← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

في بقرى، وذلك أن ضمير الشيء هو الشيء في المعنى، وكما جاز أن يجري "حين" حالًا من نفس لهفى، كذلك يجوز أيضًا أن يجري "حين" حالًا من ضميره. ولا يجوز أن تجعل بقرى ولا "حين" صفة للهفى من حيث كان الظرف نكرة ولهفى معرفة، ولا يجوز أيضًا أن يكون حين حالًا من نفس قرى على قولك: زيد في الدار مجددة؛ لأن "قرى" جثة "وحين" ظرف زمان، فكما لا يجوز لظروف الزمان أن تكون أخبارًا عن الجثث، كذلك لا يجوز أن تكون صلات لها، ولا صفات، ولا أحوالًا، ويجوز أن تجعل بقرى حالًا من الألف في لهفى، وذلك أنها ياء ضمير المتكلم، فإنما أراد: يا لهفي، فأبدل الياء ألفًا تخفيفًا، كقولك: يا غلاما، وأنت تريد يا غلامي، فيكون معنى هذا: تلهفت وأنا بقرى، أي: كائنًا هناك، وحاصلًا هناك. كما أن معنى الأول لو أنثته: يا لهفتي كائنة في ذلك الموضع، فيكون بقرى في هذا الأخير حالًا من المنادى المضاف، كقوله: يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام أي يا بؤس الجهل أدعوه ضرارًا. ومثله بيت النابغة: يا دار ميّة بالعلياء فالسَّند أي أدعوها عالية كائنة في هذا الموضع. وإذا جعلت بقرى حالًا من الياء التي انقلبت ألفًا، كان العامل نفس اللهف انتهى كلامه، ولفوائده نقلناه برمته.

стр. 457

وقرى: بضم القاف وتشديد الراء وألف مقصورة، قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": هو موضع ببلاد بني الحارث، وقال أبو حنيفة: هي ماءة قريبة من تبالة، وقد أضافه [جعفر بن] علبة الحارثي إلى سحبل، فدل أنهما متصلان، قال: ألهفى بقرى سحبل ... البيت، ثم قال: لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبل ... البيت انتهى. وسحبل بفتح السين، وسكون الحاء المهملتين، وفتح الموحدة بعدها لام، قال ياقوت في "معجم البلدان": هو موضع في ديار بني الحارث بن كعب، كان جعفر بن علبة الحارثي يزور نساء بني عقيل، فنذر به القوم، فقبضوه، وكشفوا دبر قميصه وربطوه إلى جمته، وجعلوا يضربونه بالسياط، ويقبلون ويدبرون به على النساء اللواتي كان يتحدث إليهن حتى فضحوه، وهو يستعفيهم ويقول: يا قوم القتل خير مما تصنعون! فلما بلغوا منه مرادهم أطلقوه. فمضت أيام، وأخذ جعفر أربعة رجال من قومه، ورصد العقيلين حتى ظفر برجل ممن كان صنع به ذلك، فقبضوا عليه، وفعلوا به شرًا مما فعل بجعفر، ثم أطلقوه، فرجع إلى الحي فأنذر بهم، فتبعهم سبعة عشر فارسًا من بني عقيل حتى لحقوا بهم بواد يقال له "سحبل"، فقاتلهم جعفر، فيقال: إنه قتل فيهم حتى لم يبق من العقليين إلا ثلاثة نفر، وعمد إلى القتلى، فشدهم على الجمال وأنفدهم مع الثلاثة إلى قومهم، فمضى العقيليون إلى والي مكة إبراهيم بن هشام المخزومي، وقيل: السري ابن عبد الله الهاشمي، فطلب جعفرًا ومن كان معه يومئذ، حتى ظفر بهم وحبسهم، فذلك قول جعفر بن علبة في محبسه: ألا لا أبالي بعد يوم بسحبل ... إذا لم أعذَّب أن يجيء حماميا تركت بأعلى سحبل وبضيقه ... مراق دم لا يبرح الدّهر ثاويا

стр. 458

ولما أخرج ليقتل انقطع شئع نعله، فوقف فأصلحه، فقال له رجل: أما يشغلك ما أنت فيه! فقال: أشدُّ قبال نعلي أن يراني ... عدوِّي للحوادث مستكينا وقال أبوه إلى كل ناقة وشاة له، فنحر أولادها وألقاها بين أيديها، وقال: إبكين معنا على جعفر! فجعلت النوق ترغو، والشاء تثغو، والنساء يصحن ويبكين، وأبوه يبكي معهم، فما روي أن يومًا كان أفجع ولا أفظع من يومئذ. انتهى كلام ياقوت. وقوله: حين أحلبت؛ روي بالحاء المهملة وبالجيم، أما الأول فقد قال المزروقي والتبريزي وغيرهما: أحلبت: أعانت، وأصله الإعانة في الحلب، ثم استعير لمطلق الإعانة. وأما الثاني، فقد قال الطبرسي: أصل الجلبة رفع الصوت، وفي "القاموس": الجلب والجلبة – بالتحريك -: اختلاط الصوت، جلبوا وأجلبوا وقالوا: الولايا: جمع ولية، وهي البرذعة، وهي هنا كناية عن النساء، أو الضعفاء الذين لا غناء عندهم. وقيل: الولايا: العشائر والقبائل، فكأن ولية تأنيث ولي، وهو القريب. ومعنى البيت: أنه يتلهف على ما نزل بهم حين أعان الأعداء عليهم كون الحرم معهم، لما وجب عليهم من الذب عنهم. والمباسل: من البسالة، وهي الشجاعة، وأجراه على لفظ العدو لا معناه، والمراد بالعدو الجنس. انتهى. قال الطبرسي: ومن روى الموالي فهم أبناء العم، وإنما خصهم بالذكر لأن الجفاء منهم أشد تأثيرًا في النفس، ألا ترى أن من كان بنو عمه عليه فهو كمن قوتل بسلاحه!

стр. 459

وقال شارح آخر نزل الاشتغال بحمايتهم – لما فيه من الفتور عن مقاومة الأعداء ومصادمة الأحزان – منزلة إعانة الأعداء، فسماه إعانة. انتهى. وأقول: المعنى الذي ذكروه ليس معنى البيت ولا يؤخذ منه ولا يطمئن به الطبع السليم، والله تعالى أعلم بحقيقته. وقوله: لنا تنتان ... إلخ، يريد أن الأعداء، لما رأوني هناك مع رجال قليلة طمعوا فيّ وقالوا: نخيرك بين شيئين: إما أن تستأمر فتسلم من القتل، وإما أن تحارب فتقتل. وقوله: لنا ثنتان، أي: لنا حالتان ثنتان، يريد: عندنا لك حالتان، وثنتان: مبتدأ، ولنا: خبر، والجملة مقولة القول، وصدور رماح وسلاسل: بدل منهما، وهذا المعنى ظاهر من السياق، لكن يخالفه قول ابن جني فيما سبق، أي: يكون بعضنا كذا وبعضنا كذا، فإنه يقتضي أن تكون هاتان الحالتان صفتين للمتكلم، ويكون مدح قومه بأنهم لا يفرون، بل بعضهم يقتل وبعضهم يؤسر، وهذا خلاف السياق. وقد تبعه التبريزي والطبرسي فقالا: والمراد بقوله: لابد منهما، على سبيل التعاقب، لا على سبيل الجمع بينهما، وإلا سقط التخيير الذي أفاده، أو فمعناه: لا بد من أحدهما، وإن شئت كان على ظاهره لابد منهما جميعًا بصدور الرماح لمن يقتل، والساسل لن يؤسر، أي: يكون بعضنا كذا، وبعضنا كذا. ولمّا جعله صنفين، كان لكل واحد واحد؛ هذا أو هذا، فمن هنا دخله معنى "أو". انتهى. ومحصل أول كلامه أن "أو" فيه للتخيير، ومعنى "لا بد منهما" أنه لابد منهما على سبيل التعاقب لا على سبيل الجمع، أي: لابد من أحدهما. فإن قلت: أين الطلب حتى يسوغ التخيير؟ قلت: سبق الخلاف فيه من نقل المصنف على أنه يحتمل أن يكون قوله: لنا ثنتان، في معنى الطلب، أي: ابذلوا لنا

стр. 460

إحدى الخصلتين، وعليه يكون المشار إليه التخييرة، وذلك التحكم. وقال ابن الملا: لا يخفى أن مدار كون البيت من تقسيم الكل على أن المراد بقوله: "لابد منهما"، معًا، ليكون "صدور رماح أو سلاسل" بدلًا من "ثنتان" أو استئنافًا بتقديرهما، كأن سائلًا قال: ما هما؟ فقيل: هما كذا وكذا، ولا إشكال بوقوع أو على التقديرين، وإن كان المراد في تقسيم الكل أنه مجموع الجزءين أو الأجزاء، لأنا نجعل "أو" حينئذ بمعنى الواو، وقد أورد الحديثي البيت مثالًا لمجيء أو بمعنى الواو، ثم قال: هذا إذا لم يكن تقدير البيت لابد من أحدهما. انتهى كلامه. وصدر الشيء: أوله، وصدر الرمح والسهم: من نصفه إلى السنان والنصل، وأشرعت، بالبناء للمفعول، أي: وجهت للطعن، ويقدر في المعطوف صفة تعادل أشرعت، أي: سلاسل وضعت في الأعناق، وكنّي بالأول عن القتل، وبالثاني عن الأسر، وقوله: فقلنا، معطوف على قالوا، والنوء: النهوض. قال التبريزي: قوله: تلكم إذن بعد كرّة، أي: تلكم التخييرة تكون بعد عطفة، تترك بيننا قومًا مصرعين يخذلهم النهوض. و [اختار أن يقول]: متخاذل [لأن] هذا البناء [يختص] بما يحدث شيئًا بعد شيء، ومنه: تداعى البناء، كأن أجزاء النهوض يخذل بعضها بعضًا، ولا يجوز أن تكون الإشارة إلى واحدة من هاتين الخصلتين، لأنه لا اختيار فيهما لمختار، إلا أن يكون على طريق التهكم. انتهى. وفيه وجه آخر ذكره المرزوقي، وهو أن يكون الحكم والتخيير بقولهم: لنا ثنثان بين الحرب والاستئسار، فاختاروا المحاربة، ويكون الإشارة بتلكم

стр. 461

إلى ما دل عليه قوله: "أو سلاسل" من الأسر، كأنه يقول: الخصلة الثانية تكون بعد الأولى التي تترك قومًا منكم صرعى. وقوله: إن جضنا من الموت، هو بالجيم والضاد المعجمة، من جاض عنه يحيض، أي: حاد وعدل عنه، وروي بالمهملتين، من حاص عنه يحيص حيصًا وحيصة: إذا حاد وعدل عنه. قال التبريزي: قوله: كم العمر باق، كم في موضع الظرف، أي: كم يومًا العمر باق، وجملة: "والمدى متطاول" حالية، والتقدير: ولم ندر – إن جضنا ومدانا متطاول – كم العمر باق، أي: مدى رجائنا، ويجوز أن تكون الواو عاطفة، كأنه قال: لم نعلم كم العمر باق، [و] كم المدى متطاول إن جضنا، بكسر الهمزة. وفتح الهمزة أبو العلاء المعري، وكأنه ذهب إلى أن إن بالكسر لما يستقبل، وأن بفتحها لما مضى، والشاعر ذكر قصة مضت. والمأزق: مضيق الحرب، وهو مفعل من الأزق، وهو الضيق. وقوله: ولي منه ما ضمت، قال التبريزي: يروى "ضمت" بفتح الضاد، ومعناه: قبضته الأنامل، ويروى بضمها، ومعناه: قبضت عليه الأنامل، وقد ذكر هذا الشاعر هذا المعنى في بيت آخر، قال: تقاسمهم أسيافنا شرَّ قسمة ... ففينا غواشيها وفيهم صدورها وأراد بغواشيها أغمادها، وأخذه المتنبي فقال: فكنت السيف قائمه إليهم ... وفي الأعداء حدُّك والغرار وأخذه آخر فقال: منا برهنَّ بطون الأكفِّ ... وأغمادهنَّ رؤوس الملوك

стр. 462

وجعفر بن علبة: بضم العين المهملة، وسكون اللام، بعدها موحدة، ينتهي نسبه إلى كعب بن الحارث، والحارث: قبيلة باليمن، وهو شاعر غزل، فارس مذكور في قومه، وهو من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، قتل في خلافة أبي جعفر المنصور، كذا في "الأغاني" وقال الأسود الغندجاني فيما كتبه على "شرح الحماسة" للنمري: جعفر بن علبة: أحد ذؤبان العرب، ومخيفي السبيل، فأخذ في سرق ودم في زمن هشام بن عبد الملك، فحبس بمكة وهناك قتل. انتهى. فيكون مكث في الحبس إلى أيام المنصور. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والتسعون: (٩٦) وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما على أن "أو" فيه بمعنى "إّلا" الاستثنائية، ونصب المضارع بعدها بإضمار "أن" قال سيبويه في باب: "أو" اعلم أن ما انتصب بعد أو، فإنه ينتصب على إضمار أن، كما انتصب في الفاء والواو على إضمارها، ولا يستعمل إظهارها كما يستعمل في الفاء والواو، والتمثيل ههنا مثله، ثم نقول: إذا قال: لألزمنك أو تعطيني، واعلم أن معنى ما انتصب بعد أو على "إلا أن" قال امرؤ القيس: فقلت له لا تبك عينك إنّما ... نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا والقوافي منصوبة، والمعنى: إّلا أن نموت فنعذرا، ولو رفعت لكان عربيًا جائزًا على وجهين، على أن تشرك بين الأول والآخر، وعلى أن يكون مبتدأ مقطوعًا من

стр. 463

الأول نحو: أو نحن ممن يموت. وتقول: الزمه أو يتقيك بحقك، واضربه أو يستقيم. وقال زياد الأعجم: وكنت إذا غمزت .. البيت. معناه: إلا أن تستقيم. وإن شئت رفعت في الأمر على الابتداء، لأنه لا سبيل إلى الإشراك. انتهى المراد منه. و"أو" عنده عاطفة مصدرًا على مصدر متوهم، وهي على أصلها لأحد الشيئين. قال السيرافي: "أصل "أو" العطف حيث كانت، والفعل المنصوب بعدها على وجهين: أحدهما: أن يتقدم فعل منصوب بناصب من الحروف، ثم تعطف عليه بأو، ومعناها أحد الشيئين، كما تعطف بها مرفوعًا على مرفوع، ومجزومًا على مجزوم، والآخر: أن يخالف ما بعدها ما قبلها، ويكون معناها مع ما بعدها معنى "إلا أن" والفصل بين هذا وبين الأول أن الأول لا تعلق له بين ما قبل "أو" وبين ما بعدها، وإنما هو دلالة على أحد الأمرين، وليس بين الأمرين ملابسة. والوجه الثاني: الفعل الأول فيه قبل "أو" كالعام في كل زمان، والثاني كالمخرج من عمومه، ولذلك صير معناه "إلا أن"، واجتمع أو وإلا في هذا المعنى للشبه الذي بينهما في العدول عما أوجبه اللفظ الأول، وذلك أنا إذا قلنا: جاء القوم إلا زيدًا، فاللفظ الأول قد أوجب دخول زيد في القوم، لأنه منهم، فإذا قلت: "إلا" فقد أبطلت ما أوجبه الأول، وإذا قلت: جاء زيد أو عمرو، فقد وجب المجيء لزيد في اللفظ قبل دخول "أو" فلما دخلت، بطل ذلك الوجوب ولهذا المعنى احتيج إلى تقدير الفعل الأول مصدرًا، وعطف الثاني عليه بذلك التقدير على ما مضى في الفاء. انتهى. قال في "الفاء" في نحو: "ما تأتيني فتحدثني" بالنصب: لما لم يكن عطفه على ظاهر لفظه، لئلا يبطل المعنى المقصود به، ردوه في التقدير إلى ما لا يبطل معناه، فجعلوا الأول في تقدير مصدر، وإن لم يكن لفظه لفظ المصدر الظاهر، وجعلوا الثاني مقدرًا

стр. 464

بمصدر ليس بظاهر، فلذلك قدرت "أن" فعملت ولم تظهر، وكان هذا التقدير والتغيير والعدول عن الظاهر دلالة على المعنى المقصود، ولو أظهرت أن لكان المصدر قد ظهر، ولم يظهر في المعطوف عليه، وجعل التغيير لهما كالمشاكلة بينهما، فاكتفى بذلك. ويقوي هذا ما ذكره سيبويه من تقدير ما لا يتكلم به من قولك: أتاني القوم ليس زيدًا، والتقدير: ليس بعضهم زيدًا، ولا يتكلم بهذا. انتهى. وقال هناك: ويجوز الرفع فيه، فيقال: أو تستقيم، في غير هذه القصيدة، لأن "كسرت" في موضع رفع، لأنه جواب إذا، وجوابها بالفعل المستقبل رفع. وقال أبو جعفر النحاس في شرح شواهده: يجوز رفع تستقيم بقطعه من الأول، قال سيبويه: لأنه لا سبيل إلى الإشراك، قال المبرد: الإشراك هنا جيد على الموضع في إذ، لأن الماضي معناه الاستقبال، لأن فيه معنى الشرط، قال تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ) ثم قال: (وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا) [الفرقان/ ١٠] قال أبو جعفر: الحجة لسيبويه أنه لم يرد الموضع، وإنما أراد أن يريك أنه لا يعطف المستقبل على الماضي. انتهى. واعلم أن بعضهم أبقى كلام سيبويه على ظاهره، وقال إنه استثناء مفرغ من أعم الأوقات. منهم من جعلها تارة بمعنى إلى أو حتى أو كي، ولما رآه بعضهم بعيدًا، لأنه لم يعدها أحد من النحويين من أدوات الاستثناء، ولا من حروف الجر؛ أوله بما قاله الرضي وغيره من المحققين، بأن ما قاله سيبويه بيان معنى لا توجيه إعراب. وقد نقلنا كلامه وكلام شارحه السيرافي. والبيت نسبه سيبويه وخدمته إلى زياد الأعجم، وهو من أبيات ثمانية هجابها المغيرة بن حبناء الحنظلي التميمي، رواها صاحب "الأغاني" في ترجمة المغيرة، وهي:

стр. 465

ألم تر أنني أوترت قوسي ... لأبقع من كلاب بني تميم عوى فرميته بسهام موت ... كذاك يردُّ ذو الحمق اللَّئيم وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيم هم الحشو القليل لكلِّ حيٍّ ... وهم تبع كزائدة الظَّليم فلست بسابقي هربًا ولمَّا ... تمرُّ على نواجذك القدوم فحاول كيف تنجو من وقاعي ... فإنَّك بعد ثالثة رميم سراتكم الكلاب البقع فيكم ... للؤمكم وليس لكم كريم فقد قدمت عبودتكم ودمتم ... على الفحشاء والطّبع اللئيم كذا رويت هذه الأبيات بالإقواء، وهو اختلاف القوافي بالرفع والجر، وسيبويه أنشد البيت الشاهد منها بالنصب، وتبعه من جاء بعده من النحويين. نقل السيوطي عن الزمخشري أنه قال في شرح أبيات "الكتاب": أبيات القصيدة غير منصوبة، وإنما أنشده سيبويه منصوبًا، لأنه سمعه كذلك، ممن يستشهد بقوله: وإنشاد الأبيات على الوقف مذهب لبعض العرب، فإن أنشد بيت واحد منهما؛ أنشد على حقه من الإعراب، وإن أنشد جميعها أنشد على الوقف. انتهى. ونقله ابن الملا في شرحه، قال شيخنا الشهاب الخفاجي: هذا كلام لا وجه له، فإن الشعر إذا أنشد بتمامه كيف يلتزم الوقف فيه؟ ! وقد يكون ذلك بكسر وزنه. انتهى. وأقول: وعلى تسليم ذلك، فأي مدخل في إنشاد البيت منصوبًا؟ فإنه

стр. 466

ليست الأبيات منصوبة القوافي! وإنما يكفي قوله لأنه سمعه كذلك ممن يستشهد بقوله، فإنه وقع له نظيره في البيت المنسوب لعقيبة الأسدي، وهو: معاوي إنَّنا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا فإنهم قالوا: إنه قد سمعه منصوبًا ممن أنشده، ولم تحفظ الأبيات التي قبله وبعده إلى مخفوضة وبعده: أكلتم أرضنا فجرزتموها ... فهل من قائم أو من حصيد وقد حققناه في الشاهد الرابع والعشرين بعد المائة من شواهد الرضي. وقوله: ألم تر أنني ... إلخ، خطاب لمن يسمع، وأوترت القوس ركبت الوتر عليها، وروي أيضًا: "وترت" بالتشديد، والأبقع: وصف من البقع بفتحتين، قال صاحب "القاموس": هو في الطير والكلاب كالبلق في الدواب، وفعله من باب فرح. وقافية هذا البيت مجرورة، وكذلك قافية البيت الرابع والثامن، وقوافي ما عداها مرفوعة. وقوله: كذاك يرد بالبناء للمفعول، وذو: نائب الفاعل، واللئيم: صفته، والحمق بضمتين: الحماقة. ورواه ابن بري في "أماليه" على "الصحاح": عوى فرميته بسهام موت ... تردُّ عواء ذي الحمق اللئيم ففاعل "ترد" ضمير السهام، وعواء: مفعوله. وعواء الكلب، بالضم والمدّ: وهو أن يمدَّ صوته ولا يفصح، وعليها فهذه القافية مجرورة أيضًا. واللئيم: الذي جمع إلى سح النفس دناءة الآباء. وقوله: وكنت إذا غمزت ... إلخ، قال الجوهري: غمزت الشيء بيدي، وأنشد هذا البيت. قال ابن بري في "أماليه" عليها: ومعنى غمزت: ليَّنت، وهذا

стр. 467

مثل، والمعنى: إذا اشتد علي جانب قوي، رمت تليينه أو يستقيم. وليس معنى الغمز ما ذكره، وإنما هو ضم الأصابع على الرمح ونحوه، وتحريكها وهزُّها، قال الأزهري في "التهذيب": الغمز: العصر باليد. وليس معناه المقصود هنا أيضًا ما نقله ابن الملا عن "القاموس" وهو: غمزه بيده يغمزه، شبيه نخسه، والنَّخس على ما قال: الغرز بعود ونحوه. انتهى. والقناة: الرمح، وتطلق على مجرى الماء. وما أحسن قول شيخنا الخفاجي: تخال رماح الخطِّ قتالهم ... قنا قد جرى فيهنَّ ذوب عقيق وقال: إنهم يكنون بالقنا عن الحال، فيقال لانت قناته: إذا تغيرت حاله. وقال المرزوقي: القناة تستعار للإباء والشتدُّد كقوله: كانت قناتي لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء ومثله لشارح "ديوان عمرو بن كلثوم" قال في شرح معلقته عند قوله: فإنَّ قناتنا يا عمرو أعيت ... على الأعداء قبلك أن تلينا قناتهم: يعني عزهم وصلابتهم. وقال صاحب "الموعب": معنى البيت: من لم يستقم له بالملاينة، تناوله بالمخاشنة فأهلكه، إلا أن يستقيم. وقال الدماميني: فيه استعارة تمثيلية، شبَّه حاله إذا أخذ في إصلاح قوم – إذا اتصفوا بالفساد، ولم يكفوا عما ينشأ عنه فسادهم إلا بما يحصل عنه صلاحهم –

стр. 468

بحال من غمز قناةً معوجة هزًا شديدًا حتى كادت تنكسر، ولم يكف عنها حتى استقامت. والكعب: العقدة الناشزة في طرف الأنبوب من القصب، والأنبوب: ما بين الكعبين، وكسرت: أي أردت كسرها، إلا أن تستقيم من عوجها. وزياد: هو أبو أمامة، زياد بن سلمى، مولى عبد القيس، أحد بني عامر، كان ينزل اصطخر، وكانت فيه لكنة، فلذلك قيل له: الأعجم. وفي "تاريخ الذهبي" أنه شهد فتح اصطخر مع أبي موسى الأشعري، وطال عمره، وحدَّث عنه وعن ابن عمر، وحدث عنه طاووس وغيره، وله وفادة على هشام بن عبد الملك، وامتدح عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ومدح الملهب بن أبي صفرة، ورثاه أيضًا بعد موته. والمغيرة ابن حبناء: بفتح الحاء المهملة، وسكون الموحدة بعدها نون فألف ممدودة: وهو فارس وشاعر في الدولة الأموية، وحبناء: لقب أمه، واسم أبيه: حبين، بضم المهلة، وفتح الموحدة بعدها مثناة تحتية فنون. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والتسعون: (٩٧) لأستسهلنَّ الصَّعب أو أدرك المنى تمامه: فما انقادت الآمال إّلا لصابر على أن "أو" فيه بمعنى "إلى" واللام في جواب قسم مقدر. واستسهل الشيء: عده سهلًا. والصعب: الأمر الشاق، والإدراك، اللحوق، والمنى: جمع منية، وهي اسم ما يتمناه الإنسان، وأراد إدراكها بالصبر،

стр. 469

بقرينة المصراع الثاني، وأراد بمناه: الأمور الممكنة، لأنّ المستحيل لا يدرك، ولا ينقاد لأحد، وأراد بالانقياد: وجدانها موافقة لمراده، وكان الظاهر أن يقول: فما انقادت إلا لصابر، بإسناد الفعل إلى ضمير المنى، لكنه أتى بالظاهر المرادف، إذ الآمال هي المنى. [ألا] أنشد بعده في "ألا" بفتح الهمزة وتخفيف اللام، وهو الإنشاد الثامن والتسعون: (٩٨) أما والَّذي لا يعلم الغيب غيره تمامه: ومن هو يحيي العظم وهو رميم على أن "أما" مثل "ألا" من مقدمات اليمين، وجواب القسم قوله بعده: لقد كنت أطوي البطن والزَّاد يشتهي ... محافظةً من أن يقال لئيم وإنِّي لأستحيي رفيقي ودونه ... ودون يدي داجي الظَّلام بهيم كما أنشدها القالي في "أماليه" عن ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي أنه سمعها من أعرابي. ورواها بهذا السند أيضًا أبو عبد الله محمد بن الحسين اليمني في ترجمة الأصمعي من كتاب "طبقات النحويين" عن ابن مطرف عن ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي لأعرابي. واليمني هذا: أديب نحوي، كان مقيمًا بمصر، وصنف "أخبار النحويين" و"مضاهاة كليلة ودمنة" ومات في سنة أربعمائة.

стр. 470

وقال السيوطي: ما بعد المصراع: ويحيي العظام البيض وهي رميم لقد كنت أختار القرى طاوي الحشا ... محاذرة من أن يقال لئيم قال: وهما لحاتم الطائي، ولقد صدق، فإن مثل هذا الشعر لا يليق بغيره من الأعراب، وإنما هذا الشعر من لهجته، الدالة على كرم طبعه وبهجته. والغيب كما في "المصباح: " كل ما غاب عنك، والرميم: البالي، من رمَّ العظم يرمُّ من باب ضرب: إذا بلي. وفي الرواية الثانية: "ويحيي العظام البيض" أي: التي فني لحمها، وظهر بياض العظم، وهذا كقوله تعالى: (مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) [يس/ ٨٧] ووجهه أن فعيلًا وفعولًا قد يستوي فيهما المذكر والمؤنث والجمع، نحو: صديق وظهير وعدوّ ورسول، وعليه الجوهري. وهذا كلام يدل على أن قائله ممن يؤمن بالحشر من أهل الجاهلية. وقوله: لقد كنت أطوي البطن، أي لم آكل شيئًا، وهو من باب طوى. يطوي طيًا، من باب رمى إذا ترك الأكل وتعمد الجوع، وأما طوي يطوي طوى من باب فرح، فمعناه جاع جوعًا، كذا في "الصحاح" وقوله: والزاد يشتهي، بالبناء للمفعول، والأصل: يشتهيه الناس، وذلك عند الجدب والقحط. والزاد: ما يؤكل. وفي الرواية الثانية: "أختار القرى طاوي الحشا" والقرى: إكرام الضيف بالطعام، وطاوي: حال من فاعل اختار، وهو من باب رمى، أي: مجيع البطن، قال صاحب "النهاية": ومنه الحديث: "يبيت شبعان وجاره طاوٍ" والحديث الآخر "يطوي بطنه عن جاره" أي: يجيع نفسه،

стр. 471

ويؤثر جاره بطعامه. انتهى. والحشا كما في "المصباح": هو المعا، والجمع أحشاء وأمعاء. ومحافظة: علة لأطوي، ومحاذرة: علة لطاوي، و"من" في الأولى متعلقة بمحافظة، وفي الثانية بمحاذرة، والمعنى: لأجل المحافظة لنفسي، والمحاذرة لها من أن يقال في حقي: هو لئيم، وفي الدنيء الأصل الشحيح النفس. وقوله: لأستحيي رفيقي، في "المصباح": واستحيا منه، وهو الانقباض والانزواء، قال الأخفش: يتعدى بنفسه وبالحرف فيقال: استحييت منه واستحييته. انتهى. يقول: إذا أكلت مع ضيفي في زمن الجدب استحيي منه، فأدع الأكل وأوثره بالطعام حتى يشبع وأوهمه أني آكل معه، والحال أن ظلام الليل مانع من أن يرى كل منا يد الآخر، فجملة "ودونه" إلى آخر البيت: حال من الفاعل والمفعول معًا. وقوله: ودونه، أي: دون يده، بقرينة: ودون يدي. وداجي الظلام: من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، والداجي: الساتر، قال الأصمعي: دجا الليل إنما هو ألبس كل شيء وليس هو من الظلمة، ومنه داجيته، أي: داريته، كأنك ساترته العداوة. والبهيم، قال الأزهري في "التهذيب": هو الذي لا يخلط لونه لون سواه من سواد كان أو غيره. وحاتم الطائي: هو حاتم بن عبد الله الطائي الجواد المشهور المضروب بجوده المثل، أدرك مولد النبي ﷺ ، ومات قبل مبعثه. ونقل ابن وحيي عن "تاريخ القدس الشريف" أنه مات سنة ثمان من الهجرة فعليه يكون أدرك البعثة، والله تعالى أعلم. وابنه عدي بن حاتم صحابي جليل مشهور. روى ابن قتيبة في كتاب "الشعراء" أن امرأته النوار قالت: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض، وضنت المراضع على أولادها، فوالله إني لفي ليلة شديدة البرد، بعيدة ما بين طرفيها، إذ تضاغى أولادنا عبد الله وعدي وسفانة، فقام إلى الصبيين، وقمت إلى الصبية، فوالله ما سكتوا إلا بعد هدأةٍ من الليل، ثم ناموا ونمت

стр. 472

إنا معه، فأقبل يعللني بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت وما يأتيني نوم، فقال: ما لها، أنامت؟ فسكت، فلما تهورت النجوم، إذا شيء قد رفع كسر البيت، فقال: ما هذا؟ قالت جاريتك فلانة، قال: ما لك؟ قالت: الشر، أتيتك من عند صبية يتعاوون تعاوي الذئاب من الجوع، قال: أعجليهم. فهببت إليه فقلت: ماذا صنعت؟ فوالله لقد تضاغى صبيتك من الجوع فما أصبت ما تعللهم به! فقال: اسكتي، وأقبلت المرأة تحمل اثنين، ويمشي جانبها أربعة، فقام إلى فرسه فنحره، وكشط عن جلده، ودفع المدية إلى المرأة ثم قال: سوأةً تأكلون دون أهل الصِّرم! ثم جعل يأتي بيتًا بيتًا ويقول: دونكم النار، فاجتمعوا، والتفع بثوبه ناحية ينظر إلينا، والله ما ذاق منها مزعة، وإنه لأحوجهم، وأصبحنا وما على الأرض إلا عظم أو حافر، فعذلته على ذلك فقال: مهلًا نوار أقلِّي اللَّوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا وروي عن أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه، أنه قال يومًا: سبحان الله، ما أزهد كثيرًا من الناس في خيرٍ! عجبًا لرجل يجيئه أخوه المسلم في حاجة، فلا يرى نفسه للخير أهلًا! فلو كان لا يرجو ثوابًا، ولا يخاف عقابًا، لكان ينبغي أن يسارع إلى مكارم الأخلاق، فإنها تدلّ على سبيل النجاح! فقام إليه

стр. 473

رجل فقال: يا أمير المؤمنين! أسمعته من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم؟ قال: نعم لما أتي بسبايا طيّ، وقفت جارية عيطاء لعناء، فلما رأيتها أعجبت بها، وقلت لأطلبنّها من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فلما تكلمت أنسيت جمالها بصفاحتها، فقالت: يا محمد إن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب، فإني ابنةً سيّد قومي، وإنَّ أبي كان يفك العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويفشو السلام، ولم يردّ طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم الطائي! فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "يا جارية! هذه صفة المؤمن، ولو كان أبوك مسلمًا لترحمنا عليه، خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، والله يحب مكارم الأخلاق". وأخرج الديملي في "مسند الفردوس" عن علي هذه الحكاية من قوله: لما جيء بسبايا طيَّ إلى آخرها بألفاظ متقاربة. وأخرج ابن حنبل عن عدي بسنده أنه قال: قلت لرسول الله، صلى تعالى عليه وسلم: يا رسول الله، إنّ ربي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، فقال: "إن أباك أراد أمرًا فأدركه" يعني: الذكر. وأخرج ابن عساكر عن أبي عبيدة قال: لما بلغ حاتم طي قول المتلمس. قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد وحفظ المال خير من فناه ... وعسف في البلاد بغير زاد قال: قطع الله لسانه: حمل الناس على البخل، فهلا قال: فلا الجود يفني المال قبل فنائه ... ولا البخل في مال الشحيح يزيد

стр. 474

فلا تلتمس مالًا بعيش مقتر ... لكلِّ غد رزق يعود جديد قال ابن قتيبة: وما سبق إليه فأخذ منه قوله: إذا كان بعض المال ربًّا لأهله ... فما لي بحمد الله مال معبَّد أخذه حطائط بن يعفر فقال: ذريني أكن للمال ربًّا ولا يكن ... لي المال ربًّا تحمدي غبَّه غدا أريني جوادًا مات هزلًا لعلّني ... أرى ما ترين أو بخيلًا مخلَّدا وأنشد بعده: أما والَّذي أبكى وأضحك والَّذي ... أمات وأحيا والَّذي أمره الأمر وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الرابع والسبعين. وأنشد بعده وهو الإنشاد التاسع والتسعون: (٩٩) ألا طعان ألا فرسان عاديةً ... إلاَّ تجشُّؤكم حول التَّنانير على أن "ألا" فيه للتوبيخ والإنكار، وهي مركبة من الهمزة للاستفهام، ولا النافية للجنس مع بقاء عملها، قال سيبويه: واعلم أن "لا" في الاستفهام تعمل فيما بعدها

стр. 475

كما تعمل فيه إذا كانت في الخبر فمن ذلك قول حسان بن ثابت: ألا طعان ألا فرسان ... .. البيت وزعم الزَّجاي في "الجمل" أن ألا في هذا البيت للتمني، وليس كذلك، لأن البيت من الهجو، ولو كان تمنيًا لما كان ذمًا. قال الخفاف في شرح "الجمل": ألا: هي لا النافية دخلت عليها همزة الاستفهام الدالة على التقريع والتوبيخ، وأبو القاسم الزجاجي استشهد به على أن لا هذه للتمني، وهو وهم منه وغلط. فإنه ليس في قوله: "ألا طعان ولا فرسان" تمنّ، وإنما هو توبيخ وتقريع، ونفي أن يكون لهم هذان الوصفان. وعادية: نعت لفرسان، ويمكن أن يكون فيه التمني على وجه بعيد، وهو أن يكون الهاجي تمنى أن يكون لهم طعان وفرسان، ويدلّ تمني ذلك لهم على عدمه عندهم، لأن المتمنَّي معدوم، وهو بعيد من جهة أنّ الهاجي لا يتمنى للمهجو خيرًا. انتهى. وزعم ابن هشام اللخمي أن ألا في البيت عند سيبويه للتقرير، وعند أبي القاسم للتمني، وهو غلط، لأن التمني يفسد المعنى، وإنما قرّرهم على ما علم من أمرهم. وقال الأعلم في شرح أبيات "الجمل": قد رأيت بعضهم يقول: ألا في هذا البيت ليست للتمني، لأنه هجو، والتمني يزيل معنى الهجو، لأنه غير حقيقي، قال: وإنما هي لا النافية، دخل عليها ألف التقرير، واحتج بقول سيبويه: لا إذا دخل عليها ألف الاستفهام على معنيين، أحدهما: أن يكون

стр. 476

دخولها كخروجها. والثاني: أن يكون تمنيًا، وهذا عندي حسن، وكذا قال في شرح شواهد "سيبويه" إن الهمزة للتقرير. وعندي نسختان جليلتان من "كتاب سيبويه" وفيهما: كذا: "ألا طعان ولا فرسان" بواو العطف، وكذا رأيته في شروح شواهده، وفي شروح شواهد "الجمل الزجَّاجية" وهي أكثر من عشرة شروح، ولم أر: "ألا طعان ألا فرسان" بتكرير "ألا" إّلا في نسخ "المغني" وشروحه. قال الأعلم في شرح أبيات "الجمل": ولا فرسان معطوف على: ألا طعان، وخبر ألا محذوف وتقديره: ألا طعان لكم، ولا فرسان فيكم. والطعان: مصدر طاعن بالرمح، وفرسان: جمع فارس. وقال اللخمي: عادية: نعت للفرسان على اللفظ، ومن روى بالرفع كانت نعتًا على الموضع. انتهى. وأجاز غيره في نصبه أن يكون حالًا، وفي رفعه أن يكون خبرًا، قال الخفاف: روي "عادية" بالعين غير المعجمة، وبالغين المعجمة، فمن رواه بغير معجمة، احتمل وجهين، أحدهما: أن يكون من العدو الذي هو شدة الجري، فكأنه قال: ألا فرسان عندكم تسرع إلى الغارات والحرب. ويحتمل أن يكون من العدوان الذي هو عبارة عن الظلم، لأنهم كانوا يفخرون بالظلم لأن ذلك مما يدل على العزّ، فنفى عنهم ذلك، أي: لا فرسان عندكم تقدر على ظلم أحد، ويكون في المعنى مثل قول الآخر: قبيِّلة لا يخفرون بذمَّة ... ولا يظلمون الناس حبَّة خردل ومن رواه بغين معجمة، كان معناه من الغدوِّ، أي: ليس عندكم فرسان تبكر للغارات. انتهى. قال النحاس: وعند أبي الحسن الأول هو الأحسن، لأن العادية تكون بالغداة وغيرها، وكذا قال اللخَّميُّ.

стр. 477

وقوله: إلا تجشؤكم. قال اللخمي: نصب على الاستثناء المنقطع، ويجوز رفعه على البدل من موضع "ألا طعان" على مذهب بني تميم. انتهى. واقتصر عليه ابن السيد فقال: وتجشؤكم مرفوع على البدل من موضع "ألا طعان ولا فرسان". والتجشؤ: خروج صوت من الفم ينشأ من امتلاء المعدة، مصدر تجشأ، والاسم: الجشاءة، بضم الجيم وفتح الشين، ويقال الجشاء أيضًا كالسعال والعطاس. قال اللخمي والخفاف: ويروي: "تحشؤكم" بالحاء المهملة، مأخوذ من المحشاء، وهو الكساء الغليظ الذي يشتمل به، فمعناه على هذا: أنكم تشبعون وتلتفون في الأكسية، وتنامون عند التنانير. انتهى. والمحشاء على وزن مفعال، والجمع: المحاشئ بالهمز على مفاعل. والتنانير: جمع تنُّور، وهو ما يخبز فيه الخبز. وقال الخفاف: التنور هنا: وعاء يطبخ فيه الطعام، ويكون في غير هذا الموضع: وجه الأرض، وقد فسِّر به قوله تعالى: (وَفَارَ التَّنُّورُ) [هود/ ٤٠]. انتهى. قال اللخمي: جعلهم أهل أكل وشرب لا أهل غارة وحرب، يقول: ألا خيل تعدون بها على الأقران، ولا طعان لكم في نحور الشجعان إّلا الأكل والجشاء عند التنانير، فليس لكم رغبة في طلب المعالي، وإنما فعلكم فعل البهائم، كما قال الآخر: إنِّي رأيت من المكارم حسبكم ... أن تلبسوا حرَّ الثِّياب وتشبعوا وإذا تذوكرت المكارم مرَّة ... في مجلس أنتم به فتقَّنعوا وكما قال الحطيئة. دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنَّك أنت الطَّاعم الكاسي

стр. 478

انتهى. وهذا البيت قد اختلف في قائله، فقال سيبويه: هو لحسان بن ثابت، وكذا قال جميع خدمة "الجمل الزجاجية" وقال السيرافيُّ في شرح "الكتاب" وأما البيت المنسوب في "الكتاب" إلى حسان بن ثابت الذي أوله: "ألا طعان ولا فرسان عادية" فذكر الجرميّ أن البيت لعصام الزِّماني. انتهى. وقال يوسف بن السيرافي في "شرح شواهد سيبويه" وتبعه الأسود الغندجاني في كتاب "فرحة الأديب" وهو تعقُّبات على ابن السيرافي فيما أخطأ في شرح تلك الشواهد، وتبعه الزمخشري أيضًا في "شرح شواهد الكتاب": إنه من قصيدة لخداش ابن زهير. أما من قال بالأوَّل، فمنهم ابن السِّيد البطليوسيّ قال: هو آخر أبيات حسان، هجا بها بني الحارث بن كعب، وهم بنو عبد المدان بن الديان وهي: حاربن كعب ألا أحلام تزجركم ... عنّا وأنتم من الجوف الجماخير لا عيب بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير كأنَّهم قصب جوف مكاسره ... مثقَّب فيه أرواح الأعاصير دعوا التَّخاجؤ وامشوا مشية سجحًا ... إن الرِّجال ألو عصب وتذكير لا ينفع الطُّول من نوك القلوب ولا ... يهدي الإله سبيل المعشر البور إنِّي سأنصر عرضي من سراتكم ... إنِّ الحماس نسيٌّ غير مذكور ألفى أباه وألفى جدَّه حبسا ... بمعزل عن مساعي المجد والخير ألا طعان ولا فرسان عادية ... إلا تجشُّؤكم حو التَّنانير وأما اللخمي فقد أورده بعد قوله: لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... البيت.

стр. 479

وكان السبب في هجو حسان إياهم أن النجاشي، وهو من رهط الحارث بن كعب، هجا بني النجار من الأنصار بشر يقول فيه: لستم بني النَّجَّار أكفاء مثلنا ... فأبعد بكم عنّا هنالك أبعد فإن شئتم نافرتكم عن أبيكم ... إلى من أردتم من تهام ومنجد ألم يك فيكم ينفخ الكير باسته ... كأنّ بشدقيه نفاضة إثمد روى السكري عن ابن حبيب قال: ذكروا أن الأنصار اجتمعوا في مجلس، فتذاكروا هجاء النجاشي إياهم، فقالوا: من له؟ فقال الحارث بن معاذ بن عفراء: حسان له، فأعظم ذلك القوم، وقالوا: نأتي حسان، وإن طعامه ليغلبه من ضعف حنكه! نعرضه للنجاشي فلعله يغلبه، ولم يغلبه أخد قط! ؟ لا نفعل. قال: والله لا أنزع عني قميصي حتى آتيه، فأذكر له. فتوجّه نحوه، والقوم كلهم معظم لذلك، فلما دخل عليه كلمّه فقال: أين أنتم عن عبد الرحمن؟ ! قال: إياك أردنا، قد قاوله عبد الرحمن فلم يصنع شيئًا، فوثب وقال: كن وراء الباب واحفظ ما ألقي، فضربته زافرة الباب فثجته على حاجبه، فقال: بسم الله، اللهم اخلف فيَّ رسولك، صلى الله تعالى عليه وسلم اليوم. فقال الحارث: فعرفت حين قالها ليغلبنَّه، فدخل وهو يقول: أبني الحماس أليس منكم ماجد ... إنَّ المروءة في الحماس قليل وهي أبيات ستة ثم مكث طويلًا في الباب يقول: والله ما أبحرت، أي: لم أبلغ ما أريد، ثم ألقى عليه فقال: حار بن كعب ألا أحلام تزجركم ... إلى آخر الأبيات التي تقدمت

стр. 480

وقد راجعت ديوان حسان الذي عندي، وهو مجلد ضخم قديم تاريخ خطه شهر ربيع الأول من سنة أربع وثلاثين وثلمائة، فلم أجد البيت الشاهد فيه، لا في آخر تلك الأبيات ولا في أثنائها، ولا في موضع آخر من ديوانه، والله تعالى أعلم. ثم قال حسان: اكتبوها صكوكًا إلى غلمان الكتاب، قال الحارث: ففعلت، فما مر بنا بضع وخمسون ليلة حتى طرق بنو عبد المدان حسان بالنجاشي موثقًا معهم، وقالوا: هذا صاحبنا قد جئناك به وحكمناك فيه، فقال حسان: نادوا في الناس، فانجفل الناس إلى أطم حسان ومعهم السلاح، ووضع لحسان منبر، فقعد عليه وبيده مخصرة، وأتي بالنجاشي وأقعد بين يديه، واعتذر القوم ثم نظر إلى النجاشي ساعة، فقال حسان لابنته: هاتي البقية التي بقيت من جائزة معاوية، فأتته بمائة دينار إلا دينارين، ثم قال: حلوا عنه وثائقه فحلوه، فقال له: دونك هذه يا ابن أخي، وحمله على بغلة ابنه عبد الرحمن، فشكروه على عفوه وكرمه، فقال له ابن الديان: كنا نفتحر على الناس بالعظم والطول، فأفسدته علينا! قال: كلا، أليس أنا الذي أقول: وقد كنّا نقول إذا رأينا ... لذي جسم يعدُّ وذي بيان كأنَّك أيُّها المعطى بيانًا ... وجسمًا من بني عبد المدان وعبد المدان: هو ابن الديان، من بني الحارث بن كعب، وبنو الديان سادات الحارث بن كعب، وكان بنو الحارث إحدى جمرات العرب. وقال السيوطي هنا: البيت الشاهد من قصيدة لحسان بن ثابت، يهجو الحارث بن كعب المجاشعي من بني عبد المدان، لأنه كان هجا بني النجار من الأنصار،

стр. 481

فشكو ذلك، إلى حسان، فقال هذه القصيدة، فبلغ ذلك بني عبد المدان فأوثقوا الحارث، وأتوا به إلى حسان. وتبع السيوطي في هذا الكلام ابن الملا وابن وحيي، وهو كلام مضطرب، فإن الهاجي للأنصار إنما هو النجاشي، والحارث بن كعب قبيلة، وبنو عبد المدان منهم لا العكس، والحارث بن كعب أزدي لا مجاشعي، والذي أوثقوه وجاؤوا به موثقًا إنما هو النجاشي كما ذكرنا، وما نقلناه مسطور في جميع شروح أبيات "الجمل" وشروح شواهد سيبويه. وقوله: حار بن كعب، هو مرخم حارث، وبه استشهد الزجاجي في "جمله" قال الخفاف في شرحه: وشاهده ترخيم حارث على لغة من ينوي المحذوف، ويجوز فيه البناء على الضم والفتح إتباعًا لحركة النون من ابن في لغة من يضم، كقولهم: يا زيد بن عمرو. والهمزة للاستفهام لفظًا، وللتقرير والتقريع معنىّ. "ولا" للنفي، والأحلام: جمع حلم بالكسر، وهو العقل. ومعنى تزجركم: تنهاكم، والجوف: جمع أجوف، وهو العظيم الجوف بالجيم، يريد أنهم فارغون من العقل، والجماخير: جمع جمخور، بضم الجيم والخاء المعجمة وسكون الميم بينهما، وهو العظيم الجسم، وحذف حرف النداء ورخم، فكان الأصل: يا حارث بن كعب. انتهى. وزاد ابن السيد في تفسير الجمخور: الخوار، وفسره النحاس بالضعيف. وقال الأعلم في شرح أبيات "الجمل": وقبله: ألا طعان ولا فرسان عاديةً .. البيت ... وبعده: لا بأس بالقوم من طول ومن عظم .. البيت ..

стр. 482

فعنده شاهدنا أول أبيات حسان. وقوله: لا عيب بالقوم .. إلخ، روي أيضًا لا بأس بالقوم، يريد: أن أجسامهم لا تعاب، هي طويلة عظيمة، ولكنها كأجسام البغال لا عقول لها، ورواه صاحب "الكشاف": جسم الجمال، وأورده عند تفسير قوله تعالى: (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) [الأعراف/ ٤٠] على أن الجمل مثل في عظم الجرم. والبيت مثل قول آخر: وقد عظم البعير بغير لبِّ ... فلم يستغن بالعظم البعير وقول آخر: فأحلامهم حلم العصافير دقَّة ... وأجسامهم جسم الجمائل أو أجفى وهذان البيتان، على أن قائله رفع الجسم والأحلام على إضمار المبتدأ لما أراد من تفسير أحوالهم، دون القصد إلى الذم، والتقدير: أجسامهم أجسام البغال، وأحلامهم أحلام العصافير عظمًا وحقارةً، ويجوز، أن يريد لا أحلام لهم، كما أن العصفور لا حلم له. ولو قصد به الذم فنصبه بإضمار فعل لجاز، قال ابن خلف: ذكر سيبويه هذا الشعر بعد أبيات أنشدها، وذكر فيها أسماءً قد نصبت على طريق الشتم والتحقير، ورفع قوله: جسم البغال وأحلام العصافير. وقوله: ولم يرد أن يجعله شتمًا؛ يريد أنه لم يجعه شتمًا من طريق اللفظ إنما هو شتم من طريق المعنى، وهو أغلظ من كثير من الشتم، وأفرد الجسم وهو يريد الجمع ضرورة كقوله: في حلقكم عظم وقد شجينا

стр. 483

وقوله: كأنهم قصب .. إلخ، هو جمع قصبة، والجوف: جمع أجوف، كما مرَّ، ومكاسره: مبتدأ، جمع مكسر، أي: موضع الكسر، ومثقب خبره، والأرواح جمع ريح. والتخاجؤ، بتقديم الخاء المعجمة على الجيم، وبعد الجيم همزة: هو مشي فيه تبختر، والمشية السجح، بضم السين والجيم بعدها حاء مهملة: السهلة الحسنة، وألو: بمعنى أصحاب. والعصب: شدة الخلقة، يقال: رجل معصوب الخلق، أي: مدمجه. والتذكير: كونهم على خلقة الذكور، والنوا بضم النون: الحماقة، والبور: جمع بائر، وهو الهالك، والحماس، بكسر الحاء المهملة بعدها ميم: فرقة من بني الحارث بن كعب، والنسي: المنسي الخامل الذكر، وقوله: حبسا، بالبناء للمفعول من الحبس، والمجد: الرفعة، والخير بكسر المعجمة: الكرم. والنجاشي: اسمه قيس بن عمرو، وكان فيما روي ضعيف الدين، ذكر أنه شرب الخمر في رمضان، وثبت خبره عند أمير المؤمنين علي، رضي الله تعالى عنه، فبعث إليه، وجلده مائة جلدة، فلما رأى قد زاد في جلده على الثمانين، صاح به: ما هذه العلاوة يا أبا الحسن؟ ! فقال علي، رضي الله تعالى عنه: لجرأتك على الله في رمضان! والعلاوة: الشيء الزائد على حمل الدابة. وحسان: هو أبو الوليد حسان بن ثابت بن المنذر الأنصاري من بني النجار، وأمه الفريعة – بضم الفاء بالتصغير وآخره عين مهملة – وهي بنت خنيس من بني الخزرج. قال ابن قتيبة: حسان متقدم الإسلام إلا أنه لم يشهد مع رسول الله ﷺ ، مشهدًا لأنه كان جبانًا، وكان له ناصية يسدلها بين عينيه، وكان حسان يضرب

стр. 484

بلسانه روثة أنفه من طوله ويقول: والله لو وضعته على شعر لحلقه، أو على صخر لفلقه. وعاش في الجاهلية ستين سنة، وعاش مثلها في الإسلام فهو من المخضرمين، ومات في زمن معاوية، وكفَّ بصره في آخر عمره، ومات في سنة أربع وخمسين. وأما من قال: إن البيت الشاهد لخداش، فهو من قصيدة خاطب بها قومًا من بني تيم الأدرم من أجل مسابقة كانت بين بني العرقة من تيم الأدرم، وبين كرز بن ربيعة بن عمرو بن عامر، وهو من رهط خداش بن زهير. قال الأسود الأعرابي أبو محمد الغندجاني: وكان من قصة هذا الشعر أنه كان أول ما هاج بين قريش وبين بني عامر بن صعصعة أن كرز بن ربيعة راهن أسيدًا وعمرًا وعبد الله بن العرقة من بني تيم بن غالب، وهم تيم الأدرم، على فرس لهم يقال له: البرق، والسبق ثلاثون ناقة، وجعلوا المدى والمضمار إلى كرز فجعل المدى ما بين السجسج إلى ذات الفلج، وجعل المضمار البياض، فأرسلوا الفرسين، فجاء فرس كرز سابقًا، وهلك البرق، فأخذ السبق، فناشدوه في رده فأبى، فلبثوا قريبًا من سنتين، ثم ركب بنو العرقة، فلقوا أسيد بن مالك، وعمرو بن مالك، وعثمان بن أسيد من بني عامر بن ربيعة بأسفل العقيق في إبل لهم، فيها بكرة يقال لها: العنب، عشراء، فطردوا الإبل، فاستقبلها عثمان بن أسيد ينفَّر بها بثوبه، وبعث الأمة نحو أبيه وعمه مغوِّثًا، فركب أبوه فرسًا كبيرة، وركب عمه بنتها فرسًا صعبة، فلما لحق بالقوم قال عمرو بن مالك: أعلمونا من أنتم؟ قالوا: قريش، قالوا: وأيهم؟ قالوا: بنو العرقة. قالوا: فهل كان من حدث؟ قالوا: لا إلا يوم البرق، فقال لهم: احبسوا العنب، احبسوا اللقحة لقحة من لا يغدر! فقال لهم عمرو: لا والله لا ترضع منها قادمًا ولا آخرًا! قال: إنا لا نرضع الإبل ولكن نحتلبها،

стр. 485

وحمل عليه فقتله، وحمل أسيد بن مالك على أسيد بن العرقة فقتلة، فقال في ذلك: إنِّي كذاك أضرب الكميّ ... ولم يكن يشقى بي السَّميّ فذلك يوم العنب، وقال خداش بن زهير في ذلك: نكبُّ الكماة لأذقانها ... إذا كان يوم طويل الذَّنب كذاك الزَّمان وتصريفه ... وتلك فوارس يوم العنب ثم وقع بينهم بعد ذلك التغاور والقتال، فقال في ذلك خداش بن زهير: أبلغ أبا كنف إمَّا عرضت به ... والأبجرين ووهبًا وابن منظور ألا طعان ولا فرسان عادية ... إلَّا تجشُّؤكم عند التَّنانير ثمَّ احضرونا إذا ما احمرَّ أعيننا ... في كلِّ يوم يزيل الهام مذكور تلقوا فوارس لا ميلًا ولا عزلًا ... ولا هلابيج روَّاثين في الدُّور تلقوا أسيدًا وعمرًا وابن عمّهما ... ورقاء في النَّفر الشُّعث المغاوير من آل كرز غداة الرَّوع قد عرفوا ... عند القتال إلى ركن ومحبور يجدون أقرانهم في كلِّ معترك ... ضربًا وطعنًا كشقّ بالمناشير وبقي من هذه القصيدة أربعة عشر بيتًا. وخداش بن زهير: أورده ابن حجر في "الإصابة" في قسم المخضرمين الذين أدركوا زمن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يجتمعوا به. قال: خداش بن زهير العامري: شهد حنينًا مع المشركين، وله في ذلك شعر، يقول فيه:

стр. 486

يا شدَّةً ما شددنا غير كاذبةٍ ... على سخينة لولا اللَّيل والحرم ثم أسلم خداش بعد ذلك بزمان، ووفد ولده سعساع على عبد الملك يتنازعون في العرافة، فنظر إليه عبد الملك فقال: قد وليتك العرافة! فقام قومه وهم يقولون: فلج ابن خداش؛ فسمعهم عبد الملك فقال: كلا والله، لا يهجونا أبوك في الجاهلية، ونسوِّدك في الإسلام! وذكر البيت المتقدم. والمراد بسخينة: قريش. وذكر المرزباني أنه جاهلي، وأن البيت الذي قاله في قريش كان في حرب الفجار، وهذا أصوب. انتهى كلام ابن حجر .. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الموفي مائة: (١٠٠) ألا ارعواء لمن ولَّت شبيبته ... وآذنت بمشيب بعده هرم على أن ألا فيه أيضًا للتوبيخ والإنكار. قال الأزهري في "التهذيب": قال الليث: يقال: ارعوى فلان عن الجهل ارعواءً حسنًا، ورعوى حسنةً، وهو نزوعه وحسن رجوعه. وقوله: لمن: خبر ألا، وولت: ذهبت وأدبرت، والشبيبة: الشباب، وآذنت بمد الهمزة: أعلمت. قال الأصمعي: المشيب: دخول الإنسان في حد الشيب، والشيب: بياض الشعر، والهرم: أقصى الكبر، وجملة "بعده هرم": صفة المشيب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد بعد المائة: (١٠١) ألا عمر ولَّى مستطاع رجوعه ... فيرأب ما أثات يد الغفلات

стр. 487

على أن "ألا" للتمني. قال المصنف في "شرح أبيات ابن الناظم": وقول قوم منهم الشارح: أن المفيد للتمني "الهمزة" سهو، ويلزم منه كون المتمنى جملة النفي، فيكون معنى قولك "ألا ماء": أتمنى عدم الماء، وهو عكس المراد. وعمر: اسم ألا، ووّلى: صفته، ومستطاع رجوعه: اسمية قدم خبرها، والاسمية كالفعلية في الوصفية، وموضعهما النصب. فإن قلت: أيجوز أن تكون الفعلية محلها الرفع على الخبرية لـ"ألا" أو كون الاسمية خبرًا، أو كون مستطاع صفةً لاسمها على الموضع، أو خبرًا، ورجوعه [مرفوع] به على الوجهين؟ قلت: أما عند سيبويه فلا، لأنه لا يجيز مراعاة محل اسمها، إجراءً لها مجرى ليت، وليس لها عنده [خبر] لا لفظًا ولا تقديرًا، وأن نحو "ألا ماء" كلام تام محمول على معناه، وهو: أتمنى ماءً، وعلى هذا فهو كلام مركب من اسم وحرف، كما في: يا زيد، عند أبي علي، وأما عند المازني والمبرد؛ فيجوز لأنهما يجريانها مجرى التي للإنكار والتوبيخ سواء. وقوله: فيرأب: منصوب في جواب التمني، يقال: رأبه يرأبه، بالفتح فيهما والهمز: إذا أصلحه، وأصله من رأبت الإناء: إذا شعبته، والمحفوص في البيت: "يرأب" مبنيًا للفاعل، ويحسن بناؤه للمفعول. وأثأت بالمثلثة والهمز: أفسدت، منقول بالهمز من ثئي - بالكسر - يثأى - بالفتح: فسد. واستعار للغفلات يدأ كما استعارها زهير: إذ أصبحت بيد الشَّمال زمامها هذا آخر كلام المصنف، والصواب لبيد بدل زهير. وأنشد بعده: ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد ... إذا ألاقي الّذي لاقاه أمثالي

стр. 488

وتقدم في الإنشاد العاشر: وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني بعد المائة: (١٠٢) ألا رجلًا جزاه الله خيرًا ... يدلُّ على محصِّلة تبيت على أن "ألا" فيه عند الخليل للتحضيض، وهو طلب بحثّ، والفعل الذي يليها محذوف تقديره: ألا ترونني رجلًا، وهو بضم التاء، من الإراءة لا بفتحها من الرؤية. قال سيبويه: وسألت الخليل، رحمه الله تعالى، عن قوله: ألا رجلًا جزاه الله خيرًا .. البيت فزعم أنه ليس على التمني، ولكنه بمنزلة قول الرجل: فهلا خيرًا من ذلك كأنه قال ألا ترونني رجلًا جزاه الله خيرًا، وأما يونس فزعم أنه نون مضطرًا. انتهى. ولم يتكلم عليه السير في بشيء أصلًا، وقال أبو جعفر النحاس: قال أبو الحسن: هذا قول جميل لأنه حذف لعلم السامع، وقول يونس: إنه نون مضطرًا ليس المعنى عليه، لأن المتمني لا يتمنى أن يروه رجلًا هذه صفته. هذا كلامه. وقال الأعلم: الشاهد فيه نصب رجل، وتنوينه، لأنه حمله على إضمار فعل، وجعل "ألا" حرف تحضيض، والتقدير: ألا ترونني رجلًا. ولو جعلها ألا التي للتمني؛ لنصب ما بعدها بغير تنوين. هذا تقرير الخليل، وسيبويه. ويونس يرى أنه منصوب بالتمني، ونون ضرورة. والأولى أولى، لأنه لا ضرورة فيه، وحروف التحضيض مما يحسن إضمار الفعل بعدها. انتهى. وقدر بعضهم الفعل: ألا أجد رجلًا. وقدره الصاغاني في "العباب": ألا هات رجلًا. والأولى عندي أن يكون من باب الاشتغال، فيكون "رجلًا" منصوبًا بجزى مقدرًا يفسره المذكور، وعليه تكون "ألا" للتنبيه.

стр. 489

ورواه الأزهري في "التهذيب" والجوهري في "الصحاح": "ألا رجل" بالرفع. قال ابن بري في "أماليه" على "الصحاح": رجل: فاعل بإضمار فعل يفسره "يدل" تقديره: ألا يدل رجل على محصلة. انتهى. وقال العيني، وتبعه السيوطي: رجل: مبتدأ وتخصص بالاستفهام، ويدل: خبره. ورده ابن الملا بأنه لو كان استفهام؛ لكان عن رجل يدل، لا عن عدم رجل يدل، كما لا يخفى. انتهى. ورواه الصاغاني منصوبًا ومجرورًا، وقال: في الجر، هو بتقدير: ألا من رجل. انتهى. وقال بعضهم في رواية الجر: هو على تقدير مضاف، تقديره: ألا دلالة رجل، أي: ألا تحصلون لي دلالة رجل؟ ويدل على هذا المحذوف في البيت "يدل" لا على إضمار من، لما يلزمه من إعمال الجار محذوفًا مع كونه زائدًا. انتهى. والمحلة بتشديد الصاد؛ قال النحاس: هي التي تحصل الذهب، فتميزه من تراب المعدن، وأراد: تبيت عنده للزنا، والله تعالى أعلم، وقال الأعلم: وأراد بالمحصلة: امرأة تحصل الذهب من تراب المعدن، وتخلصه منه، وتطلبها للمبيت، إما للتحصيل، أو للفاحشة. انتهى. وهما في هذا الحمل قد قلدا ابن الأعرابي، قال في "نوادره" بعد أن أورد البيت الشاهد وحده: المحصلة: تحصل الذهب من التراب الذي يخرج من المعدن، وتبيت للفجور. انتهى. وأورده أبو الحسن الأخفش، سعيد بن مسعدة في كتاب "المعاياة" وقال: قوله محصلة، موضع يجمع الناس يحصلم. هذا كلامه. ولا معنى له هنا وقال الجوهري، وابن فارس في "المجمل" وتبعهما صاحب "العباب" و"القاموس" وغيرهما: هي المرأة التي تحصل تراب المعدن، وأنشدوا هذا البيت ... وتبيت: مضارع بات، قال الأزهري: قال ابن الأعرابي: يقال: بات الرجل يبيت بيتًا؛ إذا تزوج. انتهى. وهذا هو المناسب هنا. وقيل: تبيت فعل

стр. 490

ناقص، مضارع بات، اسمها ضمير المحصلة. وجملة "ترجل لمتي" في بيت بعده: خبرها، وفيه عيب التضمين، وهو توقف بيت على آخر. وقال ابن الملا: وروى الأزهري: "تبيت" على أنه بضم أوله، من أبات، أي: تجعل لي بيتًا، أي: امرأة بنكاح، وعليه فلا تضمين. أقول: هذا غير موجود في "تهذيب اللغة" للأزهري، ولا في غيره من كتب اللغة. وزعم الأعلم والنحاس: أنه فعل تام، كما نقلناه، قال السيوطي، وتبعه ابن الملا: يرد قول الأعلم قول الأزهري: إن هذا البيت لأعرابي أراد أن يتزوج امرأة بمتعة. انتهى. أقول: ليس في "تهذيب الأزهري" شيء من هذا، وإنما قال: الحاصل: ما خلص من الفضة من حجارة المعدن، ويقال للذي يخلصه، محصل، وأنشد البيت، ولم يذكر قائله، ولا شيئًا يتعلق به. ونقل العيني عن ابن هشام اللخمي أنه قال في "شرح أبيات الجمل": هو "تبيث" بثاء مثلثة، والعرب تقول: بثت الشيء بوثًا. وبثته بيثًا: إذا استخرجته، فأراد: امرأة تعينه على استخراج الذهب، وتحصيله من تراب المعدن. انتهى. وأقول: لم يقع هذا البيت في الجمل ولم أر له كلامًا يتعلق بهذا البيت في ذلك الكتاب، وإنما قال هذا الكلام الباهلي في كتاب "معاني الشعر" ونسب المصنف هذا القول، في شرح أبيات المصنف، إلى السيرافي، وتبعه السيوطي. وأقول: لم يتكلم السيرافي على شيء من هذا البيت، وإنما قال: ويروى: "مخلِّصة". ولم يزد على هذا شيئًا.

стр. 491

وأورد ابن بري وغيره بعد هذا البيت بيتًا آخر، وهو: ترجِّل جمَّتي وتقمُّ بيتي ... وأعطيها الإتاوة أن رضيت وهو استئناف بياني، كأنه قيل له: ما تصنع لك؟ فأجاب به. والترجيل: تسريح الشعر والجملة، بضم الجيم، وتشديد الميم: مجتمع شعر الرأس: وروي بدله "لمّتي" واللمة بالكسر: الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن، وقم البيت. قمًّا، من باب قتل: كنسه، والقمامة، بالضم: الزبالة التي تكنس من البيت. والإتاوة، بالكسر، قال الأزهري: هي الخراج، وأنشد الأصمعي: أفي كلِّ أسواق العراق إتاوة ... وفي كلِّ ما باع امرؤ مكس درهم انتهى. فيكون المراد بالخراج هنا: كسوتها، ونفقتها. وينبغي أن يقرأ قوله: أن رضيت، بفتح الهمزة، أي: لرضاي عنها. وقال السيوطي: قال الزمخشري في "شرح أبيات الكتاب": البيت الشاهد من قصيدة طويلة لعمرو بن قعاس المرادي أولها: ألا يا بيت بالعلياء بيت ... ولولا حبُّ أهلك ما أتيت ألا يا بيت أهلك أوعدوني ... كأنِّي كلَّ ذنبهم جنيت ألا بكر العواذل فاستميت ... وهل من راشد إمّا غويت إذا ما فاتني لحم غريض ... ضربت ذراع بكري فاشتويت وكنت متى أرى رقًا مريضا ... يصاح على جنازته بكيت

стр. 492

أمشِّي في سراة بني عطيف ... إذا ما ساءني ظلم أبيت أرجِّل لمَّتي وأجرُّ ذيلي ... وتحمل بزَّتي أفق كميت وبيت ليس من شعر وصوف ... على ظهر المطَّية قد بنيت ألا رجلًا جزاه الله خيرًا ... .. إلى آخر البيتين وعلى هذا، يكون بين البيتين وتلك الأبيات مخالفة في حركة الروي بالفتح والكسر، وهو العيب المسمى بالسناد. والبيت الأول من شواهد سيبويه، أنشده في باب النداء، ونسبه إلى عمرو ابن قعاس. قال الأعلم: الشاهد فيه رفع البيت، لأنه قصده بعينه، ولم يصفه بالمجرور بعده فينصبه، لأنه أراد: لي بالعلياء بيت، ولكني أوثرك عليه لمحبتي في أهلك. انتهى. واستشهد به أبو علي أيضًا على أن العلياء اسم لا وصف، والعلياء: موضع بعينه، أبدلت لامه ياءً على غير القياس، والعلياء أيضًا: رأس كل جبل، لكنه استعمل استعمال الأسماء، ومثله في الشذوذ: داهية دهياء، والأصل: دهواء، بدليل قولهم: داهية دهويَّة، وزعم الفراء: أن علياء مبنية على عليت، ورده أبو علي بأن علياء اسم، وعليت فعل: فلا معنى لحمله عليه، كذا قال شارح شواهده. وقوله: كأني كل ذنبهم جنيت. قال النحاس: قال المازني: معناه: كأنني كل ذنب أتاه إليهم آت أنا أتيته. وقوله فاستميت، أي: علوت عن سماع عذلهن، ووزنه "افتعلت" من السمو، يقول: أنا أعلى من أن ألام على شيء، وهل من راشد لي إن غويت؟ أي: أنا أرشد الغواة، فكيف أحتاج

стр. 493

إلى راشد! ؟ واللحم الغريض، بمعجمتين: الطري لا القديد، وقوله: ضربت ذراع بكري، أي: فصدته بذراعه، وشويت ما خرج منه من الدم، وقنعت بذلك بدلًا من اللحم. والبكر، بالفتح: الجمل الشاب. وصف نفسه بالقناعة والعفة. وقوله: وكنت متى أرى رقًا، هو بكسر الراء، مفعول لأجله لبكيت. وصف نفسه برقة القلب. وأمشِّي، بتشديد الشين: لغة في تخفيفها، وغطيف، بالتصغير جده الأعلى. والبزة، بكسر الباء وتشديد الزاء المعجمة: السلاح. وروي بدله "شكتي" بكسر الشين المعجمة، وهي السلاح أيضًا. والأفق، بضم الألف والفاء: الفرس الرائع، للذكر والأنثى، قاله صاحب "العباب" وأنشد هذا البيت. والكميت من الخيل: بين الأسود والأحمر، قال أبو عبيد: ويفرق بينه وبين الأشقر بالعرف والذنب، فإن كانا أحمرين فهو أشقر، وإن كانا أسودين فهو الكميت. وقوله: وبيت ليس من شعر .. إلخ، يقول: جعلت لي ظهر المطية بدلًا من البيت. وعمرو بن قعاس المرادي المذحجي: شاعر جاهلي، وهو بكسر القاف، ويقال ابن قنعاس أيضًا، بزيادة النون، قاله صاحب "العباب". ومن ولد عمرو بن قعاس: هانئ بن عروة بن نمران بن عمرو بن قعاس، قتله عبيد الله ابن زياد في الكوفة مع مسلم بن عقيل بن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم. [إّلا] وأنشد في "إلا" بالكسر والتشديد، وهو الإنشاد الثالث بعد المائة:

стр. 494

(١٠٣) أنيخت فألقت بلدةً فوق بلدةٍ ... قليل بها الأصوات إّلا بغامها على أن "إلا" صفة للأصوات، وهي لتعريفها بلام الجنس شبيهة بالمنكر، ولما كانت إلا الوصفية في صورة الحرف الاستثنائي؛ نقل إعرابها الذي تستحقه إلى ما بعدها، كأل الموصولة لما كانت في صورة حرف التعريف؛ نقل إعرابها أيضًا إلى صلتها، وهو الوصف، فرفع "بغامها" إنما هو بطريق النقل من "إّلا" إليه، والمعنى: إن صوتًا غير بغام الناقة قليل في تلك البلدة، وأما بغامها فهو كثير. قال سيبويه في "باب ما يكون فيه إلا وما بعده وصفًا بمنزلة غير" ومثل ذلك: لو كان معنا رجل غلا زيد لغلبنا، والدليل على أنه وصل: أنك لو قلت: لو كان معنا إلا زيد لهلكنا، وأنت تريد الاستثناء؛ لكنت قد أحلت. ونظير ذلك قوله : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء/ ٢٢] ونظير ذلك من الشعر قول ذي الرمة: أنيخت فألقت بلدة ... البيت، كأنه قال: قليل بها الأصوات غير بغامها، إذا كانت غير استثناء. انتهى. قال السيرافي: فيه وجهان: أحدهما: ما قاله سيبويه، وإذا كان على ما قاله فقد أثبت بها أصواتًا قليلة، وجعل "إلا بغامها" نعتًا للأصوات. والوجه الثاني: أن يكون "قليل" بمعنى النفي، فيكون بمعنى: ما بها أصوات إلا بغامها، وهو استثناء وبدل، كما تقول: أقل رجل يقول ذلك إلا زيد. انتهى. وكذا جوز الرضي الوجهين في شرح "الكافية": والمعنى على

стр. 495

الاستثناء: ما في تلك البلدة من جنس الأصوات إلا بغامها، بخلاف الوصفية، فإنه يقتضي أن يكون فيها صوت غير البغام، لكنه قليل. وكذا جوز الأعلم قال: يجوز أن يكون البغام بدلًا من الأصوات على أن يكون بمعنى النفي، وكأنه قال: ليس بها صوت إلا بغامها. انتهى. وقليل: خبر مقدم. والأصوات: مبتدأ مؤخر. والجملة: صفة لبلدة. ويجوز جر قليل على أنه صفة لبلدة، والأصوات فاعل قليل لاعتماده على الموصوف. والبيت من قصيدة لذي الرمة، وقبله: إلا خيَّلت ميٌّ وقد نام صحبتي ... فما نفَّر التَّهويم إّلا سلامها طروقًا وجلب الرَّحل مشدودة به ... سفينة برٍّ تحت خدّي زمامها أنيخت فألمقت بلدةً فوق بلدة ... قليل بها الأصوات إّلا بغامها يمانية في وثبها عجرفَّية ... إذا انضمَّ إطلالها وأودى سنامها. قوله: ألا خيلت مي، أي: أرسلت إلي خيالها في النوم. ومي: اسم محبوبته، وجملة: "قد نام صحبتي": حال، والصحبة: مصدرصحبته، وأريد به هنا: الأصحاب. ونفر: بالتشديد، والتهويم: مفعوله، مصدر هوم الرجل: إذا هز رأسه من النعاس، وسلامها: فاعل نفر، يقول: نفر نومنا حين سلم الخيال علينا. وقوله: طروقًا وجلب ... إلخ، الطروق: مصدر طرق، أي: أتى ليلًا، يريد خيلت. وجلب الرحل، بكسر الجيم وضمها: عيدانه وخشبه، وهو مبتدأ: ومشدودة: خبره. وسفينة، نائب الفاعل لمشدودة، وبه، أي: بالجلب، وأراد بسفينة البر: ناقته: وزمامها: مبتدأ، وتحت خدي: خبره، والجملة: صفة سفينة. يريد أنه كان نزل على ناقته آخر الليل، ووضع زمامها تحت خده، ونام.
следующие страницы →