Полный текст (2 797 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الضغبوس مثلًا للرجل الضعيف. وأخبرني بعض العرب قال: الضغابيس: ينبث نبات الهليون سواء, وهو ضعيف, فإذا جف حتته الرياح فطيرته. وقال: الذؤنون: ضرب واحد حاو, وهو شبيه بالطرثوث, والذونون أخضر, وإذا جف أبيض, وقال: الضجع مثل الضغابيس إلا أنه أغلظ, وهما جميعًا في خلقة الهليون. ويقال للكمء الأبيض: أقرح, والجمع قرحان. وقال أبو خيرة العدوي: الكمأة جمع, والواحد: الكمء, وكذلكا لجبء, والجميع الجبأة, قال: والجبأة أكبره وأطيبه, وهي هناة حمر, والعساقيل منها بين الحمرة والبياض, وهي أطيبها بعد الجبأة. قال: ومنها الفقع, والواحدة: فقعة, وهي هناة بيض, وهي أرؤدها طعمًا وأسرعها ظهورًا. قال: ومنها بنات أوبر, والواحد ابن أوبر, وهي أمثال الحصى صغار, وهي رديئة الطعم, وهي أول الكمأة. قال: وما يدخل فيها وليس منها العراجين, وهي طوال بيض طيبة ما دامت غضة. قال: والدمالق: أصغر من العرجون وأقصر يكون في الروص وهو طيب, وقال غيره: القرحان: ضرب من الكمأة أبيض صغار ذوات رؤوس كرؤوس الفطر, الواحدة قرحانة, وقال أبو عمرو: بنات أوبر: شيء مثل الكمأة وليس بكمأة, وهي صغار, ويقال: إن بني فلان مثل بنات أوبر, يظن أن فيهم خيرًا, واحدها ابن أوبر. انتهى كلام الدينوري, وما أخذته مقدار عشره.
وأنشد بعده, وهو الانشاد الواحد والسبعون:
(٧٠) وابن اللبون إذا مالز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
стр. 317
على أن ابن لبون نكرة فعرف باللام.
قال سيبويه في باب المعرفة: ومنه أبو جخادب, وهو ضرب من الجنادب, كما أن بنات أوبر ضرب من الكمأة, وهي معرفة, ومن ذلك ابن فترة, وهو ضرب من الحيات, فكأنهم إذا قالوا: هذا ابن قترة, فقد قالوا: هذا الحية الذي من أمره كذا, وإذا قالوا: بنات أوبر, فكأنهم قالوا: هذا الضرب الذي من أمره كذا من الكمأة, وإذا قالوا: أبو جخادب, كأنهم قالوا: هذا الضرب الذي سمعت به من الجنادب أو رأيته, ومثل ذلك: ابن آوى, كأنه قال: هذا الضرب الذي سمعت به أو رأيته من السباع, فهو ضرب من السباع, كما أن ابن أوبر ضرب من الكمأة, ويدلك على أنه معرفة أن آوى غير مصروف, وليس بصفة إلى أن قال: وأما ابن لبون وابن مخاض فنكرة, لأنها تدخلها الألف واللام, وكذلك ابن ماء, قال جرير, فيما دخل فيه الألف واللام:
وابن اللبون إذا ما لز في قرنٍ .. البيت
وقال الفرزدق:
وجدنا نهشلًا فضلت فقيمًا ... كفضل ابن المخاض على الفصيل
فإذا أخرجت الألف واللام صار الاسم نكرة. انتهى.
قال الأعلم: الشاهد فيه إدخال الألف واللام في اللبون ليعرف الأول به,
стр. 318
لأنه اسم جنس نكرة بمنزلة ابن رجل, ولم يجعل علمًا بمنزلة ابن آوى وغيره, فلذلك خالفه في دخول الألف واللام على ما أضيف إليه. ضرب هذا مثلًا لنفسه, ولمن رام مقاومته في الشعر والفخر, لأن ابن اللبون – وهو الفصيل الذي نتجت أمه غيره فصارت لبونًا – إذا لزم, أي: شد, في قرن, وهو الحبل, ببازل من الجمال قوي, لم يستطع صولته ولا مقاومته في سيره. والقناعيس: الشداد, واحدها قنعاس. انتهى كلامه.
والبيت من قصيدة لجرير, هجا بها بني تيم, رهط عمر بن لجأ التيمي, وهذه الأبيات منها:
إني إذا الشاعر المغرور حربني ... جار لقبر على مران مرموس
قد كان أشوس أباء فأورثنا ... شغبًا على الناس في أبنائه الشوس
نحمي ونغتصب الجبار نجنبه ... في محصد من حبال القد مخموس
لا يستطيع امتناعًا فقع قرقرةٍ ... بين الطريقين بالبيد الأماليس
وابن اللبون إذا ما لز في قرنٍ ... البيت
قوله: إني إذا الشاعر المغرور, هذا تعريض بعدي بن الرقاع العاملي, ووجهه – كما قال الأصفهاني في «الأغاني» -: أن جريرًا دخل على الوليد بن عبد الملك, وعنده عدي بن الرقاع العاملي, فقال الوليد لجرير: أتعرف هذا؟ قال: لا يا أمير المؤمنين, قال الوليدك هذا عدي بن الرقاع, فقال جرير: شر الثياب الرقاع! ممن هو؟ قال: العاملي, فقال جرير: الذي يقول الله تعالى: (عاملة ناصبة * تصلى نار حامية) [الغاشية/٣] ثم قال:
стр. 319
يقصر باع العاملي عن العلى ... ولكن أير العاملي طويل
فقال له عدي:
أأمك كانت أخبرتك بطوله ... أم أنت امرؤ لم تدر كيف تقول
فقال: لا, بل لم أدر كيف أقول, فوثب العاملي إلى رجل الوليد يقبلها وقال: أجرني منه, فقال الوليد لجرير: لئن شتمته لأسرجنك وألجمنك حتى يركبك, فيعيرك بذلك الشعراء. فكنى جرير عن اسمه فقال: إني إذا الشاعر المغرور حر بني .. إلى آخر الأبيات الخمسة, وفيها قبل البيت الشاهد:
أقصر فإن نزارًا لن يفاخرهم ... فرع لئيم وأصل غير مغروس
وقال ابن السيد البطليوسي في «شرح أبيات الجمل الزجاجية»: كان سبب قوله أنه دخل على الوليد بن عبد الملك, وعدي بن الرقاع العاملي ينشد قصيدته التي أولها:
عرف الديار توهمًا فاعتادها ... من بعد ما شمل البيلى أبلادها
فلما فرغ من إنشاد القصيدة قال: كيف تسمع يا ابن الخطفى؟ قال: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: عدي بن الرقاع [العاملي] , فقال له جرير: الذين قال الله تعالى فيهم: (وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة * تصلى نار حامية) [الغاشية/ ٣,٤] فقال له الوليد: لا أم لك! أتقول هذا لمن يمدح أحياءنا, ويؤبن موتانا؟ ! فقال جرير:
يقصر باع العاملي عن العلى .. البيت
فقال العاملي:
أأمك كانت أخبرتك بطوله ... أم أنت امرؤلم تدر كيف تقول
стр. 320
فغضب جرير: فقال عدي: يا أمير المؤمنين أجرني من لسانه, فقال الوليد لجرير: والله لئن ذكرته لأسرجنك, وليركبنك حتى يعيرك الشعراء. فلم يذكره جرير, ولكن عرض به في قصيدته التي يقول فيها:
إني إذا الشاعر المغرور حريني .. إلى آخر الأبيات
انتهى. وقوله: إذا الشاعر المغرور حر بني: إذا شرطية, وشرطها محذوف يفسره حربني. وقوله: جار, جواب إذا بتقدير مبتدأ, والتقدير: فهو جار, والجملة الشرطية خبر إن. وحربني بالحاء المهملة, أي: أغضبني: يقال منه: حرب الرجل يحرب حربًا – من باب فرح – إذا غضب, وأحربني: أغضبني. وقوله: لقبر, فيه محذوف, أي: لذي قبر, فإنه قال: مرموس, بمعنى مدفون, فإن القبر لا يكون مرموسًا. وعلى: بمعنى في, متعلقة بمرموس. ومران بفتح الميم: موضع على أربع مراحل من مكة إلى البصر دون بلاد تميم, وفيه قبر تميم بن مر. يقول من أغضبني يصير جارًا لتميم بن مر, أي: يموت, فيصير جارًا له. وشارح ديوان جرير لم يحمل هذه الأبيات على التعريض بعدي بن الرقاع, بل قال: يفخر به على ابن لجأ.
وقوله: قد كانأشوس, الشوس بفتحتين: التكبر والنظر بمؤخر العين.
زعم جرير أن تميمًا كان أشوس سيء الخلق, فأورثنا شغبًا ونحن شوس. والأباء: الكثير التأبي من الظلم. والشغب: تهييج الشر.
وقوله: نحمي ونغتصب .. الخ, أي: نحمي الجاني. والجبار. الرجل المتجبر, ونجنيه: نقوده أسيرًا في محصد, أي: في جبل محصد, اسم مفعول من: أحصدت الحبل, أي: قتلته وأحكمته ومخموس الحبل: الذي قتل بخمس طاقات. والقد: الجلد. وقوله: فقع قرقرة, مثل للذليل. والفقع:
стр. 321
الكمأة البيضاء لا تؤكل. والقرقرة: الأرض المستوية. يقول: إنه ذليل كالفقع يداس بالأرجل ولا حامي له ولاناصر. والأماليس: جمع إمليس, وهو البلد الواسع, وقال ابن السيد: الأرض التي لا نبات فيها. والبيد: جمع بيداء, وهي المفازة.
وقوله: وابن اللبون .. الخ, هو من ولد الناقة الذي استكمل السنة الثانية, ودخل في الثالثة, والأنثى بنت لبون, سمي بذلك لأن أمه ولدت غيره, فصار لها لبن. واللبون: الناقة, والشاة ذات اللبن. وقوله: إذا ما لز, ما: زائدة, ولز بالبناء للمجهول, أي: شد. قال ابن دريد في «الجمهرة»: لز الشيء بالشيء, إذا قرن به لزًا, ومنه قولهم: قد لززت بي يا فلان, وكل شيء دانيت بينه أو قرنته, فقد لززته, وأنشد البيت. قال: وأجاز قوم: لززت الشيء بالشيء وألززته به, ولم يجزها البصريون, وأجاز الأصمعي: لاززته ملازة ولزازًا, إذا قرنته. انتهى. والقرن, بفتح القاف والراء المهملة: الحبل الذي يشد به البعيران ونحوهما, فيقرنان معًا. والصولة: الحملة. والبزل: جمع بازل, وهو البعير الذي دخل في السنة التاسعة, وبزل نابه, أي: خرج والقناعيس: جمع قنعاس – بالكسر – وهو الجمل العظيم الجسم الشديد القوة.
وهذا البيت ضربه مثلًا لمنيعارضه ويهاجيه, يقول: من رام إدراكي, كان بمنزلة ابن اللبون إذا قرن في قرن مع البازل القنعاس, إن صال عليه لم يقدر على دفع صولته ومقاومته, وإن رام النهوض معه قصر عن عدوته.
ونظير هذا البيت في معناه قول سحيم بن وثيل الرباحي وقد أدركه جرير:
عذرت البزل إن هي خاطرتني ... فما بالي ابن اللبون
стр. 322
روى المرزباني في «الموشح» قال: أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد, قال: أخبرنا أبو حاتم قال: سألت الأصمعي عن الأعشى أعشى بني قيس بن ثعلبة: أفحل هو؟ قال: لا, ليس بفحل, قلت له: ما معنى الفحل؟ قال: نريد أنه له مزية على غيره, كمزية الفحل على الحقاق. وبيت جرير يدلك على ذلك, وأنشد:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن .. البيت
انتهى.
ونظيره في الخيل قول أعرابي:
ألا قالت الخنساء يوم لقيتها ... كبيرت ولم تجزع من الشيب مجزعا
رأت ذا عصا يمشي عليها وشيبة ... تقنع منها رأسه ما تقنعا
فقلت لها لا تهزئي بي فقلما ... يسود الفتى حتى يشيب ويصلعا
وللقارح اليعبوب خير علالة ... من الجذع المرخى وأبد منزعا
والقارح من ذي الحافر: بمنزلة البازل من الإبل. واليعبوب: الفرس السريع والبعيد القدر في الجري. والعلالة: بضم العين المهملة: بقية جري الفرس. والجذع بفتحتين: الفرس الداخلة في السنة الثالثة.
стр. 323
ومن آخر هذه القصيدة:
قد نكتسي بزة الجبار نجنبه ... والبيض نضر به فوق القوانيس
تدعوك تيم وتيم في قرى سبأٍ ... قد عض أعناقهم جلدًا لجواميس
والتيم ألام من يمشي وألا مهم ... أولاد ذهلٍ بنو السود المدانيس
بزة الجبارو بكسر الموحدة: سلاحه. والقوانيس: جمع قونس, كجعفر, زاد الياء اضرورة, وأراد به أعلى الهامة. وقوله: تدعوك تيم, استشهد صاحب «الكشاف» بهذا البيت على صرف سبأٍ, على أنه اسم للحي أو للأب الأكبر. وقوله: قد عض أعناقهم .. الخ, يريد: أن تيمًا قد غلت أيديهم إلى أعناقهم بالقد من جلد الجاموس. والمدانيس: جمع مدناس, وهو الكثير الدنس, وهو الوسخ في الثوب والعرض.
قال شارح الديوان: قوله: تدعوك تيم .. البيت, هذا يوم منة لبني سعد على الرباب وذلك فيما ذكروا, أن الرباب قبل أن تكثر بنو تميم في أول الزمان, انطلقوا إلى أهل اليمن, فحالفوهم ونزلوا في ديارهم, وحالفوا منهم الحارث بن كعب, وهو يومئذ من سادة اليمن وملوكهم, فكانوا فيهم زمانًا, ثم إنهم جعلوا يشتقون عليهم, ورأوا أمورًا رابتهم, فقال الرباب بعضهم لبعض: ما يقعدنا هاهنا, وقومنا بنو تميم أكثر الناس وأعزهم؟ ! فتحملت ضبة وعدي بن عبد مناة, فرجعوا إلى تميم, وأقامت
стр. 324
عكل والتيم فلبثوا زمانًا. ثم إن ركبًا نزلوا بهم فلم يقروهم, وكانوا قد وفدوا على الملك, فأخبروه بصنيع عكل والتيم, فأخذهم وجدع خمسة وعشرين من سراة التيم, وخصى خمسة وعشرين من سراة عكل, ثم أقصاهم وأهانهم, وجعلوا ينكحون فيهم ولا ينكحونهم, فلما رأوا ما لقوا, ظعنت عكل بعد الخصاء, فلحقت ببني تميم, وبقيت التيم, وكانوا أهل شاء وحمير, فلم يستطيعوا براحًا, فأقاموا وأقروا بالذل. ثم إن رجلًا من أهل اليمن ابن أخت لهم غضب لهم مما يصنع بهم, فكتب إلى تميم بشعر له, وهو:
أبلغ الأضبط بن قريعٍ ... ومن مثله من تميم
إن تيمًا لمنكم ... هل لتيم من نصار وحميم
وكان الأضبط سيد بني تميم, فلما قرأ الكتاب, ندب بني حنظلة وبني سعد وقال: لا ينبغي إلا إباء هذا, فأغار على بني الحارث بن كعب أعز ما كانوا, فقتلهم, وأخذ ما سراتهم مائة رجل ورجلين, وسبى ذراريهم, وأقام بأرضهم سنة يغير على قراهم يمينًا وشمالًا, وأمير الخيل يومئذ مرة بن عبيد بن الحارث بن كعب ابن سعد بن زيد مناة بن تميم. وبنى الأضبط أطمًا, فبنت الملوك حول ذلك الأطم مدينة صنعاء, فهي اليوم قصبتها. وأقبل التيم مع ما أصاب من السبي والغنائم. فهذه يد بني سعد على تيم التي يفخر بها عليهم جرير.
стр. 325
ومن أوائل القصيدة:
لما تذكرت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس
الديران: موضع قرب دمشق.
وهذا البيت استشهد به أبو علي في «الإيضاح» تبعًا لأهل اللغة, على أن الدجاج يقع على المذكر والمؤنث, لأنه إنما أراد هنا صوت الديكة خاصةز
يقول: أرقني في منزل الديرين انتظاري صوت الديوك والنواقيس, وإنما يكون ذاك عند الصباح.
وترجمة جرير تقدمت في الشاهد الحدي عشر.
وأنشد بعده, وهو الانشاد الثاني والسبعون:
(٧٢)
فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن ... وإن تخرقي يا هند فالخرق اشأم
فأنت طلاق والطلاق عزيمةً ... ثلاث ومن يخرق أعق وأظلم
فبيني بها أن كنت غير رفيقةٍ ... وما لامرئ بعد الثلاث مقدم
لم أقف على قائل هذه الأبيات. والرفق: الملاءمة والملاطفة, ضد العنف. والخرق, وفعله من باب قتل, وخرق يخرق خرقًا, من باب فرح: إذا عمل شيئًا فلم يرفق به, فهو أخرق, وهي خرقاء, والاسم الخرق بالضم. وأيمن: وصف بمعنى ذي يمنٍ وبركة, لا أنه أفعل تفضيل, وكذلك الأشأم, معناه: ذو شآمة ونحوسة, وصرفهما للضرورة, وفيه المطابقة بين ترفقي وتخرقي, وبين أيمن وأشأم.
стр. 326
وقوله: فأنت طلاق, قد أورد ابن يعيش في شرح «خطبة المفصل» هذه الأبيات الثلاثة, وشرحها فيها, وأوردها مع أشياء تشتد فاقه الفقيه إلى معرفة العربية لأجلها, قال: ومن ذلك مسائل الطلاق إذا قال: أنت طالق, طلقت منه, وإن لم ينو. ولم أتى بلفظ المصدر فقال: أنت طلاق, لم يقع الطلاق إلا بنية, لأنه ليس بصريح, إنما هو كناية عن إرادة إيقاع المصدر موقع اسم الفاعل [على حد ماء غور أي غائر]. ومنهم من يجعله صريحًا يقع به الطلاق من غير نية, كاسم الفاعل, لكثرة إيقاع المصدر موقع اسم الفاعل, وكثرة استعماله في الطلاق حتى صار ظاهرًا فيه, قال الشعر: فإن ترفقي يا هند .. إلى آخر الأبيات الثلاثة. فأوقع الطلاق موقع طالق, ويجوز أن يكون على حذف [مضاف] أي: ذات طلاق, كما يقال: صلى المسجد, أي: أهل المسجد, واسأل القرية, أي: أهلها, وهو كثير. انتهى.
والعزيمة: بمعنى المعزوم عليه, أي: الذي وقع التصيم, فكان واقعًا قطعًا, قال الكرماني: هي في الأصل عقد القلب على الشيء, استعمل لكل أمر محتوم, وفي الاصطلاح: ضد الرخصة, وأعق: أفعل تفضيل من العقوق ضد البر. وقوله: ومن يخرق, قال ابن يعيش: قد حذف الفاء من جواب الشرط والمبتدأ, وتقديره: ومن يخرق فهو أعق وأظلم, وهذا من ضرورات الشعر المستقبحة.
ورده الدماميني بأن هذا ليس بمتعين, لجواز أن تكون من موصولة, وتسكين القاف للضرورة كقراءة أبي عمرو: (وما يشعركم) [الأنعام/١٠٩] بإسكان الراء. وأعق: خبر من, فلا حذف ولا ضرورة ولا قبح. انتهى.
стр. 327
وفيه: أن وجه الإسكان في الآية كما قال الجعبري طلب التخفيف عند اجتماع ثلاث حركات ثقال من نوع واحد, أو من نوعين, ويخرق ليس منهما. وقوله: فبيني بها .. الخ: أمر من البينونة, وهي الفراق, وضمير بها للثلاث, أي: كوني ذات طلاق بائن بهذه التطليقات الثلاث, لكونك غير رفيقة. فأن مفتوحة الهمزة مقدر قبلها لام العلة, ومقدم: مصدر ميمي, أي: ليس لأحد تقدم إلى العشرة والإلفة بعد إيقاع الثلاث, كذا قال الدماميني, وأجاز غيره أن يكون «مقدم» بمعنى: مهر مقدم, أي: ليس له بعد الثلاث مهر يقدمه لمطلقة ثلاثًا إلا بعد زوج آخر, فيكون اسم مفعول. هذا كلامه.
وقول المصنف: كتب الرشيد ليلة إلى القاضي أبي يوسف .. الخ, هذه الحكاية نقلها المصنف من كتاب «غرائب مجالس اللغويين الزائدة على تصنيف المصنفين» ونقلها السيوطي في «الأشباه الزجاجي, وهذا نص الحكاية من ذلك الكتاب: مجلس أبي يوسف مع الكسائي: حدث أبو العباس أحمد بن يحيى قال: حدثني سلمة عن الفراء قال, كتب الرشيد في ليلة من الليالي إلى أبي يوسف صاحب أبي حنيفة: أفتنا – أحاطك الله – في هذه الأبيات: فإن ترفقي يا هند .. الأبيات الثلاثة, فقد أنشد البيت «عزيمة ثلاث» و «عزيمة ثلاثًا» بالنصب, فكم تطلق بالرفع, وكم تطلق بالنصب؟ قال أبو يوسف: فقلت في نفسي: هذه مسألة فقهية نحوية, إن قلت فيها بظني لم آمن الخطأ, وإن قلت: لا أعلم, قيل
стр. 328
لي: كيف تكون قاضي القضاة, وأنت لا تعرف مقل هذا؟ ! ثم ذكرت أن أبا الحسن علي بن حمزة الكسائي معي في الشارع, فقلت: ليكن رسول أمير المؤمنين بحيث يكرم, وقلت للجارية: خذي الشمعة بين يدي, ودخلت إلى الكسائي في فراشه, فأقرأته الرقعة, فقال لي: خذ الدواة واكتب: أما من أنشد البيت بالرفع فقال: «عزيمة ثلاث» فإنما طلقها بواحدة, وأنبأها أن الطلاق لا يكون إلا بثلاثة, ولا شيء عليه, وأما من أنشد «عزيمة ثلاثًا» فقد طلقها وأبانها, كأنه قال: أنتِ طالق ثلاثًا, وأفدت الجواب, فحملت إلي في آخر الليل جوائز وصلات, فوجهت بالجميع إلى الكسائي. انتهى كلامه.
وروى أبو علي الفارسي هذه الحكاية على خلاف ما تقدم, قال في «المسائل القصيرة»: حدثنا الشيخ أبو الحسن الكرخي عن يحيى الرقي قال: أرسلني الكسائي إلى محمد بن الحسن أسأله عن الجواب في هذه الأبيات, قال: فأتيت محمد ابن الحسن بالأبيات, فقال: إن نصب الثلاث فهي ثلاث تطليقات, وإن رفع الثلاث فهي واحدة, كأنه أراد أن يخبر أن عزيمة الطلاق ثلاث, قال: فرجعت إلى الكسائي فأخبرته يقول محمد, فتعجب من فطنته. انتهى.
وهذا هو المسطور في كتب الحنفية «كالمبسوط» و «شرح الكنز» للزيلعي. وقال صاحب «النهاية في شرح الهداية»: وذكر ابن سماعة أن الكسائي بعث إلى محمد بفتوى, فدفعها إلي فقرأتها عليه, فقال: ما قول قاضي القضاة الإمام فيمن يقول لامرأته: فإن ترفقي يا هند .. الأبيات؟ فكتب في جوابه: إن قال: «ثلاث» مرفوعًا, تقع واحدة, وإن قال: «ثلاثًا» منصوبًا, يقع ثلاثًا, لأنه إذا ذكره مرفوعًا كان ابتداء, فيبقى قوله: فأنت طلاق, فيقع واحدة, وإذا قال:
стр. 329
«ثلاثًا» كان منصوبًا على البدل أو التفسير, فقع به ثلاث, والمثنى بمعزل منهما, أي: من الفردية والجنسية. انتهى. وكذا نقل ابن الهمام عن «المبسوط».
وقول المصنف: قال أبو يوسف: فقلت: هذه مسألة نحوية فقهية, ولا آمن من الخطأ.
قال ابن الهمام: هذا القول بعد كونه غلطًا, بعيد عن معرفة مقام الاجتهادو فإن من شرطه معرفة العربية وأساليبها, لأن الاجتهاد يقع في الأدلة السمعية, والذي نقله أهل التحقيق أن المرسل بالفتوى الكسائي إلى محمد بن الحسن, ولا دخل لأبي يوسف أصلًا ولا للرشيد, ومقام أبي يوسف أجل من أن يحتاج إلى غيره في مثل هذه التراكيب, مع إمامته واجتهاده, وبراعته في التصرفات من مقتضيات الألفاظ. انتهى.
قال ابن يعيش قوله: والطلاق عزيمة ثلاث, روي على ثلاثة أوجه: برفع عزيمة ونصب ثلاث, وبالعكس, وبرفعهما. فإذا نصب الثلاث فكأنه قال: أنت طالق ثلاثًا, فيقع الثلاث, ويكون قوله: والطلاق عزيمة, مبتدأ وخبرًا, فكأنه قال: والطلاق مني جد غير لغو, وإذا رفعهما كانت الثلاث خبرًا ثانيًا, أي: الطلاق الذي يقع بمثله الطلاق هو الثلاث, أو يكون موضحًا للعزيمة على سبيل البدل, وتقع واحدة لا غير. ويجوز أن يكون المراد: وأنت طالق ثلاثًا, ثم فسر ذلك بقوله: والطلاق عزيمة ثلاث, كأنه قال: والطلاق الذي ذكرته ونوبته عزيمة ثلاث, فسره بهذا الدليل, هذا إذا نوى الثلاث, ودليل ذلك قوله: فبينى بها, فهذا يدل على إرادة الثلاث والبينونة. وأما إذا نصب عزيمة مع رفع الثلاث, فعلى إضمار فعل, كأنه قال: والطلاق ثلاث, أعزم عليك عزيمة.
ويجوز أن يكون التقدير: والطلاق إذا كان عزيمة ثلاث, كما تقول: عبد الله راكبًا أحسن منه ماشيًا, والمراد: إذا كان ماشيًا, كما تقول: هذا بسرًا أطيب
стр. 330
منه رطبًا إذا كان رطبًا, أي: هذا إذا كان بسرًا أطيب منه إذا كان رطبًا. انتهى.
وقول المصنف: وعلى الجنسية تقع واحدة, كما قاله الكسائي. قال الفناري في حاشية «المطول»: قد انتصر جدنا شمس الدين الفناري للكسائي وأبي يوسف حيث قال: ولقائل أن يقول: إنما يم يعتبر الكسائي وأبو يوسف حين ارتفاع الثلاث كون اللام للعهد, لأن ثلاث وعزيمة لا يصح أن يكونا خبرين عن الطلاق المعهود, فإن الطلاق رخصة وليس بعزيمة, وكذا حين انتصاب الثلاث, لا يصلح أن يكون ثلاثًا حالًا عن ضمير عزيمة لما قلنا, فلم يتعين أيضًا, قال: اللهم إلا أن تحمل العزيمة على المعنى اللغوي, والعرف أملك. وفيه بحث, أما أولًا: فلأنه لا دخل في لزوم المحذور المذكور, لجعل اللام للعهد إذ منشؤه عدم اجتماع الثلاث والعزيمة, وهذا الاجتماع لازم على تقدير الحمل على مجاز الجنس. اللهم إلا أن يراد الحمل على الجنس المطلق ويجعل الإخبار بالعزيمة والثلاث بالنظر إلى أنواع الطلاق. وأما ثانيًا: فالأملك في مثله هو العرف العام, فالظاهر أن المعنى: الطلاق الذي ذكرت ليس بلغو ولا لعب, بل هو معزوم عليه. نعم, الكلام على تقدير جعل ثلاثًا حالًا عن المستتر في عزيمة محتمل لوقوع الثلاث, بأن يكون المعنى: والطلاق الذي ذكرته إذ كان ثلاثًا, فتأمل. انتهى.
وقول المصنف: ولأن يكون حالًا من الضمير المستتر في عزيمة, وحينئذ فلا يلزموقوع الثلاث .. الخ, قال الدماميني: فيه نظر, أما أولًا: *** الكلام محتمل لوقوع الثلاث على التقدير الذي ذكره بأن تجل «أل» للعهد الذكري, كما تقدم له في أحد وجهي الرفع, كأنه قال: والطلاق الذي ذكرته
стр. 331
ليس بلغو ولا لعب, بل هو معزوم عليه حالة كونه ثلاثًا. وأما ثانيًا: فلأنه لا يظهر داع إلى الإتيان بقوله, إذا كان مع جعله ثلاثًا حالًا من الضمير في غزيمة, إلا أن يكون غرضه بيان أن الحال في معنى الظرف, كما تقول: معنى جاء زيد قائمًا, جاء في حال كونه قائمًا, والأمر قريب فيه. فإن قلت: وفيه نظر من وجه آخر, وهو قوله: إن في عزيمة ضميرًا مستترًا, إذ هي, مصدر, والمصدر لا يضمر فيه, قلت: إنما ذلك إذا لم يؤول, وهنا مؤول, فتحمل الضمير, كما في: زيد عدل. فإن قلت: لو تحمله لأنث وثنى وجمع على نحو: هند صوم, والزيدون عدل, قلت: روعي فيه جهتان: جهة المشتق الذي أول به, فتحمل وجهة أصله, فلم يغير. انتهى كلامه.
وقد ألف السيد معين الدين جد السيد عيسى الصفوي الإيجي رسالة ضمنها هذه الأبيات, وأخذ كلام المصنف, واستنبط احتمالات أخر, قال فيها: العشر يحتمل اثني عشر وجهًا, لأن اللام إما للجنس وإما للعهد, وعزيمة إما مرفوع وإما منصوب. وثلاث إما مرفوع وإما منصوب على الحال, أو على المفعول المطلق, فخرج من ضرب أربعة في ثلاث اثنا عشر. لكن أربعة منها تركيب باطل. أما الثمانية, فعلى تقدير أن اللام للجنس, إما أن يكون عزيمة وثلاث مرفوعين, فيلزمه على ما قال ابن هشام واحدة, والظاهر أنه يلزمه ثلاث, إذ ليس الطلاق عنده إلا عزيمة ثلاث, وطلاقه فرد مما ادعاه. وإما أن يكون عزيمة منصوبًا, وثلاث مرفوعًا, فيلزمه واحدة, وهو أحد وجهي الإمام محمد, وفيه أن ذا الحال مبتدأ.
وإما أن يكون عزيمة مرفوعًا وثلاث حالًا من المستتر في عزيمة يلزم واحدة, وهو وجه ثان لابن هشام وللإمام, لكن في كلام الإمام إبهام, لأنه يحتمل أن يكون ثلاث مفعولًا مطلقًا, وحينئذ يلزمه ثلاث. وإما أن يكون عزيمة مرفوعًا,
стр. 332
وثلاث مفعولًا مطلقًا, فيلزمه ثلاث, وهو ثالث وجوه ابن هشام, فهذه وجوه أربعة. وعلى تقدير أن اللام للعهد, إما أن يكون عزيمة وثلاث مرفوعين, كأنه قال: فأنت طلاق, وهذا الطلاق عزيمة ثلاث, فيلزمه ثلاث, وهو رابع وجوه ابن هشام, وإما أن يكون عزيمة منصوبًا, وثلاث مرفوعًا, فيلزمه ثلاث. وإما أن يكون عزيمة مرفوعًا, وثلاث منصوبًا حالًا من المستتر, فيلزمه ثلاث. وإما أن يكون عزيمة مرفوعًا, وثلاث مفعولًا مطلقًا, فيلزمه ثلاث, فهذه أربعة أخرى, فتكون ثمانية.
وأما الأربعة التي فسدت لأجل الإعراب: فهي بتقدير أن اللام للجنس, إما أن يكون عزيمة منصوبًا, وثلاث حالًا من المستتر, أو مفعولًا مطلقًا. وبتقدير أن اللام للعبد, إما أن يكون عزيمة منصوبًا, وثلاث حالًا من المستتر, أو مفعولًا مطلقًا. وعلى الوجهين وهو أنه حال, يلزمه واحدة, وعلى الوجهين الآخرين يلزمه ثلاث, هذا كلامه.
وقد كتب ابن قاسم العبادي على مواضع من هذه الرسالة, فكتب عند قوله: «الشعر يحتمل اثني عشر وجهًا»: لابد على سائر التقادير في وقوع أصل الطلاق عند الشافعية من النية. كما هو ظاهر, لأن أنت طلاق من الكنايات عندهم. وكتب عند قوله: «والظاهر أنه يلزمه ثلاث»: قد يمنع من هذا الظاهر عند الشافعية أن: أنت طلاق, كناية عندهم, وشرط تأثير الكناية في أصل الوقوع والعدد النية, ولا يقوم مقام النية ما اقترن بالكناية, مما يدل على الوقوع أو العدة من القرائن, ولهذا صرحوا بعدم الوقوع بقوله: أنت بائن بينونة محرمة, لا تحلين لي أبدًا إذا لم ينو, فإن نوى الطلاق الثلاث وقع الثلاث, وإن نوى أصل الطلاق فقط, فالقياس وقوع واحدة. وقوله: والطلاق عزيمة
стр. 333
ثلاث, على تقدير رفع عزيمة وثلاث, وكون أل في الطلاق للجنس لا يصلح لتقييد الطلاق الذي أوقعه بالثلاث, لأنه إن أراد جنس الطلاق ليس إلا الثلاث, فهو غير صحيح, إذ الجنس موجود في الواحدة والثنتين أيضًا: وإن أراد الجنس قد يكون في الثلاث, فهذا لا يقتضي تقييد هذا الطلاق الواقع بالثلاث, فليتأمل, وما ذكرناه لا ينافي قول «الروض» فإن قال: أنت بائن ثلاثًا, ونوى الطلاق الثلاث, وقعن, أي: الثلاث. انتهى, لأنه قيد للبينونة التي نوى بها الطلاق بالثلاث, وما ذكر لا تقييد فيه, ولا ارتباط فيه للثلاث بالطلاق الذي أوقعه, فليتأمل.
وكتب عند قوله: «وطلاقه فرد مما ادعاه»: قد يقال: ما ادعاه ليس بصحيح بظاهره, إذ جنس الطلاق لا ينحصر في الثلاث, فلا يلزم أن يكون طلاقه فردًا من جنس الثلاث, نعم إن قصد ذلك, بأن قصد طلاقًا من أفراد الثلاث, فمسلم, فليتأمل.
وكتب عند قوله: «وفيه أن ذا الحال مبتدأ»: قد يقال: هذا لا يرد لأن المراد أن هذا التقدير والحمل يقتضي هذا الحكم, وأما أن هذا التقدير ضعيف, فشيء آخر لا ينافي ذلك. وكتب عند قوله: «وحينئذ يلزمه ثلاث»: هذا ظاهر إن أريد المفعول المطلق من طالق لا من الطلاق. انتهى.
وكتب شيخنا الشهاب الخفاجي عند بيانه للأربعة التي فسدت لأجل الإعراب: وما ادعاه من بطلان الوجوه الأربعة إذا رفع الطلاق, ونصب عزيمة, وثلاث على الحالية, أو المفعولية غير مسلم, لأنه يجوز أن يكون خبر مبتدأ مقدر, أي: وهذا الطلاق, وباب التقدير واسع. انتهى.
هذا ما وقفت عليه مما كتب على هذا الشعر, وكلامهم دائر على أن ثلاثًا إما مفعول مطلق لطلاق المنكر, أو المعرف, وإما حال من الضمير المستتر.
стр. 334
ومنع الجميع أبو علي في «المسائل القصرية» ومع كونه تمييزًا أيضًا, وعين أن يكون ثلاثًا مفعولًا مطلقًا إما لعزيمة. أو لطلقت محذوفًا, وإما ظرف لعزيمة. وحقق أن مفاد البيت الطلاق الثلاث لا غير, وهذا كلامه. قوله: فأنت طلاق والطلاق عزيمة ثلاث: لا يخلو إذا نصبت ثلاثًا أن تكون متعلقة بطلاق أو غيره, فلا يجوز أن يكون متعلقًا بطلاق, ولأنه إن كان متعلقًا به, لم يخل من أن يكون طلاق الأول أو الثاني, فلا يجوز أن يكون متعلقًا بطلاق الأول لأن الطلاق مصدر, فلا يجوز أن يتعلق به شيء بعد العطف عليه, ولا يجوز أن ينصب ثلاث بطلاق الثاني, لأنه قد أخبر عنه للفصل, فإذا بطل الوجهان جميعًا ثبت أنه متعلق بغيره, فيجوز أن يكون متعلقًا بعزيمة أي: أعزم ثلاثًا, ولم يحتج إلى ذكر الفاعل, لأن ما تقدم من قوله: فأنت طلاق, قد دل على الفاعل, ألا ترى أن معناه: أنت ذات طلاق, أي: ذات طلاقي, أي: طلقتك, فلا فصل بين: أنت ذات طلاقي, وبين: قد طلقتك, لما أضفت المصدر إلى الفاعل, استغنيت عن إظهار المفعول لجري ذكره في الكلام, فحذفته, كما استغنيت من ذكر المفعول في قوله: (والحافظين فروجهم والحافظات) [الأحزاب/٣٥] فلم يحتج إلى ذكر الفاعل في عزيمة. إذ كان مصدرًا كالنذير والنكير, وكما لم يحتج إليه في قوله تعالى: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيمًا) [البلد/١٤] لتقدم ذكره, فكذلك لم يحتج إلى ذكر الفاعل في عزيمة, فصار كأنه قال: أنت طلاق, والطلاق عزيمتي ثلاثًا, أي: أعزمه ثلاثًا, فيكون ثلاثًا المنصوب متعلقًا بعزيمة, أو يكون تعلقه به على جهة الظرف, كأنه قال: أعزم ثلاث مرار, أو ثلاث تطليقات, فإذا كان كذلك, وقع ثلاث تطليقات, لتعلق الثلاث بما ذكرناه, ولا يجوز أن يكون أقل من ذلك, لتعلقه بالعزيمة والأشبه فيمن نصب ثلاث, أن يكون الطلاق الثاني المعرف باللام يراد به الطلاق المنكور الذي تقدم ذكره, أي: ذلك الطلاق عزمته, أو عزمت
стр. 335
عليه ثلاثًا, فإذا كان كذلك لم يتجه إلا إلى الإيقاع للثلاث.
وأما إذا رفع ثلاثًا أمكن أن يكون المراد: الطلاق عزيمة ثلاث, أي: جنس الطلاق ذو عزيمة ثلاث, وأمكن أن يكون طلاقي ذو عزيمة ثلاث, فإذا أمكن أن يكون المراد به طلاقه خاصة, وأمكن أن يكون غير طلاقه, ولكن جنس الطلاق, ولم يوقع به شيئًا يتيقن ذلك بإقرار من المطلق أنه أراد ذلك, فأما إذا لم يقترن إلى هذا اللفظ الذي يحتمل الطلاق الخاص والطلاق العام شيء يدل به أنه يريد به طلاقك خاصة, لم يوقعه, والأشبه في قولهم واحدة واثنتان وثلاث في الطلاق, وإيصالهم إياه بهن أن يكون مرارًا, فينتصب على أنه ظرف من الزمان, يقوي ذلك قوله تعالى: (الطلاق مرتان) [البقرة/٢٢٩] والمعنى: الطلاق في مرتني, إلا انه اتسع فيه فأقيم مقام الخبر, كما أقيم ظرف الزمان مقام الفاعل في قولهم: سير عليه طوران, وسير عليه مرتان وشهران, فكذلك قوله: مرتان, وإذا كان كذلك, كان قولهم: أنت طالق واحدة, كأنك قلت: أنت طالق مرة, وأنت طالق ثنتين, أي: مرتين, وكذلك ثلاثًا, فيكون ذلك ظرفًا من الزمان.
ويجوز فيمن نصب ثلاثًا في البيت أن لا يجعله على عزيمة, ولكن يحمله على فعل مضمر, كأنه لما لم يجز أن يحمله على طلاق الأول, ولا على طلاق الثاني, وكان المعنى والمراد أن يكون الثلاث محمولًا على الطلاق, أضمر طلقت, ودل عليه ما تقدم من ذكر الطلاق, فكأنه قال: طلقتك ثلاثًا. فأما حمل الثلاث على التفسير في قولهم: أنت طالق ثلاثًا, فليس ذلك من مواضع التفسير, ألا ترى أن التفسير جميع ما كان منتصبًا منه, فقد نص النحويون على جواز إدخال «من» فيه, وأن منه ما يرده إلى الجميع, ومنه ما يقره على الواحد, كقولهم: عشرون من الدراهم, ولله دره من رجل, ولا يجوز ذلك في هذا, ألا ترى أنه لا يستقيم: أنت طالق من واحد, ولا من العدد, ولا ما أشبه ذلك, فإذا كان كذلك لم
стр. 336
يكن تفسيرًا. وأيضًا فإن التفسير لا يجوز أن يكون معرفًا, والتعريف في هذا غير ممتنع, تقول: أنت طالق الثلاث, وأنت طالق الثنتين, أو التطليقتين.
فإذا كان كذلك كان ظرفًا, والظرف يكون تارة معرفة وتارة نكرة. وقد تقول: أنت طالق من ثلاث ما شئت, فيكون ما شئت معرفة, كأنك قلت: الذي شئته, فيكون معرفة, ولو كان تفسيرًا لم تقع المعرفة في هذا الموضع, ولا يجوز أن ينتصب على أنه حال, لأنه لو كان حالًا لم يجز أن يقع خبرًا للابتداء في قوله: (الطلاق مرتان) [البقرة/٢٢٩] كما لا يكون الحال خبرًا للمبتدأ, ولو قلت: قمت خلفك, فنصبت خلفك على تقدير الحال, أي: قمت ثابتًا فيه, لم يجز الإخبار عنه, لأن الحال لا يكون خبر مبتدأ, فإن قلت: يكون قوله: والطلاق عزيمة, اعتراضًا بين الصلة والموصول, وتحمل ثلاثًا على الطلاق الأول, قيل: لا يجوز أن تحمله على الاعتراض, كما أن قوله: (وأقرضوا الله قرضًا حسنًا) [الحديد/١٨] في قولنا اعتراض, ألا ترى أن ذلك اعتراض بين الخبر والمخبر عنه, وكذلك قوله: (قل إن الهدى هدى الله) [آل عمران/٧٣] اعتراض بين المفعول الذي هو: (أن يؤتى أحد) ولا يعترض بين الطلاق وثلاث, لأنه لا مثل له يشبه به. هذا كله كلام أبي علي, وقد حذفنا منه ما يستغني عنه.
وفي منعه الاعتراض رد على من قال به كالمحقق الرضي وغيره, حيث جعلوا الجملة معترضة, فإن الرضي روى البيت: «فأنت طلاق والطلاق ألية ثلاثًا .. » الخ وقال: الواو اعتراضية, وقد وقع في أكثر نسخ شرح الرضي المصراع الأول فقط اعتمادًا على شهرة الشعر, وقد نقل التفتازاني كلامه في بحث الجملة الحالية من «المطول» وقال الفناري في «حاشيته» قوله:
فأنت طلاق والطلاق ألية
آخره:
بها المرء ينجو من شباك الطوامث
стр. 337
والشباك: الحبائل, والطوامث: الحيض, من طمثت المرأة: حاضت. وفي وقوع هذه الجملة متوسطة بين أجزاء كلام واحد, كما هو الظاهر من كلامه, نوع خفاء, إذ الظاهر أن قوله: بها المرء ينجو .. الخ, كلام مستقل. وقيل: آخر المصراع المذكور:
ثلاثًا ومن يخرق أعق وأظلم
لكن الرواية في هذا البيت «عزيمة» مكان «ألية» ولعل فيه رواية أخرى لم أطلع عليها. انتهى.
وقال بعضهم: هذا الاعتراض على مذهب الزمخشري فإن الاعتراض عنده: ما يساق لكتة سوى دفع الإبهام, ويكون لا محل لهاز
وأنشد بعده, وهو الانشاد الثالث والسبعون:
(٧٣) بدأت ببسم الله في النظم أولا
على أن أبا شامة قال: «أل» في النظم خلف عن ياء المتكلم, وهذه عبارته: واللام في النظم للعهد المعلوم من جهة القرينةو وهي قائمة مقام الإضافة, أي: في نظمي, نزله منزلة المعروف المشهور تفاؤلًا له بذلك, أو أراد: في هذا النظم, نزله منزلة الموجود الحاضر, فأشار إليه. انتهى.
قال السمين في شرحهك أما كون «أل» يقوم مقام الإضافة, فعبارة غريبة, وإنما مسألة الخلاف: هل يقوم مقام الضمير أم لا؟ فمذهب الكوفيين: نعم, نحو: (جنات عدنٍ مفتحة لهم الأبواب) [ص/٥٠] أي: أبوابها, وقوله تعالى: (فإن الجنة هي المأوى) [النازعات/٤٠] أي: مأواه و: (في أدنى الأرض) [الروم/١] أي: أرضهم. والبصريون يمنعون ذلك, وفيه بحث طويل, ويحتمل أن تكون
стр. 338
للجنس, وليس المعنى: بدأت في كل نظم, وإنما المراد: في هذا النظم. انتهى.
والمصراع الثاني:
تبارك رحمانًا رحيمصا وموئلا
والبيت أول قصيدة الإمام الشاطبي في القراءات السبع. وقوله: ببسم الله, الباء الأولى للتعدية, متعلقة ببدأت. والثانية هي الداخلة في البسملة, فهي مع مجرورها في محل جر, وإنما أتى باللفظ محكيًا, كأنه قال: بدأت بهذا اللفظ المشتمل على بسم الله, ولولا ذلك لما ساغ دخول حرف الجر على مثله, إذ لا يجوز ذلك إلا في مثل هذا, أو يكون قد أعيد الحرف توكيدًا, وهو شاذ أو ضرورة.
وأول: صفة مصدر, أو ظرف بدأت, والتقدير: بدأت بسم الله في نظمي نظمًا أول لم يسبق إلى أسلوبه, أو أول نظمي. وتبارك: تفاعل من البركة, والبركة: كثرة الخير وزيادته, ومعنى تبارك الله: تزايد خيره وإحسانه على خلقه. وتبارك: فعل لا ينصرف, بل يلزم المضي, ولا يسند لغير الله تعالى, وجيء به على بناء المفاعلة, نحو: تعالى, مبالغة في ذلك, وقيل: معنى تبارك: ثبت ودام, ومنه مبرك البعير, قاله السمين. ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام على نصب رحمان ورحيم في الباب الرابع, فإن المصنف أنشد المصراع الثاني هناك. والموثل: مفعل, من وأل إليه إذا رجع ولجأ, فمعنى قوله موئلًا: مرجوعًا إليه, وملتجأ إليه. أو من «وأل من»: إذا نجا وخلص. والله تعالى ملتجأ العباد, ومنجى لهم, وفي الحديث: «لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك»
стр. 339
وهذا اللفظ, وإن لم يرد إطلاقه على الله تعالى في كتاب ولا سنة, فإن معناه ثابت له تعالى, نحو: (إليه المصير) , (إليه مرجعكم) , وأتى بلفظ: الرحمن الرحيم, من غير عاطف, قصدًا لإرادة البسملة, ولما كان موئلًا إنما أتي به تنميمًا للبيت, عطفه عليها, وهذا زاد دخول الواو حسنًا, كذا في «شرح السمين».
قال الجعبري في ديباجة شرحه في ترجمة الشاطبي: هو ولي الله, أبو القاسم ابن فيرة بن خلف بن أحمد, الرعيني, الشاطبي, نسبة إلى شاطبة, قرية بجزيرة الأندلس, كان رحمه الله تعالى إمامًا في علوم القرآن, متقنًا لأصول العربية, رجلة في الحديث, يضبط نسخ الصحيحين من لفظه, غاية في الذكاء, حاذقًا في تعبير الرؤبا, مجيدًا في النظم, متواضعًا لله, قدوة في الصلاح ذا بصيرة صافية تاوح من الكرامات, وكان محفوظ اللسان, يمنع جلساءه من فضول الكلام, لا يجلس للإفراء إلا متطهرًا خاشعًا, له تصانيف حسنة. ولد آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة, وتوفي بمصر بعد عصر الأحد آخر جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة, ودفن يوم الاثنين بمقبرة البيساني, عرفت الناحية بسارية. انتهى ملخصًا. وأبو شامة: هو عبد الرحمن بن إسماعيل, شهاب الدين الدمشقي الشافعي, المشهور بأبي شامة, لشامة كبيرة كانت من حاجبه الأيسر, ولد سنة تسع وتسعين وخمسمائة بدمشق, وقرأ القراءات على علم الدين السخاوي, وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية, وتوفي سنة خمس وستين وستمائة, وله شرح جيد على الشاطبية.
وأنشد في «أما» بالتخفيف, وهو الانشاد الرابع والسبعون:
(٧٤) أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
стр. 340
هو من قصيدة لأبي صخر الهذلي, أورد بعضها أبو تمام في باب النسيب من «الحماسة» وكذلك الأصبهاني أورد بعضها في «الأغاني» ورواها تمامًا أبو علي القالي في «أماليه» عن ابن الأنباري وابن دريد, وهي:
لليلى بذات الجيش دار عرفتها ... وأخرى بذات البين آياتها سطر
كأنهما ملآن لم يتغيرا ... وقد مر للدارين من عهدنا عصر
وقفت بربعيها فعي جوابها ... فقلت وعيني دمعها سرب همر
ألا أيها الركب المخبون هل لكم ... بساكن أجراع الحمى بعدنا خبر
فقالوا طوينا ذاك ليلًا, وإن يكن ... به بعض من تهوى فما شعر السفر
أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد كنت آتيها وفي النفس هجرها ... بتاتًا لأخرى الدهر ما طلع الفجر
فما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت لا عرف لدي ولا نكر
وأنسى الذي قد كنت فيها هجرتها ... كما قد تنسي لب شاربها الخمر
وما تركت لي من شذى أهتدي به ... ولا ضلع إلا وفي عظمها كسر
وقد تركتني أغبط الوحش أنأرى ... قرينين منها لم يفزعهما الذعر
ويمنعني من بعض إنكار ظلمها ... إذا ظلمت يوما وإن كان لي عذر
مخافة أني قد علمت لئن بدا ... لي الهجر منها ما على هجر ها صبر
стр. 341
وأني لا أدري إذا النفس أشرفت ... على هجرها وما يبلغن بي الهجر
أبى القلب إلاحبها عامرية ... لها كنية عمرو وليس لها عمرو
إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني ... نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر
تكاد يدي تندى إذا ما لمستها ... وينبت في أطرافها الورق الخضر
وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلله القطر
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
وبقي بعد هذا أكثر مما كتباه.
وذات الجيش: بقتح الجيم وسكون الثمناة التحتية بعدها شين معجمة, قال أبو عبيد البكري: ذات الجيش: ذكر العتبي أن ذات الجيش من المدينة على بريد, روى مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: قلت لسالم بن عبد الله: ما أشد ما رأيت ابن عمر أخر المغرب في السفر؟ قال: غربت له الشمس بذات الجيش, فصلاها بالعقيق. قال يحيى بن يحيى: بين ذات الجيش والعقيق ميلان. وفي «تفسير ابن المواز» عن ابن وهب أن بينهما خمسة أميال, وقال عيسى عن ابن القاسم: بينهما عشرة أميال, وذكر مطرف أن العقيق من المدينة على ثلاثة أميال, وإذا نظرت هذا ونظرت قول العتبي, صح قول ابن القاسم. قال مطرف: وبين سرف ومكة سبعة أميال. وبخط عبد الله بن إبراهيم في عرض
стр. 342
كتابه: بين ذات الجيش والعقيق سبعة أميال. قال ابن عمر: قد بلغني أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غربت له الشمس بسرف, وصلى المغرب بمكة وبينهما سبعة أميال. انتهى.
وذات البين: بفتح الموحدة وسكون المثناة التحتية بعدها نون, قال ياقوت: هو واد قرب المدينة المنورة. وقوله: كأنها ملآن, واصله: من الآن.
وقوله: أما والذي أبكى .. الخ استشهد به صاحب «الكشاف» عند قوله تعالى: (ألا إنهم هم المفسدون) من سورة البقرة [الآية/١٢] , على أن «أما» أخت «ألا» وهي من مقدمات القسم وطلائعه, وكذا أورده في «المفصل» قال ابن يعيش في «شرحه»: إدخاله «أما» على حرف القسم, كأنه ينبه المخاطب على سماع قسمه, وتحقق المقسم عليه. وقال ابن جني في «إعراب الحماسة» المحلوف به سبحانه واحد, وإما أراد عطف بعض الصلة على بعض, فلامتزاج الموصول بصلته أعاده معها, وإن كان غرضه إياها نفسها, فكأنه قال: أما والذي أبكى وأضحك, وأمات وأحيا. انتهى. وقال المرزوقي: تكريره «الذي» ليس لتكثير الأقسام, لأن اليمين يمين واحدة, بدليل أن لها جوابًا واحدًا, ولو كانت أيمانًا مختلفة لوجب أن يكون لها أجوبة مختلفة, وفائدة التكرير التفخيم والتهويل. انتهى. يريد أن الواو للعطف لا للقسم. وقوله:
стр. 343
أمره الأمر, أراد أمره الأمر الذي لا مراد له. وقوله: لقد كنت آتيها .. الخ, هذا جواب القسم, وآتيها فعل مضارع. وقوله: وفي النفس هجرها, في متعلق بمحذوف خبر مقدم, وهجرها: مبتدأ مؤخر, والتقدير: وهجرها مضمر في نفسي, والجملة: حال من فاعل آتيها ضمير المتكلم. وبتاتًا: مصدر مؤكد للهجر, أي: قطعًا لا وصل معه, وقوله: لأخرى الدهر, أي: إلى آخر الدهر, وقوله: ما طلع الفجر, ما: مصدرية دوامية, أي: مدة دوام طلوع الفجر, وهذا تأبيد إلى يوم القيامة, أو تأبيد إلى آخر حياته, والتقدير: ما طلع الفجر وأنا في الحياة. ووقع جواب القسم في رواية أبي تمام:
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعر
تركتني: بمعنى صيرتني, يتعدى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر, والياء المفعول لأول. وجملة أحسد الوحوش: في موضع المفعول الثاني. وقال شراح «الحماسة»: تركتني: خلتني, يتعدى لواحد. وجملة «أحد»: حال من الياء, وأن أرى: في تأويل مصدر مجرور بالباء أو اللام, ولا يجوز تقدير «على» خلافًا للدماميني. وقال شراح «الحماسة» المرزوقي والتبريزي والطبرسي: أن أرى: بدل من الوحش, وفيه نظر, لاقتضائه أن يحسد رؤية أليفين, وليس الحسد رؤيتهما, وإنما يحسد المرئي. وأليفين: مفعول أرى البصرية, ومنها: صفة لأليفين, وكذلك جملة: لا يروعهما الذعر, ويروع بالتخفيف من الروع, يقال: راعني الشيء يروعني روعًا, أي: أفزعني, والذعر بضم الذال وسكون العين, في «المصباح»: ذعرته ذعرًا, من باب نفع: أفزعته. والذعر بالضم: اسم منه. قال المرزوقي: معناه: إني إذا تأملت الوحوش وهي تأتلف في مراعيها ومنصرفاتها اثنين اثنين, لا يفزعهما رقيب, ولا يدخل بنيهما تنفير, حسلتها وتمنيت
стр. 344
أن تكون حالتي مع صاحبني كحالها في ألافها. انتهى.
وقوله: فما هو إلا أن أراها فجاءة .. الخ. جاء في شعر عروة بن حزام العذري, وفي شعر كثيرة عزة البيت هكذا:
وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب
وهذا من شواهد سيبويه, قال في «الكتاب»: وسألت الخليل, رحمه الله تعالى عن قول الشاعر: وما هو إلا أن أراها .. البيت, فقال: أنت في «أبهت» بالخيار, إن شئت حملتها على أن, وإن شئت لم تحملها عليه فرفعت, كأنك قلت: ما هو إلا الرأي فأبهت. انتهى.
يريد: إن روي بنصب أبهت, فالفاء عاطفة أبهت على أراها, وهو عطف مفرد على مفرد, وهما في تأويل المصدر, والتقدير: إلا الرأي فالبهت. وإن روي بالرفع, فالفاء استئنافية, وجملة أبهت خبر مبتدأ محذوف, أي: فأنا أبهت, بفتح الهمزة وضم الهاء وفتحها, لأنه جاء من بابي قرب وتعب, بمعنى أدهش وأنحير, وهو لازم. وأما أبهت بالبناء للمفعول, فغير مراد هنا, يقال: بهته يبهته من باب نفع, أي: قذفه بالباطل والاسم البهتان, فهو متعد. وقوله: وما هو إلا, هذا الضمير يفسره ما بعده كقوله تعالى: (إن هي إلا حياتنا الدنيا) [الأنعام/٢٩, والمؤمنون /٣٧] قال الزمخشري: هذا ضمير لا يعلم ما يعنى به إلا بما يتلوه, وأصله: إن الحياة (إلا حياتنا لدنيا) ثم وضع (هي) موضع الحياة, لأن الخبر يدل عليها وبينها. انتهى. وأراها بفتح الهمزة من
стр. 345
رؤية العين, تتعدى إلى مفعول واحد, وهو ضمير الحبيبة. والفجاءة: البغتة, مفعول مطلق, أي: رؤبة فجاءة, وحتى ابتدائية, ومعناها الغاية. ومفعول أجيب محذوف, أي: ما أاد أجيبها إن كلمتني. وقوله: لا عرف لدي ولا نكر, العرف بالضم: كل ما تعرفه النفس من الخير, وتطمئن إليه. والنكر بالضم خلافه, وقوله: وما تركت لي من شذى, بفتح الشين والذال المعجمتين: بقية القوة.
وقوله: إذا قلت هذا حين أسلو .. البيت. يأتي إن شاء الله تعالى شرحه في الباب الرابع.
وقوله: وإني لتعروني لذكراك .. البيت. استشهد به المصنف في «شرح الألفية» على أن المفعول له يجر باللام إذا فقد بعض شروطه, فإن قوله: لذكراك, مفعول له جر باللام لأن فاعله غير فاعل الفعل المعلل, وهو قوله: لتعروني, فإن فاعله هزة, وفاعل ذكراك المتكلم, فإنه مصدر مضاف لمفعوله, وفاعله محذوف, أي: لذكري إياك.
واستشهد به الرضي على أن الأخفش والكوفيين استدلوا به على أنه لم تجب قد مع الماضي المثبت الواقع حالًا, فإن جملة «بلله القطر» حال من العصفور. وتعروني: مضارع عراه الشيء, أي: أصابه, والهزة بفتح الهاء: الحركة. وأراد بها الرعدة, قال ابن جابر الأندلسي في شرح «بديعة العميان» في
стр. 346
البيت من البديع: الاحتباك, وهو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني, ويحذف من الثاني ما أثبت نظيره في الأول, فإن التقدير فيه: وإني لتعروني لذكراك فترة وانتفاضة, كفترة العصفور وانتفاضته. فحذف من الأول الانتفاض, لدلالة الثاني عليه, وحذف من الثاني الفترة, لدلالة الأول عليه. انتهى. وقد شرحنا هذا البيت بأكثر مما هنا في الشاهد الخامس بعد المائتين, وبسطنا ترجمة أبي صخر الهذلي.
وقوله:
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها .. البيت
قال المرزوقي: يجوز أن يريد به سرعة تقضي أوقات الوصال بينهما, وأنه لما انقضى الوصل عاد الدهر إلى حالته في السكون والبطء, وهذا على عادتهم في استقصار أيام السرور واللهو, واستطالة أيام الفراق والهجر, ويجوز أن يريد بسعي الدهر سعاية أهله, وإيقادهم نار الشر بينهما بالنمائم والوشايات, وأنه لما فترت أشواقهم بالتهاجر الواقع بينهما, وحصل مرادهم فيما طلبوه من الفساد بينهما, سكنوا. وكما أراد بسعي الدهر سعي أهله كذلك, أراد بسكون الدهر سكون أهله. انتهى. ولا يخفى أن المتبادر من السياق إلى الفهم إنما هو المعنى الثاني.
وأبو صخر: اسمه عبد الله بن سالم السهمي الهذلي, شاعر إسلامي في الدولة المروانية, كان متعصبًا لبني مروان ومواليًا لهم, وله في عبد الملك بن مروان وأخيه عبد العزيز مدائح كثيرة.
стр. 347
وأنشد بعده, وهو الانشاد الخامس والسبعون:
(٧٥) أحقًا أن جيرتنا استقلوا
تمامه:
فنيتنا ونيتهم فريق
على أن «حقًا» منصوب عند سيبويه على الظرف. وهذا نصه: قال في «باب من أبواب أن تكون أن فيه مبنية على ما قبلها» وذلك قولك: أحقًا أنك ذاهب؟ وكذلك أكثر ظنك أنك ذاهب وأجهد رأيك أنك ذاهب, وكذلك هما في الخبر. وسألت الخليل فقلت: ما منعهم أن يقولوا: أحقًا إنك ذاهب, على القلب, كأنك قلت: إنك ذاهب حقًا؟ فقال: لأن إن لا تبدأ في كل موضع, ولو جاز هذا, لجاز: يوم الجمعة إنك ذاهب, يريد: إنك ذاهب يوم الجمعة, ولقلت أيضًا: لا محالة إنك ذاهب, تريد: إنك لا محالة ذاهب, وصارت أن مبنية عليها, كما صار الرحيل مبنيًا على غد إذا قلت: غدًا الرحيل, والدليل على ذلك إنشاد العرب [هذا البيت] كما أخبرتك. زعم يونس أنه سمع العرب يقولون في بيت الأسود بن يعفر:
أحقًا بني أبناء سلمى بن جندل ... تهددكم إياي وسط المجالس
فزعم الخليل أن التهدد هنا بمنزلة الرحيل بعد غد, وأن «أن» بمنزلته, وموضعه ولموضعه ونظير: أحقًا أنك ذاهب من أشعار العرب قول العبدي:
أحقًا أن جيرتنا استقلوا ... فنيتنا ونيتهم فريق
وقال عمر ابن أبي ربيعة:
стр. 348
أألحق أن دار الرباب تباعدت ... أو انبت حبل أن قلبك طائر
وقال النابغة الجعدي:
ألا أبلغ بني خلف رسولًا ... أحقًا أن أخطلكم هجاني
وكل هذه البيوت سمعناها من أهل الثقة هكذا, والرفع في جميع هذا جيد قوي, وذلك أنك إن شئت قلت: أحق أنك ذاهب, وأكبر ظني أنك منطلق, تجعل الآخر هو الأول. انتهى كلام سيبويه. قال السيرافي: إذا قلت: أحقًا أنك ذاهب, ففيه الرفع والنصب: فالرفع على الابتداء والخبر, فإذا قلت: أحق أنك ذاهب, فتقديره: أحق ذهابك, وأكبرظني ذهابك, وجهد رأبي ذهابك. والنصب على تقدير هذه الأشياء ظروفًا. ورفع أنك بالابتداء, وذلك أنك إذا قدمت هذه الأشياء ونصبتها فلا وجه لنصبها غير الرظف, ورفع أن, ويكون التقدير فيها: أفي زمن حق أنك ذاهب, ثم حذف زمن, كما قيل: سير عليه مقدم الحاج, يريد: زمن مقدم الحاج, ثم حذف المضاف, وأقيم المضاف إليه مقامه, وقد تبين من كلام العرب أنها في مذهب الظرف بدخول في عليها, قال أبو زبيد:
أفي حق مواتاتي أخاكم ... بما لي ثم يظلمني الشر يس
وتبين أن أن في موضع رفع بقوله:
أحقًا بني أبناء سلمى بن جندل ... تهددكم إياي وسط المجالس
فرفع تهددكم. انتهى كلامه. قال الأعلم: ومعنى استقلوا: نهضوا مرتفعين مرتحلين. والنية: الجهة التي ينوونها, يصف افتراقهم عند انقضاء المرتبع,
стр. 349
ورجوعهم إلى محاضرهم. والفريق يقع للواحد والجمع, والمذكر والمؤنث, ونظيره صديق وعد. انتهى. والجيرة: جمع جار. وقال السيرافي: لم يثن الفزيق, لأنه قد يستعمل على لفظ في الواحد والاثنين والجمع, كصديق وقعيد وروى غير سيبويه:
ألم تر أن جيرتنا استقلوا
وعليه لا شاهد فيه. وقال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم بعدما نقل كلام الأعلم: إنما فريق هنا بمعنى متفرقة. انتهى. وبعد هذا البيت:
فدمعي لؤلؤ سلس عراه ... يخر على المهاوي ما يليق
على الربلات إذ شحت سليمى ... وأن بذكرها طرب مشوق
فودعها وإن كانت أناة ... مبتلة لها خلق أنيق
وسلس بفتح فكسر: سهل لين. والعرى بالضم: جمع عروة. والمهاوي: جمع مهواة, وهو المسقط. وقال المصنف: عراه حروفه, والمهاوي: جمع مهواة, ما بعد العين إلى الصدر. انتهى. ويرده قوله: إلى الربلات. ويليق من لاق الشيء بغيره, إذا لزق به يريد أن دموعه جاريةت لا تقف ولا تنقطع. والربلات: جمع ربلة, بفتح الموحدة وسكونها, وهي كل لحمة غليظة, أو هي باطن الفخذ, أو ما حول الضرع, والحياء. والأناة: بفتح الهمزة, وهي من النساء التي فيها فتور عند القيام وتأن, وهو مدح فيها, قال في «القاموس»: والمبتلة – كمعظمة – الجميلة, كأنها بتل حسنها على أعضائها, أي: قطع, والتي لم يركب بعض لحمها بعضًا, وفي أعضائها استرسال, ولا يوصف به الرجل.
وهذه الأبيات من قصيدة, قال صاحب «مختار أشعار الجاهلية والمخضرمين»:
стр. 350
ذكرت العرب أن منصفات أشعار العرب ثلاثة أشعار, فأولها: قصيدة عامر بن معشر بن أسحم بن عدي بن شيبان بن سواد بن عذرة بن منبه بن لكيز بن أفصى ابن عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بنأسد بن ربيعة بن نزار وهي:
ألم تر أن جيرتنا استقلوا ... فنيتنا ونيتهم فريق
فداء خالتي لبني لكيزٍ ... خصوصًا يوم كس القوم روق
تلاقينا بسبسب ذي طريقٍ ... وبعضهم على بعضٍ حنيق
كأن النبل بينهم جراد ... تصفقه شآمية خريق
كأن هزيزنا لما التقينا ... هزير أباءة فيها حريق
بكل قرارةٍ منا ومنهم ... بنان فتى وجمجمة فليق
فكم من سيد فينا وفيهم ... بذي الطرفاء منطقه شهيق
فأشعبنا السباع وأشبعوها ... فراحت كلها تئق يفوق
وأبكينا نساءهم وأبكوا ... نساء ما يجف لهن موق
يجاوبن النباح بكل فجر ... فقد بحت من النوح الحلوق
تركنا الأبيض الوضاح منهم ... كأن سواد قلته العذوق
تعاوره رماح بني لكيز ... فخر كأنه سيف ذليق
وقد قتلوا به منا غلامًا ... كريمًا لم تأشبه العروق
وأفلتنا ابن قران جريحًا ... تمر به مساعفة مروق
стр. 351
فلما استيقنوا بالصبر منا ... تذكرت الأياصر والحقوق
فأبقينا ولو شئنا تركنا ... لجيمًا لا تقود ولا تسوق
وروى صاحب «الحماسة البصرية» أيضًا هذه القصيدة, إلا أنه أسقط البيت الثاني, وزاد بعد قوله:
تلاقينا بسب ذي طريف .. البيت, بيتًا, وهو:
فجاؤوا عارضًا بردًا وجئنا ... كمثل السيل أن به الطريق
وقوله: «يوم كس القوم روق» كس بالضم: جمع أكس, وصف من الكسس - بفتحتين - وهو قصر الأسنان, والروق: جمع أرواق, وصف من الروق - بفتحتين - وهو قصر الأسنان, والروق: جمع أروق, وصف من الروق - بفتحتين - وهو أن تطول الثنايا العليا السلفى, يريد أنهم لما يقتلون فتنكلح شفاهم, فتظهر الأسنان القصيرة كالطويلة. قال الطوسي في شرح «ديوان لبيد» عند قوله:
تكلح الأروق منهم والأيل
الأروق: الطويل الأسنان, والأيل: اللازق الأسنان باللثة, يقول: تقصر شفاههم مما يلقون, فتظهر أسنان الأروق والأيل, وإنما يفعلون ذلك إذا كلحوا, فبدت أسنانهم, وأنشد للمفضل العبدي:
стр. 352
فداء خالتي لبني لسكيز ... خصوصا يوم كس القوم روق
انتهى. قال صاحب «مختار الأشعار الجاهلية»: قوله: «يوم كس القوم روق» مثله قول عنترة:
ولقد حفظت وصاة عمي في الضحى ... إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
وقال آخر:
وتقلصت شفتاه عند نزالهم ... فكأنه يوم الوغى متبسم
ولمقاس العائذي:
لما رآني في مجال ضنك ... والخيل تردى بالأسود المعك
أبدى الثنايا آيسًا من تركي ... كأنه يضحك وهو يبكي
وللربع بن زياد العبسي:
عطفنا وراءك أفراسنا ... وقد أسلم الشفتان الفما
ومثله للعجاج:
ونحن أهل البأس والتقدم ... إذا السيوف أخرجت أقصى الفم
стр. 353
انتهى. وقوله: تلاقينا بسبب ذي طريف, السبب: المفازة. وقيل: الأرض المستوية. قال أبو عبيد البكري في «معجم ما استعجم»: طريف بضم أوله: موضع, قال الشاعر:
تلاقينا بغينة ذي طريفٍ ... وبعضهم على بعض حنيق
والغنية: الأجمة. انتهى. والخنيق: من الحنق – بفتحتين – وهو الغيظ.
وقوله: فجاؤوا عارضًا بردًا, العارض: السحاب, والبرد بفتحتين: شيء ينزل من السحاب يشبه الحصا, ويسمى: حب الغمام وحب المزن. وأنك من الأنين, شبه صوت جري السيل بأنين المريض من شدة الوجع. وقوله: كأن النيل .. الخ, شبه السهام بالجراد في الكثرة, ومرورها في الهواء. وتصفقه: تميله من ناحية إلى ناحية, وأصل التصفيق: تحويل الشراب من إناء إلى إناء, وشامية, أي: ريح شآمية, وهي التي تهب من ناحية الشام. والخريق بالخاء المعجمة: الريح الباردة الشديدة الهبوب.
وقوله: كأن هزيزنا .. الخ, الهزيز بزائين معجمتين: الصوت, ودوي الريح. والأباءة كعباءة: القصب. وقوله: بكل قرارة .. الخ, القرارة بفتح القاف: المطئن من الأرض. والبنان: رؤوس الأصابعز والجمجمة: عظم الرأس. والفليق: المفلوقة. وقوله: بذي الطرفاء: موضع, وقد راجعت كتب الأماكن واللغة فلم أجده في شيء منها. والمنطق: النطق, وشهيق: مدصر شهق الرجل, من باب نفع وضرب: ردد نفسه مع سماع صوته من حلقه.
وقوله: فراحت كلها تثق يفوق, بفتح المثناة الفوقية وكسر الاهمزة: اللآن,
стр. 354
من تثق السقاء, إذا امتلأ. ويفوق: يموت من التخمة, قال الأزهري في «التهذيب»: أبو عبيد عن الكسائي: هو يفوق بنفسه فؤوقًا, وهو يسوق نفسه. ثعلب عن ابن الأعرابي: الفوق نفس الموت. انتهى. والموق: طرف العين من ناحية الأنف.
وقوله: تركنا الأبيض الوضاح .. الخ. الأبيض: السيد, والوضاح: المعروف. والقلة بضم القاف: أعلى الرأس, وأراد بسوادها: شعر الرأس. والعذوق: جمع عذق – بالكسر – وهو قنو النخلة, والعنقود من العنب, وقيل: إذا أكل ما عليه, كذا في «القاموس». وروي «لمسته» بدل: قلته – بكسر اللام – وهو الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن. وتعاوره: تناوبه بالطعن, وذليق: محدد الطرف. وقوله: لم تأسبه العروق: مضارع أشبته تأشيبًا, أي: خالطته, يقال: هو مؤتشب, أي: غير صريح في نسبه.
وقوله: وأفلتنا ابن قران .. الخ. هذا البيت ليس من رواية «الحماسة البصرية» وأفلتنا, أي: هرب منا ونجا. في «القاموس»: وأفلتني الشيء, وتفلت مني: انفلت. ومساعفة, أي: فرس مساعفة, من ساعفه, أي: ساعده. ومروق بفتح الميم: وصف من مرق السهم, إذا خرج ونفذ. وقوله: تذكرت الأياصر والحقوق, بالبناء للمجهول. والأواصر: جمع آصرة كفاعلة, وهي الرحم والقرابة. وقوله: فأبقينا ولو شئنا .. الخ, من أبقى عليه, إذا رحمه وأشفق عليه.
ولجيم: بضم اللام وفتح الجيم, هو أبو قبيلة بني حنيفة, وهو لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل, وأراد به هنا القبيلة, لكنه نونه للضرورة. وقد ذكرنا نسب الشاعر عن صاحب «مختار الأشعار الجاهلية» وقال صاحب «الحماسة البصرية»: هو عامر بن أسحم بن عدي البكري, جاهلي, وقيل: شيباني. انتهى.
стр. 355
وقال محمد بن سلام الجمحي: اسمه المفضل بن معشر البكري, وسمي مفضلًا لهذه القصيدة, فإنه فضل بها على غيره. انتهى. وقال العسكري في كتاب «التصحيف»: وفي الشعراء ثلاثة يسمون المفضل وليسوا من المفضل ابن محمد الضبي في شيء, منهم المفضل بن عامر, وقيل: المفضل بن معشر العبدي من عبد القيس, صاحب القصيدة المنصفة التي أولها:
أحقا أن جيرتنا استقلوا .. البيت
وفي طي المفضل الشاعر, وهو المفضل بن قيس بن الغوب من طيء, وهو أول من قال الشعر بعد طيء, ومن شعره:
أعيا الذي بي علم كل طبيب
انتهى. ولم يورد الآمدي هذا في كتابه «المؤتلف والمختلف» مع أنه من شرطه, ثم إن كلام محمد بن سلام يدل على أنه إنما سمي المفضل بعد قوله هذه القصيدة.
ولا يخفى أن نسبه الذي رفعه صاحب «المختار» بعضه يحتاج إلى ضبط, فنقول: لكيز: بضم اللام, وآخره زاء معجمة, وأفصى: بفتح الألف وسكون الفاء, وآخره ألف تكتب ياء. ودعمي: بضم الدال, وسكون العين المهملة, وكسر الميم, وتشديد الياء في آخره. وجديلة: بفتح الجيم. ونزار: هو ابن معد ابن عدنان, وعبد القيس إذا نسب إليه, فتارة يقال في النسبة: عبدي, وتارة يقال: عبقسي.
تتمة: قال صاحب «مختار أشعار الجاهلية, والمخضرمين»: المنصفة الثانية
следующие страницы →