← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والعيوف: الكاره, والزحف: الجيش يزحف إلى العدو, ووقفًا: حبسًا. ووصف ابن طريف بالشاري, وهو اسم فاعل من شرى يشري, والخوارج يقال لهم الشراة - بالضم - جمع شارٍ, كقضاة جمع قاضٍ, سموا أنفسهم بذلك لقولهم: إنا شرينا أنفسنا في طاعة الله تعالى, أي: بعناها بالجنة حين فارقنا الأئمة الجائرة, قاله ابن خلكان تبعًا للجوهري وغيره, ورده صاحب «القاموس» فإنه قال: وشري زيد: غضب ولج كاستشرى, ومنه الشراة للخوارج, لا من شربنا أنفسنا بالطاعة, ووهم الجوهري. وأنشد بعده, وهو الانشاد الستون: (٦٠) في كل يوم ما وكل ليلاه قال ابن جني في باب «الاستغناء بالشيء عن الشيء» من كتاب «الخصائص»: ومن ذلك استغناؤهم بليلة عن ليلاة, وعليها جاءت ليال, وعلى أن ابن الأعرابي أنشد: في كل يوم ما وكل ليلاه ... حتى يقول كل راء إذا راه يا ويحه من جمل ما أشقاه وهذا شاذ لم يسمع إلا من هذه الجهة, وقال في «المحتسب» أيضًا: فأما

стр. 282

أهال فكقولهم: ليال, واحدهما أهلاة وليلاة, وقد مر بنا تصديقا لقول سيبويه, فإن واحده في التقدير ليلاه, ما أنشده ابن الأعرابي: في كل يوم ما وكل ليلاه ... حتى يقول من رآه إذ راه يا ويحه من جمل ما أشقاه انتهى. وقال الأزهري في «التهذيب»: وتصغير ليلة لييلية, أخرجوا الياء الآخرة من مخرجها في الليالي, يقول بعضهم: إنما كان أصل تأسيس بنائها ليلاة فقصرت. وقال الفراء: ليلة كانت في الأصل ليلية, ولذلك صغرت لييلية, ومثلها الكيكة للبيضة, كانت في الأصل كيكية وجمعها الكياكي. انتهىز وقوله: إذا راه, بحذف عين الفعل وهي الهمزة. وانشد بعده, وهو الانشاد الواحد والستون: (٦١) دويهية تصفر منها الأنامل صدره: وكل أناس سوف تدخل بينهم وتصغير دويهة للتعظيم, فإنه أراد بها الموت, ولا داهية أعظم منها, والدليل على أنه أراد بها الموت قوله: تصقر منها الأنامل «فإن صفرتها لا تكون إلا بالموت, قال الطوسي في «شرح ديوان لبيد» إذا مات الرجل أو قتل اصفرت

стр. 283

أنامله, واسودت أظافره, ولم يرتضه المحقق الرضي في «شرح الشافية» فإنه قال: قيل: يجيء التصغير للتعظيم, فيكون من باب الكناية, يكنى بالصغر عن بلوغ الغاية [في العظم] , لأن الشيء إذا جاوز حده جانس ضده, وقريب منه قول الشاعر: وكل أناس سوف تدخل بينهم .. البيت. ورد بأن تصغيرها على حسب احتقار الناس لها, وتهاونهم بها, إذ المراد بها الموت, أي: يجيئتهم ما يحتقرونه مع أنه عظيم في نفسه تصفر منه الأنامل, واستدل [أيضًا] بقوله: فويق جبيل سامق الرأس لم تكن ... لتبلغه حتى تكل وتعملا ورد بتجويز كون المراد دقة الجبل وإن كان طويلًا, وإذا كان كذا فهو أشد لصعوده. انتهى. ورده الجاريردي أيضًا, ووجهه بوجهين, أحدهما: أن التصغير فيه لتقليل المدة, وثانيها: أن المراد أن أصغر الأشياء قد يفسد الأمور العظائم, فحتف النفوس قد يكون بالأمر الصغير الذي لا يؤبه به. انتهى. والداهية: مصيبة الدهر, مشتقة من الدهي – بفتح الدال وسكون الهاء – وهو النكر, فإن كل أحد ينكرها ولا يقبلها, ودهاه الأمر يدهاه إذا أصابه بمكروه, ورواه

стр. 284

ابن دريد في «الجمهرة»: «خويخية تصفر منها الأنامل» وقال: الخويجية: الداهية, وهي بخائين معجمتين, مصغر الخوخة بالفتح, وهي الباب الصغير, ورواها الطوسي في البيت أيضًا عن أبي عمرو وقال: يقول: ينفتح عليهم باب يدخل عليهم منه الشر, وسوف للتحقيق والتأكيد. والبيت من قصيدة للبيد الصحابي, ويأتي إن شاء الله تعالى أبيات من أولها في بحث «خلا وما». ولبيد بن ربيعة العامري الصحابي: قدم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في وفد بني كلاب, فأسلم وحسن إسلامه, وسكن بالكوفة, ومات بها في سنة إحدى وأربعين من الهجرة, يقال: عاش مائة وخمسين سنة, وقيل مائة وأربعين سنة, وقيل غير ذلك, وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام, وكان قد اعزل الفتن ولم يقل بعد إسلامه شعرًا سوى بيت واحد, وهو: ما عاتب الحر الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه القرين الصالح وقال ابن قتيبة: إنما قال بعد إسلامه: الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسبت من الإسلام سر بالا وقد ترجمناه ترجمة مبسوطة في الشاهد الثاني والعشرين بعد المائة من شواهد الرضي. وأنشد بعده, وهو الانشاد الثاني والستون:

стр. 285

(٦٢) يا ليت شعري ولا منجى من الهرم ... أم هل على العيش بعد الشيب من ندم على أن «أم» فيه زائدة, وكذا قال في البيت أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي الأخفش في كتاب «المعاباة». وهو مطلع قصيدة لساعدة بن جؤية الهذلي رثى بها قومًا أصيبوا يوم معيط - بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح المثناة التحتية بعدها طاء مهملة - قال أبو عبيد البكري: هو ماء لمزبنة في قفا «ثافل» جبل مزينة, وكانت في معيط وقعة على هذيل, قال أبو الفتح: معيط: مفعل, من لفظ عيطاء, وكان قياسه الإعلال: معاط, إلا أنه شذ: كمريم ومزيد, ولا يحمل معيط على فعيل, لأنه مثال لم يأت. انتهى. قال السكري: ويروي: يا للرجال ألا منجى من الهرم وقوله: أم هل على العيش .. الخ, قال السكري: يقول: هل يندم أحد على أن لا يعيش بعد أن يشيب, يريد: هل على فوت العيش من ندم, ومثله/ «المال يزري بأقوام .. » يريد: فقد المال. انتهى. ففي كلامه إشارة إلى أن أم زائدة, وإلى أن مضافًا محذوف بعد على, وجملة: ولا منجى من الهرم,

стр. 286

معترضة, وجملة هل على العيش .. الخ, في محل نصب بشعري علقت بالاستفهام, وخبر ليت محذوف تقديره: ليت علمي بما يسأل عنه بهذا الاستفهام حاصل, قاله الرضي. وقال ابن الحاجب: هذا الاستفهام قائم مقام الخبر كالجار والمجرور في نحو: ليتك في الدار. وقال ابن يعيش: الاستفهام ساد مسد الخبر, كسد جواب لولا مسد الخبر الذي بعده. وقال ابن الملا تبعًا للسيوطي: قال السكري: يروى: «ألا منجى» أي: هل ينجو أحد من الهرم, وعليه فلا تكون أم زائدة بل للإضراب. انتهى. أقول: الذي في نسختي: ويروى: «يا للرجال ألا منجى من الهرم» كما تقدم وهي نسخة صحيحة قرأها الإمام أحمد بن فارس صاحب كتاب «المجمل» في اللغة على الأستاذ الرئيس أبي الفضل بن العميد, وكتب على ظهر أولها سنده إلى السكري, وعلى نسختي أيضًا تكون أم للإضراب. وبعده: أم هل ترى أصلات العيش نافعةً ... أم في الخلود ولا بالله من عشم إن الشباب رداء من يزن تره ... يكسى الجمال ويفند غير محتشم والشيب داء نجيس لا شفاء له ... للمرء كان صحيحًا صائب القحم قوله: أم هل ترى .. الخ, قال السكري: أصلات جمع أصلة ووصلة, وهو اتصال العيش, وعشم: طمع. انتهى. وأقول: أم للإضراب في الموضعين,

стр. 287

والخلود: طول البقاء, وعشم بفتحتين, ومن زائدة بعد النفي, وبالله متعلق بأقسم محذوفًا, فالباء للقسم, يقول: بل هل في اتصال العيش نفع, واتصاله هو الخلود, ثم أضرب عنه وقال: بل والله لا طمع في الخلود واتصال العيش, وقوله: إن الشباب رداء .. الخ, قال السكري: قوله: من يزن من زانه يزينه, يقول: من زانه الشباب كسي الجمال, يقال: قد أفند الرجل إذا خرف فخلط في كلامه. انتهى. والاحتشام: الانقباض والحياء, يقول: إن الشاب إذا تكلم بالقبيح وخلط في كلامه من غير انقباض لا يتعجب منه, لأنه مظنة لمثله, بخلاف الشيخ فإنه ينكر عليه. وقوله: والشيب داء نجيس .. الخ, قال السكري: يقال: داء ناجس ونجيس وعقام: لا دواء له, وقوله: صائب القحم, يقول: كان إذا انقحم في الأمر قصد له, يقال: صاب يصوب صوبًا إذا قصد, وصائب القحم: الأمور يركبها الرجل من خير أو شر, إذا تقحم في الأمر لم يطش, ويقال: القحم الوثب. انتهى كلامه. ونجيس بالنون والجيم والسين المهملة, والقحم بضم القاف وفتح الحاء المهملة. وبعد خمسة أبيات من هنا قوله: تالله يبقى على الأيام ذو حيد ويأتي إن شاء الله تعالى شرحه في «اللام» , وفيها أيضًا بيت أنشده المصنف في بحث «مهما» , وفيها أيضًا بيت آخر أورده المصنف في الباب الثالث, وإن شاء الله تعالى نشرحها هناك في مواضعها. وترجمة الشاعر تقدمت في الإنشاد الثالث.

стр. 288

وأنشد بعده, وهو الانشاد الثالث والسنون: ذاك خليلي وذو يواصلني ... يرمي ورائي بامسهم وامسلمه على أن «لام التعريف» تبدل ميما في لغة طيئ وحمير, قال الرضي في «شرح الشافية»: هذا الإبدال ضعيف, وقال ابن جني في «سر الصناعة»: هذا الإبدال شاذ لا يسوغ القياس عليه. وفيهما نظر, فإنه لغة قوم بأعيانهم, قال صاحب «الصحاح»: هي لغة لحمير, وقال الرضي في «شرح الكافية» هي لغة حمير ونفر من طيئ, وقال الزمخشري في «المفصل»: وأهل اليمن يجعلون مكانها الميم, ومنه: «ليس من ام بر صيام في ام سفر». وقال: يرمي ورائي بامسهم وامسلمه ولا يجوز الحكم على لغة قوم بالضعف ولا بالشذوذ, نعم لا يجوز القياس بإبدال كل لام ميمًا, ولكن يتبع إن سمع, ورواه الجوهري في مادة (سلم): ذاك خليلي وذو يعاتبني ... يرمي ورائي بالسهم وامسلمه وقال: يريد: السلمة, وكذا رواه صدر الأفاضل, وقال: الرواية بالسهم

стр. 289

بتشديد السين على اللغة المشهورة, وامسلمه: بالميم الساكن بعد الواو على اللغة اليمانية. انتهى. وهذا مخالف لقول المصنف: الشاهد له حديث: «ليس من ام بر .. » وغير منوي أيضًا إلا إن حركت الألف بعد الواو, وتحريكها لحن, وقد تابع الناس الجوهري في ذكر المصراع الأول, قال المصنف في «شرح أبيات ابن الناظم: روى الجوهري: «يعاتبني» بدل «يواصلني» وزعم أن الواو زائدة, وكأن ذلك لأنه رأى أن قوله: يرمي, محط الفائدة, فقدره خبرًا, وقدر خليلي تابعًا للإشارة, وذو صفة لخليلي, فلا يعطف عليه, وتبعية خليلي للإشارة بأنه بدل منها لا نعت, بل ولا بيان, لأن البيان بالجامد كالنعت بالمشتق, ونعت الإشارة بما ليست فيه أل ممتنعة, وبهذا أبطل أبو الفتح كون بعلي, فيمن رفع «شيخًا» بيانًا, ولك أن تعرب خليلي خبرًا وذو عطفًا عليه, ويرمى حالًا منه, وإن توقف المعنى عليه, مثل: (وهذا بعلي شيخًا) [هود/٧٢] انتهى كلامه. أقول: ليس في كلام الجوهري ما يدل على زيادة الواو, ولعل القائل غيره, أو تكون نسخة شراح أبيات ابن الناظم زعم بعضهم أن الواو وذو زائدة, كما نقل ابن الملا عنه هكذا, على أن المصراع الأول ليست روايته كما ذكر, وإنما الشعر كما رواه الآمدي في «المؤتلف المختلف» ليجير بن غنمة الطائي أحد بني بولان ابن عمرو بن الغوث بن طي, قال: وأراه أخا خالد بن غنمة الشاعر الجاهلي الطائي ويجير القائل في أبيات:

стр. 290

وإن مولاي ذو يعاتبني ... لا إحنة عنده ولا جرمه ينصرني منك غير معتذرٍ ... يرمي ورائي بامسهم وامسلمه انتهى. وكذا روى هذا الشعر ابن بري في «أماليه» على «الصحاح» وقال: هذه الرواية هي الصواب. والمولى: ابن العم, والناصر والحليف, والمعتق والعتيق. والظاهر أن المراد هنا أحد الثلاثة الأول. وذو: كلمة طائية بمعنى الذي محلها الرفع خبر إن, ويعاتبني: صلتها, والمعاتبة: مخاطبة الإدلال, والاسم العتاب, قال الشاعر: ويبقى الود ما بقي العتاب وقوله: لا إحنة: مبتدأ, وعنده الخبر, والجملة حال من فاعل يعاتبني, ويجوز أن يكون خبرًا ثانيًا لإن, والجيد أن يكون «ذو» صفة لمولاي, وإحنة خبره, وجرمة معطوف على إحنة – بكسر الهمزة وسكون الحاء المهملة بعدها نون – وهي الضغينة والحقد, والجرمة, بفتح الجيم وكسر الراء: الجرم والذنب. ووراء بالمد: من الأضداء بمعنى قدام وخلف, ويحتمل المعنيين هنا. وقال الصفدي في «فض الختام عن التورية والاستخدام»: وقد جاء وراء بمعنى قدام, قال تعالى: (وكان وراءهم ملك يأخذ) [الكهف /٧٩] أي: أمامهم. وقال تعالى: (وإني خفت الموالي من ورائي) [مريم /٥] أي: من أمامي, وقال الشاعر: ذاك خليلي وذو يواصلني .. البيت يريد: أمامي. انتهى كلامه. والرمي وراء: كناية عن الذب والمدافعة.

стр. 291

والمعنى: هذا الرجل يعاتبني, ويسلك طريق بقاء الود, يدافع عنه مرة بالسهام ومرة بالسلام. وورائي: بالمد وفتح الياء, وقوله: بامسهم, بكسر الميم دون تنوين, لأنه معرف باللام, لكن الكسرة مشبعة للوزن. وقوله: يا مسلمه: بباء الجر بعد الواو, وبها يتزن الشعر, والسلمة: بفتح السين وكسر اللام: الحجارة. ويجير: بضم الموحدة وفتح الجيم بعدها ياء ساكنة فراء مهملة, وعنمة: بفتح العين المعملة والنون بعدها ميم, وبولان: بفتح الموحدة وسكون الواو. وأنشد في (أل) وهو الانشاد الرابع والستون: (٦٤) من لا يزال شاكرًا على المعه ... فهو حرٍ بعيشةٍ ذات سعه أي: على الذي معه. ومن: موصولة بمعنى الذي, وضمن معنى الشرط, ولذا جاء في خبره الفاء, وهو جملة قوله: فهو حر, وحر: صفة مشبهة من: حري يحرى حرى, مثل: عمي يعمى عمى, والوصف حر كعم بحذف الياء للتنوين, ومعناه: لائق. وسعة بفتح السين: خلاف الضيق, وهو مصدر وسعه. قال الدماميني: يحتمل أن يكون هذا بيتًا واحدًا من تمام الرجز مقفى, أو بيتين من مشطورة, ويعرف تعيين أحد الأمرين بالوقوف على بقية الشعر.

стр. 292

وأنشد بعده, وهو الانشاد الخامس والستون: (٦٥) من القوم الرسول الله منهم ... لهم دانت رقاب بني معد قال أبوحيان: يريد: الذين رسول الله, صلى الله تعالى عليه وسلم, منهم. ومن النحويين من جعل أل زائدة في قوله: الرسول, لا موصولة, ولا يعلم ورود أل داخلة على الجملة الاسمية إلا في البيت, انتهى. وقد منع الدماميني الزيادة, قال في «المزج»: لا يقال: يحتمل كون أل هنا زائدة, فتكون الجملة في محل جر صفة للقوم, لأن أل فيه جنسية, فمدخولها نكرة في المعنى, أو في محل نصب على الخال نظرًا إلى صورة التعريف, لأنا تقول: القوم الذين رسول الله, صلى الله تعالى عليه وسلم, منهم معينون معهودون, فالظاهر فيه إرادة العهد, والأصل عدم الزيادة, فالظاهر أنها موصولة كما قال المصنف. انتهى. وقال ابن عصفور في كتاب «الضرائر»: وأما الألف واللام في قول الآخر: من القوم الرسول الله منهم ... البيت يريد: الذين رسول الله, صلى الله تعالى عليه وسلم, منهم, فالأظهر أن تكون مبقاة من الذين, لأنه وصلها بالجملة الاسمية, ولم يدخلها على اسم الفاعل ولا على ما أشبهه. انتهى. وأراد بالقوم هنا: بني هاشم أو قريشًا, ودانت: خضعت وأطاعت, ومعد: أبو العرب, وهو ابن عدنان. والعرب جميعًا فرقتان, إحداهما: فحطان, وهو أبو عرب اليمن. وثانيهما: عدنان وهو أبو عرب الحجاز وما والاها, وهم غير عرب اليمن. ورأيت البيت في كتاب «مسائل الخلاف» لابن الأنباري كذا: بل القوم الرسول الله منهم ... هم أهل الحكومة من قصي

стр. 293

وقصي: أحد أجداد النبي, صلى الله تعالى عليه وسلم, لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم, محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. وأنشد بعده, وهو الانشاد السادس والسنون: صوت الحمار اليجدع هو قطعة من بيت وهو: يقول: الخنى وأبغض العجم ناطقًا ... إلى ربنا صوت الحمار اليجدع أراد الذي يجدع, قال ابن عصفور في كتاب «الضرائر»: ومن النحويين من ذهب إلى أن هذه الألف واللام الداخلة على الفعل ليست الداخلة على اسم الفاعل واسم المفعول, بل هي مبقاة من الذي, وهو باطل, بدليل أنها لو كانت مبقاة منه, لجاز أن يقع في صلتها الفعل الماضي كما يقع في صلة الذي, فلما لم تدخل إلا على الفعل المشبه لاسم الفاعل, وهو المضارع, دل ذلك على أنها الداخلة على اسم الفاعل في الكلام. انتهى. وزعم أبو علي في «المسائل العسكرية» أن دخول أل على الفعل لم يوجد إلا في اليجدع, والينقصع, وكلمتين أخريين. أقول: هو أكثر من ذلك قال الفرزدق: ما أنت بالحكم الترضى حكومته ... ولا الأصل ولا ذي الرأي والجدل وقال آخر: وليس البري للخل مثل الذي يرى ... له الخل أهلًا أن يعد خليلا وقال آخر:

стр. 294

ما كاليروح ويغدو لاهيًا فرحًا ... مشمرًا يستديم الحزم ذو رشد وقال آخر: لا تبعثن الحرب إني لك الـ ... ينذر من نيرانها فاتق وقال آخر: فذو المال يؤتي ماله دون عرضه ... لما نابه والطارق اليتعمل وقال آخرك أحين اصطباني أن سكت وإنني ... لفي شغلٍ عن دخلي اليتتبع والبيت من سبعة أبيات, أوردها أبوزيد في «نوادره» لذي الخرق الطهوي, وقبله وهو أولها: أتاني كلام الثعلبي ابن ديسقٍ ... ففي أي هذا ويحه يتترع وبعده: فهلا تمناها إذ الحرب لاقح ... وذو النبوان قبره يتصدع يأتك حيا دارم وهما معلًا ... ويأتك ألف من طهية أقرع فيستخرج اليربوع من نافقائه ... ومن جحره بالشيحة اليتقصع وبقي بعد هذه الخمسة بيتان. وقوله: أتاني كلام الثعلبي, هو بالثاء المثلثة والعين المهملة كما في «نوادر أبي زيد» في نسخ ثلاث قديمات صحاح, ورفع نسبه أبو محمد الأعرابي فيما كتبه على «نوادر ابن الأعرابي» وأبو علي القالي في «ذيل أماليه»: فقالا: وهو أبو مذعور طارق بن ديسق بن عوف بن عاصم بن عبيد

стр. 295

ابن ثعلبة بن يربوع. انتهى. فهو منسوب إلى جده الأعلى الذي هو بطن من يربوع. وهو شاعر إسلام كما يأتي بيانه. وصحفة العيني وتبعه ابن الملا فقال: نسبه إلى تغلب, بالمثناة من فوق والغين المعجمة. وديسق كجعفر: علم منقول, قال الصاغاني في «العباب»: قال الليث: الديسق: خوان من فضة, والطريق المستعمل, والحوض اللآن, والشيخ, والنور, وكل حلي من فضة بيضاء صافية, ووعاء من أوعيتهم, مأخوذ من الدسق – بفتحتين – وهو امتلاء الحوض, يقال: ملأت الحوض حتى دسق, أي, ساح ماؤه, وقيل: هو بياض الحوض وبريقه. انتهى. وقوله: يتترع, هو من الترع, بفتحتي التاء المثناة فوق والراء, قال صاحب «العباب»: ترع الرجل كفرح, إذا اقتحم الأمور مرحًا ونشاطًا, وقيل: ترع: سارع إلى النشر والغضب, وتترع إليه بالشر: تسرع, وكأنه توعده بأمور, وقوله: يقول الخنى .. البيت, قال الجوهري, وتبعه الصاغاني: هذا البيت من أبيات الكتاب, وهذا لا أصل له, وقد تصفحت شواهد سيبويه في عدة نسخ, فلم أجده فيها. والخنى, بالخاء المعجمة والنون: الكلام القبيح, وألفه منقلبة من ياء, ولهذا يكتب بالألف, وقد خني عليه بالكسر – وأخنى عليه في منطقه, إذا أفحش, وهو منصوب لأنه مصدر نوعي, أي: يقول القول الخنى, والجملة تفسير لقوله: كلام الثعلبي. وأبغض: أفعل تفضيل, من بغض الشيء – بالضم – بغاضة, صار بغيضًا. وإلى ربنا: متعلق بأبغض. وروى ابن جني في «سر الصناعة: «إلى ربه» فالضمير لابن ديسق, وإلى بمعنى عند, والعجم: جمع أعجم وعجماء, وهو الحيوان الذي لا ينطق, والأعجم أيضًا: الإنسان الذي في

стр. 296

لسانه عجمة, وإن كان بدويًا لشبهه بالحيوان. وناطقًا: تمييز للنسبة, وأصله: وأبغض نطق العجم, أي: تصويتها فلما حذف نطق, صارت نسبة البغض إلى العجم مبهمة, ففسرت بالتمييز, ولابد من هذا المحذوف ليصح الإخبار بصوت. قال الراغب: النطق في التعارف: الأصوات المنقطعة التي يظهرها اللسان, وتعيها الآذان, ولا يقال للحيوانات نطاق, إلا مقيدًا, أو على طريق التشبيه, كقول الشاعر: عجبت لها أنى يكون غناؤها ... فصيحًا ولم تفغر بمنطقها فما انتهى. وهو هنا مجاز عن الصوت, وفي «العباب» وغيره: حمار مجدع: مقطوع الأذنين. انتهى. والحمار إذا كان مقطوع الأذنين يكون صوته أقبح وقد ورد تمثيل الصوت المرتفع بصوت الحمار في وصية لقمان لابنه, قال تعالى حكاية عنه: (واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) [لقمان/١٩] أي: أوحش الأصوات وأقبحها. وجزم الدماميني أنه من: جدعت الحمار: سجنته, قال: لأن الحمار إذا حبس كثر تصويته, وإذا جعل من الجدع الذي هو قطع الأذن, لم يظهر له معنى, قال السيوطي: وليس كما قال,

стр. 297

لأن صوت الحمار حالة قطع أذنيه أكثر وأقبح, وكأنه ظن أن المراد صوته بعد التجديع, وليس كذلك, بل المراد وقت التجديع, وفيه نظر, فإنه لا يصوت عند قطع أذنه أصلًا. وقوله: فهلا تمناها, الضمير المؤنث راجع إلى معهود بينهما, أو إلى شيء في بيت لم يذكر هنا. ولاقح: حبلى بمنايا الرجال, ومقارعة الأبطال. وفي شرح «نوادر أبي زيد» ذو النبوان: لم يعرفه أبو زيد, وأقول: قال ياقوت في «معجم البلدان»: النبوان بفتح النون والباء الموحدة: اسم ماء بنجد لبني أسد, وقيل: لبني السيد, فالمراد بذي النبوان: رجل, وهو إما صاحب هذه الماء, أو لأنه دفن في أرضها, وفي «القاموس»: وذو النبوان, محركة: وديعة بن مزيد, والنبوان: ماء. انتهى. والتصدع: التشقق, وفي «القاموس»: تصدع: تفرق, وتصدعت الأرض بفلان, إذا تغيب فيها, وقوله: يأتك حيًا دارم: فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب, أي: إن حاربتنا يأتك حيًا دارم, في «الصحاح»: درمت الأرنب وغيرها تدرم – بالكسر – إذا قاربت الخطى, ومنه سمي دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك ابن زيد مناة بن تميم, وكان يسمى مجرًا, وذلك أن أباه لما أتاه قوم في حمالة, فقال له: يا بحر اثنتي بخريطة, وكان فيها مال, فجاء يحملها, وهو يدرم تحتها من ثقلها. انتهى. وبنو دارم: حي من بني تميم فيه بيتها وشرفها. وطهية بالتصغر: حي من تميم, سموا باسم أمهم, وهي طهية بنت عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم, وهي أم أبي سود وعوف ابني مالك بن حنظلة, والنسبة إليها: طهوي بسكون الهاء, وبعضهم يفتحها على القياس. ومالك: أخو دارم. وأقرع بالقاف: تام, يقال: ألف أقرع, ودرهم أقرع, ومائة قرعاء.

стр. 298

وقوله: فيستخرج اليربوع .. الخو الفاء للسببية, ويستخرج: منصوب بأن مضمرة, وهو مبني للمفعول, ويجوز بالبناء للفاعل مسندًا إلى الألف. واليربوع: دويبة تحفر الأرض, والياء زائدة, لأنه ليس في كلام العرب «فعلول» سوى «صفعوق» على ما فيه, وله جحران, أحدهما: القاصعاء, وهو الذي يدخل فيه, والآخر: النافقاء, وهو الجحر الذي يكتمه ويظهر غيره, وهو موضع يرفقه, فإذا أني من قبل القاصعاء, ضرب النافقاء برأسه فانتفق, أي: خرج, وجمعها: قواصع ونوافق. ونافق اليربوع: أخذ في نافقائه, ومنه المنافق, شبه باليربوع لأنه يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي دخل فيه, وقيل: لأنه يستر كفره, فشبه بالذي يدخل النفق, وهو السرب. والجحر – بضم الجيم – يكون للضب واليربوع والحية, والجمع جحرة, كعنبة, وانجحر الضب – على انفعل – آوى إلى جحره. وقوله: بالشيحة: رواه أبو عمرو الزاهد وغيره تبعًا لابن الأعرابي: «ذي الشيحة» وقال: لكل يربوع شيحة عند جحره, ورد أبو محمد الأعرابي على ابن الأعرابي في «ضالة الأديب» وقال: ما أكثر ما يصحف في أبيات المتقدمين, وذلك أنه توهم أن الشيحة موضع ينبت الشيح, وإنما الصحيح: ومن جحره بالشيخة – بالخاء المعجمة – وهي رملة بيضاء في بلاد بني أسد وحنظلة. وكذا رواه الجرمي أيضًا, وفي «القاموس» أيضًا. والشيخة: رملة بيضاء ببلاد أسد وحنظلة, ومنه قول ذي الخرق الطهوي: ومن جحره بالشيخة اليتقصع انتهى. واستفدنا منه أنه بفتح الشين, لأنه قال بعده: وبكسر الشين بنية لبياضها. وقال أبو عبيد البكري في «معجم ما استعجم»: الشيحة بكسر

стр. 299

أوله وبالحاء المهملة: رملة إذا طلعت فيها طلعت في نجفةٍ, وهي نجفة مليحة, ثم طلعت في حزن بني يربوع. ومليحة – بضم الميم وفتح اللام وسكون الياء بعدها حاء مهملة – بين الحزن والشيحة, وهي من منازل بني يربوع. انتهى. والحاصل أن هذه الكلمة اختلفوا في ضبطها, والله أعلم بها. وقوله: اليتقصع, رواه أبو محمد الخوارزمي عن الرباشي بالبناء للمفعول, يقال: تقصع اليربوع دخل في قاصعائه فيكون صفة للجحر, وصلته محذوفة, أي: من جحره الذي يتقصع فيه, كما قدره ابن جني في «سر الصناعة» وروي بالبناء للفاعل, فيكون صفة لليربوع ولا حذف. ورواه أبو زيد «المتقصع» بصيغة اسم المفعول, المنفعل من القاصعاء, فيكون صفة اليربوع أيضًا, لكن فيه حذف الصلة. والمعنى: إنكم إن حاربتمونا, جئناكم بقبائلنا يحيطون بكم, ولا نجاة لكم, ولو احتلتم بكل حيلة, كاليربوع الذي يجعل النافقاء حيلة لخلاصه من الحارش, فإذا كثر عليه الحارش, أخذوا عليه من نافقائه ومن قاصعائه, فلا يبقى له مهرب البتة. وقد تكلمنا على هذه الأبيات بأبسط مما هنا في شرح أول شاهد من شواهد الرضي. وقد أنشد أبو زيد في «نوادره» هذه الأبيات لذي الخرق الطهوي وقال: إنه جاهلي, وفيه نظر, فإن له ولطارق بن ديسق أشعارًا في قصة نحر غالب, والد الفرزدق, إبله عام المجاعة بالكوفة في خلافة علي بن أبي طالب, رضي الله تعالى عنه, تدل على أنهما إسلاميان, قال أبو علي القالي في كتاب «ذيل أماليه»: قرأنا على أبي الحسن, قال أبو محلم: حدثني جماعة من بني تميم عن آبائهم عن أجدادهم قالوا: أسنت بنو تميم زمن علي بن أبي طالب, رضي الله تعالى عنه, فانتجعوا أرضًا من أرض كلب من ظرف السماوة, يقال لها: صوار, من الكوفة

стр. 300

مسافة يوم وليلة, فضع غالب بن صعصعة طعامًا, ونحر نحائر, وجفن جفانًا, وجعل يقسمها على أهل المزايا, وهم أهل القدر, فأتت جفنة منها سحيم بن وثيل الرباحي الشاعر, فكفأها وضرب الخادم التي أتته بها, فتألم غالب من ذلك, فعاتب سحيمًا, وكثر الكلام بينهما حتى تداعيا إلى المعاقرة, وكاان سحيم رجلا فيهسوء خلق وأذية للناس, وكانت إبله خوامس, قد أغبت خمسًا لم ترد, ووردت إبل غالب, فطفق غالب يعقرها, وطافت الوغدان والفتيان بالإبل, فجعلت تحوزها من أطرافها, ومع الفرزدق هراوة يوردها على أبيه, فيقول غالب: رد أي بني, فيقول الفرزدق: إعقر أبه: حتى نحر مائتين, فقال طارق بن دبسق بن عوف بن عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع, وكان يهاجي سحيمًا: أبلغ سحيمًا إن عرضت وجحدرا ... أن المخازي لا ينام قرادها إلى آخر أبيات أربعة, وأبيات لغيره. وقال طارق بن دبسق يعير سحيمًا: لعمري وما عمري علي بهينٍ ... لقد ساء ما جازيت يا ابن وثيل مددت بذي باعٍ عن المجد جيدر ... وسيف عن الكوم الخيار كليل وقال ذو الخرق الطهوي يتعصب لغالب, لأنه من بني مالك بن حنظلة: أبلغ رياحًا على نأيها ... ورهط المحل شفاة الكلب فلا تبعثوا منكم فارطًا ... عظيم الرشاء كبير الغرب يعارض بالدلو فيض الفرا ... ت تصك أواذيه بالخشب فما كان ذنب بني مالكٍ ... بأن سب منهم غلام فسب

стр. 301

عراقيب كوم طوال الذرى ... تخر بوائكها للركب بأبيض يهتز في كفه ... يقط العظام ويبري العصب تسامى قروم بني مالكٍ ... فاسمى بهم غالب إذا غلب فأبقى سحيم على ماله ... وهاب السؤال وخاف الحرب وأقبلت إبل سحيم حتى وردت عليه, فأوردها كناسة الكوفة, فجعل يعقرها, فقال علي بن أبي طالب, رضي الله تعالى عنه: لا تأكلوا منها, فإنه مما أهل به لغير الله, وأمر فطرد الناس عنها. انتهى ما أورده القالي باختصار قليل. ومعلوم أن غالبًا وسحيمًا من أشراف التابعين, وجميع العرب كانوا حينئذ مسلمين. وقد رفع الآمدي في «المؤتلف والمختلف» نسب ذي الخرق فقال: ذو الخرق الطهوي, واسمهك قرط, ويقال: ذو الخرق بن قرط أخو بني سعيدة بن عوف بن مالك بن حنظلة بن طهية بنت عبد شمس بن سعيد بن زيد مناة بن تميم, شاعر فارس وهو القائل: فما كان ذنب بني مالكٍ ... بأن سب منهم غلام فسب وفي «ضالة الأديب» أيضًا ما يقتضي أن طارق بن ديسق إسلامي, فإنه جرت قصة في دفع إبل الصدقة, فتهاجى بسيبها ابن ديسق والأخوص الرياحي - بالخاء المعجمة - فإن ابن ديسق هجا بني رياح بن يربوع بقصيدة أولها:

стр. 302

نهيتكم عن جندل القاع بعدما ... مضى الليل نوكى أرسلت والمجاهل فقال الأخوص يرد على طارق: أفي كل عام أنت مهدٍ قصيدةً ... يمزق مذعور بها والنعابل كأنك خنزير يدوس بأنفه ... كناسة ما بين الزقاقين هابل فإن تك فاتتك العلى يا ابن ديسقٍ ... فدعها ولكن لا تفتك الأسافل ومذعور: هو ابن طارق بن ديسق, والنعابل, بفتح النون والعين المهملة وكسر الموحدة: رهط طارق, وفي طهية أيضًا شاعران كل منهما يقال له ذو الخرق, أوردهما الآمدي في «المؤتلف والمختلف» أحدهما: خليفة بن حمل بن عامر ابن حميري بنوقدان بن سبيع بن عوف بن مالك بن حنظلة, ولقب ذا الخرق بقوله: ما بال أم حبيشٍ لا تكلمنا ... لما افتقرنا وقد تثري فنتفق تقطع الطرف دوني وهي عابسة ... كما تشاوس فيك الغائر الحنق لما رأت إبلي جاءت حمولتها ... غرثى عجافًا عليها الريش والخرق قالت ألا تبتغي مالًا تعيش به ... عما تلاقي وشر العيشة الرمق فيئي إليك فإنا معشر صبر ... في الجدب لا خفة فينا ولا ملق إنا إذا حطمة حتت لنا ورقًا ... نمارس العيش حتى ينبت الورق ثانيهما: شمير بن عبد الله بن هلال بن قرط بن سعيدة. ولما شرحت هذه الأبيات في أول شاهد من شواهد المحقق الرضي, لم يظهر لي تعيين قائلها من

стр. 303

هؤلاء الثلاثة لعدم اطلاعي على ذينك الموضعين م «ذيل القالي» ومن «ضالة الأديب» والحمد لله على ذلك, وقال السيوطي: في «المؤتلف» للأمدي إن اسمه قرط شاعر جاهلي, وسمي بذلك لقولهك جاءت عجافًا عليها الريش والخرق وفيه نظر من وجهين: الأول: أن الآمدي لم يقيد قرطًا بأنه جاهلي. الثاني: أن هذا الشعر إنما أورده الآمدي لخليفة بن حمل كما تقدم, مع أن الرواية «غرثى عجافًا» وقال العيني: اسمه دينار بن هلال, ولا أدري من أين أخذه, والله تعالى أعلم. وأنشد بعده, وهو الانشاد السابع والستون: (٦٧) باعد أم العمرو من أسيرها ... حراس أبوابٍ على قصورها على أن أل دخلت على عمرو لضرورة الشعر, وقد فات هذا - أعني دخول أل على العلم - ابن عصفور, فلم يذكره في كتاب «الضرائر» والبيت من شواهد «المفصل» أورده الزمخشري في باب العلم وقال: إنه لأبي النجم, وأورده لما حكاه المصنف بقوله: وقيل إن ألف في اليزيد والعمرو للتعريف .. إلى آخره, قال شارح أبياته المبارك ابن المستوفي: وبعده: وغيرة شنعاء من غيورها ... فالسحر لا يفضي إلى مسحورها وباعد وبعد واحد, وعنى بأسيرها نفسه, لأن حبها أسره. والحراس: جمع حارس, ككتاب جمع كاتب. قال: وموضع «على قصورها» الجر صفة

стр. 304

أبواب, أو الرفع صفة حراس, والأول أولى. وهذا البيت أنشده الخليل بن أحمد في كتاب «العين» انتهى. وقال السيوطي: [والحراس]: جمع حرسي, نسبة إلى الحرس, وهم حرس السلطان. وفي هذا وصف لها بالعزة والتمنع. وقوله: وغيرة, معطوف على حراس, مصدر غار الرجل على أهله. والشنعاء: القبيحة المفرطة, وأراد بالغيور: زوجها, وأراد بالسحر: كلامها الحلو اللذيذ, الذي يستميل القاوب كما تستمال بالسحر. والإفضاء: الوصول, وأراد بالمسحور نفسه. وأبو النجم: من بني عجل, واسمه الفضل بن قدامة, وينتهي نسبه إلى عجل ابن لجيم بن صعب بن بكر بن وائل, وهو أحد رجاز الإسلام المتقدمين في الطبقة الأولى. قال أبو عمرو بن العلاء: هو أبلغ من العجاج في النعت. وقال ابن قتيبة: كان أبو النجم ينزل سواد الكوفة, وراجز العجاج, فخرج إليه العجاج على ناقة وعليه ثياب حسان, وخرج أبو النجم على جمل مهنوء, وعليه عباءة, فأنشد العجاج: قد جبر الدين الإله فجبر وأنشد أبو النجم: تذكر القلب وجهلًا ما ذكر إلى أن قال:

стр. 305

إني وكل شاعرٍ من البشر ... شيطانه أنثى وشيطاني ذكر فما رآني شاعر إلا استسر ... فعل نجوم الليل عاين القمر فبينا ينشد مننها, حمل جمله على ناقة العجاج, فضحك الناس, وانصرفوا يقولون: شيطانه أنثى وشيطاني ذكر انتهى. وقال له هشام بن عبد الملك يومًا: يا أبا النجم, حدثني, قال: عني أو عن غيري؟ قال: بل عنك, قال: إني لما كبرت عرض لي البول, فوضعت عند رجلي شيئًا أبول فيه, فقمت من الليل أبول, فخرج مني صوت, فشددت ثم عدت, فخرج مني صوت آخرو فآويت إلى فراشي فقلت: يا أم الخيار! هل سمعت شيئًا؟ قالت: لا, ولا واحدة منهما, فضحك هشام وأحسن إليه بصلة, وله معه نوادر ومضحكات مذكورة في كتاب «الأغاني». وأنشد بعده, وهو الانشاد الثامن والستون: (٦٨) رأيت الوليد بن اليزيد مباركا ... شديدًا بأعباء الخلافة كاهله على أن «أل» في اليزيد زائدة لضرورة الشعر. وهو من قصيدة لابن ميادة مدح بها الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان وقبله:

стр. 306

هممن بقولٍ صادقٍ أن أقوله ... وإني على رغم العدو لقائله وبعده: أضاء سراج الملك فوق جبينه ... غداة تناجى بالنجاح قوابله وقوله: هممت, من هم بالأمر, إذا قصده وعزم عليه. وأن أقوله: بدل اشتمال من قول, أي: هممت بقول كلام صادق, وفسره بقوله: رأيت الوليد .. البيت. وقوله: رأيت الوليد .. البيت. فيه عدة شواهد: أحدها: ما ذكرنا من زيادة أل في العلم. ثانيها: دخول أل على العلم للمح أصله كما في الوليد, وقد نبه عليه المصنف. ثالثها: صرف غير المنصرف بدخول أل عليه مع كونها زائدة, كما في اليزيد, وقد استشهد به المصنف في «الأوضح». رابعها: نصب رأيت بمعنى علمت مفعولين. خامسها: تعدد المفعول الثاني لأفعال القلوب بلا عاطف, كما في الخبر, وهو هنا مباركًا وشديدًا. سادسها: إعمال فعيل في الظاهر, لاعتماده على ذي خبر بحسب الأصل. سابعها: جواز الفصل بينه وبين معموله بالمجرور. وإن كان رأيت بصرية فمباركًا وشديدًا حالان من مفعولها وهو الوليد, إحداهما جارية على من هي له, والأخرى جارية على غير من هي له. ووري

стр. 307

«وجدت» بدل «رأيت» فإن كانت وجد بمعنى علمو فهي متعدية لمفعولين أصلهما المبتدأ والخبر, وإن كانت بمعنى أصاب أو صادف, فمتعدية إلى واحد وهو الوليد, والمنصوبان بعده حالان. والأعباء: جمع عبء, بكسر المهملة وسكون الموحدة بعدها همزة, وهو الحمل وزنًا ومعنى. وروي بدله «بأحناء» جمع حنور, بكسر المهملة وسكون النون, قال الأزهري في «التهذيب»: قال الليث: الحنو كل شيء فيه اعوجاج والجميع الأحناء, تقول: حنو الحجاج, وهو عظم الحاجب, وحنو الأضلاع, وكذلك في الإكاف والقتب والسرج والجبال والأودية, وكل منفرج واعوجاج حنو. وأحناء الأمور: أطرافها ونواحيها, قال الكميت: وآلوا الأمور وأحناءها ... فلم يبهلوها ولم يهملوا أي: ساسوها ولم يضيعوها, وأحناء الأمور: مشتبهاتها, قال النابغة: يقسم أحناء الأمور فهارب ... وشاصٍ عن الحرب العوان ودائن قال الدماميني: وأعباء الخلافة: أحمالها, وهذه استعارة تحقيقة, شبه أمور الخلافة وما يحتاج إليه فيها من سداد النظر, وحسن السياسة, والقيام بمصالح الأمور, بالأحمال الثقيلة التي لا ينال الغرض منها إلا بعد نقلها من المحل التي هي مطروحة فيه. والكاهل: ما بين الكتفين, ويقال له الحارك. وشدته بحيث يحمل تلك الأعباء كناية عن كفاية الممدوح للإمامة العظمى. وأهليته لها. انتهى. قال ابن الملا: هذا ظاهر تفسير الأعباء بالأحمال, وأما إذا فسرت بالأثقال

стр. 308

من كل شيء فقد يقال: لا استعارة, لأن الثقل كما يكون بالأشياء المحسوسة يكون بالأمور المعقولة. وأما قول السيوطي: يصح أن تكون استعارة بالكناية, بأن شبه أمور الخلافة الشاقة بالجسم الذي يثقل حمله, وإضافتها إلى الخلافة ترشيح, وذكر الكاهل تخييل, ففاسد, لأن شرط الاستعارة المذكورة أن لا يذكر معها لفظ المشبه به, وههنا قد ذكر بلفظ العبء وأن الترشيح ذكرما يلائم المشبه به, وليست إضافته الأعباء إلى الخلافة من ذلك, وأن التخييل إثبات ما يلازم المشبه به للمشبه, والكاهل ههنا إنما أثبت لذي الخلافة, وليس هو المشبه به, على أنا نمنع أن يكون الكاهل مما يلازم الجسم الذي يثقل حمله مطلقًا, وإلا لكان الحجر العظيم ذا كاهل. والكاهل: الحارك, أو مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق, وهو الثالث الأعلى وفيه ست فقر, أو ما بين الكتفين, أو موصل العتق في الصلب, كذا في «القاموس»: وشدته بحيث يقوى لحمل تلك الأعباء, كناية عن كفاية الممدوح للإمامة العظمى, لأن شدة الرجل في العادة باعتباره. هذا كلامه, ومن خطه نقلت. وقوله: أضاء سراج الملك .. الخ, أراد به وضوح استحقاقه ولياقت بالمك, والجبينان: حرفان يكتنفان الجبهة من جانبيها, لإيما بين الحاجبين مصعدًا إلى قصاص الشعر, أو حروف الجبهة ما بين الصدغين متصلًا بحذاء الناصية, كله جبين, كذا في «القاموس». وغداة: ظرف أضيف إلى جملة تناجى قوابه, وتناجى: مضارع ناجاه إذا ساره, وأصله: تتناجى, فهو على حكاية الحال الماضية, وقبلت القابلة الولد, من باب تعب: تلقته عند خروجه, قبالة بالكسر, والجمع قوابل, فهو جمع قابل لا غير, كامرأة حائض, يقول بأن استحقاقه حين وضعت أمه وتناجت القوابل بنجابته, كقول الآخر:

стр. 309

في المهد ينطق عن سعادة جده ... أثر النجابة ساطع البرهان والوليد بن يزيد هو فاسق بني أمية, ولد في سنة تسعين, أو اثنتين وتسعين, وولي الخلافة بعد عمه هشام, وكان من أجمل الناس وأشعرهم, ولما مقته الناس لفسقه, وتأثموا من السكوت عنه, خرجوا عليه, وقلدوا أمرهم ابن عمه يزيد ابن الوليد بن عبد الملك الملقب بالناقص, ولما قتل وأتي برأسه إلى يزيد, نظر إليه أخوهسليمان بن يزيد فقال: أشهدأنه كان شروبًا للخمر, ماجنًا فاسقًا, ولقدراودني عن نفسي, وكانقتله في سنة ست وعشرين ومائة. وابن ميادة: اسمه الرماح - بفتح الراء المهملة, وتشديد الميم - ابن يزيد وهو من بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان, وميادة: اسم أمه, وهي أم ولد بربربة, وقيل: صقليية, وكان هو يزعم انها فارسية. وهو شاعر فصيح مقدم مكثر, لكنه كان متعرضًا للشر ومهاجاة الناس والشعراء, وله مع الحكم الحضرمي مهاجاة ومتناقضات كثيرة, وأراجيز طويلة, وقد أدرك الدولتين, كان في أيام هشام بن عبد الملك, وبقي إلى زمن المنصور, وتوفي في صدر خلافته في حدود الست والثلاثين بعد المائة. وقد ترجمناه بأبسط مما هنا في الشاهد التاسع عشر من أوائل شواهد الرضي. وأنشد بعده, وهو الانشاد التاسع والستون: (٦٩) علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم ... بأبيض ماضي الشفرتين يمان

стр. 310

على أن العلم ينكر ثم يضاف. قال ابن جني في «سر الصناعة»: واعلم أن قولك: جاءني الزيدان ليس تثنية زيد هذا العلم المعروف, وذلك أن المعرفة لا يصح تثنيتها, فلا تصح إلا في النكرات, لإلم تثن زيدًا حتى سلبته تعريفه, فجرى مجرى رجل وفرس, وحينئذ لم يستنكر دخول لام المعروفة, وقد جاء في الشعر منه, قال ابن ميادة: وجدنا الوليد بن اليزيد .. البيت. يريد: يزيد, ومما يؤكد جواز خلع التعريف قوله: علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم .. البيت فإضافة الاسم ندل على أنه قد كان خلع عنه ما كان فيه من تعرفه, وكساه التعريف بإضافته إياه إلى الضمير, فجرى في تعرفه مجرى: أخيك وصاحبك وليس بمنزلة زيد إذا أردت العلم. وعلى هذا لو سألت عن زيد عمرو في قول من قال: رأيت زيد عمرو, لما جازت الحكاية, ولكان بالرفع لا غير. انتهى ملخصًا. وقال ابن عقيل في «شرح الألفية»: هذه الإضافة من قبيل إضافة الموصوف إلى القائم مقام الصفة, أي: علا زيد صاحبنا رأس زيد صاحبكم, فحذف الصفتان وجعل الموصوف خلفًا عنهما في الإَافة. انتهى. قال ابن الحنبلي: هذا تكلف عكس المشهور من جعل الصفة خلفًا عن الموصوف في الإضافة وغيرها, وخلاف المشهور أيضًا من حذف الصفة بدون جعل موصوفها خلفًا عنها في شيء. انتهى. والنقا بالكسر: الكثيب من الرمل, والتعريف للعهد, وأراد باليوم: الوقعة والحرب التي كانت عند النقا, وهذا معنى قولهم: أيام العرب. والأبيض: السيف. والماضي: النافذ بالقطع. والشفرة بفتح الشين: حد السيف, وثناه باعتبار وجهيه. وروى المبرد في «الكامل» هذا البيت بتغيير بعض ألفاظه مع

стр. 311

بيت آخر, وأوردهما في أول الثالث الثالث منه, في باب ترجمته: «باب نجمع فيه طرائف من حسن الكلام, وجيد الشعر, وسائر الأمثال, ومأثور الأخبار» ثم قال: وقال رجل من طيئ, وكان رجل منهم يقال له: عروة بن زيد الخيل, قتل رجلًا من بني أسد يقال له زيد, ثم أقيد به بعد: علا زيدنا يوم الحمى رأس زيدكم ... بأبيض مشحوذ الغرار يمان فإن تقتلوا زيدًا بزيد فإنما ... أقادكم السلطان بعد زمان انتهى. وكذا رواهما الحصري في كتابه «زهر الآداب» وظهر من قولهما أنه شعر إسلامي, فإن زيد الخيل من الصحابة, رضي الله تعالى عنهم. والمشحوذ: من شحذت: شفرة السيف, وقوله: أقادكم السلطان, أي: مكنكم من قتله قودًا يقال: أقاد السلطان القاتل بالقتيل, أي: قتله به قودًا. والمعنى: إن تفتخروا بقتل زيدنا بزيدكم, فلا فخر, لأن ذلك إنما جرى بحكم السلطان, وقوة الحاكم, وكان ذلك بعد مدة, فلا يكون مثل قتل من قوة البأس والشجاعة. وأنشد بعده, وهو الانشاد السبعون: (٧٠) ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلاً ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر

стр. 312

على أن أل فيه زائدة. قال أبو حنيفة الدينوري في كتاب «النبات» وقد أنشد هذا البيت: واحدها ابن أوبر, وهو معرفة, يقال: هذا ابن أوبر مطروحًا. انتهى. وقال ابن جني في «الخصائص» قال أبو عثمان: سألت الأصمعي عن هذا البيت فقال: الألف واللام في الأوبر زائدة, وقال السيرافي في شرح أبيات «الغريب المصنف»: والذي يستعمل في الكلام بنات أوبر, ولكن الشاعر احتاج فنكره, ثم أدخل عليه الألف واللام, كما قال: باعد أم العمرو من أسيرها انتهى. وقال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: بنات أوبر: كمأة صغار على لون التراب, يضرب بها المثل في الرداءة وقلة الخير, فيقال: إن بني فلان بنات أوبر, أي: يظن بهم الخير, فلا يوجد وهو علم جنس ممنوع الصرف للعملية والوزن, كابن آوى, فالألف واللام فيه زائدة إذ لا يجتمع تعريفا العلمية وأل, وهذا قول سيبويه والأصمعي, وعليه بنى الناظم والشارح. وزعم المبرد أنه اسم جنس, بمنزلة ابن لبون, لإهو مصروف, وأل فيه للتعريف. ويرده أنهلم يسمع بالألف واللام إلا في الشعر, وقول الآخر: ومن جنى الأرض ما تأتي الرعاء به ... من ابن أوبر والمفرود والفقعه

стр. 313

وهذه الثلاثة أنواع من الكمأة, فمنعه من الصرف. وأيضًا فليس من نظم الكلام أن يأتي بأحدها نكرة, وبالآخرين معرفة, مع تمكنه من أن يقول: من ابن الاوبر, بالنقل. وزعم ابن خروف أن أل في بنات الأوبر للمح الصفة, مثلها في الحسن, لأن أوبر صفة في الأصل, ويرده ما قدمناه من أن ذلك لم يستعمل في النثر. انتهى. وهذا البيت قلما خلا عنه كتاب لغة أو نحو, ومع هذه الشهرة لم يعرف له قائل. ولقد جنيتك, قال ابن السيرافي: معنى جنيتك: جنيت لك, أي: لقطت الكمأة وحبيتك بها, وبنات أوبر: شر الكمأة. وإنما يريد أنه جاءه بخيارها, ونهاه عن أكل رديئها وما لا خير فيه. انتهىز وقال الميداني في «مجمع الامثال» عند قولهم: «جانيك من يجني عليك» يريد: الذي يدني لك الخير, هو الذي يجني عليك الشر. فقولهم: جانيك, معناه: الجاني لك, يقال: جنيت له, ثم تحذف اللام فيقال: [جنيته, كما يقال: كلت له, ووزنت له, ثم تحذف اللام, فيقال]: كلته ووزنته. قال تعالى: (وإذا كالوهم أو وزنوهم) [المطففين/٣] أي: كالوا لهم, قال الشاعر: ولقد جنيتك أكمؤًا .. البيت, أي: جنيت لك. انتهى. وكذلك أورده البيضاوي عند تفسير آية التطفيف, وقال: إن اللام خذفت توسعًا. وتبعه المصنف في شرح أبيات ابن الناظم وقال: أي تناولت لك,

стр. 314

ونظره بآية التطفيف, وآية يس: (والقمر قدرناه منازل) [الآية/٣٩] أي: قدرنا له. والأكمؤ: جمع كمء, كأفلس جمع فلس, والكمء: واحد الكمأة, على العكس من باب تمر وتمرة. هذا قول المنتجع بن نبهان, وعكس ذلك أو خيرة, فتحا كما إلى العجاج, فقضى لمنتجع. والعساقل: ضرب من الكمأة أيضًا, وأصلها: عساقيل, لأن واحدها عسقول, كعصفور, فحذف المدة للضرورة. انتهى. وفي كتاب «النبات» لأبي حنيفة الدينوري باب في وصف الكمأة وأنواعها, أجاد فيه الكلام, أحببت نقله هنا باختصار, وقال: الكمأة: جمع واحده كمء, وهو من نادر الكلام, لأن بناء الكلام على أن تكون الواحدة بهاء, والجمع بطرح الهاء. وحكي عن أبي زيد أن الكمأة تكون واحدة وجمعًا. وحكى غيره: كمأة واحدة, وكمأتان وكمآت, على القياس, ويقال: هذا كمء, وهذان كمآن, وهؤلاء أكمؤ ثلاثة, فإذا كثرت فهي الكمأة. وقال ابن الأعرابي: الواحدة كمء, والجميع كمأة, وقال أبو زياد الكلابي الأعرابي: الكمأة والجباة والبداة, والعراجين والأفاتيخ, والضغابيس والذأانين, والطراثيث وبنات أوبر, هذه تدعى فقوعًا, لأن الأرض تفقع عنها من غير أصل ولا بقل ولا ثمرة, وخيرها الكمأة. قال: والأفاتيخ وبنات أوبر: تخرج أول الفقوع, فيحسبها الناس كمأة, حتى يستخرجوها فيعرفونها. قال: والعراجين: تفقع عنها الأرض وتطول حتى تكون شبرًا ودون ذلك, وقد تؤكل. والضغابيس: تفقع من تحت الأرض فيخضر ما ظهر منها وما في الأرض منها خير من ذلك, وهو أبيض يأكله الناس أخضره وأبيضه. والذأانين: تخرج من تحت الأرض كأنها عمد ضخام, ولا يأكلها شيء, إلا أنها تعلفها الإبل في الجدب, وتأكلها المعزى

стр. 315

وتسمن عليها, وهي تتخذ للأدوية, ولا يأكلها إلا الجائع لمرارتها. والجباة: هنة كأنها كمء, ولا ينتفع بها. قال: والبدأة مثلها, إلا أن البدأة سوداء, والجبأة بيضا. وقال ابن الأعرابي: الجبأة خيار الكمأة, والفقة شرها وأردؤها, وهي الفطر, قال: والعساقيل وبنات أوبر: صغارها ورديئها, وقال أبوزياد: كمأة السهل بيضاء رخوة, وكمأة الآكام سود جيدة, وقال ابن الأعرابي: واحد الكمأة كمء, وكذلك واحد الجبأة جبء, وثلاثة أجبؤ, وكذلك الفقعة, واحدها: فقع, وثلاثة أفقع. قال: وهي شرها وأرؤها, وهي الفطر, قال: ومنها جنس يقال له: العساقيل وبنات أوبر, وهي صغارها ورديئها, وأنشد: ولقد جنيتك أكمؤًا وعساقلًا .. البيت. وقال غيره: الجبء هو الكمء الأحمر, والجميع أجبؤ وجبأة. وقال ابن الأعرابي: الطرثوت: نبات على طول الذراع لا ورق له, كأنه من جنس الكمأة, وقال غيره: الفقع: الكمء الأبيض, وهو أردأ الكمأة طعمًا وأسرعه فسادًا, وقال أبو زيد: بنات أوبر: هي المرغبة, وقال زكريا الأحمر: الكمأة: هي التي إلى الغبرة والسواد, والجبأة: التي إلى الحمرة, والفقعة: البيض, وبنات أوبر: الصغار. وأنشد: ولقد جنيبتك أكمؤًا وعساقلًا .. البيت. وقال أبو عمرو: الكمأة الصغار: مفاريد, والواحد مفرود, وقال غيره: العساقيل: واحدها عسقل, وهو أكبر من الفقع وأشد بياضًا واسترخاء, والفطر من جنسها, وهو الفعيل, وقال بعض الرواة: العساقيل: الكمأة البيض, والجبء السود, فلم يجمع بالهاء, كأن الواحد جبأة. وقال بعض الرواة: العسقول: ضرب من الجبأة, وهي كمأة بين البياض والحمرة, وأنشد: ولقد جنيتك أكمؤًا وعساقلًا .. البيت. وقال: الفعيل: ضرب من الكمأة, ينبت مستطيلًا كأنه عود ليس له رأس, فإذا يبس تطاير, وقال: العرجون: ضرب من الكمأة قدر شبر, وهو طيب ما دام غضًا. والضغابيس: شبه العراجين ينبت بالغور في أصول الثمام, طوال حمر رخصه تؤكل, ويضرب

стр. 316

الضغبوس مثلًا للرجل الضعيف. وأخبرني بعض العرب قال: الضغابيس: ينبث نبات الهليون سواء, وهو ضعيف, فإذا جف حتته الرياح فطيرته. وقال: الذؤنون: ضرب واحد حاو, وهو شبيه بالطرثوث, والذونون أخضر, وإذا جف أبيض, وقال: الضجع مثل الضغابيس إلا أنه أغلظ, وهما جميعًا في خلقة الهليون. ويقال للكمء الأبيض: أقرح, والجمع قرحان. وقال أبو خيرة العدوي: الكمأة جمع, والواحد: الكمء, وكذلكا لجبء, والجميع الجبأة, قال: والجبأة أكبره وأطيبه, وهي هناة حمر, والعساقيل منها بين الحمرة والبياض, وهي أطيبها بعد الجبأة. قال: ومنها الفقع, والواحدة: فقعة, وهي هناة بيض, وهي أرؤدها طعمًا وأسرعها ظهورًا. قال: ومنها بنات أوبر, والواحد ابن أوبر, وهي أمثال الحصى صغار, وهي رديئة الطعم, وهي أول الكمأة. قال: وما يدخل فيها وليس منها العراجين, وهي طوال بيض طيبة ما دامت غضة. قال: والدمالق: أصغر من العرجون وأقصر يكون في الروص وهو طيب, وقال غيره: القرحان: ضرب من الكمأة أبيض صغار ذوات رؤوس كرؤوس الفطر, الواحدة قرحانة, وقال أبو عمرو: بنات أوبر: شيء مثل الكمأة وليس بكمأة, وهي صغار, ويقال: إن بني فلان مثل بنات أوبر, يظن أن فيهم خيرًا, واحدها ابن أوبر. انتهى كلام الدينوري, وما أخذته مقدار عشره. وأنشد بعده, وهو الانشاد الواحد والسبعون: (٧٠) وابن اللبون إذا مالز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس

стр. 317

على أن ابن لبون نكرة فعرف باللام. قال سيبويه في باب المعرفة: ومنه أبو جخادب, وهو ضرب من الجنادب, كما أن بنات أوبر ضرب من الكمأة, وهي معرفة, ومن ذلك ابن فترة, وهو ضرب من الحيات, فكأنهم إذا قالوا: هذا ابن قترة, فقد قالوا: هذا الحية الذي من أمره كذا, وإذا قالوا: بنات أوبر, فكأنهم قالوا: هذا الضرب الذي من أمره كذا من الكمأة, وإذا قالوا: أبو جخادب, كأنهم قالوا: هذا الضرب الذي سمعت به من الجنادب أو رأيته, ومثل ذلك: ابن آوى, كأنه قال: هذا الضرب الذي سمعت به أو رأيته من السباع, فهو ضرب من السباع, كما أن ابن أوبر ضرب من الكمأة, ويدلك على أنه معرفة أن آوى غير مصروف, وليس بصفة إلى أن قال: وأما ابن لبون وابن مخاض فنكرة, لأنها تدخلها الألف واللام, وكذلك ابن ماء, قال جرير, فيما دخل فيه الألف واللام: وابن اللبون إذا ما لز في قرنٍ .. البيت وقال الفرزدق: وجدنا نهشلًا فضلت فقيمًا ... كفضل ابن المخاض على الفصيل فإذا أخرجت الألف واللام صار الاسم نكرة. انتهى. قال الأعلم: الشاهد فيه إدخال الألف واللام في اللبون ليعرف الأول به,

стр. 318

لأنه اسم جنس نكرة بمنزلة ابن رجل, ولم يجعل علمًا بمنزلة ابن آوى وغيره, فلذلك خالفه في دخول الألف واللام على ما أضيف إليه. ضرب هذا مثلًا لنفسه, ولمن رام مقاومته في الشعر والفخر, لأن ابن اللبون – وهو الفصيل الذي نتجت أمه غيره فصارت لبونًا – إذا لزم, أي: شد, في قرن, وهو الحبل, ببازل من الجمال قوي, لم يستطع صولته ولا مقاومته في سيره. والقناعيس: الشداد, واحدها قنعاس. انتهى كلامه. والبيت من قصيدة لجرير, هجا بها بني تيم, رهط عمر بن لجأ التيمي, وهذه الأبيات منها: إني إذا الشاعر المغرور حربني ... جار لقبر على مران مرموس قد كان أشوس أباء فأورثنا ... شغبًا على الناس في أبنائه الشوس نحمي ونغتصب الجبار نجنبه ... في محصد من حبال القد مخموس لا يستطيع امتناعًا فقع قرقرةٍ ... بين الطريقين بالبيد الأماليس وابن اللبون إذا ما لز في قرنٍ ... البيت قوله: إني إذا الشاعر المغرور, هذا تعريض بعدي بن الرقاع العاملي, ووجهه – كما قال الأصفهاني في «الأغاني» -: أن جريرًا دخل على الوليد بن عبد الملك, وعنده عدي بن الرقاع العاملي, فقال الوليد لجرير: أتعرف هذا؟ قال: لا يا أمير المؤمنين, قال الوليدك هذا عدي بن الرقاع, فقال جرير: شر الثياب الرقاع! ممن هو؟ قال: العاملي, فقال جرير: الذي يقول الله تعالى: (عاملة ناصبة * تصلى نار حامية) [الغاشية/٣] ثم قال:

стр. 319

يقصر باع العاملي عن العلى ... ولكن أير العاملي طويل فقال له عدي: أأمك كانت أخبرتك بطوله ... أم أنت امرؤ لم تدر كيف تقول فقال: لا, بل لم أدر كيف أقول, فوثب العاملي إلى رجل الوليد يقبلها وقال: أجرني منه, فقال الوليد لجرير: لئن شتمته لأسرجنك وألجمنك حتى يركبك, فيعيرك بذلك الشعراء. فكنى جرير عن اسمه فقال: إني إذا الشاعر المغرور حر بني .. إلى آخر الأبيات الخمسة, وفيها قبل البيت الشاهد: أقصر فإن نزارًا لن يفاخرهم ... فرع لئيم وأصل غير مغروس وقال ابن السيد البطليوسي في «شرح أبيات الجمل الزجاجية»: كان سبب قوله أنه دخل على الوليد بن عبد الملك, وعدي بن الرقاع العاملي ينشد قصيدته التي أولها: عرف الديار توهمًا فاعتادها ... من بعد ما شمل البيلى أبلادها فلما فرغ من إنشاد القصيدة قال: كيف تسمع يا ابن الخطفى؟ قال: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: عدي بن الرقاع [العاملي] , فقال له جرير: الذين قال الله تعالى فيهم: (وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة * تصلى نار حامية) [الغاشية/ ٣,٤] فقال له الوليد: لا أم لك! أتقول هذا لمن يمدح أحياءنا, ويؤبن موتانا؟ ! فقال جرير: يقصر باع العاملي عن العلى .. البيت فقال العاملي: أأمك كانت أخبرتك بطوله ... أم أنت امرؤلم تدر كيف تقول

стр. 320

فغضب جرير: فقال عدي: يا أمير المؤمنين أجرني من لسانه, فقال الوليد لجرير: والله لئن ذكرته لأسرجنك, وليركبنك حتى يعيرك الشعراء. فلم يذكره جرير, ولكن عرض به في قصيدته التي يقول فيها: إني إذا الشاعر المغرور حريني .. إلى آخر الأبيات انتهى. وقوله: إذا الشاعر المغرور حر بني: إذا شرطية, وشرطها محذوف يفسره حربني. وقوله: جار, جواب إذا بتقدير مبتدأ, والتقدير: فهو جار, والجملة الشرطية خبر إن. وحربني بالحاء المهملة, أي: أغضبني: يقال منه: حرب الرجل يحرب حربًا – من باب فرح – إذا غضب, وأحربني: أغضبني. وقوله: لقبر, فيه محذوف, أي: لذي قبر, فإنه قال: مرموس, بمعنى مدفون, فإن القبر لا يكون مرموسًا. وعلى: بمعنى في, متعلقة بمرموس. ومران بفتح الميم: موضع على أربع مراحل من مكة إلى البصر دون بلاد تميم, وفيه قبر تميم بن مر. يقول من أغضبني يصير جارًا لتميم بن مر, أي: يموت, فيصير جارًا له. وشارح ديوان جرير لم يحمل هذه الأبيات على التعريض بعدي بن الرقاع, بل قال: يفخر به على ابن لجأ. وقوله: قد كانأشوس, الشوس بفتحتين: التكبر والنظر بمؤخر العين. زعم جرير أن تميمًا كان أشوس سيء الخلق, فأورثنا شغبًا ونحن شوس. والأباء: الكثير التأبي من الظلم. والشغب: تهييج الشر. وقوله: نحمي ونغتصب .. الخ, أي: نحمي الجاني. والجبار. الرجل المتجبر, ونجنيه: نقوده أسيرًا في محصد, أي: في جبل محصد, اسم مفعول من: أحصدت الحبل, أي: قتلته وأحكمته ومخموس الحبل: الذي قتل بخمس طاقات. والقد: الجلد. وقوله: فقع قرقرة, مثل للذليل. والفقع:
следующие страницы →