Полный текст (2 797 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
أما البيت الأول فمعناه: لنفسي تقاها إن كنت متقيًا، أو عليها فجورها إن كنت فاجرًا، فأو فيه لأحد الشيئين، وليست بمعنى الواو. وأما البيت الثاني فالذي وقفت عليه في إنشاده في كتب الشعر والأدب "إذ كانت" فلعل الذال تصحفت بالواو، وهو تصحيف قريب. انتهى.
وأنا أقول: عندي نسختان صحيحتان قديمتان من ديوان جرير، وفي كليهما "إذ" لا "أو" ولكن في إحداهما: "جاء الخلافة إذ كانت له قدرًا" وفي الثانية "نال الخلافة إذ كانت له قدرًا" وقال جامع ديوانه وهو محمد بن حبيب: ويروى: "عز الخلافة إذ كانت له قدرًا" وكأن هذه الرواية اشتهرت، وتلك الرواية تركت، ولا تؤثر هذه الرواية طعنًا في ما رواه الجماعة، لأنهم ثقات، والله تعالى أعلم.
والبيت من قصيدة لجرير، مدح بها عمر بن عبد العزيز بن مروان الخليفة الأموي. وروى صاحب "الأغاني" وغيره أن عمر لما استخلف وفد الشعراء إليه، وأقاموا ببابه أيامًا لا يؤذن لهم، فبيناهم كذلك وقد أزمعوا على الرحيل، إذ مر بهم عدي بن أرطاة، فقال له جرير:
يا أيُّها الرَّجل المرخي عمامته ... هذا زمانك إنِّي قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه ... أنِّي لدى الباب كالمصفود في قرن
لا تنس حاجتنا لقيِّت مغفرة ... قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني
فدخل عدي على عمر، فقال: الشعراء ببابك، وسهامهم مسنونة، وأقوالهم نافذة، فقال: ويحك يا عدي! مالي وللشعراء؟ قال: أعز الله أمير المؤمنين،
стр. 422
إن رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم؛ قد امتدح وأعطى، ولك في رسول الله، صلى الله تعالى عليه، أسوة. قال: من بالباب منهم؟ قال: عمر ابن أبي ربيعة، والفرزدق، والأخطل، والأحوص، وجميل. قال: أليس هذا قائل كذا، وهذا قائل كذا؟ وذكر لكل واحد منهم أبياتًا تشعر بعدم ديانته. والله لا يدخل علي أحد منهم! فهل سوى من ذكرت؟ قال: نعم جرير، قال: أما إنه الذي يقول:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام
فإن كان ولابد فهو، فأذن لجرير فدخل وهو يقول:
إنَّ الذي بعث النَّبيَّ محمَّدًا ... جعل الخلافة للإمام العادل
وسع الخلائق عدله ووفاؤه ... حتى أرعوى وأقام ميل المائل
إنِّي لأرجو منك خيرًا عاجلًا ... والنَّفس مولعة بحبِّ العاجل
والله أنزل في الكتاب فريضةً ... لابن السَّبيل وللفقير العائل
فلما مثل بين يديه قال: ويحك يا جرير! اتق الله تعالى ولا تقل إلا حقًا، فأنشأ جرير يقول:
стр. 423
أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت ... أم قد كفاني ما بلِّغت من خبري
كم باليمامة من شعثاء أرملةٍ ... ومن يتيم ضعيف الصَّوت والنَّظر
يدعوك دعوة ملهوف كأنَّ به ... خبلًا من الجنِّ أو مسًّا من البشر
إلى أن قال:
إنّا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر
نال الخلافة إذ كانت له قدرًا ... كما أتى ربَّه موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضَّيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذَّكر
فقال: يا جرير، ما أرى لك فيما ها هنا حقًا! قال: بلى يا أمير المؤمنين، أنا ابن السبيل ومنقطع بي، فأعطاه من صلب ماله مائة درهم، وقال: ويحك يا جرير! لقد ولينا هذا الأمر وما نملك إلا ثلاثمائة درهم، فمائة أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد الله، يا غلام أعطه المائة الباقية. فأخذها وقال: والله إنها لأحب ما اكتسبت إليّ، وإني عنه لراض، وأنشأ يقول:
رأيت رقى الشَّيطان لا تستفزُّه ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا
انتهى ما أورده الأصفهاني. وقوله: إذ مر بهم عدي بن أرطاة، رأيت في ديوانه في موضعين: وقال: لعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
يا أيُّها القارئ المرخي عمامته ... إلى آخر الأبيات الثلاثة
وقوله:
إنَّ الذي بعث النَّبيَّ محمدًا ... إلخ
стр. 424
رأيت في ديوانه بعد هذا البيت:
ولقد نفعت بما منعت تحرُّجًا ... مكس العشور على جسور السَّاحل
قد نال عد لك من أقام بأرضنا ... فإليك حاجة كلِّ وفد راحل
إني لآمل منك خيرًا ... البيت. ... والله أنزل في الكتاب ... البيت.
قال جامع ديوانه: كان أول شيء أظهره عمر بن عبد العزيز، رحمه الله تعالى، منع شتم علي، رضي الله تعالى عنه، وطرح العشور. انتهى. وقوله: المرخي عمامته، كان شعار القراء في ذلك الزمان إرخاء طرف العمامة، والمصفود: المقيد، والقرن بفتحتين: الحبل، والجهد: المشقة، وجهد البلاء: الحالة التي يختار عليها الموت، أو كثرة العيال والفقر، والشعثاء: السيئة الحال، والأرملة: المرأة التي لا زوج لها والمحتاجة، ورجل أرمل: محتاج، والخبل بفتح الخاء المعجمة وسكون الموحدة: المجنون، وكذا المس. والقدر بفتحتين: المقدَّر، وفي "تفسير السمين": القدر ما سبق به القضاء، والكتابة في اللوح المحفوظ، والمقدور: ما يحدث حالًا فحالًا. وقوله: كما أتى، الكاف للتشبيه، وما مصدرية، وموسى: هو ابن عمران النبي، على نبينا وعليه الصلاة والسلام. وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثمانون:
(٨٩) وكان سيَّان أن يسرحوا نعمًا ... أو يسرحوه بها واعبرَّت السُّوح
стр. 425
على أن "أو" فيه بمعنى الواو، لأن سواء وسيّين يطلبان شيئين، فلو جعلت أو لأحد الشيئين لكان المعنى: سيّان أحدهما، وهذا كلام مستحيل، قال أبو علي في كتاب "الشعر": والذي حسن ذلك للشاعر أنه يرى "جالس الحسن أو ابن سيرين" فيستقيم له أن يجالسهما جميعًا، و"كل الخبز أو التمر" فيجوز له أن يجمعهما في الأكل، فلما صارت مجرى الواو في هذه المواضع، استجاز أن يستعملها بعد سي، ولم نعلم ذلك جاء في سواء، وقياسه سيان. انتهى. وأوضحه في كتاب "الحجة" في أول سورة البقرة عند قوله تعالى: (سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) [البقرة/ ٦] التسوية لا تكون إلا بين شيئين فصاعدًا، فإن قلت: فقد قال أبو عمرو: إن الأصمعي أنشد [هم] لرجل من هذيل:
وكان سيَّان أن يسرحوا نعمًا ... أو يسرحوه بها واعبرَّت السوح
فأنشدهموه بأو، وسيان مثل سواء، ألا ترى أنه لا يستقيم: زيد أو عمرو سيان، كذلك لا يستقيم مع سواء، ولا تكون أو بمنزلة الواو، فالقول في ذلك أن هذا على ظاهر الاستحالة، وإنما استجاز هذا الكلام بأو لأنه يراه يقول: جالس الحسن أو ابن سيرين؛ فيجوز له أن يجالسهما ويسمع (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) [الإنسان/ ٢٤] فلا يطيعهما، كما أنه إذا قيل له ذلك بالواو كان كذلك. فلما رآها تجري مجرى "الواو" في نحو هذه المواضع أجراها مجراها مع "سواء" و"سيان" فهذا كلام حقيقته ما ذكرنا، والذي سوغه عند قائله ما وصفنا، وكذلك قول المحدث:
سيَّان كسر رغيفه ... أو كسر عظم من عظامه
انتهى كلامه.
وكتب أبو اليمن الكندي في هامشه: هذا البيت لأبي محمد
стр. 426
اليزيدي صاحب أبي عمرو ابن العلاء.
وأخذه ابن جني فوضعه في كتاب "الخصائص" وسماه تدريج اللغة، فقال: وذلك، أي: تدريح اللغة أن يشبه شيء شيئًا من موضع، فيمضي حكمه على حكم الأول، ثم يرَّقى منه إلى غيره، فمن ذلك قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين، فلو جالسهما جميعًا، لكان مصيبًا مطيعًا لا مخالفًا، وإن كانت [أو] إنما هي في أصل وضعها لأحد الشيئين، وإنما جاز ذلك في هذا الموضع لا لشيء رجع إلى نفس "أو" بل لقرينة انضمت من جهة المعنى إلى "أو" وذلك لأنه قد عرف أنه إنما رغب في مجالسة الحسن، لما لمجالسة في ذلك من الحظ، وهذه الحال موجودة في مجالسة ابن سيرين أيضًا، فكأنه قال: جالس هذا الضرب من الناس، وعلى ذلك جرى النهي في هذا الطرز من القول في قوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) [الإنسان/ ٢٤] فكأنه – والله تعالى أعلم – قال: لا تطع هذا الضرب من الناس. ثم إنه لما رأى "أو" في هذا الموضع قد جرت مجرى الواو، تدرَّج من ذلك إلى غيره، فأجراها مجرى الواو في موضع عار من هذه القرينة التي سوَّغت استعمال "أو" في معنى الواو، ألا تراه كيف قال:
فكان سيَّان أن لا يسرحوا نعمًا .. البيت
стр. 427
وسواء وسيَّان لا يستعمل إلا بالواو. انتهى.
وسيّان مثنى "سيّ" بالكسر، بمعنى مثل، وأصله سوي، لأنه من السواء والسوية، فقلب وأدغيم عملًا بالقاعدة. وقول المصنف: وإنما قدرنا "كان" شأنية، لئلا يلزم الإخبار عن النكرة بالمعرفة كان ينبغي له أن يترك هذا، ويعلله بقولنا: لئلا يلزم الإخبار بخلاف المقصود فإن المقصود الإخبار عن السرح وعدمه بأنهما سيان في عدم النفع، وليس المراد الإخبار عن سيين بأنهما السرح وعدمه، وأما الإخبار عن النكرة بالمعرفة. فجائز في باب النواسخ كقوله:
يكون مزاجها عسل وماء
وإن كان عند المصنف من قبيل الضرورة، وعند ابن مالك والرضي وغيرهما جائز في النواسخ نظمًا ونثرًا.
قال أبو علي في كتاب "الشعر": إما أن يكون أضمر في "كان" الحديث أو الأمر، فيكون "سيّان" خبر الاسمين اللذين هما: أن لا يسرحوا نعمًا أو يسرحوه، أو يكون جعل "سيّان" المبتدأ، وإن كان نكرة، وأدخل كان على "سيان" والوجه الأول أشبه. انتهى. وكذا قال ابن يسعون في "شرح أبيات الجمل". وفي "المصباح": سرحت الإبل سرحًا – من باب نفع – وسروحًا أيضًا: وعت بنفسها، وسرحتها؛ يتعدى ولا يتعدى، وهو هنا متعد.
والنَّعم: المال الراعي، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: النعم الإبل
стр. 428
خاصة، والأنعام ذوات الخف والظلف، وهي الإبل والبقر والغنم، وقيل: تطلق الأنعام على هذه الثلاثة، فإذا انفردت البقر والغنم لم تسم نعمًا، كذا في "المصباح".
وضمير "بها" قال ابن يسعون: للسنة المجدبة التي دلّت الحال عليها، ويحتمل أن يريد البقعة التي وصفها بالجدب. والباء بمعنى "في" وغبرت: اسودت في عين من يراها، أو كثر فيها الغبار لعدم الأمطار، وروي بدله "وابيضت" والسُّوح: جمع ساحة، وهي فضاء يكون بين دور الحي، والواو للحال و"قد" مقدرة. انتهى.
قال أبو علي في "الحجة": وفي كتاب "الشعر": زعم أبو عمرو أن الأصمعي أنشدهم هذا البيت لرجل من هذيل، وأقول: جميع النحويين رووا هذا البيت كذا، وقد رأيته ملفقًا من بيتين في قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي وهما:
وقال راعيهم سيَّان سيركم ... وأن تقيموا به واغبرَّت السُّوح
وكان مثلين أن لا يسرحوا نعمًا ... حيث استرادت مواشيهم وتسريح
وعلى هذا لا شاهد فيه.
والقصيدة مرثية رثى بها أبو ذؤيب صديقًا له قتل في وقعة، وهذه أبيات من مطلعها:
نام الخليُّ وبتُّ اللَّيل مشتجرا ... كأنَّ عيني فيها الصَّاب مذبوح
لمّا ذكرت أخا العمقى تأوَّبني ... همِّي وأفرد ظهري الأغلب الشِّيح
стр. 429
المانح الأُّدم كالمرو الصِّلاب إذا ... ما حارد الخور واجتث المجاليح
وزفَّت الشَّول من برد العشيِّ كما ... زفتَّ النَّعام إلى حفَّانه الرُّوح
وقال ماشيهم سيَّان سيركم ... . . . . البيتين
واعصوصبت بكرًا من حرجف ولها ... وسط الدِّيار رذيَّات مرازيح
أما ألات الذُّرى منها فعاصبة ... تجول بين مناقيها الأقاديح
لا يكرمون كريمات المخاض وأنـ ... ـساهم عقائلها جوع وترزيح
قوله: نام الخلي ... إلخ. قال السكري في "أشعار هذيل": الخلي الذي لا هم له، والمشتجر الذي قد وضع يده على حنكه أو فمه عند الهم، والصاب: نبت إذا شقَّ يخرج من ورقه كاللبن يحرق العين، ومذبوح: مشقوق، وقوله: لما ذكرت .. إلخ، العمقى، بضم العين المهملة وكسرها، وبالقصر، أرض قتل بها هذا الرجل المرثي. وتأوَّبني: أتاني ليلًا، وأفرد ظهري، أي: كان يمنع ظهري من العدو، والأغلب: الأسد الغليظ الرقبة، ورجل شيخ بالكسر، ومشيح، اسم فاعل من أشاح بالحاء المهملة: إذا كان جلدًا، يقول: خلاَّني
стр. 430
للأعداء. وقوله: المانح الأدم ... إلخ، قال السكري: المانح: هو أن يعطي الأدم كالعارية يشرب لبنها سنة، كالمرؤ في صلابتها، والمرو: الحجارة البيض والخور: الغزار الرقاق، وليست بسمان، وحارد: ذهب ألبانها، وهي من المحاردة، والمجاليح: اللواتي يدررن في القرة والجهد، والواحدة مجالح، بضم الميم وكسر اللام.
وقال الدينوري في كتاب "النبات" وقد أورد هذه الأبيات، من بيت المجاليح إلى آخر ما أوردناه: مما وصف به المحل قول أبي ذؤيب، ومدح رجلًا ببذله ماله فيه، والمحاردة: انقطاع اللبن، والمجاليح: الصُّبر من النوق على الجدب، الباقية الألبان عليه، الواحدة المجالحة، فاحتثت لتدر ولا در بها. وقوله: وزفت الشول ... إلخ، الزفيف: مشي سريع في تقارب الخطو، والشول: التي نقصت ألبانها، وخفت بطونها من أولادها، وأتى على نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية. والحفان، بفتح الحاء المهملة، وتشديد الفاء: صغار النعام والروح: نعت النعام، جمع أروح وروحاء، وصف من الروح – بفتحتين – وهو سعة في الرجلين، والأروح تتباعد صدور قدميه وتتدانى عقباه. يقول: زفت الشول إلى أن تأتي مكانًا تستتر فيه، وإنما خص الشول لقلة صبرها على البرد، لخفة بطونها.
وقوله: وقال راعيهم سيان ... إلخ. روى السكري: "وقال ماشيهم" أيضًا، وقال: يريد: اغبرت ساحات ما حولهم من الجدب، وماشيهم: يريد ماشي الحي، والممشي صاحبها، قال الباهلي: زعموا أن ماشيهم في معنى مشيهم،
стр. 431
أي: صاحب الماشية، يقال: أمشى الرجل، يقول: سواء سيركم إن سرتم، وإن أقمتم، فأنتم في جدب. وروى الدينوري: "وقال رائدهم سيان سيركم".
وقوله: وكان مثلين .. إلخ، هذا على القياس، قال السكري: أراد أن لا يسرحوا أو تسريح، سواء، ومعنى أن لا يسرحوا: أن لا يراعوا، واسترادت مواشيهم، أي: ترود وتطلب المرعى، أي: فهو جدب رعوا أم لم يرعوا. وقوله: واعصوصبت بكرًا ... إلخ، قال الدينوري: اعصوصبت: اجتمعت من البرد يتقي بعضها ببعض. والبكر بفتحتين: جمع بكرة، وهي الناقة الشابة، والحرجف بتقديم المهملة المفتوحة على الجيم: الريح الباردة اليابسة، والرذيلة: الهزيلة الساقطة، وكذلك المرازيح، وهي التي رزحت فلا حركة لها، ولم يقل السكري في هذا البيت شيئًا. وقوله: ألات الذرى، قال السكري: هي ذوات الأسنمة. فعاصبة، أي: قد عصبت واستدارت لا تبرح، والأقاديح: جمع قداح، أي: تجول القداح بين مناقبها، وهو أن يضرب عليها بالقداح. يقول: يختار منقياتها، أي: سمانها للعقر. وقوله: لا يكرمون ... إلخ، قال السكري: يقول: ينحرون كريمات المخاض - وهي الحوامل - فهي أنفس عندهم إذا نحروها، وعقائلها: كرائمها، أي: أنساهم الجوع، والترزيح: وهي الرازح: التي قد قامت من الهزال وسقطت. انتهى. وترجمة أبي ذؤيب تقدمت في الإنشاد الخامس.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التسعون:
(٩٠) إنَّ بها أكتل أو رزاما ... خويربين ينقفان الهاما
стр. 432
على أن الكوفيين ومن تبعهم قالوا: "أو" فيه بمعنى "الواو"، لأن الشاعر أراد: أكتل ورزامًا، فلذلك قال: خويربين، ونصبه على الحال منهما، ولو كانت على بابها، لقال: خويربًا ونصبه على الحال من أحدهما.
وأجاب الخليل على أن "أو" على بابها لأحد الشيئين، "وخويربين" منصوب على الذم لا على الحال من أكتل ورزام، وهذا نص سيبويه: وسألت الخليل، رحمه الله تعالى، عن قوله، وهو لرجل من بني أسد:
إنَّ بها أكتل أو رزاما
فزعم أن خويربين انتصبا على الشتم، ولو كان على "إن" لقال: خويربًا، ولكنه انتصب على الشتم، كما انتصب (حمّالة الحطب) انتهى كلامه.
قال أبو جعفر النحاس في شرح شواهده: يعني أنك إذا قلت: إن زيدًا منطلق أو عمرًا؛ فإنما أوجبت لواحد منهما، فلا يجوز أن تجمعهما في النعت ولا الحال، فقوله: "بها" خبر "إن" انتهى.
وقال الأعلم أيضًا: الشاهد في نصب "خويربين" على الذم، ولا يجوز أن يكون حالًا من "أكتل" ورزام، لأن الخبر عن أحدهما لاعتراض "أو" بينهما، ولو كان حالًا لأفرده، كما تقول: إن في الدار زيدًا أو عمرًا جالسًا، لأنك توجب الجلوس لأحدهما، فلما لم يمكن فيه الحال لما بينا؛ نصب على الذم. انتهى. ولا يتصور أن يكون خويربين نعتًا لهما، لتخالفهما بالتعريف والتنكير، فقول المصنف: لا نعت تابع، سهو قلم.
وأورد المبرد هذين البيتين في "الكامل" وقال: نصب خويربين على
стр. 433
أعني، لا يكون غير ذلك؛ لأنه إنما أثبت أحدهما بقوله: "أو" انتهى.
وأنشد السيرافي الشعر كذا:
ائت الطريق واجتنب أرماما ... إنَّ بها أكتل أو رزاما
لم يدعا لسارح مقاما ... خويربين ينقفان الهاما
أكتل ورزام: لصان كانا يقطعان الطريق بأرمام، ينقفان هام من مرَّ بهما. انتهى.
ورواه أبو القاسم علي بن حمزة البصري اللغوي في كتاب "التنبيهات على أغلاط الرواة" كتبه في أغلاط أبي عمرو الشيباني في "نوادره" كذا:
ائت الطريق واجتنب أرماما ... إنَّ بها أكتل أو رزاما
خويربين ينقفان الهاما ... لم يتركا لمسلم طعاما
ورواه ابن الشجري في "أماليه":
خلِّ الطّريق واجتنب أرماما
والباقي كرواية السيرافي، إلا أنه أخر البيت "لم يدعا" عن بيت "خويربين".
وقوله: ائت الطريق ... إلخ، أي: اسلك أي طريق تريد، فإنه يأمن سالكه، واجتنب طريق أرمام، فإن بها قاطع طريق، ومن روى: "خل الطريق" فالمراد: طريق أرمام. "وأتى" يتعدى كما هنا، ويقال للطريق الذي يسلكه الناس كثيرًا مئتاء، على مفعال، ويأتي لازمًا كقولك: أتى زيد. وأرمام: بفتح الألف، وسكون الراء المهملة بعدها ميمان بينهما ألف، قال الحازمي في
стр. 434
كتاب "المؤتلف والمختلف في أسماء الأماكن": هو جبل في ديار باهلة. وقيل: واد يصب على الثلبوت من ديار بني أسد، وواد بين حاجر وفيد، وكذا قال ياقوت في "معجم البلدان" وزاد عليه: ويوم أرمام من أيام العرب. وأما أبو عبيد البكري فإنه قال في "معجم ما استعجم": أرمام، بكسر الهمزة وبيمين، كأنه مصدر أرم إرمامًا: موضع في ديار طي أو ما يليها، وأنشد له أبياتًا. والمناسب هنا أن يكون الوادي الذي يصب في الثلبوت، فإن قائل الشعر من بني أسد كما قال سيبويه.
وأكتل: أفعل، بفتح الألف وسكون الكاف وفتح المثناة الفوقية بعدها لام، ورزام: بكسر الراء المهملة بعدها زاي معجمة؛ وهما لصان، ولم يصب الليث في قوله: الأكتل من أسماء الشديدة من شدائد الدهر، واشتقاقه من الكتال، وهو سوء العيش وضيقه، وأنشد:
إنَّ بها أكتل أو رزاما ... خويربان ينقفان الهاما
قال: ورزام: اسم للشديدة. قال الأزهري في "التهذيب" بعدما نقلنا: قلت: خلط الليث في تفسير "أكتل ورزام" معًا، وليسا من أسماء الشدائد، إنما هما اسما لصين من لصوص البادية، ألا تراه يقول: هما خويربان، يقال: لص خارب، ويصغر فيقال: خويرب. وروى سلمة عن الفراء أنه أنشده:
إنَّ بها أكتل أو رزاما ... خويربان ينققان الهاما
стр. 435
قال الفراء: "أو" هنا بمعنى واو العطف، أراد: إن بها أكتل ورزاما، وهما خاربان. انتهى. وتصغير خويرب للتعظيم، والخارب: بالخاء المعجمة والراء المهملة، قال الأعلم: والخارب: اللص، ويقال: هو سارق الإبل خاصة، والصحيح أن كل لص خارب، لقوله بعد هذا:
لم يتركا لمسلم طعاما
ولقول آخر:
والخارب اللِّص يحبُّ الخاربا
فجعله شائعًا لكل لص. ومعنى ينقفان الهام: يستخرجان دماغها، وهذا مثل ضربه لعلمهما بالسرقة، واستخراجهما لأخفى الأشياء وأبعدها قرارًا. انتهى كلامه. وتبع في تفسير الخارب أنه مطلق اللص أبا جعفر النحاس، ويأتي تفسير علي بن حمزة البصري للخرابة، وجواب ما استدلا به. وفي "الصحاح": والخارب: اللص، قال الأصمعي: هو سارق البعران خاصة، والجمع الخراب، يقول منه: خرب فلان إبل فلان يخرب خرابة، مثل: كتب كتابة. انتهى.
وفي "كامل" المبرد: وكان أبو الهندي، وهو عبد المؤمن بن عبد القدوس ابن شبث بن ربعي الرياحي من بني رياح بن يربوع، قد غلب عليه الشراب على كرم منصبه وشرف أسرته حتى كاد يبطله. وكان عجيب الجواب، فجلس إليه رجل مرة يعرف ببرزين المناقير، وكان أبوه صلب في خرابة – والخرابة عندهم: سرق الإبل خاصة – فأقبل يعرض لأبي الهندي بالشراب، فلما أكثر عليه قال أبو الهندي: أحدهم يرى القذاة في عين أخيه، ولا يرى الجذع في است أبيه!
стр. 436
وفي الخرابة يقول الراجز:
والخارب اللِّص يحبُّ الخاربا ... وتلك قربى مثل أن تناسبا
أن تشبه الضَّرائب الضَّرائبا
وقال آخر:
ائت الطَّريق واجتنب أرماما ... إنَّ بها أكتل أو رزاما
خويربين ينقفان الهاما
ومرَّ نصر بن سيار الليثي بأبي الهندي وهو يميل سكرًا، فقال: أفسدت شرفك يا أبا الهندي! فقال: لو لم أفسد شرفي لم تكن أنت والي خراسان! انتهى.
وقال العسكري في كتاب "التصحيف" وسمعت ابن دريد يقول: الخرابة سرقة الإبل خاصة، وقد استعير لغير الإبل قال الشاعر:
ألا قتلت مذحج ربَّها ... وكانت خرابتها في مراد
وصحفه الأصمعي، فقال: "خزايتها" بالزاي والياء المثناة التحتية. انتهى. وقال الأزهري في "التهذيب": قال الليث: والخارب اللص، يقال: ما رأينا من فلان خربة وخربًا مذ جاورنا، أي: فسادًا في دينه أو تثينًا، قال: ويقال: الخارب من شدائد الدهر، وأنشد:
إنَّ بها أكتل أو رزاما ... خويربان ينقفان الهام
стр. 437
قال: الأكتل والكتال: هما شدة العيش، والرزام: الهزال. قلت: أكتل ورزام بكسر الراء: اسما رجلين كانا خاربين لصين، وقوله: خويربان، أراد: هما خاربان فصغرهما، وهما أكتل ورزام. والذي قاله الليث في تفسير الخارب، وأكتل، ورزام كلا شيء، وفسر ابن الأعرابي وغيره هذا الرجز على ما بينه. انتهى. والليث يظن رزامًا بضم الراء.
وقد أطنب أبو القاسم علي بن حمزة البصري، وحرر الكلام على الخرابة، فلا بأس بنقل كلامه، قال: وقال أبو عمرو الشيباني: اللص يقال له الخارب، وأنشد:
ولا خارب إن فاته زاد صاحب ... يعضُّ على إبهامه يتفكَّن
أي: يتندم، قال أبو القاسم: هذا غلط، الخارب الذي يسرق الإبل خاصة، قال أبو زياد: الخارب: الذي يسرق الإبل، ولا نسميه لصًا، هو عندنا أجل من اللص، وقال أبو العباس ثعلب، في قول العجاج:
خرابةً ولم تكن مهورًا
الخرابة: سرقة الإبل خاصة؛ وكذلك قال أبو نصر في قول ذي الرمة:
فجاءت كذود الخاربين يسلُّها
стр. 438
وقال أبو زياد أيضًا: الخارب: الذي يأخذ النعم من الشام، فيستاقها، ثم يبيعها باليمن، ويأخذها من اليمن، فيبيعها بالشام، وهو الطراد، لا ندعوه لصًا، هو أرفع عندنا من اللص، واللص عندنا: السارق الذي يسرق من البيت، والطريق، ومتاع الناس.
وهذا الذي قاله أبو زياد غير صحيح، لأن أبا رياش قال: الخارب: الذي يسرق الإبل، واللص لا يقال له خارب، وهذا هو القول الصحيح لا قول أبي عمرو، وأبي زياد، لأن الراجز يقول:
والخارب اللصُّ يحبُّ الخاربا ... وتلك قربى مثل أن تناسبا
أن تشبه الضرائب الضرائبا
فأما قول الآخر:
ائت الطريق واجتنب أرماما ... إنّ بها أكتل أو رزاما
خويربين ينقفان الهاما ... لم يتركا لمسلم طعاما
فإنما وصفهما مع سرقتهما الإبل بالنهم، لأنهما يسرقان طعام الناس، والعرب تعد أكل مخ الرأس من النهم، ولذلك يقول شاعرهم:
ولا يسرق الكلب السَّروق نعالنا ... ولا ينتقي المخَّ الَّذي في الجماجم
ومما يدلك على صحة قول شيخنا أبي رياش، وفساد قول الشيخين، ﵏، قول قسام بن رواحة السنبسي:
стр. 439
لبئس نصيب القوم من أخويهم ... طراد الحواشي واستراق الَّنواضح
وقول أبي محمد الحذلمي:
يمنعها من شرِّ خرَّاب وسل ... وطائف الحوَّاض أو من مهتبل
مخافة البيض وأطراف الأسل
وقال ابن الأعرابي: السل: السرقة، يقال: في فلان سلة، أي: سرقة، ومن أمثالهم: "الخلة تورث السلة" قال: والخراب: الذين يسرقون الإبل خاصة انتهى. كلامه
وقد ذكره ياقوت في "معجم الأدباء" وأثنى عليه قال: علي بن حمزة البصري اللغوي أوحد الأئمة الأعلام في الأدب وأعيان أهل اللغة الفضلاء المعروفين.
له ردود على جماعة من أئمة اللغة، وله الرد على ابن ولاد في "المقصور والممدود" والرد على الجاحظ في "الحيوان"، والرد على "فصيح ثعلب" وعلى "الجمهرة" وعلى كتاب "النبات" للدينوري، وعلى ابن السكيت وغير ذلك، وعنده نزل المتنبي لما ورد بغداد، مات سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى. انتهى.
وله أيضًا الرد على "كامل" المبرد والرد، على كتاب "المجاز" لأبي عبيدة، والذي عندي له أغلاط أبي زياد الكلابي في "نوادره" وأغلاط أبي عمرو الشيباني في "نوادره" وأغلاط أبي حنيفة الدينوري في كتاب "النبات" وأغلاط "الغريب المصنف" لأبي عبيد، وأغلاط "إصلاح المنطق" وأرجو من الله تعالى أن يطلعني على بقية تصانيفه.
وينقفان، بضم القاف؛ لأنه من باب نصر، قال في "القاموس": النقف: كسر الهامة عن الدماغ، أو ضربها أشد الضرب برمح أو عصًا. انتهى.
стр. 440
والهامة: الرأس، والجمع هام.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والتسعون:
(٩١) قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد
فحسَّبوه فألفوه كما ذكرت ... تسعًا وتسعين لم تنقص ولم تزد
على أن الكوفيين قالوا: أو فيه بمعنى الواو، ويقويه أنه روي: "ونصفه" قال أبو حيان في "شرح التسهيل": وأما قول النابغة فـ"أو" فيه للشك، والتقدير: أو هذا الحمام ونصفه، فحذف المعطوف عليه وحرف العطف، وهو الواو، ولا يبعد شك النابغة فيما قالت فتاة الحي، ولا يقدح في هذا التأويل رواية من رواه بالواو، لاحتمال أن يكون شاكًا، إلا أنه أخبر بما غلب على ظنه في هذه الرواية، وصرح بشكه في الرواية الأخرى. انتهى.
وفي هذا الجواب نظر، فإنها لم تتمن أحدهما وإنما تمنت الحمام الطائر، مع مثل نصفه، وبه تتم العدة تسعًا وتسعين، فكيف يشك النابغة مع تصريحه بالعدة! وقد أخذ أبو حيان هذا الجواب من كتاب "الانتصاف في مسائل الخلاف" لابن الأنباري.
والبيت من قصيدة للنابغة الذبياني، خاطب بها النعمان بن المنذر، وعاتبه بها، واعتذر إليه مما اتهم به عنده، وتقدم شرح أبيات من أواخرها، وذكر سببها مع ترجمته في الإنشاد الثالث والعشرين. وقبله:
стр. 441
فاحكم كحكم فتاة الحيِّ إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثَّمد
يحفُّه جانبا نيق وتتبعه ... مثل الزُّجاجة لم تكحل من الرَّمد
قالت ألا ليتما ... . . . . . . إلى آخر البيتين
فكَّملت مائةً فيها حمامتها ... وأسرعت حسبةً في ذلك العدد
قوله: فاحكم كحكم فتاة الحي، أي: كن حكيمًا كهذه الفتاة أي: أصب في أمري كإصابتها في حدسها بالنظر الصحيح، ولا تسمع كلام مفترٍ، وسعاية واشٍ في حقي. وهو من الحكم الذي يراد به الحكمة لا القضاء، وكلاهما من باب نصر. وأراد بفتاة الحي: زرقاء اليمامة، واليمامة اسمها، وسميت البلدة باسمها، وقيل: اسمها عنز، وفي الأمثال: "أبصر من زرقاء اليمامة" قال الزمخشري: هي من بنات لقمان بن عاد، ملكة اليمامة، وهي إحدى الزرق الثلاث أعينها، والزباء والبسوس، وكانت جديسية، وحين قتلت جديس طسمًا استجاس قبيلة طسم حسان بن تبع، فلما صاروا من جر - وهي اليمامة على - مسيرة ثلاث ليال، صعدت الأطم، فنظرت إليهم، وقد استتر كل بشجرة تلبيسًا عليها، فارتجزت بقولها:
أقسم بالله لقد دبَّ الشَّجر ... أو حمير قد أخذت شيئًا تجر
فكذبها قومها، فما تأهبوا حتى صبحهم الجيش، ولما ظفر حسان بها قال: ما كان طعامك؟ قالت: درمكة في كل يوم بمخ، قال: فبم كنت تكتحلين؟ قالت: بالإثمد، وشق عينها فرأى عروقًا سودًا من الإثمد، وهي أول من اكتحل بالإثمد من العرب، انتهى المقصود منه.
стр. 442
والحمام قال ابن قتيبة في "أدب الكاتب": يذهب الناس إلى أنها الدواجن التي تستفرخ في البيوت، وذلك غلط، إنما الحمام ذوات الأطواق وما أشبهها مثل الفواخت والقماري والقطا، قال ذلك الأصمعي، ووافقه عليه الكسائي، قال حميد بن ثور:
وما هاج هذا الشَّوق إلاَّ حمامة ... دعت ساق حرّ ترحة وترنّما
فالحمامة هنا القمّرية، وقال النابغة:
واحكم كحكم فتاة الحيّ ... .. البيت.
قال الأصمعي: هذه زرقاء اليمامة نظرت إلى قطًا قال: وأما الدواجن في البيوت، فإنها وما شاكلها من طير الصحراء اليمام. انتهى.
قال ابن السيد في شرحه: ليس في بيت النابغة من الدليل على أنه أراد بالحمام القطا، مثل ما في بيت حميد من الدليل على أنه أراد بالحمامة القمرية، وإنما علم ذلك بالخبر المروي عن زرقاء اليمامة أنها نظرت إلى قطا، فقالت:
يا ليت ذا القطا لنا ... ومثل نصفه معه
إلى قطاة أهلنا ... إذن لنا قطًا ميه
وقد روي أنها قالت:
ليت الحمام ليه ... إني حمامتيه
ونصفه قديه ... تمَّ الحمام ميه
стр. 443
ثم قال: وكان الأصمعي يروي "شراع" بالشين المكسورة معجمة، يريد: التي شرعت في الماء، وروى غيره: "سراع" بالسين غير معجمة، وهما جمع شارعة وسريعة، والرواية الثانية أجود للتأسيس، ولما كان الحمام اسم جنس، يفرق بينه وبين واحده بالتاء، جاز أن يعتبر جمعًا ومفردًا، كما هنا، فباعتبار الجمعية قال: سراع، وباعتبار الإفراد قال: وارد، والورود: الوصول إلى الماء، سواء دخل فيه أم لا، والثمد، بفتحتين: الماء القليل.
وهذا البيت من شواهد سيبويه، قال الأعلم: الشاهد فيه إضافة وارد إلى الثمد على نية التنوين والنصب، ولذلك نعت به النكرة مع إضافته إلى المعرفة، إذ كانت إضافته غير محضة انتهى.
وقوله: يحفُّه جانبًا نيق ... إلخ، حفه: أحاط به، و"الهاء" ضمير الحمام، وجانبا: مثنى جانب مضاف إلى النيق، بكسر النون، قال ابن قتيبة في "أبيات المعاني": النيق: الجبل، يقول: كان الحمام في موضع ضيق قد ركب بعضه بعضًا، فهو أشدّ لعدّه، وقوله: وتتبعه، المستتر ضمير الفتاة، والهاء للحمام، ومثل: مفعوله، صفة لموصوف مقدر، قال ابن قتيبة: أي: تتبعه عينًا مثل الزجاجة، لم تكحل تلك الفتاة من الرمد، أي: لم يكن بها رمد فتكحل منه، مثل قول الآخر:
стр. 444
على لاحب لا يهتدي لمناره
وقوله: قالت ألا ليتما هذا الحمام .. هذا البيت من شواهد سيبويه، على أن ليت إذا اتصل بها "ما" جاز إعمالها وإلغاؤها. ويجيء الكلام عليه - إن شاء الله تعالى - في بحث "ليت" وفي بحث "ما". و"لنا" خبر ليت، و"إلى حمامتنا" في موضع الحال من ضمير الظرف. وقوله: أو نصفه، يجوز فيه الرفع مع نصب الحمام، قال المصنف في "شرح أبيات ابن الناظم": وذلك بالعطف على الضمير المستتر في "لنا" لوجود الفصل، و"قد" بمعنى حسب: مبتدأ خبره محذوف، أي: فقدي ذلك، قاله المصنف. قال ابن الملا: وفيه إشارة إلى أن "فقدي" بياء المتكلم، كما هو في قول الزرقاء، إلا أن الفاء دخلت تحسينًا للفظ وإرشادًا إلى أن ضميري حمامتنا ولنا، ليسا للمتكلم مع الغير، بل أريد بهما ما أريد بضميري قولها: ليه، وحمامتيه.
وأما رسم "فقد" بدون ياء المتكلم، فكرسم قوله تعالى: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) [البقرة/ ١٨٦] وقد روي مرسومًا فقدي. واستشهد به ابن الجشري في "أماليه" على جواز ترك نون الوقاية مع قدي وإن كان الأكثر قدني.
وقوله: فحسبوه بتشديد السين: بمعنى حسبوه بالتخفيف، أي: عدوه والهاء في الموضعين ضمير الحمام، وألفوه: وجدوه. قال ابن قتيبة: نظرت هذه
стр. 445
المرأة إلى حمام مرَّ بها بين جبلين، وكان ستًا وستين، فقالت: ليت لي هذا الحمام ونصفه، وهو ثلاث وثلاثون، إلى حمامتي، فيتم لي مائة، فنظروا فإذا هو كما قالت.
قال حمزة الأصفهاني في "أمثاله" التي على أفعل التفضيل: قال بعض أصحاب المعاني: إن النابغة لما أراد مدح هذه الحكيمة الحاسبة بسرعة إصابتها شدَّد الأمر وضيقه، ليكون أحسن له إذا أضاقه، فجعله حرز طير، إذ كان الطير أخف ما يتحرك، ثم جعله حمامًا، إذ كان الحمام أسرع الطير، ثم كثَّر العدد إذ كانت المسابقة والمنافسة، ثم ذكر أنها صارت بين نيقين، لأن الحمام إذا كان في مضيق من الهواء كان أسرع طيرانًا منه إذا اتسع عليه الفضاء، ثم جعلها واردة للماء، لأن الحمام إذا وردت الماء أعانها الحرص للماء على سرعة الطيران. انتهى. قال الدماميني بعد ذكر هذا: قلت: وكون الماء قليلًا مما يقتضي شدة الازدحام عليه، وكونه لا ماد له أشد في الحرص على النيل منه. انتهى.
وقد بسطنا الكلام على هذا الشاهد بأكثر مما هنا في الشاهد الخامس والأربعين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والتسعون:
(٩٢) قوم إذا سمعوا الصَّريخ رأيتهم ... ما بين ملجم مهره أو سافع
على أن "أو" فيه بمعنى الواو، لأن "بين" تقتضي الإضافة إلى متعدد، فلو أبقيت "أو" على كونها لأحد الشيئين لزم إضافة "بين" إلى شيء لا تعدد فيه، وهو محال.
كذا استشهد به ابن مالك في شرخ "التسهيل" وفي شرح "الكافية"
стр. 446
قال الدماميني: ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون المراد: بين فريق ملجم مهره، أو فريق سافع، وكل واحد من الفريقين ذو تعدد، فهو كقولك: جلست بين العلماء أو الزهاد "فأو" لأحد الأمرين، ولا إشكال؟ انتهى كلامه. فتكون "أو" فيه للتفصيل، واعترض عليه ابن الملا بأن معناه ينحط عما كان يستفاد منه على تقدير أن "أو" بمعنى الواو، لأن الغرض وصفهم بسرعة إجابة مسصرخهم رجاء نصرة، فهم بين هاتين الحالتين المشعرتين بتمام المبادرة لانتهاز الفرصة، مع ما يلوِّح إلى ما لهم من كمال الفروسية، وقوة الشجاعة، حيث لم تتوقف إجابتهم الصارخ على أن يكونوا على تمام الأهبة، ولا يفي بهذا الغرض إلا أن يقال: رأيتهم بين كذا وكذا، دون أن يقال: رأيتهم بين فريق كذا أو فريق كذا. هذا كلامه.
ولا أرى فرقًا كما زعم؛ لأن المعنى رأيتهم إما بين فريق ملجم مهره، وإما بين فريق سافع مهره، والمبادرة المذكورة مفهومة أيضًا. والصريخ: صوت المستصرخ والصارخ أيضًا، والمناسب هنا الأول، لأن السماع يتعلق بالأصوات.
ووقع في "الكشاف":
قوم إذا نقع الصَّريخ رأيتهم
قال الطيبي: النقيع الصراخ، ونقع الصوت واستنقع، أي: ارتفع،
стр. 447
أي: إذا صوَّت المصوت، ويروى: "إذا فزعوا الصريخ" والفزع: النصرة، والصريخ: الصارخ المستغيث. يصف القوم بأنهم يغيثون المستغيث بسرعة وينصرونه، وبعضهم يلجمون الخيل، وبعضهم يأخذون ناصية الخيل ولا يلجمون. انتهى كلامه.
و"ما" زائدة، ووقع موضعها "من". قال الدماميني: هي إما زائدة على رأي الأخفش والكوفيين، أي: رايتهم بين هذين القسمين لا يخرجون عنهما، وإما للابتداء متعلقة بفعل الرؤية، أي: إن رؤيتك إياهم ابتدأت من بين هذين القسمين، والملجم: اسم فاعل من ألجم فرسه، أي: أدخل اللجام في فمه، وإضافة ملجم لفظية أفادت التخفيف. والمهر بالضم: ولد الخيل، والأنثى مهرة، ويجوز هنا أن يكون مذكرًا مضافًا إلى ضمير الغيبة راجع إلى موصوف ملجم، أي: رجل ملجم مهره، أو فريق ملجم مهره، ويجوز أن يكون مهرة، بالتأنيث. والسافع: الممسك برأس فرسه ليركبه بسرعة من غير لجام، ومعموله محذوف، أي: بناصية فرسه. قال صاحب "الصحاح": صفعت بناصيته، أي: أخذت، قال الشاعر:
من بين ملجم مهره أو سافع
ومنه قوله تعالى: (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ) [العلق/ ١٥] انتهى. ورجعت إلى "أمالي ابن بري" عليه، فوجدته قال: صدره:
قوم إذا سمعوا الصَّريخ رأيتهم
ولم يتعرض لقائله، وإنما قال: والبيت الذي بعده لحميد بن ثور الهلالي الصحابي. وكأن العيني وقعت عينه عليه، فظن أن البيت الشاهد لحميد بن ثور فنسبه إليه، ولقده السيوطي، وتبعه ابن الملا وغيره، واستشهد به صاحب "الكشاف" وغيره عند تفسير تلك الآية، فقال شارح أبياته: البيت نسبه
стр. 448
أرباب الحواشي لعمرو بن معدي كرب، ونسبه العيني والسيوطي إلى حميد بن ثور، والصاغاني، رحمه الله تعالى، قد التزم في "العباب" بذكر قائل الأبيات، وتكميل ما اختصره الجوهري، فرجعت إلى "العباب" فوجدته قد أورد البيت كاملًا، ولم يذكر اسم قائله، فرجعت إلى "تهذيب اللغة" للأزهري، فوجدته "كالعباب" وأنشد ابن فارس عجزه في "مجمل اللغة" ثم فتشت الحماسات، فلم أجده فيها، ثم رجعت إلى ديوان عمرو بن معدي كرب، وديوان حميد بن ثور، فلم أجده فيهما.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والتسعون:
(٩٣)
ماذا ترى في عيال قد برمت بهم ... لم أحص عدَّتهم إلاَّ بعدَّاد
كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية ... لولا رجاؤك قد قتَّلت أولادي
على أن "أو" فيه بمعنى "بل" للإضراب الانتقالي، وقيل: للشك، كأن كثرتهم أوجبت الشك في عدتهم، ومن ثم احتاج في عدتهم إلى عداد، وقال الكوفيون: "أو" هنا بمعنى الواو.
والبيتان آخر قصيدة لجرير، أوردهما بعد المديح من غير مناسبة، مدح بها معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، ذكر فيها هروب عباد الجحافي الخارجي باليمن إلى أن قتله يوسف بن عمر الثقفي، قال بعد أن ذكر منازل الحبيبة على وجه الاقتضاب:
الله دمَّر عبَّادًا وشيعته ... عادات ربِّك في أمثال عبَّاد
قد كان قال أمير المؤمنين لهم ... ما يعلم الله من صدق وإجهاد
стр. 449
من يهده الله يهتد لا مضلَّ له ... ومن أضلَّ فما يهديه من هاد
لقد تبَّين إذ غبَّت أمورهم ... قوم الجحافيّ أمرا غبُّه باد
لاقوا بعوث أمير المؤمنين لهم ... كالرِّيح إذ بعثت نحسًا على عاد
فيهم ملائكة الرحمن مالهم ... سوى التوكُّل والتسبيح من زاد
أنصار حقٍّ على بلق مسوَّمة ... إمداد ربِّك كانوا خير إمداد
إلى أن قال مخاطبًا للممدوح:
إنّ العدوَّ إذا راموا قناتكم ... يلقون منها صميمًا غير مناد
إنّ الكرام إذا عدُّوا مساعيكم ... قدمًا فضلت بآباء وأجداد
بالأعظمين إذا ما خاطروا خطرًا ... والمطعمين إذا هبَّت بصرَّاد
ما البحر مغلولبًا تسموغوا ربه ... يعلو السَّفين بآذيٍّ وإزباد
يومًا بأوسع سيبًا من سجالكم ... عند العناة وعند المعتفي الجادي
إلى معاوية المنصور إنَّ له ... دينًا وثيقًا وقلبًا غير حيَّاد
من آل مروان ما ارتدَّت بصائرهم ... من خوف قوم ولا همُّوا بإلحاد
حتّى أتتك ملوك الرُّوم صاغرةً ... مقرَّنين بأغلال وأصفاد
يوم أذلَّ رقاب الرُّوم وقعته ... بشرى لمن كان في غور وأنجاد
يا ربما ارتادكم ركب لرغبتهم ... فأحمدوا الغيث وانقادوا لروَّاد
سيروا فإنَّ المؤمنين لكم ... غيث مغيث بنبت غير مجحاد
ماذا ترى في عيال قد برمت بهم .. ... إلى آخر البيتين
стр. 450
ومعاوية بن هشام كان جوادًا ممدحًا ولي غزو الصائفة في زمن أبيه غير مرة، وكان البطال على طلائعه، وقد افتتح عدة حصون، ومات في سنة تسع عشرة ومائة، وهو والد عبد الرحمن بن معاوية الداخل إلى الأندلس عند غلبة بني العباس على الخلافة. كذا في "تاريخ الذهبي".
والصائفة غزوة الروم، لأنهم يغزون صيفًا لمكان البرد والثلج. وقوله: إن العدو إذا راموا، العدو: يكون مفردًا ويكون جمعًا كما هنا، بدليل رجوع ضمير الجمع إليه، والمنآد: المعوج، وزنه منفعل من الأود، مصدر أود كفرح: إذا اعوج، وقوله: إذا هبت بصراد، أي: هبت الريح، فأضمر لدلالة هبت عليه، وصراد جمع صارد من صرد من باب فرح: إذا وجد البرد سريعًا، وهذا كناية عن الجدب والقحط في الشتاء، والغوارب جمع غارب: وهو أعالي الموج، والسفين جمع سفينة، والآذي: الموج، والإزباد، مصدر أزبد البحر، والسيب: العطاء والعرف. والسجال: جمع سجل، بفتح السين وسكون الجيم: الدلو العظيمة، والعناة: جمع عان، كقضاة جمع قاض، وهو الأسير والذليل، والمعتفي والعافي: طالب الإحسان، والجادي والمجتدي: طالب الجدوى، أي: العطية والنفع، وحياد: من حاد يحيد، يريد أنه شجاع لا يحيد عن العدو. والإلحاد: ما لا يعرف في الدين، وأصله أن يعوج عن الإسلام، والأصفاد: القيود، جمع صفد بفتحتين، وأنجاد: جمع نجد، وهو المكان المرتفع، وضده الغور. وقوله: وانقادوا لرواد: أراد: انقاد الناس خلف الرواد إليكم. ومجحاد: بكسر الميم وسكون الجيم بعدها حاء مهملة: قليل الخير. وقوله: ماذا ترى، هو من الرأي في الأمر، يتعدى إلى واحد، والعيال: جمع عيل – كسيد – وهم الأتباع الذين تلزم نفقتهم، وبرمت: ضجرت وسئمت، من باب فرح، وجملة "قد برمت بهم" في موضع الصفة لعيال، وكذا جملة "لم أحص عدتهم ... إلخ"
стр. 451
وقيل: هي حال من فاعل برمت، أو من ضمير بهم، والاستثناء مفرغ، وقيل: هذه الجملة مستأنفة لبيان وجه الضجر من حيث إن فيها إشارة إلى كثرتهم جدًا، بحيث لا يحص عدتهم بنفسه ولا بعاد، بل بعداد، وكذا جملتا "كانوا" و"لولا رجاؤك" مستأنفتان، والتضعيف في قتلت للتكثير في المفعول، ويلزمه التكثير في الفعل. وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والتسعون:
(٩٤) كما النَّاس مجروم عليه وجارم
وصدره:
وتنصر مولانا ونعلم أنَّه
على أن الواو فيه للتقسيم، واستعمالها في التقسيم أجود من غيرها، وسيأتي أيضًا في بحث "ما" وفي بحث "الكاف" وفي بحث "الواو".
والبيت من قصيدة لعمرو بن براقة الهمداني، أوردها القالي في "أماليه" ومحمد بن المبارك في "منتهى الطلب من أشعار العرب" والأعلم في "حماسته". قال القالي: حدثنا أبو بكر قال: حدثنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد، عن ابن الكلبي قال: أغار رجل من مراد، يقال له "حريم" على إبل عمرو بن براقة الهمداني وخيل له، فذهب بها، فأغار عمرو فاستاق كل شيء لحريم،
стр. 452
فأتى حريم بعد ذلك يطلب إلى عمرو أن يرد عليه بعض ما أخذ منه، فامتنع وقال هذه القصيدة، ومنها:
كذبتم وبيت الله لا تأخذونها ... مراغمة ما دام للسَّيف قائم
أفاليوم أدعى للهوادة بعدما ... أجيل على الحيَّ المذاكي الصَّلادم
فإنَّ حريمًا إذ رجى أن أردَّها ... ويذهب ما لي يا ابنة القيل حالم
متى تجمع القلب الذَّكيَّ وصارمًا ... وأنفًا حميًا تجتنبك المظالم
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يال همدان ظالم
فلا صلح حتَّى تقدع الخيل بالقنا ... وتضرب بالبيض الرِّقاق الجماجم
إلى أن قال: وهو آخر القصيدة:
إذا جرَّ مولانا علينا جريرةً ... صبرنا لها إنَّا كرام دعائم
وننصر مولانا ... البيت
والمراغمة: المغاضبة، مصدر راغم فلان قومه: إذا نابذهم وخرج عنهم، وقائم السيف: مقبضه، والهمزة للاستفهام الإنكاري، واليوم: متعلق بأدعى، بالبناء للمفعول، والهوادة، بالفتح: الصلح والميل، والمهاودة: المصالحة، والمذاكي جمع مذكي، بتشديد الكاف المكسورة: وهي الخيل التي أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان، والقروح: مصدر قرح ذو الحافر، إذا انتهت أسنانه، وإنما ينتهي في خمس سنين. والصلادم: جمع صلدم بكسر الأول والثالث: الصلب الشديد من الخيل. وحريم: ضبطه أبو عبيد البكري في "شرح أمالي القالي" بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين، وهو حريم بن مالك بن رألان الهمداني، قال: ومن
стр. 453
ضبطه على غير هذا، فقد صحفه. والقيل بالفتح: من له قول يسمع بعد الملك. ويال همدان، أصله: يا آل همدان، فحذف الهمزة الممدودة لضرورة الشعر. ونقدع بالبناء للمفعول والدال مهملة: من تقادعوا بالرماح؛ أي: تطاعنوا، وجر عليهم جريرة، أي: جنى جناية، والمولى: ابن العم والناصر، والجار، والحليف.
وقوله: كما الناس ... إلخ، روي بجر الناس على أن "ما" زائدة، وروي برفعه، فتكون "ما" كافة أو مصدرية، ومجروم عليه على الوجهين: خبر مبتدأ محذوف، أي: بعضه مجروم عليه، وبعضه جارم، وهما من الجرم وهو الذنب، وفعله "جرم" من باب: نصر وأجرم أيضًا، ويأتي الكلام عليه - إن شاء الله تعالى - في بحث "الكاف" و"ما".
وعمرو بن براقة: شاعر مخضرم، قال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": عمرو بن برّاقة الهمداني، ثم النهمي، وبراقة أمه فيما أحسب، وهو عمرو بن منبه بن شهر بن نهم، وينتهي نسبه إلى همدان: شجاع فاتك. انتهى.
وقال أبو عبيد البكري فيما كتبه على "أمالي القالي": هو شاعر جاهلي إسلامي، وكذلك حريم بن مالك بن رألان الهمداني وبراقة: بتشديد الراء وبالقاف، ومنبه: على وزن اسم الفاعل من التنبيه، وشهر: على لفظ أحد الشهور، ونهم: بفتح النون وسكون الهاء، وهمدان، بفتح الهاء وسكون الميم: قبيلة من قبائل اليمن.
وأما ابن براق - بلا هاء -، لهو ثماليّ، وكان حليفًا في هذيل، وكان ممن يغزو راجلًا، ويفوت الخيل إذا طلبته.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والتسعون:
(٩٥) فقالوا لنا ثنتان لابدَّ منهما ... صدور رماح أشرعت أو سلاسل
على أن "أو" فيه للتقسيم.
стр. 454
وشرحه ابن جني في "إعراب الحماسة" فقال: لك في "منهما" وجهان: إن شئت كان على حذف المضاف، أي: لابد من أحدهما، ألا تراه قال: أو سلاسل. "أو" إنما توجب أحد الشيئين. وإن شئت كان على ظاهره لابد منها جميعًا، فصدور الرماح لمن يقتل، والسلاسل لمن يؤسر، أي: يكون بعضنا كذا، وبعضنا كذا، فإن قيل: فهذا يوجب صدور رماح وسلاسل؛ قيل: لما جعلهم صنفين مقتولًا ومأسورًا، كان لكل واحد منهما هذا أو هذا، فمن هنا دخله معنى "أو" فهو إذن كلام محمول على معناه. انتهى.
والبيت من أبيات ستة لجعفر بن علبة الحارثي، أوردها أبو تمام في أول "الحماسة" وهي
الهفي بقرَّى سحبل حين أحلبت ... علينا الولايا والعدوُّ المباسل
فقالوا لنا ثنتان لابدَّ منهما ... صدور رماح أشرعت أو سلاسل
فقلنا لهم تلكم إذن بعد كرَّة ... تغادر صرعى نوؤها متخاذل
ولم ندر إن جضنا من الموت جيضةً ... كم العمر باق والمدى متطاول
إذا ما ابتدرنا مأزقًا فرَّجت لنا ... بأيماننا بيض جلتها الصَّياقل
لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبل ... ولي منه ما ضمَّت عليه الأنامل
قوله: ألهفي؛ قال أمين الدين أبو علي الطبرسي في شرح "الحماسة": يجوز أن يكون منادى مفردًا، والألف زيدت للندبة لامتداد الصوت، ليكون أدل على التحسر، ويجوز أن يكون مضافًا، كأنه فرّ عن الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة، فانقلبت
стр. 455
ألفًا كقولهم: يا غلامًا أقبل، واللهف: الأسف على الشيء بعد الإشراف عليه. انتهى.
وفي الشق الأول نظر، فإن المندوب لا يندب بألف النداء وإنما يندب مع "يا" أو "وا" لا غير.
وقال المرزوقي والتبريزي: يحتمل أن يكون مفردًا أو مضافًا، قلبت ياؤه ألفًا انتهى. يريد في الوجه الأول أنه منادى منون لكونه شبيهًا بالمضاف لتعلق الظرف به.
واقتصر ابن جني في "إعراب الحماسة" على الوجه الثاني وقال: لك، في "الباء" و"حين" أوجه من القياس: يجوز أن تعلقهما جميعًا بنفس لهفي، فلا يكون حينئذ في واحد منهما ضمير، لتعلقهما بنفس الظاهر حتى كأنه قال: أتلهف في هذا الموضع في هذا الوقت.
ويجوز أن تجعل الباء حالًا من لهفي، فإذا جعلت ذلك كذلك، علقت حين بنفس قوله: "بقرى" وذلك أن الظرف وحرف الجر إذا جرى واحد منهما صلة أو صفة أو حالًا أو خبرًا تعلق بالمحذوف وضمن الضمير، فجاز حينئذ أن يتعلق به الحال، وكل واحد من الظرفين. ويجوز أن تجعل "حين" حالًا أخرى من لهفي، فتضمنه حينئذ الضمير لتعلق بالمحذوف، فيكون للهفي حالان، كما يكون للمبتدأ خبران، ولا يجوز أن تجعل "حين" من صلة لهفى، وقد جعلت بقرَّى حالًا منه، وذلك أن الحال إذا جرت على صاحبها آذنت بتمامه وانقضائه، فلا يجوز من بعد أن تعلق به شيئًا، لأن في ذلك انتكاثًا وتراجعًا عما حكمت به من التمام، ويدل على أن الحال إذا جرت على صاحبها آذنت بتمامه؛ أن فيها شبهين يتجاذبانها، وهما الخبر والصفة، وكل واحد منهما إذا جرى على صاحبه لم يكن ذاك إلا عن وفائه وتناهي أجزائه، وهذا واضح.
ويجوز أيضًا إذا جعلت بقرى حالًا من لهفى أن تجعل حين حالًا من الضمير
стр. 456
في بقرى، وذلك أن ضمير الشيء هو الشيء في المعنى، وكما جاز أن يجري "حين" حالًا من نفس لهفى، كذلك يجوز أيضًا أن يجري "حين" حالًا من ضميره. ولا يجوز أن تجعل بقرى ولا "حين" صفة للهفى من حيث كان الظرف نكرة ولهفى معرفة، ولا يجوز أيضًا أن يكون حين حالًا من نفس قرى على قولك: زيد في الدار مجددة؛ لأن "قرى" جثة "وحين" ظرف زمان، فكما لا يجوز لظروف الزمان أن تكون أخبارًا عن الجثث، كذلك لا يجوز أن تكون صلات لها، ولا صفات، ولا أحوالًا، ويجوز أن تجعل بقرى حالًا من الألف في لهفى، وذلك أنها ياء ضمير المتكلم، فإنما أراد: يا لهفي، فأبدل الياء ألفًا تخفيفًا، كقولك: يا غلاما، وأنت تريد يا غلامي، فيكون معنى هذا: تلهفت وأنا بقرى، أي: كائنًا هناك، وحاصلًا هناك.
كما أن معنى الأول لو أنثته: يا لهفتي كائنة في ذلك الموضع، فيكون بقرى في هذا الأخير حالًا من المنادى المضاف، كقوله:
يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام
أي يا بؤس الجهل أدعوه ضرارًا.
ومثله بيت النابغة:
يا دار ميّة بالعلياء فالسَّند
أي أدعوها عالية كائنة في هذا الموضع.
وإذا جعلت بقرى حالًا من الياء التي انقلبت ألفًا، كان العامل نفس اللهف انتهى كلامه، ولفوائده نقلناه برمته.
стр. 457
وقرى: بضم القاف وتشديد الراء وألف مقصورة، قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": هو موضع ببلاد بني الحارث، وقال أبو حنيفة: هي ماءة قريبة من تبالة، وقد أضافه [جعفر بن] علبة الحارثي إلى سحبل، فدل أنهما متصلان، قال: ألهفى بقرى سحبل ... البيت، ثم قال:
لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبل ... البيت
انتهى. وسحبل بفتح السين، وسكون الحاء المهملتين، وفتح الموحدة بعدها لام، قال ياقوت في "معجم البلدان": هو موضع في ديار بني الحارث بن كعب، كان جعفر بن علبة الحارثي يزور نساء بني عقيل، فنذر به القوم، فقبضوه، وكشفوا دبر قميصه وربطوه إلى جمته، وجعلوا يضربونه بالسياط، ويقبلون ويدبرون به على النساء اللواتي كان يتحدث إليهن حتى فضحوه، وهو يستعفيهم ويقول: يا قوم القتل خير مما تصنعون! فلما بلغوا منه مرادهم أطلقوه.
فمضت أيام، وأخذ جعفر أربعة رجال من قومه، ورصد العقيلين حتى ظفر برجل ممن كان صنع به ذلك، فقبضوا عليه، وفعلوا به شرًا مما فعل بجعفر، ثم أطلقوه، فرجع إلى الحي فأنذر بهم، فتبعهم سبعة عشر فارسًا من بني عقيل حتى لحقوا بهم بواد يقال له "سحبل"، فقاتلهم جعفر، فيقال: إنه قتل فيهم حتى لم يبق من العقليين إلا ثلاثة نفر، وعمد إلى القتلى، فشدهم على الجمال وأنفدهم مع الثلاثة إلى قومهم، فمضى العقيليون إلى والي مكة إبراهيم بن هشام المخزومي، وقيل: السري ابن عبد الله الهاشمي، فطلب جعفرًا ومن كان معه يومئذ، حتى ظفر بهم وحبسهم، فذلك قول جعفر بن علبة في محبسه:
ألا لا أبالي بعد يوم بسحبل ... إذا لم أعذَّب أن يجيء حماميا
تركت بأعلى سحبل وبضيقه ... مراق دم لا يبرح الدّهر ثاويا
стр. 458
ولما أخرج ليقتل انقطع شئع نعله، فوقف فأصلحه، فقال له رجل: أما يشغلك ما أنت فيه! فقال:
أشدُّ قبال نعلي أن يراني ... عدوِّي للحوادث مستكينا
وقال أبوه إلى كل ناقة وشاة له، فنحر أولادها وألقاها بين أيديها، وقال: إبكين معنا على جعفر! فجعلت النوق ترغو، والشاء تثغو، والنساء يصحن ويبكين، وأبوه يبكي معهم، فما روي أن يومًا كان أفجع ولا أفظع من يومئذ. انتهى كلام ياقوت.
وقوله: حين أحلبت؛ روي بالحاء المهملة وبالجيم، أما الأول فقد قال المزروقي والتبريزي وغيرهما: أحلبت: أعانت، وأصله الإعانة في الحلب، ثم استعير لمطلق الإعانة.
وأما الثاني، فقد قال الطبرسي: أصل الجلبة رفع الصوت، وفي "القاموس": الجلب والجلبة – بالتحريك -: اختلاط الصوت، جلبوا وأجلبوا وقالوا: الولايا: جمع ولية، وهي البرذعة، وهي هنا كناية عن النساء، أو الضعفاء الذين لا غناء عندهم. وقيل: الولايا: العشائر والقبائل، فكأن ولية تأنيث ولي، وهو القريب.
ومعنى البيت: أنه يتلهف على ما نزل بهم حين أعان الأعداء عليهم كون الحرم معهم، لما وجب عليهم من الذب عنهم.
والمباسل: من البسالة، وهي الشجاعة، وأجراه على لفظ العدو لا معناه، والمراد بالعدو الجنس. انتهى.
قال الطبرسي: ومن روى الموالي فهم أبناء العم، وإنما خصهم بالذكر لأن الجفاء منهم أشد تأثيرًا في النفس، ألا ترى أن من كان بنو عمه عليه فهو كمن قوتل بسلاحه!
стр. 459
وقال شارح آخر نزل الاشتغال بحمايتهم – لما فيه من الفتور عن مقاومة الأعداء ومصادمة الأحزان – منزلة إعانة الأعداء، فسماه إعانة. انتهى. وأقول: المعنى الذي ذكروه ليس معنى البيت ولا يؤخذ منه ولا يطمئن به الطبع السليم، والله تعالى أعلم بحقيقته.
وقوله: لنا تنتان ... إلخ، يريد أن الأعداء، لما رأوني هناك مع رجال قليلة طمعوا فيّ وقالوا: نخيرك بين شيئين: إما أن تستأمر فتسلم من القتل، وإما أن تحارب فتقتل. وقوله: لنا ثنتان، أي: لنا حالتان ثنتان، يريد: عندنا لك حالتان، وثنتان: مبتدأ، ولنا: خبر، والجملة مقولة القول، وصدور رماح وسلاسل: بدل منهما، وهذا المعنى ظاهر من السياق، لكن يخالفه قول ابن جني فيما سبق، أي: يكون بعضنا كذا وبعضنا كذا، فإنه يقتضي أن تكون هاتان الحالتان صفتين للمتكلم، ويكون مدح قومه بأنهم لا يفرون، بل بعضهم يقتل وبعضهم يؤسر، وهذا خلاف السياق.
وقد تبعه التبريزي والطبرسي فقالا: والمراد بقوله: لابد منهما، على سبيل التعاقب، لا على سبيل الجمع بينهما، وإلا سقط التخيير الذي أفاده، أو فمعناه: لا بد من أحدهما، وإن شئت كان على ظاهره لابد منهما جميعًا بصدور الرماح لمن يقتل، والساسل لن يؤسر، أي: يكون بعضنا كذا، وبعضنا كذا. ولمّا جعله صنفين، كان لكل واحد واحد؛ هذا أو هذا، فمن هنا دخله معنى "أو". انتهى.
ومحصل أول كلامه أن "أو" فيه للتخيير، ومعنى "لا بد منهما" أنه لابد منهما على سبيل التعاقب لا على سبيل الجمع، أي: لابد من أحدهما. فإن قلت: أين الطلب حتى يسوغ التخيير؟ قلت: سبق الخلاف فيه من نقل المصنف على أنه يحتمل أن يكون قوله: لنا ثنتان، في معنى الطلب، أي: ابذلوا لنا
стр. 460
إحدى الخصلتين، وعليه يكون المشار إليه التخييرة، وذلك التحكم.
وقال ابن الملا: لا يخفى أن مدار كون البيت من تقسيم الكل على أن المراد بقوله: "لابد منهما"، معًا، ليكون "صدور رماح أو سلاسل" بدلًا من "ثنتان" أو استئنافًا بتقديرهما، كأن سائلًا قال: ما هما؟ فقيل: هما كذا وكذا، ولا إشكال بوقوع أو على التقديرين، وإن كان المراد في تقسيم الكل أنه مجموع الجزءين أو الأجزاء، لأنا نجعل "أو" حينئذ بمعنى الواو، وقد أورد الحديثي البيت مثالًا لمجيء أو بمعنى الواو، ثم قال: هذا إذا لم يكن تقدير البيت لابد من أحدهما. انتهى كلامه.
وصدر الشيء: أوله، وصدر الرمح والسهم: من نصفه إلى السنان والنصل، وأشرعت، بالبناء للمفعول، أي: وجهت للطعن، ويقدر في المعطوف صفة تعادل أشرعت، أي: سلاسل وضعت في الأعناق، وكنّي بالأول عن القتل، وبالثاني عن الأسر، وقوله: فقلنا، معطوف على قالوا، والنوء: النهوض.
قال التبريزي: قوله: تلكم إذن بعد كرّة، أي: تلكم التخييرة تكون بعد عطفة، تترك بيننا قومًا مصرعين يخذلهم النهوض. و [اختار أن يقول]: متخاذل [لأن] هذا البناء [يختص] بما يحدث شيئًا بعد شيء، ومنه: تداعى البناء، كأن أجزاء النهوض يخذل بعضها بعضًا، ولا يجوز أن تكون الإشارة إلى واحدة من هاتين الخصلتين، لأنه لا اختيار فيهما لمختار، إلا أن يكون على طريق التهكم. انتهى.
وفيه وجه آخر ذكره المرزوقي، وهو أن يكون الحكم والتخيير بقولهم: لنا ثنثان بين الحرب والاستئسار، فاختاروا المحاربة، ويكون الإشارة بتلكم
следующие страницы →