
على أن الأصل: فإن أكن، ولا: نافية للجنس، وجملة أأعطيه: خبرها، وجملة "لا ما أعطيه" خبر "أكن" المحذوفة، والمفعول الأول من أعطيه محذوف تقديره: أعطيكموه، وجملة فإني صديق جزاء الشرط، ومن بمعنى في، والغدو: أول النهار، والرواح: ما بعد الزوال، والمراد في جميع الأوقات.
وأنشد بعده
ونبئت ليلى ارسلت بشفاعة ... إلى فهلا نفس ليلي شفيعها
وتقدم شرحه في الانشاد الثامن بعد المائة.
وانشد بعده وهو الانشاد الخامس عشر بعد الثمانمائة:
(٨١٥) بربك هـ ضممت إيك ليلى
على أن اقسم الاستعطافي يجب أن يكون جوابه جملة انشائية كما هنا، فإن جمة هل ضممت جواب قوله: بربك، وهو قسم استعطافي، قال ابن الحباز في "النهاية":
стр. 2523
وتختص اباء بظهور فع القسم، وبدخولها على الضمير، وباستعمالها لاستعطاف، ولا تكون للاستعطاف، إلا إذا اعتقبها كلام ليس بخبر من أمر او نهي أو استفهام نحو قوله
بدينك هل ضممت إليك ليلى ... وهل قبلت قبل الصبح فاها
وهل مالت عليك ذؤابتها ... كمثل الاقحوانة في نداها
ولا يظهر الفعل الذي يتعلق به هذا الاستعطاف، ويجوز ان يعقبها الشرط، انتهى كلامه.
وفي "الارتشاف" لأبي حيان: فع الطلب لا يعدي إلا بالباء وحدها، ويجوز حذفه كقوه:
بدينك هل ضممت إليك ليلى
أي أسألك بدينك وقد يحذف الفعل، وحروف الجر كقوله:
أقول لبواب على باب دراهما ... أميرك بلغها السلام وابشر
أي أسألك بأميرك. انتهى.
وقوله: قبيل الصبح، روى بدله: بعيد النوم، وخص ما بعد النوم، لأن الأفواه تتغير رائحتها بالنوم، وإذا كان فوها طيبا بعد النوم فما الظن به في غير النوم، والمراد أن نكهتها طيبة في سائر الأوقات. وروي:
وهل رفت عليك قرون ليلى ... رفيف الاقحوانة في نداها
وفي "التهذيب": يقال للنبات الذي يهتز خضرة وتلألؤا: قد رف يرف رفيفا: والقرون جمع قرن كفلوس جمع فل: وهي الذؤابة من الشعر.
وروي صاحب "الأغاني" بسنده عن الهيثم بن عدي، أن المجنون العامري، مر ذات يوم بزوج ليلى وهو جالس يصطلي في يوم شات، وقد أتى ابن عم له في حي المجنون لحاجة فوقف عليه ثم أنشأ يقول:
стр. 2524
بربك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الصبح أو قبلت فاها
وهل رفت عليك قرون ليلى ... رفيف الاقحوانة في نداها
فقال: اللهم إذا حلفتني، فنهم، قال: فقبض المجنون بكلتا يديه من الجمر قبضة، فما فارقها حتى سقط مغشيا عليه، وسقط الجمر مع لحم راحتيه، فقام زوج ليلى مغموما بفعله، متعجبا منه. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الانشاد السادس عشر بعد الثمانمائة:
(٨١٦) بعيشك يا سلمى ارحمي ذا صبابة ... أبي غير ما يرضيك في السر والجهر
على أن جملة "ارحمي ذا صبابة" جواب للقسم الاستعطافي، وجملة النداء معترضة بين اقسم وجوابه، والصبابة: رقة الشوق، والعيش هنا الحياة، وابي بمعنى كره خلاف ما يرضيك سرا وعلانية، ويأتي أبي بمعنى امتنع، وليس بمراد هنا.
وانشد بعده
وإني لرام نظرة قبل التي ... لعلي وإن شطت نواها أزورها
وتفدم الكلام عليه في الانشاد الواحد والعشرين بعد الستمائة.
وانشد بعده
جاؤوا بمذاق هل رأيت الذئب قط
وتقدم الكلام عليه في الانشاد الثالث بعد الاربعمائة.
стр. 2525
وانشد بعده، وهو الانشاد السابع عشر بعد الثمانمائة:
(٨١٧) فإنما انت اخ لا نعدمه
على ان جملة "لا نعدمه" وهي غير خيرية وقعت لصفة نكرة، وهو أخ، ولا نعدمه: جملة دعائية إنشائية، إذ ليس المراد بها وصف الأخ بأنه غير معدوم، وأوله المصنف بتقدير القول، وقال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": ومنه وضع الجملة غير الخيرية موضع الوصف نحو قوله:
فإنما انت اخ لا نعدمه
ألا ترى أنه وضع "لا نعدمه" وهي جملة دعاء موضع مدعو له بالمواصلة. انتهى. والبيت من رجز أورده ثعلب في "أماليه" الكراسة الخامسة، قال انشدنا أبو العباس لأبي محمد الحذلمي:
يا سعد عم الماء ورد يدهمه ... يوم تلاقى شاؤه ونعمه
واختلفت لأمراسه وقتمه ... فإنما أنت أخ لا نعدمه
فأبلنا منك بلاء نعلمه ... فقام وثاب نبيل محزمه
لم يلق بؤسا لحمه ولا دمه ... ولم تبت حمى به توصمه
لم يتجشأ من طعام يبشمه ... يدق مدماك الطوى قدمه
стр. 2526
الورد بالكسر: ورود الماء، ودهمه: فاجأه، أي: اتاه على غفلة، والشاء: الغم، والنعم: الإبل، والأمراس: الحبال من الكتان جمع مرس بفتحتين، والقتم: الغبار، والبلاء: الجميل، والنعمة، والنبيل: الضخم، والمحزم: موضع الحزام، وتوصمه: تشينه وتعيبه من الوصم وهو العيب، وبشم من باب تعب: إذا اتخم من كثرة الأكل، والمامك: السطر من البناء، ويقال له السياف، والطوي: البئر المطوية بالبناء، أي المبنية بالحجر أو اطوب، وقال الصاغاني في "العباب" وتجشأ تجشؤا وجشأ تجشئة، قال أبو محمد الفقسعي:
لم يتجشأ من طعام يبشمه
انتهى. فعلم أن أبا محمد الحذلمي هو أبو محمد الفقعسي.
وانشد بعده، وهو الانشاد الثامن عشر بعد الثمانمائة:
(٨١٨) وكوني بالمكارم ذكريني ... ودلي دل ماجدة صناع
على أن جملة "ذكريني" مؤولة بالخبر أي: كوني تذكريني، قال ابن عصفور في كتاب "الضرائر" جعل ذكريني في موضع مذكرة وهو قبيح، لأن فعل الأمر لا يقوم مقام الخبر في باب كان، وإنما فعل ذلك، لأن كوني في اللفظ، ومحصول الأمر منه ها إنما وقع على التذكير، فلما كان في المعنى امرا ها بتذكيره، استعمل فيه لفظ الأمر. انتهى. أورد أبو زيد في "نوادره".
ألا يا أم فارع لا تلومي ... على شيء رفعت به سماعي
وكوني بالمكارم ذكريني ... ودلي دل ماجدة صناع
стр. 2527
فالمعنى لا تلوميني على شيء رفعت به صيني وذكري، وذكريني به. وقال السكري فيما كتب على "نوادر أبي زيد" المعنى: وصيري مذكرة ي بالمكارم، وتقديره في العربية رديء لو قلت: [يا فلان] كن بغلام بشرني، لم يجز، وهو يريد: يا أم فارعة فحذف، وذلك شاذ لأنه ليس بمنادى، وإنما المنادى الأم، والصناع بفتح الصاد: الرفيعة الكف، والماجدة: اكريمة، يقول: أضبطي دلالك بمنفعة وصنعة، ولا تكوني خرقاء لا تنفع أهلها، انتهى.
والصناع: الماهرة الحاذقة بعمل اليدين، وقال ابو زيد: قوله سماعي، أي: ذكري وحسن الثناء علي ودي بفتح الدال: من دلت تدل، ودللت أنا أدل، مثل خجلت أخجل. انتهى. وقال الأخفش في حواشيه على "النوادر": قوله: وكوني بالمكارم ذكريني تقديره: كوني ممن أقول له ذكريني إذا سهوت فجرى هذا على الحكاية، كما قال:
سمعت اناس ينتجعون غيثا
أراد: سمعت قائلا يقول: الناس ينتجعون فحكى. انتهى.
والبيتان نسبهما أبو زيد إلى بعض بني نهشل، وقائلها جاهلي.
стр. 2528
وأنشد بعده، وهو الانشاد التاسع عشر بعد الثمانمائة
(٨١٩) إن الذين قتلتم أمس سيدهم ... لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
على أن جملة النهي وهي "لا تحسبوا" وقعت خبرا عن اسم إن بتأويل، وإسناد نام إلى ضمير اليل مجاز، والمراد: نوم أهله، أي لا تحسبوهم سكوتا عنكم، وتركوا الأخذ بثأر سيدهم منكم، جعل سكوتهم عن الأخذ بثأر سيدهم نوما على سبيل الاستعارة، وخص اليل، لأنه وقت اعمال الفكر والتدبير لأخذ الثأر بالغارة ونحوها، وهو من ابيات اوردها ابو عبد الله ابن الاعرابي في "نوادره" وهي:
أبلغ أبا مالك عني مغلغلة ... إن السنان إذا ما أكره أعتاما
إن الذين قتلتم أمس سيدهم ... لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
من يولهم صالحا نمسك بجانبه ... ومن يضمهم فإيانا إذن ضاما
هاتوا التي نقصت سبعين من مائة ... ثم ابعثوا حكما بالغيب علاما
قال: هذه دية أدوا منها سبعين من مائة، فقالوا: أدوا اتي نقصت سبعين من مائة، فمعنى نقصت سبعين من مائة، أي: أديتم سبعين من المائة، فبقى ثلاثون. انتهى.
قال ابو محمد الأسود الأعرابي الغندجاني في "ضالة الاديب" وهو كتاب يبين ما زل فيه ابن الاعرابي في "نوادره" ومؤاخذات عيه، قال أبو محمد: هذا موضع المثل:
أتتك الأزد تعثر في لحاها ... تساقط من مناخرها الجواف
رعد أبو عبد الله وبرق، ثم جاء بعد هذه اخيلاء ييتفسير انتن من الحيفة، وذلك
стр. 2529
لاشتباه قصة هذا اشعر عليه، ثم أنه عمد إلى عجز الابيات، فجعله صدرها، وفي لفظ الابيات فساد أيضا وهو قوله:
ثم ابعثوا حكما بالغيب علا ما
وإنما هو:
أو ابعثوا حكما بالغيب علا ما
وقوله: "ابلغ ابا مالك .. " وهو آخر الابيات، فجعه أبو عبد الله أولها، وصوابه: ابلغ بني مالك .. " وكنت ذكرت لك أن مثل هذا الشعر إذا لم يعرف قصته، لم يعرف معناه البتة، وكان من قصة ذلك: أنه خرج غلام من بني سعد بن ثعلبة، وغلام من بني مالك بن مالك في إبل لهما، ومع السعدي سيف له، فقال المالكي: والله ما في سيفك هذا خير، ولو ضربت به عنقي ما قطعه، قال: مد عنقك، قال ففعل، فضرب السعدي عنقه فقطعه، فخرجت بنو مالك وأخذوا السعدي، فقتلوه، فاحتربت بنو سعد بن ثعلبة وبنو ماك، فمشت الشعراء بينهم، فقال بنو سعد بن ثعلبة: لا نرضى حتى نعطى مائة من صاحبنا، ويعطى بنو ماك سبعين، فغضب هم بنو سعد بن مالك، فقال أبو مكعت أخو بني سعد بن مالك
إن اذين قتلتم أمس سيدهم ... لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
من يولهم صاحا نمسك بجانبه ... ومن يضمهم فإيانا إذن ضاما
أدوا الذي نقصت سبعين من مائة ... وأبعثوا حكما بالحق علاما
أي: أدونا مائة كاملة، فإذا وضعت سبعين من مائة، بقيت ثلاثون، فكأنه قال: أدوا الدية التي التزمتم منها سبعين من مائة.
أو آذونا بحرب نأتكم سحرا ... حرب تغادر تحت النقع أقواما
أبلغ بني مالك عن مغلغلة ... أن السنان إذا ما أكره أعتاما
انتهى كلام "ضالة الاديب" ولم يذكر أن القصة اسلامية أو جاهلية. وضامة يضيمه ضيما: ظلمه، ومغلغلة: رساة سائرة جارية كتغلغل الماء في الاشجار.
стр. 2530
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العشرون بعد الثمانمائة:
(٨٢٠) إني إذا ما القوم كانوا انجية ... واضطرب اقوم اضطراب الأرشية
هناك أوصيني ولا توصي بيه
وهذا ايضا مما قع فيه خبر اسم إن جملة أوصيني، وهذا فعل أمر. وهذا رجز أورده أبو تمام في أواخر باب "الحماسة": كذا
إني إذا ما القوم كانوا انجيه ... واضطرب القوم اضطراب الأرشية
وشد فوق بعضهم بالأروية ... هناك أوصيني ولا توصي بيه
قال الحطيب التبريزي في شرحه: خبر إن قوله أوصيني، والمعنى: إني أه لأن يوصى إلى حينئذ في غيري، ولا يوصى غيري بي، وما زائدة، وانجية جمع نجي، والنجي يقع للواحد والجمع، والمعنى: صاروا فرقا لما حزبهم من الشر، يتناجون ويتشاورون.
وقوله: وشد فوق بعضهم بالأروية، أي: خوف السقوط لضعف الاستمساك عند غلبة النعاس، ويجوز أن يكون الاضطراب الذي ذكره لاتصال التساير وغلبة النوم للاختلال بالنول، وهناك يشار به إلى الزمان والمكان معا، وموضعه نصب على الظرف. انتهى.
وفي "شرح ابيات الإيضاح" يصف قوما جد بهم السير فرقدوا فوق اركاب، فاضطربوا عليها اضطراب الأرشية بالدلاء، وشد بعضهم بالحبال خوف السقوط.
стр. 2531
انتهى. وهذا معنى خلاف المراد. والأرشية: جمع رشاء بكسر أوه والمد، وهو الحبل، والأروية مثلها: جمع رواء بالكسر والمد. قال ابو حنيفة في كتاب "النبات": أغلظ الارشية، والجمع اروية، وهي حبال الحمول. انتهى. وشد بالبناء للمفعول، وأوصيني بفتح الهمزة، وقال ابن جني في "اعراب الحماسة": انجيه جمع نجي، وهو فعي في معنى الجماعة كقوله تعالى (وحسن اولئك رفيقا) [النساء/ ٦٩] وقال: (والملائكة بعد ذلك ظهير) [التحريم/ ٤]، ولام النجي واو، ولا دلالة في النجوى، لقولهم من الواو: الفتوى والشروى والبقوى واتقوى، وغير ذلك، كن لقولهم: نجوت الرجل: أي: ناجيته، ولام الرشاء واو عندي، ورأيت أبا علي في "تذكرته" وقد ذهب إلى إنها ياء، فقت هـ: من أين لك الياء دون الواو؟ فأخذ ينظر، فقلت له: هو عندي فعال من الرشوة، وذلك أنه يوصل به إلى ماء القيب كما يوصل بالرشوة إلى البغية، فقبل ذلك ولم ينكره. انتهى. وهذا الرجز في غالب كتب اللغة وكتب الأدب، ولم يذكر أحد قائله، والله أعلم.
وأنشد بعده:
أطلب ولا تضجر من مطلب
تمامه:
فآفة الطالب أن يضجرا
وتقدم في الانشاد السادس والثلاثين بعد الستمائة
стр. 2532
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والعشرون بعد الثمانمائة:
(٨٢١) أأكرم من ليلى علي فتبتغي ... به الجاه أم كنت امرأ لا أطيعها
هو ثاني بيتين أوردهما أبو تمام في باب النسيب من "الحماسة"، وأولهما:
ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة ... إلي فهلا نفس ليلى شفيعها
وقد شرحناهما في الشاهد الثامن بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والعشرون بعد الثمانمائة:
(٨٢٢) رب رفد هرقته ذلك اليو ... م وأسرى من معشر أقيال
على أن أبا علي قال: من معشر صفة لأسرى، ولا يجوز أن يتعلق به لئلا يخلو مجرور رب من صفة، ولذا قال الزمخشري في "المفصل" هرقته، ومن معشر: صفتان لرفد، وأسرى، وتعسف المحقق الرضي، فعلق "من" بأسرى، وقدر صفة، أي: حصلت، وقد رددناه عليه.
والبيت من قصيدة للأعشى ميمون البكري مدح بها الأسود بن المنذر أخا النعمان بن المنذر اللخمي، وكان أغار على الحليفين أسد وذبيان، ثم أغار غلى الطف، فأصاب نعما وأسرى، وسبى من بني سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة رهط الأعشى، والأعشى غائب، فلما جاء إليه، وأنشده هذه القصيدة، سأله أن يهب له الأسرى، ففعل.
стр. 2533
والرفد, بكسر الراء: القدح الضخم , وكذلك المرفد , بكسر الميم نقله الدينوري وابن الأنباري وغيرهما عن الأصمعي , وهرقته بالحطاب , وأصله أرقته , قال الزمحشري في " أساس البلاغة ": هريق رفد فلان إذا قتل , كما يقال: صفوت وطابه , وكفئت جفنته , وكذا قال ابن الأنباري في " شرح المفضليات " وقيل: كناية عن نهب الماشية , قال شارح ديوان الأعشي: معناه: رب رجل كانت له إبل يحلبها , فاستقتها فذهب ما كان يحلبه في الرفد , وهو القدح. وقوله: وأسري , الواو: عاطفة , وأسري: معطوف علي مجرور " رب " وهو جمع اسير , كجرحي جمع جريح , وأقيال: روي بالمثنأة التحتىة , وبالمثنأة الفوقية , أما الاول , فهو جمع قيل , بفتح القاف , وسكون الئ: مخفف قيل , بتشديد الئ المكسورة كسيد وهو الذي يكون دون الملك ممن له قول مسموع. واما الثاني , فهو جمع قتل بكسر القاف وسكون المثناة الفوقية , وله معنيان , أحدهما: العدو المقاتل , والثاني: الشبه والنظير , أي: العدل في المقاتلة , كما يقال: " سب" للعديل في المسابة , وقد بسطنا الكلام بسطا وافيا علي هذا البيت , وشرحنا غالب أبيات القصيدة لكثرة شواهدها في الشاهد السابع والتسعين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده:
فيا رب يوم قد لهوت وليلة ... باّئسة كأنها خط تمثال
تقدم الكلام عليه في الإنشاد الخامس بعد المائتين.
стр. 2534
وأنشد بعده , وهو الإنشاد الثالث والعشرون بعد الثمانمائة:
(٨٢٣) نعم الفتي المري انت إذا هم ... حضروا لدي الحجرات نار الموقد
علي ان ابن السراج منع أن يوصف فاعل نعم , وجعل المري بدلا من الفتي , وتبعه أبو علي في ذلك وأول من اجازه ابن جني في "إعراب الحماسة " وتبعه المحقق الرضي وغيره , وقد نقلنا كلامهم في الشاهد السادس والستين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
والبيت من قصيدة لزهير بن أبي سلمي مدح بها سنان بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان , وكان زهير مادحا لسنان هذا , ولابنه هرم بن سنان , واكثر مدحه في هرم بن سنان , ونسب من اول القصيدة بسلمي , وانتقل الى وصف ناقته , الى ان قال:
وتيممت عرض الفلاة كأنها ... غراء من قطع السحاب الأقهد
والى سنان سيرها ووسيجها ... حتى تلاقيه بطلق الأسعد
نعم الفتي المي أنت ... .. البيت.
تيممت: قصدت , وفاعله ضمير الناقة , والعرض بالضم: الناحية والجانب , والغراء: البيضاء , والأقهد: الأبيض من كل شيء , أي كأن الناقة سحابة بيضاء في سرعتها , والسحابة البيضاء أخف وأسرع ذهابا لقلة مائها , والوسيج:
стр. 2535
سير خفيف هو الىن سير الإبل , وهو سير النجائب , وطلق: سليم من كل سوء وكروه , يقال: يوم طلق , وليلة طلقة: ليس فيهما حر ولا برد ولا مكروه , والاسعد: جمع سعد: وهو الىمن والبركة.
وقوله: نعم الفتي المري الى اّخره , نسبة الى مرة جده الاعلي , وأنت: هو المخصوص بالمدح , وإذا ظرفية , وهم: فاعل بفعل محذوف يفسره ما بعده , وهم ضمير الوفود والضيوف , ولدي: ظرف لحضروا , والحجرات بضمتين , قال شارح ديوانه صعوداء: هي حجرات الأضياف , يريد البيوت التي ينزل فيها الضيوف , ونار: مفعول حضروا , والموقد: اسم فاعل , قال شارحه: هو الذي يوقد ليستدل الغرباء والعفاة بناره , فيأتونه , يريد أنه أشد الناس إكراما لضيوفه إذا حضروا دار ضيافته , واستدلوا عليها بالنار التي يوقدها خادمه , ليقبل عليها من يراها. وقال العيني: إذا للمفاجأة , وهم مبتدأ , وحضروا خبره , والحجرات جمع حجرة , وهي شدة الشتاء. هذا كلامه , وهو كلام من لم يفهم المعني , والحجرات بالمعني الذي ذكره بفتحتىن.
وترجمه زهير بن أبي سلمي تقدمت في الإنشاد الخمسين.
وأنشد بعده , وهو الإنشاد الرابع والعشرون بعد الثمانمائة:
(٨٢٤) أزمعت يأسا مبينا من نوالكم ... ولن تري طاردا للحر كالىس
علي ان " من " متعلقة بفعل محذوف تقديره: يئست من نوالكم لا بالمصدر , لأنه لا يعمل بعد الوصف , قال ابن جني في " المحتسب": قرأ أبو جعفر والاعمش:
стр. 2536
(وعد الله حقا أنه يبدأ الخلق ثم يعيده)﴾ يونس /٤ ﴿إن شئت كان تقديره: (وعد الله حقا) لأنه يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ أي: من قدر علي هذا الامر العظيم فإنه غني عن إخلاف الوعد ﴿, وإن شئت كان تقديره: وعد الله وعدا حقا أنه يبدأ الخلق ثم يعيده , فتكون " أنه " منصوبة بالفعل الناصب , لقوله: وعدا , ولا يجوز أن تكون﴾ أنه ﴿منصوبة الموضع بنفس وعد , لأنه قد وصف بقوله حقا , والصفة إذا جرت علي موصوفها أذنت بتمامه وانقضاء اجزائه , فهي من صلته , وكيف يوصف قبل تمامه؟ فأما قول الحطيئة:
أزمعت يأسا مبينا من نوالكم .. البيت
فلا يكن قوله: من نوالكم , من صلة يأس من حيث ذكرنا , ألا تراه قد وصف بقوله: مبينا؟ وإذا كان المعني لعمري عليه , ومنع الإعراب منه , أضمر له ما يتناول حرف الجر , ويكون ياسا دليلا عليه , كانه قال فيما بعد: يئست من نوالكم. انتهي كلامه وكذلك قال في باب تجاذب المعاني والإعراب ومنه قول الحطيئة:
أزمعت يأسا مبينا. . . . . ... البيت.
أي: يأسا من نوالكم مبينا , فلا يجوز أن يكون قوله من نوالكم متعلقا بيأس , وقد وصف مبين , وإن كان المعني يقتضيه , لأن الاعراب مانع منه , لكن تضمر له حتى كأنك قلت: يئست من نوالكم. انتهي.
والبيت من قصيدة للحطيئة هجا بها الزبرقان بن بدر الصحابي , وهي:
والله ما معشر لاموا امرأ جنبا ... من اّل لأي بن شماس باكياس
ما كان ذنب بغيض لا أبالكم ... في بائس جاء يحدو اّخر الناس
стр. 2537
لقد مريتكم لو أن درتكم ... يوما يجئ بها مستحي وإبساسي
وقد مدحتكم عمدا لأرشدكم ... كيما يكون لكم متحي وأمراسي
فما ملكت بأن كانت نفوسكم ... كفارك كرهت ثوبي وإلباسي
حتى إذا ما بدا لي غيب أنفسكم ... ولم يكن لجراحي فيكم آسي
أزمعت يأسا مبينا من زوالكم ... .. البيت
ما كان ذنب بغيض أن أري رجلا ... ذا فاقه عاش في مستو عر شاس
جارا لقوم أطالوا هون منزله ... وغادروه مقيما بين أرماس
ملوا قراه وهرته كلابهم ... وجرحوه بأنياب وأضراس
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
قد ناضلوك فسلوا من كنانتهم ... مجدا تليدا ونبلا غير أنكاس
وهذا آخر القصيدة وتركنا منها ثلاثة أبيات.
قوله: والله ما معشر لاموا الى آخره، الجنب بضم الجيم والنون: الغريب، يقول: من لامني علي مدح بغيض الى آخره، قال شارح ديوانه: يقول: احتملوا فتركوه، فجاء آخر الناس، ولا أبالكم: كلمة تستحسنها العرب فلا أب لك مدح، ولا أم لك ذم، والبائس: الشديد الفقر، ويحدو: يسوق بعيره، يقول: أصابت الناس سنة شديدة، وكان الحطيئة فيمن انحدر مع الناس، فلم يكن به من القوة أن يكون أول الناس.
وقوله: لقد مريتكم الى آخره، مريتكم: طلبت ما عندكم، وأصله من مريت الناقة، وهو أن تمسح ضرعها لتدر، والإبساس: صوت تسكن به الناقة عند الحلب، يقال: بس بس.
стр. 2538
وقوله: وقد مدحتكم عمدا الى آخره. قال شارح آخر: هذا مثل ضربه، والإمراس: أن يقع الحبل بين البكرة وبين القعو، فيخلصه حتى يرده الى البكرة، يقال: مرس الحبل يمرس مرسا: إذا نشب في ذلك المكان، وأمرسه الساقي: إذا خلصه، فرده الى البكرة يمرسه إمراسا، والماتح: الساقي الذي يجذب الدلو، والمائح بالهمز: الذي يكون في أسفل البئر يملأ الدلو، يريد: مدحتكم ليكون مدحي خالصا لكم، فأبيتم.
وقوله: فما ملكت بأن كانت .. الى آخره. قال شارحه: الباء زائدة، أي: ما ملكت أن كانت نفوسكم كفارك، أي: ما ملكت إبغاضكم إياي، والفارك: المرأة المبغضة لزوجها، وكرهت ثوبي، أي: كرهت أن تدخل معي في ثوبي، وأن تدخلني في ثوبها، وأن تلبس ثوبها فتدخلني معها.
وقوله: حتى إذا ما بدا الى آخره، يقول: بدا لي منكم ما كان غائبا في أنفسكم من البغضة، ولم يكن فيكم مصلح لما بي من سوء الحال، وضرب الجراح مثلا لسوء حاله، وأسا الجرح يأسو أسوا: إذا داواه.
وقوله: أزمعت يأسا إلخ، أزمعت الأمر، وأزمعت عليه: أجمعت، والفاقة: الفقر، والمستوعر: مكان وعر، والشأس: المكان الغليظ، والهون، بالضم: الهوان، وغادروه: تركوه كالميت بين الأموات، وهرته كلابهم مثل، أي: ضجروا منه، والجوازي جمع جازي، والمناضلة: المراماة بالسهام، والمجد: الشرف، والتليد: القديم، وأراد بالمجد التليد: النواصي، وكانت العرب إذا أنعمت علي الرجل الشريف بأسره، جزوا ناصيته وأطلقوه، فتكون الناصية عند الرجل يفتخر بها، والنكس: بالكسر: من السهام: الذي ينكسر سنخه فيقلب، فيجعل أعلاه أسفله، وهو من أضعف السهام.
وكان السبب في هجو الزبر قان ومدح بغيض ما رواه الأصبهاني في " الأغاني " أن النبي صلي الله عليه وسلم كان ولي الزبرقان بن بدر عملا، وأقره أبو بكر.
стр. 2539
ثم قدم على عمر في سنة مجدبة لدفع صدقات قومه , فلقيه الحطيئة بقرقري ومعه ابناه وبناته وزوجته , فقال له الزبرقان وقد عرفه ولم يعرفه الحطيئة: أين تريد؟ فقال: العراق , فقد حطمتنا هذه السنة , قال: ماذا تصنع؟ قال: وددت ان أصادف بها رجلا يكفيني مؤونة عيالي , واصفيه مدحي ابدا , فقال له الزبرقان: قد أصبته ,﴾ فهل لك فيه ﴿يوسعك تمرا ولبنا , ويجاورك احسن جوار؟ قال: هذا وأبيك العيش , وما كنت ارجو هذا كله , ,﴾ قال: فقد أصبته , قال: ﴿عند من؟ قال: عندي , قال: ومن أنت؟ قال: الزبرقان , قال: وأين محلك؟ قال: اركب هذه الإبل , واستقبل مطلع الشمس , وسل عن القمر حتى تاتي منزله , وأرسل الزبرقان إلى زوجته هنيدة بنت صعصعة المجاشعية بالوصية عليه وفاكرمته , وأحسنت إليه , فبلغ ذلك بغيض بن عامر من بني أنف الناقة , وكان ينازع الزبرقان الشرف , وكان أشرف من الزبرقان إلا انه كان قد استعلاهم بنفسه , وكان الحطيئة دميما سيئ الخلق وعياله كذلك , فلما رات﴾ ام شذرة ﴿حاله , هان عليها وقصرت به , فأرسل إليه بغيض وإخوته: أن ائتنا فأبى , وقال: شأن النساء التقصير والغفلة , ولست بالذي أحمل على صاحبها ذنبها , فلما ألح عليه﴾ بنو أنف الناقة ﴿وكان الرسول شماس بن لأي , وعلقمة بن هودة , والمخبل الشاعر , واطمعوه , ووعدوه وعدا عظيما , ودسوا إلى زوجة الزبرقان أن الزبرقان يريد أن يتزوج مليكة بنت الحطيئة , وكانت جميلة , فظهر منها جفوة , والحوا عليه في الطلب , فارتحل إليهم , فضربوا له قبة , وربطوا بكل طنب من أطنابها جلة هجرية , واراحوا عليهم إبلهم , وأكثروا عليهم التمر وز اللبن , وأعطوه لقاحا وكسوه , فلما قدم الزبرقان سأل عنه , فأخبر بقصته , فنادي في بني بهدلة بن عوف , فركب فرسه , وأخذ رمحه , وسار حتى وقف على بني أنف الناقة , وقال: ردوا علي جاري , قالوا: ما هو لك بجار , وقد اطرحته وضيعته , وكاد أن يقع بين الحيين حب فاجتمع أهل الحجى , فخيروا الحطيئة , فاختار بغيضا , فجعل يمدحه من
стр. 2540
غير أن يهجو الزبرقان وهم يحرضونه على ذلك حتى هجاه , فاستعداه الزبرقان إلى عمر , وادعى عليه أنه هجاه , فاستعداه الزبرقان إلى عمر , وادعى عليه أنه هجاه , وأنشده هذه القصيدة , فقال عمر: ما أسمع هجاء إنما أسمع معاتبة , فقال الزبرقان: أو ما تبلغ مروءتي أن اّكل وأشرب , فسأل عمر حسان ولبيا , فقالا: نعم هذا هجو , فامر عمر بحبسه , وقصته طويلة نقلها صاحب "الأغاني " ,وترجمة الحطيئة تقدمت في الإنشاد الخامس والسبعين بعد المائتين.
وأنشد بعده:
إن من يدخل الكنيسة يوما ... يلق فيها جاّذرا وظباء
وتقدم شرحه في الإنشاد السابع والاربعين.
وأنشد بعده:
صددت فاطولت الصدوود وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثامن بعد الخمسمائة.
وأنشد بعده , وهو الإنشاد الخامس والعشرون بعد الثمانمائة:
(٨٢٥) أظبي كان أمك أم حمار
على أن قوله ظبي اسم لكان محذوفة مفسرة بكان المذكورة إلى اّخر ما ذكره , وذهب صاحب "المفتاح " إلى أن تنكير المسند إليه إنما هو في ظبي إذا ارتفع بالمضمر , لا في ضمير كان العائد عليه , وهو وارد على القلب , والأصل: أظبيا كان أمك أم حمارا ,
стр. 2541
قال: إن كون المسند غليه نكرة , والمسند معرفة , سواء قلنا: يمتنع عقلا , أو يصح عقلا , ليس في كلام العرب، وأما ما جاء من نحو قوله:
ولا يك موقف منك الوداعا
وقوله: يكون مزاجها عسل وماء
وبين الكتاب:
أظبي كان أمك أم حمار
فمحول على المنوال: عرضت الناقة على الحوض , واصل الاستعمال: ولا يك موقفا منك الوداع , ويكون مزاجها عسلا وماء , وأظبيا كان امك ام حمار ا، ولا تظن بيت الكتاب خارجا عما نحن فيه هابا إلى أن اسم كان هو الضمير، والضمير معرفة، فليس المراد كان أمك، وإنما المراد ظبي , بناء على أن ارتفاعه بالفعل المفسر لا بالابتداء , ولذلك قدرنا الأصل على ما ترى. انتهى.
واختار السعد في " المطول " هذا الاخير, قال: قيل: إنه قلب من جهة اللفظ بناء على ان ظبي مرفوع بكان امقدرة , والحق أن ظبي مبتدأ , وكان أمك خبره , فحينئذ لا قلب فيه من جهة اللفظ , لأنه اسم كان ضمير , والضمير معرفة , نعم فيه قلب من جهة المعنى، لان المخبر عنه في الاصل هو الأم. انتهى. ويشهد للقلب ما رواه ابن خلف في " شرح شواهد سيبويه " قال: وقد ينشد:
أظبيا كان أمك حمار
على أنه جعل اسم كان معرفة وخبرها نكرة , فهذا جيد إلا أنه كان يجب أن ينصب حمارا , لأنه معطوف على ظبي فيجوز رفعه على إضمار مبتدأ.
стр. 2542
قال المبرد في كتابه " الجامع ": والاجود في هذه الابيات نصب الاخبار المقدمة , ورفع المعارف , وقطع القوافي على قطع وابتداء. انتهى كلام ابن خلف.
والبيت من ابيات أوردها أبو تمام في كتاب " مختار أشعار القبائل " ونسبها لثروان ابن فزارة بن عبد يغوث العامري وهي:
وكائن قد رايت من اهل دار ... دعاهم رائد لهم فساروا
فأصبح عهدهم كمقص قرن ... فلا عين تحس ولاأثار
لقد بدلت أهل بعد أها ... فلا عجيب بذاك ولا سخار
فأنك لا يضرك بعد عام ... أظبي كان ام حمار
فقد لحق الأسافل بالأعالي ... وماج اللؤم واختلط النجار
وعاد العبد مثل أبي قبيس ... وسيق مع المعلهجة العشار
وقوله: وكائن: هي خبرية بمعنى كم الخبرية , والرائد: الذي يرسل في طلب الكلأ.
وقوله: فاصبح عهدهم إلى اّخره: العهد بالفتح: المنزل الذي لا يزال القوم إذا بعدوا عنه رجعوا اليه وكذلك المعهد , وقوله: كمقص قرن , قال أبو تمام:
أي: كمقطع قرن , يريد: خلت ديارهم , وقيل: مقص قرن: جبل مشرف على عرفات أيضا , وليس يريده. انتهى. قال ابو محمد الأعرابي: مقص موضع تقتص فيه الأرض , أي: لا يوجد لهم ولعهدهم أثر , كما لا يوجد أثر من يمشي على صخرة وقرن جبل. انتهى. وتحس بالبناء للمفعول: من أحس الرجل الشيء إحساسا , أي: علم به , والأثار بفتح الهمزة: هو الأثر ويقال: أثارة أيضا بالهاء. وقوله: لقد بدلت أهلا .. إلى اّخره بالبناء للمفعول. والسخار بضم السين وكسرها: اسم للسخرية والاستهزاء , وقوله: فإنك لا يضرك , هذه رواية أبي عبيدة ورواه مؤرج السدوسي في "أمثاله": فإنك لا يضورك , يقال: ضاره يضوره
стр. 2543
ويضيره بمعنى , ورويا "حول " بدل "عام" ولم أر رواية " فإنك لا تبالي " لأحد إلا للنحويين.
وقوله: أظبي كان إلى اّخره , هذه هي الرواية المشهورة التي رواها سيبويه فمن بعده من النحاة وقال أبو محمد الأسود الأعرابي في كتابه "فرحة الاديب" رد فيه على ابن السيرافي في " شرح أبيات سيبويه": كيف يكون الظبي والحمار أمين وهما ذكرا الحيوان , حتى إن المثل يضرب بالحمار , فيقال: " من ينك العير ينك نياكا " , والصواب ما أنشدناه أبو الندى:
أظبي ناك أمك أم حمار
وإنما قلبت اللفظة تحرجا فيما أرى , ثم استشهد به النحويون على ظاهره. وهذه الابيات قطعة ظريفة اكتبها أبو الندى , وذكر أنها لثروان بن فزارة بن عبد يغوث بن ربيعة بن عمرو بن عامر. انتهى.
أقول: يدفع ما توقف فيه بأن الأم هنا معناه الأصل وهذا معنى شائع لا ينبغي العدول عنه , فإن الام في اللغة يطلق على أصل﴾ كل ﴿شئ سواء كان في الحيوان أم في غيره. وقال الأعلم في " شرح شواهد سيبويه ": وصف في البيت تغير الزمان , واطراح مراعاة الانساب ويتصل به ما يبين وهو قوله: فقد لحق الأسافل بالأعالي فيقول: لا تبالي بعد قيلعك بنفسك واستغنائك عن أبويك من انتسبت إليه من شريف أو وضيع , وضرب المثل بالظبي والحمار وجعلهما أمين وهما ذكران , لانه مثل لا حقيقة , وقصد قصد الجنسين , ولم يحقق أبوة وذكر الحول لذكر الظبي والحمار , لانهما يستغنيان بانفسهما بعد الحول , فضرب المثل بذكره للإنسان لما أراد من استغنائه بنفسه. انتهى.
стр. 2544
وقوله: وماج اللؤم إلى اّخره , ماج يموج , واللؤم: دناءة النفس والأباء , والنجار , بكسر النون بعدها جيم: الأصل , أي: ذهب السؤدد, وغلب على الناس اللؤم والدناءة واشتبه الأصل والنسب , حتى لو بقوا على هذه الحالة سنة لا يبالي إنسان أهجينا كان أو غير هجين وقوله: مثل أبي قبيس هو مصغر "أبو قابوس" وهو كنية النعمان بن المنذر ملك الحيرة , وقابوس معرب كاووس: اسم ملك من ملوك الفرس القديمة.
وقال ابو محمد الاعرابي الذي انشدناه أبو الندى:
وعاد الفند مثل أبي قبيس
ورواية الناس "العبد" وذكر أبو الندى أنه تصحيف.
والفند بكسر الفاء وسكون النون: قطعة من الجبل طولا , وقيل: الجبل العظيم , وابو قبيس: جبل بمكة , سمي برجل من مذحج حداد , لأنه أول من بنى فيه وفي " قاموس ": المعلهج , كمزعفر: الأحمق اللئيم والهجين , وحكم الجوهري بزيادة هائه غلط , والهجين: اللئيم , وعربي ولد من أمة , أو من أبوه خير من أمه , وفرس هجين: غير كريم كالبرذون , والعشار بالكسر: جمع عشير , وهو الغريب والصديق , أو جمع عشراء , والعشراء من النوق: التي مضى لحملها عشرة أشهر أو ثمانية , او هي كالنفساء من النساء.
وثروان بن فزارة صحابي وفد إلى النبي ﷺ , ومدحه بابيات نقلناها في ترجمته في الشاهد الرابع والعشرين بعد الخمسمائة من شواهد الرضي بعد شرح هذه الأبيات.
стр. 2545
وأنشد بعده:
اّليت حب العراق الدهر أطعمه
تمامه:
والحب ياكله في القرية السوس
وتقدم الكلام عليه في الغنشاد السابع والثلاثين بعد المائة.
وانشد بعده:
رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرق
وتقدم بسط الكلام عليه في الإنشاد الثالث والأربعين بعد المائتين.
وأنشد بعده , وهو الإنشاد السادس والعشرون بعد الثمانمائة:
(٨٢٦) ورب السموات العلى وبروجها ... والأرض وما فيها المقدر كائن
على أن اللام في جواب القسم محذوف تقديرها: للمقدر كائن , ورب مجرور بواو القسم , وبروجها: معطوفة على السموات , والأرض: معطوفة أيضا على السموات , وكذا قوله: ما فيها , والأرض فتحة همزتها منقولة إلى الواو بعد حذف فتحتها , والبيت لم أعرف قائله , ولا تتمته , والله اعلم.
стр. 2546
وأنشد بعده وهو الإنشاد السابع والعشرون بعد الثمانمائة:
(٨٢٧) حنت نوار ولات هنا حنت
تمامه:
وبدا الذي كانت نوار أجنت
لما ذكره , والصحيح كما قال ابن الحاجب في " شرح الإيضاح" إن "هنا" بفتح الهاء وتشديد النون إذا كانت مع لات ظرف زمان لأمور: أحدها: أن "لا" التي لنفي الجنس المكسوفة بالتاء لا تدخل إلا على الاحيان , والثاني: أن المعنى إنكار الحنين بعد الكبر , وذلك إنما يتحقق بالزمان لا بالمكان , والثالث: انه لو جعل للمكان , لم يصح إضافته إلى الفعل , إذا لم يضف من أسماء المكان إلى الافعال غلا الظروف غير المتمكنة كحيث. انتهى. وقد بسطنا الكلام على هذا في الشاهد الثالث والثمانين بعد المائتين من شواهد الرضي.
والتاء من حنت وأجنت مكسورة للوزن , ونوا: فاعل حنت مبني على الكسر في لغة الجمهور , وعند تميم معرب لا ينصرف , وهو من أسماء النساء , وجملة "لات هنا حنت " حال من نوار , والحنين: الشوق , ونزاع النفس إلى شيئ وأجنت بالجيم: أخفت وسترت , وبعد هذا البيت بيت ثان , وهو:
لما رأت ماء السلا مشروبا ... والفرث يعصر في الإناء أرنت
والسلا بفتح السين المهمل والقصر: هي الجلدة الرقيقة التي يكون الولد فيها من المواشي , وهي المشيمة له , والفرث بالفتح السرجين دم في الكرش ,
стр. 2547
وارنت إرنانا: صاحت , ويقال أيضا: رنت رنينا , وإنما صاحت وبكت , لانها تيقنت في تلك المفازة الهلاك , حيث لا ماء إلا ما يعصر من فرث الإبل , وما يخرج من المشيمة من بطونها.
وهذان البيتان اختلف في قائلهما , فقيل: هو شبيب بن جعيل التغلي وهو جاهلي , وإليه ذهب الاّمدي في " المؤتلف والمختلف" قال: وشيب هذا كان بنو قنينة الجاهليون اسروه في حرب كانت بينهم وبين بني تغلب , فقال شبيب هذين البيتين لما رأى أمه نوار أرنت , وهي بنت عمرو بن كلثوم.
وقيل هو حجل بن نضلة , وهو جاهلي أيضا , وهو قول أبي عبيدة , وتبعه ابن قتيبة في كتاب " الشعراء " , وأبو علي في " المسائل البصرية " قالوا: فالهما في نوار بنت عمرو بن كلثوم لما اسرها يوم طلحو فركب بها الفلاة خوفا من أن يلحق والله أعلم.
ومنه تعرف أنه لا وجه لقول ابن الحاجب: إن معنى البيت إنكار الحنين بعد الكبر , وذلك إنما يتحقق بالزمان لا بالمكان, قال ابن قتيبة والاّمدي: قد نقص حرف من فاصلة البيت الثاني , وكان يستوي البيت بان يقول: " متشربا" , وقد روي "شربا لها" , وهذا أحسن، وبقي كلام ذكرناه هناك من شواهد الرضي.
стр. 2548
وأنشد بعده , وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد الثمانمائة:
(٨٢٨) وتسخن ليلة لا يستطيع ... نباحا بها الكلب إلا هريرا
على أن رجوع الضمير الرابط من الجملة المضاف إليها إلى المضاف نادر , فإن ضمير بها راجع إلى ليلى , وكونه نادرا غير مسلم، فإن المضاف يجوز أن يعود عليه الضمير , سواء كان مضافا إلى مفرد , أم إلى جملة , وليس بلازم , فقد يخلو من رجوع ضمير عليه.
والبيت من قصيدة للأعشى ميمون البكري مدح بها هوذة بن علي الحنفي من بكر ابن وائل , ومطلعها:
غشيت لليلى بليل خدورا ... وطالبتها ونذرت النذورا
فبانت وقد أسأرت في الفؤا ... د صدعا على نايها مستطيرا
كصدع الزجاجة ما تستطيع ... كف الصناع لها أن تحيرا
مليكية جاورت بالحجا ... ز قوما عداة وأرضا شطيرا
وتفتر عن بارق مشرق ... كشوك السيال أسف النؤورا
كأن جنيا من الزنجبيل ... بفيها وراحا وأريا مشورا
إذا هي تانى تريد القيام ... تهادى كما قد رأيت البهيرا
لها مالك كان يخشى القراف ... إذا خالط الحب منه الضميرا
فبان بحسناء براقة ... على أن في الطرف منها فتورا
مبتلة الحلق مثل المها ... ة لم تر شمسا ولا زمهريرا
ترى الحز تلبسه ظاهرا ... وتبطن من تحت ذاك الحريرا
стр. 2549
وتبرد برد رداء العرو ... س بالصيف رقرقت فيه العبيرا
وتسخن ليلة لا يستطيع ... نباحا بها الكلب غلا هريرا
الحدور: الستور التي تخدر فيها النساء , وبانت: فارقت , واسارت: أبقت , والمستطير: المنتشر , والصناع بالفتح: الحاذقة الماهرة بعمل اليدين , أن تحير: أن ترجع , وأن ترد من قولهم: ما أحار شيئا , ومليكية: منسوبة إلى مليك مصغر مالك , والشطير: البعيد , والغريب أيضا , والعداة: الأعداء , وتفتر: تكشف وتبسم عن ثغر بارد , والسيال بالفتح: شجر له شوك صغار يشبه بحدتها الاشر، واسف، بالبناء للمفعول: ذر , والنؤور: دخان يتصعد في إناء , ثم يؤخذ للوشم يذر على الأسنان فتخضر , والجنى: كل ما يجنى من الشجر , والراح: الخمر , والاري: العسل , وشاره: إذا اجتناه , وتانى , أي: تتهيأ , تهادى: تتمايل في مشيها , واصله تتهادى , والبهير: المتتابع النفس , فبان , أي: فبعد , والبراقة: من البريق واللمعان , وروى رقراقة , قال الجواليقي في شرح "أدب الكاتب ": أي: بيضاء ناعمة , ويقال:
هي التي يبرق وجهها كأن الماء يجري فيه، والطرف: اسم جامع للبصر , وهي هنا تحريك الجفون , والفتور: الاسترخاء , وإنما يستحسن الفتور في الجفون ولا في نفس البصر , والمبتلة: التامة الخلق , ولا يوصف به الرجل , ويقال: المبتلة التي يركب لحمها بعضه بعضا , وقيل: هي المنقطعة عن النساء لها عليهن فضل , والمها: بقر الوحش الواحدة مهاة , والمها: البلورة أيضا , وقوله: لم تر شمسا , اي: هي في كن لم تجد حرا ولا بردا.
وقوله: وتبرد برد رداء .. إلى اّخره وقال شارح ديوانه: هذا مدح في النساء كما قال طرفة:
تطرد القر بحر ساخن ... وعكيك القيظ إن جاء بقر
стр. 2550
ورقرقت، أي: تلألأ لما طلته به، أو علق به، والعبير هنا: الزعفران وحده، وعند بعضهم: أخلاط من الطيب. انتهى.
وقال الجواليقي، أي: تبرد هذه المرأة في الصيف برداً مثل برد رداء العروس إذا رقرقت فيه العبير، أي: صبغته [بالزعفران] وصقلته، أي: قد جمعت في الصيف البرد، وطيب الرائحة، والعبير: الزعفران وحده، ثم قال: وتسخن إلى آخره، يقول: هي حارة في الليلة الشديدة البرد التي لا يقدر الكلب فيها على النباح من شدة البرد إلا أن يهر هريراً، وهو دون النباح، وهذا كما قال الآخر:
سخنة في الشتاء باردة الصيف سراج في الليلة الظلماء
انتهى.
والهرير: أن ينبح وخيشومه في بطنه من شدة البرد.
قال المرزباني في "الموشح": حدثني عبد الله بن أحمد عن أبي العباس المبرد قال: قال الأعشى:
وتبرد برد رداء العروس ... إلى آخر البيتين.
هذا الكلام تقبل واستحسن، ثم قال في عيبه: إنه أتى به في بيتين، وطول به الخطاب، وأجود منه قول طرفة:
تطرد البرد بحر ساخن ... وعكيك القيظ إن جاء بقر
وقيل: هذا أجمع وأخصر. انتهى.
وقال ابن السيد في شرح "أدب الكاتب": وصف المرأة بصحة الجسم، واعتدال المزاج، فيقول: إذا ضاجعتها في الصيف، وجدتها باردة الجسم كبرد
стр. 2551
رداء العروس إذا رقرق فيه العبير، أي: جعل رقيقاً، وذلك حتى يصير أملس، وإذا ضاجعتها في البرد الشديد الذي لا يقدر فيه الكلب على النباح، وجدت جسمها سخناً، والباء في قوله: بالصيف بمعنى في، وجملة "رقرقت فيه العبير" حال من الرداء جارية على غير من هي له، ولو جعلت مكان الفعل الحال المحضة لقلت: مرقرقاً فيه العبير أنت، فأبرزت الضمير، ولوقلت: رقرق فيه العبير، ثم أظهرت الحال، لقلت مرقرقاً فيه العبير، ولم تظهر الضمير، وفيه: متعلق برقرقت، وفي البيت تقديم وتأأخيرك وتقديره: وتبرد بالصيف برد رداء العروس [فالباء متعلقة بتبرد، وبرد رداء العروس] منصوب على المصدر المشبه به، والتقدير: وتبرد برداً مثل [برد] رداء العروس. انتهى.
وفي "أمالي الزجاجي الصغرى والوسطى": أخبرنا أبو بكر بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: قال ابن دأب: "إنما سمى الناس الطيب: الغالية والساهرية والعبير ببنات عبد بن عبد الله بن صخر بن نافع بن سلف بن يقظان من أهل اليمن من العرب العاربة، وكان له ثلاث بنات يقال لهن: الغالية والساهرية والعبير، اجتمعن فسحقن مسكاً وعنبراً وعوداً فخلطته الغالية بالبان، فقيل: هذا طيب الغالية، وخلطته الساهرية بالزنبق، فقيل: هذا طيب الساهرية، وخلطته العبير بماء الورد، فقيل: هذا طيب العبير، قال أبو القاسم: هكذا روي
стр. 2552
هذا الخبر. وأما أهل اللغة، فمختلفون في العبير، فالأصمعي: يزعم أن العبير الزعفران نفسه، ويحتج بقول الأعشى:
وتبرد برد رداء العروس .. .. البيت.
وغير الأصمعي يذهب إلى أن العبير أخلاط يجمع بالزعفران، وهو القول الصحيح، لأنه قد روي عن النبي ﷺ أنه قال لامرأة: "أتعجز إحداكن أن تتخذ تومتين، ثم تلطخفهما بعبير أو زعفران"، ففرق بينهما، والتومة: حبة تعمل من الفضة كالدرة، انتهى.
وترجمة الأعشى تقدمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والعشرون بعد الثمانمائة:
(٨٢٩) مضت سنة لعام ولدت فيه ... وعشر بعد ذاك وحجتان
لما تقدم قبله، وصوابه: مضت مائة، ولم يتنبه أحد من الشراح لهذا التحريف، وأكثر ما يكتب مائة بصورة مئة بلا ألف، فحرف بسنة.
стр. 2553
والبيت من قصيدة للنابغة الجعدي هجا بها الأخطل وبني سعد بن زبد مناة، ومدح كعب بن جعيل: ومنها:
وظل لنسوة النعمان منا ... على سفوان بوم أروناني
فأعتقنا حليلته وجئنا ... لما قد كان جمع من هجان
وسفوان بالتحريك: موضع، وأرواني: شديد، فإن هبيرة بن عامر بن سلمة الخير بن قشير غزا بقومه حتى بلغ البحر، فأغار على إبل النعمان وماله وهو بكاظمة، فأخذ عصافير النعمان وهي إبله المختارة، وزوجته المتجردة، فرد المتجردة عليه، واستأثر بالهجائن، إلى أن قال:
ألا زعمت بنو سعد بأني ... ألا كذبوا كبير السن فاني
فإن تحرص على كبر فإني ... من الفتيان أيام الخنان
مضت مائة لعام ولدت فيه ... وعشر بعد ذاك وحجتان
فأبقى الدهر والأيام مني ... كما أبقى من السيف اليمان
تحسر وهو مأثور جراز ... إذا جمعت بقائمه اليدان
مضى عصر ولا يشرى بشيء ... وإن سيقت به مائة الهجان
ألا أبلغ بني جشم رسولاً ... أحقاً أن أخطلكم هجاني
فلولا أن تغلب رهط أمي ... وكعب وهو مني ذو مكان
تراجمنا بصدر القول حتى ... نصير كأننا فرسا رهان
وقوله: "ألا كذبوا" جملة معترضة بين اسم إن وخبرها، والخنان بضم الخاء المعجمة بعدها نون، قال صاحب "الأغاني": سئل محمد بن حبيب عن أيام الخنان، ما هي: فقال: وقعة لهم، فقال قائل منهم وقد لقوا عدوهم خننوهم
стр. 2554
بالرماح، فسمي ذلك العام الخنان. انتهى. وقال الجواليقي في كتاب "لحن العامة": الخنان: داء يأخذ الإبل في مناخرها، وهو في الإبل مثل الزكام في الناس، والخنان أيضاً: داء يأخذ الناس، قال الشاعر:
وأشفي من تخلج كل حق ... وأكوي الناظرين من الخنان
والخنان أيضاً: داء يأخذ الطير في رؤوسها، يقال: طائر مخنون. انتهى. وقال ابن درير في "الجمهرة": زمن الخنان زمن معروف عندا لعرب قد ذكر في أشعارهم، ولم أسمع له تفسيراً شافياً من علمائنا. انتهى.
قال صاحب "الأغاني": اسمه: قيس بن عبد الله الجعدي العامري، وإنما سمي النابغة لأنه أقام مدة لا يقول الشعر، ثم نبغ، وقال القحذمي: قال الجعدي الشعر في الجاهلية، ثم أجبل دهراً، ثم نبغ بعد بالشعر في الإسلام، وعن ابن الأعرابي قال أقام النابغة ثلاثين سنة لا يتكمل بالشعر، ثم تكلم بالشعر، وقال ابن سلام: كان النابغة قديماً شاعراً مفلقاً، طويل البقاء في الجاهلية والإسلام، وكان أكبر من الذبياني، ويدل على ذلك قوله:
ومن يك سائلاً عني فإني ... الإبيات الثلاثة.
قال: وعمر بعد ذلك عمراً طويلاً، وقال أيضاً:
لبست أناساً فأفنيتهم ... وأفنيت بعد أناس أناسا
ثلاثة أهلين أفنيتهم ... وكان الإله هو المستآسا
واستآسه: استعاضه، والمستآس: المستعاض. وفي هذه القصيدة يقول:
وكنت غلاماً أقاسي الحرو ... ب يلقى المقاسون مني المراسا
стр. 2555
وأنشد عمر بن الخطاب هذه القصيدة، فقال: "كمل لبثت مع كل أهل لك؟ فقال: ستين سنة".
وأما ابن قتيبة فإنه ذكر أنه عمر مائتين وعشرين سنة، ومات بأصبهان، وما ذاك بمنكر لأنه مكث إلى أيام عبد الله بن الزبير، وبين عمر وابن الزبير نحو مما ذكر ابن قتيبة لا شك.
والحجة، بكسر الحاء المهملة: السنة، وقوله: تحسر، أي: تكشف عن جوهره، والمأثور: الذي جوهره ظاهر عليه، وجراز بضم الجيم: القاطع، وإذا ظرف لجراز، وقائمة: مقبضه، ولا يُشرى: لا يباع، وسيقت، مبني للمفعول من السوق، وبه: أي: بثمنه، والهجان: الإبل الكريمة، وترجمة النابغة الجعدي تقدمت في الإنشاد الرابع والتسعين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثلاثون بعد الثمانمائة:
(٨٣٠) هذا وجدكم الصغار بعينه ... لا أم لي إن كان ذاك ولا أب
على أن عينه مؤكدة للصغار، وزيدت الباء فيه، كما يقال: جاء زيد بعينه، وقيل: حال مؤكدة، أي: هذا الصغار حقاً، قال اللخمي في "شرح أبيات الجمل": بعينه: حال من الصغار، والعامل فيه ما في "ها" من معنى التنبيه، أو ما في "ذا"
стр. 2556
من معنى الإشارة، والبيت من شواهد سيبويه، والشاهد فيه رفع الاسم الثاني مع فتح الأول، وذلك إما على إلغاء الثانية، ورفع تاليها بالعطف على محل الأولى مع اسمها، وعلى هذا فخبرهما واحد، وإما على تقدير "لا" الثانية عاملة عمل ليس، فيكون لكل من الأولى والثانية خبر يخصها، لأن خبر الأولى مرفوع، وخبر الثانية منصوب، وهذا: مبتدأ، والصغار: خبره، بفتح الصاد، بمعنى الذل.
وقوله: "وجدكم" جملة قسمية معترضة بين المبتدأ والخبر، قال اللخمي: والجد هنا: أبو الأب، والجد أيضاً: البخت والسعد والعظمة، وروي: هذا لعمركم، وذاك: فاعل كان التامة، ويجوز أن تكون ناقصة، والخبر محذوف، والتقدير: إن كان ذاك مرضياً، ولا بد على الوجه الأول من حذف مضاف، أي: إن كان رضا ذاك، ليصح المعنى، لأنه إنما اشترط أنه لا يرضى بذلك الجور. وجملة الشرط معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، وسد ما قبل الشرط مسد الجواب، أي: إن كان الجور مرضياً انتفيت من أمي وأبي، والمشار إليه بذاك في الموضعين، الفعل الذي فعلوه به، والبيت آخر أبيات سبعة، وأولها:
يا جندب اخبرني ولست بمخبري ... وأخوك ناصحك الذي لا يكذب
هل في القضية أن إذا استغنيتم ... وأمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا الشدائد بالشدائد مرة ... أشجتكم فأنا المحب الأقرب
وإذا تكون كريهة أُدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يُدعى جندب
ولجندب سهل البلاد وعذبها ... ولي الملاح وخبتهن المجدب
عجب لتلك القضية وإقامتي ... فيكم على تلك القضية أعجب
هذا وجدكم الصغار بعينه ... البيت
стр. 2557
والشعر لضمرة بن ضمرة النهشلي: شاعر جاهلي، وكان يبر أمه ويخدمها، وكانت مع ذلك تؤثر أخاً له يقال له جندب، فقال هذا الشعر، والأجنب، بالجيم والنون: القريب والبعيد، والحيس: لبن وأقط وسمن وتمر يصنع منه طعام، والملاح: جمع مليح، يقال: قليب مليح ماؤه، أي: ملح، والخبت، بفتح المعجمة وسكون الموحدة: المطمئن من الأرض فيه رمل، والمجدب: اسم فاعل من الجدب ضد الخصب، وقد بسطنا الكلام بسطاً وافياً على هذا الشعر، وقائله في الشاهد الثامن والثمانين من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد الثمانمائة:
(٨٣١) تعلم رسول الله أنك مدركي
تمامه:
وأن وعيداً منك كالأخذ باليد
على أن تعلم مثل زعم لا يقع على المفعولين صريحاً، بل على أن وصلتها، قال ابن السكيت: تقول: تعلمت أن فلاناً خارج بمعنى علمت، قال: إذا قال لك: اعلم أن زيداً خارج، قلت: قد علمت، وإذا قال: تعلم أن زيداً خارج، لم تقل: قد تعلمت، يعني أنه يقتصر على ما ورد عنهم، ولا يتجاوز إلى غيره، والبيت من شعر أورده ابن هشام في السيرة، قال فيها: قال ابن إسحاق، وقال أنس بن زنيم الديلي يعتذر إلى رسول الله ﷺ مما كان قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعي:
أأنت الذي تهدى معد بأمره ... بل الله يهديهم وقال لك اشهد
وما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد
أحث على خير وأسبغ نائلاً ... إذا راح كالسيف الصقيل المهند
стр. 2558
وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله ... وأعطى لرأس السابق المتجرد
تعلم رسول الله أنك مدركي ... وأن وعيداً منك كالأخذ باليد
تعلم رسول الله أنك قادر ... على كل صرم متهمين ومنجد
تعلم بأن الركب ركب عويمر ... هم الكاذبون المخلفو كل موعد
ونبي رسول الله أني هجوته ... فلا حملت سوطي إلي إذن يدي
وبعد هذا ستة أبيات، وقال السهيلي في "الروض الأنف" قوله: وأكسى لبرد الخال إلخ ... الخال: من برود اليمن، وهو من رفيع الثياب، وأحسبه سمى بالخال الذي بمعنى الخيلاء، وقوله: تعلم رسول الله أنك مدركي إلخ .. وهذا البيت سقط من رواية أبي جعفر بن الورد، ومعناه من أحسن المعاني، ينظر إلى قول النابغة:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
خطاطيف حجن في حبال متينة ... تمد بها أيد إليك نوازع
فالقسم الأول كالبيت الأول من بيت النابغة، والقسم الثاني كالبيت الثاني، لكنه أطبع منه وأوجز، وقول النابغة كالليل فيه من حسن التشبيه ما ليس في قول الديلي، إلا أنه يسمج مثل هذا التشبيه في النبي ﷺ ، لأنه نور وهدى، فلا يشبه بالليل، وإنما حسن في قول النابغة أن يقول: كالليل، ولم يقل كالصبح، لأن الليل ترهب غوائله، ويحذر من إدراكه ما لا يحذر من النهار، وقد أخذ الأندلسي هذا المعنى، فقال في هربه من ابن عباد:
كأن بلاد الله وهي عريضة ... تشد بأقصاها علي الأناملا
فأين مفر المرء عنك بنفسه ... إذا كان يطوي في يديك المراحلا
стр. 2559
وهذا كله معنى منتزع من كلام القدماء، روى [الطبري] أن منوجهر بن إيرج ابن أفريدون [بن أثفيان]، وهو الذي بعث موسى ﵇ في زمانه، قال حين عقد التاج على رأسه في خطبة له طويلة: أيها الناس إن الخلق للخالق، وإن الشكر للمنعم، وإن التسليم للقادر، وإنه لا أضعف من مخلوق طالباً أو مطلوباً، ولا أقوى من طالب طلبته في يده، ولا أعجز من مطلوب هو في يد طالبه. انتهى كلام السهيلي.
قال دعبل بن علي في "طبقات الشعراء": قوله:
فما حملت من ناقة فوق رحلها .. البيت.
هذا أصدق بيت قالته العرب. وروى ابن إسحاق في "المغازي" أن عمرو ابن سالم الخزاعي خرج في أربعين راكباً ينصرون رسول الله على قريش، فأنشده:
لا هم إني ناشد محمداً ... عهد أبينا وأبيه الأتلدا
الأبيات .. ، ثم قال: يا رسول الله إن أنس بن زنيم هجاك، فهدر رسول الله دمه، فبلغه ذلك، فقدم عليه متعذراً، وأنشده أبياتاً مدحه بها، وكلمه فيه نوفل بن معاوية الديلي، فعفا عنه.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثلاثون بعد الثمانمائة:
(٨٣٢) زعمتني شيخاً ولست بشيخ ... إنما الشيخ من يدب دبيبا
على أن وقوع زعم على المفعولين صريحاً من غير الغالب، والبيت أول أبيات
стр. 2560
أوردها أبو تمام في كتاب "مختار أشعار القبائل" لأبي أمية الحنفي، واسمه أوس، وبعده:
إنما الشيخ من يستره الحي ويمسي في بيته محجوباً
إن إراد الخروج خوف بالذئب وإن كان لا يرى الحي ذيبا
كيف يدعى شيخاً أخو مضلعات ... ليس يثني تقلباً وركوباً
فإذا ما الجليل عي به القو ... م وهاب الخطيب كان خطيباً
كم لأوس من كاشح لو تراه ... قد بنت دونه المساحي قليباً
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد الثمانمائة:
(٨٣٣) تعلم شفاء النفس قهر عدوها
تمامه:
فبالغ بلطف في التحيل والمكر
لما تقدم قبله، فشفاء وقهر مفعولا "تعلم" بمعنى اعلم، ولم أقف على تتمته ولا على قائله، وقد نسبه العيني إلى زياد بن سيار، وقد غلط في هذه النسبة، وسبب الغلط أن المصنف أورد في شرح أبيات ابن الناظم بيتاً من أبيات النابغة الذبياني رد بهى على زياد المذكور التطير الذي فيه، وهو:
تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير وهو الثبور
следующие страницы →