← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

من معنى الإشارة، والبيت من شواهد سيبويه، والشاهد فيه رفع الاسم الثاني مع فتح الأول، وذلك إما على إلغاء الثانية، ورفع تاليها بالعطف على محل الأولى مع اسمها، وعلى هذا فخبرهما واحد، وإما على تقدير "لا" الثانية عاملة عمل ليس، فيكون لكل من الأولى والثانية خبر يخصها، لأن خبر الأولى مرفوع، وخبر الثانية منصوب، وهذا: مبتدأ، والصغار: خبره، بفتح الصاد، بمعنى الذل. وقوله: "وجدكم" جملة قسمية معترضة بين المبتدأ والخبر، قال اللخمي: والجد هنا: أبو الأب، والجد أيضاً: البخت والسعد والعظمة، وروي: هذا لعمركم، وذاك: فاعل كان التامة، ويجوز أن تكون ناقصة، والخبر محذوف، والتقدير: إن كان ذاك مرضياً، ولا بد على الوجه الأول من حذف مضاف، أي: إن كان رضا ذاك، ليصح المعنى، لأنه إنما اشترط أنه لا يرضى بذلك الجور. وجملة الشرط معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، وسد ما قبل الشرط مسد الجواب، أي: إن كان الجور مرضياً انتفيت من أمي وأبي، والمشار إليه بذاك في الموضعين، الفعل الذي فعلوه به، والبيت آخر أبيات سبعة، وأولها: يا جندب اخبرني ولست بمخبري ... وأخوك ناصحك الذي لا يكذب هل في القضية أن إذا استغنيتم ... وأمنتم فأنا البعيد الأجنب وإذا الشدائد بالشدائد مرة ... أشجتكم فأنا المحب الأقرب وإذا تكون كريهة أُدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يُدعى جندب ولجندب سهل البلاد وعذبها ... ولي الملاح وخبتهن المجدب عجب لتلك القضية وإقامتي ... فيكم على تلك القضية أعجب هذا وجدكم الصغار بعينه ... البيت

стр. 2557

والشعر لضمرة بن ضمرة النهشلي: شاعر جاهلي، وكان يبر أمه ويخدمها، وكانت مع ذلك تؤثر أخاً له يقال له جندب، فقال هذا الشعر، والأجنب، بالجيم والنون: القريب والبعيد، والحيس: لبن وأقط وسمن وتمر يصنع منه طعام، والملاح: جمع مليح، يقال: قليب مليح ماؤه، أي: ملح، والخبت، بفتح المعجمة وسكون الموحدة: المطمئن من الأرض فيه رمل، والمجدب: اسم فاعل من الجدب ضد الخصب، وقد بسطنا الكلام بسطاً وافياً على هذا الشعر، وقائله في الشاهد الثامن والثمانين من شواهد الرضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد الثمانمائة: (٨٣١) تعلم رسول الله أنك مدركي تمامه: وأن وعيداً منك كالأخذ باليد على أن تعلم مثل زعم لا يقع على المفعولين صريحاً، بل على أن وصلتها، قال ابن السكيت: تقول: تعلمت أن فلاناً خارج بمعنى علمت، قال: إذا قال لك: اعلم أن زيداً خارج، قلت: قد علمت، وإذا قال: تعلم أن زيداً خارج، لم تقل: قد تعلمت، يعني أنه يقتصر على ما ورد عنهم، ولا يتجاوز إلى غيره، والبيت من شعر أورده ابن هشام في السيرة، قال فيها: قال ابن إسحاق، وقال أنس بن زنيم الديلي يعتذر إلى رسول الله ﷺ مما كان قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعي: أأنت الذي تهدى معد بأمره ... بل الله يهديهم وقال لك اشهد وما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد أحث على خير وأسبغ نائلاً ... إذا راح كالسيف الصقيل المهند

стр. 2558

وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله ... وأعطى لرأس السابق المتجرد تعلم رسول الله أنك مدركي ... وأن وعيداً منك كالأخذ باليد تعلم رسول الله أنك قادر ... على كل صرم متهمين ومنجد تعلم بأن الركب ركب عويمر ... هم الكاذبون المخلفو كل موعد ونبي رسول الله أني هجوته ... فلا حملت سوطي إلي إذن يدي وبعد هذا ستة أبيات، وقال السهيلي في "الروض الأنف" قوله: وأكسى لبرد الخال إلخ ... الخال: من برود اليمن، وهو من رفيع الثياب، وأحسبه سمى بالخال الذي بمعنى الخيلاء، وقوله: تعلم رسول الله أنك مدركي إلخ .. وهذا البيت سقط من رواية أبي جعفر بن الورد، ومعناه من أحسن المعاني، ينظر إلى قول النابغة: فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع خطاطيف حجن في حبال متينة ... تمد بها أيد إليك نوازع فالقسم الأول كالبيت الأول من بيت النابغة، والقسم الثاني كالبيت الثاني، لكنه أطبع منه وأوجز، وقول النابغة كالليل فيه من حسن التشبيه ما ليس في قول الديلي، إلا أنه يسمج مثل هذا التشبيه في النبي ﷺ ، لأنه نور وهدى، فلا يشبه بالليل، وإنما حسن في قول النابغة أن يقول: كالليل، ولم يقل كالصبح، لأن الليل ترهب غوائله، ويحذر من إدراكه ما لا يحذر من النهار، وقد أخذ الأندلسي هذا المعنى، فقال في هربه من ابن عباد: كأن بلاد الله وهي عريضة ... تشد بأقصاها علي الأناملا فأين مفر المرء عنك بنفسه ... إذا كان يطوي في يديك المراحلا

стр. 2559

وهذا كله معنى منتزع من كلام القدماء، روى [الطبري] أن منوجهر بن إيرج ابن أفريدون [بن أثفيان]، وهو الذي بعث موسى ﵇ في زمانه، قال حين عقد التاج على رأسه في خطبة له طويلة: أيها الناس إن الخلق للخالق، وإن الشكر للمنعم، وإن التسليم للقادر، وإنه لا أضعف من مخلوق طالباً أو مطلوباً، ولا أقوى من طالب طلبته في يده، ولا أعجز من مطلوب هو في يد طالبه. انتهى كلام السهيلي. قال دعبل بن علي في "طبقات الشعراء": قوله: فما حملت من ناقة فوق رحلها .. البيت. هذا أصدق بيت قالته العرب. وروى ابن إسحاق في "المغازي" أن عمرو ابن سالم الخزاعي خرج في أربعين راكباً ينصرون رسول الله على قريش، فأنشده: لا هم إني ناشد محمداً ... عهد أبينا وأبيه الأتلدا الأبيات .. ، ثم قال: يا رسول الله إن أنس بن زنيم هجاك، فهدر رسول الله دمه، فبلغه ذلك، فقدم عليه متعذراً، وأنشده أبياتاً مدحه بها، وكلمه فيه نوفل بن معاوية الديلي، فعفا عنه. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثلاثون بعد الثمانمائة: (٨٣٢) زعمتني شيخاً ولست بشيخ ... إنما الشيخ من يدب دبيبا على أن وقوع زعم على المفعولين صريحاً من غير الغالب، والبيت أول أبيات

стр. 2560

أوردها أبو تمام في كتاب "مختار أشعار القبائل" لأبي أمية الحنفي، واسمه أوس، وبعده: إنما الشيخ من يستره الحي ويمسي في بيته محجوباً إن إراد الخروج خوف بالذئب وإن كان لا يرى الحي ذيبا كيف يدعى شيخاً أخو مضلعات ... ليس يثني تقلباً وركوباً فإذا ما الجليل عي به القو ... م وهاب الخطيب كان خطيباً كم لأوس من كاشح لو تراه ... قد بنت دونه المساحي قليباً وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد الثمانمائة: (٨٣٣) تعلم شفاء النفس قهر عدوها تمامه: فبالغ بلطف في التحيل والمكر لما تقدم قبله، فشفاء وقهر مفعولا "تعلم" بمعنى اعلم، ولم أقف على تتمته ولا على قائله، وقد نسبه العيني إلى زياد بن سيار، وقد غلط في هذه النسبة، وسبب الغلط أن المصنف أورد في شرح أبيات ابن الناظم بيتاً من أبيات النابغة الذبياني رد بهى على زياد المذكور التطير الذي فيه، وهو: تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير وهو الثبور

стр. 2561

وأورد بعده: تعلم شفاء النفس قهر عدوها .. البيت وقال: البيت الأول للنابغة يذم تطير زياد بن سيار، وأورد بعده: تعلم شفاء النفس ... .. البيت وسكت عن البيت الثاني، فخلط العيني، ونسب الشاهدين إلى زياد المذكور، وأورد أبيات الشاهد الأول وهي أربعة تماماً، وقلده السيوطي هنا، فنسب البيت إلى زياد المذكور. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثلاثون بعد الثمانمائة: (٨٣٤) فقلت أجرني أبا خالد ... وإلا فهبني أمرأً هالكا على أن هب بمعنى "ظن" الغالب تعديتها إلى صريح المفعولين كما في البيت، فالياء مفعول أول، وامرأً مفعول ثان، وهالك صفته، والبيت من قصيدة لعبد الله بن همام السلولي، مدح بها عبيد الله بن زياد بن أبيه، وهي: جعلت الغواني من بالكا ... ولم ينهك الشيب عن ذلكا على حين كان الصبا شانئاً ... وأقصر باطل أخدانكا بكيت العشيرة إذ فارقوك ... لإلفك فيهم وأوطانكا أقول لعصمان لا تلحني ... أفق عثم عن بعض تعذالكا غريب تذكر إخوانه ... فهاجوا له سقماً ناهكا وكرهني أرضكم أنني ... رأيت بها مالكاً فاتكا فلما خشيت أظافيره ... نجوت وأرهنتهم مالكا

стр. 2562

مالك: عريف لهم سلولي ضمنه من زياد، فهرب، وأسلمه فمضى إلى معاوية، فآمنه من زياد بن أبيه. عريفاً مقيماً بدار الهوان ... فأهون علي به هالكا ويممت أبيض ذا سورة ... علا ذروة المجد والحاركا أجوب إليه أديم النهار ... وأدرع الأسود الحالكا بأدماء قد ضم منها السفار ... وأفنى سناماً لها تامكا فلما أنخت إلى بابه ... رأيت خليفتنا ذلكا فقلت أجرني أبا خالد ... وإلا فهبني امرأً هالكا فجال بنا ثم قلت اعطفي ... به يا صفي ويا عاتكا فأطت لنا رحم برة ... ولم يخفر النسب الشابكا فيا ابن زياد وكنت امرأً ... كما زعموا عابداً ناسكا فإن معي ذمة من يزيد ... وإني أعوذ بإسلامكا من أن أظلم اليوم أو أن تطيع ... بي الآثم الآفكا فلولا الثقال شفاعاتهم ... وعقد الخليفة لم آتكا فلا تخفرنه فقد خط لي رقى من مخافة حياتكا أحب رضاك وإن لم تثبني به وتثبيت سلطانكا

стр. 2563

وقوله: جعلت الغواني إلى آخر الأبيات الثلاثة: خطاب لنفسه، وعثمان: رفيقه وصاحبه، وعثم: مرخم عثمان، والناهك: المرض الذي يقلل لحم البدن ويبريه، والفاتك: الظالم الذي لا يبالي بظلمه من أحد، وأظافيره: كناية عن بطشه، وأخذه بالعنف، ونجوت: أسرعت في الهرب، وأرهنتهم: لغة في رهنتهم، وأنكرها الأصمعي، ورواه: وأرهنهم على أنه فعل مضارع للمتكلم، ومالك الثاني عريف كما ذكرناه، وقوله: فأهون به: صيغة تعجب، أي: ما أهونه! ، ويممت: قصدت، وأبيض: سيداً أراد به معاوية بن أبي سفيان، والسورة بالضم: الشرف والمجد، وأجوب: أطقع، وأديم النهار: ضياؤه، والأسود: الليل، يعني: أجوب إليه القفار بالليل والنهار، وأدماء: ناقة سمراء، والسفار: جمع سفر، يعني: أهزلها الأسفار، والتامك: السمين ذو الشحم الكثير، وأجرني: أنقذني من زياد بن أبيه، وأبو خالد: كنية معاوية، وإلا، أي: وإن لم تجرني منه، فعدني في الأموات، وقوله: فجال بنا، أي: فراجع في الكلام، وتوقف عن الإنقاذ، فعطفته علي بالنسب الذي بيننا من جهة أمهاته، فقلت: اعطفي به، أي: اجعلي أبا خالد عطوفاً علي يا صفية وهي أم أبي سفيان، ويا عاتكة وهي أم أمية بن عبد شمس، وأطت: حنت، والرحم: القرابة، والبر: البار، وأخفره: غدر به. وقوله: فيا ابن زياد وكنت، بالخطاب، وقوله: فإن معي ذمة: هي العهد والأمان من يزيد بن معاوية، فإن ابن زياد كان قد غضب عليه، فهرب إلى يزيد بن معاوية، فآمنه، وكتب له بجائزة إلى عبيد الله، وأمره أن يرضى عنه، وقوله: وإني أعوذ بإسلامك، أي: ألتجئ إلى ديانتك ودينك لأسلم منك، وقوله: من أن متعلق بأعوذ، وفتحة أن منقولة إلى نون من، وأظلم بالبناء للمفعول، وأراد بالثقال:

стр. 2564

الأعيان وأكابر الدولة، وشفاعاتهم: بدل اشتمال منه، وأراد بعقد الخليفة: تأمينه وكتابه بالعفو، فلا تخفرنه، أي: فلا تغدر بعقد الخليفة، وخط بالبناء للمعلوم، والرقى جمع رقية: أراد بها كلمات العفو ذات العزائم، وقوله: أحب فعل مضارع، ورضاك: مفعول، وتثبيت: معطوف على رضاك، وجملة: وإن لم تثبني به معترضة، أي: وإن لم تحسن إلي بعقد الخليفة، ولم تجازني بإتياني به إليك. وعبد الله ابن همام السلولي أورده محمد بن سلام الجمحي في الطبقة الخامسة من شعراء الإسلام. وأنشد بعده: لا نسب اليوم ولا خلة وتمامه: اتسع الخرق على الراقع وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثالث والسبعين بعد الثلاثمائة. وأنشد بعده: ألا رجلاً جزاه الله خيراً تمامه: يدل على محصلة تبيت وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثاني بعد المائة.

стр. 2565

وأنشد بعده: آليت حب العراق الدهر أطعمه تمامه: والحب يأكله في القرية السوس وتقدم شرحه في الإنشاد السابع والثلاثين بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثلاثون بعد الثمانمائة: (٨٣٥) اعتاد قلبك من سلمى عوائده ... وهاج أحزانك المكنونة الطلل ربع قواء أذاع المعصرات به ... وكل حيران سار ماؤه خضل على أن قوله: ربع بتقدير هو ربع لا بدل من الطلل، وهو من أبيات سيبويه أنشده في باب ما يحذف منه الفعل لكثرته في كلامهم حتى صار بمنزلة المثل، وأنشد فيه هذين البيتين، وقال: كأنه قال: وذلك ربع، أو وهو ربع. قال الأعلم: الشاهد رفع الربع على إضماء مبتدأ، والتقدير: ذاك ربع، وجاز ذلك لما تقدم من ذكر الطلل الدال عليه، ولو نصب على: أعني وأذكر لكان حسناً، يقول: كنت سلوت عن حب سلمى هذه المرأة فلما نظرت إلى أثر دارها متغيرة، ذكرتها، فعاد إلى قلبك حبها، وهاج: حرك، والمكنونة هنا: المستورة، وأصلها المصونة،

стр. 2566

يقال: كننت الشيء: إذا صنته، وأكننته في نفسي: إذا سترته وأخفيته، والربع: المنزل، والقواء: القفر، والخالي، ومعنى: أذاع: فرق ونشر، ومنه إذاعة السر وهو نشره، والمعصرات: السحائب ذوات المطر، ويقال: الرياح، أي غيرته، وأزالت بهجته الأمطار بما محت منه، والرياح بما أذرت عليه، وأراد بالحيران: سحاباً تردد بمطره عليه، ولازمه، فجعله كالحيران لذلك، والخضل: الغزير. انتهى. وقال ابن خلف الشعر لعمر ابن أبي ربيعة، قال أبو سعيد: ويجوز أن يكون": ربع قواء" جعل بدلاً من الطلل، وقوله: من سلمى، يريد: من أجل حب سلمى، وعوائده: جمع عائدة، وهو ما تعوده من وجده بها، وشوقه إليها، وهاج ما في قلبك من الأهواء التي كنت تكنها وتسترها. يعني أن نظره إلى الطلل ذكره ما كان في قلبه منها، قال أبو الحسن: والطلل: ما ارتفع من بقايا الديار المتهدمة، وكذا كل ما له شخص، والرسم: ما لم يكن له شخص، والمعصرات: السحاب التي فيها أعاصير، الواحد إعصار، وهي الريح التي تهب بشدة، والحيران: السحاب الذي كأنه متحير لا يقصد إلى جهة لثقله وكثرة مائه، والساري: الذي ينشأ بالليل ويسير وهو من نعت حريان، وماؤه: مبتدأ، وخضل: خبره بمعنى مخضل، والمخضل: الذي يبل ويندى لكثرته. انتهى. وفي جعل السيرافي ربعاً بدلاً من الطلل لم يرتض به أحد، قال ابن جني في "إعراب الحماسة": إنما يبدل الأعراف من الأنكر لما فيه من البيان، ولا يبدل الأعم من الأخص، لأنه بضد ما وضع الأمر عليه، ولهذا عدل سيبويه في قول الشاعر: اعتاد قلبي من سلمى عوائده ... البيتين.

стр. 2567

عن أن يجعل ربع بدلاً من الطلل، لأنه أكثر منه، وإنما يبدل الأقل من الأكثر للبيان، لا الأكثر من الأقل. انتهى. وقال عبد القاهر الجرجاني: قال في "أسرار البلاغة": أنشد صاحب الكتاب: اعتاد قلبك ... .. البيتين وقال: أراد ذاك ربع أو [هو] ربع، قال شيخنا: لم يحمل البيت على أن الربع بدل من الطلل، لأن الربع أكثر من الطلل، والشيء يبدل مما هو مثله أو أكثر منه، فأما بدل الشيء من أقل منه، ففاسد لا يتصور، وهذه طريقة مستمرة لهم إذا ذكروا الديار والمنازل. انتهى كلامه. وترجمة عمر ابن أبي ربيعة تقدمت في الإنشاد السادس من أول الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثلاثون بعد الثمانمائة: (٨٣٦) إن من لام في بني بنت حسا ... ن ألمه وأعصه في الخطوب قال سيبويه: وقد جاء في الشعر "إن من يأتنا نأته" قال الأعشى: إن من لام في بني ... .. البيت. فزعم الخليل أنه إنما جازى حيث أضمر الهاء، وأراد أنه ولو لم يرد الهاء كان محالاً. انتهى، فعلم أن حذف اسم في هذا مخصوص بالشعر، وكذلك قال الأعلم:

стр. 2568

الشاهد في جعل "من" للجزاء مع إضمار منصوب "إن" ضرورة، وقال النحاس: يقدره سيبويه على حذف الهاء وهو قبيح، وفما كتبته عن أبي إسحاق لم يجز: "إن من يأتني آته" من جهتين، لأن "من" إذا كانت شرطاً واستفهاماً، لم يعمل فيها ما قبلها، ولأن تقديرها تقدير "إن" في المجازاة، لكما لا يجوز: إن "إن تأتنا نكرمك"، [كذا] لا يجوز هذا، فإذا جاء في الشعر، فعلى إضمار الهاء، وقال أبو العباس في الشرح: وأجاز [الزيادي] "إن من يأتنا نأته" على غير ضمير في إن، وهذا لا يجوز لامتناع الجزاء من أن يعمل فيه ما قبله. انتهى. وألمه: أصله ألومه، فسكنت الميم للجزم، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وأعصه مجزوم بالعطف بحذف الياء، والخطوب جمع خطب وهو الأمر والشأن. والبيت في ديوان الأعشى كذا: من يلمني على بني بنت حسان وعليه لا شاهد فيه، وهو من قصيدة له مدح بها قيس بن معدي كرب الكندي، ومات في الجاهلية، وكان يكني بابنه الأشعث، واسمه معدي كرب، كان أبداً أشعث الرأس، فلقب الأشعث، وهو من الصحابة وقد على النبي ﷺ سنة عشر وأسلم، وكان شريفاً مطاعاً، جواداً شجاعاً، وهو أول من مشت الرجال في خدمته، وهو راكب، وكان من أصحاب أمير المؤمنين علي في وقعة صفين، وقاتل قتالاً شديداً حتى هجم على أصحاب معاوية، ودفعهم عن ماء الفرات، وبعده: إن قيساً قيس الفعال أبا الأشعث أمست أعداؤه لشعوب

стр. 2569

وشعوب بالفتح: علم للمنية، وقد بسطنا الكلام عليه في الشاهد السابع بعد الأربعمائة من شواهد الرضي، والأعشى تقدمت ترجمته في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة. وأنشد بعده: وما كانت ممن يدخل العشق قلبه ... ولكن من يبصر جفونك يعشق وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثلاثون بعد الثمانمائة: (٨٣٧) ولكن متى يسترفد القوم أرفد صدره: ولست بحلال التلاع مخافة وهذا نص سيبويه: وتقول: ما أنا ببخيل، ولكن إن تأتني، أعطك، جاز هذا وحسن، لأنك قد تضمر هاهنا كما تضمر في "إذا" ألا ترى أنك تقول: ما رأيتك عاقلاً ولكن أحمق، وإن لم تضمر تركت الجزاء كما فعلت ذلك في إذا، قال طرفة: "ولست بحلال التلاع .. البيت" كأنه قال: أنا، ولا يجوز في

стр. 2570

"متى" أن يكون الفعل وصلاً لها كما جاز في "من"، فشرط جواز وقوع أداة الشرط بعد "لكن" تقدير الضمير بينهما وحينئذ لا ضرورة فيه، بل هو حسن للفصل، ولم يصب الأعلم في قوله: الشاهد في هذا البيت حذف المبتدأ بعد، "لكن" ضرورة، والمجازاة بعدها، والتقدير: ولكن أنا متى يسترفد القوم أرفد. انتهى. وإن لم يقدر الضمير، فلا يجوز وقوع الأداة بعد، لكن إلا في الشعر، وقد أخذ أبو علي هذا التفصيل في "التذكرة القصرية" وقال فيها: قال سيبويه في قوله: ولكن متى يسترفد القوم أرفد تقديره: ولكن أنا. إن قيل هذا لم يحتج إلى الضمير، لأن لكن إنما تشبه الفعل إذا كانت ثقيلة، فإذا خفت، زال عنها شبه الفعل، وإذا كان كذلك، صلحت للجملتين، وإذا صلحت لهما، لم يحتجإلى ضمير وقيل: "لكن" لما فيها من معنى الاستدراك لم يزل عنها معنى الفعل، فاحتيج إلى الضمير فيها، وهذا عندي إنما يجب إذا دخل حرف العطف عليه نحو: ولكن التي في البيت، لأن حرف العطف إذا دخل عليها، خلصت لمعناها، وخرجت من العطف، وإذا لم يدخل عليها حرف العطف، كانت للعطف، فلم يحتج في وقوع الجزاء بعدها إلى إضمار، كما لا يحتاج في حروف العطف إلى ذلك. انتهى كلام أبي علي، والمصنف نقل كلامه بخلاف هذا كما ترى. وقوله: ولست بحلال التلاع .. إلخ، حلال: مبالغة حال من الحلول وهي النزول، والجيد أن يكون فعال هنا للنسبة، أي: لست بذي حلول، والتلاع: جمع تلعة: وهو مجرى الماء من رؤوس الجبال إلى الأودية، وقال ابن الأنباري: التلعة من الأضداد تكون ما ارتفع وما انخفض، والمراد هنا الثاني، ومخافة: مفعول لأجله، وأرفد بكسر الفاء مضارع رفده من باب ضرب، أي: أعطاه

стр. 2571

أو أعانه، والرفد بالكسر الاسم منه، وأرفد مثله، واسترفدته: طلبت رفده، والمعنى: إني لست ممن يستتر في الأماكن المنخفضة مخافة الضيف أو غدر عدو إياي، ولكني أظهر، وأعين القوم إذا استعانوا بي إما في قري، وإما في دفع عدو. والبيت من معلقة طرفة بن العبد، وقد بسطنا الكلام بأكثر من هذا في الشاهد السادس والتسعين بعد الستمائة من شواهد الرضي، وترجمة طرفة تقدمت في الإنشاد الرابع والستين بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثلاثون بعد الثمانمائة: (٨٣٨) لن تراها ولو تأملت إلا ... ولها في مفارق الرأس طيبا قال سيبيه في "باب ما يحذف منه الفعل لكثرته في كلامهم": ومن ذلك قول القطامي: فكرت تبتغيه فوافقته ... على دمه ومصرعه السباعا وقال الآخر: لن تراها ولو تأملت ... .. البيت وإنما نصبت هذا، لأنك حين قال: وافقته، وقال: لن تراها، فقد علم أن الطيب والسباع قد دخلا في الرؤية والموافقة، وأنهما قد اشتملا على ما بعدهما في المعنى. انتهى كلامه.

стр. 2572

قال الأعلم: الشاهد فيه نصب السباع على إضمار الموافقة لما جرى من ذكرها في صدر البيت، والتقدير: فكرت تبتغيه، فوافقته، ووافقت السباع على دمه ومصرعه. هذا تقدير سيبويه، وقد أنكر المبرد ما ذهب إليه سيبويه في هذا البيت، وفي أبيات هي مثله، فقال: الحمل على المعنى لا يكون إلا بعد تمام الكلام والجملة في قوله: فكرت تبتغيه فوافقته لا تتم، لأنه يريد فوافقته على حال ما، فكيف يضمر فعلاً ينصب السباع، والكلام الأول لم يتم، وقال أبو إسحاق: الأول قد تم، لأن قوله: فوافقته، الضمير للولد وهي كانت تلتمس ولدها، ولم ترد أنها وافقته على حال من الأحوال، فلما كان المعنى يدل على هذا، واحتاج الشاعر إلى إيقاع الموافقة على الولد، أضمر للسباع الفعل الذي دل عليه أول الكلام، ودليله أن الوحشة لما وافقت ولدها متمزقاً يخور في دمه كانت كأنها وافقت السباع تقطعه بمصادفة آثار السباع فيه، والحمل على المعنى يختلف منه لم يأتي بعد تمام الكلام، كقولك: إن زيداً قائم وعمرو، عمرو محمول على موضع إن، ومنه ما يأتي بعد تمام الجملة، وله نظائر، ومنه ما يأتي قبل الكلام مثل قوله : (ومِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ) [يونس/ ٤٢] فحمل الصلة على معنى "من" والكلام لم يتم، والشاهد في قوله: "لن تراها ... البيت" أنه أضمر فعلاً نصب طيباً، ودل على هذا الفعل المحذوف قوله: لن تراها في أول البيت، والفعل المحذوف: إلا ورأيت لها. يصف هذه المرأة بإدامة استعمال الطيب، والمعنى واضح. انتهى كلام الأعلم وابن خلف، وليس فيه أن الرؤية المقدرة فعل قلبي، وإنما قاله ابن جني في "الخصائص"، قال بعد إنشاد قوله: "لن تراها ولو تأملت ... ".

стр. 2573

ولعمري إن الرؤية إذا لحقتها، فقد لحقت ما هو متصل بها، وفي ذلك شيئان، أحدهما: أن الرؤية وإن كانت مشتملة عليها، فليس لها طريق إلى الطيب في مفارقها، اللهم إلا أن تكون حاسرة غير مقنعة، وهذه مبتذلة لا توصف به الخفرات، ألا ترى إلى قول كثير: وإني لأسمو بالوصال إلى التي ... يكون سناء وصلها وازديارها ومن كانت من النساء هذه حالها، فليست رذلة، ولا مبتذلة، وبه وردت الأشعار القيمة، والمولدة، وهي طريق مهيع، وإذا كان كذلك، وكان الرؤية لها ليس مما يلزم معه معه رؤية طيب مفارقها، وجب أن يكون الفعل المقدر لنصب الطيب مما يصحب الرؤية لا الرؤية نفسها، فكأنه قال: لن تراها إلا وتعلم لها، أو تتحقق لها في مفارق الرأس طيباً، غير أن سيبويه حمله على الرؤية، وينبغي أن يكون على ما تدل عليه الرؤية من الفعل الذي قدرناه. والآخر: أن هذه الواو في قوله: ولها كذا هي واو الحال، وصارفة للكلام إلى معنى الابتداء، فقد وجب أن يكون تقديره: لن تراها إلا وأنت تعلم، أو تتحقق، أو تشم، فتأتي بالمبتدأ، وتجعل ذلك الفعل المقدر خبراً عنه، فاعرف ذلك. انتهى كلام ابن جني، ولم يأت المصنف بذكر المبتدأ وبناء الفعل المقدر عليه. والبيت نسبه شراح شواهد سيبويه لعبد الله بن قيس الرقيات من قصيدة، وتقدمت ترجمته في الإنشاد الثامن والأربعين.

стр. 2574

وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثلاثون بعد الثمانمائة: (٨٣٩) يا أيها المائح دلوي دونكا على أن دلوي لا يجوز أن تكون معمولة لدوك محذوفة، ولا بدونك المذكورة، لأن اسم الفعل لا يحذف، ويبقى معموله، ولا يتأخر عن معموله، وكلاهما جائز عند الكوفيين، والأول جائز عند الفراء، والثاني سائغ عند غيره منهم، قال في تفسيره عند قوله تعالى: (كتاب الله عليكم) [النساء/ ٢٤]: هذا كقولك كتابا من الله عليكم، وقد قال بعض أهل النحو: معناه: عليكم كتاب الله، والاولاشبه بالصواب، وقلما تقول العرب: زيدا عليك، وزيدا دونك، وهو جائز، كأنه منصوب بشيء مضمر قبله، وقال الشاعر: يآ أيها المائح دلوي دونكا الدلو رفع، كقولك: زيد فاضربوه، هذا زيد فاضربوه، وتنصب الدلو بمضمر، كأنك قلت: دونك دلوي دونك. انتهى. ورد عليه الزجاج في تفسيره، قال: كتاب الله منصوب على التوكيد، محمول على المعنى، لأن المعنى: حرمت عليكم أمهاتكم، كتب الله كتابا عليكم وقد يجوز أن يكون منصوبا على جهة الأمر، ويكون عليكم مفسرا له، فيكون المعنى: الزموا كتاب الله عليكم، ولا يجوز أن يكون منصوبا ب " عليكم"، لأن قولك:

стр. 2575

عليك زيدا، ليس له ناصب في اللفظ متصرف، فيجوز تقديم منصوبه، وقول الشاعر يا أيها المائح دلوي دونكا يجوز أن يكون دلوي في موضع نصب بإضمار: خذ دلوي، ولا يجوز أن يكون على: دونك دلوي، لما شرحنا، ويجوز أن يكون دلوي في موضع رفع، المعنى: هذه دلوي دونك. انتهى. وفي جعله دلوي خبر مبتدأ، يكون دونك ظرفا في موضع الحال، قال الشيخ خالد في " التصريح": وفيه نظر، لأن المعنى ليس على الخبر المحض حتى يخبر عن الدلو بكونها دونه. ورد عليه الدووشري: وما المانع من أن يكون خبرا محضا قصد به التنبيه على أن الدلو أمامه، ويكون الدال على الأمر بأخذ الدول مقدرا، والتقدير: قتناوله. انتهى. قال أبو محمد الأسود الأعرابي: أملى علينا أبو الندى قال: كان وائل بن صريم الغبري ذا منزلة من الملوك ومكان عندهم، وكان مفتوق اللسان حلوه، وكان جميلا، فبعثه عمرو بن هند اللخمي ساعيا على بني تميم، فأخذ الإتاوة منهم حتى استوفي ما عندهم غير بني أسيد بن عمرو بن تميم، وكانوا على طويلع، فأتاهم، فنزل بهم، وجمع النعم والشاء، فأمر بإحصائه، فبينا هو قاعد على بئر، أتاه شيخ منهم، فحدثه فغفل وائل، فدفعه الشيخ، فوقع في البئر، فاجتمعوا، فرموه بالحجارة حتى قتلوه وهم يرتجزون ويقولون: يا أيها المائح دلوى دونكا إني رأيت الناس يحمد ونكا وإنما هذا هزء به، فبلغ الخبر أخاه باعث بن صريم، فعقد لواء، ونادى

стр. 2576

في غبر، فساروا، وآلى أن يقتلهم على دم وائل حتى يلقي الدلو، فيمتلئ دما، فقتل باعث منهم ثمانين رجلا، وأسر عدة، وقدم رجلا منهم يقال له قمامة، فذبحه حتى ألقى دلوه، فخرجت ملأى دما، ولم يزل يغير عليهم زمانا، وقتل منهم فأكثر حتى إن المرأة من بني أسيد كانت تعثر فتقول: تعست غبر، ولالقيت الظفر، ولا سقيت المطر، وعدت النفر. وقال باعث في ذلك: سائل أسيد هل ثأرت بوائل أم هل أتيتهم بأمر مبرم إذ أرسلوني مائحا لدمائهم فملأتها حتى العراقي بالدم انتهى كلامه. وغبر، بضم الغين المعجمة وفتح الموحدة: قبيلة، وأسيد، بضم الهمزة وتشديد الياء المكسورة، قال الجوهري: المائح: الذي ينزل البئر فيملأ الدلو، وذلك إذا قل ماؤها، والجمع ماحة، وقد ماح يميح، وأنشد البيت، وأما المائح بالمثناة الفوقية، فهو الذي يستقي الماء، يقال: متح الماء يمتحه متحا: إذا نزعه بالدلو، وبئر متوح للتي يمد منها باليدين على البكرة، وقد بسطنا الكلام على هذا في الشاهد الرابع والخمسين بعد الأربعمائة من شواهد الرضي.

стр. 2577

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الأربعون بعد الثمانمائة: بما كان إياهم عطية عودا صدره: قنافذ هداجون حول بيوتهم " كان " في هذا البيت عند البصريين إما شأنيه وإما زائدة، فيكون عطية في الأول مبتدأ، وعودا فعل ماض، وألفه للاطلاق، وفاعله ضمير عطية، ومفعوله إياهم، والأصل عودهم، فلما تقدم انفصل، وجملة "عودهم " خبر المبتدأ، وجملة عطية عودهم في محل نصب خبر كان، واسمها ضمير الشأن. وقال المصنف في "شرح أبيات ابن الناظم ": ويجوز أن يكون اسم كان ضميرا مستترا فيها عائدا على "ما" الموصولة، أي: بسبب الأمر الذي كان هو عطية عودهم إياه، وجملة: " عطية عودهم" خبر كان، وحذف العائد، لأنه ضمير منصوب، ويجوز أيضا أن يكون عطية اسم كان، وتقديم معمول الخبر للضرورة، وهذا الجواب عندي أولى لاطراده في نحو قوله: باتت فؤادي ذات الخال سالبة فالعيش إن حم لي عيش من العجب إذ الأصل: باتت ذات الخال سالبة فؤادي، ولا يجوز تقدير ذات مبتدأ لنصب سالبة، واعترض على هذه الأوجه بأن الخبر الفعلي لا يسبق المبتدأ، فكذا معموله، والجواب أن المانع من تقديم الفعل خشية التباس الاسمية بالفعلية، وذلك مأمون مع تقدم المعمول. انتهى.

стр. 2578

والبيت من قصيدة للفرزدق هجا به جريرا، ويخاطب بها عمر بن لجأ التيمي، وقبله: لئن عبت نار ابن المراغة إنها ... لألأم نار مصطلين وموقدا إذا ثقبوها بالكدادة لم تضئ ... رئيسا ولا عند المنيخين مرفدا ولكن ظرابي عندهت يصطلونها ... يصفون للزرب الصفيح المسندا قنافذ هداجون. . . . . ... . . . . . البيت. قوله: لئن عبت خطاب لعمر بن لجأ، وابن المراغة: جرير لقبه به الفرزدق، والمراغة: الأتان، ومصطلين تمييز من ألأم، والمصطلي: الذي يقعد حول النار لدفع البرد والكدادة بالضم: موضع، وظرابي حقه النصب بأن يقول: ظرابيا، والصفيح ك صخور رقاق عراض، والزرب: حظيرة الغنم، وهو مأواها، وثقبوها: حركوها لتتقد، وصف نارهم بقلة الإضاءة لخستهم ولؤمهم، ولا يوقدون حطبا كثيرا لئلا يقصدهم الضيوف، والكريم يوقد ناره في أعلى موضع، ويكثر وقودها حتى يراها الضيف والمنقطع من مكان بعيد، فيقصده، وأما هؤلاء، فقد أوقدوا نارهم في الزرب، وأسندوا عليهم الحجارة العراض حتى لا يظهر ضوؤها لأحد، فيقصدهم، ومع ذلك، فلا يوقدونها بشدة، فلا تبين الرئيس منهم، والمنيخ: الضيف الذي ينيخ راحلته، والمرفد، بالكسر: القدح الضخم، والظرابي: جمع ظربان، بفتح أوله وكسر ثانيه: دويبة كالهرة منتنة الريح إذا فست بين إبل تشردت من نتنه، وتأتي إلى جحر الضب، فتقسو فيه، فيسدر من خبث رائحته فتأكله، وإذا فست في ثوب لم تذهب رائحته النتن حتى يبلى، شبههم بهذه الدابة، فلا يقدر أحد أن يقربهم لنتن فساهم. وقوله: قنافذ هداجون، أي: هم قنافذ، وهو تشبيه بليغ لا استعارة بالكناية كما توهم العيني، وهو جمع قنفذ بالذال المعجمة، وهو حيوان معروف يضرب به

стр. 2579

المثل في سرى الليل، يقال: أسرى من قنفذ، ولبهدجان: مشية الشيخ، وقد هدج يهدج من باب ضرب، وعطية والد جرير، وروي " دراجون " بمعنى هداجون، وروي أيضا: " درامون " من درم يدرم: إذا مشى مشي المثقل بسرعة، يقول: إن رهط جرير كالقنافذ لمشيهم في الليل للسرقة والفجور، وإن أبا جرير هو الذي عودهم ذلك، وقد هجاه الأخطل بمثل هذا أيضا، قال من قصيدة: مثل القنافذ هداجون قد بلغت ... نجران أو بلغت سوآتهم هجر ويأتي شرحه إن شاء الله تعالى في الباب الثامن، وقد تقدم بعض أبيات من قصيدة الفرزدق في الإنشاد السبيعين بعد الأربعمائة، وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أول الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد الثمانمائة: فخالد يحمد سادتنا صوابه: وخالد يحمد سادتنا بالحق لا يحمد بالباطل قال ابن عصفور في "الضرائر": ومنه حذف الضمير الرابط للجملة الواقعة خبرا بالمخبر عنه إذا كان حذفه يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه نحول قول الأسود ابن يعفر: وخالد يحمد ساداتنا ... بالحق لا يحمد بالباطل وقول الآخر: قدا أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع

стр. 2580

وقول الآخر: وقالوا تعرفها المنازل من منى وما كل من وافي منى أنا عارف يريد: أنا عرافه، ألا ترى أن يحمد، وأصنع، وعارف متهيئات للعمل] في المبتدآت التي هي أخبار لها [وهي مع ذلك مقطوعة عن العمل] فيها [، فحذف الرابط في هذه الأبيات وأمثالها يحسن في الشعر، ولا يحسن في سعة الكلام، بل إن جاء منه شيء حفظ، ولم يقس عليه، فما جاء من ذلك قراءة يحيي: (أفحكم الجاهلية يبغون)] المائدة/ ٥٠ [برفع حكم، التقدير: يبغونه. هذا مذهب المحقيين من البصريين، وأما الكوفيون ومن أخذ بمذهبهم من البصريين، فإنهم يجيزون حذفه في سعة الكلام بشرط أن يكون المبتدأ كلا أو اسم استفهام، نحو قولك: كل الدراهم قبضت، وأي رجل ضربت؟ والصحيح أنه لا فرق بين اسم الاستفهام وكل، وبين غيرهما من الأسماء إذا أدى حذف الرابط إلى تهيئة العامل للعمل، وقطعه عنه. انتهى كلامه. وقال الفارسي في " الأغفال": إن حذف هذا الضمير مختص بالاضطرار، ويحتمل أن يكون خبر " وخالد " قوله: لا يحمد بالباطل، والجملة بينهما اعتراض وبعد البيت: جاد بأموال تميم كما ... جاد ابن ذي الجدين في وائل ويجوز أن يكون الخبر جاد وما قبله اعتراض. انتهى كلامه، ونقلته من " تذكرة أبي حيان".

стр. 2581

وقال أبو العلاء المعري في شرح رجز رؤبة الذي أوله: وقاتم الأعماق خاوي المخترق مانصه: ابتدأ رؤبة بالواو، والابتداء بها كثير في الرجز، فأما القصائد من غير الجز، فلا يكثر ابتداؤها بالواو، إلا أنهم ربما جاؤوا به كما قال أبو دواد الإيادي: وقد أغتدي في بياض الصباح ... وأعجاز ليل مولي الذنب ولو حذف الواو، لجاز، وكان ذلك خرما، وقال أيضا: وكل حصن وإن طالت سلامته ... يوما ستدخله النكراء والحوب وقد رواه بعض الناس بحذف الواو، وذلك لا يجوز في رأي الخليل، لأن الخرم لا يجوز عنده في هذا الوزن، وقال أبو زبيد الطائي: ولقد مت غير أني حي يوم ولت بودها الخنساء فابتدأ بالواو، وحذفها قبيح، ولم يروه أحد، وهذا البيت في ديوان الأسود بن يعفر: وخالد يحمد ساداتنا ... بالحق لا يحمد بالباطل والبيت الأول قصيدة، وقد روي بحذف الواو، وذلك غير جائز عند الخليل، ويستشهدون بهذا البيت لأن خالدا مرفوع كأنه لما ابتدئ به، حمل على الابتداء، وإرادة الهاء، كأنه قال: خالد يحمده ساداتنا. انتهى كلام المعري.

стр. 2582

والأسود بن يعفر، بفتح الياء: شاعر جاهلي تقدم في الإنشاد الثالث والخمسين. وأنشد بعده: كله لم أصنع هو قطعة وأصله: قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الواحد والثلاثسن بعد الثلاثمائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد الثمانمائة: (٨٤٢) بعكاظ يعشي الناظرين ... إذا هم لمحوا شعاعه هو من أبيات لعاتكة بنت عبد المطلب، عمة النبي ﷺ ، أوردها أبو تمتا في آخر الباب الأول من " الحماسة"، وهي: سائل بنا في قومنا ... وليكف من شر سماعه قيسا وما جمعوا لنا ... في مجمع باق شناعه فيه السنور والقنا ... والكبش ملتمع قناعه بعكاظ يعشي الناظريـ ... ـن إذا هم لمحوا شعاعه فيه قتلنا مالكا ... قسرا وأسلمنا رعاعه ومجدلا غارنه ... بالقاع تنهسه ضباعه وقولها: سائل بنا: الباء بمعنى " عن" كقوله تعالى: (واسأل به خبيرا)] الفرقان /٥٩ [، وليكف من شر سماعه، قال التبريزي: مثل تقول: يكفي من

стр. 2583

الشر أن يتحدث به وإن لم يكن له حقيقة، فكيف إذا كان حقا، وقال الطبرسي: توجع مما نالهم، واستفظاع لما أجروا إليه فيما أرادوا لأنفسهم عليه، وظاهر لفظ الأمر للسماع، وهو في الحقيقة للمخاطب، لأن المراد: واكتف إذا سألت من الشر بالسماع دون العيان، وقولها: قيسا هو مفعول سائل، وقال التبريزي: أي سائل قيسا عنا، والجيش الذي جمعوه لنا تخبرك ببلائنا يوم الفخار، وشناعه: قبحه بمعنى الشناعة، والسنور: الدروع، وقيل: السلاح، والجملة صفة لمجمع، والكبش: الرئيس، وملتمع من لمع: إذا برق، والقناع بالكسر: السلاح، والباء من: بعكاظ متعلقة بملتمع، وعكاظ بالضم: سوق كانت في الجاهلية بين نخلة والطائف كانت تقوم هلال ذي القعدة، وتستمر عشرين يوما تجتمع قبائل العرب فيها، فيتعاكظون، أي: يتفاخرون، ويتناشدون الأشعار، وشعاعه: فاعل يعشي، والضمير قيل إما لعكاظ لكون الشعاع به، وإما للقناع، لأن اللمعان له، ويعشي من الإعشاء وهو إضعاف البصر، واللمح: سرعة إبصار الشيء، وإذا: ظرفية، وهم: فاعل بفعل محذوف يفسره لمحوا، والقسر: القهر، وأسلمه: خذله، والرعاع بالفتح: أراذل الناس، ومجدلا: حال من الهاء في غادرنه، أي: تركنه، والنون ضمير الخيل المفهومة من المقام، والقاع: المستوي من الأرض، وضمير ضباعه راجع إليه، والنهس: أخذ الشيء بمقدم الفم، يروى بالمهملة والمعجمة قال الأصمعي: وهما بمعنى. وعاتكة قد اختلف في إسلامها، فقال ابن إسحاق: لم تسلم، وقيل: إنها أسلمت، وكانت تحت أبي أمية بن المغيرة المخزومي، أبي أم سلمة، فولدت له عبدالله، أسلم وله صحبة.

стр. 2584

وأند بعده: عممتهم بالندى حتى غواتهم ... فكنت مالك ذي غي وذي رشد وتقدم في الإنشاد السابع والتسعين بعد المائة. وأنشد بعده: وما شيء حميت بمستباح صدره: حميت حمى تهامة بعد نجد وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثاني والأربعين بعد السبعمائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد الثمانمائة: (٨٤٣) إذن ظللت الدهر أبكي أجمعا قال ابن عبد ربه في " العقد الفريد ": نظر أعرابي إلى امرأة حسناء، ومعها صبي يبكي، فكلما بكى، قبلته، فأنشأ يقول: يا ليتني كنت صبيا مرضعا ... تحملني الذلفاء حولا أكتعا إذا بكيت قبلتني أربعا ... إذا ظللت الدهر أبكي أجمعا ومرضع: اسم مفعول من أرضعته أمه إراضاعا، وجملة " تحملني الذلفاء": صفة ثانية لصبي، ويجوز أن تكون حالا من ضمير مرضع، ويجوز أيضا أن تكون

стр. 2585

خبرا ثانيا ل " كنت "، والذلفاء بالذال المعجمة: وصف مؤنث أذلف من الذلف وهو صغر الأنف، واستواء الأرنبة، ويحتمل أنه اسم امرأة منقول من هذا، وأكتع قال الجوهري: يقال، إنه مأخوذ من قولهم: أتى عليه حول كتيع، أي: تام، وأربعا، أي: تقبيلا أربعا، وظللت بكسر اللام، وظل بمعنى استمر من أخوات كان، والتاء اسمها، وجملة أبكي خبرها، والدهر ظرف لأبكي، وجملة إذن ظللت الخ: جواب شرط محذوف، والتقدير: لو حصل ما تمنيته [استمررت في البكاء حتى تستمر الذلفاء تحملني وتقبلني كلما بكيت]. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والأربعون بعد الثمانمائة: (٨٨٤) إن يستغيثوا بنا إن يذعروا يجدوا ... منا معاقل عز زانها كرم الاستغاثة: طلب الإغاثة، يقال: أغاثه إغاثة: إذا أعانه ونصره، والغوث: اسم منه، واستغاث به فأغاثه، وأغاثهم الله برحمته: كشف شدتهم، ويذعروا بالبناء للمفعول، ذعرته ذعرا من باب نفع: أفزعته، والذعر بالضم: اسم منه، والمعاقل: جمع معقل كمسجد: الملجأ، والعز: خلاف الذل، والكرم: حسن الفعل، وزانها: زينها، والأفعال الثلاثة في المصراع الأول بالغيبة، ويجوز أن تكون بالخطاب.

стр. 2586

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والأربعون بعد الثمانمائة: (٨٤٥) فإن عثرت بعدها إن وألت ... نفسي من هاتا فقولا لا لعا هو من مقصورة ابن دريد، وقبله: إن القضاء قاذفي في هوة ... لا تستبل نفس من فيها هوى وبعده: وإن تكت مدتها موصولة ... بالحتف سلطت الأسا على الأسى القاذف: الرامي، والهوة بالضم والتشديد: حفرة يضيق أعلاها ويتسع أسفلها، وتستبل: تبرأ، يقال: استبل من مرضه وأبل: إذا توجه إلى العافية والصحة، وكان المناسب لا تنجو، وهذا من قول الأفوه الأودي: وصروف الدهر في أطباقه ... خلقة فيها ارتفاع وانحدار بينما الناس على عليائها ... إذ هووا في هوة منها فطاروا وقوله: فإن عثرت، أي سقطت، ووألت بالهمز: نجت ومضارعه تئل، ومنه الموئل وهو الملجأ، وهاتا: بمعنى هذه. قال الخليل: لعا، كلمة تقال عند العثرة، وقال ابن سيده: كلمة يدعى بها للعاثر معناها: الارتفاع، وقال ابن السيد:

стр. 2587

هو اسم فعل مبني على السكون، والتنوين فيه للتنكير، وقد بين القزاز الفعل الذي لعا اسمه، فقال: يقال: لعا لك الله، أي: نعشك الله، ورفعك، فلعا: اسم لنعش، كما أن هيهات اسم لبعد. وحكى أبو عبيد في " الأمثال ": ومن دعائهم: لالعا لفلان، أي: لا أقامه الله، فجعل "لعا" اسما لأقامه الله، وهو قريب من القول الأول، لأنه إذا أقامه، فقد رفعه، وإذا رفعه، فقد نعشه، وقد رد عليه ذلك أبو عبيد البكري، وقال: هذا ما قاله أحد، وإنما قال اللغويون: لعا كلمة تقال للعاثر في معنى اسلم، وكذلك دعدع، وقد روي في حديث مرفوع أنه كره أن يقال للعاثر: دعدع، وليقل له: " اللهم ارفع وانفع"، وهذا ينظر إلى قوله ﵊: " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"، وتأويله أنه ينبغي له إذا نكب من وجه أن لا يعود لمثله، فابن دريد يقول: إن عثرت بعد أن نجت نفسي من هذه، فحقي أن يقال لي: لا لعا، لأني خالفت قول النبي ﷺ . وقوله: فإن عثرت جواب "إن" الشرطية الفاء في قوله: فقولا، وجواب إن الثانية: إن الأولى وما بعدها، والتقدير: وإن وألت نفسي، فإن عثرت بعدها، فقولا لالعا، ونظير هذه المسألة قوله تعالى: (فأما إن كان من المقربين فروح)] الواقعة/٨٩ [، قال أبوعلي: قد اجتمع هنا شرطان وجواب واحد، فليس يخلو من أن يكون جوابا لهما، أو جوابا لأما، أو لإن، فلا يجوز أن يكون جوابا لهما، لأنا لم نر شرطين لهما جواب واحد، ولو جاز هذا، لجاز شرط واحد له جوابان، وهذا لا يكون. ولا يكون جوابا لإن دون أما، لأن أما لم تستعمل بغير جواب، فجعل الفاء جوابا لأما، وأما وما بعدها جوابا لإن، وكذلك حكم البيت، كذا في شرح ابن هشام اللخمي لهذه المقصورة.

стр. 2588

وقوله: وإن تكن مدتها موصولة، أي: متصلة، والحتف: الموت، والأسا بالضم: جمع أسوة بالضم والكسر: القدوة، يكتب بالألف، لأنها منقلبة عن واو، والأسى بالفتح: الحزن، ويكتب بالياء والألف، لأنه يقال في التثنية: أسيان وأسوان، وهذا مأخوذ من قول الخنساء: وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي وقال الشمردل بن شريك: ولولا الأسى ما عشت في الناس ساعة ... ولكن إذا ما شئت جاوبنى مثلى وترجمة ابن دريد تقدمت في الإنشاد التاسع والخمسين بعد الستمائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد الثمانمائة: (٨٤٦) ولست مقرا للرجال ظلامة ... أبى ذاك عمي الأكرمان وخاليا قال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": ومنه تقديم النعت نحو قول الفرزدق:

стр. 2589

متقلدا لأبيه كانت عنده أرباق صاحب ثلة وبهام يريد: متقلدا أرباق صاحب ثلة وبهام كانت عنده لأبيه، فقدم النعت على المنعوت بدلا منه، وقول الآخر: ولست مقرا للرجال ظلامة .. البيت. يريد أبى ذلك عمي وخالي الأكرمان، فقدم النعت على أحد المنعوتين، ومثل ذلك قوله: فأوردتها ماء كأن جمامه ... من الأجن حناء معا وصبيب يريد: كأن جمامه حناء وصبيب معا. أنتهى. والمقر: اسم فاعل من اقر الشيء بحاله: إذا تركه ولم يزله، وليس من الإقرار بمعنى الاعتراف، إذ ليس المعنى عليه، والظلامة بالضم، قال صاحب "المصباح": والمظلمة بكسر اللام: اسم لما يطلب عند الظالم كالظلامة بالضم: مدح نفسه بالعزة، وأنه لا يقدر أحد على أن يظلمه، ولم أقف على تتمة هذا البيت، ولا على قائله، والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الانشاد السابع والأربعون بعد الثمانمائة: (٨٤٧) إذا قامتا تضوع المسك منهما ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل على أن فيه حذفا تقديره تضوعا مثل تضوع نسيم الصبا، والبيت من أول معلقة امرئ القيس، وقبله:

стр. 2590

وإن شفائي عبرة مهراقة وهل عند رسم دارس من معول كد أبك من أم الحويرث قبلها وجارتها أم الرباب بمأسل إذا قامتا تضوع المسك ... .. البيت. وقوله: وإن شفائي .. البيت، تقدم الكلام عليه في "هل"، وفي عطف الإنشاء على الخبر من الباب الرابع، وقوله كدأبك، قال الزوزني: يقول: عادتك في حب هذه كعادتك في تينك، أي: قلة حظك من وصال هذه كمعاناتك الوجد بهما. وقوله قبلها، أي: قبل هذه التي شغفت بها الآن، والدأب: العادة، وأصلها متابعة العمل والجد في السعي. انتهى.، والباء في قبله: بمأسل متعلقة بدأبك، ومأسل: موضع، وقوله: إذا قامتا، ضمير الاثنين راجع إلى أم الحويرث وأم الرباب، وتضوع: فاح متفرقا، والمسك يذكر ويؤنث، وكذلك العنبر، ومن أنثه ذهب إلى معنى الريح، ورواه: " تضوع المسك" في باب الاتساع، وهو أن يأتي الشاعر ببيت يتسع فيه التأويل على قدر قوي الناظر، وبحسب ما يحتمله ألفاظه، فإن هذا البيت اتسع النقاد في تأويله، فمن قائل: تضوع مثل المسك منهما بنسيم الصبا، ومن قائل: تضوع نسيم الصبا منهما، ومن قائل: تضوع المسك منهما تضوع نسيم الصبا، وهذا هو الوجه عندي، ومن قائل: تضوع المسك منهما - بفتح الميم- يعني الجلد بنسيم. انتهى. والريا: الرائحة الطيبة لا غير، وجملة جائت بتقدير "قد" حال من الصبا، ونسيم الصبا: هبوبها بضعف، قال الدينوري

стр. 2591

في كتاب " النبات": القرنفل أجود ما يؤتى به من بلاد الصين، وقد كثر مجيء الشعر بوصف طيبه، وأنشد هذا البيت ثم قال: وقالوا قد أخطأ امرؤ القيس، فإنه لا يقال تضوع المسك حتى كأنه ريا القرنفل، إنما كان ينبغي أن يقول: تضوع القرنفل حتى كأنه ريا القرنفل، إنما كان ينبغي أن يقول: تضوع القرنفل حتى كأنه ريا المسك. انتهى، وتبعه الإمام الباقلاني في كتاب "إعجاز القرآن" وزيف هذا من وجوه، ونقلنا كلامه في الشاهد الرابع والأربعين بعد المائتين من شواهد الرضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والأربعون بعد الثمانمائة: (٨٤٨) وأضرب منا بالسيوف القوانسا قال ابن جني في "إعراب الحماسة ": القوانس عندنا [منصوب] بفعل مضمر يدل عليه أضرب، أي: ضربنا، أو نضرب القوانس، فلا يجوز أن يتناوله أضرب هذه في البيت، لأن أفعل هذه [التي] للمبالغة تجري مجرى فعل التعجب، وأنت لا تقول: ما أضرب زيدا عمرا، حتى تقول لعمرو، وذلك لضعف هذا الفعل وقلة تصرفه، فإن تجشمت ما أضرب زيدا عمرا فإنما نصبت عمرا بفعل آخر على ما تقدم. انتهى. والمصراع من قصيدة للعباس بن مرداس الصحابي قالها في الجاهلية، واختار منها أبو تمام في "الحماسة" أربعة أبيات وهي: فلم أر مثل الحي حيا مصبحا ... ولم مثلنا يوم التقينا فوارسا أكر وأحمى للحقيقة منهم ... وأضرب منا بالسيوف القوانسا

стр. 2592

إذا ما حملنا حملة نصبوا لنا ... صدور المذاكي والرماح المداعسا إذا الخيل جالت عن صريع نكرها ... عليهم فما يرجعن إلا عوابسا قال أبو عبيدة في كتاب "أيام العرب": غزت بنو سليم ورئيسهم العباس بن مرداس مردا، فجمع لهم عمرو بن معدي كرب، فالتقوا بتثليث من أرض اليمن بعد تسع وعشرين ليلة، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من كبار مراد ستة، وقتل من بني سليم رجلان، وصبر الفريقان حتى كره كل واحد منهما صاحبه، فقال عباس ابن مرداس قصيدته التي على السين، وهي إحدى المنصفات. انتهى. قوله: فلم أر مثل الحي، أراد بالحي بني زبيد من مراد، قال المرزوقي: يقول: لم أر مغارا عليه كالذين صبحناهم، ولا مغيرا مثلنا يوم لقيناهم، فقسم الشهادة قسم السواء بين أصحابه وأصحابهم، وتناول بالمدح كل فرقة منهم، وانتصب "حيا مصبحا" على التمييز، وكذلك فوارسا تمييز، وتبيين، ويجوز أن يكونا في موضع الحال، فإن قيل: لم قال فوارس، والتمييز يؤتى به مفرد اللفظ؟ قلت: إذا لم يتبين كثرة العدد واختلاف الجنس من المميز، يؤتى بالتمييز مجموع اللفظ متى أريد التنبيه على ذلك، وعلى هذا قول الله تعالى: (قل هل ننبؤكم بالأخسرين أعمالا)] الكهف/١٠٣ [كأنه لما كانت أعمالهم مختلفة كثيرة نبه على ذلك بقوله: أعمالا، ولو قال عملا، كان السامع لا يعتقد في وهمه أن خسرهم كان لجنس واحد من أجناس المعصية، أو لعمل واحد من الأعمال الذميمة. وكذلك قوله: " فوارس" جمعه حتى يكون فيه إيذان بالكثرة. انتهى.

стр. 2593

وقوله: أكر وأحمى .. الخ، قال المرزوقي: المصراع الأول ينصرف إلى أعدائه وهم بنو بيد، والثاني إلى عشيرته وأصحابه، والمراد: لم أر أحسن كرا وأبلغ حماية للحقائق منهم، ولا أضرب للقوانس بالسيوف منا، وانتصب القوانس من فعل دل عليه قوله: وأضرب منا، ولا يجوز أن يكون انتصابه عن أضرب، لأن أفعل الذي يتم بمن لا يعمل إلا في النكرات، ولذلك يعدى إلى المفعول الثاني باللام، فقلت: ما أضرب زيدا لعمرو، قال الدريدي: القونس هو أعلى البيضة، وقال غيره: قونس الفرس: ما بين أذنيه إلى الرأس، ومثله قونس البيضة من السلاح. انتهى. وأكر من كر عليه: إذا صال عليه، وأحمى من الحماية، وحقييقة الرجل: ما يحق عليه حفظه من الأهل والأولاد والجار. وقوله: إذا ما حملنا حملة .. الخ، قال المرزوقي: يروى: " إذا ما شددنا شدة "، يقول: إذا حملنا عليهم ثبتوا في وجوهنا، ونصبوا صدور الخيل القرح، والرماح المعدة للدفع، والدعس: الدفع في الأصل، ثم يستعمل في الطعن، وشدة الوطء، والجماع، والذكاء: ضد الفتاء، يقال: فرس مذك: إذا تم سنه، وكمل قوته، وفي المثل: "جري المذكيات غلاب"، ويقال: غلاء، ويقال: فتاء فلان كذكاء فلان وكتذكية فلان، أي: حزامته على نقصان سنه كحزامة ذاك مع استكماله. وقوله: إذا الخيل جالت، قال المرزوقي: إذا الخيل دارت عن مصروع منا، كررنا عليهم لنصرع مثل ما صرعوا منا، ويجوز أن يريد: إذا جالت الخيل عن صريع منهم لا يقنعنا ذلك فيهم، بل نكرها عليهم لمثله، وإن كرهت الكر لشدة البأس، فلم ترجع إلا كوالح. والعامل في إذا

стр. 2594

[الخيل]: نكرها وهو جوابه، وعوابس حال، والخيل فاعل فعله يفسره ما بعده. انتهى. وقد بسطنا الكلام بأكثر من هذا في الشاهد السابع والعشرين بعد الستمائة من شواهد الرضي، وترجمة العباس بن مرداس تقدمت في الإنشاد الثالث والأربعين. وأنشد بعده: والله لن يصلوا إليك يجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثاني والستين بعد الأربعمائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والأربعون بعد الثمانمائة: (٨٤٩) ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح على أن الفعل المسند إلى ضارع محذوف جوازا، أي: يبكه ضارع، وهذا على رواية ليبك بالبناء للمفعول، ويزيد نائب الفاعل، وأما على روايته بالبناء للمعلوم، ففاعله ضارع، ويزيد مفعوله، ولا حذف، ولا شاهد، هذه الرواية هي الثابتة

стр. 2595

عند العسكري، قال في كتاب "التصحيف": فيما غلط فيه النحويون، ومما قلبوه وخالفهم الرواة قول الشاعر: ليبك يزيد ضارع ... البيت، وقد رواه خالد والأصمعي وغيرهما بالبناء للفاعل من البكاء، ونصب يزيد. ومثله في كتاب " فعلت وأفعلت" لأبي حاتم السجستاني قال: أنشدنا الأصمعي: " ليبك يزيد ضارع"، أي بالبناء للفاعل، ولم تعرف العرب ليبك يزيد، أي: بالبناء للمفعول، وقال: هذا من عمل النحويين. وقوله: لخصومة: متعلق بضارع، والمختبط: الذي يأتي لطلب الإحسان، والمعروف من غير وسيلة، و "مما" متعلق بمختبط أو بضارع، و"ما" مصدرية أو موصولة، والعائد محذوف، أي: مما تطيحه الطوائح، يقال: أطاحته الطوائح، وطوحته، أي: قذفته الدواهي، وكان القياس المطيحات أو المطاوح، لكنه جاء على حذف الزائد، ونقل ابن خلف عن الأصمعي أن العرب تقول: طاح الشيء بنفسه، وطاحه غيره بمعنى طوحه وأبعده، فعلى هذا تكون الطوائح جمع طائحة من المتعدي، وفي "عباب" الصاغاني: طاح يطوح ويطيح. والبيت من أبيات لنهشل بن حري، رثي بها يزيد بن نهشل، نقلها ابن خلف في "شرح شواهد الكتاب " وهي: لعمري لئن أمسى يزيد بن نهشل ... حشا جدث تسقي عليه الروائح لقد كان ممن يبسط الكف بالندى ... إذا ضن بالخير الأكف الشحائح فبعدك أبدى ذو الضغينة ضغنه ... وسد لي الطرف العيون الكواشح ذكرت الذي مات الندى عند موته ... بعاقبة إذ صالح العيش صالح ليبك يزيد ضارع ... . .. البيت. سقى جدثا أمسى بدومة ثاويا ... من الدلو والجوزاء غاد ورائح
следующие страницы →