Полный текст (2 797 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
منه، ونحو منه قول الله ﵎: (ومِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ) [القصص/ ٧٣]، ولم يجعل كل واحد من الليل [والنهار] لكل واحد من السكون والابتغاء، وإنما جعل الليل للسكون، والنهار للابتغاء، فخلط الكلام اكتفاء بمعرفة المخاطبين بوقت السكون من وقت الابتغاء. إلى هنا كلام ابن جني.
والبيت من أبيات لتأبط شراً، أوردها أبو تمام في "الحماسة" وهذا أولها:
إذا المرء لم يحتل وقد جد جده ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلاً ... به الخطب إلا وهو للقصد مبصر
فذاك قريع الدهر ما عاش حول ... إذا سد منه منخر جاش منخر
أقول للحيان وقد صفرت بهم ... وطابي ويومي ضيق الحجر معور
هما خطتا إما إسار ومنة .. البيت
وأخرى أصادي النفس عنها وإنها ... لمورد حزم إن فعلت ومصدر
فرشت لها صدري فزل عن الصفا ... به جؤجؤ عبل ومتن مخصر
فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا ... به كدحة والموت خزيان ينظر
فأبت إلى فهم وما كدت آيباً ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
وخبر هذه الأبيات: أن تأبط شراص كان يشتار عسلاً في غار من بلاد هذيل، وكان يأتيه كل عام، وإن هذيلاً ذكر لها ذلك، فرصدته، حتى إذا جاء هو وأصحابه تدلى، فدخل الغار، فأغارت هذيل على أصحابه وأنفروهم، ووقفوا على الغار، فحركوا الحبل فأطلع رأسه، فقالوا: اصعد، قال: فعلام أصعد! على الطلاقة والفداء؟ قالوا: لا شرط لك، قال: أفتراكم آخذي وقاتلي وآكلي جناي،
стр. 2662
لا والله لا أفعل، ثم جعل يسير العسر على فم الغار، ثم عمد إلى زق فشده على صدره، ثم لصق بالعسل، ولم يزل يتزلق عليه حتى جاء سليماً إلى أسفل الجبل، فنهض وفاتهم، وبين موضعه الذي وقع فيه وبينهم مسيرة ثلاثة أيام.
وقوله: وقد جد جده، أي: ازداد جده جداً، والجد بالكسر: الاجتهاد، وقوله: فذاك قريع الدهر، يجوز أن يكون في معنى مختار الدهر، ويكون من قرعت، أي: اخترته بقرعتي، ويجوز أن يكون من قرعه الدهر بنوائبه حتى جرب وتبصر. وقوله: إذا سد منه منخر .. إلخ، مثل للمكروب المضيق عليه، وجاش: تحرك واضطرب، والمعنى: لا يؤخذ عليه طريق إلا نفذ في طريق آخر لافتنانه في الحيل.
ولحيان، بكسر اللام: بطن من هذيل خاطبهم لما كانوا على رأس الغار، والواو للحال، والطاب هنا: ظروف العسل، جمع وطب وهو في الأصل سقاء اللبن، وصفرت: خلت أشار إلى ظروف العسل التي صبت العسل منها على الجانب الآخر، وركبه متزلقاً حتى لحق بالسهل، وقيل معناه: خلا قلبي من ودهم، يريد: وطاب ودي، وقيل: اشرفت نفسي على الهلاك فيكون أراد بالوطاب جسمه، ومعور: اسم فاعل من أعور لك الشيء: إذا بدت عورته لك، وهي موضع المخافة، وكل ما طلبته فأمكنك، فقد أعورك وأعور لك.
وقوله: هما خطتا .. إلخ، هذا مقول القول، والخطة بالضم: الحالة والشأن، والمعنى: ليس إلا واحدة من الحالتين على زعمكم: إما استئسار والتزام منتكم إن رأيتم العفو، وإما قتل، وهو بالحر أليق مما يكسبه الذل، فهاتان هما الخطتان.
وقوله: وأخرى أصادي، المصاداة: إدارة الرأي في تدبير الشيء أو الإتيان به، يقول: وهنا هنا خطة أخرى أداري نفسي فيها، وإنها هي الموضع الذي يرده الحزم، ويصدر عنه.
стр. 2663
والفرش: البسط، وضمير لها للخطة الثالثة، والجؤجؤ: كقنفذ: الصدر، وعبل: ضخم، ومتن مخصر، أي، دقيق، وهذا مثل: لقيت بزيد أسداً، وقد شرحنا هذه الأبيات بأبسط مما هنا في الشاهد الخامس والستين بعد الخمسمائة من شواهد الرضي، وتقدمت ترجمة تأبط شراً في الإنشاد الرابع عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثمانون بعد الثمانمائة:
(٨٨٠) لا يزالون ضاربين القباب
صدره:
رب حي عرندس ذي شباب
وهو مطلع قصيدة لعمرو بن الأيهم التغلبي أوردها أبو عمرو الشيباني له في آخر أشعار تغلب، وبعده:
قد أراهم بها حلولاً جميعاً ... في السن الخاليات والأحقاب
إذا نشيع الصبي بنص المعالي ... وبركض المسومات العراب
ونساء نواعم حاليات ... جامعات لميسم وشباب.
والعرندس: بفتح العين والراء المهملتين وسكون النون: الشديد، والقباب، جمع قبة، وهي الخيمة، وحلول جمع حال، أي: نازل، وقد أراهم: جواب رب، وإذ: طرف لأراهم، ونشيع بالنون، والإشاعة: الإنشاء والإظهار، والنص:
стр. 2664
نوع من السير، وأراد بالمعالي: الإبل العالية، والمسومات: المعلمات بعلامات، والعراب: الخير العربية، ونساء بالجر: معطوف على نص، والنواعم: المنعمات أو ناعمات البدن، والحاليات: من الحلي: وهو الزينة، واليسم بكسر الميم: الحسن والجمال.
وقال العيني: صدر المصراع الشاهد:
رب حي عرندس ذي طلال
وقال: لم أقف على قائله، والطلال، بفتح الطاء المهملة: الحالة الحسنة، والهيئة الجميلة، هذا صنعه، ولا أدري من أين أتى به؟ !
وأنشد بعده:
إذا قيل أي الناس شر قبيلة ... أشارت كليب بالأكف الأصابع
وتقدم الكلام عليه في ديباجة الكتاب.
وأنشد بعده:
أمسلمني إلى قومي شراحي
صدره:
وما أدري وظني كل ظن
وتقدم في الإنشاد الواحد والستين بعد الخمسمائة.
وأنشد بعده:
وليس الموافيني ليرفد خائباً
تمامه:
وأن له أضعاف ما كان أملا
وتقدم في الإنشاد الثاني والستين بعد الخمسمائة.
стр. 2665
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثمانون بعد الثمانمائة:
(٨٨١) جارية من قيس ابن ثعلبة
على أن تنوين قيس على خلاف القياس، لأن ابناً وقع بين علمين مستجمع الشروط، فكان ينبغي حذف التنوين، إلا أنه نونه للضرورة، قال ابن جني في "سر الصناعة": من نون، لزمه إثبات الألف في ابن خطا.
قال ابن الحاجب في "الإيضاح": وزعم قوم أن "ابن ثعلبة" بدل، وقصده أني يخرجه عن الشذوذ وهو بعيد، لأن المعنى على الوصف، وأيضاً فإن خرج عن الشذوذ باعتبار التنوين لم يخرج باعتبار استعمال ابن بدلاً. انتهى.
ومن ذلك القوم ابن جني، قال في "سر الصناعة": إلى هذا رأيت جميع أصحابنا يذهبون، والذي أرى أن الشاعر لم يرد أن يجري ابناص وصفاً على ما قبله، ولو أراد لحذف التنوين، ولكن أراد أن يجري ابناً بدلاً مما قبله، وحينئذ لم يجعل منه كالشيء الواحد، فوجب أن ينوي انفاصال ابن مما قبله، ووجب أن يبتدئ، فاحتاج إذن إلى الألف، لئلا يلزم الابتداء بالساكن. انتهى.
والبيت طلع أرجوزة للأغلب العجلي.
وبعده:
كريمة أخوالها والعصبه
قباء ذات سرة مقعبه ... كأنها حقة مسك مذهبه
ممكورة الأعلى رداح الحجبه ... كأنها حلية سيف مذهبه
أهوى لها شيخ شديد العصبه ... خاظي البضيع أيره كالخشبه
فضربت بالود فوق الأرنبه ... ثم انثنت به فويق الرقبه
فأعلنت بصوتها أن يا أبه ... كل فتاة بأبيها معجبه
стр. 2666
أراد بالجارية: امرأة اسمها كلبة كان بينهما مهاجاة، ومن قولها فيه:
ناك أبو كلبة أم الأغلب
وقيس بن ثعلبة: قبيلة، والقباء: مؤنث الأقب من القبب بفتحتين: وهو ضمر البطن ودقة الخصر، والمقعبة: السرة التي دخلت في البطن، وعلا ما حولها حتى صار كالعقب وهو القدح، والممكورة: المطوية الخلق، وأراد بالأعلى: البطن والخصر، والرداح، بفتح الراء: المرأة الثقيلة الأوراك والحجبة، بفتح الحاء المهملة والجيم: رأس الورك، وأهوى لها: مد يده إليها، والخاظي: المكتنز والمتداخل، والبضيع: اللحم، والود، بفتح الواو: الوتد، والأرنبة: طرف الأنف. و"أن" مفسرة.
والأغلب العجلي: راجز إسلامي تقدمت ترجمته في الإنشاد الواحد والخمسين بعد السبعمائة. وقد بسطنا الكلام على هذا الرجز، وعلى ترجمة قائله في الشاهد الواحد والعشرين بعد المائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده:
فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا
وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد والتسعين بعد السبعمائة.
وأنشد بعده:
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
وتقدم في الإنشاد الأربعين بعد المائة.
стр. 2667
تم بحمد الله تعالى
الجزءا السابع
ويليه الجزء الثامن
وبه تمام الكتاب إن شاء الله تعالى
стр. 2668
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثمانون بعد الثمانمائة:
(٨٨٢) وقتيل مرة أثأرن فإنه ... فرغ وإن أخاهم لم يثأر
قال أبو علي في "إيضاح الشعر": وأما ما أضمر من الحروف التي لا تعمل في اسم ولا فعل، فاللام التي يتلقى بها القسم في وقله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) (الشمس: ٩)، قيل: إن المعنى: لقد أفلح من زكاها، ومن ذلك ما أنشده أو الحسن وأبو عثمان:
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا
وقتيل مرة أثأرن فإنه ... فرغ وإن أخاهم لم يثأر
فحذف اللام، وكما حذفت اللام وتركت النون كذلك حذفت النون وتركت اللام في نحو: والله لتخرج. انتهى. وتبعه ابن الشجري في المجلس الرابع والأربعين، وظاهره أنه جائز في الكلام، وقد قال ابن عصفور وغيره: إنه من ضرورة الشعر، قال في كتاب "الضرائر"، ومنه إثبات النون الداخلة على الفعل المضارع للتأكيد وحذف اللام كقوله:
وقتيل مرة أثأرن فإنه ... فرغ وإن أخاهم لم يثأر
انتهى.
والبيت من قصيدة دالية، كما أنشده ابن عصفور، لعدو الله عامر بن الطفيل عدتها كما في ديوانه ثلاثة عشر بيتا، وأوردها المفضل في "المفضليات" أحد عشر
стр. 2669
بيتا، وقبل هذا البيت:
ولأثأرن بمالك وبمالك ... وأخي المروراة الذي لم يسند
قوله: ولأثارن، معطوف على بيت قبله وهو:
فلأنعينكم الملا وعوارضا ... ولأهبطن الخيل لابة ضرغد
يخاطب أعداءه الذين قتلوا أشراف قومه، وأنعينكم يعني: أذكر معايبكم، وقبيح أفعالكم، يقال، فلان ينعي على فلان ذنوبه، أي يذكرها ويصفها، والملأ، بفتح الميم، وعوارض، بضم العين، وضرغد، بإعجام الضاد والعن: أسامي مواضع، واللابة: أرض ذات حجارة، وهذا البيت من شواهد النحو، وقد استوفينا الكلام عليه في الشاهد الثامن والستين بعد المائة من شواهد الرضى، يقال: ثأرت القتيل، وثأرت به من باب نفع: إذا قتلت قاتله، قال جامع ديوانه: مالك ومالك: رجلان من قومه، والمروراة: أرض بظهر الكوفة. انتهى. وبها كانت الحرب، والأخ يطلق على الملابس، يردي الذي قتل بها، وهي بفتح الميم وفتح الراء المهملة الأولى والثانية بينهما واو ساكتة. وقوله: لم يسند، قال ابن الأنباري في شرحه، أي لم يدفن، ولكن ترك للسباع تأكله.
وقوله: وقتيل مرة، قال جامع ديوانه: مرة قبيلة، وقال ابن الأنباري: روى الضبي: وقتيل بالخفض، ورواه الحرمازي بالنصب، ورواه الأثرم بالرفع انتهى. أما الخفض، فعلى أن الواو للقسم، وعليه استشهاد النحويين بهذا البيت، وجملة: أثارن" جواب القسم، وأما النصب، فعلى أن الواو عاطفة على محل مالك المجرور بالباء الزائدة، وأما الرفع، فعلى الابتداء، وخبره محذوف تقديره: قسمي، وجملة: أثارن" جوابه، ويجوز أن يكون استشهاد النحويين على هذه
стр. 2670
الراوية أيضا بخلاف الراوية الثانية، والفراغ، بكسر الفاء، وسكون الراء المهملة وآخره غين معجمة: الهدر، أي باطلا لم يطلب به. يقال: ذهب دم فلان فرغا، أي: باطلا لم يطلب به. قال ابن الأنباري: ومن روى "فرع" يعني: بفتح الفاء وآخره عين مهملة، فإنه رأس عال في الشرف. انتهى. ويريد بأخاهم كبير الأعداء، ولم يقصد: لم يقتل، من أقصده بمعنى قتله. وتقدمت ترجمة عامر بن الطفيل في الإنشاد التاسع والثلاثين بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثمانون بعد الثمانمائة:
(٩٩٣) فطلقها فلست لها بكفء ... وإلا يعل مفرقك الحسام
على أن جملة الشرط محذوفة تقديرها: وإن لا تطلقها يعل. والبيت من قصيدة للأحوص
سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السلام
كأن المالكين نكاح سلمى ... غداة نكاحها مطر نيام
وإن يكن النكاح أحل شيء ... فإن نكاحها مطرا حرام
فطلقها فلست لها بكفء ... .. البيت
في "الأغاني": إن الأحوص قدم البصرة، فخطب إلى رجل من بني تميم بنته، وذكر له نسبه، فقال: هات لي شاهدا يشهد لك أنك ابن حمى الدبر وأزوجك، فجاء من شهد له ذلك فزوجه إياها، وشرطت عليه أن لا يمنعها من أحد من أهلها،
стр. 2671
فخرج بها إلى المدينة، وكانت أختها عند رجل من بني تميم قريبا من طريقهم، فقالت له: اعدل بي إلى أختي ففعل، فذبحت لهم وأكرمتهم، وكانت من أحسن الناس، وكان زوجها في إبله، فقالت زوجة الأحوص له: أقم حتى يأتي زوجها، وكان اسمه مطر، فلما جاء بإبله ورعائه ازدراه الأحوص، واقتحمته عينه، وكان شيخا دميما، فقال له زوجته: قم إلى سلفك، فسلم عليه! فقال الأحوص وأشار إلى أخت زوجته بأصبعه: "سلام الله يا مطر عليها .. الأبيات"، وأشار إلى مطر بأصبعه، فوثب إليه مطر وبنوه، وكاد المر يتفاقم حتى حجز بينهم. انتهى.
وقد بسطنا الكلام عليه في الشاهد السادس بعد المائة، من شواهد الرضي، وتقدمت ترجمة الأحوص بالحاء المهملة، في الإنشاء الثامن بعد الأربعمائة، وتقدمت هذه الأبيات أيضا في الإنشاد الستين بعد الخمسمائة، وتأتي أيضا في الإنشاد الثالث بعد التسعمائة.
وأنشد بعده:
من يشكر الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله مثىلان
وتقدم شرحه في الإنشاد الثمانين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثمانون بعد الثمانمائة:
(٨٨٤) قالوا أخفت فقلت إن وخيفتي ... ما إن تزال منوطة برجائي
الهمزة في قوله: أخفت الاستفهام، وإن بمعنى: نعم، حذف جملة الكلام
стр. 2672
بعدها، والتقدير: فقلت: نعم خفت، لكن خيفتي مقترنة بالرجاء، فليست بخيفة محضة، و "إن" بعد "ما" زائدة والمنوطة: المتعلقة، والبيت أنشده ابن مالك في فصل عقده لـ "إن" ترادف "نعم" من "شرح التسهيل"، ونسبة لبعض الطائبين.
وأنشد بعده:
ويقلن شيب قد علاك ... وقد كبرت فقلت إنه
وتقدم شرحه في "إن" المكسورة المشددة من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثمانون بعد الثمانمائة:
(٨٨٥) قالت بنات العم يا سلمى وإن ... كان فقيرا معدما قالت وإن
هو من رجز مشهور نسب إلى رؤية، ولم أجده في ديوانه وأوله:
قالت سليمي ليت لي بعلا يمن ... يغسل جلدي وينسيني الحزن
وحاجة ما إن لها عندي ثمن ... ميسورة فضاؤها منه ومن
قالت بنات العم يا سلمى .. ... إلى آخره ..
البعل: الزوج، ويمن: من المنة خفف النون للضرورة، وقوله: مني ومن، يريد: ومني فخفف النون، وحذف الياء، والمعدم: الذي لا يملك شيئا، وإن وصلية حذف شرطها، والأصل: وإن كان فقيرا معدما.
стр. 2673
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثمانون بعد الثمانمائة:
(٨٨٦) إن يكن طبك الدلال فلو في ... سالف الدهر والسنين الخوالي
أنشد الجاحظ في كتاب "البيان" لعبيد بن الأبرص:
تلك عرسي غضبي تريد زيالي ... ألبين تريد أم لدلال
إن يكن طبك الفراق فلا أحفل أن تعطفي صدور الجمال
أو يكن طبك الدلال فلو في ... سالف الدهر والسنين الخوالي
كنت بيضاء كالمهاة وإذا آتيك نشوان مرخيا إذ يالي
فاتركي خط حاجبيك وعيشي ... معنا بالرخاء والتأمل
زعمت أنني كبرت وأني ... قل مالي وضن عني الموالي
وصحا باطلي وأصبحت شيخا ... لا يؤاتي أمثالها أمثالي
إن تريني تغير الرأس مني ... وعلا الشيب مفرقي وقذالي
فبما أدخل الخباء على مهضومة الكشح طفلة كالغزال
فتعاطيت جيدها ثم مالت ... ميلان القضيب بين الرمال
ثم قالت فدى لنفسك نفسي ... وفداء لمال أهلك مالي
انتهى. العرس، بالكسر: الزوجة، والزيال: بالكسر: المزايلة، وهي المباينة، والطب، بالكسر: العادة، والمهاة، بالفتح: البلورة، والتأمال: تفعال مصدر مبالغة من الأمل، وضن: بخل، والموالي: أبناء العم، وقوله: فبما، أي: كثيرا ما، والخباء: الخيمة من الوبر، والمهضومة: الدقيقة، والكشح: الحاصرة.
стр. 2674
وعبيد بن الأبرص: شاعر جاهلي تقدمت ترجمته في الإنشاد الخامس والعشرين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثمانون بعد الثمانمائة:
(٨٨٧) وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد
هل هنا للاستفهام الصوري بمعنى النفي، وروى أيضا: "وما أنا إلا من غزية"، يقول: أنا واحد من هذه القبيلة في حالتي الغي والرشاد، فإن عدلوا عن الصواب، عدلت معهم، وإن اقتحموه، اقتحمت معهم، وغزية، بفتح الغين وكسر الزاي المعجمتين: رهط دريد بن الصمة. قال أبو تمام في "مختار أشعار القبائل" غزية: جد دريد، يقول: أنا أتابع لقومي على رشد كانوا أم غي، قال صاحب "الصحاح": الغي: الضلال والخيبة أيضا، وقد غوى - بالفتح - يغوي - بالكسر - غيا وغواية، وأنشد البيت. والرشد جاء فعله من باب فرح، ومن باب نصر.
والبيت من قصيدة لدريد بن الصمة رثى بها أخاه أوردها أبو تمام في "الحماسة" وقد بسطنا الكلام في شرحها وذكرنا خبر قتل أخيه عن صاحب "الأغاني" في الشاهد الخامس والعشرين بعد التسعمائة من شواهد الرضى، ودريد بن الصمة، بكسر الصاد وتشديد الميم، قتل في غزوة حنين كافرا.
стр. 2675
الباب السادس
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثمانون بعد الثمانمائة:
(٨٨٨) بكرت عليه بكرة فوجدته ... قعدوا لديه بالصريم عواذله
وهو من قصيدة طويلة جدا لزهير بن أبي سلمى مدح بها حصن بن حذيفة، قال صعوداء شارح ديوان زهير: قال زهير بن أبي سلمى لحسن بن حذيفة بن بدر ابن عمر الفزاري، وكان عمرو بن هند حين قتل حذيفة - وكانت الحرب بين غطفان - طمع في حصن وفي غطفان أن يصيب بعد حذيفة صاحبه، وكان حصن والحليفان لقاحا لم يدينوا لملك قط، فأرسل إلى حصن: أني ممدك بخيل فادخل في مملكتي، وأجعل لك ناحية من الأرض، فأسل إليه حصن: إني ما كنت قط أفرغ لحربك مني اليوم، ولا كنت قط أيسر عدة مني اليوم، فإن كنت لا يكفك ما جرب أبوك، فدونك لا تعتلل، فإنه ليس لي حصن إلا السيوف والرماح، وأنا لك بالفضاء، وأقبل حصن بالحليفين حتى نزل زبالة، فصد عنه عمرو بن هند، وكره قتاله، فقال زهير في ذلك:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله
إلى أن قال:
وابيض فابيض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغب فواصله.
стр. 2676
بكرت عليه غدوة فرأيته ... قعودا لديه بالصريم عواذ له
يفدينه طورا وطورا يلمنه ... وأعيا فما يدرين أين مخائله
فأقصرن منه عن كريم مرزا ... عزوم على الأمر الذي هو فاعله
أخي ثقة لا تتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله
تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ترى الجند والأعراب يغشون بابه ... كما وردت ماء الكلاب هوامله
إذا ما أتوا أبوابه قال مرحبا ... لجو الباب حتى يأتي الجوع قاتله
فلول لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله
وذي نسب ناء بعيد وصلته ... بمال وما يدري بأنك واصله
وذي نعمة تممتها وشكرتها ... وخصم يكاد يغلب الحق باطله
وذي خطل في القول يحسب أنه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله
عبأت له حلما وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله
ومن مثل حصن في الحروب ومثله ... لإنكار ضيم أو لخصم يحاوله
حذيفة بنميه وبدر كلاهما ... إلى باذخ يعلو على من يطاوله
أبي الضيم والنعمان يحرق نابه ... عليه فأفضى والسيوف معاقله
عزيز إذا حل الحليفان حوله ... بذي لجب لجابه وصواهله
قوله: صحا القلب عن سلمى، هذا البيت من شواهد علماء البلاغة، قال الأعلم في شرح ديوانه: يقول: صحا قلبه عن حب سلمى، وكف باطله ولهوه، وقوله: وعرى أفراس الصبا، هذا مثل ضربه، أي: ترك الصبا وركوبه الباطل، وقوله: وأبيض فياض: يريد رجلا نقيا من العيوب، والفياض: الكثير العطاء، وأصله من الفيض، وقوله: يداه غمامة، أي: تمطر يداه بالإعطاء كما تمطر الغمامة، ولمعتقون: الطالبون ما عنده، يقال: عفاه وأعفاه: إذا أتاه وسأله ما عنده،
стр. 2677
وقوله: ما تغب فواضله، أي: هي دائمة لا تنقطع، ولا تأتي في الغب، يقال: غبه وأغبه: إذا أتاه غبا، وفواضله: عطاياه، لأنها تفضل كل عطاء.
وقوله: بالصريم، هو جمع صريمة، وهي رملة تنقطع من معظم الرمل، والعواذل: اللاتي يعذلنه على إنفاق ماله، وقيل: الصريم هنا: الصبح، وهو أشبه بالمعنى، لأنه يكسر في العشي فإذا أصبح وقد صحا من سكره لمنه. انتهى. وهذا شرح ابن قتيبة في كتاب "أبيات المعاني".
وقوله: "يفدينه طورا"، أي يقلن له: فديناك بأنفسنا وآبائنا وأمهاتنا، ليستنزله بذلك حتى يقبل عذلهن، ويوقه: "فيما يدرين أين مخاتله"، يعني: الأمر الذي يختلنه فيه، يقول: قد أعياهن فما يدرين كيف يخدعنه ويختلنه.
وقوله: فأقصرن منه، يعني لما عذلنه، فلم يجبهن إلى ما أرادوا، كففن عن عذله والمرزأ: المصاب بماله كثيرا. وقوله: عزوم الخ .. ـ أي إذا قدر على فعل شيء عزم عليه وأمضاه.
وقوله: أخي ثقة، أي: يوثق بما عنده من الخير لما علم من وجوده وكرمه والنائل: العطاء. يقول: لا يهلك ماله في شرب الخمر، لنه لا يشربه، وإنما يهلكه بالعطاء.
وقوله: وما يدري بأنك واصله، يقول: يعني أنه وصل قوماً، فوصلوا غيرهم من صلته، فكان هـ سبب ذلك الوصل وهم لا يعرفون ذلك، وإنما قال هذا إشارة إلى كثرة معروفة حتى يغني من سأله، فيفضل سائلوه على غيرهم لغناهم.
وقوله: "وذي نعمة" أي: رب ذي نعمة، وقوله: وخصم، أي: ورب خصم شديد دفعته بقول مصيب.
стр. 2678
وقوله: أضل الناطقين، أي: إذا لم يصب أحد مفصل هذا القول، أصبته أنت، ودفعت به خصمك.
وقوله: وذي خطل، أي: رب ذي خطل بالتحريك: الكلام المضطرب، وقوله: فما يلمم به، أي: مهما يجد من الكلام يقله.
وعبأت: هيأت وجمعت له الحلم، وصفحت عنه، وقد بدت لك مقاتله، وأكرمت غيره ممن راعيت حقه.
وقوله: حذيفة بنميه، أي: يرفعه إلى باذخ، أي: جبل عال من الشرف والمجد.
وقوله: أبي الضيم، أي أبي الجور من النعمان بن الحارث الغساني، ويحرق بضم الراء، أي: يصون نابه من غيظه بعدم قدرته عليك، وروى نابه بالنصب، أي: بنابه، فحذفت الباء.
والحليفان: أسد وغطفان، وكانوا متحالفين على بني عبس وغيرهم، وفزراة من بني ذبيان: رهط الممدوح من غطفان، واللجب بفتحتين: اختلاط الناس، أي بجيش ذي لجب، والصواهل: الخيل: وأراد باللجاب: أصحاب اللجب، ورفعها بما في قوله ذي لجب من معنى الفعل، والتقدير: بجيش ذي لجب من معنى الفعل، والتقدير: بجيش لجب لجابه وصواهله.
وترجمة زهير تقدمت في الإنشاد الخمسين.
وأنشد بعده:
واشتعل المبيض في مسوده ... مثل اشتعال النار في جزل الغضا
وتقدم في الإنشاد السادس والسبعين بعد الستمائة.
стр. 2679
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثمانون بعد الثمانمائة:
(٨٨٩) ولكنما أهلي بواد أنيسه ... ذئات بتبغي الناس مثنى وموحد.
قال سيبويه: وسألته - يعني الخليل - عن أحاد ومثنى وثلاث ورباع، فقال: هو بمنزلة أخر إنما حده واحد، واثنين اثنين، فجاء محدودا عن وجهه، فترك صرفه، قلت: أفتصرفه في النكرة؟ قال: لا، لنه نكرة يوصف به نكرة، قال أبو عمرو (أ (فاطر: ١) صفة كأنك قلت: أولي أجنحة اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة، وتصديق قول أبي عمرو قول ساعة بن جؤية.
عاودني ديني فلت كأنما ... خلال ضلوع الصدر شرع ممدد.
ثم قال:
ولكنما أهلي بواد أنيسه ... البيت
قال الأعلم: الشاهد في ترك صرف مثنى وموحد، لأنهما صفتان لذئاب معدولتان عن اثنين اثنين، وواحد واحد. انتهى.
والبيتان من قصيدة لساعدة رثى بها ابن عم له قتلته قشير، قاله ابن السيد. وقال غيره، رثى به ابنه أبا سفيان، والقصيدة أوردها السكري في أشعار الهذليين، وهذا مطلعها:
ألا بات من حولي نياما رقدا ... وعاودني ديني الذي يتجدد
وعاودني ديني فبت كأنما ... خلال ضلوع الصدر شرع ممدد
стр. 2680
بأوب يدي صناجه عند مدمن ... غوى إذا ما ينتشي يتغرد
ولو أنه إذا كان ما حم واقعا ... بجانب من يخفي ومن يتودد
ولكنما أهلي بواد أنيسه ... .. البيت
لهن بما بين الأصاغي ومنصح ... تعاو كما عج الحجيج الملبد
قوله: ألا بات الخ .. ، بات يقال للفعل الذي يختص بالليل كما اختص الفعل في ظل بالنهار، وهي من أخوات صار، و "من" اسمها، و"نياما" خبرها، قال السكري: دينه: دأبه وأمر الذي هو عليه، ويروي: "يتعدد" أي: الذي يأتيه في العداد، أي: في وقته، يقال: إن اللسعة لتعاد فلانا، يريد: تأتيه في وقت لسعة الحية، أي: يأتيه الوجع، أي يأتبي همي الذي يتعدد، أي: الذي يتأبني همي الذي يتعدد، أي: الذي يأتبي عدا، أي: كل وقت.
وقوله: وعاودني ديني، يقول: كأن بيت أضلاعي صوت وتر، والشرع، بكسر الشين، والشرعة مثله، وترى العود ونحوه، يقول: كأن حنيني ضرب عود في أضلاعي، قال السكري، وقال ابن السيد في شرح أبيات "أدب الكاتب": أرد بدينه: حاله التي كانت تعتاده، يقال ما زال ذلك ديني ودأبي وديدني وديداني، أي: عادتي وحالتي، والشرع: والوتر، يقول كأن بين أضلاعي غناء عودة لكثرة حنيني وبكائي، والمدمن: الذي يدمن شرب الخمر والغناء. انتهى. وخلال: ظرف بمعنى بين، وأثناء.
والأوب: الرجع، والصناجة: التي تضرب الصنج وتغني، والغوي: الضال، وينتشي: يسكر، ويتغرد: يتطرب، قال السكري: قوله: بأوب يدي، أو بها:
стр. 2681
رجعها وترديدها في الضرب، عند رجل مدمن الخمر غوى جاهل، يتغرد: يتطرب، والتطريب: مد الصوت.
وقوله: ولو أنه إذ كان ما حم، بضم الحاء المهملة، أي: قدر، قال السكري: يقول: لو كان ما أصابني إلى جانب من يحفي ويتود دني، ولكنما هو بجانب من لا يبالي، يقال: حفي به حفاوة: إذا أكرمه وألطفه، يقول: لو أنه إذا كان ما أراد أن يصيبني بجانب من يودني ويلطفني يريد أهله، ولكن ما أصابني ناء عنهم. انتهى. وأوضحه ابن السيد بقوله: يحفي بلطف، يقال: فلان يحفي بفلان، ويتحفى به: إذا رفق به ولطف، يقول: لو أصابني هذا الرزء بجانب من يتحفي بي ويهتم لحالي، لهان على موقعه، فحذف جواب لو لما فهم المعنى. انتهى.
وقوله: ولكنما أهلي الخ ... ، قال ابن السيد التي تطلب الناس لتأكلهم اثنين اثنين، وواحدا واحدا، ويمكن أن يريد السباع بأعينها، ويحتمل أن يريد قوما بمنزلة السباع. انتهى. ويبطل الاحتمال الثاني البيت الذي بعده، ولهذا اقتصر الجواليقي في شرحه على الأول، فقال: لو كان ما أراد أن يصيبني أصابني بجانب أهلي، ولكنما أصابني في بلد ناء، وأهلي بواد ليس به أنيس، هم مع السباع والوحش في بلد قفر، تبغي: تطلب، وأصله: تتبغي بتائين، ومثنى ومود صفتان لسباع. انتهى. ورواية السكري: سباع موضع ذئاب. وقوله: لهن بما بين الخ .. قال السكري: لهن، أي: للسباع، والأضاحي ومنصح: موضعان، وتعاو: صوت، وملبد، كان الحجاج في ذلك الزمان يلبدون شعورهم بالصمغ لئلا يتشعث وينتفش. انتهى. وترجمة ساعدة بن جوية تقدمت في الإنشاد الثالث من أول الكتاب.
стр. 2682
وأنشد بعده:
أحاد أم سداس في أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتناد
وتقدم في الإنشاد الثامن والخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التسعون بعد الثمانمائة:
(٨٩٠) ولا أرض أبقل إبقالها
صدره:
فلا مزنة ودقت دقها.
على أنه كان يجب أن يقال: ولا أرض أبقلت، لكنه حذف تاء التأنيث لضرورة الشعر، قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه ذكر "أبقل" مع أنه مسند إلى ضمير الأرض للضرورة حملا على معنى المكان وهو قبيح. انتهى.
وقال أبو حنيفة الدينوري في كتاب "النبات" عندما أنشد هذا البيت: إن الأرض تذكر وتؤنث، وكذلك السماء فلا ضرورة فيه، وزعم الصاغاني في "العباب" أن الرواية:
ولا روض أبقل إبقالها
ولو كان البيت كذلك، لقال: " ولا روض أبقل إبقاله" بتذكير الضمير مع أن سيبويه رواه: "ولا أرض" وهو ثقة، والاعتماد عليه أكثر، والمزن السحاب، واحده: مزنة، وودقت: أمطرت، يقال: ودقت السماء تدق ودقا، قال تعالى: (فترى الودق يخرج من خلاله) (الروم: ٤٨)، وقال:
стр. 2683
الدينوري: يقال: بقل المكان، وقال بعض الرواة: أبقلت الأرض، وأبقلها الله، وبقل وجه الغلام: إذا خرج شعر عارضه، وقال بعض علماء العربية: أبقل المكان، ثم يقولون: مكان باقل، قال: ولا نعلمهم يقولون: بقل المكان، ومثله قولهم: أورست الأرض، ونبت وارس، ولا يقولون غيرها. وقال أيضا: أعشب البلد، ثم قالوا: بلد عاشب، وكذا قال أبو عبيد والأصمعي، وتبعها ابن السكيت وغيره قالوا: يقال: بلد عاشب، ولا يقال إلا "أعشب" وكذا، أورس وأبقل، قال الدينوري وتبعه علي بن حمزة البصري في كتاب "التنبيهات": وقد جاء عن العرب ما يرد عليهم، ورد في أشعارهم: مبقل ومعشب ومورس. قال الجواليقي في كتاب "ما تلحن فيه العامة": تذهب العامة إلى أن البقل ما يأكله الناس خاصة دون البهائم من النبات الذي لا يحتاج في أكله إلى طبخ، وليس كذلك، إنما البقل العشب، وما ينبت الربيع مما يأكله البهائم والناس.
ونسب البيت شراح شوهد سيبويه إلى عامر بن جوين الطائي، وهو شاعر فارس جاهلي، وقد بسطنا الكلام على هذا البيت في الشاهد الثاني من أول شاهد الرضي. وتقدمت ترجمته في الإنشاد التاسع والأربعين بعد الثمانمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والتسعون بعد الثمانمائة:
(٨٩١) صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجعن قوما كالذي كانوا هما أول أبيات للفند الزماني أوردها أبو تمام في أول "الحماسة"، والصفح:
стр. 2684
العفو، وحقيقته: أعرضنا عنهم، وأوليناهم صفحة عنقنا، وروى: عن بني هند، وهي هند بنت مر بن أد أخت تميم.
وقوله عسى الأيام .. الخ، قال المرزوقي: لا يجوز أن يكون الذي بمعنى الذين، لأن الموصول والصلة يصير صفة لقوم آخرين كالقوم المذكورين، بل التقدير: أن يرد دأب القوم كائنا كالدأب الذي كانوا عليه، وفي هذا الوجه يجوز أن يكون الذي للجنس، كما قال تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به) (الزمر: ٣٣)، ثم قال: (أولئك) والفصل بين هذا الوجه، والوجه الأول أنه أمل في الوجه الأول أنهم إذا عفوا عنهم أدبتهم الأيام، وردت أحوالهم كأحوالهم فيما مضى في الاتفاق والتواد، وفي الوجه الثاني أمل أن ترجع الأيام أنفسهم إذا صفحوا عنهم، كما عهدت سلامة صدور، وكرم عهود. انتهى. ومعنى: يرجعن يرددن من باب فعل وفعلته، يقال: رجع فلان رجوعا ومرجعا ورجعانه ورجعته رجعا، والعائد محذوف، أي: كالذي كانوه، وهو خبر كان.
والفند الزماني: اسمه شهل بن شيبان بن ربيعة بن زمان الحنفي، وشهل بالشين، وليس في العرب شهل بالمعجمة إلا هو، وشهل بن أنمار من قبيلة بجيلة، وزمان، بكسر الزاي وتشديد الميم، والفند: بكسر الفاء وسكون النون: القطعة من الجبل، وإنما لقب به، لأن بكر بن وائل بعثوا إلى بني حنيفة في حرب البسوس يستنصرونهم، فأمدوهم به، وكتبوا إليهم: قد بعثنا إليكم بثلاثمائة فارس، فلما أتى بكر وهو مسن قالوا: وما يغني هذا العشبة؟ قال: أو ما ترضون أن أكون
стр. 2685
لكم فندا تأوون إليه، فلقب به، والعشبة، بفتحات العين المهملة والشين المعجمة والباء الموحدة، الشيخ الكبير، ويقال: العشمة، بالميم بدل الموحدة، وقد أوردنا بقية الأبيات، وشرحناها في الشاهد الواحد والأربعين بعد المائتين من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والتسعون بعد الثمانمائة:
(٨٩٢) إذ الناس ناس والزمان زمان
هذا الصراع أنشده ابن جني في "إعراب الحماسة" وابن الشجري في"أماليه"، هكذا:
إذ الناس ناس والبلاد بلاد
وكذا رأيته في "الحماسة البصرية"، أنشد جامعها ولمن يعزه إلى قائله:
ألا هل إلى أجبال سلمى بذي اللوي ... لوي الرمال من قبل الممات معاد
بلاد بها كنا وكنا نحبها ... إذ الناس ناس والبلاد بلاد
وقال الأصبهاني في "الأغاني": هو لرجل قوم عاد، ثم روى بسنده عن حماد الراوية قال: حدثني ابن أخت لنا من مراد، قال: وليت صدقات قوم من العرب فقال لي رجل منهم: ألا أريك عجباً؟ قلت: بلى، فأدخلني في شعب من جبل، فإذا أنا بسهم من سهام عاد من قنا قد نشبت في ذروة الجبل عليه مكتوب:
ألا هل إلى أبيات شمخ إلى اللوي ... لوى الرمل يوماً للنفوس معاد
بلاد بها كنا وكنا من أهلها ... إذ الناس ناس والبلاد بلاد
стр. 2686
ثم أخرجني إلى ساحل البحر، فإذا أنا بحجر يعلوه الماء طورا، ويظهره أخرى، عليه مكتوب: يا ابن ادم، يا عبد ربه، اتق الله، ولا تعجل في أمرك، فإنك لن تسبق رزقك، ولن ترزق ما ليس لك، ومن البصرة إلى دبيل ستمائة فرسخ، فمن لم يصدق ذلك، فليمش الطريق على الساحل حتى يتحقق، ومن لم يقدر على ذلك، فلينطح برأسه هذا الحجر. انتهى.
وأنشد بعده:
أنا أبو النجم ... وشعري شعري
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الخامس والثلاثين بعد الخمسمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث التسعون بعد الثمانمائة:
(٨٩٣) لمية موحشا طلل تمامه:
يلوح كأنه خلل
قال ابن الحاجب في "أماليه" على أبيات "المفصل: : يجوز أن يكون موحشا حالا من الضمير في لمية، فجعل الحال من المعرفة ألوى من جعلها من النكرة متقدمة عليها، لأن هذا هو الكثير الشائع، وذاك قليل، فكان أولى. وقد استشهد به جماعة كالمصنف منهم الخبيصي في "شرح الكافية" قال: قدم الحال وهو موحشا
стр. 2687
على ذي الحال وهو طلل، لئلا يلتبس بالصفة، قال شارح شواهده الكرماني: هذا لا يصلح لمطلوبه من وجوه.
الأول: أنه محتمل غير منصوص، إذ لا نسلم أنه حال من طلل لجواز كونه حالا من ضمير الظرف، فلا يكون ذو الحال نكرة.
الثاني: أنه لا يجوز أن يكون حالا من طلل، لنه مبتدأ، والحال لا تكون إلا من الفاعل أو المفعول أو ما في قوتهما. انتهى وفي كل من الأمرين نظر ظاهر، وقد تكلم السخاوي على هذا البيت في "سفر السعادة"، نقلناه وانتقدناه في الشاهد الخامس والتسعين بعد المائة من شواهد الرضى. والخلل، بكسر الخاء المعجمة: جمع خلة، وهي بطائن يغشى بها أجفان السيوف منقوشة بالذهب وغيره، كذا في "الصحاح"، ومية: محبوبة ذي الرمة، وينشد هذا الشاهد كذا أيضا:
لعزة موحشا طلل قديم ... عفاه كل أسحم مستديم
وبه استشهد الرضى، وشرحناه هناك، ونسبة أبو علي إلى كثير عزة.
وأنشد بعده:
ها بينا ذا صريح النصح فاصغ له ... وطع فطاعة مهد نصحه رشد.
وتقدم في الإنشاد الثامن والتسعين بعد السبعمائة.
стр. 2688
وأنشد بعده
ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد السابع والسبعين بعد الخمسمائة:
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والتسعون بعد الثمانمائة:
(٨٩٤) فطافت ثلاثا بين يوم وليلة
تمامه:
وكان النكير أن تضيف وتجارا
وبعده.
وألفت بيانا عند آخر معهد ... إهابا ومعبوطا من الجوف أحمرا
وخدا كبر قوع الفتاة ملمعا ... وروقين لما يعدوا أن تقشرا
وهو من قصيدة للنابغة الجعدي الصحابي، قال المصنف: "وإنما المسألة الصحيحة"، أي: لتغليب المؤنث على المذكر في التاريخ؛ إذ الكلام فيه، وليس المعنى أنه لا تغلب المؤنث على المذكر إلا في التاريخ، إذ ليس الكلام على مطلق تغليب المؤنث على المذكر كما فهمه الدماميني، واعترض عليه بأنه لا اختصاص لهذه المسألة بالتاريخ، فإنه يقال في غيره: اشتريت عشرا بين جمل وناقة، ويريد بالمثال أنه يغلب المؤنث على المذكر في غير التاريخ كما هو مدلول سياق كلامه، ومثاله جار على مذهب الفراء وأبي حيان، وأما على ما ذكره المحقق الرضي، فيجب أن يقول: اشتريت عشرة بالتأنيث لتغليب المذكر، وقول المصنف: "وضابطه أن يكون
стр. 2689
معنا الخ ... " أي: ضابطه تغليب المؤنث على المذكر في التاريخ، ولا يرد اعتراض الدماميني بقوله: يقع التغليب بدون هذا الضابط، كقوله تعالى: (أربعة أشهر وعشرا) (البقرة: ٢٣٤)، فإن المصنف قد غلط من قال بالتغليب في نحوها، فإن الآية ليست من التغليب في شيء. وحاصل كلام المصنف أن التاريخ يكون بلا تغليب، كما في نحو الآية، ويكون بتغليب إذا كان داخلا في الضابطة المذكورة، والتغليب يكون فيه وفي غيره كما ذكره المحقق الرضي وغيره، وهذا مما أنعم الله به على من فهم كلام المغني، فإن شراحه لم يهتدوا لمراده، ولم يعرفوا عجز البيت مع شهرته وتداوله في كتب النحو وغيرها ولله الحمد على ذلك.
ومعنى الشعر أن النابغة وصف بقرة وحشية أكل السبع ولدها، فطافت وروى: أقمت ثلاث أيام وثلاث لليال تطلبه، ولا إنكار عندها إلا الإضافة، وهي الجزع والإشفاق والجوار، : وهو الصياح، والنكير: الإنكار، وهو من المصادر التي أتت على فعيل كالنذير والعذير، وأكثر ما يأتي هذا النوع من المصادر في الأصوات كالهدير والهديل، أي: ما كان عندها حين فقدته إلا الشفقة والصياح، وتضيف مضارع أضافه إضافة، أي: أشفق وهو بالضاد المعجمة، كذا ضبطوه.
وأورد البيت العسكري في موضعين من كتاب "التصحيف" قال في الموضع الأول: حدثنا أحمد بن يحيي قال: سمعت سلمة بن عاصم يقول: صحف الكسائي في بيت النابغة الجعدي، فقال: هو تصيف، بالصاد غير معجمة، وتضيف أي: تشفق، وبالإضافة: الشفقة، ويروي أن تضيف بفتح التاء، أي: تعدل ههنا مرة وههنا مرة. يقول: كان نكيرها لما رأت الشلو أن تشفق وتجأر، لا شيء عندها غير ذلك.
وقال في الموضع الثاني: يروي تضيف مضموم التاء والضاد معجمة، ويروي تضيف مفتوح التاء، فمن رواه بفتحها، وهو الجيد، أراد: تشفق، ومنه قوله:
стр. 2690
وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمر حتى ينصف الساق مئزري
وفي الحديث: "حتى إذا تضيفت الشمس للغروب" بضاد معجمة، أي مالت، ويقال: ضافت تضيف ضيفا: إذا مالت، وأخبرني ابن الأنباري عن ثعلب قال: سأل ابن الأعرابي عن قوله: حين تضيفت، فقال: لا أعرفه، ولكن إن كان تضيفت بصاد غير معجمة فهو: حين تميل كما قال أبو زبيد:
كل يوم ترميه منا برشق ... فمصيب أو صاف غير بعيد
يقال: صاف السهم وضاف، أي: مال، وحكى أبو بكر بن الخباز عن ثعلب عن ابن الأعرابي: يقال: صاف السهم، بصاد غير معجمة: إذا أخطأ، لم يقل عربي قط ضاف منقوطة، وأنشد غيره:
فلما دخلناه أضفنا ظهورونا
وضفت فلانا: إذا ملت إليه، وأضفته: إذا أملته إليك، ومنه قيل للدعي: مضاف، لنه مسند إلى قوم ليس منهم. انتهى.
стр. 2691
وقوله: "وألفت بيانا ... إلخ"، أراد: أنها وجدت عند آخر معهد عهدته فيه ما بين لها وحقق عندها أن السبع أكله/ ثم فسر ذلك البيان بما ذكره بعد ذلك، والإهاب: الجلد، والمعبوط: الدم الطري، والروقان، القرنان، وشبه خده لما فيه من السواد وردع الدم والبياض، ببرقوع فتاة، لأن الفتيات تزين براقعهن، وبقر الوحش بيض الألوان لا سواد فيها إلا في قوائمها وخدودها وأكفالها.
وهذه الأبيات من قصيدة طويلة نحو مائتي بيت، أنشد جميعها للنبي ﷺ ، ومنها:
أتيت رسول الله إذا جاء بالهدى ... ويتلو كتابا كالمجرة نيرا
وهي من أحسن ما قيل في الفخر بالشجاعة، ومن أواخرها:
بلغنا السماء مجدنا وثناؤنا ... وإنا لنرجو بعد ذلك مظهرا
ولا خيرا في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
والبيت الأول أورده شراح الألفية لبدل الاشتمال من الضمير المرفوع في قوله: بلغنا، وقد بسطنا الكلام على البيت الشاهد في الشاهد التاسع والأربعين بعد الخمسمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده: وهو الإنشاد الخامس والتسعون بعد الثمانمائة:
(٨٩٥) كادت النفس أن تفيظ عليه ... مذ ثوى حشو ريطة وبرود
стр. 2692
هذا البيت من شعر لأبي زبيد الطائي، واسمه: حرملة بن المنذر رثى به ابن أخيه اللجلاج، وقبله:
غير أن اللجلاج قص جناحي ... يوم فارقته بأعلى الصعيد
صاديا يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصره المنجود
وصوابه: إذ ثوى: أي: أقام، وحشو، ظرف لثوى، وحشو الشيء، جوفه وداخله، والريطة: كل ملاءة لم تكن من لفقين، والبرود: ثياب تصبغ باليمين، وقال أبو حاتم: لا يقال له برد حتى يكون فيه وشي.
وقوله: كادت النفس، قال الجواليقي في شرح "أدب الكاتب": كاد من أفعال المقاربة، وهي تستعمل بغير أن، يقال: كاد فلان يفعل، معناه: قارب الفعل ولم يفعل، لأن مقاربة الفعل يمنع من دخول "أن" من حيث "إن" للاستقبال، ولكن "كاد" تشبه بـ"عسى" كما شبه "عسى" بـ"كاد". انتهى.
وقال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": ومن ذلك عند بعض النحويين دخول "أن" في خبر "كاد"، نحو قول رؤبة:
قد كان من طول البلى أن يمصحا
وقول الآخر:
كادت النفس أن تفيظ عليه ... البيت
والصحيح أن دخولها في خبر "كاد" ضرورة، إلا أنها ليست مع ذلك بزائدة لعملها النصب، والزائد لا يعمل، بل هي مع الفعل الذي نصبته بتأويل مصدر، وذلك المصدر في موضع خبر "كاد" على حد قولهم: زيد إقبال وإدبار. انتهى.
وتفيظ بالظاء المشالة، يقال: فاظ الميت، وفاضت نفسه بالضاد، قاله الزجاجي، وفاظت نفسه، بالظاء جائز عند الجميع إلا الأصمعي، فإنه لا يجوز
стр. 2693
فاظت نفسه بالظاء، بل يقول: فاظ الرجل بالظاء، وفاضت نفسه بالضاد، ورد عليه ابن بري بهذا البيت، والصادي: العطشان، والعصرة، بالضم، والعصر بفتحتين مثله، والمنجود، بالنون والجيم، المكروب، وقد نجد، بضم النون نجدا فهو منجود ونجيد.
وترجمة أبي زبيد تقدمت في الإنشاد الحادي عشر بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والتسعون بعد الثمانمائة:
(٨٩٦) أنحوي هذا العصر ما هي كلمة ... جرت في لساني جرهم وثمود
إذا استعملت في صورة النفي أثبتت ... وإن أثبتت قامت مقام جحود
رواهما أبو حيان في "تذكرته" كذا:
أتحوي هذا العصر أية لفظة ... البيت
إذا ما نفت والله يعلم أثبتت ... البيت
وهذا مبني على تسليم اعتراض على ذي الرمة في شعر له كان قاله بحسب السليقة والطبيعة العربية، فخطأه بعضهم، فغيره فأخطأ في التسليم والتغيير.
أخرج المرزباني في كتاب "التوشيح" عن غيلان بن الحكم جد عبد الصمد ابن المعذل الشاعر أنه قال: قدم علينا ذو الرمة الكوفة فوقف على راحلته بالكناسة ينشد قصيدته الحائية، فلما بلغ هذا البيت:
стр. 2694
إذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح
فقال له ابن شبرمة: أراه قد برح، ففكر ساعة، ثم قال:
إذا غير النأي المحبين لم أجد ... البيت
قال" فرجعت إلى أبي الحكم البختري بن المختار، فأخبرته الخبر، فقال: أخطأ ابن شبرمة حيث أنكر عليه، وأخطأ ذو الرمة حيث رجع إلى قوله، إنما هذا كقول الله : (إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا) [النور/٤٠]، أي: لم يرها ولم يكد. انتهى.
والمعري هو: أحمد بن عبد الله بن سليمان، أبو العلاء المعري، كان غزير الفضل، شائع الذكر، غاية في الفهم، عالما باللغة، حاذقا في النحو، جيد الشعر، جزل الكلام، شهرته تغني عن صفته، ولد بمعرة النعمان سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، واعتل علة الجدري التي ذهب فيها بصره سنة سبع وستين، وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، ورحل إلى بغداد سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، وأقام بها سنة وسبعة أشهر، ثم رجع إلى بلده، فأقام، ولزم منزله إلى أن مات يوم الجمعة الثاني من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمائة. نقلته من "معجم الأدباء" لياقوت الحموي.
стр. 2695
الباب السابع
وأنشد فيه، وهو الإنشاد السابع والتسعون بعد الثمانمائة:
(٨٩٧) ولا هداك إلى أرض كعالمها
تمامه:
ولا أعانك في عزم كعزام
والبيت لعمرو بن براقة، كذا نسبه أبو الفضائل محمد بن علي بن عبد العزيز الحموي في كتابه المسمى "الجواهر الكتابية" وعمرو بن براقة بفتح الموحدة وتشديد الراء المهملة وبعد الألف قاف، وهو شاعر جاهلي، ترجمة صاحب "الأغاني" وغيره، والبيت مستشهد به في حروف الجر من شروح "التسهيل".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والتسعون بعد الثمانمائة:
(٨٩٨) كفى بجسمي نحولا أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
هذا البيت للمتنبي من نتفة ثلاثة أبيات في أول ديوانه، تقدم شرح البيتين. في الإنشاد السادس والتسعين بعد السبعمائة:
стр. 2696
قال الواحدي: كفى بجسمي من النحول أنني لو لم أتكلم، لم يقع على البصر، أي: إنما يستدل علي بصوتي، كما قال الصنوبري:
ذبت حتى ما يستدل على أني حي إلا ببعض كلامي
وأصل هذا المعنى قول الآخر:
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر
والباء في بجسمي زائدة، وهي تزاد مع الكفاية في الفاعل كثيرا كقوله تعالى: (كَفَى بِاللَّهِ) [الرعد/٤٥]، (كَفَى بِرَبِّكَ) [الفرقان/٣١]، وقد تزاد في المفعول أيضا كقوله:
وكفى بنا فضلا على من غيرنا
وانتصب نحولا تمييز، لأن المعنى: كفى جسمي من النحول. انتهى
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والتسعون بعد الثمانمائة:
وكفى بنا فضلا على من غيرنا
وانتصب نحولا تمييز، لأن المعنى: كفى جسمي من النحول. انتهى
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والتسعون بعد الثمانمائة:
(٨٩٩) أتبيت ريان الجفون من الكرى ... وأبيت منك بليلة الملسوع
الهمزة للاستفهام التوبيخي، وتبيت مضارع مرفوع لتجرده من عامل النصب والجزم، وفاعله أنت، والتاء الأولى حرف مضارعة للخطاب مثل أتقوم، وماضيه: باب بيتوتة ومبيتا ومباتا، يقال: بات يفعل كذا: إذا فعله ليلا، كما يقال: ظل
стр. 2697
يفعل كذا، إذا فعله نهارا، والمعنى: أتقضي الليل بالنوم! ؟ وريان بالنصب: خبر تبيت، والأصل في الريان: المكتفي من شرب الماء، فلا يشرب حتى يعطش ثانيا، فاستعارة للمكتفي من النوم، وأراد بالجفون: العيون من ذكر الجزء، وإرادة الكل، إذ الجفن، بفتح الجيم: غطاء العين، والكرى: النوم، وقوله: وأبيت بفتح آخره على أنه منصوب في جواب الاستفهام بأن مضمرة. قال أبو حيان في أوائل تفسير من "البحر": وقرأ ابن هرمز: (ويسفك) [الآية/٣٠] بنصب الكاف، فمن رفع الكاف عطف على يفسد، ومن نصب، فقال المهدوي: هو نصب في جواب الاستفهام، وهو تخريج حسن، وذلك أن المنصوب في جواب الاستفهام أو غيره بعد الواو، بإضمار "أن" يكون المعنى على الجمع، ولذلك تقدر الواو بمعنى "مع"، فإذا قلت: أتأتينا وتحدثنا ونصبت، كان المعنى على الجمع بين أن تأتينا وتحدثنا، أي: يكون منك إتيان مع حديث، وكذلك قوله:
أتبيت ريان الجفون من الكرى ... البيت
معناه: أيكون منك مبيت ريان مع مبيتي منك بكذا، وكذلك هذا: أيكون منك جعل مفسد مع سفك الدماء. انتهى كلامه. وروى البيت في تذكرته على خلاف هذا قال: لا يجوز حذف الباء مع أن وأن من التعجب، بل تقول: أحبب إلى بأن تزورني، وأهون علي بأن زيدا يغضب، وفي شعر الشريف الموسوي إسقاطها قال:
أهون علي إذا امتلأت من الكرى ... أني أبيت بليلة الملسوع
انتهى. والملسوع: الذي لسعته الحية أو العقرب أو الزنبور، وهذه الرواية هي الثابتة في ديوانه، وهذا أوله:
يا صاحب القلب الصحيح أما اشتفى ... ألم الجوى من قلبي المصدوع
стр. 2698
أأسأت بالمشتاق حين ملكته ... وجزيت فرط نزاعه بنزوع
هيهات لا تتكلفن لي الهوى ... فضح التطبع شيمة المطبوع
كم قد نصبت لك الخبائل طامعا ... فنجوت بعد تعرض لوقوع
وتركتني ظمآن أشرب دمعتي ... أسفا على ذاك اللمى الممنوع
قلبي وطرفي منك هذا في حمى ... قيظ وهذا في رياض ربيع
كم ليلة جرعته في طولها ... مضض الملام ومؤلم التقريع
أبكي ويبسم والدجى ما بيننا ... حتى أضاء بثغره ودموعي
تفلي أنامله التراب تعللا ... وأناملي في سني المقروع
قمر إذا استخجلته بعتابه ... لبس الغروب ولم يعد لطلوع
أبغي هواه بشافع من عبرة ... شر الهوى ما رمته بشفيع
ما كان إلا قبلة التسليم أر ... دفها الفراق بضمة التوديع
كمدي قديم في هواك وإنما ... تاريخ وصلك كان مذ أسبوع
أهون عليك إذا امتلأت من الكرى ... أني أبيت بليلة الملسوع
قد كنت أجزيك الصدود بمثله ... لو أن قلبك كان بين ضلوعي
والنسخة التي كتبت منها هذه الأبيات قديمة بضبط صحيح، تاريخ كتابتها سنة خمس عشرة وخمسمائة.
والتسخة التي كتبت منها هذه الأبيات قديمة بضبط صحيح، تاريخ كتابتها سنة خمس عشرة وخمسمائة.
وهذا الشعر للشريف الموسوي الرضي لا المرتضى، كما هو في نسخ المتن، وهو من تحريف الكتاب، وهو أبو الحسن محمد بن الطاهر ذي المناقب أبي أحمد الحسين ابن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، بن محمد الباقر، ابن زين العابدين، بن الحسين، بن علي بن أبي طالب، ﵃. قال الثعالبي
стр. 2699
هو أشعر الطالبيين من مضى منهم على كثرة شعرائهم المفلقين، ولو أقلت إنه أشعر قريش لم أبعد [عن الصدق]، وصنف كتابا في "معاني القرآن" يتعذر وجود مثله دل على توسعه في علم النحو واللغة، وكتابا في "مجازات القرآن" فجاء نادرا في بابه، وكانت ولادته سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، وتوفي بكرة الخميس سادس المحرم، وقيل صفر سنة ست وأربعمائة ببغداد، ودفن بداره بخط مسجد الأنباريين بالكرخ، ومضى أخوه الشريف المرتضى إلى مشهد جده موسى بن جعفر، لأنه لم يستطع أن ينظر إلى تابوته ودفنه، وصلى عليه الوزير فخر الملك. كذا في تاريخ ابن خلكان.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الموفي التسعمائة:
(٩٠٠) ألم ألك جاركم ويكون بيني ... وبينكم المودة والإخاء
قال سيبويه في باب الواو: اعلم أن الواو ينتصب ما بعدها في غير الواجب، ثم استشهد بقوله:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
أراد: لا تجمعن النهي والإتيان، فصار "تأتي" على إضمار أن، إلى أن قال: ومن ذلك قول الحطيئة:
ألم أك جاركم ويكون بيني ... البيت
كأنه قال: ألم أك هكذا ويكون بيني وبينكم. انتهى.
стр. 2700
قال الأعلم: الشاهد فيه نصب يكون بإضمار "أن" على تأويل الاسم في الأول، والتقدير: ألم يقع أن أكون جاركم، ويكون بيني وبينكم المودة، يقول هذا لآل الزبرقان بن بدر، وكانوا قد جفوه، فانتقل عنهم وهجاهم. انتهى.
والبيت من قصيدة للحطيئة يعاتب بها الزبرقان بن بدر، ويمدح ابن عمه بغيض بن عامر من بني أنف الناقة، منها:
ألم أك نائيا فدعوتموني ... فجاء بي المواعد والرجاء
ألم أك جاركم فتركتموني ... لكلبي في جواركم عواء
وآنيت العشاء إلى سهيل ... أو الشعري فطال بي الأناء
ولما كنت جاركم أبيتم ... وشر مواطن الحسب الإباء
ولما كنت جارهم حبوني ... وفيكم كان لو شئتم حباء
ولما أن مدحت القوم قلتم ... هجوت وهل يحل لي الهجاء
ألم أك محرما ويكون بيني ... وبينكم المودة والإخاء
فلم أشتم لكم حسبا ولكن ... حدوث بحيث يستمع الحداء
وقد تقدم سبب هذا العتاب حتى آل إلى الهجاء، فإن الحطيئة كان نزيلا عند الزبرقان بن بدر وهو غائب في المدينة، فقصرت به زوجة الزبرقان، فاحتملها وكان ابن عمه بغيض يحسد الزبرقان، فأطمع الحطيئة، وأنعم عليه، ونقله إلى محله، ولما جاء الزبرقان تخاصم مع ابن عمه، وكاد يتفاقم الأمر، فوقع الصلح على أن يخير الحطيئة في أن يكون نزيل أحدهما، فاختار بغيضا.
وقوله: وآنيت العشاء، أي: انتظرت، والعشاء بالفتح: الطعام الذي يؤكل في أول الليل، وطلوع سهيل والشعري في آخر الليل، والأناء: مصدر لآنيت، وهو الانتظار، وحبوني: أعطوني، والحباء بالكسر: العطاء. وقوله: ألم أك
следующие страницы →