Полный текст (2 797 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
فأصبحن ينشرن آذانهن في الطرح طرفاً شمالاً يميناً
يريد: ويميناً، وقوله، وأنشده ابن الأعرابي:
مالي لا أسقى على علاتي .. ز صبائحي غبائقي قيلاتي
يريد: صبائحي وغبائقي، وقيلاتي، وقوله:
ضرباً طلخفاً في الطلى شخيتا
يريد: وشخيتاً، والطلخف أشد من الشخيت. انتهى.
وقال ابن الشجري في المجلس الثاني عشر من "أماليه": ومما أضمر فيه الو وقول الحطيئة:
إن أمرأً رهطه بالشام ... البيت.
أراد: ومنزله برمل يبرين، وكذلك أضمرها الراجز في قوله:
стр. 2627
لما رأيت نبطاً أنصاراً ... شمرت عن ركبتي الإزارا
كنت لها من النصارى جاراً
أراد: وكنت. انتهى، وأعاده في المجلس الرابع والأربعين.
والبيت من قصيدة مدح بها بغيض بن عامر بن شماس بن لأي بن جعفر وهو أنف الناقة، ويعرض بالزبرقان بن بدر وهو ابن عم بغيض، ومطلع القصيدة، وهو من الشوهد:
طافت أمامة بالركبان آونة ... يا حسنه من قوام ما ومنتقبا
إلى أن قال بعد سبعة أبيات:
قالت أمامة لا تجزع فقلت لها .. ز إن العزاء وإن الصبر قد غلبا
هلا التمست لنا إن كنت صادقة ... مالاً نعيش به في الحرج أو نشبا
حتى نجازي أقواماً بسعيهم ... من آل لأي وكانوا سادة نجبا
إن امرأً رهطه بالشام ... البيت.
أمامة، بالضم: بنت الحطيئة، وغلب، بالبناء للمفعول، والحرج، بفتح الحاء المهملة وآخره جيم: اليمامة، والنشب: العقار، وقال شارح ديوانه: هو المال القليل، والنجبا، واحدة نجيب، قصر للضرورة.
وقوله: إن امرأً، البيت .. قال شارح ديوانه: أي: بناحية الشام، ومنازل
стр. 2628
بني عبس شرج والقصيم والجوى وهي أسافل عذبة، وكان الحطيئة جاور بغيض ابن شماس برمل يبرين، ورمل يبرين لبني سعد، وقيل: أراد هو بالشام، ومنزله برمل يبرين، قال: ويبرين من بلاد بني تميم، فأضمر الواو، ثم قال: شد ما اغتربا، يقول: هو جار لقوم، أي: تباعد من أهله. انتهى كلامه. والجار: الذي يجاور بيت بيت، والحليف والنزيل، وروى بالرفع على أنه خبر "إن"، وجملة التعجب صفه له بإضمار القول، وروي بالنصب على أنه حال من الهاء في منزله لصحة سقوط المضاف، أو حال من ضمير الظرف على التجوز أو تمييز من نسبة المنزل إلى رمل يبرين، وعلى هذه الثلاثة جملة التعجب هي الخبر لإن، وجملة" رهطه بالشام": صفة لامريء، وقوله: شد ما اغتربا فحذف ما التعجبية والهمزة من "أشد" لضرورة الشعر، وما مصدرية، أي: ما أشد اغترابه، ومثله لجرير:
فقلت للركب إذ جد المسير بنا ... يا بعد يبرين من باب الفراديس
وباب الفراديس: باب من أبواب الشام، فقال ابن السكيت: ويبرين: اسم رمل، ورد عليه علي بن حمزة البصري بأنه ليس كذلك، إنما يبرين اسم موضع ينسب الرمل إليه، فيقال: رمل يبرين، كما يقال: رمل عالج، وعالج: جبل. انتهى.
وقال ياقوت في "معجم البلدان": أبرين: لغة في يبرين، قال أبو منصور: هو اسم قرية كثيرة النخل والعيون العذبة بحذاء الأحساء من بني سعد بالبحرين، وهو واحد على بناء الجمع حكمه كحكمه في الرفع بالواو، وفي الجر والنصب بالياء، وربما أعربوا نونه، وجعلوه بالياء على كل حال. انتهى.
стр. 2629
وقال شارح ديوان القطامي: رمل يبرين لبني عوف بن سعد بن زيد مناة بن تميم، ثم لبنى أنف الناقة منهم، به نخل ومياه، وهو على ثلاث مراحل من الفلج، وبينه وبين هجر والأحساء مرحلتان.
وتقدمت ترجمة الحطيئة في الإنشاد الخامس والسبعين بعد المائتين.
وأنشد بعده:
من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله مثلان
وتقدم في الإنشاد الثمانين.
وأنشد بعده:
نصف النهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب لا يدري
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الخامس والأربعين بعد السبعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والستون بعد الثمانمائة:
(٨٦٧) وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة ... عشية لاقينا جذام وحميرا
هو أول أبيات أوردها أبو تمام في "الحماسة" لزفر بن الحارث الكلابي وبعده:
فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسرا.
ولما لقينا عصبة تغلبية ... يقودون جرداً للمنية ضمرا
سقيناهم كأساً سقونا بمثله ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
стр. 2630
قوله: وكنا حسبنا .. إلخ، قال التبريزي في شرحه، أي: كنا نطمع في أمر، فوجدناه على خلاف ما كنا نظن، وهذا من قولهم في المثل: "ما كل بيضاء شحمة" ومثله: "ما كل سوداء تمرة"، ومعناه: ليس كل ما أشبه شيئاً يكون ذلك الشيء وجذام، بضم الجيم وإعجام الذال قبيلة من اليمن غير منصرف للعلمية والتأنيث، واسمه عمرو، يقال: إنهم يسمون بهذه الأسماء الفظيعة لتكون لعدوهم كالطيرة، فسموا بالجذام، هذا الداء، وبغيظ وحنظلة ومرة ونحو ذلك، وإنما أخذ الجذام من الجذم، وهو القطع، وحمير: قبيلة من اليمن أيضاً، والمعنى: إننا ظننا أن سبيل هاتين القبيتين كسبيل سائر الناس لما التقينا معهم بأنا نقهرهم قهراً قريباً، ثم وجدناهم بخلافه.
وقوله: فلما قرعنا النبع .. إلخ، النبع: شجر صلب ينبت بالجبال تعمل منه القسي، ومن الأمثال: "النبع يقرع بعضه بعضاً" فضربه مثلاً لهم ولأعدائهم، وبعضه: بدل من النبع، وضمير عيدانه للنبع، قال أبو العلاء المعري: لم يقل إلا عيدانهم، يعني الذين حاربوه، لأنه قد شهد لهم بالصبر. يقول: لما قرعنا أصلهم بأصلنا أبت العيدان من التكسر، يعني أن كلاً منا أبى أن ينهزم عن صاحبه، والعيدان مثل الرجال، والنبع مثل الأصل. والشاعر اعترف بأن أصلهم نبع كما أن أصله نبع.
وقوله: تغلبية، بفتح اللام وكسرها: نسبة إلى تغلب، بفتح المثناة الفوقية وسكون العين المعجمة وكسر اللام: قبيلة من اليمن، وهو تغلب بن حلوان بن عمران ابن إلحاف بن قضاعة، وليس ما هنا نسبة إلى تغلب بن وائل، لأن الظفر في يوم
стр. 2631
مرج راهط، كان لكلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان، وليس لتغلب بن وائل هناك مدخل، واللام في قوله: "للمنية" متعلقة بيقودون، أو بضمر. والجرد: جمع أجرد وجرداء، وهو القصير الشعر من الخيل.
وقوله: سقيناهم كأساً .. إلخ، شهد لهم بالغلبة، واعترف بأنهم أهل صبر، وقوله: أصبر، أي: أصبر منا.
وكانت وقعة مرج راهط، في آخر سنة أربع وستين من الهجرة، وكان من خبرها أن بني أمية لما استخلفوا مروان بن الحكم بعد موت يزيد بن معاوية كان الضحاك بن قيس الفهري يدعو لابن الزبير، فجمع مروان كلباً وغسان والسكاسك والسكون، وتحارب مع الضحاك بمرج راهط عشرين ليلة، ثم قتل الضحاك، وهرب أصحابه، منهم زفر بن الحارث الكلابي قائل هذه الأبيات، وزفر شاعر فارس من الأمراء، وكان سيد قومه.
وأنشد بعده:
حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صلي
وتقدم شرحه في الإنشاد السابع والثمانين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والستون بعد الثمانمائة:
(٨٦٨) فقلت يمين الله أبرح قاعداً ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
أي: لا أبرح قاعداً، فـ "لا" حذفت من جواب القسم باطراد، وروي:
فقلت يمين الله ما أنا بارح
стр. 2632
فلا شاهد فيه، وروي أيضاً:
فقلت لها تالله أبرح قاعداً
و"يمين الله" روي مرفوعاً ومنصوباً، أما الرفع: فعلى الابتداء، والخبر محذوف، أي: لازمي ونحوه، وأما النصب، فعلى أن أصله: أحلف بيمين الله، فلما حذفت الباء، وصل فعل القسم إليه بنفسه، ثم حذف فعل القسم، وبقي منصوباً، وأنشده سيبويه بالرفع، وقال: هكذا سمعناه من فصحاء العرب، والأوصال: المفاصل، وقيل: مجتمع العظام جمع: وصل، بكسر الواو وضمها، وهو كل عظم لا ينكسر ولا يختلط بغيره.
والبيت من قصيدة لامرئ القيس، وقبله:
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال
فقالت سباك الله إنك فاضحي ... ألست ترى السمار والناس أحوالي
وتقدمت ترجمته في الإنشاد الرابع.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والستون بعد الثمانمائة:
(٨٦٩) فإن شئت آليت بين المقا ... م والركن والحجر الأسود
نسيتك ما دام عقلي معي ... أمد به أمد السرمد
قال ابن مالك في "التسهيل": وقد يحذف نافي الماضي إن أمن اللبس، وقال في شرحه بعد البيتين، أراد: لا نسيتك فحذف النافي، لأن المعنى لا يصح
стр. 2633
إلا بتقديره، وأنه لو أراد الإثبات، لقال: لقد نسيتك، أو لنسيتك، وهذا النوع مع ظهور المعنى دون تقدم نفي آخر على القسم قليل. انتهى.
وقال أبو حيان في "شرح التسهيل": وقال بعض أصحابنا: إن دخلت على لفظ الماضي نحو قولك: والله لا فعلت هذا أبداً، لم يجز حذفها إلا في ضرورة. انتهى.
والبيتان من شعر أورده السكري لأمية بن أبي عائذ الهذلي في آخر أشعار الهذليين، وهي:
أفاظم حييت بالأسعد ... متى عهدنا بك لا تبعدي
تصيفت نعمان واصيفت ... جنوب سهام إلى سردد
كأن بعيني إذا أطرقت ... حصاة تحثحث بالمرود
فإن شئت آليت بين المقا ... م والركن والحجر الأسود
نسيتك ما دام عقلي معي ... أمد به أبد السرمد
تبارك ذو العرض ماذا نوى ... من الحسن في جانب المسجد
قوله: أفاطم: الهمزة للنداء، وحييت: بالبناء للمفعول جملة دعائية، أي: حياك الله، وهو من التحية، وهو البقاء، والأسعد: جمع سعد، وقوله: متى عهدنا بك، جملة استفهامية، أي: متى كان اجتماعنا بك، يقال: عهدته بمكان كذا، أي: لقيته وهو قريب العهد بكذا، أي: قريب العلم والحال، وجملة لا تبعدي دعائية، وقوله: تصيفت نعمان ... البيت الأول بالتكلم، والثاني بالغيبة، أي: أقمت مدة الصيف في نعمان، وأقامت مدة الصيف في جنوب تهام، ونعمان، بفتح النون، يقال له: نعمان الأراك: واد بين مكة والطائف ويخرج إلى عرفات، وقال الأزهري: نعمان اسم جبل بين مكة والطائف وهو وج الطائف. وجنوب، بفتح الجيم وضم النون: موضع، وسهام، بفتح السين المهملة: اسم
стр. 2634
واد، وسردد بمهملات، بضم الأول والثالث: ولاية قصبتها المهجم من أرض ربيد، وأطرقت: مصدره الإطراق، وهو استرخاء في الجفون، وتحثحثت: أصله تتحثحث بتائين: تتحرك وتدخل، وآليت: حلفت، والمقام: هو مقام إبراهيم ﵇، وأمد بالميم: أزيد، وضمير "به" لدوام العقل، أي: أصل بدوام عقلي أبد السرمد، وأبد بالباء الموحدة لا بالميم، كذا في نسخة القاري من "أشعار الهذليين" وهي نسخة صحيحة مضوبطة غاية الضبط، تاريخ كتابتها يزيد على سبعمائة سنة. والأبد: الدهر الطويل الذي ليس بمحدود، قال الرماني: إذا قلت: لا أكلمه أبداً، فالأبد من لدن تكلمت إلى آخر عمرك، والسرمد: كجعفر، قال الأزهري عن الزجاج: دوام الزمان من ليل ونهار، والسرمد: الدائم، ونوى بالنون: قصد وأراد.
وأمية بن عائذ، بالهمزة والذال المعجمة، شاعر مخضرم كما في "الإصابة" لابن حجر، وقال صاحب "الأغاني": إنه من شعراء الدولة الأموية ومداحهم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السبعون بعد الثمانمائة:
(٨٧٠) فلا والله نادى الحي قومي
قال أبو حيان في "شرح التسهيل"، وقوله: ويكثر ذلك لتقدم نفي على القسم، أي: ويكثر حذف نافي الماضي كقوله:
فلا والله نادى الحي ضيفي ... هدواً بالمساءة والعلاظ
стр. 2635
أي: فلا والله لا نادى فحذف النافي استغناء عنه بالأول. انتهى، وهو من قصيدة طويلة للمتنخل الهذلي، أوردها السكري في "أشعار الهذليين"، وقال في شرحه: أراد: لا والله لا ينادى الحي ضيفي هدوءاً، أي: بعد ساعة من الليل، بالمساءة: مصدر سؤته سوءاً، والعلاط، بالعين المهملة، يقال: علطه بشر: إذا وسمه ولطخه به، والعلاط، أصله: وسم في عنق البعير، ومعناه: لا وأبيك ما نادى الحي، فأضمر "ما". انتهى. وبعده:
سأبدأهم بمشمعة وأثني ... بجهدي من طعام أو بساط
قال السكري: بمشمعة: بمزاح وضحك، يقال للرجل: قد شمع، أي: مزح ولعب، وأثنى، أي: أتبع من طعام وتبسط لهم، يقول: ألقاه ضاحك السن، أي: اجتهد لهم، وسمعت مرة شيخاً عالماً بشعر هذيل يقول البسطة: الدهن، دهنه في بسطة راحته، يقال: أعطني بسطة من دهن، يقول: أطعمهم وأدهنهم، وفي رواية: "من لحاف أو بساط"، ولحاف: طعام، يقول: يأكلون فيشبعون، فهو لحافهم، يقول: أكل الضيف فنام فهو لحافه، ويقال للبين إذا ذهبت الرغوة عنه: قد صقل كساءه، أنشد رجل من أهل البصر:
فبات لنا منها وللضيف موهناً ... لحاف ومصقول الكساء رقيق
انتهى. رجعنا. وقوله: فلا والله، روي: فلا وأبيك، وقوله: نادى الحي، أي بعضهم. وهدوءاً: ظرف لنادى، لأن غالب ضيوف العرب، إنما يجيئون بعد دخول الظلام وفي "المصباح"، هدأ القوم والصوت يهدأ مهموز وبفتحتين هدوءاً:
стр. 2636
سكن. انتهى. والباء متعلقة بـ "نادى" أيضاً، وقوله: سأبدأهم: السين للتوكيد، ومشمعة، بالشين المعجمة والعين المهملة مصدر ميمي، وبساط: جمع بسطة، كجعاب جمع جعبة. وتقدمت ترجمة المتنخل الهذلي في الإنشاد الواحد والسبعين بعد الخمسمائة. وقال السيوطي: تمام المصراع الشاهد:
طوال الدهر ما دعي الهديل
أي: لا يطمعون في مشاركتي، ولا في تحويل الضيف عني، والبيت من مقطوعة لأبي أسامة الجشمي، أولها:
وهادية قعدت لها سبيلاً ... فجاءت وهي نافرة تجول
هذا ما أورده، وليس في البيت الشاهد ذكر الضيف، فكان ينبغي أن ينبه أولاً بقوله: صوابه: "فلا والله نادى الحي ضيفي".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والسبعون بعد الثمانمائة:
(٨٧١) وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم ... تلاقونه حتى يؤوب المنخل
قال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": ومنه إضمار "لا" النافية في غير الداخلة على الفعل المستقبل في جواب القسم نحو قول النمر:
وقولي إذا ما أطلقوا ... .. البيت
стр. 2637
يريد: لا تلاقونه، وقو لأبي ذؤيب:
وأنسى نشيبة والجاهل المغمر يحسبه قد نسي
يريد: ولا أنسى نشيبة، وهو ابن عمه، وقول الآخر:
تنفك تسمع ما حييت بهالك حتى تكونه
ومما حذف منه أيضاً ضرورة في غير الفعل قول أوس:
حتى إذا الكلاب قال لها ... كاليوم مطلباً ولا طلباً
يريد: لا كاليوم، وقول الآخر:
رأيتك يا ابن الحارثية كالتي ... صناعتها أبقت ولا الوهي ترقع
يريد: لا صناعتها أبقت. انتهى.
وقدره بعضهم في بيت الكلاب كذا: لم أر كاليوم مطلوباً مطلباً ولا طلبا
وقال أبو حيان في تذكرته: قد حذفت "لا" في بعض أشعارهم، وأجاز يونس: كاليوم رجلاً أفضل، فحذف لا، وأنشد أبيات ابن عصفور، وزاد قول أبي النجم:
стр. 2638
أوصيك أن يحمدك الأقارب ... ويرجع المسكين وهو خائب
كأنه قال: وأن لا يرجع، وقول خداش بن زهير:
وأبرح ما أدام الله قومي ... بحمد الله منتطقاً مجيداً
كأنه قال: ولا أربح، وجميع هذا عند ابن مالك مما حذف منه القسم و "لا".
قال أبو حيان في "شرح التسهيل" ومثال حذف لا والقسم محذوف قوله: وقولي إذا ما أطلقوا .. البيت، أراد: والله لا تلاقونه. إلا أنه لا يجوز حذفها والقسم محذوف إلا إذا كان المعنى لا يصح إلا بتقدير النفي، كالذي أنشدناه، وقال بعض أصحابنا: لا يجوز حذفها منه، أي: حذف "لا" من المضارع في غير القسم إلا في ضرورة، لأنه لا يوجد فيه من كثرة الاستعمال والتفرقة اللازمة بين الإيجاب والنفي ما يوجد في القسم، ومما جاء من ذلك قول النمر بن تولب:
وقولي إذا ما أطلقوا ... .. البيت
يريد: لا تلاقونه، وقول الآخر:
تنفك تسمع ما حييت .. .. البيت
يريد: لا تنفك. انتهى. فلم تجعل تلاقونه، ولا تنفك جواب قسم محذوف.
انتهى كلام أبي حيان.
والبيت من قصيدة للنمر بن تولب الصحابي، وتقدم أبيات من أولها في الإنشاد الرابع بعد الأربعمائة، وهذه أبيات من آخرها:
стр. 2639
لعمري لقد أنكرت نفسي ووابني ... مع الشيب أبدالي التي أتبدل
فضول أراها في أديمي بعدما ... يكون كفاف اللحم أو هو أجمل
كأن محطاً في يدي حارثية .. صناع علت مني به الجلد من عل
دعاني العذارى عمهن وخلتني ... لي اسم فلا أدعى به وهو أول
وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم .. البيت
فيحضي قريباً غير ذاهب غربة ... وأرسل أيماني ولا أتحلل
وظلعي ولم أكسر وإن ظعينتي ... تلف بنيها في الدثار وأعزل
وكنت صفي النفس لا أستزيدها ... فقد كدت من إقصاء جنبي أذهل
ويطوي عن الداعي فلست بآخذ ... إليه سلاحي مثل ما كانت أفعل
تدارك ما قبل الشباب وبعده ... حوادث أيام تمر وأغفل
يود الفتى طول السلامة والبقا ... فكيف ترى طول السلامة يفعل
يود الفتى بعد اعتدال وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل
قال أبو حاتم في كتاب "المعمرين": عاش النمر بن تولب مائتي سنة حتى أنكر بعض عقلة، فقال في ذلك هذه الأبيات، والريب: الشك، يقال: رابني فلان: إذا رأيت ما يريبك وتكرهه، وأبداله: هي الشيب بعد الشباب، والضعف بعد القوة، والهزال بعد السمن، والقسم بعد الصحة.
وقوله: فضول أراها، أي: أبدال فضول، يقول: إن جلدي وأديمي
стр. 2640
كان ممتلئاً لحماً، فذهب اللحم، وتقدد الجلد، والمفضل عليه محذوف، أي: أو هو أجمل من الكفاف، والكفاف بالكسر: ما يكف عن طلب الزيادة.
وقوله: كأن محطاً .. إلخ، وصف بدنه في أيام شبابه في الحسن واللين والنعومة، والمحط بكسر الميم وفتح الحاء المهملة: حديدة يصقل بها الجلد ليلين ويحسن، يقول: كان جلدي وأنا شاب كأنه مصقول لامتلائه باللحم والشحم، وكان النساء الحارثيات يجدن الصقل، ولذا خصها بالذكر. والصناع بفتح الصاد، يقال: امرأة صناع اليدين حاذقة، أي: ماهرة بعمل اليدين، ورجل صنيع اليدين وصنع اليدين، بكسر فسكون، وصنع اليدين، بفتحتين، أي: حاذق ماهر، ومن عل، أي: ومن فوق جلدي، فحذف المضاف إليه، وبني المضاف على الضم.
وقوله: دعاني العذارى .. إلخ، أي: الأبكار، ويروى: "الغواني" جمع غانية، وهي التي استغنت بحسنها عن الزينة، وهذا على منوال ما حكى سيبويه عن بعض العرب: "قال فلانة" بدون تأنيث الفعل، مع أنه مسند إلى حقيقي التأنيث، والدعاء هنا بمعنى التسمية، ولهذا تعدى إلى مفعولين، أحدهما الياء، والثاني عمهن، وهذا ما أنكره ثانياً، يعني: وأنكرت أيضاً دعاء العذارى إياي عمهن، وتركهن اسمي الذي كنت أدعى به وأنا شاب، وروى أبو حاتم في كتاب "المعمرين":
وتسميتي شيخاً وقد كان قبله
وروى أبو علي "دعاء العذارى" فيكون منصوباً بأنكرت مقدراً، أو بتقدير واو العطف بدليل ما بعده، ويكون المفعول الأول أيضاً محذوفاً كما قدرناه. وهذا البيت استشهد به في "شروح الألفية" على أن "خال" فيه بمعنى تيقن، والمعنى:
стр. 2641
تيقنت في نفسي أن لي اسماً متقدماً على اسمهن فلا أدعى به، وجملة "لي اسم" هو المفعول الثاني لـ "خلت"، وأول بمعنى متقدم.
وقوله: وقولي إذا ما أطلقوا .. إلخ، هو معطوف على بدالي، أي: ورابني قولي .. إلخ، ومقوله هو: تلاقونه على تقدير "لا" النافية المحذوفة، أي: لا تلاقون البعير بعد إطلاقكم إياه حتى يعود المنخل، وهذا القول في نفس الأمر مما يريب، فإنه يدل على ذهول عقل وخرف، فإن البعير إذا أطلق ليس في إمساكه جهد عظيم. والمنخل على صيغة اسم المفعول، قال ابن الأعرابي: هو ابن الحارث بن قبيس بن عمرو بن ثعلبة بن عدي بن جشم بن حبيب بن كعب [بن يشكر]: شاعر مقل من شعراء الجاهلية كان النعمان بن المنذر قد اتهمه بامرأته المتجردة، وقيل: وجده معها، وقيل: بل سعى إليه في أمرها، فقتله، وقيل: حبسه، ثم غمض خبره فلم تعلم له حقيقة إلى اليوم، فيقال: إنه دفنه حياً، وقيل: غرقه، والعرب تضرب به المثل كما تضرب بالقارظ العنزي وأشباهه ممن هلك ولم يعلم له خبر. وقال ابن الجصاص: عمرو بن هند هو الذي قتل المنخل، فإنه كان يتهم بامرأته، والله أعلم.
وقوله: فيضحي قريباً .. إلخ، الفاء للتفريع والسببية، وفاعله ضمير البعير، والغربة: بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة بعدها باء موحدة، بمعنى البعد، أي: البعير الذي أطلقوه يصير قرياً منهم، ولا يذهب ذهاب بعد، ومع ذلك فأنا أذهل وأقول لهم ذلك القول، وقوله: وأرسل أيماني .. ألخ، معطوف على يضحي،
стр. 2642
أي: أطلق أيماني ولا أقيدها باستثناء، ولا أتحلل، معناه: لا أستثني بأن أقول: إلا أن يشاء الله.
وقوله: وظلعي .. إليخ، هو معطوف أيضاً على أبدالي، أي: ورابني أيضاً ظلعي، وهو العرج الخفيف، والحال أنني لم أقع من موضع فأنكسر، وإنما عرجي من الكبر. وقوله: وإن ظعينتي، هو معطوف على أبدالي أيضاً، والظعينة: الزوجة، والدثار: ما كان من الثياب فوق الشعار، والشعار: ما لاصق الجلد منه، وأراد به الغطاء كاللحاف والبردة، أي: ومما رابني أن زوجتي تستخف بي فتغطي أولادها دوني.
وقوله: وكنت صفي النفس .. إلخ، الصفي: العزيز المختار، أي: كنت عندها عزيزاً لا أطلب منها زيادة لما كانت تجاملني وتخدمني، والآن صرت أذهل عنها لكثرة ما تبعدني عن ناحيتها.
وقوله: ويطوي عن الداعي: هو معطوف على أبدالي، والداعي: المستغيث.
وقوله: يود الفتى .. إلخ، قصر البقاء ضرورة، ويروى في نسخة قديمة: الغنى بدله، فلا ضرورة، أي: إن الإنسان بعد اعتدال قامته وصحته في زمن الشباب يكون غاية أمنيته في الشيخوخة أن يقدر على القيام بمشقة، ويحمل، أي: يمسك بيده حتى ينهض، يقال: ناء ينوء: إذا قام مثقلاً، وقوله: يود الفتى طول السلامة، هذا المعنى تداوله الناس قديماً وحديثاً، قال حميد بن ثور:
أرى بصري قد رابني بعد صحة ... وحسبك داء أن تصح وتسلما
وقال بعض شعراء الجاهلية:
стр. 2643
كانت قناتي لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء
ودعوت ربي بالسلامة جاهداً ... ليصحني فإذا السلامة داء
وفي معناه قول الخيمي من المتأخرين:
إذا كان موت المرء إفناء عمره ... ففي موته من يوم يولد يشرع
وما أحسن قول أسامة بن منقذ الكناني:
لا تحسدن على البقاء معمراً ... فالموت أيسر ما يؤول إليه
وإذا دعوت بطول عمر لامرئ ... فاعلم بأنك قد دعوت عليه
وأحسن من الجميع قوله ﷺ : "كفى بالسلامة داء" فإنه أوجز واسلس، وأرشق مما تقدم.
ومثل قوله: "حتى يؤوب المنخل" قولهم في الآمثال: "لا آتيك حتى يؤوب ابن مندله"، وقد شرحه ابن الأثير في "المرصع" فقال: ابن مندلة: هو أحد رؤساء العرب واسمه الحارث، وكان من ملوك الشام يضرب به المثل في التأبيد، قال مالك بن جوين الطائي:
فأقسمت لا أعطي مليكاً ظلامة ... ولا سوقة حتى يؤوب ابن مندله
стр. 2644
وذلك أنه أغار على حجر بن الحارث آكل المرار على عهد بهرام جور، فاستاق ماله وأهله وامرأته هند الهنود، فلما بلغه الخبر وكان غازياً، تتبع ابن مندلة بعد ثمان، فلحقه وقتله، واستعاد أهله وماله.
تتمة: أنشد المصنف بعد هذا البيت بيتين من ألفية ابن معطي لجواز حذف "لا" و"ما" من جواب القسم، قال شارحه أبو العباس أحمد بن الحسن بن أحمد ابن أبي المعالي الشهير بابن الخباز، وهو شرح مختصر: وما رأيت في كتب النحو إلا حذف "لا"، وقد ذكر يحيى، يعني ابن معطي ناظم الألفية حذف "ما"، وقال لي شيخنا: لا يجوز، لأن التصرف في "لا" أكثر من التصرف في "ما". انتهى. وحكى الجواز عن جماعة أبو عبدالله محمد بن أحمد بنم محمد الشهير بالشريشي في شرح ألفية ابن معطي قال: واعلم أن جمهور النحويين المتقدمين يقولون: لا يحذف من الجواب إلا "لا" دون "ما"، وذهب الجرجاني إلى جواز حذف "ما"، وتبعه على ذلك ابن الدهان، وقال: لا أرى للصروف عنه وجهاً إلا قلة الاستعمال أو احتراماً لـ "ما" الحجازية عن الحذف، وظاهر كلام أبي زكريا الناظم موافقتهما، لأنه ذكر حذف الحرف بعد ذكرهما ولم يفصل بينهما، وإن كان إنما مثل بـ "لا". قال الجرجاني: والذي سوغ حذف هذين الحرفين تصرفهم فيهما بالزيادة، فجعلوا حذفهما تقابلاً لزيادتهما: فكما ساغ زيادتهما، ساغ حذفهما، وقال الآخرون: إنما سوغ حذف "لا" في القسم أنها تحذف في غير القسم كثيراً، ومن ذلك قول الشاعر:
وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم ... البيت
أي: لا تلاقونه، وقيل في قول الله : (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا) [النساء/ ١٧٦]، إن "لا" منه محذوفة تقديره: أن لا تضلوا، فلما ساغ حذفها في غير القسم وكثر، كان في القسم الذي هو موضع الحذف والاختصار أسوغ،
стр. 2645
ولا كذلك "ما"، وقال أبو الحسن بن خروف: يجوز حذف "ما" كما جاز حذف "لا"، لأن المسوغ لحذف "لا" إنما هو الاختصار، وأمن اللبس، وهو موجود في "ما". إلى هنا كلام الشريشي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والسبعون بعد الثمانمائة:
(٨٧٢) فوالله ما نلتم وما نيل منكم ... بمعتدل وفق ولا متقارب
قال أبو حيان في "شرح التسهيل" أراد: ما نلتم، فحذف "ما" النافية، وأبقى "ما" الموصولة، وجاز ذلك لدخول الباء الزائدة على الخبر، ولدلالة العطف، ويجوز على مذهب الكوفيين أن تكون "ما" الباقية النافية، والمحذوفة الموصولة، ولا يجوز هذا على مذهب البصريين ونصوص أصحابنا على أن "ما" و"إن" النافية إذا دخلتا على الجملة الإسمية لا يجوز حذف واحد منهما، فلا يجوز في: والله ما زيد قائم، ولا والله إن زيد قائم أن تقول: والله زيد قائم. انتهى.
وحكى السمين في باب الموصول من "شرح التسهيل" أن المصنف جوز حذف اسم الموصول، واستدل له بقول حسان:
أمن يهجو رسول الله منكم .. البيت
وبقول عبد الله بن رواحة:
فالله ما نلتم ... البيت
أراد: ما الذي نلتم، وما الذي نيل منكك. انتهى. وقال الدماميني: يحتمل أن
стр. 2646
يجعل قوله بمعتدل مفعولاً به، والباء زائدة، وما المذكور نافية في الموضعين، والفعلان تنازعا، وحذف المفعول من أحدهما، فلا يحتاج إلى تقدير "ما"، لا نافية ولا موصولة. انتهى. وهو جيد، وقوله: ما نلتم أراد من النيل الإصابة في الحرب من القتل والتجريح، وهو خطاب للمشركين، والمعتدل: المعادل، والوفق: الموافق، يقول: إن ما أصبتم منا في الحرب ليس يعادل ما أصبنا منكم فيها. بل إصابتنا فيكم أشنع وأهول.
والبيت من شعر لعبد الله بن رواحة الأنصاري الصحابي ﵁، وتقدمت ترجمته في الإنشاد السادس والتسعين بعد الستمائة.
وأنشد بعده:
إلا من مبلغ عني تميماً ... بآية ما يحبون الطعاما
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثاني والستين بعد الستمائة.
وأنشد بعده:
بآية يقدمون الخيل شعثاً ... كأن على سنابكها مداما
وتقدم في الإنشاد الستين بعد الستمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والسبعون بعد الثمانمائة:
(٨٧٣) ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله
وصدره:
فلم أر مثلها خباسة واحد
стр. 2647
أنشده سيبويه لعامر بن جوين الطائي، وقال: حملوه على "أن" لأن الشعراء قد يستعملون "أن" مضمرين كثيراً. انتهى.
قال ابن خلف: الشاهد فيه نصب "أفعله" بإضمار أن، لأن هذا الموضع قد تدخله "أن"، وإن لم يكن دخولها عليه قوياً، وشبه "كاد" بـ "عسى". انتهى. وأحسن منه قول الأعلم: الشاهد فيه نصب أفعله بإضمار "أن" ضرورة، ودخول "أن" على كلمة لا يستعمل في الكلام، فإذا اضطر الشاعر، أدخلها عليها تشبيهاً لها بـ "عسى"، لاشتراكهما في معنى المقاربة، فيما أدخلوها بعد "كاد" في الشعر ضرورة توهمها هذا الشاعر مستعملة، ثم حذفها ضرورة هذا تقرير كلام سيبويه، وقد خول فيه، لأن "أن" مع ما بعدها اسم فلا يجوز حذفها، وحمل الراد الفعل على إرادة النون الخفيفة وحذفها ضرورة، والتقدير عنده: بعد ما كدت أفعلنه، وهذا التقدير أيضاً بعيد، لتضمنه ضرورتين وهما أدخالها في الواجب، ثم حذفها، فقول سيبويه أولى، لأن "أن" قد أتت في الأشعار محذوفة كثيراً. انتهى. وهذا مذهب أبي الحسن الأخفش حكاه عنه المازدني قال ابن خلف: قال أبو جعفر: سمعت محمد بن الوليد يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: سمعت المازني يقول: أخبرني أبو إسحاق الزيادي عن الفراء في قوله:
بعد ما كدت أفعله
قال: أراد أفعلها، فلما اضطر حذف الألف، وفتح اللام ليدل على أنه قد حذف الألف، لأن الفتحة من جنس الألف، وهذا القول عند أبي الحسن غير مرضي، لأنه كان يجب أن تكون الفتحة على الهاء، لأنها تلي الألف، ولم تحذف حركة الإعراب، وأيضاً قال: الاسم "ها" فيحذف بعض الاسم، وايضاً فإنه
стр. 2648
يلتبس المؤنث بالمذكر، والقول في هذا أنه أراد النون الخفيفة، أي: أفعلنه، ثم حذف النون لما اضطر، وأنشد أبو الحسن:
اضرب عنك الهموم طارقها .. البيت
أراد: إضربن عنك، وأنكر أبو إسحاق أن يكون معنى أفعله على النون الخفيفة. انتهى كلام ابن خلف، وقول أبي الحسن كان يجب أن تكون الفتحة على الهاء لأنها تلي الألف، أقول: الألف ساكنة وضعاً، فأي فتحة لها حتى تنقلب إلى هاء؟ ! وإنما نقلت فتحة الهاء إلى اللام بعد حذف حركتها لتكون الفتحة دليلاً على الألف المحذوفة، وكون الألف بعض الاسم ليس كذلك. قال أبو علي في "الحجة": وأما ثبات الألف في ضمير المؤنث المفرد، فليس بدال على أنه من نفس الكلمة، وإنما أحلقت للفصل بين التأنيث والتذكير كما ألحقت السين أو الشين في الوقف قي قولهم: أكرمتكس وأكرمتكش، في بعض اللغات لذلك، فكما أنها ليسا مع الكاف كلمة واحدة، وإنما الأصل الكاف، ولحق هذان الحرفان للفصل بين التأنيث والتذكير، كذلك الألف اللاحقة لهاء الضمير في التأنيث، وقد يكون من الزوائد ما يلزم، فلا يحذف نحو نون منطلق، ونحو الألف المبدلة من التنوين في النصب في أكثر اللغات على أن ناساً أجازوا حذف هذه الألف في الوقف، قال أبو عثمان: أخبرني أبو محمد التوزي، قال: أخبرني الفراء، قال: قال: قوله:
ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله
أراد: بعد ما كدت أفعلها، يعني: الخصلة، فحذف الألف، وطرح حركة الهاء على اللام، قال: ومن كلام أهل بغداد الكسائي والفراء: "نحن جئناك به" طرح حركةالهاء على الباء، وهو يريد: "نحن جئناك بها"، وهذا الذي حكاه أبو عثمان ليس بالمتسع في الاستعمال، ولا المتجه [في القياس]، وذلك أن حركة الحرف
стр. 2649
التي هي له، أولى من المجتلبة، يدل على ذلك أن منألقى حركة الحرف المدغم على الساكن الذي قبله في نحو: "استعد" إذا أمر، فقال: امتد، واعتد، أقر الحركة التي للحرف فيه، ولم يحذفها ويلقي على الحرف حركة الحرف المدغم، فذلك الحركة التي هي الكسرة من به أولى به من نقل حركة الموقوف عليه، إلى هنا كلامه. وبعده كلام متصل به تركناه، وعلم مما نقلنا بأن القائل: أصله أفعلها، إنما هو الفراء، لا المبرد كما زعمه المصنف، والبيت من أبيات أوردها أبو محمد الأعرابي الأسود في "فرحة الأديب" قال: وهذه الأبيات قالها عامر بن جو بن الطائي في هند أخت امرئ القيس بن حجر لما هرب من النعمان بن المنذر، ونزل عليه، فأراد عامر الغدر به، فتحول عنه، وهي:
أأظعان هند تلكم المتحملة ... لتحزنني أم خلتي متدلله
فما بيضة بات الظليم يحفها ... فيفرشها وحفاً منالريش مخمله
ويجعلها بين الجناح ودفه ... إلى جؤجؤ جاف بميثاء حومله
بأحسن منها يوم قالت وأعرضت ... تبدل خليلي إنني متبدله
ألم تر ما بالجزع من ملكانه ... وما بالصعيد من هجان مؤبله
فلم أر مثلها خباسة واحد ... ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله
انتهى قوله: أأظعان هند، الهمزة للاستفهام من قبيل تجاهل العارف، والخلة بالضم: مصدر بمعنى الصداقة، وأطلق على الوصف مبالغة، والظليم:
стр. 2650
النعام، ويحفها: يسترها، والوحف: الجناح الكثير الريش بفتح الواو وسكون الحاء المهملة، والمخملة بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الميم: وهو الشيء الذي له خمل بفتح فسكون، وهو شيء يكون كالقطن والصوف يعلوه، والدف بفتح الدال الجنب، والجؤجؤ بالهمز كقنفذ: الصدر، الميثاء باللتح والمثلثة والمد: الأرض الطيبة السهلة المرملة، وحوملة: اسم مكان، والجزع بكسر الجيم: منعطف الوادي، قال أبو محمد الأسود: ملكان بفتح الميم وكسر اللام: هو جبل من بلاد طيء، كان يقال له: ملكان الروم، لأن الروم كانت تسكنه في الجاهلية مرة. انتهى.
ورواه ابن السيرافي "ملكات" جمع ملكة، وجهله الأسود قال: ولو كان له حياء لما استحستن لنفسه أن يدخلها في مثل هذا التصحيف الشنيع، ولكن لا دواء لمن لا حياء له. انتهى. وتبعه ابن خلف، فقال: ملكات جمع ملكة بين النساء، ومن رواه: من ملكاته كان أحسن وزناً، وألم تر: ألم تعلم، والصعيد: وجه الأرض، والهجان: الإبل الكريمة، والمؤبلة بفتح الباء المشددة: الإبل الكثيرة، وقوله: فلم أرد مثلها، أي: مثل هند، والخباسة بضم الخاء المعجمة بعدها موحدة: الغنيمة، يقول: لم أر مثل هذه الغنيمة غنيمة رجل واحد، وإنما يحوي هذه الغنيمة جيش عظيم، ونهنهت: كففت نفسي عن أخذ هذه الغنيمة بعد ما كدت آخذها، والهاء في أفعله ضمير المصدر، أي: بعد ما كدت أفعل الفعل، وقيل ضمير الغدر المفهوم من المقام، وتقدم خبر هذه الأبيات في الإنشاد الواحد والأربعين بعد المائتين.
وعامر بن جوين الطاي شاعر فارس جاهلي.
وأنشد بعده:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الخامس عشر بعد الستمائة.
стр. 2651
وأنشد بعده:
محمد تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت من شيء تبالا
وتقدم في الإنشاد التاسع والستين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والسبعون بعد الثمانمائة:
(٨٧٤) بمثلك هذا لوعة وغرام
صدره:
إذا هملت يوماً لها قال صاحبي
هو من نتفة ثمانية أبيات أولها:
عليكن يا أطلال مي بشارع ... على ما مضى من عهدكن سلام
ثم دعا للأطلال بالسقيا في بيتين فقال:
علام سألناكن عن أم سالم .. ومي فلم يرجع لكن كلام
هوى لك لا ينفك يدعوك ما دعا ... حماماً بأجراع العقيق حمام
إذا هملت عيني لها ... .. البيت.
الطلل: ما له جرم يبقى في المنزل إذا رحلوا عنه كالأواني المكسورة، والأثفية، وشارع: مكان، ومي: اسم محبوبته، والعهد هنا: زمان إقامتها في المنزل، والعقيق: اسم واد، وهملت: بكت وجرى دمعها، ولها، أي: لأجل الأطلال، وبمثلك الجار والمجرور خبر مقدم، ولوعة: متبدأ مؤخر وهي حرقة القلب، والغرام، العذاب الدائم، وهذا منادى بتقدير "يا".
وترجمة ذي الرمة تقدمت في الإنشاد الرابع والخمسين.
стр. 2652
وأنشد بعده، وهوا لإنشاد الخامس والسبعون بعد الثمانمائة:
(٨٧٥) هذي برزت لنا فهجت رسيسا ... ثم انصرفت وما شفيت نسيسا
هو مطلع قصيدة للمتنبي مدح بها محمد بن زريق الطرسوسي، قال الواحدي: قال ابن جني: يا هذه ناداها، وحذف حرف النداء ضرورة، وقال أبو العلاء المعري: هذي موضوعة موضع المصد وإشارة إلى البرزة الواحدة كأنه يقول: هذه البرزة برزت لنا، كأنه يستحسن تلك البرزة الواحد، وأنشد:
يا إبلي إما سلمت هذي ... فاستوسقي لصارم هذاذ
وطارق في الدجن والرذاذ
يريد: هذها لكرة، وهذا تأويل حسن لا ضرورة فيه، ولا حاجة معه إلى الاعتذار. والرسيس والرس: مس الحمى وأولها، وهو ما يتولد منها منا لضعف، والرسيس: ما رس في القلب من الهوى، أي: ثبت، ومنه قول ذي الرمة:
إذ غير النأي المحبين لم أحد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح
وهذا هو المراد في بيت المتنبي، والنسيس: بقية النفس بعد المرض والهزال، يقول: برزت لنا، فحركت ما كان في قلبنا من هواك، ثم انصرفت ولم تشف بقايا نفوسنا التي أبقيت لنا بالوصال، إلى هنا كلام الواحدي.
стр. 2653
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والسبعون بعد الثمانمائة:
(٨٧٦) يا عمرو إنك قد مللت صحابتي ... وصحابتيك إخال ذاك قليل
على أن ابن مالك أنشده شاهداً على وقوع اسم الإشارة مصدراً مؤكداً للفعل من غير نعته بمصدر. أقول: أنشده في باب "ظن" من "شرح الكافية" التوكيد يدل على الاعتناء بالمؤكد، والإلغاء يدل على عدم الاعتناء بالملغى، فلذلك قبح توكيد ما ألغي من هذه الأفعال، نحو: زيد ظننت ظناً منطلق، فلو أضمر المصدر، أو أشير إلى معناه، اغتفر ذلك نحو: زيد ظننته مقيم، أو ظننت ذلك، ومنه قول الشاعر:
يا عمرو إنك قد مملت صحابتي .. البيت
وإنما اغتفر التوكيد بالضمير واسم الإشارة، لأنهما لا يتنزلان منزلة تكرير الفعل، بخلاف التوكيد بصريح المصدر، فإنه بمنزلة تكرير الفعل فقبح كما قبح تكرير الفعل إذا ألغي. انتهى. فذلك إشارة إلى مصدر إخال.
وأنشده أيضا أبو بكر محمد بن الإشبيلي الشهير بالخفاف في باب "ظن" من شرحه على "الجمل الزجاجية"، أجاز المازني نيابة ذلك مناب مفعولي ظننت، ومفعولي أعلمت الثاني والثالث، فأجاز أن تقول: ظننت ذلك، في جواب من قال: هل ظننت زيداً قائماً. وأشرت بذلك إلى مفعولي ظننت، وكذلك: أعلمت زيداً ذلك، في جواب من قال: هل أعلمت زيداً عمراً منطلقاً؟ فتشير بذلك إلى المفعولين، فأنبته مناب المفعولين، وهو مفرد كما فعلت ذلك في أن واسمها وخبرها، وهي تتقدر بالمفرد، لكونها في المعنى جملة، وأجاز الفراء الإشارة بذاك إلى اثنين، لأن العرب قد تفعل ذلك، قال تعالى: (لاَّ فَارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ)
стр. 2654
[البقرة/ ٦٨]، وهذا عندنا غير جائز، لأن إقامة المفرد مقام المفعولين ليس بقياس وأيضاً، فإن ذلك ليس فيه ما سوغ في أن وموضعها موضع المفعولين من الطول وجريان المفعولين بالذكر في الصلة، فإذا لم يكن ذلك قياساً جعلنا قول العرب: ظننت ذلك إشارة للمصدر، لأن ذلك قد ثبت في مثل قوله تعالى: (ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) [الشورى/ ٤٣]، أي: إن صبره. ومما يدل على فساد مذهبه قول الشاعر:
يا عمرو إنك قد مللت صحابتي .. البيت
فأتى مع ذكر المفعولين بذلك، ولو كان "ذاك" إشارة إلى المفعولين لم يحتج إلى ذكرها مع ذكر المفعولين، وهما صحابتيك، وقليل، فدل ذلك على أن "ذاك" إشارة إلى المصدر، وهذا البيت من قبيل ما ذكرنا من قبل أنه يجوز الإلغاء مع تأكيد الفعل بالإشارة إلى المصدر.
وقد رد الفارسي أيضاً على المازني، إذ لو جاز أن يكون "ذاك" إشارة للمفعولين مع هذه الأفعال لجاز مع عدمها، فكنت تقول في جواب من قال: هل زيد قائم؟ ذاك، أي: زيد قائم، فامتناع العرب من ذلك والنحويين، دليل على أن ذلك عند العرب ليس قياساً، لكن الذي يفسد مذهبه ما قدمناه. إلى هنا كلام الخفاف، ونقلناه برمته، لأنه يتعلق بمسألة غريبة قل من ذكرها.
وكأن الدماميني لم يقف على ما في "شرح الكافية" لابن مالك، ولم يستحضر وقوع اسم الإشارة مصدراً مؤكداً للأفعال الناسخة في باب ظن، ولو استحضر ذلك، لم يكن يقول: الذي يظهر لي أن ذلك إشارة إلى الملل المفهوم من قوله: مللت، أو إلى الأمر الذي تضمنه هذا البيت، والمعنى: إنك قد مللت صحبتك إياي، وصحبتي إياك فيما أخاله وأظنه، وهذا الأمر قليل في الأصحاب. فقوله "ذاك" مبتدأ أخبر عنه بقليل، وقوله: "إخال" جملة ألغي فعلها، وأتى بها بعد الجملة
стр. 2655
السابقة لبيان أن الإخبار بما تقدم عليها نشأ عن الظن لا اليقين، كما تقول: زيد قائم أظن، وحينئذ ليست الإشارة بذاك إلى مفعول مطلق، ولم يتضح لي وجه الرد على ابن مالك بهذا البيت فتأمله، هذا كلامه.
ومللت: يتعدى بنفسه كما هنا، وبمن، يقال: مللته ومللت منه مللاً، من باب تعب، وملالة: إذا سئمت منه وضجرت، وصحابة، بفتح أوله مصدر صاحبه، كذا في "تهذيب الأزهري"، والصحبة: مصدر صحبه يصحبه بكسر لالحاء في الماضي وفتحها في المضارع، وفي "عمدة الحفاظ" الصحبة أصلها الاجتماع طال زمانها أو قصر. وقيل: الصاحب الملازم، إنساناً كان أو حيواناً أو مكاناً أو زماناً، وصحابتي: مصدر مضاف إلى المفعول، وفاعله محذوف، أي: صحابتك إياي، والأولى أن يكون مثل الثاني مضافاً إلى الفاعل والمفعول محذوف، أي: صحابتيك. وإخال: المشهور بكسر الهمزة على خلاف القياس، وبنو أسد يفتحونها على القياس، يقال: خال الرجل الشيء يخاله خيلاً، من باب نال: إذا ظنه، وصحابتيك مبتدأ، بتقدير مضاف، وخبره قليل، والتقدير: ومدة صحابتيك قليل، وجملة "إخال ذاك" معترضة بينهما، وذاك: إشارة إلى مصدر إخال، أي: إخال ذلك الخيل، والبيت لم أقف على تتمته وقائله، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والسبعون بعد الثمانمائة:
(٨٧٧) فلا وأبي لنأتيها جميعاً ... ولو كانت بها عرب وروم
على أنه كان يجب أن يقول: لنأتينها باللام، ونون التوكيد جميعاً، فترك نون التوكيد لضرورة الشعر. وهو من أبيات لعبد الله بن رواحة: صحابي قالها في
стр. 2656
غزوة مؤتة، والمروي في شعره في السير:
فلا وأبي مآب لنأتينها
وهو مؤكد بالنون الخفيفة، فلا ضرورة، ومآب: قرية من أرض البلقاء بالشام، قال ابن هشام في "السيرة" في غزوة مؤتة، وكانت في سنة ثمان من الهجرة، ومضى المسلمون هم ثلاثة آلف حتى نزلوا من أرض السام، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء مائة ألف، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ ، فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره، فنمضي له. قال: فشجع الناس عبد الله بن رواحة، وقال: إنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور، وإما شهادة، فقال الناس: صدق والله ابن رواحة، فقال عبد الله بن رواحة في محتبسهم ذلك:
جلبنا الخيل من أجأ وفرع ... يغر من الحشيش لها العكوم
أقامت ليلتين على معان ... فأعقب بعد فترتها جموم
فرحنا والجياد مسومات ... تنفص في مناخرها السموم
فلا وأبي مآب لنأتينها ... وإن كانت بها عرب وروم
وبعده ثلاثة أبيات، قال السهيلي: مؤتة مهموزة االواو: قرية من أرض البلقاء من الشام، وقوله: جلبنا الخيل، أراد: أصحابها، وأجأ، بالهمز جبل لطيء، وفرع: مكان، ويغر، بالغين المعجمة، وبالبناء للمفعول، قال السهيلي: يغر، أي: يجمع بعضها إلى بعض، والعكوم جمع عكم. انتهى. والعكم بالكسر: الجوالق،
стр. 2657
قال السهيلي: قال الشيخ أبو بحر: معان بضم الميم، وجته في أصلين، وأصلحه علينا القاضي حين السماع معان، بفتح الميم، وهو اسم موضع ذكره البكري بضم الميم، وقال: هو اسم جبل، انتهى. وهو بالعين المهملة، والسومة بالضم: العلامة، والمسومة: المعلمة، وعبد الله بن رواحة تقدمت ترجمته في الإنشاد السادس والتسعين بعد الستمائة.
وأنشد بعده:
لا تهين الفقير علك أن ... تركع يوماً والدهر قد رفعه
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الرابع والخمسين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والسعبون بعد الثمانمائة:
(٨٧٨) اضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسيف قونس الفرس
قال أبو زيد في "نوادره" قال الراجز:
ويهاً فداء لك يا فضاله ... أجره الرمح ولا تهاله
فتح اللام ولو كسرها، لكان حسناً، لأن تحريكها تحريك اعتلال، لسكون
стр. 2658
ما قبلها، وقال الجرمي: تقول للرجل إذا أغريته، ويها فلان. وقال أبو حاتم: فتح اللازم من تهاله، لأنه أراد النون الخفيفة وحذفها، ومثله:
من أي يومي من الموت أفر ... أيوم لم يقدر أم يوم قدر
فتح راء يقدر، لأنه أراد النون الخفيفة، فحذفها وبقي ما قببلها مفتوحا، أنشدناه أبو عبيدة والأصمعي، وأنشدني الأخفش بيتاً مصنوعاً لطرفة:
اضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسوط قونس الفرس
وقال: أراد النون الخفيفة. انتهى:
والطارق: الذي يأتي ليلاً، والقونس: بفتح القاف وسكون الواو بعدها نون، قال أبو عبيد في "الغريب المصنف": القونس: مقدم البيضة، ورد عليه علي بن حمزة البصري فيما كتبه عليه من أغلاطه: إنما القونس أعلاها، ومن ذلك قونس الفرس، قال الشاعر:
ضربك بالسوط قونس الفرس
وأورد هذا البيت ابن عصفور في كتاب "الضرائر" مع أبيات أخر، وأطال ابن جني الكلام عليه في حرف الهمزة من "سر الصناعة"، وقال ابن السيد في
стр. 2659
كتاب "أبيات المعاني": وفيه وجه آخر وهو أن يكون ضمير التثنية، ويكون قد أجرى الواحد مجرى الاثنين، فإنهم كثيراً ما كانوا يفعلون ذلك تعظيماً للمخاطب، ولا يكون في الأكثر ممن ينفرد بنفسه، فإذا انفرد يوماً، حمل أمره على الغالب من حاله، قال تعالى: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ) [ق/ ٢٤] فأمر مالكاً بأمر الاثنين، وقد حذف النون من قوله:
لا تهين الفقير عليك ... .. البيت
للضرورة، وحذفها منه أحسن من حذفه في قوله: "اضرب عنك الهموم" لالتقاء الساكنين.
والبيت مصنوع لم يعلم قائله، والله أعلم، وعلم مما نقلنا أن الرواية: ضربك بالسوط لا بالسيف.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والسبعون بعد الثمانمائة:
(٨٧٩) هما خطتا إما إسار ومنة ... وإما دم والقتل بالحر أجدر
قال ابن جني في "إعراب الحماسة": روي برفع إسار وجره، أما الرفع، فطريف المذهب، وظاهر أمره أنه على لغة من حذف نون التثنية لغير إضافة، وقد حكى ذلك، ومما يعزى إلى كلام البهائم قول الحجلة للقطاة: بيضك ثنتا، وبيضتي مائتا، أي: ثنتان ومائتان، وقول الآخر:
لنا أعنز لبن ثلاث فبعضها ... لأولادها ثنتا وما بيننا عنز
стр. 2660
وقد تقصيت القول على هذا الموضع في كتابي "سر الصناعة" فعلى هذا يجليء قوله:
هما خطتا إما إسار ومنة .. البيت
على أنه أراد: خطتان، ثم حذف النون على ما تقدمه، فإن قلت: فإذا كان بالتثنية قد أثبت شيئين، فكيف فسر بالواحد، فقال: إما وإما، وهما يثبتان الواحد كما تثبته أو؟ فالجواب: أنه تصور أمرين، واعتقد أنه لا بد من أحدهما، وعلم أن المحصول عليه أحدهما لا كلهما، ففسر ما تصوره وهما شيئان، بما يحصل عليه وهو الواحد كما يخص بعد العموم في نحو قولك: ضربت زيداً رأسه، ولقيت بني فلان ناساً منهم، فإن قلت: فهلا حملته على حذف المضاف فكان أقرب مذهباً وأيسر متوهماً حتى كأنه قال: هما إحدى خطتين؟ قيل: يمنع من ذلك قوله: هما، وهما لا يكون في خبره مفرد، ألا ترى لا تقول: أخواك جالس! فلذلك انصرفنا عن هذا الوجه إلى الذي قبله، ويجوز عندي فيه وجه أعلى من هذا الضعيف حذف نون التثنية عندنا، وهو أن يكون على وجه الحكاية حتى كأنه قال: هما خطتا قولك إما إسار ومنة، وإما دم، فتحذف النون على هذا للإضافة البتة. وأما من جر: إما إسار ومنة [وإما دم] فأمره واضح، وذلك أنه حذف النون [من خطتان] للإضافة، ولم يعتد "إما" فاصلاً بين المضاف والمضاف إليه، وعلى هذا تقول: هما غلاما إما زيد، وإما عمر، وهذان ضاربا إما زيد وإما جعفر، وأجود من هذا أن تقول: هما إما خطتا إسار ومنة، وإمادم، وإن شئت: وإما خطتا دم، فإن قلت: "إن "إما" مثل "أو" في أن كل واحدة منهما توجب أحد الشيئين فترجع بك الحال إذن إلى أنك كأنك قلت: هما خطتا أحد هذين الأمرين، وليس الأمر كذلك إنما، [المعنى] هما خطتان: إحداهما كذا، والأخرى كذا، وليست أيضاً كل واحدة من الخطتين للإسار والدم جميعاً، إنما إحداهما لأحدهما على ما تقدم، فالجواب أن سبب جواز ذلك هو أن كل واحد من الإسار والدم لما كان معرضاً لكل واحدة من الخطتين فيصلح أن يصير بصاحب الخطة إليه أطلقا جميعاً على كل واحدة منهما بأن أضيفا إليه، وجعل مفضى له ومظنة
стр. 2661
منه، ونحو منه قول الله ﵎: (ومِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ) [القصص/ ٧٣]، ولم يجعل كل واحد من الليل [والنهار] لكل واحد من السكون والابتغاء، وإنما جعل الليل للسكون، والنهار للابتغاء، فخلط الكلام اكتفاء بمعرفة المخاطبين بوقت السكون من وقت الابتغاء. إلى هنا كلام ابن جني.
والبيت من أبيات لتأبط شراً، أوردها أبو تمام في "الحماسة" وهذا أولها:
إذا المرء لم يحتل وقد جد جده ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلاً ... به الخطب إلا وهو للقصد مبصر
فذاك قريع الدهر ما عاش حول ... إذا سد منه منخر جاش منخر
أقول للحيان وقد صفرت بهم ... وطابي ويومي ضيق الحجر معور
هما خطتا إما إسار ومنة .. البيت
وأخرى أصادي النفس عنها وإنها ... لمورد حزم إن فعلت ومصدر
فرشت لها صدري فزل عن الصفا ... به جؤجؤ عبل ومتن مخصر
فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا ... به كدحة والموت خزيان ينظر
فأبت إلى فهم وما كدت آيباً ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
وخبر هذه الأبيات: أن تأبط شراص كان يشتار عسلاً في غار من بلاد هذيل، وكان يأتيه كل عام، وإن هذيلاً ذكر لها ذلك، فرصدته، حتى إذا جاء هو وأصحابه تدلى، فدخل الغار، فأغارت هذيل على أصحابه وأنفروهم، ووقفوا على الغار، فحركوا الحبل فأطلع رأسه، فقالوا: اصعد، قال: فعلام أصعد! على الطلاقة والفداء؟ قالوا: لا شرط لك، قال: أفتراكم آخذي وقاتلي وآكلي جناي،
стр. 2662
لا والله لا أفعل، ثم جعل يسير العسر على فم الغار، ثم عمد إلى زق فشده على صدره، ثم لصق بالعسل، ولم يزل يتزلق عليه حتى جاء سليماً إلى أسفل الجبل، فنهض وفاتهم، وبين موضعه الذي وقع فيه وبينهم مسيرة ثلاثة أيام.
وقوله: وقد جد جده، أي: ازداد جده جداً، والجد بالكسر: الاجتهاد، وقوله: فذاك قريع الدهر، يجوز أن يكون في معنى مختار الدهر، ويكون من قرعت، أي: اخترته بقرعتي، ويجوز أن يكون من قرعه الدهر بنوائبه حتى جرب وتبصر. وقوله: إذا سد منه منخر .. إلخ، مثل للمكروب المضيق عليه، وجاش: تحرك واضطرب، والمعنى: لا يؤخذ عليه طريق إلا نفذ في طريق آخر لافتنانه في الحيل.
ولحيان، بكسر اللام: بطن من هذيل خاطبهم لما كانوا على رأس الغار، والواو للحال، والطاب هنا: ظروف العسل، جمع وطب وهو في الأصل سقاء اللبن، وصفرت: خلت أشار إلى ظروف العسل التي صبت العسل منها على الجانب الآخر، وركبه متزلقاً حتى لحق بالسهل، وقيل معناه: خلا قلبي من ودهم، يريد: وطاب ودي، وقيل: اشرفت نفسي على الهلاك فيكون أراد بالوطاب جسمه، ومعور: اسم فاعل من أعور لك الشيء: إذا بدت عورته لك، وهي موضع المخافة، وكل ما طلبته فأمكنك، فقد أعورك وأعور لك.
وقوله: هما خطتا .. إلخ، هذا مقول القول، والخطة بالضم: الحالة والشأن، والمعنى: ليس إلا واحدة من الحالتين على زعمكم: إما استئسار والتزام منتكم إن رأيتم العفو، وإما قتل، وهو بالحر أليق مما يكسبه الذل، فهاتان هما الخطتان.
وقوله: وأخرى أصادي، المصاداة: إدارة الرأي في تدبير الشيء أو الإتيان به، يقول: وهنا هنا خطة أخرى أداري نفسي فيها، وإنها هي الموضع الذي يرده الحزم، ويصدر عنه.
стр. 2663
والفرش: البسط، وضمير لها للخطة الثالثة، والجؤجؤ: كقنفذ: الصدر، وعبل: ضخم، ومتن مخصر، أي، دقيق، وهذا مثل: لقيت بزيد أسداً، وقد شرحنا هذه الأبيات بأبسط مما هنا في الشاهد الخامس والستين بعد الخمسمائة من شواهد الرضي، وتقدمت ترجمة تأبط شراً في الإنشاد الرابع عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثمانون بعد الثمانمائة:
(٨٨٠) لا يزالون ضاربين القباب
صدره:
رب حي عرندس ذي شباب
وهو مطلع قصيدة لعمرو بن الأيهم التغلبي أوردها أبو عمرو الشيباني له في آخر أشعار تغلب، وبعده:
قد أراهم بها حلولاً جميعاً ... في السن الخاليات والأحقاب
إذا نشيع الصبي بنص المعالي ... وبركض المسومات العراب
ونساء نواعم حاليات ... جامعات لميسم وشباب.
والعرندس: بفتح العين والراء المهملتين وسكون النون: الشديد، والقباب، جمع قبة، وهي الخيمة، وحلول جمع حال، أي: نازل، وقد أراهم: جواب رب، وإذ: طرف لأراهم، ونشيع بالنون، والإشاعة: الإنشاء والإظهار، والنص:
стр. 2664
نوع من السير، وأراد بالمعالي: الإبل العالية، والمسومات: المعلمات بعلامات، والعراب: الخير العربية، ونساء بالجر: معطوف على نص، والنواعم: المنعمات أو ناعمات البدن، والحاليات: من الحلي: وهو الزينة، واليسم بكسر الميم: الحسن والجمال.
وقال العيني: صدر المصراع الشاهد:
رب حي عرندس ذي طلال
وقال: لم أقف على قائله، والطلال، بفتح الطاء المهملة: الحالة الحسنة، والهيئة الجميلة، هذا صنعه، ولا أدري من أين أتى به؟ !
وأنشد بعده:
إذا قيل أي الناس شر قبيلة ... أشارت كليب بالأكف الأصابع
وتقدم الكلام عليه في ديباجة الكتاب.
وأنشد بعده:
أمسلمني إلى قومي شراحي
صدره:
وما أدري وظني كل ظن
وتقدم في الإنشاد الواحد والستين بعد الخمسمائة.
وأنشد بعده:
وليس الموافيني ليرفد خائباً
تمامه:
وأن له أضعاف ما كان أملا
وتقدم في الإنشاد الثاني والستين بعد الخمسمائة.
стр. 2665
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثمانون بعد الثمانمائة:
(٨٨١) جارية من قيس ابن ثعلبة
على أن تنوين قيس على خلاف القياس، لأن ابناً وقع بين علمين مستجمع الشروط، فكان ينبغي حذف التنوين، إلا أنه نونه للضرورة، قال ابن جني في "سر الصناعة": من نون، لزمه إثبات الألف في ابن خطا.
قال ابن الحاجب في "الإيضاح": وزعم قوم أن "ابن ثعلبة" بدل، وقصده أني يخرجه عن الشذوذ وهو بعيد، لأن المعنى على الوصف، وأيضاً فإن خرج عن الشذوذ باعتبار التنوين لم يخرج باعتبار استعمال ابن بدلاً. انتهى.
ومن ذلك القوم ابن جني، قال في "سر الصناعة": إلى هذا رأيت جميع أصحابنا يذهبون، والذي أرى أن الشاعر لم يرد أن يجري ابناص وصفاً على ما قبله، ولو أراد لحذف التنوين، ولكن أراد أن يجري ابناً بدلاً مما قبله، وحينئذ لم يجعل منه كالشيء الواحد، فوجب أن ينوي انفاصال ابن مما قبله، ووجب أن يبتدئ، فاحتاج إذن إلى الألف، لئلا يلزم الابتداء بالساكن. انتهى.
والبيت طلع أرجوزة للأغلب العجلي.
وبعده:
كريمة أخوالها والعصبه
قباء ذات سرة مقعبه ... كأنها حقة مسك مذهبه
ممكورة الأعلى رداح الحجبه ... كأنها حلية سيف مذهبه
أهوى لها شيخ شديد العصبه ... خاظي البضيع أيره كالخشبه
فضربت بالود فوق الأرنبه ... ثم انثنت به فويق الرقبه
فأعلنت بصوتها أن يا أبه ... كل فتاة بأبيها معجبه
следующие страницы →