← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فلما استيقنوا بالصبر منا ... تذكرت الأياصر والحقوق فأبقينا ولو شئنا تركنا ... لجيمًا لا تقود ولا تسوق وروى صاحب «الحماسة البصرية» أيضًا هذه القصيدة, إلا أنه أسقط البيت الثاني, وزاد بعد قوله: تلاقينا بسب ذي طريف .. البيت, بيتًا, وهو: فجاؤوا عارضًا بردًا وجئنا ... كمثل السيل أن به الطريق وقوله: «يوم كس القوم روق» كس بالضم: جمع أكس, وصف من الكسس - بفتحتين - وهو قصر الأسنان, والروق: جمع أرواق, وصف من الروق - بفتحتين - وهو قصر الأسنان, والروق: جمع أروق, وصف من الروق - بفتحتين - وهو أن تطول الثنايا العليا السلفى, يريد أنهم لما يقتلون فتنكلح شفاهم, فتظهر الأسنان القصيرة كالطويلة. قال الطوسي في شرح «ديوان لبيد» عند قوله: تكلح الأروق منهم والأيل الأروق: الطويل الأسنان, والأيل: اللازق الأسنان باللثة, يقول: تقصر شفاههم مما يلقون, فتظهر أسنان الأروق والأيل, وإنما يفعلون ذلك إذا كلحوا, فبدت أسنانهم, وأنشد للمفضل العبدي:

стр. 352

فداء خالتي لبني لسكيز ... خصوصا يوم كس القوم روق انتهى. قال صاحب «مختار الأشعار الجاهلية»: قوله: «يوم كس القوم روق» مثله قول عنترة: ولقد حفظت وصاة عمي في الضحى ... إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم وقال آخر: وتقلصت شفتاه عند نزالهم ... فكأنه يوم الوغى متبسم ولمقاس العائذي: لما رآني في مجال ضنك ... والخيل تردى بالأسود المعك أبدى الثنايا آيسًا من تركي ... كأنه يضحك وهو يبكي وللربع بن زياد العبسي: عطفنا وراءك أفراسنا ... وقد أسلم الشفتان الفما ومثله للعجاج: ونحن أهل البأس والتقدم ... إذا السيوف أخرجت أقصى الفم

стр. 353

انتهى. وقوله: تلاقينا بسبب ذي طريف, السبب: المفازة. وقيل: الأرض المستوية. قال أبو عبيد البكري في «معجم ما استعجم»: طريف بضم أوله: موضع, قال الشاعر: تلاقينا بغينة ذي طريفٍ ... وبعضهم على بعض حنيق والغنية: الأجمة. انتهى. والخنيق: من الحنق – بفتحتين – وهو الغيظ. وقوله: فجاؤوا عارضًا بردًا, العارض: السحاب, والبرد بفتحتين: شيء ينزل من السحاب يشبه الحصا, ويسمى: حب الغمام وحب المزن. وأنك من الأنين, شبه صوت جري السيل بأنين المريض من شدة الوجع. وقوله: كأن النيل .. الخ, شبه السهام بالجراد في الكثرة, ومرورها في الهواء. وتصفقه: تميله من ناحية إلى ناحية, وأصل التصفيق: تحويل الشراب من إناء إلى إناء, وشامية, أي: ريح شآمية, وهي التي تهب من ناحية الشام. والخريق بالخاء المعجمة: الريح الباردة الشديدة الهبوب. وقوله: كأن هزيزنا .. الخ, الهزيز بزائين معجمتين: الصوت, ودوي الريح. والأباءة كعباءة: القصب. وقوله: بكل قرارة .. الخ, القرارة بفتح القاف: المطئن من الأرض. والبنان: رؤوس الأصابعز والجمجمة: عظم الرأس. والفليق: المفلوقة. وقوله: بذي الطرفاء: موضع, وقد راجعت كتب الأماكن واللغة فلم أجده في شيء منها. والمنطق: النطق, وشهيق: مدصر شهق الرجل, من باب نفع وضرب: ردد نفسه مع سماع صوته من حلقه. وقوله: فراحت كلها تثق يفوق, بفتح المثناة الفوقية وكسر الاهمزة: اللآن,

стр. 354

من تثق السقاء, إذا امتلأ. ويفوق: يموت من التخمة, قال الأزهري في «التهذيب»: أبو عبيد عن الكسائي: هو يفوق بنفسه فؤوقًا, وهو يسوق نفسه. ثعلب عن ابن الأعرابي: الفوق نفس الموت. انتهى. والموق: طرف العين من ناحية الأنف. وقوله: تركنا الأبيض الوضاح .. الخ. الأبيض: السيد, والوضاح: المعروف. والقلة بضم القاف: أعلى الرأس, وأراد بسوادها: شعر الرأس. والعذوق: جمع عذق – بالكسر – وهو قنو النخلة, والعنقود من العنب, وقيل: إذا أكل ما عليه, كذا في «القاموس». وروي «لمسته» بدل: قلته – بكسر اللام – وهو الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن. وتعاوره: تناوبه بالطعن, وذليق: محدد الطرف. وقوله: لم تأسبه العروق: مضارع أشبته تأشيبًا, أي: خالطته, يقال: هو مؤتشب, أي: غير صريح في نسبه. وقوله: وأفلتنا ابن قران .. الخ. هذا البيت ليس من رواية «الحماسة البصرية» وأفلتنا, أي: هرب منا ونجا. في «القاموس»: وأفلتني الشيء, وتفلت مني: انفلت. ومساعفة, أي: فرس مساعفة, من ساعفه, أي: ساعده. ومروق بفتح الميم: وصف من مرق السهم, إذا خرج ونفذ. وقوله: تذكرت الأياصر والحقوق, بالبناء للمجهول. والأواصر: جمع آصرة كفاعلة, وهي الرحم والقرابة. وقوله: فأبقينا ولو شئنا .. الخ, من أبقى عليه, إذا رحمه وأشفق عليه. ولجيم: بضم اللام وفتح الجيم, هو أبو قبيلة بني حنيفة, وهو لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل, وأراد به هنا القبيلة, لكنه نونه للضرورة. وقد ذكرنا نسب الشاعر عن صاحب «مختار الأشعار الجاهلية» وقال صاحب «الحماسة البصرية»: هو عامر بن أسحم بن عدي البكري, جاهلي, وقيل: شيباني. انتهى.

стр. 355

وقال محمد بن سلام الجمحي: اسمه المفضل بن معشر البكري, وسمي مفضلًا لهذه القصيدة, فإنه فضل بها على غيره. انتهى. وقال العسكري في كتاب «التصحيف»: وفي الشعراء ثلاثة يسمون المفضل وليسوا من المفضل ابن محمد الضبي في شيء, منهم المفضل بن عامر, وقيل: المفضل بن معشر العبدي من عبد القيس, صاحب القصيدة المنصفة التي أولها: أحقا أن جيرتنا استقلوا .. البيت وفي طي المفضل الشاعر, وهو المفضل بن قيس بن الغوب من طيء, وهو أول من قال الشعر بعد طيء, ومن شعره: أعيا الذي بي علم كل طبيب انتهى. ولم يورد الآمدي هذا في كتابه «المؤتلف والمختلف» مع أنه من شرطه, ثم إن كلام محمد بن سلام يدل على أنه إنما سمي المفضل بعد قوله هذه القصيدة. ولا يخفى أن نسبه الذي رفعه صاحب «المختار» بعضه يحتاج إلى ضبط, فنقول: لكيز: بضم اللام, وآخره زاء معجمة, وأفصى: بفتح الألف وسكون الفاء, وآخره ألف تكتب ياء. ودعمي: بضم الدال, وسكون العين المهملة, وكسر الميم, وتشديد الياء في آخره. وجديلة: بفتح الجيم. ونزار: هو ابن معد ابن عدنان, وعبد القيس إذا نسب إليه, فتارة يقال في النسبة: عبدي, وتارة يقال: عبقسي. تتمة: قال صاحب «مختار أشعار الجاهلية, والمخضرمين»: المنصفة الثانية

стр. 356

لعبد الله بن عبد العزيز الجهني: ألا حييت عنا يا ردينا ... نحييها وإن كرمت علينا ورسوا فارسًا منهم عشاء ... فلم نغدر بفارسهم لدينا فجاؤوا عارضًا بردًا وجئنا ... كمثل السيل يركب دار عينا فلما أن تواقفنا قليلا ... أنخنا للكلاكل وارتمينا ولما لم ندع سهمًا ورمحًا ... مشينا نحوهم ومشوا إلينا فمن يرنا يقل سيل غريف ... نكر عليهم وهم علينا شددنا شدة فقتلت منهم ... ثلاثة فتية وأسرت قينا وشدوا شدة أخرى فجروا ... بأرجل مثلهم ورموا سنينا وكان أخي سنين ذا حفاظ ... وكان القتل للفتيان زينا فأبوا بالرماح مكسرات ... وأبنا بالسيوف قد انحنينا وباتوا بالصعيد لها أحاح ... ولو خفت لنا الكالمى سرينا والمنصفة الثالثة أولها: لأسماء رسم أصبح اليوم دارسا ... وأقفر منها رحاحان فراكسا

стр. 357

انتهى. وفي هذه الثالثة بيت أورده المصنف في الباب الخامس وهو: أكر وأحمى للحقيقة منهم ... وأضرب منا بالسيوف القوانسا وهناك نورد القصيدة إن شاء الله تعالى, ونشرحها بتوفيق الله تعالى. وأنشد بعده, وهو الانشاد السادس والسبعون: (٧٦) أفي الحق أني مغرم بك هائم تمامه: وأنك لاخل هواك ولا خمر وقبهل: هل الوجد إلا إن قلبة لو دنا ... من الجمر قيد الرمح لاحترق الجمر وبعده: فإن كنت مطبوبًا فلا زلت هكذا ... وإن كنت مسحورًا فلا برأ السحر هكذا أورد هذه النتفة أبو تمام والأعلم الشنتمري في «حماستيهما» , وقوله: هل الوجد, أي: ما الوجد, في «نهاية ابن الأثير»: وجدت بفلانة وجدًا, إذا أحببتها حبًا شديدًا, ودنا: من الدنو, والقيد بكسر القاف: المقدار من المسافة, يقال: بينهما قيد رمح أي: قدر رمح, يقول: ليس الوجد إلا هذا الذي بي, وهو

стр. 358

أن قلبي لو قرب من الجمر حتى لا يكون بينهما مقدار رمح, لغلب ناره نار الجمر, فكان الجمر يحترق. وقوله: أفي الحق: الهمزة للاستفهام الإنكاري, ومغرم: من أغرم بالشيء, بالبناء للمفعول, أي: أولع به, والاسم: الغرام, وفي «القاموس»: الغرام: الولوع, والشر الدائم, والهلاك والعذاب, والمغرم أسير الحب, والدين, والمولع بالشيء. والهائم: من هام يهيم, إذا خرج على وجهه لا يدري أين يتوجه. والكاف في المواضع مكسورة, خطاب مع مؤنث. والهوى: الميل والمحبة. قال شراح «الحماسة»: يقال: ما هو بخل ولا خمر, أي: ليس بشيء يخلص ويتبين. يقول: لا يدخل في الحق ووجوهه أن يكون حبي لك غرامًا, وحبك لا يرجع إلى معلوم. وفي «مجمع الأمثال» للميداني: «ما أنت بخل ولا خمر» قال أبو عمرو: بعض يجعل الخمر للذتها خيرًا, والخل لحموضته شرًا, وأنه لا يقدر على شربه. وبعضهم يجعل الخمر شرًا, والخل خيرًا. ويقولون: لست من هذا الأمر في خل ولا خمر, أي: لست منه في خير ولا شر. والعجب من الزمخشري, فإنه قال في «مستقصى الأمثال»: ما عنده خل ولا خمر, قال: أفي الحق أني مغرم بك هائم .. البيت ولم يزد على البيت, فكأنه أحال معنى المثل على البيت. قوله: فإن كنت مطبوبًا, قال شراح «الحماسة»: المطبوب: المسحور, والطب: السحر والعلم جميعًا, يقول: إن كان الذي بي داء معلومًا يعرف

стр. 359

دواؤه, فلا فارقني, فإني ألتذ به. وإن كنت مسحورًا, أي: وإن كان الذي بي لا يعلم ما هو, فلا فارقني أيضًا. فلا يجوز أن يكون معنى مطبوبًا مسحورًا ههنا, لأنه يصير الصدر والعجز بمعنى واحد. انتهى. ولم يذكر أحد من شرح «الحماسة» قائل هذه الأبيات والله تعالى أعلم. وأنشد بعده, وهو الانشاد السابع والسبعون: (٧٧) ما ترى الدهر قد أباد معدًا ... وأباد السراة من عدنان على أن أصله: أما ترى؟ فحذفت ألف أما. وهذا قول ابن السيد البطليوسي في كتابه «إصلاح الخلل الواقع في كتاب الجمل» كما نقله المرادي عنه في «الجنى الداني». وأما قول الدماميني أنشده ابن السيد في كتابه المسمى بـ (إصلاح الخلل في شرح أبيات الجمل» فصوابه ما قلناه, وأما شرح أبياته فاسمه: «كتاب الحلل في شرح أبيات الجمل» وهذا التأليف متأخر عن ذاك, فإنه قال في كتاب «شرح الأبيات»: لما فرغت من الكلام في إصلاح الخلل الواقع في كتاب الجمل, أردت أن أتبع ذلك الكلام في إعرابه أبياته ومعانيها .. إلى آخر ما ذكرهز وروى عجزه ابن مالك: وأباد القرون من قوم عاد قال في كتاب «التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح»: ومنها أن الحسن أو الحين, أخذ تمرة من تمر الصدقة, فجعلها في فيه, فنظر إليه رسول الله

стр. 360

صلى الله تعالى عليه وسلم, فأخرجها من فيه, وقال: «أما علمت» وفي بعض النسخ: «ما علمت» قلت: لا إشكال في هذا الحديث إلا في رواية من روى: «ما علمت» فإن أما هذه مركبة من همزة الاستفهام, وما النافية, وأفاد تركيبها التقرير والتثبيت, فكأن قائل: أما فعلت, قائل: قد فعلت. وأكثر ما يستعمل في هذا المعنى ألم, ومن روى «ما علمت» فأصله «أما علمت» فحذفت همزة الاستفهام, لأن المعنى لا يستقيم إلا بتقديرها. وقد كثر حذف الهمزة إذا كان معنى ما حذفت منه لا يستقيم إلا بتقديرها, ومن حذف الهمزة قبل ما النافية عند قصد التقرير ما أنشد البطليوسي: ما ترى الدهر قد أباد معدًا ... وأباد القرون من قوم عاد انتهى كلامه ملخصًا. قال الدماميني: ويمكن أن «ما» في البيت نافية, ولا همزة محذوفة, والكلام خبر محض خوطب به من يعلمه, ولكن عنده غفلة ولنهاك في اللذة, تنزيلًا له منزلة الجاهل, لمخالفته مقتضى العلم, من حيث أن علمه بهلاك هؤلاء يقتضي التيقظ والتحفظ من الاسترسال في الغفلة, وحيث خالف هذا المقتضى, كان كالجاهل الذي لا علم عنده. انتهى. مراده: تنزيل رؤيته منزلة العلم, لغفلته وانهماكه في اللذات, فنزل العالم به منزلة الجاهل, وهو بمعنى تنزيل وجود علمه بمنزلة عدمه, ولا فرق بينهما, فلا حاجة للفرق بينهما بما لا طائل تحته, كما أطال ابن الملا الكلام. وترى: تعلم, والدهر: مفعوله الأول, وجملة «قد أباد معدًا»: في موضع المفعول الثاني. وأباد: أهلك وأفنى. ومعد: ابن عدنان, أبو عرب الحجاز وما يليه, ويطلق على القبيلة, ويجوز أن يراد كل منهما هنا. وإسناد أباد إلى

стр. 361

الدهر حقيقي إن كان قائل البيت جاهليًا, ومجازي إن كان إسلاميًا. والسراة بالفتح: الأشراف والأخيار. قال المحقق الرضي في «شرح الشافية»: وقالوا في سري سراة, والظاهر أنه اسم الجمع لا جمع. انتهى. ويؤيده قول السهيلي في «الروض الأنف»: لا ينبغي أن يقال في سراة القوم أنه جمع سري, لا على القياس, ولا على غير القياس, وإنما هو مثل: كاهل القوم, وسنامهم, والعجب كيف خفي هذا على النحويين, حتى قلد الخلف منهم السلف, فقالوا: سراة جمع سري, ويا سبحان الله: كيف يكون جمعًا له, وهم يقولون: جمع سراة: سروات. مثل: قطاة, وقطوات؟ يقالك هؤلاء من سروات الناس, كما يقال: من رؤوسهم, ولو كان السراة جمعًا ما جمع, لأنه على وزن الفعلة, ومثل هذا البناء في الجموع لا يجمع, وإنما سري فعيل من السرو, وهو الشرف, فإن جمع على لفظه قيل: سري وأسرياء, كغني وأغنياء, ولكنه قليل وجوده, وقلة وجوده لا تدفع القياس فيه, وقد حكاه سيبويه. انتهى كلامه. وروي «قحطان» بدل «عدنان» وفحطان: أبو عرب اليمن, وعلى هذه الرواية يجوز أن يراد بالسراة أزد السراة, وهي قبيلة عظيمة من قبائل قحطان. ولم أقف على قائل البيت والله تعالى أعلم به. وأنشد بعده في «أما» بالتشديد, وهو الانشاد الثامن والسبعون: (٧٨) رأت رجلًا أيما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأيما بالعشي فيخصر رواه أبو العباس المبرد في «الكامل» في ثلاثة مواضع منه بثلاثة أوجه,

стр. 362

رواه في أوائله: «أيما» بالإبدال في الموضعين من البيت, ورواه في أول الثلث الثالث بالإبدال في الموضع الأول فقط, ورواه في آخر الثلث الأول: «أما» بالتشديد, على الأصل في الموضعين. أورد في أوائله بعض أبيات لجميل بن معمر منها في صفة القوس: على نبعة زوراء أيما خطامها ... فمتن وأيما عودها فعتيق وقال: قوله: أيما, يريد: أما: واستثقل التضعيف, فأبدل الياء من أحد الميمن. وينشد بيت ابن أبي ربيعة: رأت رجلًا أيما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأيما بالعشي فيخصر وهذا يقع, وإنما بابه أن يكون قبل المضاعف كسرة فيما يكون على فعال, فيكرهون التضعيف والكسرة, فيبدلوا من المضعف الأول ياء للكسرة, وذلك قولهم: دينار وقيراط وديوان, وما أشبه ذلك, فإن زالت الكسرة, وانفصل أحد الحرفين من الآخر, رجع التضعيف فقلت: دنانير وقراريط ودواوين, وكذلك إن صغرت فقلت: قريريط ودنينير. انتهى كلامه. والبيت من قصيدة لعمر ابن أبي ربيعة عدتها ثمانون بيتًا, ومطلعها يخاطب نفسه: أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غدٍ أو رائح فمهجر إلى أن قال بعد ستة أبيات: ألكني إليها بالسلام فإنه ... يشهر إلمامي بها فينكر على أنها قالت غداة لقيتها ... بمدفع أكنانٍ أهذا المشهر

стр. 363

قفي فانظري يا اسم هل تعرفينه ... أهذا المغيري الذي كان يذكر أهذا الذي أطريت نعتًا فلم أكد ... وعيشك أنساه إلى يوم أقبر لئن كان إياه لقد حال بعدنا ... عن العهد والإنسان قد يتغير فقالت نعم لا شك غير لونه ... سرى الليل يحيي نصه والتهجر رأت رجلًا أما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأما بالعشي فيخصر أخا سفر جواب أرض تقاذفت ... به فلوات فهو أشعث أغبر قليل على ظهر المطية ظله ... سوى ما نفى عنه الرداء المحبر وفي أواخرها: إذا جئت فامنح طرف عينك غيرنا ... كما يحسبوا أن الهوى حيث تبصر وأورده المصنف في بحث الكاف, وهناك نشرحه, إن شاء الله تعالى مع أبيات أخر. وقوله: أمن آل نعم: الهمزة للاستفهام التصديقي, ومن: تعليلية, يقول: أمن أجلها عزمت على السفر حتى تراها؟ ونعم بضم النون: امرأة من قريش تكنى أم بكر, قال صاحب «الأغاني». وآل نعم هنا نفس نعم, وفي «صحيح البخاري» عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهما قال: كان النبي, صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللهم صل على آل فلان» فأتاه أبي بصدقته, فقال: «اللهم صل على آل أبي أوفى» قال شارحه العلامة ابن حجر: قوله: «على آل أبي أوفى» يريد: أبا أوفى نفسه, لأن الآل يطلق على ذات الشيء كقوله في قصة أبي موسى: «لقد أوتي مزمارًا

стр. 364

من مزامير آل داود». انتهى المراد منه. وظن ابن وحيي أن الآل هنا بمعنى الأهل, فقال: وفي هذا حجة على الشمني حيث ادعى عدم جواز إضافة آل إلى المؤنث, ذكره في أول شرح هذا الكتاب. وقد أشرنا إلى ما هو الحق هناك. أقول: الذي أورده هناك أبيات أربعة من شعر زهير بن أبي سلمى من هذا النمط المذكور في هذا البيت. وغاد: من غدا غدوًا, أي: ذهب غدوة, وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس, هذا أصله, ثم كثر حتى استعمل في الذهاب والانطلاق أي وقت كان, والمراد هنا: ما بعد طلوع الشمس, لقوله: غداة غدٍ, فإن الغداة بمعنى الضحوة. ومبكر: مسرع قال في «القاموس»: وكل من بادر إلى شيء فقد أبكر إليه في أي وقت كان. ورائح: ذاهب في الرواح, وهو العشي, أو من الزوال إلى الليل, ورحنا رواحًا وتروحنا: سرنا فيه. كذا في «القاموس» والمهجر: الذاهب في الهجير, وهو نصف النهار في القيظ خاصة, وهجر تهجيرًا: سار في الهاجرة, كذا في «المصباح» وقوله: ألكني إليها بالسلام, يخاطب صاحبه, ويقول له: ألكني, أي: كن رسولي بالسلام إليها في «القاموس»: الملأك والمألكة: الرسالة, وألكني إلى فلان, أي: أبلغه عني, وأصله: ألئكني, حذفت الهمزة, وألقيت حركتها على ما قبلها, والملأك: الملك, لأنه يبلغ عن الله تعالى, وزنه مفعل, والعين محذوفة ألزمت التخفيف إلا شاذًا انتهى. وإلمامي: مصدر ألم الرجل بالقوم, إذا أتأهم فنزل بهم. وينكر: مبالغة ينكر بالتخفيف. وقوله: بمدفع أكنان, قال أبو عبيد البكري في «معجم ما استعجم»:

стр. 365

أكنان: واد قريب من مكة, وأنشد هذا البيت, ولم يذكره ياقوت في «معجم البلدان» وقال السيوطي: أكنان: جمع كن, وهو السترة, ومشى عليه ابن الملا وابن وحيي في شرحيهما, وهو ليس بشيء. وقوله: قفي فانظري يا أسم, الآمرة نعم, وأسم: مرخم أسماء رفيقة نعم, وهذا على طريقته, فإنه كثيرًا ما ينسب بنفسه, زعمًا من أن المخدرات يعشقنه لحسنه وجماله, وقد عيب عليه. والهاء في تعرفينه: ضمير الشاعر, وهو عمر, كما أن المغيري عبارة عنه, وهو منسوب إلى جده المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وقوله: وعيشك أنساه, الواو للقسم, وجملة أنساه بتقدير لا النافية: جواب القسم, فإن لا النافية يجوز حذفها من جواب القسم, كقوله تعالى: (تالله تفتؤ) [يوسف/٨٥] أي: لا تفتأ. وقوله: يحيى نصه والتهجر, النص: السير الشديد, والتهجر: معطوف على سرى الليل. وقوله: لئن كان إياه ... البيت. استشهد به المصنف في «شرح الألفية» في الفصل فيما إذا اجتمع ضميران في باب كان, كالمحقق الرضي, لأن الثاني خبر, والأصل في الخبر الانفصال. واللام من لئن: موطئة للقسم, واسم كان ضمير المغيري, وإياه: خبرها. وجملة: «لقد حال»: جواب القسم المقدر, وقد سد مسد جواب الشرط. وحال: تغيير وبعدنا: متعلق بحال. وكذلك قوله: عن العهد, أي: عما عهدنا من شبابه وجماله. وقوله: رأت رجلا,

стр. 366

فاعل رأت ضمير نعم, وجملة «أيما إذ الشمس عارضت»: صفة لقوله: رجلا. والمعنى: رأت رجلًا يضحى وقت معارضة الشمس إياه, وبخصر بالعشي, فهو أخو سفر, يصلى الحر والبرد بلا ساتر, فجيء بأيما للتفصيل. وإذا: ظرف ليضحى, قدم عليه لوجوب الفصل بين أما والفاء. والشمس: فاعل فعل محذوف يفسره ما بعدها, وعارضت: قابلت, والمفعول محذوف, أي: عارضته, ومعارضة الشمس ارتفاعها حتى تصير في حيال الرأس قال صاحب «الصحاح»: وضحيت بالكسر ضحى: عرقت, وضحيت أيضًا للشمس ضحاء بالمد, إذا برزت, وضحيت بالفتح مثله, والمستقبل أضحى في اللغتين جميعًا. انتهى. وحاصله أنه جاء من بابي فرح ومنع. وقال المبرد: يضحى: يظهر للشمس, وقوله: وبخصر, يقول في البردين, وإذا ذكر العشي فقد دل على عقيب العشي, قال تعالى: (وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) [طه/١١٩] انتهى. وقال الفراء في تفسير قوله تعالى: (ولا تضحى): لا تصيبك شمس مؤذية. وفي بعض التفسير: (ولا تضحى): لا تعرق, والأول أشبه بالصواب, قال الشاعر: رأت رجلًا أيما إذا الشمس عارضت .. البيت فقد بين. وقوله: وأيما بالعشي فيخصر, الظرف متعلق بما بعده, قدم عليه وجوبًا للفصل بين أما والفاء. والعشي والعشية: من صلاة المغرب إلى العتمة, كذا في «الصحاح» ويقابله الغداة, ويقال لهما: البردان والأبردان. وإذا برد الرجل في العشي, فمن الضرورة أن يبرد بالغداة, فهو يريدهما لاستلزام أحدهما للآخر, كما أشار إليه المبرد. ويخصر بالخاء المعجمة والصاد المهملة, قال

стр. 367

صاحب «الصحاح»: الخصر بالتحريك: البرد, يقال: قد خصر الرجل إذا آلمه البرد في أطرافه, يقالك خصرت يدي, وخصر يومنا: اشتد برده, وماء خصر: بارد. انتهى. وكأن الدماميني لم يقف على الأبيات, فإنه قال في «المزج»: يقول: رأت رجلًا فقيرًا لاثياب له, فهو إذا ارتفعت الشمس, يبرز لها ليدفا, وإذا جاء العشاء آله البرد. هذا كلامه, وهو خلاف المقصود. وأتعجب من شيخنا الخفاجي لنقله هذا الكلام وإقراره, ولم ينتقده بتأمل السياق والسباق من القصيدة. وقوله: أخا سفر, هو صفة أخرى لقوله: رجلًا. ولاجواب: صيغة مباتغة, من جاب الأرض يجوبها جوبًا, إذا قطعها بالسير, والتقاذف: الترامي. والفلاة: الأرض التي لا ماء فيها, والأشعث: وصف من شعث الشعر شعثًا فهو شعث, من باب تعب, أي: تغير وتلبد للقلة تعهده بالدهن, ورجل أشعث, وأمرة شعثاء: والشعث أيضًا: الوسخ, ورجل شعث: وسخ الجسد, وشعث الرأس أيضًا, وهو أشعث أغبر, أي: من غير استحداد ولا تنظف. وقوله: قليلا على ظهر المطية .. الخ, هذا وصف آخر للرجل. والراداء: ما يلبس على النصف الأعلى, والإزار: ما يلبس في النصف الأسفل, وهما إذا كانا من جنس واحد حلة والمحبر بالحاء المهملة: المزين والمنقش, يقال: حبرت الشيء حبرًا, من باب قتل: إذا زينته وحبرته, بالتشديد مبالغة. قال المبرد في «الكامل»: ومما يستظرف في النحاقة قول ابن أبي ربيعة: رأت رجلًا أيما إذا الشمس عارضت .. إلى قوله. الرداء المحبر .. الأبيات الثلاثة. ومن أعجب ما قيل في النحافة قول مجنون بني عامر: ألا إنما غادرت يا أم ما لك ... صدى أين ما تذهب به الريح يذهب

стр. 368

ومن الإفراط فيه قول آخر: فلو أن ما أبقيت مني معلق بعود ثمام ما تأود عودها انتهى. والنحافة التي ذكرها إنما هي في البيت الثالث, وبيانها أن العرب تستعمل القلة بمعنى الحقارة, فيقولون لكل شيء حقير: قليل, ويجعلون القلة أيضًا بمعنى النفي, فيقولون: قل رجل يقول ذلك إلا زيد, ويقال لشخص كل شيء: ظل, فالمعنى أنه لا شخص له من النحافة, إلا أن رداءه المحبر يعظم جسمه, فينفي عنه بعض النحافة, وهو مثل قول الآخر: فانظر إلى جسمي الذي موهته للناظرين بكثرة الأثواب وهذا مثل قول المتنبي: روح تردد في مثل الخلا إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن وقد يجوز أيضًا أن يريد الظل بعينه, أي: لولا ظل ثوبه لم يكن لظل جسمه ظل يرى, وقيل: معنى ظله: استطلاله, أي: لا يأوي إلى ظل, فلا ينفي عنه حر الشمس إلا ما كان من ردائه. وهذه القصيدة مع طولها أوردها القالي في «أماليه» ومحمد بن المبارك بن محمد بن ميمون في «منتهى الطلب من أشعار العرب» ونحن قد سقناها بتمامها في الشاهد التسعين بعد الثلاثمائة من شواهد المحقق الرضي. قال المبرد في «الكامل»

стр. 369

يروى من غير وجه أن ابن الازرق أتى ابن عباس رضي الله تعالى عنه يومًا, فجعل يسأله حتى أمله, فجعل ابن عباس يظهر الضجر, وطلع عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة على ابن عباس وهو يومئذ غلام, فسلم وجلس, فقال له ابن عباس: ألا تنشدنا شيئًا من شعرك؟ فأنشده: أمن آل نعم أنت غادٍ فمبكر ... غداة غدٍ أم رائح فمهجر حتى أتمها, وهي ثمانون بيتًا, فقال له ابن الأزرق: لله أنت يا ابن عباس: أنضرب إليك أكباد الإبل نسألك عن الدين فتعرض, ويأتيك غلام من قريش, فينشدك سفهًا فتسمعه؟ ! فقال: تالله ما سمعت سفهًا, فقال ابن الأزرق: أما أنشدك: رأت رجلًا أيما إذا الشمس عارضت ... فيخزى وأما بالعشي فيحسر فقال: ما هكذا قال, إنما قال: فيضحى وأما بالعشي فيخصر. قال: أو تحفظ الذي قال؟ قال: والله ما سمعتها إلا ساعتي هذه؟ ولو شئت أن أردها لرددتها, قال: فارددها, فأنشده إياها. وروى الزبيريون أن نافعًا قال له: ما رأيت أروى منك قط, فقال ابن عباس: ما رأيت أروى من عمر, ولا أعلم من علي. انتهى كلام المبرد. وأورد الأصبهاني في «الأغاني» هذه القصة من طرق, وفي بعضها أن ابن عباس أنشدها من أولها إلى آخرها, ثم أنشدها من آخرها إلى أولها مقلوبة, وما سمعها قط إلا تلك المرة. قال له بعضهم: ما رأينا أذكى منك, فقال: ما سمعت شيئًا قط فنسيته, وإني لأسمع صوت النائحة, فأسد أذني كراهة أن أحفظ ما تقول. انتهى. وترجمة عمر ابن أبي ربيعة تقدمت في الشاهد السادس.

стр. 370

وأنشد بعده, وهو الانشاد التاسع والسبعون: (٧٩) فأما القتال لاقتال لديكم على أن الفاء الرابطة للجواب بالشرط قد حذفت لضرورة الشعر, والأصل: فلا قتال لديكم. وتمامه: ولكن سيرًا في عراض المواكب وقبله: فضحتم قريشًا بالفرار وأنتم ... قمدون سودان عظام المواكب وسيرًا: اسم لكن, والخبر محذوف, والتقدير: ولكن لكم سيرًا, ويجوز أن يكون الأصل: ولكنكم تسيرون سيرًا. وفي متعلقة يسيرًا, أو بتسيرون المحذوف. وعراض بكسر أوله: جمع عرض, بضمه وسكون الراء بمعنى الناحية. والموكب: الجماعة ركبانًا أو مشاة, وقيل: ركاب الإبل, من وكب يكب وكوبًا: مشى في درجان. وهذا البيت أورده ابن إباز في «شرح الفصول» مستشهدًا به على الاكتفاء بالعموم عن الرابط, قال: فالقتال مبتدأ, ولا قتال لديكم خبره, وليس فيه

стр. 371

ضمير راجع, لكن لما كانت لا لنفي الجنس, دخل تحتها المذكور وغيره. قال: وصرح ابن خروف وغيره بأنه لا يجوز غير هذا. انتهىز والقمد بضم القاف والميم وتشديد الدال: الطويل, وقيل: الطويل العنق الضخمه, من القمد – بفتحتين – وهو الطول, وقيل: ضخامة العنق في طول, والوصف: أقمد وقمد, والأنثى قمداء وقمدة. وأراد بالسودان الأشراف, وهو جمع سود, وسود جمع أسود, أفعل تفضيل من السادة. قال الأصبهاني في «الأغاني»: وهذان البيتان مما هجي بهما قديمًا بنو أسد بن أبي العيص بن أمية ابن عبد شمس. وقال ابن خلف في شرح بيت «الكتاب» لابن ميادة: ألا ليت شعري هل إلى أم معمرٍ ... سبيل فأما الصبر عنها فلا صبرا هما للحارث بن خالد المخزومي, وهو الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. قال الزبير بن بكار في «أنساب قريش»: كان الحارث شاعرًا كثير الشعر, وهو الذي يقول: من كان يسأل عنا أين منزلنا ... فالأقحوانة منا منزل قمن إذ نلبس العيش غضًا لا يكدره ... خوف الوشاة ولا ينبو بنا الزمن والأقحوانة: ما بين بئر ميمون إلى بشر ابن هشام. وكان يزيد استعمله على مكة, وابن الزبير يؤمئذ بها, فمنعه ابن الزبير, فلم يزل في داره معتزلًا لابن الزبير, حتى ولي عبد الملك بن مروان, فولاه مكة, ثم عزله, فقدم عليه دمشق, فلم ير له عنده ما يحب, فانصرف عنه وقال:

стр. 372

عطفت عليك النفس حتى كأنما ... بكفيك بؤسي أو لديك نعيمها فما بي إن أقصيتني من ضراعةٍ ... ولا افتقرت نفسي إلى من يضيمها انتهى. ومن شعره: أظليم إن مصابكم رجلًا ... أهدى السلام تحية ظلم وأورده المصنف في الباب الخامس, ويأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى. وأنشد بعده, وهو الانشاد الثمانون: (٨٠) من يفعل الحسنات الله يشكرها تمامه: والشر بالشر عند الله مثلان على أن حذف الفاء الرابطة للضرورة كالبيت الذي قبله, والأصل: فالله يشكرها. هذا مذهب سيبويه, قال في «الكتاب»: وسألته رحمه الله تعالى - يعني الخليل - عن قوله: إن تأتني إنا كريم. قال: لا يكون هذا إلا أن يضطر شاعر, كقوله: من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله مثلان وقال الأعم في شرح البيت: الشاهد فيه: حذف الفاء ضرورة, وزعم

стр. 373

الأصمعي أن النحويين غيروه, وأن الرواية: «من يفعل الخير فالرحمن يشكره» وأورده ابن عصفور في «الضرائر» قال: ومنه حذف الفاء من جواب الشرط إذا كانت جملة اسمية, أو فعلًا مرفوعًا, لأنه إذ ذاك في تقدير جملة اسمية, نحو قوله: من يفعل الحسنات الله يشكرها وقوله: أأبي لا تبعد فليس بخالدٍ ... حي ومن تصب المنون بعيد يريد: فهو بعيد. وقوله: إنك إن يصرع أخوك تصرع يريد: فأنت تصرع. وقوله: فقلت تحمل فوق طوقك إنها ... مطبعة من يأتها لا يضيرها يريد: فهو لا يضيرها. انتهى. وقال النحاس في «شرح شواهد سيبوية» عند هذا البيت: أبو العباس المبرد يجيز حذف الفاء في الشعر, وقال أبو الحسن: هو عندي جائز في الكلام إذا علم, ومنه قول الله : (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) [الشورى/٣٠] وقرئ: (بما كسبت) فاستدل بهذا على أن الفاء محذوفة, ومنه قوله تعالى: (إن ترك خيرًا الوصية للوالدين) [البقرة/١٨٠]. قال أبو الحسن: حدثني محمد بن يزيد قال: حدثني المازني أن الأصمعي قال:

стр. 374

هذا البيت غيره النحويون, والرواية: «من يفعل الخير فالرحمن يشكره» انتهى كلامه. وأبو الحسن قال هذا فيما كتبه على «نوادر أبي زيد» قال: أخبرنا أبو العباس عن المازني عن الأصمعي أنه أنشدهم: فالرحمن يشكره, قال: فسألته عن الرواية الأولى, فذكر أن النحويين صنعوها, ولهذا نظائر ليس هذا موضع شرحها. انتهى. وهذا مردود, لأنه طعن في الرواة العدول, لا سيما سيبويه, فإنه ذكره في كتابه. وأغرب منه ما نقله ابن المستوفي قال: وجدت في بعض نسخ «الكتاب» في أصله: قال أبو عثمان المازني: خبر الأصمعي عن يونس قال: نحن عملنا هذا البيت, وقال الكرماني في شرح أبيات «الموشح»: قال المازني في كتاب «علل النحو»: سمعناهم ينشدون البيت: «من يفعل الخير فالرحمن يشكره» قال: وقال الأصمعي: قال يونس: نحن صنعنا هذا البيت الذي نسب إلى كعب, سألنا الأعراب عنه فأنشدونا كما صنعناه, قال الأصمعي: فقلت له: كيف كنتم تنشدونه؟ فقال: «من يفعل الخير فالرحمن يشكره» انتهىز وقد تبع ابن مالك أبا الحسن في جواز حذف الفاء في الكلام, قال في «شواهد التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح»: قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لسعد رضي الله تعالى عنه: «إنك إن تركت ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة» وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لأبي بن كعب: «فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها» وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لهلال بن أمية: «البينة وإلا حد في ظهرك» قلت: تضمن الحديث الأول حذف الفاء والمبتدأ معًا من جواب الشرط, فإن الأصل: فهو خير. وهو مما زعم النحويون أنه مخصوص بالضرورة, وليس مخصوصًا بها, بل يكثر استعماله في الشعر, ويقل في غيره. ومن خص هذا الحذف بالشعر حاد عن التحقيق, وضيق حيث لا تضيق, بل هو

стр. 375

في غير الشعر قليل, وهو فيه كثير, وإذا حذفت الفاء والمبتدأ معًا, ولم يخص ذلك بالشعر, فحذف الفاء وحدها أولى بالجواز, وأن لا يخص بالشعر, فلو قال في الكلام: إن استغنيت أنت معان, لم أمنعه, إلا أنه لم أجده مستعملًا, والمبتدأ مذكور إلا في شعر قليل, كقول الشاعر: من يفعل الحسنات الله يشكرها وتضمن الحديث الثاني حذف جواب إن الأولى, وحذف شرط إن الثانية, وحذف الفاء من جوابها, فإن الأصل: فإن جاء صاحبها أخذها, وإن لايجئ فاستمتع بها, وتضمن الحديث الثالث حذف فعل ناصب للبينة, وحذف فعل الشرط بعد إن لا, وحذف فاء الجواب والمبتدأ معًا, فإن الأصل: أحضر البينة, وإن لا نحضرها, فجزاؤك حد في ظهرك. والنحويون لا يعترفون بمثل هذا الحذف في غير الشعر, أعني: حذف فاء الجواب, إذا كان جملة اسمية, أو جملة طلبية, وقد ثبت ذلك في هذين الحديثين, فبطل تخصيصه بالشعر, لكن الشعر أولى به, فإذا جاز حذف الفاء والمبتدأ معًا, فحذفها والمبتدأ غير محذوف أولى بالجواز ومن ورود الجواب طلبًا عاريًا من الفاء قول الشاعر: إن تدع للخير كن إياه متبعيًا ... ومن دعاك له احمده بما فعلا هذا كلامه. وقد اعترض عليه بعضهم بأن الكلام في حذفها وحدها, أما بتبعية الجملة أو بعض أجزائها, فليس محل الخلاف, إذ رب شيء يغتفر تبعًا, ولا يغتفر استقلالا. ثم قال ابن مالك: ومنها قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «أما بعد, ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله» وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «أما موسى, كأني أنظر إليه إذ ينحدر من الوادي»

стр. 376

وقول عائشة رضي الله تعالى عنها: وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة, طافوا طوافًا واحدًا. وقول البراء بن عازب: أما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم, لم بول حينئذ. قلت: «أما» حرف قائم مقام أداة شرط والفعل الذي يليلها, فلذلك يقدرها النحويون بمهما يكن من شيء, وحق المتصل بالمتصل بها أن تصحبه الفاء نحو: (فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق) [فصلت/١٥] ولا تحذف هذه الفاء غالبًا إلا في شعر, أو مع قول أغنى عنه مقوله, نحو: (فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم) [آل عمران/١٠٦] أي: فيقال لهم: أكفرتم, ومن حذفتها في الشعر قول الشاعر: فأما القتال لا قتال لديكم ... ولكن سيرًا في عراض الكتائب أراد: فلا قتال لديكم, فحذف الفاء لإقامة الوزن, وقد خولفت القاعدة في هذه الأحاديث, فعلم بتحقيق عدم التضييق, وأن من خصه بالشعر أو بالضرورة المغنية عن النثر مقصر في فتواه, وعاجز عن نصرة دعواه. انتهى كلامه. وتبعه الدماميني فقال في «المزج»: لقائل أن يمنع كونه ضرورة لاستعماله في السعة, فقد ثبت أنه ﵊ قال: «أما بعد, ما بال رجال .. » الحديث, وقال أيضًا: «أما موسى كأني أنظر إليه» وقال أيضًا: «أما بعد, أسيروا علي في أناس ابنوا أهلي» وقال أيضًا في حديث الفتح يخاطب الأنصار: «أما الرجل قد أخذته رأفة بعشيرته, ورغبة في قريبة» وقال عمر رضي الله تعالى عنه: أما بعد, يا أيها الناس, إنه نزل تحريم الخمر. وقالت عائشة, رضي الله تعالى عنها: وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة, طافوا طوافًا واحدًا. وقال البراء بن عازب: أما رسول الله, صلى الله تعالى عليه وسلم, لم يول يومئذ. انتهى.

стр. 377

رجعنا إلى البيت. قوله: يشكرها, أي: يقبلها ويضاعفها, كأنه قصد معنى قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها. ومن جاء بالسية فلا يجزى إلا مثلها) [الأنعام/١٦٠] وقوله: والشر بالشر عند الله مثلان: فيه حذف معطوف, والتقدير: والشر والمكافأة بالشر مثلان. وبهذا التقدير صح وقوع المثنى خبرًا, والباء متعلقة بالمحذوف, وعند متعلقة بمثلان. والمعنى: إن الله تعالى لا يجزي بالشر إلا شرًا مثله من غير زيادة, وأما الخير, فيضاعفه ما شاء فضلًا وكرمًا. ويروى: «سيان» بدل مثلان, أي: متساويان, مثنى سي, وهو المثل المساوي. وقال ابن الملا: والشر: مبتدأ, خبره: بالشر, والباء فيه للمقابلة والعوض, ومثلان: خبر مبتدأ محذوف, أي: هما مثلان, والجملة مستأنفة لتحقيق معنى العوض. وذهب المراغي في شرح شواهد «المفصل» إلى أن الشر مبتدأ, ومثلان خبره, والتقدير: والشر في مقابلة الشر مثلان متساويان عند الله تعالى, فأشكل عليه متعلق الباء, فوقع في حيص بيص, فقالك وأما الباء ففي متعلقه نظر, لا يكون حالًا من الشر, لأنه مبتدأ, والمبتدأ لا ينشأ عنه الحال, ولا بيان لأنه خبر عنهما يجب تأخره, فكأنه متعلق بما في الكلام من معنى الفعل, كأنه قال: فعل الشر الثاني في مقابلة الشر الأول مجازاة, يتساويان عنده, ومعنى التساوي فيه أن الشر جزاؤه واحد, وأما الحسنة فلا يحصى جزاؤها. انتهىز ومع ما فيه من التكلف, يلزمه الإخبار عن المفرد بالمثنى, ولا ينفعه التأويل, المذكور. هذا آخر كلام ابن الملا. وقبل هذا البيت بيتان وهما: إن يسلم المرء من قتل ومن هرمٍ ... للذة العيش أفناه الجديدان فإنما هذه الدنيا وزينتها ... كالزاد لابد يومًا أنه فاني

стр. 378

وقد اختلف في قائل هذا الشعر, فقال جماعة: إنه لعبد الرحمن بن حسان ابن ثابت الأنصاري الشاعر ابن الشاعر, قيل: ولد في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. قال ابن قتيبة في كتاب «المعارف»: ولد لحسان بن ثابت عبد الرحمن من أخت مارية أم إبراهيم بن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم, وكانت تسمى سيرين, وكان عبد الرحمن شاعرًا, وابنه سعيد بن عبد الرحمن شاعرًا, وانقرض ولده فلم يبق منهم أحد. انتهى. ونسبه جماعة إلى كعب بن مالك الأنصاري الخزرجي, شاعر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم, وكان مجودًا مطبوعًا, قد غلب عليه في الجاهلية أمر الشعر وعرف به, ثم أسلم وشهد العقبة, ولم يشهد بدرًا, وشهد أحدًا والمشاهد كلها إلا تبوك, فإنه تخلف عنها. وأنشد بعده: أبا خراشة أما أنت ذا نفرٍ ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع وتقدم شرحه في الإنشاد الثالث والأربعين. وأنشد بعده في «إما» بالكسر والتشديد, وهو الانشاد الواحد والثمانون: (٨١) سقته الرواعد من صيفٍ ... وإن من خريف فلن يعدما على أن «إما» عند سيبويه مركبة من «إن» و «ما» وقد حذفت ما هنا, والأصل إما من صيف, وإما من خريف, فحذف لضرورة الشعر «إما» الأولى, و «ما» من إما الثانية, ولما حذفت ما, رجعت النون المنقلبة ميمًا للإدغام

стр. 379

إلى أصلها. وهذا نص سيبويه من «كتابه» قال في باب «ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره بعد حرف»: وأما قول الشاعر: لقد كذبتك نفسك فاكذبنها ... فإن جزعا وإن إجمال صبر فهذا على إما, وليس على إن الجزاء كقولك: إن حقًا, وإن كذبًا, فهذا على إما محمول, ألا ترى أنك تدخل الفاء, ولو كانت على إن الجزاء, وقد استقبلت الكلام, لاحتجت إلى الجواب, فليس قوله: فإن جزعًا, كقوله: إن حقًا, وإن كذبًا, ولكنه على قوله تعالى: (فإما منا بعد وإما فداء) [محمد/٤] وإن قلت: فإن جزع وإن إجمال صبر, كان جائزًا, كأنك قلت: فإما أمري جزع, وإما إجمال صبر, لأنك لو صححتها فقلت: إما, جاز ذلك, ولا يجوز طرح ما من إما إلا في الشعر, قال النمر بن تولب: سقته الرواعد من صيفٍ ... وإن من خريف فلن يعدما وإنما يريد: وإما من خريف. ومن أجاز ذلك في الكلام دخل عليه أن يقول: مررت برجل إن صالح, وإن طالح, يريد: إما. وإن أراد إن الجزاء, فهو جائز, لأنه يضمر فيها الفعل. انتهى كلامه. قال السيرافي: لو جعلنا إن هنا للجزاء لاحتجنا إلى جواب, وذلك أن جواب إن فيما بعدها, وقد يكون ما قبلها مغنيًا عن الجواب إذا لم يكن عليها شيء من حروف العطف, كقولك: أكرمك إن جئتني, فإن أدخلت عليها فاء أو ثم

стр. 380

بطل أن يكون ما قبلها مغنيًا عن الجواب. لا يجوز أن تقول: أكرمك, فإن جئتني. ولا: أكرمك, ثم إن جئتني, حتى تأتي بالجواب, فتقول: أكرمك, فإن جئتني زدت في الإكرام. فلذلك بطل أن يكون: فإن جزعًا على معنى المجازاة, وصارت بمعنى إما, لأنها تحسن في هذا الموضع, وحذف ما للضرورة, قال الله : (فشدوا الوثاق فإما منا وإما فداء) [محمد/٤] فلم يأت بجواب بعد إما, ولا يجوز طرح ما من إما إلا في الشعر, قال النمر ابن تولب: سقته الرواد من صيف .. البيت وإنما يريد: وإما من خريف, وقد أنكر الأصمعي هذا, وزعم أن «إن» في بيت النمر للجزاء, وإنما أراد: وإن سقته من خريف فلن يعدم الري, ولم يحتج إلى ذكر سقته لذكره في أول البيت, وإنما يصف وعلًا. وقبله: فلو أن من حتفه ناجيًا ... لكان هو الصدع الأعصما يصف أنه وإن كان في الجبل, لا يعدم معاشًا يعيش به. والوجه قول سيبويه, وذلك أنه لا ذكر للري, وإنما المعنى: سقته الرواعد في الصيف, وإما في الخريف فلن يعدم السقي أيضًا, أي: هو يسقى من الصيف ومن الخريف. والبيت الأول قد دل دلالة واضحة على أن معنى إن معنى إما, وأنه لا يجوز أن تكون بمعنى التي للمجازاة, ومع ذلك فلا يحذف ما من إما إلا في الشعر. انتهى كلام السيرافيز وقد كتب الفارسي في شرحه على ما يتعلق بالبيت الأول, ولم يكتب شيئًا على بيت النمر بن تولب, وسورد ما قاله في «البغداديات» واعترض على سيبويه

стр. 381

محمد بن يزيد المبرد فقال: «ما» لا يجوز إلقاؤها من إن إلا في غاية الضرورة, وإما يلزمها أن تكون مكررة, وإنما جاءت هنا مرة واحدة, ولا ينبغي أن تحمل الكلام على الضرورة, وأنت تجد إلى غيرها سبيلا, والوجه في ذلك ما قاله الأصمعي, قال: هي إن الجزاء, وإنما أراد: وإن سقته من خريف, فلن يعدم الري. ولم يحتج إلى ذكر سقته, لقوله: سقته الرواعد من صيف. قال أحمد بن محمد بن ولاد: هذا الوجه الذي حكاه المبرد عن الأصمعي قد أجازه سيببويه بعقب البيت, وذلك قوله في إثره: وإن أراد إن الجزاء فهو جائز, لأنه يضمر فيها الفعل, إلا أنه أخره, لأنه لم يكن الوجه عنده, ولا مراد الشاعر عليه, ألا تراه قال في تفسير البيت: وإنما يريد: وإما من خريف, فحمل معنى البيت على إرادة الشاعر, وذلك أن الشاعر ذكر وعلا يرد هذا الماء متى شاء, فقال: إذا شاء طالع مسجورة ... يرى حولها النبع والساسما سقته الرواعد من صيف .. البيت فقال: مسجورة, أي: مملوءة من صيف أو من خريف, فلن يعدم الوعل ريًا على كل حاال, فأعلم أن ذلك ثابت له, وليس للجزاء في البيت معنى يحسن في الشعر ويليق بمراد الشاعر, لأنه إذا حملها على معنى الجزاء, فإنما يريد: إن سقته لم يعدم الري, وإن لم تسقه عدم, فلا فائدة في هذا يحسن معها الشعر,

стр. 382

ولا يشبه قوله: إذا شاء طالع مسجورة, فقد جعل ذلك له متى شاء, وجعلها مماوءة, فلهذا أخر سيبويه معنى الجزاء, ولم يرد أن الجزاء مراد الشاعر, وإنما أراد أن مل هذا لو وقع في كلام غير هذا البيت, لجاز فيه هذا التأويل, لا أنه مراد الشاعر. وأما قوله: لايجوز إلقاء ما من إما إلا في غاية الضرورة, فكذا قال سيبويه: إنه لا يجوز إلا في الشعر للضرورة, وقد وافقه على ذلك, وليس بين القولين فرق غير زيادته: «غاية» , ومع هذا فالعرب تحذف من نفس الكلمة للضرورة مع زوال اللبس, فما بالها لا تحذف الزوائد للضرورة مع زواله, وما هنا زائدة في إما, وقد دال على صحة ذلك وجوازه في الشعر بالبيت الذي قبله, وهو: فإن جزعًا وإن إجمال صبر وأما قوله: إن التكرار يلزمها, فليس الأمر على ذلك, لأن الأولى إنما هي زائدة ليبادر المخاطب إلى أن الكلام مبني على الشك أو التخييل, والعمل على الثانية, والأولى زائدة, وليست توجب في الكلام معنى غير معنى الثانية, وسبيلها في ذلك سبيل لا إذا قلت: ما قام لا زيد ولا عمرو, فإن شئت أكدت النفي, وزدت لا, وإن شئت حذفتها, إلا أن الحذف في الأولى أكثر في كلامهم منه في إما, ولا أعلم أحدًا من النحويين المتقدمين يمنع من إجازة حذفها في قولك: خذ الدرهم وإما الدينار, وجالس زيدًا وإما عمرًا. فقياسها ما ذكرت لك في لا, والكلام لا يلتبس بطرحها, ومعناه بنقصانها كمعناه بزيادتها, فما الذي منع مع هذا كله من تجويز طرحها؟ وقد يطرح من الكلام ما هو أولى بالإثبات منها. انتهى كلامه. ولا يخفى أن حذفها خاص بالشعر. وجواز حذفها في الكلام لا قائل به, وأما قوله: لا أعلم أحدًا من النحويين المتقدمين .. الخ, فالمنقول عنهم خلاف

стр. 383

فالأولى تعليل حذفها بالضرورة أيضًا: ومحصل كلامه أن عديل «إن» حذف الأول, فالمحذوف, إما نقدره «إما» وإما نقدره «إن» فيكون التقدير: إن من صيف وإن من خريف, فحذفت إن الأولى لدلالة الثلانية عليها, وأصلهما: إما, فحذفت منها «ما» كما في قوله: فإن جزعًا وإن إجمال صبر. وقال النحارس بعد نقل كلام المبر: ولم يحتج أبو الحسن لسيبويه في هذا بشيء, وكأن القول عنده ما قال الأصمعي على سيبويه في اللغة وقال: هذا أعلم باللغة, وهذا أعلم بالنحو, يعني سيبويه. وأن أستاذ سيبويه الخليل قد أخذ عن الأصمعي شيئًا من اللغة, ولم يكن أبو إسحاق الزجاج يميل إلى شيء من هذا, وقال من نظر إلى «كتاب» سيبويه, وما ذكر فيه من الأبنية, وقف على تقدمه على الجماعة في اللغة, قال: والقول ما قاله سيبويه, لأنه وصفها بالخصب, وأنها لاتعدم الري ما سقتها الرواعد إما من صيف وإما من خريف, فلن تعدم الري. وعلى مذهب الأصمعي والمبرد أنه إن لم يسقها الخريف عدمته, لأنه قال: وإن سقتها لن تعدم الري, وإن أراد أنها لا تعدم الري البتة, فهذا قول سيبويه, ألا ترى أن قبله: إذا شاء طالع مسجورة .. البيت. انتهى. وقال الفارسي في «البغداديات» أقول: إن الشاعر قال هذا البيت في أبيات يصف فيها وعلًا, وقبله: إذا شاء طالع مسجورة ... يرى حولها النبع والساسما تكون لأعدائه مجهلًا ... مضلًا وكانت له معلما سقتها الرواعد من صيف .. البيت وقوله: مسجورة, يريد: عينًا كثيرة الماء, أي: إذا شاء هذا الوعل طالع مسجورة, فقوله: تكون, صفة لمسجورة, وكذلك: سقتها, يكون

стр. 384

صفة لمسجورة, وكذلك رواه ثعلب عن سعدان عن الأصمعي, وفي كتابنا «كتاب» سيبويه: سقته, فيجوز أن يكون رجع إلى الوعل, أو حمله على المعنى, والوجه أن يكون للعين, فيكون المعنى: سقت الرواعد من السحاب هذه المسجورة, إما من صيف وإما من خريف, أي: فهي على كل أحوالها لا تعدم السقي إما صيفًا, وإما خريفًا, وذلك في صفة هذه العين أرخى ليال هذا الوعل. وفاعل: يعدم, على هذا: العين. انتهى كلامه. أقول: إذا كان فاعل يعدم, العين المسجورة, يجب أن يكون: تعدم, بالمثناة الفوقية, إنما هو بالمثناة التحتية. وظهر من تقريره, ومن تقرير ابن ولاد, أن وصف الوعل بالري دائمًا إنما هو لأن عنده عينًا يشرب منها متى شاء, وتلك العين يمدها سحائب الصيف والخريف. ولما لم يقف الفاضل الدماميني على الأبيات وعلى كلاهما, ظن أنه ليس المراد ريه, وإنما المعنى ما قاله الأصمعي من تلك السحائب, فقال: لا نسلم أن المقصود وصف هذا الوعل بالري على كل حال, وإنما الغرض وصف حاله بحسب الواقع, فأخبر أولًا بما وقع من سقي سحائب الصيف له, وذلك مقتض لربه منها, ثم أخبر بأن سحائب الخريف إن سقته بعد ذلك حصل له الري المستمر, ولو سلم أن المقصود ما ذكر من وصفه بالري دائمًا, فمع الإتيان بإما التي هي لأحد الشيئين, لا يلزم ذلك. انتهى. ورد عليه ابن الملا بوجوه: أحدها: كيف لا يكون الغرض ذلك, وهو بصدد بيان نجاته من الحتف, إذ المراد أنه لو نجا حيوان من الموت, لنجا هذا الوعل الذي تكفل له ربه برزقه, وأسكنه أخصب أرضه, فهو في ري لا ينقطع, وطيب عيش مستمر من غير حيلة منه. ولو كان وصف حاله بحسب الواقع, لم يكن في تخصيصه بالذكر فائدة, إذ كل مخلوق شأنه من اللطف الإلهي مثل ذلك.

стр. 385

ثانيها: أنه لا يلزم من إخباره بأن سحائب الخريف إن سقته بعد ذلك, حصول الري المستمر له, وإنما يلزم حصول الري المستمر أن لو أخبر أن سحائب الخريف إذا سقته بعد ذلك يروى. ثالثها: أن دعواه أن الإتيان بإما التي لأحد الشيئين, لا يتأتى معه الوصف بالري على الدوام, محصلها دعوى المنافاة بين دوام الري والسقي من أحد الشيئين, وهي ممنوعة لصحة قولنا: دائمًا الري حاصل, إما من سقي سحائب الصيف, وإما من سقي سحائب الخريف. فالقضية, وإن كانت حملية, لكنها شبيهة بمنفصلة مانعة الخلو, فهي في حكمها, وقيد الدوام عندهم سور الإيجاب الكلي في باب المنفصلات. وأما الجواب بمنع لمجرد أحد الشيئن, بل هي لتفصيل المسقي منه, وحينئذ مع الإتيان بها يلزم الري دائمًا, ففيه أن المختار فيها, وفي «أو» أنهما لأحد الشيئين أو الأشياء. هذا كلامه, ومن خطه نقلت. وقد جوز الفارسي أن تكون إن شرطية, والألف في يعدمان ضمير المثنى, فقال في «البغداديات» بعدما نقلناه عنه: ويحتمل أن يكون المعنى: سقت الرواعد من السحاب هذه العين, أو هذا الوعل, وإن سقت العين أو الوعل من الخريف, فلن تعم العين السقي, والوعل الري. ودفع بعضهم هذا وقال: لا معنى له. وليس كذلك, لأنه غير ممتنع, إلا أن التأويل الأول أسهل في المعنى, وأدخل فيما يعترضه الشاعر, وإن اعترض في لفظه حذف «إما» الأولى, لأن الثانية تدل عليها. والفاء في «فلن» على هذا التأويل جواب الجزاء, وفي التأويل الأول عاطفة جملة على جملة. انتهى كلامه. ولعل هذا الكلام شرح لقول الأصمعي: أن «إن» شرطية وتكون الألف في بعدما عنده ضمير المثنى. وقول المصنف: وقال أبو عبيدة «إن» في البيت زائدة نقله عنه الفارسي في كتاب «الشعر» قال: وزعم أبو عبيدة «إن» زائدة وجاءت زيادتها هنا كما جاءت زيادتها في نحو: ما إن فعلت. وهذا كقولك: ضرب القوم زيدًا من داخل ومن

стр. 386

خارج. انتهى. وفي هذا المثال نظر, ولا يخفى أن زيادة «إن» بعد العاطف غير موجود, وإن كان بتقدير زيادتها يستفاد اتصال الري. والبيت من قصيدة للنمر ابن تولب الصحابي فيها عدة أبيات شواهد فلا بأس بإيرادها وشرحها وهي هذه: سلا عن تذكره تكتما ... وكان رهينا بها مغرما وأقصر عنها وآياتها ... يذكرنه داءه الأقدما فأوصي الفتى بابتناء العلاء ... وأن لا يخون ولا يأثما ويلبس للدهر أجلاله ... فلن يبتني الناس ما هدما وإن أنت لاقيت في نجدةٍ ... فلا تتهيبك أن تقدما فإن المنية من يخشها ... فسوف تصادفه أينما وإن تتخطاك أسبابها ... فإن قصاراك أن تهرما فأحبب حبيبك حبًا رويدًا ... فليس يعولك أن تصر ما فتظلم بالود منوصله ... رقيق فتسقه أو تندما وأبغض بغيضك بغضًا رويدًا ... إذا أنت حاولت أن تحكما ولو أن من حتفه ناجيًا ... لألفيته الصدع الأعصما بإسبيل ألقت به أمه ... على رأس ذي حبك أيهما إذا شاء طالع مسجورة ... ترى حولها النبع والساسما تكون لأعدائه مجهلًا ... مضلًا وكانت له معلما

стр. 387

سقتها رواعد من صيفٍ ... وإن من خر يف فلن يعدما أتاح له الدهر ذا وفضةٍ ... يقلب في كفه أسهما فأرسل سهمًا على غرةٍ ... وما كان يرهب أن يكلما وأخرج سهمًا له أهزعًا ... فشك نواهقه والفما فظل يشب كأن الولو ... ع كان بصحبته مغرما فأدركه ما أتى تبعًا ... وأبرهة الملك الأعظما لقيم بن لقمان من أخته ... فكان ابن أختٍ له وابنما ليالي حمق فاستحصنت ... إليه فغر بها مظلما فأحبلها رجل نابه ... فجاءت به رجلًا محكمًا هذه القصيدة بتمامها من رواية محمد ابن حبيب, ولم يكتب على البيتين الأولين شيئًا سوى قوله: الآيات: الآثار والعلامات, وقوله: «سلا» فعل ماض من السلو, بدليل عطف مثل عليه, وهو: وأقصر عنها, وأيضًا تذكره بالداء الأقدام مناسب للسلو, لا أنه أمر لاثنين من السؤال كما ظن. وفاعله معلوم من المقام, أي: سلا قلبي, وإليه تعود الهاء في تذكره, وعن متعلقة بلا, وتذكره: مصدر مضاف إلى فاعله, ومفعوله تكتم, بمثناتين فوقيتين, أولاهما

стр. 388

مضمومة, والثانية مفتوحة: علم امرأة. والرهين: المرتهن, والمغرم: اسم مفعول من أغرم بالشيء, أي: أولع به, كذا في «الصحاح». وأقصر عن الشيء: كف عنه, ونزع مع القدرة عليه, فإن عجز عنه قيل: قصر عنه, كذا فيه أيضًا. والداء الأقدم, أي: القديم, هو الحب, أو هو أقدم من كل داء. وقوله: فأوصي: هو فعل مضارع من الإيصاء, والعلاء, بالفتح والمد: الشرف والرفعة وأن لا يخون: معطوف على «ابتناء» وقوله: ويلبس للدهر أجلاله, أي: ثيابه جمع جل بالضم, وهو كقوله بهيس الفزاري: إلبس لكل حالةٍ لبوسها ... إما نعيمها وإما بؤسها وقوله: فلن يبني الناس ما هدما. يقول: إذا ضيع الفتى مجده لم يبنه له الناس. وقوله: وإن أنت لاقيت في نجدة. قال ابن حبيب: النجدة: القتال. وقوله: لا تتهيبك, معنا: لا تتهيبها. انتهى. يريد أن فيه قلبًا. وقد أورده المصنف في الباب الثامن, ونذكر هناك ما يتعلق به إن شاء الله تعالى. وقوله: فإن المنية من يلقها .. الخ, هو من شواهد «الجمل الزجاجية» على أن في «أينما» اكتفاء. وأينما: ظرف مضمن لمعنى الشرط, وحذف شرطه وجوابه, أي: أينما توجه تصادفه. ومن يلقها: بدل اشتمال من المنية, وسوف للتأكيد. وقيل إنما أتى بها لإخراج الكلام على مقتضى طبع النفس في إذعانها للموت مع أمل اطول الحياة. وقوله: وإن تتخطاك أسبابها .. الخ, التخطي: التجاوز, وأسباب المنية: ما يؤدي إليها من مرض وغيره. وقصاراك, بضم القاف: غايتك. والهرم: انحطاط القوى من طول العمر يقول: إن تتجاوزك أسباب

стр. 389

المنية, فإن غايتك الهرم, وتبديل وجود بالعدم. وقوله: فليس يعولك أن تصرما, قال ابن حبيب: يعولك: يشق عليك, وعالني الأمر: شق علي, والعول: المصدر. قالت الخنساء: يحمله القوم ما عالهم ورفيق, أي: غير محكم, وتسفه: تجهل وتظلم, أي: تضع الود في غير موضعه. وتحكما, أي: تكون حكيما. قال السيوطي قوله: أجب حبيبك .. إلى آخر البيتين, مأخوذ من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «أجب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما, وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أنيكون حبيبك يومًا ما» أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة, وابن عدي من حديث علي بن أبي طالب ﵁. وكأن النمر سمعه من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم, فعقده, إلا أني لم أقف عليه من حديثه. انتهى. وقال شيخنا الشهاب الخفاجي: الظاهر أنه من موافقاته إن كان قاله قبل إسلامه, وليس نظمًا لمعنى الحديث الذي يسميه علماء البديع عقدًا. انتهى.

стр. 390

وقوله: ولو أن من حتفه ناجيًا, الحتف: الموت, ومن: متعلقة بناجيًا, وهو اسم إن, وخبرها محذوف, أي: لأو أن أحدًا ناجيًا من حتفه موجود, لكان ذلك الناجي هو الصدع. و «هو»: ضمير الفصل, وألفيته: وجدته, والصدع, بفتح الصاد والدال والعين المهملات, قال ابن حبيب: هو الوعل بين الجسيم والضئيل, وهو الوسط من كل شيء, يقال: رجل صدع, وفرس صدع. والعصمة بالضم: بياض في يده. انتهى. والوعل: تيس الجبل. وقوله: بإسبيل ألفت به أمه .. الخ. إسبيل كقنديل, قال ابن حبيب: هو بلد, وأنشد لبعض اليمانين: لا أرض إلا إسبيل ... وكل أرضٍ تضليل والأيهم: أعمى الطريق لا يهتدى طريقه, ولا يعرفه أحد. انتهى. وفي «معجم البلدان» لياقوت: إسبيل حصن بأقصى اليمن, وقيل: هو وراء البحر, وقيل: جبل في مخلاف ذمار. انتهى. وفي «معجم ما استعجم» لأبي عبيد البكري: إسبيل كإكليل: بلد باليمن, وقال أبو عبيدة: جبل باليمن وأنشد هذا البيتز والباء في «به» زائدة في المفعول, كقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) [البقرة/١٩٥] والحبك, بضم الحاء المهملة, والباء الموحدة: الطرائق. يقول: ولدته أمه في جبل ذي طرق لا يهتدى إليها من أرض إسبيل, وذي حبك: صفة لموصوف محذوف, وهو جبل. وقوله: إذا شاء طالع مسجورة .. الخ, في «الصحاح»: طالعت الشيء,
следующие страницы →