Полный текст (2 797 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
خارج. انتهى. وفي هذا المثال نظر, ولا يخفى أن زيادة «إن» بعد العاطف غير موجود, وإن كان بتقدير زيادتها يستفاد اتصال الري. والبيت من قصيدة للنمر ابن تولب الصحابي فيها عدة أبيات شواهد فلا بأس بإيرادها وشرحها وهي هذه:
سلا عن تذكره تكتما ... وكان رهينا بها مغرما
وأقصر عنها وآياتها ... يذكرنه داءه الأقدما
فأوصي الفتى بابتناء العلاء ... وأن لا يخون ولا يأثما
ويلبس للدهر أجلاله ... فلن يبتني الناس ما هدما
وإن أنت لاقيت في نجدةٍ ... فلا تتهيبك أن تقدما
فإن المنية من يخشها ... فسوف تصادفه أينما
وإن تتخطاك أسبابها ... فإن قصاراك أن تهرما
فأحبب حبيبك حبًا رويدًا ... فليس يعولك أن تصر ما
فتظلم بالود منوصله ... رقيق فتسقه أو تندما
وأبغض بغيضك بغضًا رويدًا ... إذا أنت حاولت أن تحكما
ولو أن من حتفه ناجيًا ... لألفيته الصدع الأعصما
بإسبيل ألقت به أمه ... على رأس ذي حبك أيهما
إذا شاء طالع مسجورة ... ترى حولها النبع والساسما
تكون لأعدائه مجهلًا ... مضلًا وكانت له معلما
стр. 387
سقتها رواعد من صيفٍ ... وإن من خر يف فلن يعدما
أتاح له الدهر ذا وفضةٍ ... يقلب في كفه أسهما
فأرسل سهمًا على غرةٍ ... وما كان يرهب أن يكلما
وأخرج سهمًا له أهزعًا ... فشك نواهقه والفما
فظل يشب كأن الولو ... ع كان بصحبته مغرما
فأدركه ما أتى تبعًا ... وأبرهة الملك الأعظما
لقيم بن لقمان من أخته ... فكان ابن أختٍ له وابنما
ليالي حمق فاستحصنت ... إليه فغر بها مظلما
فأحبلها رجل نابه ... فجاءت به رجلًا محكمًا
هذه القصيدة بتمامها من رواية محمد ابن حبيب, ولم يكتب على البيتين الأولين شيئًا سوى قوله: الآيات: الآثار والعلامات, وقوله: «سلا» فعل ماض من السلو, بدليل عطف مثل عليه, وهو: وأقصر عنها, وأيضًا تذكره بالداء الأقدام مناسب للسلو, لا أنه أمر لاثنين من السؤال كما ظن. وفاعله معلوم من المقام, أي: سلا قلبي, وإليه تعود الهاء في تذكره, وعن متعلقة بلا, وتذكره: مصدر مضاف إلى فاعله, ومفعوله تكتم, بمثناتين فوقيتين, أولاهما
стр. 388
مضمومة, والثانية مفتوحة: علم امرأة. والرهين: المرتهن, والمغرم: اسم مفعول من أغرم بالشيء, أي: أولع به, كذا في «الصحاح».
وأقصر عن الشيء: كف عنه, ونزع مع القدرة عليه, فإن عجز عنه قيل: قصر عنه, كذا فيه أيضًا. والداء الأقدم, أي: القديم, هو الحب, أو هو أقدم من كل داء.
وقوله: فأوصي: هو فعل مضارع من الإيصاء, والعلاء, بالفتح والمد: الشرف والرفعة وأن لا يخون: معطوف على «ابتناء» وقوله: ويلبس للدهر أجلاله, أي: ثيابه جمع جل بالضم, وهو كقوله بهيس الفزاري:
إلبس لكل حالةٍ لبوسها ... إما نعيمها وإما بؤسها
وقوله: فلن يبني الناس ما هدما. يقول: إذا ضيع الفتى مجده لم يبنه له الناس.
وقوله: وإن أنت لاقيت في نجدة. قال ابن حبيب: النجدة: القتال. وقوله: لا تتهيبك, معنا: لا تتهيبها. انتهى. يريد أن فيه قلبًا. وقد أورده المصنف في الباب الثامن, ونذكر هناك ما يتعلق به إن شاء الله تعالى.
وقوله: فإن المنية من يلقها .. الخ, هو من شواهد «الجمل الزجاجية» على أن في «أينما» اكتفاء. وأينما: ظرف مضمن لمعنى الشرط, وحذف شرطه وجوابه, أي: أينما توجه تصادفه. ومن يلقها: بدل اشتمال من المنية, وسوف للتأكيد. وقيل إنما أتى بها لإخراج الكلام على مقتضى طبع النفس في إذعانها للموت مع أمل اطول الحياة. وقوله: وإن تتخطاك أسبابها .. الخ, التخطي: التجاوز, وأسباب المنية: ما يؤدي إليها من مرض وغيره. وقصاراك, بضم القاف: غايتك. والهرم: انحطاط القوى من طول العمر يقول: إن تتجاوزك أسباب
стр. 389
المنية, فإن غايتك الهرم, وتبديل وجود بالعدم. وقوله: فليس يعولك أن تصرما, قال ابن حبيب: يعولك: يشق عليك, وعالني الأمر: شق علي, والعول: المصدر. قالت الخنساء:
يحمله القوم ما عالهم
ورفيق, أي: غير محكم, وتسفه: تجهل وتظلم, أي: تضع الود في غير موضعه. وتحكما, أي: تكون حكيما.
قال السيوطي قوله: أجب حبيبك .. إلى آخر البيتين, مأخوذ من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «أجب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما, وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أنيكون حبيبك يومًا ما» أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة, وابن عدي من حديث علي بن أبي طالب ﵁. وكأن النمر سمعه من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم, فعقده, إلا أني لم أقف عليه من حديثه. انتهى.
وقال شيخنا الشهاب الخفاجي: الظاهر أنه من موافقاته إن كان قاله قبل إسلامه, وليس نظمًا لمعنى الحديث الذي يسميه علماء البديع عقدًا. انتهى.
стр. 390
وقوله: ولو أن من حتفه ناجيًا, الحتف: الموت, ومن: متعلقة بناجيًا, وهو اسم إن, وخبرها محذوف, أي: لأو أن أحدًا ناجيًا من حتفه موجود, لكان ذلك الناجي هو الصدع. و «هو»: ضمير الفصل, وألفيته: وجدته, والصدع, بفتح الصاد والدال والعين المهملات, قال ابن حبيب: هو الوعل بين الجسيم والضئيل, وهو الوسط من كل شيء, يقال: رجل صدع, وفرس صدع. والعصمة بالضم: بياض في يده. انتهى. والوعل: تيس الجبل. وقوله: بإسبيل ألفت به أمه .. الخ. إسبيل كقنديل, قال ابن حبيب: هو بلد, وأنشد لبعض اليمانين:
لا أرض إلا إسبيل ... وكل أرضٍ تضليل
والأيهم: أعمى الطريق لا يهتدى طريقه, ولا يعرفه أحد. انتهى. وفي «معجم البلدان» لياقوت: إسبيل حصن بأقصى اليمن, وقيل: هو وراء البحر, وقيل: جبل في مخلاف ذمار. انتهى. وفي «معجم ما استعجم» لأبي عبيد البكري: إسبيل كإكليل: بلد باليمن, وقال أبو عبيدة: جبل باليمن وأنشد هذا البيتز
والباء في «به» زائدة في المفعول, كقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) [البقرة/١٩٥] والحبك, بضم الحاء المهملة, والباء الموحدة: الطرائق. يقول: ولدته أمه في جبل ذي طرق لا يهتدى إليها من أرض إسبيل, وذي حبك: صفة لموصوف محذوف, وهو جبل.
وقوله: إذا شاء طالع مسجورة .. الخ, في «الصحاح»: طالعت الشيء,
стр. 391
أي: اطلعت عليه, والاطلاع على الشيء: الإشراف عليه. ونقل السيوطي عن شارح القصيدة: طالع: أتى, يقال: فلان يطالع قرينه, أي: يأتيه. ومسجورة: بالسين المهملة والجيم, قال ابن حبيب: أي مملوءة. وقال أبو حنيفة الدينوري: المسجورة: العين المماوءة, وأنشد هذا البيت. ويرى بالتحتية: فاعله ضمير الصدع, ويروى بالفوقية, أي: أنت. والنبع: شجر يتخذ منه القوس. والساسم, بسينين مهملتين. قال ابن حبيب: يقال: إنه الآبنوس. وقال الدينوري: زعموا أن القوس تتخذ من الساسم, ومنابته الشواهق حيث منابت النبع. وقد وصفه حميد في شعره باللين. وزعم قوم أن الساسم الشيز, ولا أعلم ما في الشيز ما يدعو إلى اتخاذ القسي منه. انتهى. والشيز: الآبنوس. وقوله: «تكون لأعدائه» أي: تكون تلك العين المسجورة لأعداء الصدع مجهلًا, بفتح الجيم وهوأرض بجهل سالكها الطريق ويضيع فيها. وأعداؤه: الصيادون. ومضل, بفتح الميم: أرض يهتدي فيها سالكها بعلاماتها.
وقوله: سقتها الرواعد. «ها»: ضمير مسجورة, كذا رواه ابن حبيب وغيره كما مر عن أبي علي. والرواعد: جمع راعدة, وهي السحابة الماطرة, وفيها صوت الرعد غالبًا. والصيف, بتشديد الياء المكسورة: المطر الذي يجيء في الصيف, والخريف: الفصل المشهور إلا أنه أراد مطره, كما أطلق الربيع وأريد به مطره, وقرنه مع الصيف في قوله:
سقى الله نجدًا من ربيع وصيف
وقوله: أتاح له الدهر .. الخ. قال ابن حبيب: أتاح: قدر, والوفضة:
стр. 392
الكنانة التي تكون فيها السهام. انتهى. والدهر: فاعل أتاح, ومفعوله: ذا وفصة, وأراد به الصياد. وقوله: فأرسل سهمًا .. الخ, أي: رماه ذو الوفضة بسهم على غرة – بكسر الغين المعجمة – وهي الغفلة, وفاعل «يرهب» ضمير الصدع, ويكلم, بالبناء للمفعول, أي: يجرح.
وقوله: وأخرج سهما له أهزعًا. قال ابن حبيب: الأهزع: آخر سهم يبقى في الكنانة, يقال: ما في كنانته أهزع, أي: سهم واحد. قال ابن السكيت: هذا مما لا يتكلم به إلا مع الجحد, وقد أتى النمر به من غير جحد. انتهى. وفي «القاموس»: وما في الجفنة إلا سهم هزاع ككتاب, أي: وحده, والأهزع: آخر سهم في الكنانة رديئًا كان أو جيدًا, وهو أفضل سهامها, لأنه يدخر لشديدة. والنواهق: جمع ناهق, في «القاموس» الناهقان: غظمان شاخصان من ذي الحافر في مجرى الدم, ويقال لهما: النواهق, والناهق, مخرج النهاق من حلقه, والجمع نواهف. وقوله: يشب, بكسر الشين. قال ابن حبيب: يشب: يرفع يديه حين أصابه السهم. والولوع, بفتح الواو: القدر والحين. انتهىز
وقوله: فأدركه ما أتى تبعًا, أي: أدرك الصدع ما أتى تبعًا, وهو الموت.
وتبع: ملك اليمن, وأبرهة الأشرم: ملك الحبشة.
وقوله: لقيم بن لقمان من أخته, ترك ما كان فيه وسلك طريقًا أخرى بلا مناسبة, وهو المسمى في البديع بالاقتضاب. وهذا البيت من شواهد ابن الناظم.
قال ابن حبيب: ذكروا أن أخت لقمان كانت عند رجل, فكانت تلد له أولادًا ضعافًا, فقالت لامرأة لقمان: هل لك أن أجعل لك جعلًا, وتأذني لي أن آني لقمان الليلة؟ فأسكرته واندست له أخته, فوقع عليها لقمان, فلما
стр. 393
كانت الليلة القابلة أتته امرأته فوقع عليه, فقال: هذا حر معروف وكأنه استنكره. انتهىز
وقال الجاحظ في «البيان»: كانت العرب تعظم شأن لقمان بن عاد الأكبر والأصغر لقيم بن لقمان في النباهة والقدر, وفي العلم, وفي الحكم, وفي اللسان, وفي الحلم, وهذان غير لقمان المذكور في القرآن على ما يقول المفسرون, ولارتفاع قدره وعظم شأنه, قال النمر بن تولب, وأنشد هذه الأبيات الثلاثة. وقال: وذلك أن أخت لقمان, قالت لامرأة لقمان: إني امرأة محمقة ولقمان رجل محكم منجب, وأنا في ليلة طهري فهبي لي ليلتك, ففعلت, فباتت في بيت امرأة لقمان, فوقع عليها فأحبلها بلقيم, فلذلك قال النمر بن تولب ما قال. والمرأة إذا ولدت الحمقى فهي محمقة, ولا يعلم ذلك حتى يرى ولد زوجها من غيرها أكياسًا. انتهىز
وقال العيني: ويروى أن لقمان كان لا يولد له, فقالت امرأته لأخته: أما ترين لقمان في قوته وعظم خلقه لا يولد له, قالت: فما الحيلة؟ قالت امرأته لأخته: تلبسين ثيابي حتى يقع عليك في الظلمة, ففعلت فواقعها فولدت منه, وسمي لقيمًا, بضم اللام وفتح القاف, وكان من أحزم الناس.
ولقيم: مبتدأ. وقوله من أخته: خبره. وفي قوله: «فكان ابن أخت له وابنما» دليل على جواز تعاطف الخبرين المستقل كل منهما بنفسه. وابن: هو ابن زيدت فيه الميم. وقوله: ليالي حمق .. الخ, بضم الحاء وتشديد الميم, قال ابن حبيب: أي: اسكر حتى ذهب عقله. انتهى. ورواه المفضل «حمق» بفتحتين, وزعم أنه يقال: حمق إذا شرب الخمر, والخمر يقال لها: الحمق.
стр. 394
وقوله: «استحصنت» بالبناء للفاعل. قال ابن حبيب أي: أتته وكأنها حصان كما تأتي المرأة زوجها. وقوله «فغر بها» غر, بضم الغين من الغرة بالكسر: وهي الغفلة. وقوله «مظلمًا» بكسر اللام, أي: في ظلمة, وقوله «فأحبلها رجل نابه» من النباهة وهو ارتفاع الذكر, وهو لقمان, فجاءت, أي: أخته به, أي: يلقيم محكما, بفتح الكاف, أي: حكيما.
والنمر بن تولب: صحابي يعد من المخضرمين, ونسبه مذكور في «الاستيعاب» وغيره وهو عكلي منسوب إلى عكل – بضم العين المهملة, وسكون الكاف وهي أمة, كان تزوجها عوف بن قيس بن وائل بن عوف بن عبد مناة بن أد ابن طابخة فولدت له ثلاث بنين, ثم مات فحضنتهم عكل, فنسبوا إليها. والنمر شاعر جواد واسع العطاء, كثير القرى, وهاب لماله, وكان أبو عمرو بن العلاء يسميه الكيس لجودة شعره, وكثرة أمثاله, ويشبه شعره بشعر حاتم الطائي. وقال أبو عبيدة: كان النمر شاعر الرباب في الجاهلية, ولم يمدح أحدًا ولا ...
وفد على النبي, صلى الله تعالى عليه وسلم, مسلمًا وهو كبير.
قال أبو حاتم السجستاني في كتاب «المعمرين»: عاش النمر بن تولب مائتي سنة, وخرف, وألقي على لسانه: انحروا للضيف أعطوا السائل. اصبحوا الراكب, أي: اسقوه الصبوح.
وقال ابن قتيبة في كتاب «الشعراء»: وألقى بعض البطالين على لسانه نيكوا الراكب, فكان يقولها. ومن شعره:
стр. 395
لا تغضبن على امرئ في ماله ... وعلى كرائم صلب ما لك فاغضب
وإذا تصبك خصاصة فارج الغنى ... وإلى الذي يعطي الرغائب فارغب
وقال صاحب «الأغاني»: النمر: شاعر مقل, أدرك الإسلام, وأسلم فحسن إسلامه, ووفد إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم, وكتب له كتابًا. وروى عنه حديثًا وكان أحد أجواد العرب المذكورين وفرسانهم. انتهى.
قال ابن الملا: قد تقدم, أي: في بحث «أل» في كلام المصنف أنه لم يرو سوى حديث: «ليس من امبر امصيام في امسفر» انتهى. قال السيوطي في حاشية «المغني»: هذا الحديث أخرجه أحمد في مسنده, والطبراني في «معجمه» من حديث كعب بن عاصم الأِعري, وسنده صحيح.
وأما قول المصنف: رواه النمر بن تولب فكذا ذكره ابن يعيش والسخاوي كلاهما في شرح «المفصل» وصاحب «البسيط». زاد ابن يعيش: ويقال: إن التمر لم يرو عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلا هذا الحديث, وكلهم تواردوا على ما لا أصل له, فإن هذا الحديث لا يعرف من رواية التمر, والحديث الذي رواه النمر عند من أثبت صحبته غير هذا الحديث. قال أبونعيم في «معرفة الصحابة»: النمر بن تولب كتب له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كتابًا, وروي من طريق مطرف عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
стр. 396
يقول: «من سره أن يذهب كثير من وحر صدره فليصم شهر الصبر رمضان, وثلاثة أيام من كل شهر». انتهى.
* * *
تم الجزء الأول من الكتاب ويليه - إن شاء الله تعالى الجزء الثاني ويبدأ في الانشاد الثاني والثمانين
стр. 397
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثمانون:
(٨٢) يا ليتما أمَّنا شالت نعامتها ... أيما إلى جنَّة أيما إلى نار
على أنَّ أمَّا الثانية قد تكون بغير واو العطف، كما نقل الدماميني عن المصنف في حواشيه على "التسهيل" عند قوله: وربَّما استغني عن واو أما، لا أحفظ ذلك إلا مع تخفيف كلمة أمّا بالبدل، نحو:
لا تفسدوا آبالنا ... أيما لنا أيما لكم
يا ليتما أمَّنا شالت نعامتها ... . . . . البيت
انتهى وقول المصنف: وفيه شاهد ثان، وهو فتح الهمزة، قال الرّضي في شرح "الكافية" ويرى: "أيما إلى جنّة" وهي لغة في أمّا. وقال ابن جني في "إعراب الحماسة": قوله: أيما إلى جنة، يدل على أنّ إبدال الراء والنون ياءين في "قيراط" و"دينار" ليس للكسرة، إنّما هو للإدغام، ألا ترى أنّ "أيما" قد أبدل فيها من ميم أمّا، ولا كسرة قبلها؟ انتهى. وكأن ابن بري لم يبلغه فتح الهمزة من "إمّا" المكسورة فاعترض على صاحب "الصحاح" في ذكره الفتح والكسر في "أيما"، فقال: صوابه "إيما" بالكسر، لأنّ الأصل "إمّا" فأمّا "أيما" فالأصل فيها "أمّا" وذلك في مثل قولك: أما زيد فمنطلق، بخلاف "إمّا" التي في العطف، فإنها مكسورة لا غير. انتهى. وإنكاره مردود بنقل الثِّقات.
стр. 398
فتلخَّص لنا في هذه الكلمة أن "أيما" بالفتح أصلها "أمّا" المفتوحة، وهي لغة في المكسورة، ووقع البدل في كل منهما، لكن كثر استعمال "أيما" بالفتح.
وقول المصنف: وثالث وهو الإبدال. قال الدماميني في "المزج" عند قول المصنف: وقد يبدل ميما الأولى ياءً، أي: مع فتح الهمزة وكسرها كما نص عليه غير واحد، لكنهم فيما رأيت لم يستشهدوا على الإبدال إلاّ مع فتح الهمزة انتهى. وفيه أن المراديَّ قال في شرح "التسهيل" حكي الإبدال مع كسر الهمزة وفتحها، فمثاله مع الكسر قوله:
يا ليتما أمنّا شالت نعامتها ... . . . . . البيت
ومع الفتح قول أبي القمقام:
تنفِّحها أيما شمال عريَّة ... وأيما صبًا جنح الظَّلام هبوب
رواه الفراء بالياء وفتح الهمزة. انتهى. وروى صاحب "الصحاح" البيت الشاهد بالفتح والكسر.
والبيت أوّل أبيات ثلاثة رواها المرزباني في كتاب "النساء والشواعر" قال: حدثنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني قال: [كانت] امرأة من عبد القيس بالبصرة، لما ابن يلقَّب النحيف من بني جذيمة، وكان شرّيرًا ضعيفًا، وكان بها عاقًا، فقال يهجوها:
يا ليتما أمَّنا شالت نعامتها ... أيما إلى جنَّة أيما إلى نار
تلتهم الوسق مشدودًا أشظَّته ... كأنّما وجهها قد سفع بالقار
خرقاء بالخير لا تهدى لوجهته ... وهي صناع الأذى في الأهل والجار
стр. 399
وكانت تعظه فلا يتَّعظ، فقالت:
حذار بنيَّ البغي لا تقربَّنه ... حذار فإنَّ البغي وخم مراتعه
وعرضك لا تمذل بعرضك إنَّني ... وجدت مضيع العرض تلحى طبائعه
وكم قدر رأينا الدهر غادر باغيًا ... بمنزله ضاقت عليه مطالعه
فلم يزل به شرُّه حتى وثب على ابن عمّ له، فحطأ به ابن عمه الأرض فدقَّ عنقه فمات. فقالت كالشامتة:
مازال ذو البغي شديدًا هبصه ... يطلب من يقهره ويهصه
ظلمًا وبغيًا والبلاء ينشصه ... حتى أتاه قرنه فيقصه
فقاد عنه خاله وعرصه
انتهى ما أورده المرزباني. ونسب السيوطيُّ ما نقلناه عن المرزباني إلى ثعلب في "أماليه" وقد راجعتها مرارًا فلم أجد شيئًا من ذلك فيها مع أن نسختي "أمالي ثعلب" نسخته وعليها خطُّه بالملكيَّة وغيرها، والله تعالى أعلم.
وقد روى أبو تمَّام هذه الأبيات الثلاثة في "حماسته" مع قطعة جيدة من شعر أمَّه تأمره بترك طلاق زوجته، وصبره على جورها حتى يقضي الله تعالى بموتها، وكانت قبل أن يتزوجها نهته عنها فغضب، وهجاها بتلك الأبيات. وذكر اسم النحيف قال: هو سعد بن قرط أحد بن جذيمة، وكأبي تمام صنع الأعلم في "حماسته" وقد نقلت ما أورده أبو تمام وشرحته في الشاهد التسعمائة من شواهد المحقق الرضي، وهنا اقتصرنا على رواية المرزباني.
стр. 400
وقوله: يا ليتما أمنا الخ. يا: حرف تنبيه، وأمنا: اسم ليتّ، وجملة: "شالت نعامتها" في محل [رفع] خبرها. وشالت: ارتفعت، قال ابن الأنباري: في شرح "المفضليات": النعامة: الشخص، وشخص كل شيء نعامته، انتهى، وهذا كناية عن الموت، ويقال أيضًا: شالت نعامتهم بمعنى: ذهب عزُّهم، واختلفت كلمتهم، وتفرق أمرهم، قال ذو الإصبع:
أزرى بنا أنَّنا شالت نعامتنا ... فخالني دونه وخلته دوني
وقال السهيليّ في "الرَّوض الأنف": العرب تضرب "زوال النعامة" مثلًا في الفرار، وتقول: شالت نعامة القوم: إذا فرُّوا أو هلكوا، قال الشاعر:
يا ليتما أمنا شالت نعامتها ... البيت.
وقال أمية:
اشرب هنيئًا فقد شالت نعامتهم
والنعامة في اللغة: باطن القدم، ومن مات فقد شالت رجله، أي: ارتفعت وظهرت نعامته، والنعامة أيضًا: الظُّلمة، فيجوز أن يكون قوله: زالت نعامتهم منه، كما يقال: زال سواده، وضحا ظله: إذا مات، وجائز أن يكون: ضرب النعامة مثلًا، والعرب تقول: أشرد من نعامة وأنفر من نعامة، فمعناه: نفرت نفسه التي هي كالنعامة في شرودها، هذا كلامه.
стр. 401
وقوله: تلتهم الوسق الخ، التهمه: ابتلعه بمرة، والوسق: حمل بعير، والأشظة: جمع شظاظ بالكسر، وهو حشبة عقفاء تجعل في عروق الجو القين، وسفع: بالبناء للمجهول، لكنه سكَّن الفاء ضرورة، من سفع السَّموم أو النار وجهة: إذا أصابه فغيره إلى السواد، وسفعه: ضربه. والقار: الزِّفت. والخرقاء: المرأة التي لا تحسن عمل شيء، والصناع، بفتح الصاد: المراة الحاذقة بعمل اليدين.
وقولها: حذار: اسم فعل أمر بمعنى احذر، والوخم: الثقيل الذي لا يهضم، وعرضك: منصوب بالعطف على اسم "إن" ولا تمذل، من باب نصر: لا تسمح، وكان القياس أن تقول: لا تمذل به، لكن جاءت به ظاهرًا تفخيمًا، وتلحى: تلام، وحطا، بمهملتين، أي: صرعه. والهبص: مصدر هبص، من باب فرح، : عجل وهبص على الشيء بأكله فقلق لذلك، ويهصه: مضارع وهصه وهصًا، وهو شدة كسر الشيء الرَّخو، وشدة الوطء، والرَّمي العنيف، والشَّدخ، وينشصه: مضارع نشصه: إذا طعنه، من باب كتب، ويقصه مضارع وقصه وقصًا، أي: دقَّ عنقه، والقرن، بالكسر: المثل في الخصومة والحرب. فقاد عنه خاله، أي: اقتصَّ خاله من القاتل بالقود نيابة عنه، وقولها: وعرصه، لم أفهم معناها. وقال السيوطي: العرص بالتحريك: النشاط.
قال التبريزي: والنُّحيف: مصغر ترخيم نحيف، واسمه سعد بن قرط، بضم القاف وسكون الراء وآخره طاء مهملة، أحد بني جذيمة، وصحف ابن الملا ثلاثة أسماء، فقال: سعد بن قرظ – بفتحتين ومعجمتين بينهما مهملة – الملقب بالتُّحيت الخدري. انتهى، ومن خطه نقلت.
стр. 402
وأنشد بعده وهو، الإنشاد الثالث والثمانون:
(٨٣) قد قيل ما قيل إن حقًّا وإن كذبا
تمامه:
فما اعتذارك من قول إذا قيلا
على أن كان بعد إن محذوفة، والتقدير: إن كان حقًا وإن كان كذبًا، واسم كان ضمير يرجع إلى ذلك، والمشار إليه بذلك البرص الذي في استه.
وهذا البيت من قطعة للنعمان وهي:
شرِّد برحلك عنيّ حيث شئت ولا ... تكثر عليَّ ودع عنك الأقاويلا
فقد رميت بداء لست غاسله ... ما جاور السَّيل أهل الشَّام والنِّيلا
فما انتفاؤك منه بعد ما قطعت ... هوج المطيّ به أكناف شمليلا
قد قيل ذلك إن صدقا وإن كذبا ... فما اعتذارك من شيء إذا قيلا
فالحق بحيث رأيت الأرض واسعةً ... وانشر بها الطَّرف إن عرضًا وإن طولا
قوله: شرد، أي: فرق وأبعد، والرحل: المأوى قال في "المصباح": رحل الشخص: مأواه في الحضر، ثم أطلق على أمتعة المسافر، لأن هناك مأواه، وقوله: فقد رميت، أي: قذفت، وأراد بالداء، كما يأتي بيانه. وروي بدله: "فقد ذكرت به والركب حامله" والهاء في: به، وحامله، للبرص أيضًا، وقوله: ما جاور السيل إلخ "ما" ظرفية دوامية، وجاور. روي بالراء والزاء المعجمية، والسيل: هو الماء الجاري بدفع شديد من الأمطار، وهو فاعل، وأهل الشام مفعوله، وقوله: والنيلا، أي: وأهل النيل، وهو نيل مصر، فلما حذف المضاف قام المضاف إليه مقامه. والهوج: جمع هوجاء، وهي الناقة الشديدة السريعة، كأن بها هوجًا، وهو الطيش والحمق والسرعة، والمطي: جمع مطية، فعيلة بمعنى مفعولة، وهي من الإبل ما يركب مطاه، والمطا: الظهر، وشمليل، كقنديل،
стр. 403
هو كما قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استجم": اسم بلد: وأنشد هذا البيت. ولم يصب العيني في قوله: هي الناقة الخفيفة، وقلده السيوطي فقال مثله.
وسبب هذه الأبيات ما رواه السيد المرتضى في أماليه المسماة بـ "غرر الفرائد ودرر القلائد": أن عمارة وأنسًا وقيسًا والربيع، بني زياد العبسي، وفدوا على النعمان بن المنذر، ووفد عليه العامريون بنو أم البنين، وعليهم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب، وهو ملاعب الأسنة، وكان العامريون ثلاثين رجلًا، وفيهم لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب وهو يومئذ غلام له ذوائبة، وكان الربيع بن زياد العبسي ينادم النعمان، ويكثر عنده، ويتقدم على من سواه، وكان يدعى الكامل لشطاطه وبياضه وكماله، فضرب النعمان قبة على أبي براء، وأجرى عليه وعلى من كان معه النزل، وكانوا يحضروا النعمان لحاجتهم فافتخروا يومًا بحضرته، فكاد العبسيون يغلبون العامريين. وكان الربيع إذا خلا بالنعمان، طعن فيهم وذكر معايبهم، ففعل ذلك مرارًا لعداوته لبني جعفر، لأنهم كانوا أسروه، فصد النعمان عنهم حتى نزع القبة عن أبي براء وقطع النزل، ودخلوا عليه يومًا فرأوا منه جفاء، وقد كان قبل ذلك يكرمهم، ويقدم مجلسهم، فخرجوا من عنده غضابًا وهموا بالانصراف، ولبيد في رحالهم يحفظ أمتعتهم، ويغدوا بإبلهم فيرعاهم، فإذا أمسى انصرف بها.
فأتاهم تلك الليلة وهم يتذاكرون أمر الربيع، فقال لهم: ما لكم تتناجون، فكتموه وقالوا له: إليك عنا، فقال: أخبروني، فلعل لكم عندي فرجًا فزجروه، فقال: والله لا أحفظ لكم [متاعًا] ولا أسرح لكم بعيرًا أو تخبروني. وكانت أم لبيد عبسية في حجر الربيع، فقالوا له: إن خالك قد غلبنا على الملك وصدَّ عنا وجهه، فقال لهم: هل تقدرون أن تجمعوا بيني وبينه غدًا حين يقعد الملك، فأرجز به رجزًا ممضًا مؤلمًا لا يلتفت
стр. 404
إليه النعمان بعده أبدًا؟ قالوا له: وهل عندك ذاك؟ قال: نعم. قالوا: فإنا نبلوك بشتم هذه البقلة، وقدّامهم بقلة دقيقة القضبان، قليلة الورق، لاصقة فروعها بالأرض، تدعى: التَّربة فاقتلعها من الأرض، وأخذها بيده، وقال: هذه البقلة الترَّبة التفلة الرذلة التي لا تذكي نارًا ولا تسر جارًا، عودها ضئيل، وفرعها ذليل، وخيرها قليل، بلدها شاسع، ونبتها خاشع، وآكلها جائع، والمقيم عليها قانع، أقصر البقول فرعًا، وأخبثها مرعى، وأشدها قلعًا، فحربًا لجارها وجدعًا! ألقوا بي أخا عبس، أرجعه عنكم بتعس ونكس، وأتركه من أمره في لبس.
فقالوا: نصبح ونرى فيك رأينا، فقال لهم عامر: انظروا إلى غلامكم هذا، فإن رأيتموه نائمًا، فليس أمره بشيء وإنما تكلم بما جرى على لسانه، وإن رأيتموه ساهرًا، فهو صاحبكم؛ فرمقوه بأبصارهم، فوجدوه قد ركب رحلًا يكدم واسطته حتى أصبح، فلما أصبحوا قالوا: أنت والله صاحبه، فحلقوا رأسه، وتركوا له ذؤابتين، وألبسوه حلة، وغدوا به معهم، فدخلوا على النعمان، فوجدوه يتغدى ومعه الربيع ليس معه غيره، والدار والمجالس مملوءة بالوفد، فلما فرغ من الغداء أذن للجعفريين، فدخلوا عليه والربيع إلى جانبه، فذكروا للنعمان حاجتهم، فاعترضهم الربيع في كلامهم، فقام لبيد، وقد دهن إحدى شقي رأسه، وأرخى إزاره، وانتعل نعلًا واحدة، وكذلك كانت الشعراء تفعل في الجاهلية إذا أرادت الهجاء، فمثل بين يديه ثم قال:
يا ربَّ هيجاهي خير من دعه ... إذ لا تزال هامتي مقزَّعه
نحن بنو أمِّ البنين الأربعة ... ونحن خير عامر بن صعصعه
стр. 405
المطعمون الجفنة المدعدعه ... والضَّاربون الهام تحت الخيضعه
مهلًا أبيت الَّلعن لا تأكل معه ... إنَّ أسته من برص ملمَّعه
وإنَّه يدخل فيها إصبعه ... يدخلها حتّى يواري أشجعه
كأنَّما يطلب شيئًا ضيَّعه
فلما فرغ لبيد التفت النعمان إلى الربيع يرمقه شزرًا قال: أكذاك أنت؟ قال: كذب والله ابن الحمق اللئيم، فقال النعمان: أفٍّ لهذا الطعام، لقد خبث علي طعامي، فقال الربيع: أبيت اللعن! أما إني قد فعلت بأمه، لا يكني، وكانت في حجره، فقال لبيد: أنت لهذا الكلام أهل، أما إنها من نسوة غير فعل، وأنت المرء قال هذا في يتيمته. وفي رواية أخرى: إنها من نسوة فعل، وإنما قال ذلك لأنها كانت من قوم الربيع، فنسبها إلى القبيح، وصدقه عليها تهجينًا له ولقومه.
فأمر الملك بهم جميعًا، فأخرجوا، وأعاد على أبي براء القبة، وانصرف الربيع إلى منزله، فبعث إليه النعمان بضعف ما كان يحبوه به، وأمره بالانصراف إلى أهله، فكتب إليه: إني قد تخوفت أن يكون قد وقع في صدرك ما قال لبيد، ولست برائم حتى تبعث من يجردني ليعلم من حضرك من الناس أني لست كما قال، فأرسل إليه: إنك لست صانعًا بانتفائك مما قال لبيد شيئًا، ولا قادرًا على ردِّ ما زلَّت به الألسن، فالحق بأهلك؛ ثم كتب إليه النعمان في جملة ما كتبه، أبياتًا جوابًا عن أبيات كتبها إليه الربيع مشهورة:
شمِّر برحلك عني حيث شئت ولا ... تكثر عليَّ ودع عنك الأقاويلا
قد قيل ذلك إن حقّا وإن كذبا ... فما اعتذارك من شيءٍ إذا قيلا
وقد جاءنا هذا الخبر من عدة طرق، وفي كل زيادة على الآخر، ولم نأت بجميع الخبر على وجهه، بل أسقطنا منه ما لم نحتج إليه. انتهى كلام المرتضى،
стр. 406
رضي الله تعالى عنه. وقد شرحنا رجز لبيد في الشاهد السادس والتسعين بعد السبعمائة من شواهد المحقق الرضي.
والربيع بن زياد العبسي مع إخوته يضرب بهم المثل في النجابة. قال الزمخشري في "مستقصى الأمثال": أنجب من بنت الخرشب، هي فاطمة الأنمارية، ولدت لزياد العبسي الكملة ربيعًا الكامل، وعمارة الوهاب، وقيس الحفاظ، وأنس الفوارس، وقيل لها: أي بنيك أفضل؟ فقالت ربيع، بل عمارة، بل قيس، بل أنس، ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل؛ والله إنهم كالحلقة المفرغة، لا يدرى أين طرفاها.
والنعمان بن المنذر: وهو آخر ملوك الحيرة، وهو صاحب الذبياني.
وأنشد بغده، وهو الإنشاد الرابع والثمانون:
(٨٤) فإمَّا أن تكون أخي بصدق ... فأعرف منك غثيّ من سمييني
وإلاَّ فاطَّرحني واتَّخذني ... عدوّا أتَّقيك وتتَّقيني
على أنه قد يستغنى عن "إما" الثانية بذكر ما يغني عنها، وهو قوله هنا: "وإلا"، وهي "إن" الشرطية المدغمة "بلا" النافية، والأصل: وإما أن تطرحني، وتتخذني عدوًا. وقد يغني عنها "أو" كقوله:
فقلن لهنَّ امشين إمَّا نلاقه ... كما قال أو نشف الصُّدور فنعذرا
стр. 407
وكقول آخر:
يعيش الفتى في النَّاس إما مشيَّعًا ... على الهمَّ أو هلباجة متنعِّما
والبيتان من قصيدة طويلة، عدتها أربعة وأربعون بيتًا للمثقَّب العبدي، أوردها المفضل في "المفضليات" وبعدها:
وما أدري إذا يمَّمت أمرًا ... أريد الخير أيهما يليني
أالخير الذَّي أنا أبتغيه ... أم الشَّر الذي هو يبتغيني
وهذا آخر القصيدة، ولم يذكر فيها المخاطب بهما من هو، وكأنه محذوف منها.
وقوله: فإما أن تكون، في تأويل مصدر مرفوع خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: إما شأنك كونك أخًا بحق، وإما كونك عدوًا ظاهرًا، أو يجوز أن يكون في تأويل مصدر منصوب مفعولًا لفعل محذوف، والتقدير: اختر إما كونك أخًا، وإما كونك عدوًا، كما قال الآخر:
تخيَّر فإمَّا أن تزور ابن ضابئٍ ... عميرًا وإمَّا أن تزور المهلَّبا
وقوله "بحق" نائب عن المفعول المطلق، أي: إما أن تكون أخي كونًا ملتبسًا بحق. وقال العيني: هو صفة لأخي، وهو غلط في المسألة. وقوله: فأعرف بالنصب: معطوف على تكون، ومنك: في موضع الحال
стр. 408
المقدمة من المفعول، واستعير الغث للغش، والسمين للنصح. ومن الثانية للتمييز متعلقة بأعرف. والمروي في المفضليات "غثي أو سميني" والغث، بالفتح: وصف من غث اللحم إذا صار مهزولًا. وقوله: وإلا فاطرحني، بتشديد الطاء المفتوحة من الطرح، أراد به الترك. وقوله: عدوًا أتقيك ... إلخ، كان الظاهر أن يقول: عدوًا تتقيه وأتقيك، لكنه راعى المعنى، وقوله: وما أدري إذا يممت ... إلخ، ما: نافية، وأدري: أعلم، ويممت: قصدت وجملة "أيهما يليني" في موضع المفعول لأدري، لأنه معلق عن العمل باسم الاستفهام. وإذا: ظرف لأدري. وأنشده الفراء في تفسيره عند قوله تعالى: (لَيْسُوا سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ ... ) [آل عمران/ ١١٣]، قال: ذكر أمة، ولم يذكر بعدها أخرى، والكلام مبني على أخرى، لأن "سواء" لابد لها من اثنين فما زاد، كأنك قلت: لا تستوي أمة صالحة وأخرى كافرة، وقد تستجيز العرب إضمار أحد الشيئين إذا كان في الكلام دليل عليه، ثم أنشد هذين البيتين، وكذا أنشدهما عند قوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ) [يس/ ٨]، قال: كنيّ عن هي، وهي للأيمان ولم تذكر، وذلك أن الغل لا يكون إلا في اليمين، والعنق جامعًا لليمين والعنق، فيكفي ذكر أحدهما من صاحبه، ثم أنشدهما فقال: كنى عن الشر، وإنما ذكر الخير وحده، وذلك أن الشر يذكر مع الخير. انتهى كلامه.
وكأنه يريد أن التقدير: أريد الخير لا الشر، ولا يجوز أن يكون التقدير أريد الخير والشر، لأنه غير مراد له بدليل ما بعده، فيكون من حذف المعطوف بلا النافية وهو غريب. وقوله: أألخير الذي ... إلخ، هو من شواهد "شرح الشافية" للرضي، والشر: بدل من "أي" ولهذا قرن بحرف الاستفهام،
стр. 409
والألف الثانية من "أالخير" وصل دخلت عليها ألف الاستفهام وكان القياس أن تحذف، لكنها خففت بتسهيلها بين بين، إذ لولا ذلك لم يتزن البيت، ولا سبيل إلى دعوى تحقيقها، لأنه لا قائل به، وهمزة بين بين عند البصريين متحركة بحركة ضعيفة ينحى بها نحو السكون، ولذلك لا تقع إلا حيث يقع الساكن غالبًا، ولا تقع في أول الكلام بحال. وفيه رد على الكوفيين في دعوى سكونها، لأنها في مقابلة ثاني أحرف وتد مجموع وهو لن يكون ساكنًا، ولأنها لو كانت ساكنة لزم التقاء الساكنين على غير حده، وروي:
أم الشرُّ الذي لا يأتليني
قال ابن الأنباري: أي: لا يألو في طلبي، أي: لا يقصِّر.
والمثقِّب العبدي: شاعر جاهلي قديم كان في زمن عمرو بن هند، قاله ابن قتيبة في كتاب الشعراء. وقال: اسمه محصن بن ثعلبة – بكسر الميم، وفتح الصاد – وسمي المثقب لقوله في هذه القصيدة:
رددن تحيَّة وكففن أخرى ... وثقَّبن الوصاوص للعيون
وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: لو كان الشعر كله على وزن هذه القصيدة لوجب على الناس أن يتعلموه. انتهى.
وقال ابن الأنباري اسمه عائذ بن محصن بن ثعلبة وأنهى، نسبه إلى عبد القيس ابن أفصى بن دعمي بن أسد بن جديلة بن ربيعة بن نزار، والمثقب: اسم فاعل من ثقب تثقيبًا بالثاء المثلثة، وصحفه الدماميني بالنون، وهو لقب له لقوله ذلك البيت، والعبدي: نسبة إلى عبد القيس، ويقال في النسبة إليه عبقسي أيضًا.
стр. 410
وقوله: رددن تحية .. إلخ، قال ابن الأنباري: أي أظهرن السلام، ورددنه، وكتمن، أي: سترن وهو ما يرد من السلام بعين أو بيد، وروي "ظهرن بكلة وسدلن أخرى" والكلة: ما يرى على الهودج، وهو شبيه بالسور، والوصاوص: البراقع الصغار أراد أنهن حديثات الأسنان، فبراقعهن صغار.
ومن لطائف الدماميني، أورده في "المزج" أنه قال لشريف أنشد هذه القصيدة:
يا أيُّها السَّيِّد أنشدتنا ... قصيدة العبديّ كالعقد
فقلت للقوم اسمعوا واعجبوا ... لسيّد يروي عن العبد
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثمانون:
(٨٥) تلمُّ بدار قد تقادم عهدها ... وإمّا بأموات ألم خيالها
على أن إما الأولى محذوفة، والتقدير: تلم إما بدار، وإما بأموات، وكذا قدره أبو علي في "كتاب الشعر" وخص ابن عصفور تبعًا لأبي علي حذفها بالشعر، وقول المصنف: والفراء يقيسه الخ، أقول: الفراء يجعل "إما" الثانية نائبة عن أو، ولا يقول: إنها محذوفة من أول الكلام، وهذا كلامه عند تفسير قوله تعالى: (إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ) [الأعراف ١١٥] قال: أدخل "أن" في "إما" لأنها في موضع أمر بالاختيار، فهي في موضع نصب، كقول القائل: اختر ذا أو ذا، فإن قلت: إن أو في المعنى بمنزله "إما [وإما] فهل يجوز أن تقول: يا زيد أن تقوم أو تقعد، تريد: اختر أن تقوم أو تقعد؟ قلت: لا يجوز ذلك لأن أول الاسمين في "أو" يكون خبرًا يجوز السكوت عليه، ثم
стр. 411
تستدرك الشَّكُّ في الاسم الآخر، فتمضي الكلام على الخبر، ألا ترى أنك تقول: قام أخوك، وتسكت. وإن بدا لك قلت: أو أبوك؛ فأدخلت الشَّكُّ، والاسم الأول مكتف يصلح السكوت عليه، وليس يجوز أن تقول: ضربت إما عبد الله. وتسكت. فلما آذنت إما بالتخيير من أول الكلام، أحدثت لها أن. ولو وقعت إمّا وإمَّا مع فعلين قد وصلا باسم معرفة أو نكرة ولم يصلح الأمر بالتخيير في موقع إمَّا؛ لم يحدث فيها "أن" كقوله تعالى: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) [التوبة/ ١٠٦].
ولو جعلت أن في مذهب كي وصيرتها وصلة لمرجؤون تريد: أرجئوا لأن يعذبوا أو يتاب عليهم؛ صلح ذلك في كل فعل تام، ولا يصلح في كان وأخواتها ولا في ظننت وأخواتها من ذلك أن تقول: آتيك إما أن تعطي، وإما أن تمنع، وخطأ أن تقول: أظنك إما أن تعطي، وإما أن تمنع، ولا أصبحت إما أن تعطي، وإما أن تمنع. ولا تدخل أو على إما ولا إما على أو، وربما فعلت العرب ذلك لتآخيهما في المعنى على التوهم. فيقولون: عبد الله إما جالس أو ناقض، ويقولون: عبد الله يقوم، وإما يقعد، وفي قراءة أبي: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ) [سبأ/ ٢٤]. فوضع "أو" في موضع إما. وقال الشاعر:
فقلت لهنَّ امشين إمَّا نلاقه ... كما قال أو نشف الصُّدور فنعذرا
وقال آخر:
فكيف بنفس كلما قلت أشرفت ... على البرء من دهماء هيض اندمالها
تهاض بدار قد تقادم عهدها ... وإمَّا بأموات ألمَّ خيالها
стр. 412
فوضع "إما" في موضع "أو" وهو على التوهم إذا طالت الكلمة بعض الطول، أو فرقت بينهما بشيء، هنالك يجوز التوهم كما تقول: أنت ضارب زيد ظالمًا وأخاه، حين فرقت بينهما بظالم جاز نصب الأخ، وما قبله مخفوض. انتهى كلام الفراء.
فجعل إما نائبة عن "أو" لا أن مثلها محذوف من أول الكلام، ونقله المرادي في "الجنى الداني" فقال: وأجاز الفراء أن لا تكرر وأن تجري مجرى "أو". قال الدماميني في "المزج": ظاهره أنه لا يحتاج إلى تقدير إما قبل المعطوف، وظاهر قول المصنف: والفراء يقيسه؛ يأباه، إذ ضمير "يقيسه" عائد على الاستغناء عنها لفظًا، والفراء يرى أنها مستغنى عنها لفظًا وتقديرًا. انتهى.
والبيتان اللذان أنشدهما قد أوردهما أبو علي في كتاب "الشعر" ونسبهما إلى الفرزدق وكذا ابن يعيش في "شرح المفصل" وهو الصحيح، وقال العيني تبعًا للمرادي في "شرح التسهيل": هما لذي الرمة، ولم أرهما في ديوانه.
وقوله: فكيف بنفس، أي: كيف نأمل بصحة نفس هذه صفتها، وقال ابن الملا: "كيف" في محل رفع خبر مقدم، وبنفس مبتدأ مؤخر، والباء زائدة، وأشرفت: أقبلت، والبرء بالضم: الخلاص من المرض. وقوله: "من دهماء" أي: من حبها، أو من تعليلة، دهماء: اسم امرأة، وروي بدله "حوصاء" وهيض: مجهول هاض العظم يهيضه هيضًا؛ إذا كسره بعد الجبر، وقوله: اندمالها،
стр. 413
أي اندمال جرحها، والضمير للنفس، والاندمال: تراجع الجرح إلى البرء، يريد: كلما قارب الجرح إلى الالتحام، أصيب بشيء فدمي، فصار جرحًا كالأول.
وقوله: تهاض - بالمثناة الفوقية، والضمير للنفس - أي: يتجدد جرحها. والباء في الموضعين سببية: وجعلها العيني ظرفية، وقدر لمجرورها صفة، وقال: أي في دار تخرب، وهذا لا حاجة إليه، وجملة "قد تقادم" صفة دار، والعهد: الزمان، وقال صاحب "المصباح": وهو قريب العهد بكذا، أي: قريب العلم والحال، والأمر كما عهدت، أي: كما عرفت، وقوله: وإما بأموات، قال العيني: أي بموت أموات، وليس المعنى عليه كما لا يخفى. وفي الصحاح: الإلمام: النزول، وقد ألم به، أي: نزل، فيكون التقدير: ألم خيالها بنا، والجملة صفة أموات، والمشهور تلم بدار، وهذا البيت بيان لسبب عدم برء النفس. وترجمة الفرزدق تقدمت في الشاهد الثاني.
وأنشد في "أو" وهو الإنشاد السادس والثمانون:
[أو]
(٨٦) نحن أو أنتم الألى ألفوا الحقَّ فبعدًا للمبطلين وسحقا
على أن أو فيه للإبهام، كذا أورده أبو حيان في شرح "التسهيل" مع الآية. وقوله: نحن أو أنتم؛ قائل البيت يعلم أن فريقه على الحق، وأن المخاطبين على الباطل، لكنهم أبهم على السامع بالكلام المنصف المسكت للخصم المعاند، ونظيره قول حسان بن ثابت:
أتهجوه ولست له بكفء ... فشرُّكما لخير كما الفداء
стр. 414
وكل من يسمع هذا الكلام يقول للمخاطّب به: قد أنصفك خصمك، إذ لولا إيراد الكلام بهذه الصورة ما أمكنه أن يقول: "فبعدًا للمبطلين" خطابًا له، إذا كان ذا جاه وصولة. والألى بضم الهمزة والقصر: اسم موصول بمعنى الذين. ولم يرسم هذا بالواو كما رسم "أولي" اسم الإشارة، لأن الواو رسمت بهذه لتميزها عن "إلى" الجارّة، وأما اسم الموصول فهو مميز بالألف واللام. وألفت الشيء من باب علم: أنست به وأحببته، والحق خلاف الباطل. قال الراغب: أصل الحق المطابقة والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقِّه، لدورانه على الاستقامة، والحق يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى: هو الحق، وللموجود بحسب مقتضى الحكمة، ولذلك يقال: فعل الله تعالى كله حق، نحو الموت والبعث حق، وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، نحو: اعتقاد زيد في البعث حق، وللفعل والقول الواقع بحسب ما يجب، وقدر ما يجب، في الوقت الذي يجب، نحو: فعلك حق، وقولك حق، ويقال: أحققت ذا، أي: أثبته حقًا، أو حكمت بكونه حقًا. انتهى. والبعد هنا الهلاك، وهو اسم من بعد يبعد بعدًا، من باب فرح. والمبطل: اسم فاعل من أبطل، إذا صار ذا باطل، كأحق: إذا صار ذا حق، والباطل: ضد الحق، وهو ما لا ثبات له من المقال والفعال عند الفحص عنه. والسُّحق بالضم: التقطع والتمزق: من أسحق الثوب إسحاقًا: إذا بلي وتمزق.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثمانون:
(٨٧) وقد زعمت ليلى بأنِّي فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها.
على أن "أو" فيه للجمع المطلق كالواو، قال ابن الشجري في "أماليه":
стр. 415
"أو" بمعنى واو العطف من أقوال الكوفيين، ولهم فيه احتجاجات من القرآن ومن الشعر القديم، فما احتجوا به من القرآن قوله تعالى: (لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه/ ٤٤] و (عُذْرًا أَوْ نُذْرًا) [المرسلات/ ٦] و (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا) [طه/ ١٣٣] ومن الشعر قول توبة: وقد زعمت ليلى ... البيت، وقول جرير:
أثعلبة الفوارس أو رياحًا ... عدلت بهم طهيَّة والخشابا
أي: عدلت هاتين القبيلتين بهاتين القبيلتين. وقول جرير:
نال الخلافة أو كانت له ... البيت.
وقول الآخر:
قفا نسأل منازل من لبيني ... خلاءً بين قردة أو عرادا
وقول ابن أحمر:
ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث ... إلى ذا كما ما غيَّبتني غيابيا
أراد: ونصف ثالث، لأن لبثّ نصف الثالث لا يكون إلا بعد لبث الشهرين، وقول لبيد:
стр. 416
تمنَّى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلاَّ من ربيعة أو مضر
قالوا: أو هنا بمعنى الواو لأنه لا يشك في نسبه حتى أنه لا يدري أمن ربيعة هو أم من مضر، ولكنه أراد بربيعة أباه الذي ولده، لأنه لبيد بن ربيعة، ثم قال: أو مضر، ريد: ومضر، يعني مضر بن نزار. واحتجوا بقول متمم بن نويرة:
فلو أنَّ البكاء يردُّ شيئًا ... بكيت على بجير أو عفاق
على المرأين إذ هلكا جميعًا ... لشأنهما بشجو واشتياق
قال: على المرأين، لأنه أراد على بجير وعفاق، فأبدل اثنين من اثنين. واحتجوا بقول الراجز:
خلِّ الطريق واجتنب أرماما ... إنَّ بها أكتل أو رزاما
خويربين ينقفان الهاما
قالوا: أراد: أكتل ورزامًا، فلذلك قال: خويربين، ولو كانت "أو" على بابها لقال: خويربًا. كما تقول زيد في الدار وعمرو جالس، ولا تقول: جالسان، انتهى ما أورده ابن الشجري. وجملة ما أورده من الشعر ثمانية شواهد، والمصنف أورد ستة، فيها ثلاثة لم يوردها ابن الشجري، وإنما أوردها ابن مالك في شرح "الكافية" مستدلًا بها.
قال أبو حيان في شرح "التسهيل": ولا حجة في شيء من ذلك:
أما (عذرًا أو نذرًا) "فأو" فيه للتفصيل، لأنها فصّلت الذكر إلى ما هو
стр. 417
عذر، وإلى ما هو نذر، أي: تخويف. وأما (لعلَّه يتذكَّر أو يخشى) و (لعلهَّم يتَّقون أو يحدث لهم ذكرًا) "فأو" فيهما للإباحة، لأن المترجي طالب وقوع أحد الأمرين: التذكر، وهو التوبة، أو الخشية والاتقاء، لما في كل واحد منهما من الانكفاف عن الكفر، أو مجموعهما، لأن ذلك أبلغ في الانكفاف، والترجي في الآيتين مصروف إلى البشر.
وأما "أو رياحًا" فالمعنى: على أحد القبيلتين، وأما "أو عفاق" فأو فيه لإثبات أحد الشيئين في وقت دون وقت، وكأنه قال: بكيت على بجير مرة وعلى عفاق أخرى.
وأجاب النحاس عن بيت ابن أحمر بأن معناه: أو شهرين ونصف، وفيه تكلف، إذ فيه حذف معطوف وحرف عطف. وأما "أو عليها فجورها" فأو فيه للإبهام، لأنه قد علم ما حاله أهو تقي أم فاجر. هذا كلامه، وهو في الأصل جواب ابن عصفور، كما نقله تلميذه ناظر الجيش. ويأتي بقية الأجوبة واحدًا بعد واحد.
والبيت من قصيدة لتوبة بن الحميَّر وأولها:
نأتك بليلى دارها لا تزورها ... وشطَّت نواها واستمرَّ مريرها
يقول رجال لا يضيرك نأيها ... بلى كلُّ ما شفَّ النُّفوس يضيرها
أليس يضير العين أن تكثر البكا ... ويمنع منها نومها وسرورها
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها
стр. 418
وقد رابني منها صدود رأيته ... وإعراضها عن حاجتي وبسورها
وقد زعمت ليلى بأنِّي فاجر ... . . . . البيت
وقوله: نأتك بليلى دارها: الباء للتعدية، أي: جعلت الدار ليلى نائبة عنك، وهذا من المقلوب؛ والأصل: نأت عنك ليلى بدارها، وشطت: بعدت، والنوى: النية التي ينويها المسافر، والمرير: المرارة، وضاره ضيرًا؛ من باب باع: أضرّ به، وسّفه الهم، هزله. ورابني: أوقعني في الريبة، وهي الظنة والتهمة، والسفور: مصدر سفرت المرأة: إذا كشفت عن وجهها، والبسور: تقليب الوجه والتعبيس.
وليلى: هي ليلى الأخيلية بنت عبد الله بن الرَّحّالة بن كعب بن معاوية، ومعاوية: هو الأخيل بن عبادة.
روى المرزباني في كتاب "النساء الشواعر" أن الحجاج قال لها: يا ليلى: أنشديني بعض شعر توبة، قالت: وأي شعره أحب إليك؟ قال: لها قوله:
نأتك بليلى دارها لا تزورها
فأنشدته القصيدة، فقال لها: ما الذي رابه من صدودك يا ليلى؟ قالت: أصلح الله الأمير! إنه لم يرني قط إلا مبرقعة، فأرسل إلي رسولًا أنه ملمّ بنا، وفطن الحي برسوله، فلما رأيته سفرت، فلما رأى ذلك انصرف، قال: قاتلك الله يا ليلى! فهل كان بينكما ريبة قط؟ فقالت: أصلح الله الأمير! لا، إلا أنه قال مرة قولًا عرفت أنه خضع لبعض الأمر، فقلت له:
وذي حاجة قلنا له لاتبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا نبتغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل
قال: فما كان بعد ذلك؟ قالت قال: لصاحب له: إذا أتيت الحاضر من بني عبادة بن عقيل فاهتف به:
стр. 419
عفا الله عنها هل أبيتنَّ ليلة ... من الدَّهر لا يسري إليَّ خيالها
فناديت:
وعنه عفا ربّي وأصلح باله ... فعزَّ علينا حاجة لا ينالها
انتهى. وتوبة بن الحمير: بفتح المثناة الفوقية، وسكون الواو بعدها موحدة، والحميَّر: على لفظ مصغر الحمار، والحمير بن سفيان بن كعب بن خفاجة، وينتهي نسبه إلى عامر بن صعصعة، وهو شاعر إسلامي؛ قتل في حدود سنة ست وسبعين من الهجرة قال صاحب "الأغاني": كانت توبة يتعشق ليلى الأخيلية، وإنه خطبها إلى أبيها، فأبى وزوجها غيره. وقال ابن قتيبة: هو من بني عقيل ابن كعب بن ربيعة بن عامر، خافجي من بني خفاجة، وكان شاعرًا لصًا، وأحد عشاق العرب المشهورين بذلك، وقتله بنو عوف؛ وذلك أنه كان يشنُّ الغارة على بني الحارث بن كعب وهمدان، وكانت بين أرض بن عقيل وبين مهرة مفازة، وكان يحمل معه الماء إذا أغار، فغزاهم وأخوه عبد الله وابن عم له، فنذروا بهم، فانصرف مخفقًا، فمر بجيران لبني عوف، فأطرد إبلهم، وقتل رجلًا من بني عوف، فطلبوه فقتلوه، وضربوا رجل أخيه فأعرجوه، واستنقذوا الإبل وانصرفوا، وتركوا عند عبد الله سقاء من ماء، فتحامل حتى أتى قومه، فعيَّروه وقالوا: فررت عن أخيك! فقال:
يلوم على القتال بنو عقيل ... وكيف قتال أعرج لا يقوم
стр. 420
ورثته ليلى الأخيلية بمراث جيدة، ومن ذلك:
فإن تكن القتلى بواءً فإنَّكم ... فتىً ما قتلتم آل عوف بن عامر
فتىً كان أحيا من فتاةٍ حييَّةٍ ... وأشجع من ليث بخفقَّان خادر
فتى لا تخطّاء الرِّفاق ولا يرى ... لقدر عيالًا غير جار مجاور
فتىً كان للمولى سناءً ورفعةً ... وللطارق السَّاري قرىً غير باسر
فنعم الفتى إن كان توبة فاجرًا ... وفوق الفتى إن كان ليس بفاجر
وفي "الشعراء": توبة بن مضرس، وهو شاعر إسلامي أيضًا، ومعاصر لتوبة بن الحمير، وينتهي نسبه إلى سعد بن زيد مناة بن تميم، ذكره الآمدي في "المؤتلف والمختلف".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثمانون:
(٨٨) جاء الخلافة أو كانت له قدرًا ... كما أتى ربَّه موسى على قدر
على أن "أو" فيه أيضًا بمعنى الواو، قال أبو حيان، أجيب بأن أو فيه للشك، كأنه قال: نال الخلافة لما رآها لاستحقاقه لها، أو قدرت له من غير إرادة لها ولا طلب، اعتناء من الله تعالى به، على أن الرواية المشهورة: "إذ كانت" وقال المصنف في "شرح بانت سعاد" عند قوله: "أو لو أنّ النُّصح مقبول"
стр. 421
أما البيت الأول فمعناه: لنفسي تقاها إن كنت متقيًا، أو عليها فجورها إن كنت فاجرًا، فأو فيه لأحد الشيئين، وليست بمعنى الواو. وأما البيت الثاني فالذي وقفت عليه في إنشاده في كتب الشعر والأدب "إذ كانت" فلعل الذال تصحفت بالواو، وهو تصحيف قريب. انتهى.
وأنا أقول: عندي نسختان صحيحتان قديمتان من ديوان جرير، وفي كليهما "إذ" لا "أو" ولكن في إحداهما: "جاء الخلافة إذ كانت له قدرًا" وفي الثانية "نال الخلافة إذ كانت له قدرًا" وقال جامع ديوانه وهو محمد بن حبيب: ويروى: "عز الخلافة إذ كانت له قدرًا" وكأن هذه الرواية اشتهرت، وتلك الرواية تركت، ولا تؤثر هذه الرواية طعنًا في ما رواه الجماعة، لأنهم ثقات، والله تعالى أعلم.
والبيت من قصيدة لجرير، مدح بها عمر بن عبد العزيز بن مروان الخليفة الأموي. وروى صاحب "الأغاني" وغيره أن عمر لما استخلف وفد الشعراء إليه، وأقاموا ببابه أيامًا لا يؤذن لهم، فبيناهم كذلك وقد أزمعوا على الرحيل، إذ مر بهم عدي بن أرطاة، فقال له جرير:
يا أيُّها الرَّجل المرخي عمامته ... هذا زمانك إنِّي قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه ... أنِّي لدى الباب كالمصفود في قرن
لا تنس حاجتنا لقيِّت مغفرة ... قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني
فدخل عدي على عمر، فقال: الشعراء ببابك، وسهامهم مسنونة، وأقوالهم نافذة، فقال: ويحك يا عدي! مالي وللشعراء؟ قال: أعز الله أمير المؤمنين،
стр. 422
إن رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم؛ قد امتدح وأعطى، ولك في رسول الله، صلى الله تعالى عليه، أسوة. قال: من بالباب منهم؟ قال: عمر ابن أبي ربيعة، والفرزدق، والأخطل، والأحوص، وجميل. قال: أليس هذا قائل كذا، وهذا قائل كذا؟ وذكر لكل واحد منهم أبياتًا تشعر بعدم ديانته. والله لا يدخل علي أحد منهم! فهل سوى من ذكرت؟ قال: نعم جرير، قال: أما إنه الذي يقول:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام
فإن كان ولابد فهو، فأذن لجرير فدخل وهو يقول:
إنَّ الذي بعث النَّبيَّ محمَّدًا ... جعل الخلافة للإمام العادل
وسع الخلائق عدله ووفاؤه ... حتى أرعوى وأقام ميل المائل
إنِّي لأرجو منك خيرًا عاجلًا ... والنَّفس مولعة بحبِّ العاجل
والله أنزل في الكتاب فريضةً ... لابن السَّبيل وللفقير العائل
فلما مثل بين يديه قال: ويحك يا جرير! اتق الله تعالى ولا تقل إلا حقًا، فأنشأ جرير يقول:
стр. 423
أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت ... أم قد كفاني ما بلِّغت من خبري
كم باليمامة من شعثاء أرملةٍ ... ومن يتيم ضعيف الصَّوت والنَّظر
يدعوك دعوة ملهوف كأنَّ به ... خبلًا من الجنِّ أو مسًّا من البشر
إلى أن قال:
إنّا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر
نال الخلافة إذ كانت له قدرًا ... كما أتى ربَّه موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضَّيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذَّكر
فقال: يا جرير، ما أرى لك فيما ها هنا حقًا! قال: بلى يا أمير المؤمنين، أنا ابن السبيل ومنقطع بي، فأعطاه من صلب ماله مائة درهم، وقال: ويحك يا جرير! لقد ولينا هذا الأمر وما نملك إلا ثلاثمائة درهم، فمائة أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد الله، يا غلام أعطه المائة الباقية. فأخذها وقال: والله إنها لأحب ما اكتسبت إليّ، وإني عنه لراض، وأنشأ يقول:
رأيت رقى الشَّيطان لا تستفزُّه ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا
انتهى ما أورده الأصفهاني. وقوله: إذ مر بهم عدي بن أرطاة، رأيت في ديوانه في موضعين: وقال: لعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
يا أيُّها القارئ المرخي عمامته ... إلى آخر الأبيات الثلاثة
وقوله:
إنَّ الذي بعث النَّبيَّ محمدًا ... إلخ
стр. 424
رأيت في ديوانه بعد هذا البيت:
ولقد نفعت بما منعت تحرُّجًا ... مكس العشور على جسور السَّاحل
قد نال عد لك من أقام بأرضنا ... فإليك حاجة كلِّ وفد راحل
إني لآمل منك خيرًا ... البيت. ... والله أنزل في الكتاب ... البيت.
قال جامع ديوانه: كان أول شيء أظهره عمر بن عبد العزيز، رحمه الله تعالى، منع شتم علي، رضي الله تعالى عنه، وطرح العشور. انتهى. وقوله: المرخي عمامته، كان شعار القراء في ذلك الزمان إرخاء طرف العمامة، والمصفود: المقيد، والقرن بفتحتين: الحبل، والجهد: المشقة، وجهد البلاء: الحالة التي يختار عليها الموت، أو كثرة العيال والفقر، والشعثاء: السيئة الحال، والأرملة: المرأة التي لا زوج لها والمحتاجة، ورجل أرمل: محتاج، والخبل بفتح الخاء المعجمة وسكون الموحدة: المجنون، وكذا المس. والقدر بفتحتين: المقدَّر، وفي "تفسير السمين": القدر ما سبق به القضاء، والكتابة في اللوح المحفوظ، والمقدور: ما يحدث حالًا فحالًا. وقوله: كما أتى، الكاف للتشبيه، وما مصدرية، وموسى: هو ابن عمران النبي، على نبينا وعليه الصلاة والسلام. وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثمانون:
(٨٩) وكان سيَّان أن يسرحوا نعمًا ... أو يسرحوه بها واعبرَّت السُّوح
стр. 425
على أن "أو" فيه بمعنى الواو، لأن سواء وسيّين يطلبان شيئين، فلو جعلت أو لأحد الشيئين لكان المعنى: سيّان أحدهما، وهذا كلام مستحيل، قال أبو علي في كتاب "الشعر": والذي حسن ذلك للشاعر أنه يرى "جالس الحسن أو ابن سيرين" فيستقيم له أن يجالسهما جميعًا، و"كل الخبز أو التمر" فيجوز له أن يجمعهما في الأكل، فلما صارت مجرى الواو في هذه المواضع، استجاز أن يستعملها بعد سي، ولم نعلم ذلك جاء في سواء، وقياسه سيان. انتهى. وأوضحه في كتاب "الحجة" في أول سورة البقرة عند قوله تعالى: (سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) [البقرة/ ٦] التسوية لا تكون إلا بين شيئين فصاعدًا، فإن قلت: فقد قال أبو عمرو: إن الأصمعي أنشد [هم] لرجل من هذيل:
وكان سيَّان أن يسرحوا نعمًا ... أو يسرحوه بها واعبرَّت السوح
فأنشدهموه بأو، وسيان مثل سواء، ألا ترى أنه لا يستقيم: زيد أو عمرو سيان، كذلك لا يستقيم مع سواء، ولا تكون أو بمنزلة الواو، فالقول في ذلك أن هذا على ظاهر الاستحالة، وإنما استجاز هذا الكلام بأو لأنه يراه يقول: جالس الحسن أو ابن سيرين؛ فيجوز له أن يجالسهما ويسمع (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) [الإنسان/ ٢٤] فلا يطيعهما، كما أنه إذا قيل له ذلك بالواو كان كذلك. فلما رآها تجري مجرى "الواو" في نحو هذه المواضع أجراها مجراها مع "سواء" و"سيان" فهذا كلام حقيقته ما ذكرنا، والذي سوغه عند قائله ما وصفنا، وكذلك قول المحدث:
سيَّان كسر رغيفه ... أو كسر عظم من عظامه
انتهى كلامه.
وكتب أبو اليمن الكندي في هامشه: هذا البيت لأبي محمد
следующие страницы →