Полный текст (2 797 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وأورد ابن بري وغيره بعد هذا البيت بيتًا آخر، وهو:
ترجِّل جمَّتي وتقمُّ بيتي ... وأعطيها الإتاوة أن رضيت
وهو استئناف بياني، كأنه قيل له: ما تصنع لك؟ فأجاب به. والترجيل: تسريح الشعر والجملة، بضم الجيم، وتشديد الميم: مجتمع شعر الرأس: وروي بدله "لمّتي" واللمة بالكسر: الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن، وقم البيت. قمًّا، من باب قتل: كنسه، والقمامة، بالضم: الزبالة التي تكنس من البيت. والإتاوة، بالكسر، قال الأزهري: هي الخراج، وأنشد الأصمعي:
أفي كلِّ أسواق العراق إتاوة ... وفي كلِّ ما باع امرؤ مكس درهم
انتهى. فيكون المراد بالخراج هنا: كسوتها، ونفقتها. وينبغي أن يقرأ قوله: أن رضيت، بفتح الهمزة، أي: لرضاي عنها.
وقال السيوطي: قال الزمخشري في "شرح أبيات الكتاب": البيت الشاهد من قصيدة طويلة لعمرو بن قعاس المرادي أولها:
ألا يا بيت بالعلياء بيت ... ولولا حبُّ أهلك ما أتيت
ألا يا بيت أهلك أوعدوني ... كأنِّي كلَّ ذنبهم جنيت
ألا بكر العواذل فاستميت ... وهل من راشد إمّا غويت
إذا ما فاتني لحم غريض ... ضربت ذراع بكري فاشتويت
وكنت متى أرى رقًا مريضا ... يصاح على جنازته بكيت
стр. 492
أمشِّي في سراة بني عطيف ... إذا ما ساءني ظلم أبيت
أرجِّل لمَّتي وأجرُّ ذيلي ... وتحمل بزَّتي أفق كميت
وبيت ليس من شعر وصوف ... على ظهر المطَّية قد بنيت
ألا رجلًا جزاه الله خيرًا ... .. إلى آخر البيتين
وعلى هذا، يكون بين البيتين وتلك الأبيات مخالفة في حركة الروي بالفتح والكسر، وهو العيب المسمى بالسناد.
والبيت الأول من شواهد سيبويه، أنشده في باب النداء، ونسبه إلى عمرو ابن قعاس. قال الأعلم: الشاهد فيه رفع البيت، لأنه قصده بعينه، ولم يصفه بالمجرور بعده فينصبه، لأنه أراد: لي بالعلياء بيت، ولكني أوثرك عليه لمحبتي في أهلك. انتهى.
واستشهد به أبو علي أيضًا على أن العلياء اسم لا وصف، والعلياء: موضع بعينه، أبدلت لامه ياءً على غير القياس، والعلياء أيضًا: رأس كل جبل، لكنه استعمل استعمال الأسماء، ومثله في الشذوذ: داهية دهياء، والأصل: دهواء، بدليل قولهم: داهية دهويَّة، وزعم الفراء: أن علياء مبنية على عليت، ورده أبو علي بأن علياء اسم، وعليت فعل: فلا معنى لحمله عليه، كذا قال شارح شواهده. وقوله: كأني كل ذنبهم جنيت. قال النحاس: قال المازني: معناه: كأنني كل ذنب أتاه إليهم آت أنا أتيته. وقوله فاستميت، أي: علوت عن سماع عذلهن، ووزنه "افتعلت" من السمو، يقول: أنا أعلى من أن ألام على شيء، وهل من راشد لي إن غويت؟ أي: أنا أرشد الغواة، فكيف أحتاج
стр. 493
إلى راشد! ؟ واللحم الغريض، بمعجمتين: الطري لا القديد، وقوله: ضربت ذراع بكري، أي: فصدته بذراعه، وشويت ما خرج منه من الدم، وقنعت بذلك بدلًا من اللحم. والبكر، بالفتح: الجمل الشاب. وصف نفسه بالقناعة والعفة.
وقوله: وكنت متى أرى رقًا، هو بكسر الراء، مفعول لأجله لبكيت. وصف نفسه برقة القلب. وأمشِّي، بتشديد الشين: لغة في تخفيفها، وغطيف، بالتصغير جده الأعلى. والبزة، بكسر الباء وتشديد الزاء المعجمة: السلاح. وروي بدله "شكتي" بكسر الشين المعجمة، وهي السلاح أيضًا. والأفق، بضم الألف والفاء: الفرس الرائع، للذكر والأنثى، قاله صاحب "العباب" وأنشد هذا البيت. والكميت من الخيل: بين الأسود والأحمر، قال أبو عبيد: ويفرق بينه وبين الأشقر بالعرف والذنب، فإن كانا أحمرين فهو أشقر، وإن كانا أسودين فهو الكميت. وقوله: وبيت ليس من شعر .. إلخ، يقول: جعلت لي ظهر المطية بدلًا من البيت.
وعمرو بن قعاس المرادي المذحجي: شاعر جاهلي، وهو بكسر القاف، ويقال ابن قنعاس أيضًا، بزيادة النون، قاله صاحب "العباب". ومن ولد عمرو بن قعاس: هانئ بن عروة بن نمران بن عمرو بن قعاس، قتله عبيد الله ابن زياد في الكوفة مع مسلم بن عقيل بن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم.
[إّلا]
وأنشد في "إلا" بالكسر والتشديد، وهو الإنشاد الثالث بعد المائة:
стр. 494
(١٠٣) أنيخت فألقت بلدةً فوق بلدةٍ ... قليل بها الأصوات إّلا بغامها
على أن "إلا" صفة للأصوات، وهي لتعريفها بلام الجنس شبيهة بالمنكر، ولما كانت إلا الوصفية في صورة الحرف الاستثنائي؛ نقل إعرابها الذي تستحقه إلى ما بعدها، كأل الموصولة لما كانت في صورة حرف التعريف؛ نقل إعرابها أيضًا إلى صلتها، وهو الوصف، فرفع "بغامها" إنما هو بطريق النقل من "إّلا" إليه، والمعنى: إن صوتًا غير بغام الناقة قليل في تلك البلدة، وأما بغامها فهو كثير.
قال سيبويه في "باب ما يكون فيه إلا وما بعده وصفًا بمنزلة غير" ومثل ذلك: لو كان معنا رجل غلا زيد لغلبنا، والدليل على أنه وصل: أنك لو قلت: لو كان معنا إلا زيد لهلكنا، وأنت تريد الاستثناء؛ لكنت قد أحلت. ونظير ذلك قوله : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء/ ٢٢] ونظير ذلك من الشعر قول ذي الرمة: أنيخت فألقت بلدة ... البيت، كأنه قال: قليل بها الأصوات غير بغامها، إذا كانت غير استثناء. انتهى. قال السيرافي: فيه وجهان:
أحدهما: ما قاله سيبويه، وإذا كان على ما قاله فقد أثبت بها أصواتًا قليلة، وجعل "إلا بغامها" نعتًا للأصوات.
والوجه الثاني: أن يكون "قليل" بمعنى النفي، فيكون بمعنى: ما بها أصوات إلا بغامها، وهو استثناء وبدل، كما تقول: أقل رجل يقول ذلك إلا زيد. انتهى. وكذا جوز الرضي الوجهين في شرح "الكافية": والمعنى على
стр. 495
الاستثناء: ما في تلك البلدة من جنس الأصوات إلا بغامها، بخلاف الوصفية، فإنه يقتضي أن يكون فيها صوت غير البغام، لكنه قليل. وكذا جوز الأعلم قال: يجوز أن يكون البغام بدلًا من الأصوات على أن يكون بمعنى النفي، وكأنه قال: ليس بها صوت إلا بغامها. انتهى.
وقليل: خبر مقدم. والأصوات: مبتدأ مؤخر. والجملة: صفة لبلدة. ويجوز جر قليل على أنه صفة لبلدة، والأصوات فاعل قليل لاعتماده على الموصوف.
والبيت من قصيدة لذي الرمة، وقبله:
إلا خيَّلت ميٌّ وقد نام صحبتي ... فما نفَّر التَّهويم إّلا سلامها
طروقًا وجلب الرَّحل مشدودة به ... سفينة برٍّ تحت خدّي زمامها
أنيخت فألمقت بلدةً فوق بلدة ... قليل بها الأصوات إّلا بغامها
يمانية في وثبها عجرفَّية ... إذا انضمَّ إطلالها وأودى سنامها.
قوله: ألا خيلت مي، أي: أرسلت إلي خيالها في النوم. ومي: اسم محبوبته، وجملة: "قد نام صحبتي": حال، والصحبة: مصدرصحبته، وأريد به هنا: الأصحاب. ونفر: بالتشديد، والتهويم: مفعوله، مصدر هوم الرجل: إذا هز رأسه من النعاس، وسلامها: فاعل نفر، يقول: نفر نومنا حين سلم الخيال علينا.
وقوله: طروقًا وجلب ... إلخ، الطروق: مصدر طرق، أي: أتى ليلًا، يريد خيلت. وجلب الرحل، بكسر الجيم وضمها: عيدانه وخشبه، وهو مبتدأ: ومشدودة: خبره. وسفينة، نائب الفاعل لمشدودة، وبه، أي: بالجلب، وأراد بسفينة البر: ناقته: وزمامها: مبتدأ، وتحت خدي: خبره، والجملة: صفة سفينة. يريد أنه كان نزل على ناقته آخر الليل، ووضع زمامها تحت خده، ونام.
стр. 496
وقوله: أنيخت ... إلخ، مجهول أنختها، أي: أبركتها، والبلدة الأولى: الصدر، والثانية: الأرض، والضمير في أنيخت، وألقت، وبغامها؛ راجع إلى سفينة بر، المراد بها الناقة، والبغام - بضم الموحدة بعدها غبن معجمة - قال الجوهري: بغام الظبية صوتها، وكذلك بغام الناقة: صوت لا تفصح به، وقد بغمت تبغم بالكسر.
وقوله: يمانية ... إلخ، أي: هذه الناقة منسوبة إلى اليمن. والوثب: النهوض بسرعة: والعجرفية: سرعة الحركة، في "القاموس": العجرفة: جفوة في الكلام، وخرق في العمل، والإقدام في هوج، ويكون الجمل عجرفي المشي، وفيه تعجرف، وعجرفة، وعجرفية: قلة مبالاة لسرعته. وإطلالها: خاصرتاها، مثنى إطل، بكسر الهمزة وسكون الطاء المهملة. وأودى: ذهب وتلف. يقول: هي في ضمرها هكذا شديدة، فكيف تكون قبل الضمر! وترجمة ذي الرمة تقدمت في الإنشاد الرابع والخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع بعد المائة:
(١٠٤) لو كان غيري سليمي الدَّهر غيَّره ... وقع الحوادث إّلا الصَّارم الذَّكر
على أن "إّلا الصارم الذكر" صفة لغيري، قال سيبويه: كأنه قال: لو كان غيري غير الصارم الذكر، لغيره وقع الحوادث، إذا جعلت غير الآخرة صفة للأولى، والمعنى: أراد أن يخبر أن الصارم الذكر لا يغيره شيء. انتهى. قال السيرافي: قائل هذا الشعر كأنه نابتة شدة فصبر لها، وثبت عندها، ولم تضعضعه، ولم تغيره، فقال: لو كان غيري في هذه الشدة لضعضعته،
стр. 497
وغيرته، إلا أن يكون غيري الذي يقع في هذه الشدة الصارم الذكر، فإنه مثلي لا تغيّره هذه الشدة. والشدة التي مثلتها هي "وقع الحوادث" الذي في البيت، وتقديره الذي يقر به من الفهم: لو كان غيري المخالف للصارم الذكر، لغيره وقع الحوادث. وضده: لو كان غيري المجانس للصارم الذكر لم يغيره وقع الحوادث، كما لم يغيرني. انتهى. وقال أبو علي في "المسائل المنثورة": إذا قلت: جاءني القوم إلا زيد، تجعل إلا وزيدًا صفة للقوم، وكان وحده أن يكون نصبًا، ولكنك لما حملت غيرًا على إلا فاستثنيت بها؛ جاز أن تجعل إلا صفة، فتشبهها بغير من حيث شبهت غيرًا بها، ولا يجوز أن تجعلها نعتًا إلا إذا كان في الكلام معنى الاستثناء، وأما قول الشاعر:
لو كان غيري سليمي اليوم غيَّره ... البيت
فرفع إلا الصارم الذكر، لأنه صفة لغير، وكأنه أراد: لو كان غيري وغير الصارم الذكر، غيَّره وقع الحوادث، لأنه إذا قال: غيري، فكأنه أشار إلى أنه مثله، واختصها واختص الصارم الذكر، فجاز ذلك. انتهى. و"كان" يجوز أن تكون تامة، وغيري: فاعلها، والدهر: منصوب على الظرفية بـ"كان"، ويجوز أن تكون ناقصة، وخبرها محذوف، والدهر مفعوله، تقديره: يقاسي الدهر ويكابده. وجوز بعضهم أن يكون الدهر خبرها، قال: وصح الإخبار به عن الجثة، كما في: نحن في يوم طيب. وسليمي: منادى، وحرف النداء محذوف.
وجملة "غيره وقع الحوادث": جواب له. ونقل السيوطي عن الزمخشري: أنه قال في شرح أبيات الكتاب": إن جملة "غيره وقع" خبر كان. وهذا النقل لا يصح من مثل الزمخشري! وأجزم أنه من تحريف الناسخ.
стр. 498
ووقع الحوادث: سقوطها. والحوادث: جمع حادثة، وهي ما يحدث من مصائب الدهر ونوائبه. والصارم: السيف القاطع، والذكر: أنفس الحديد وأجوده، وهو الفولاذ الذي له ماء ورونق، والحديد الرديء يقال له: الأنيث.
وقال الزمخشري في معناه: إنه لو كان غيره من الأشياء في موضعه لغيرته الحوادث إلا السيف، فإنه لا يتغير، فأنا مثل السيف في أني لا أتغير. ويجوز أن يريد: لو كان غيري من الأشياء لتغيّر كتغيُّري إلا السيف، يريد أن كل شيء يتغير بمرور الأوقات عليه إلا السيف الصارم. انتهى.
والبيت من قصيدة للبيد بن ربيعة العامري الصحابي وقبله:
قالت غداة انتجينا عند جارتها ... أنت الذي كنت لولا الشَّيب والكبر
فقلت ليس بياض الرأس عن كبر ... لو تعلمين وعند العالم الخبر
وانتجينا بالجيم بمعنى: تساررنا، من النجوى، وقوله: أنت الذي كنت ... إلخ، تريد: أنت كبرت وشبت؛ فأجابها: بأن الشيب ليس من كبر السن، وإنما هو من ترادف المصائب! وما أحسن قول بعضهم:
سألت من الأطَّبا ذات يوم ... خبيرًا: ممَّ شيبي؟ قال: بلغم
فقلت له وما استحييت منه: ... لقد أخطأت فيما قلت، بل غمّْ
و"لو" هنا، للتعليق في الماضي، وإن كان شرطها مضارعًا، إذ القصد إلى مجرد فرضه، والعلم هنا منزَّل منزلة القاصر، أي: لو كنت من أهل العلم والدراية. وجملة "وعند العالم الخبر" من إرسال المثل، ومن التذييل، وهو تعقيب الجملة بجملة مشتملة على معناها للتوكيد.
стр. 499
وترجمة لبيد تقدمت في الإنشاد الواحد والستون.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس بعد المائة:
(١٠٥) وكلُّ أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إَّلا الفرقدان
على أنه من قبيل الشاذ عند ابن الحاجب، فإنه شرط في وقوع "إلا" صفة أن يتعذر الاستثناء، وفي البيت وقعت "إلا" صفة، مع أنه يجوز نصب الفرقدين على الاستثناء، وعنده فيه أيضًا شذوذان آخران، أحدهما: وصف المضاف، والمشهور وصف المضاف إليه، وثانيهما: الفصل بين الصفة والموصوف بالخبر، وهو قليل. وكذا صاحب "اللب". ولا شذوذ في الأولين عند سيبويه قال: كأنه قال: وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه، إذا وصفت به كلا؛ كما قال الشماخ:
وكلُّ خليل غير هاضم نفسه ... لوصل خليل صارم أو معارز
انتهى. وقال السيرافي: تقديره: وكل أخ إلا الفرقدان مفارقه أخوه. و"إلا": صفة لكل، ومفارقه: خبر، ولو كان صفة للأخ لقال: إلا
стр. 500
الفرقدين؛ لأن ما بعد "إلا" يعرب بإعراب غير الذي يقع موقعه، فالمرفوع: نعت كل، والمخفوض: نعت أخ. انتهى.
وقال صاحب "المقتبس": وفي البيت تخريج يتراءى لي غير بعيد عن الصواب، وهو أن يجعل قوله: مفارقه أخوه: صفة لكل، وساغ ذلك لكونه نكرة إذ إضافته لفظية، ثم يجعل إلا الفرقدان، خبرًا للمبتدأ الموصوف، ولا يخرج جعلها خبرًا عن الوصفية؛ لأن الخبر أيضًا صفة حقيقية، فتكون "إلا" في قوله تعالى: (إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء/ ٢٢] صفة نحوية، وفي البيت صفة معنوية، وبهذا الوجه يخرج الكلام عن تخلل الخبر بين الصفة والموصوف، وتقدير البيت على ما ذكرت: وكل أخ مفارق أخاه مغائر للفرقدين، أي: ليس على صفتهما، لأنهما لا يفترقان منذ كانا.
ورده السيد عبد الله في "شرح اللب" بقوله: ولا يجوز أن يجعل مفارقه: صفة، وإلا الفرقدان: خبرًا؛ حتى يتخلص من هذه الفسادات، كما يقيل: لفساد المعنى. انتهى. ووجهه أن المراد: الحكم على كل أخ بأنه مفارق أخاه في الدنيا سوى الفرقدين، فإنهما لا يفترقان إلا عند فناء الدنيا، وليس المعنى على ما ذكره، فإنه يقتضي بمفهومه: بأن كل أخ لا يفارق أخاه، مثل الفرقدين في اجتماع الشمل، وليس في الدنيا أخوان لا يفترقان؛ فتأمل.
стр. 501
ورأيت في هامش "شرح اللب" عند قوله: لفساد المعنى، أي: لعدم صحة المعنى، لأنه هو الإخبار بأن كل أخ مع أخيه سيفترق وصلهما إلا الفرقدان، فإنهما لا يفترق أحدهما عن الآخر، لا الإخبار بأن كل أخ مع أخيه المفارق منه مغائر للفرقدين. ولا شك أن المغايرة معلومة لا فائدة في الإخبار بها، لأن الخبر كالوصف في حق المعنى، فلا يخلو حينئذ عن الضعف. هذا ما رأيته، وهو ليس بشيء، إذ لا فساد في المعنى.
وفي البيت تخاريج غير ما ذكر سيبويه أوردتها في شرح الشاهد الأربعين بعد المائتين من شواهد الرضي، وقد كنت ذكرت هناك تخريجًا ظننت أني غير مسبوق به، وهو أن تكون "إلا" للاستثناء، والفرقدان منصوب بعد تمام الكلام الموجب، لكنه منصوب بفتحة مقدرة على الألف على لغة من يلزم المثنى الألف في الأحوال الثلاثة، وهي لغة بني الحارث بن كعب، ثم رأيته الآن مذكورًا في شرح ابن وحيي، نقله عن تعليقة الدمامبيني، وفي آخر كلامه: وهذا إنما يتأتى إذا كان الشاعر من أهل تلك اللغة، فحمدت الله تعالى.
قال الغالي في "شرح اللباب": البيت يحتمل وجوهًا من الإعراب:
أحدها: أن يكون "كل": مبتدأ، و"مفارقه": خبره، و"أخوه": فاعل مفارقه.
стр. 502
الثاني: أن يكون "كل" مبتدأ، و"ومفارقه": مبتدأ ثانيًا، و"وأخوه": خبره، والجملة خبر الأول.
الثالث: أن يكون "كل" مبتدأ، و"وأخوه": مبتدأ ثانيًا، و"ومفارقه": خبره، والجملة خبر الأول.
الرابع: أن يكون "كل": مبتدأ، و"مفارقه": بدلًا منه، و"أخوه": خبر كل، أي: مفارق كل أخ أخوه.
الخامس: أن يكون "مفارقه" بدلًا من "كل" و"أخوه" مبتدأ و"كل أخ مفارقه": خبر مقدم. انتهى.
وقوله: لعمر أبيك: مبتدأ خبره محذوف، تقديره: قسمي، والجملة معترضة، واللام للتأكيد.
والبيت نسبه سيبويه، والجاحظ في "البيان" والمبرد في "الكامل"، وغيرهم، إلى عمرو بن معدي كرب الصحابي، ولم أره في ديوانه. ونسبه غير هؤلاء إلى حضرمي بن عامر الأسدي الصحابي أيضًا.
قال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": حضرمي بن عامر: شاعر فارس. سيد من بني أسد، وله في كتاب بني أسد أشعار وأخبار حسان، وهو القائل:
ألا عجبت عميرة أمس لمَّا ... رأت شيب الذُّؤابة قد علاني
تقول أرى أبي قد شاب بعدي ... وأقصر عن مطالبة الغواني
وكلُّ قرينة قرنت بأخرى ... ولو ضنَّت بها ستفرَّقان
وكلُّ أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إَّلا الفرقدان
ونقل السيوطي من غير روايته أكثر من هذه الأبيات. والذؤابة: الخصلة.
стр. 503
من الشعر، وقوله: وكل قرينة، أي: كل نفس مقرونة بأخرى ستفارقها، ولو ضنت بها، أي: وإن بخلت بها. والفرقدان: نجمان قريبان من القطب.
وعمرو بن معدي كرب الزَّبيدي: هو الفارس المشهور صاحب الغارات والوقائع في الجاهلية والإسلام، أسلم مع وفد زبيد في سنة تسع، ومات في سنة إحدى وعشرين من الهجرة، وعمره مائة وعشرون، وقيل مائة وخمسون، وقد ترجمناه بأبسط مما هنا في الشاهد الرابع والخمسين بعد المائة.
وكذا بسطنا الكلام في ترجمة حضرمي بن عامر الأسدي الصحابي في الشاهد الأربعين بعد المائتين من شرح شواهد المحقق الرضي. وحضرمي، بفتح الحاء، وسكون الضاد المعجمة، وبعد الراء ميم بعدها ياء مشددة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس بعد المائة:
(١٠٦) حراجيج ما تنفكُّ إلَّا مناخةً ... على الخسف أو يرمى بها بلدًا قفرا
على أن "إلا" فيه زائدة عند الأصمعي، وابن جني، قال السيرافي: الأصمعي وأبو عمر الجرمي ومن تبعهما، كانوا يقولون: أخطأ ذو الرمة، لأنه لا يقال: لا يزال زيد إلا قائمًا، كما لا يقال: يزاد زيد قائمًا، لأن ذلك لا يستعمل إلا بلفظ الجحد، وإذا استثنينا، صار الجحد إيجابًا؛ فلذلك لم يجز الاستثناء منه، ولا ينفك، بمعنى: لا يزال. انتهى.
ونقل ابن يعيش في شرح "المفصل" أن المازني خرجه على زيادة "إلا" والمازني قد روى من الأصمعي، وابن جني تابع لشيخه أبي علي، فإنه قال في
стр. 504
"القصريات": إلا، ههنا، زائدة، لولا ذلك لم يجز هذا البيت، لأن تنفك في معنى تزال، "ولا يزال" لا يتكلم به إلا منفيًا عنه.
وقول المصنف: فقيل غلط منه، والمنبه على غلطه أبو عمرو بن العلاء. قال المرزباني في "الموشح": أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، قال: حدثنا بكر بن محمد المازني، قال: حدثني الأصمعي قال سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: أخطأ ذو الرمة في قوله:
حراجيج ما تنفكُّ إلّا مناخةً ... البيت
وقول المصنف: وقيل: من الرواة، وأن الرواية "آلًا" [بالتنوين] فيكون آلًا خبر تنفك، ومناخة: صفة، وأنث الصفة: لأن الشخص مما يؤنث ويذكر، وقال ابن الملا: مناخة: خبر ثان لا نعت. انتهى. ويرد هذا القول: أنّ ذا الرمة لما قرأ البيت عند ابن العلاء غلطه فيه، وقال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": إن ذا الرمة لما عيب عليه قوله: حراجيج ما تنفك إلا مناخة ... فطن له: فقال: إنما قلت: آلًا مناخة، أي: شخصًا.
ونقل المرزباني عن الصولي أنه قال: حدثنا محمد بن سعيد الأصم، وأحمد بن يزيد، قالا: حدثنا يزيد المهلبي عن إسحاق الموصلي: أنه كان ينشد هذا البيت لذي الرمة:
حراجيج ما تنفكُّ آلًا مناخة ...
والآل: الشخص، ويحتج ببيته الذي ذكر فيه الآل في غير هذه القصيدة، وهو قوله:
стр. 505
فلم نهبط على سفوان حتّى ... طرحن سخالهنَّ وصرن آلا
انتهى. وقال ابن الأنباري في كتاب "الإنصاف" الآل: الشخص، يقال: هذا آل قد بدا، أي: شخص، وبه سمي الآل؛ لأنه يرفع الشخوص أول النهار وآخره. وتوقف ابن الملا في تفسير الآل بالشخص، بأن صاحب "القاموس" مع تبحره لم يذكره بهذا المعنى، وقول المصنف: وقيل: تنفك تامة، بمعنى: ما تنفصل .. إلخ، فيكون تنفك مطاوع فكه، إذا خلصه أو فصله.
وهذا القول نسبه ابن الأنباري في كتاب "الإنصاف" إلى الكسائي، قال: رواه عنه هشام، وتبعه تلميذه الفراء في تفسيره عند قوله تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ) [البينة/ ١] قال: قد يكون الانفكاك على جهة "يزال" ويكون الانفكاك الذي تعرفه، فإذا كانت على جهة "يزال" فلابد لها من فعل، وأن يكون معها جحد، فتقول: ما انفككت أذكرك، فإذا كانت على غير معنى يزال قلت: قد انفككت منك، وانفك الشيء من الشيء، فيكون بلا جحد، وبلا فعل، وقد قال ذو الرمة:
قلائص لا تنفكُّ إلا مناخة ... البيت
فلم يدخل فيها "إلا" إلا وهو ينوي بها التمام وخلاف يزال، لأنك لا تقول: ما زلت إلا قائمًا. انتهى.
стр. 506
وبه قال الزمخشري في حواشي "المفصل" قال: وفي تصحيح البيت وجيه، وهو أن يريد: لا تنفك عن أوطانها، أي لا تنفصل عنها إلا ولها بعد الانفصال هاتان الحالتان، إما الإناخة على الخسف في المراحل، أو السير في البلد القفر. انتهى.
وقول المصنف: وقال جماعة كثيرة: هي ناقصة، والخبر على الخسف .. إلخ. أقول: أول من ذهب إلى هذا أبو الحسن الأخفش، سعيد بن مسعدة المجاشعي، قال في كتاب "المعاياة": أراد: لا تنفك على الخسف أو يرمى بها بلدًا قفرًا إلا وهي مناخة، لأنه لا يجوز لا تنفك إلا مناخة كما لا تقول: لا تزول إلى مناخة. انتهى.
وقد تبعه جماعة منهم السيرافي قال: ولقول ذي الرمة: وجهان صحيحان:
أحدهما: أن يكون من انفك الشيء من الشيء: إذا انفصل عنه، وفي هذا الوجه يجوز دخول الاستثناء، لأنه فعل تام.
والوجه الثاني: أن يكون على الخسف خبر "تنفك" وإلا مناخة استثناء مقدم، فكأنا قلنا: لا تنفك مجهودة، كما تقول: لا تزال مجهودة إلا في حال إناختها، فإنها تستريح إذا أنيخت، انتهى.
ومنهم الزجاج، قال ابن جني في بعض أجزائه: وقد قال فيه بعض أصحابنا قولًا، أراه أبا إسحاق، ورأيت أبا علي قد أخذ به؛ وهو أن يجعل خبر ما تنفك الظرف، كأنه قال: ما تنفك على الخسف، ومناخة نصب على الحال، وقدم "إلا" عن موضعها، وقد جاء في القرآن والشعر نقل "إلا" عن موضعها. انتهى.
ومنهم أبو البقاء، قال: يجوز أن تكون "تنفك" الناقصة، يكون "على الخسف" الخبر، أي: ما تنفك على الخسف إلا إذا أنيخت، وعليه المعنى. انتهى. وقد رده جماعة، منهم صاحب"اللباب" وهو محمد بن محمد
стр. 507
وقال المحقق الرضي: جعل الخسف كالأرض التي يناخ عليها كقوله:
تحيَّة بينهم ضرب وجيع
يريد أن الإناخة إنما تكون على العلف، فجعل الخسف بدلًا منه، كما جعل الضرب الوجيع بدلًا من التحية، ونرمي: بالنون مع البناء للمعلوم، وروي: "يرمى" بالمثناة التحتية مع البناء للمجهول، وبها: نائب الفاعل، وبلدًا: ظرف للرمي، وهو بمعنى الأرض، والمكان.
والبيت من قصيدة لذي الرمة يقال لها: أحجيَّة العرب، ومطلعها:
لقد جشأت نفسي عشيَّة مشرف ... ويوم لوى حزوى فقلت لها صبرا
تحنُّ إلى ميٍّ كما حنَّ نازع ... دعاه الهوى فارتاد من قيده قصرا
جشأت: نهضت، ومشرف وحزوى: موضعان، واللوى: منقطع الرمل، واصبري صبرًا. والنازع: البعير الذي يحن إلى وطنه. فارتاد من قيده قصرًا، أي: طلب السعة، فوجده مقصورًا، ويقال: ارتاد جدبًا، وارتاد خيرًا، أي: طلب الخصب، فوقع على جدب، إلى أن قال:
فيا ميُّ ما أدراك أين مناخنا ... معرَّفة الألحي يمانيةً سجرا
стр. 508
والآخر، وعلى أن يكون مقطوعًا من الأول، قال تعالى: (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) [الفتح/ ١٦] إن شئت على الإشراك، وإن شئت كان على: أو وهم يسلمون. وقال ذو الرمة:
حراجيج ما تنفكُّ إلّا مناخةً ... .. البيت
فإن شئت كان على: لا تنفك نرمي بها، أو على الابتداء. انتهى. يريد بالأول: العطف على خبر تنفك، وبالثاني: القطع.
قال النحّاس: سألت عنه عليًا – يعني: الأخفش الصغير – فقال: لك أن تجعل "نرمي" معطوفًا، ولك أن تقطعه، ولك أن تقدر "أو" بمعنى إلى أن، وتسكن الياء في موضع نصب. انتهى.
وقال السيرافي: وقوله: أو نرمي بها بلدًا قفرًا، فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون معطوفًا على خبر تنفك، وهو على الخسف. كأنك قلت: لا تزال على الخسف، ولا تزال نرمي بها بلدًا قفرًا، ويجوز أن يكون على الابتداء، أي: ونحن نرمي بها بلدًا قفرًا، وكذا قال الأعلم، قال: الشاهد فيه رفع نرمي على القطع. ويجوز حمله على خبر تنفك، والتقدير: ما تنفك تستقر على الخسف أو نرمي بها القفر. انتهى.
والحراجيج: جمع حرجوج – كعصفور -: الناقة الضامرة، قاله أبو زيد، وروي بدله: "قلائص" جمع قلوص، وهي الناقة الشابة. وقوله: ما تنفك إلا مناخة، يريد أنها تناخ معدَّة للسير عليها، فلا ترسل من أجل ذلك في المرعى، والخسف بفتح الخاء المعجمة النقيصة، يقال: رضي بالخسف، أي: بالنقيصة، وبات على الخسف، أي: جائعًا، وربطت الدابة على الخسف، أي: على غير علف. وعلى بمعنى الباء.
стр. 509
وقال المحقق الرضي: جعل الخسف كالأرض التي يناخ عليها كقوله:
تحيَّة بينهم ضرب وجيع
يريد أن الإناخة إنما تكون على العلف، فجعل الخسف بدلًا منه، كما جعل الضرب الوجيع بدلًا من التحية. ونرمي: بالنون مع البناء للمعلوم، وروي: "يرمى" بالمثناة التحتية مع البناء للمجهول، وبها: نائب الفاعل، وبلدًا: ظرف للرمي، وهو بمعنى الأرض، والمكان.
والبيت من قصيدة طويلة لذي الرمة يقال لها: أحجيّة العرب، ومطلعها:
لقد جشأت نفسي عشيَّة مشرف ... ويوم لوى حزوى فقلت لها صبرا
تحنُّ إلى ميٍّ كما حنَّ نازع ... دعاه الهوى فارتاد من قيده قصرا
جشأت: نهضت، ومشرف وحزوى: موضعان، واللوى: منقطع الرمل، واصبري صبرًا. والنازع: البعير الذي يحن إلى وطنه. فارتاد من قيده قصرًا، أي: طلب السعة، فوجده مقصورًا، ويقال: ارتاد جدبًا، وارتاد خيرًا، أي: طلب الخصب، فوقع على جدب، إلى أن قال:
فيا ميُّ ما أدراك أين مناخنا ... معرَّقة الألحي يمانيةً سجرا
стр. 510
قد اكتفلت بالحزن واعوجَّ دونها ... ضوارب من خفَّان مجتابة سدرا
حراجيج ما تنفكُّ ... البيت
أنخن لتعريس قليل فصارف ... يغنّي بنابيه مطلحةً صعرا
معرقة الألحي: قليلة لحم الألحي، جمع لحي، وإذا كثر لحم لحيها فهو عيب. يقال: ناقة سجراء تضرب إلى الحمرة، وقوله: قد اكتفلت بالحزن. أي: صيرت الناقة الحزن خلفها، كالرجل الذي يركب الكفل، فإنما يركب على أقصى الكفل، كما تقول: اكتفلت الناقة، أي: ركبت موضع الكفل من الناقة. والحزن: ما غلظ من الأرض، والضارب: منخفض كالوادي، وخفان: موضع، ومجتابة سدرًا، أي: لابسة سدرًا، واعوج: يعني الضوارب ليست على جهة الناقة، والحراجيج: الضمَّر، والخسف: الجوع، وهو أ، تبيت على غير علف، والتعريس: النزول في آخر الليل، وصارف، أي: فبعضها صارف يصرف بنابيه من الضجر والجهد، ومطلَّحة: معييةً، وصعر: فيها ميل من الجهد والهزال.
واقتصرت في شرح هذه الأبيات على كلام شارح ديوانه. وترجمة ذي الرمة تقدمت في الإنشاد الرابع والخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع بعد المائة:
(١٠٧) أرى الدَّهر إلّا منجنونًا بأهله
تمامه:
وما صاحب الحاجات إلّا معذَّبا
стр. 511
على أن ابن مالك حمل "لا" فيه على الزيادة كبيت ذي الرمة، قال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": ومنها زيادة إلا في قوله
أرى الدَّهر إلّا منجنونًا بأهله ... البيت
هكذا رواه المازني: يريد أرى الدهر منجنونًا، وكذلك جعلها في قول الآخر:
ما زال مذ وجفت في كلِّ هاجرة ... بالأشعث الورد إلّا وهو مهموم
يريد: هو مهموم، فزاد "إلا" و"الواو" في خبر زال، وفي قول الآخر:
وكلُّهم حاشاك إلّا وجدته ... كعين الكذوب جهدها واحتفالها
يريد: وكلهم حاشاك وجدته. وقول ذي الرمة:
حراجيج ما تنفكُّ إلّا مناخة ... . . . . . . البيت.
يريد: ما تنفك مناخة، ويحتمل أن تجعل زال وتنفك تامتين، وتكون "إلا" داخلة على الحال؛ وكذلك تجعل إلا في قوله:
وكلُّهم حاشاك إلَّا وجدته
إيجابًا للنفي الذي يعطيه معنى الكلام، أي: ما منهم أحد حاشاك إلا وجدته، وعليه حمله الفراء، وأما: "أرى الدهر إلا منجنونًا" فلا تكون "إلا" فيه إلا زائدة. انتهى.
ومنه تعلم أن ابن مالك في هذا التخريج، تابع للمازني لا مخترع، وقد
стр. 512
استدل بهذا البيت يونس على إعمال "ما" مسع انتقاض نفيها بإلا، وأجيب بأن المضاف محذوف من الأول، أي: دوران منجنون، ومعذبًا: مصدر، كقوله تعالى: (وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) [سبأ/ ١٩] يريد: أن الأول أصله: وما الدهر إلا يدور دوران منجنون، ويدور: خبر المبتدأ، فحذف هو والمصدر، وأقيم منجنون مقام المصدر، وأن الثاني أصله: وما صاحب الحاجات إلا يعذب معذبًا، أي: تعذيبًا، فيعذب: خبر المبتدأ، فحذف وبقي مصدره؛ فلا عمل لـ"ما" في الموضعين.
وخرجه صاحب "اللب" على أنه بتقدير: وما الدهر إلا يشبه منجنونًا، وما صاحب الحاجات إلا يشبه معذبًا؛ فهما منصوبان بالفعل الواقع خبرًا، ومعذب، على هذا: اسم مفعول، وهذا أقل كلفة، وقال شارحه السيد عبد الله: ويجور أن يكون – أي: منجنونًا – منصوبًا على الحال، والخبر محذوف، أي: وما الدهر موجودًا إلا مثل المنجنون لا يستقر في حاله، وعلى هذا تكون عاملة قبل انتقاض النفي، وكذا يكون التقدير في الثاني، أي: وما صاحب الحاجات موجودًا إلا معذبًا. ولا تقدر هنا "مثل" لأن الثاني هو الأول. وقال المصنف في "شرح أبيات ابن الناظم": وجوز ابن بابشاذ؛ أن يكون الأصل: إلا كمنجنون، ثم حذف الجار فانتصب المجرور، ومن زعم أن كاف التشبيه لا يتعلق بشيء فهذا التخريج عنده باطل؛ إذ كان حقه أن يرفع المجرور بعد حذفها، لأنه
стр. 513
كان في محل رفع على الخبرية، لا في موضع نصب باستقرار مقدر، فإذا ذهب الجار ظهر ما كان للمحل. انتهى. وعندي أن يكون من قبيل تأويل من قرأ: (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) [يوسف/ ٨] بالنصب، أي: نرى عصبةً، والظاهر أن هذا أسهل.
وروى ابن جني في "المحتسب" عند قراءة ابن مسعود: في (وَإِنَّ كُلًا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) من سورة هود [الآية/ ١١١] كذا:
أرى الدهّر إلّا منجنونا بأهله ... وما طالب الحاجات إلّا معلَّلا
قال: معنى هذه القراءة: ما كل إلا والله ليوفينهم، كقولك: ما زيد إلا لأضربنه، أي: ما زيد إلا مستحق لأن يقال فيه هذا، ويجوز فيه وجه ثان، وهو أن تكون إن مخففة من الثقيلة، ونجعل إلازائدة، وقد جاء عنهم ذلك، قال: "أرى الدهر إلا منجنونًا بأهله ... البيت" أي: أرى الدهر منجنونًا بأهله يتقلب بهم، فتارة يرفعهم، وتارة يخفضهم. انتهى.
والمنجنون: الدولاب الذي يستقى عليه، قال ابن جني في كتاب "القد" وهو كتاب جمعه من كلام شيخه أبي علي: هذا البيت لبعض العرب.
[ألّا]
وأنشد في "ألا" بالفتح والتشديد، وهو الإنشاد الثامن بعد المائة:
(١٠٨) ونبِّئت ليلى أرسلت بشفاعة ... إليَّ فهلاَّ نفس ليلى شفيعها
стр. 514
على أن كان الشأنية بعد هلاّ محذوفة، وقيل: نفس: فاعل لفعل محذوف يفسره شفيعها، والتقدير: فهلا شفعت نفس ليلى، ويكون شفيعها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي شفيعها. قال أبو حيان في شرح "التسهيل": ظاهر هذا البيت أنه وليها الجملة الاسمية، وهي قوله: نفس ليلى شفيعها، وقد تأوَّل أصحابنا هذا البيت على أن نفسًا فاعل بفعل محذوف، وتأوله أبو بكر بن طاهر على إضمار كان التي فيها ضمير الأمر والشأن، وتكون في موضع خبرها، وذهب بعض النحويين إلى جواز مجيء الابتداء بعد هذه الحروف مستدلًا بهذا البيت، ذكر ذلك شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبَّدي. انتهى.
وحكم المحقق الرضي بشذوذه تبعًا لابن جني، فإنه قال في "إعراب الحماسة": هلا من حروف التحضيض، وبابه الفعل، إلا أنه في هذا الموضع استعمل الجملة المركبة من المبتدأ والخبر في موضع المركبة من الفعل والفاعل، وهذا في نحو هذا الموضع عزيز جدًا. انتهى. وهذا البيت أورده أبو تمام في أول باب النسيب من "الحماسة" مع بيت ثان، وهو:
أأكرم من ليلى عليَّ فتبتغي ... به الجاه أم كنت امرءًا لا أطيعها
ونبئ: يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل؛ المفعول الأول: وهو التاء، صار نائب
стр. 515
الفاعل، وليلى: المفعول الثاني، وجملة: أرسلت .. إلخ، في موضع المفعول الثالث، وقوله: بشفاعة، قال المرزوقي والتبريزي والطبرسي: أي: خبرت أن ليلى أرسلت إلي ذا شفاعة في بابها، تطلب به جاهًا عندي، مستكفية من ذكرها في الشعر، وعن إتيانها، أو ما يجري مجراه، ثم قال: هلا جعلت نفسها شفيعها، فقوله بشفاعة: فيه حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه. انتهى. يريد بالمضاف المحذوف "ذو"، أي: بذي شفاعة، وذو الشفاعة: هو الشفيع، وهو تعسف. والجيد تقدير مفعول لأرسلت، أي: أرسلت رجلًا بشفاعة، وهو الشفيع، فإن أرسل يتعدى بنفسه إلى المرسل، وبالباء إلى ما يصحب المرسل كالخبر والهدية، كقوله تعالى: (أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى) [الفتح/ ٢٨].
وقوله: أأكرم من ليلى: الاستفهام إنكار وتقريع، أنكر منها استعانتها عليه بالغير، وقوله: فتبتغي، منصوب في جواب الاستفهام، لكنه سكّنه ضرورة، و"أم" متصلة. يقول: أيُّ هذين توهمت؟ أطلب إنسان أكرم علي منها، أم اتهامها لطاعتي لها؟ وخبر أكرم محذوف، والتقدير: أأكرم من ليلى موجود، أو في الدنيا. قال ابن الشجري في "أماليه": في البيت إعادة الضمير من أطيعها ضمير متكلم وفاقًا لكنت، ولم يعد ضمير غائب وفاقًا لامرئ، على حد قوله تعالى: (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) [النمل/٥٥]. والبيتان للصمة بن عبد الله القشيري، قال أبو رياش: كان من خبر هذه الأبيات أن الصمة بن عبد الله كان يهوى ابنة عم له تسمى ريا، فخطبها إلى عمه، فزوجه على خمسين من الإبل، فجاء إلى أبيه فسأله فساق عنه تسعًا وأربعين، فقال أكملها. فقال: هو عمك، وما يناظرك بناقة ناقصة، فساق الإبل إلى عمه، فقال: إنما ههنا تسع وأربعون! فقال: سألت أبي إكمالها، فقال: هو عمك،
стр. 516
وما يناظرك في ناقة. فقال: والله ما قال هذا إلا استخفافًا بابنتي، والله لا أقبلها إلا كمّلا! فلج عمه، ولج أبوه، فقال: والله ما رأيت ألأم منكماّ وأنا ألأم منكما إن قمت معكما! فرحل إلى الشام، واستتبع رفيقين له من بني قشير، فنزولا منزلًا بالشام، فبينا هو مؤتزر بثوبه يعجن لأصحابه إذ مر الخليفة في موكبه، فوثب إليه وهو على حاله تلك، فكلمه فأعجب به، ففرض له فرضًا، وألحقه بالفرسان، وكان يتشوق إلى نجد، وقال هذا الشعر. انتهى.
والصمة بن عبد الله القشيري: شاعر إسلامي بدوي، من شعراء الدولة الأموية، ولجده قرة بن هبيرة صحبة بالنبي ﷺ . قال ابن دأب: أخبرني جماعة من بني قشير أن الصمة خرج في غزي للمسلمين إلى الديلم، فمات بطبرستان، كذا في "الأغاني" للأصبهاني ومن شعره:
إذا ما أتتنا الرِّيح من نحو أرضكم ... أتتنا برياَّكم وطاب هبوبها
стр. 517
أتتنا بريح المسك خالط عنبرًا ... وريح الخزامى باكرتها جنوبها
[إلى]
وأنشد في "إلى" وهو الإنشاد التاسع بعد المائة:
(١٠٩) فلا تتركنِّي بالوعيد كأنَّني ... إلى النَّاس مطليٌّ به القار أجرب
على أن "إلى" فيه بمعنى في، رده ابن عصفور في كتاب "الضرائر" قال، بعد أن أورد أبياتًا وقع فيها بعض حروف الجر موقع بعضها: هذه الأبيات وأمثالها فيها خلاف بين النحويين، فأهل الكوفة يحملونها على ما يعطيه الظاهر من وضع الحرف موضع غيره، وأهل البصرة يبقون الحرف على معناه الذي عهد فيه، إما بتأويل يقبله اللفظ، أو بأن يجعلوا العامل مضمنًا معنى ما يعمل في ذلك الحرف إن أمكن. ويرون أن التصرف في الأفعال بالتضمين أولى من التصرف في الحروف بجعل بعضها موضع بعض، لأن الحروف بابها أن لا يتصرف فيها، وأيضًا فإن الفعل إذا عدّي تعدي غيره بالتضمين الذي ذكرناه، كان لذلك سبب، وهو كون الفعلين يؤولان إلى معنى واحد، وإذا قدر أن أحد الحرفين وضع موضع الآخر من غير تضمين للعامل فيه معنى ما يتعدى بذلك الحرف؛ كان وضعه موضعه لغير سبب. فإن لم يمكن التأويل، ولا التضمين، اعتقدوا إذ ذاك أن أحد الطرفين موضوع موضع الآخر، ثم بيَّن التأويل والتضمين في الأبيات التي ذكرها، إلى أن قال: وقول النابغة:
إلى الناس مطليٌّ به القار أجرب
إنما وقعت فيه إلى موقع في، لأنه إذا كان بمنزلة البعير الأجرب المطلي بالقطران الذي يخاف عدواه، فيطرد عن الإبل، إذا أراد الدخول بينها؛ كان مبغضًا إلى الناس، فعومل مطلي كذلك معاملة مبغض. انتهى.
стр. 518
وقال أبو حيان في شرح "التسهيل": قال بعض شيوخنا: هل لانتهاء الغاية، كأنه قال: إنني أشبه الجمل المطلي، إذا أخذت مضافًا إلى الناس، ولا اشبه في غير تلك الحالة، فإلى متعلقة بمضاف، وحذف لدلالة الكلام عليه، بمنزلة قوله تعالى: (إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ) [النمل/ ١٢] ويكون المضاف المحذوف منصوبًا على الحال، والعامل ما في "كأن" من معنى التشبيه انتهى. وترك: له استعمالان، أحدهما: أن يكون متعديًا إلى مفعول واحد، يقال: تركه، إذا خلاه. وثانيهما: أن يكون متعديًا إلى مفعولين؛ بمعنى جعل، وكلاهما جائز هنا، فإن كان المراد الأول، فالباء في قوله: بالوعيد، للملابسة، "وجملة كأنني إلى آخر البيت": جملة مستأنفة لبيان وجه النهي، وإن كان المراد الثاني فالباء للسببية، وجملة كأنني ... إلخ: في موضع المفعول الثاني، والمعنى: لا تجعلني بسبب الوعيد مشبهًا للأجرب المطلي بالقار. قال الأزهري في "التهذيب": أخبرني المنذري عن أبي العباس أنه قال: القار والقير: كل شيء يطلى به، مسموع من العرب. قال: وكل ما طلي بشيء فقد قيِّر به. انتهى. والمراد به هنا القطران، لأنه دواء الأجرب، لا الزفت، لأنه ليس دواءً له. والأجرب يصح حمله على الناس، وعلى الإبل، وقصره على الثاني تقصير، وإلى: متعلقة بمطليّ لتأويله بمبغض، وهو خبر كأنّ، بتقدير موصوف، أي: رجل مطلي، وضمير "به" يعود إلى الموصوف المقدر، والقار: نائب الفاعل لمطلي، وأجرب: بدل كل من مطلي، ولو نصب مطليًا وقال: مطليًا به القار أجرب؛ لكان جائزًا، لأنه يقدر أنه كان في الأصل صفة لأجرب، فلما قدّم عليه صار حالًا منه، وفيه قلب، لأنه يقال: طليته بالقطران، مثلان، فالمطلي هو الرجل لا القار، فكان الأصل: رجل مطلي بالقار. والوعيد: التهديد.
والبيت من قصيدة للنابغة الذبياني اعتذر بها إلى النعمان بن المنذر اللخمي في
стр. 519
شيء اتهم به عنده، فهرب منه إلى ملوك الشام، بني جفنة الغسانيين، كما تقدم بيانه في الإنشاد الثالث والعشرين، وأولها:
أتاني أبيت اللَّعن أنَّك لمتني ... وتلك الَّتي اهتمُّ منها وأنصب
إلى أن قال:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مطلب
لئن كنت قد بلِّغت عنّي جناية ... لمبلغك الواشي أغشُّ وأكذب
ولكنَّني كنت امرءًا لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما أتيتهم ... أحكَّم في أموالهم وأقرَّب
كفعلك في قوم أراك اصطفيتهم ... فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا
فلا تتركنّي بالوعيد كأنَّنّي ... إلى النّاس مطليٌّ به القار أجرب
ألم تر أنَّ الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب
فإنَّك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنَّ كوكب
فلست بمستبقٍ أخًا لا تلمُّه ... على شعث أيُّ الرِّجال المهذَّب
فإن أك مظلومًا فعبد ظلمته ... وإن تك غضبانًا فمثلك يعتب
وقوله: "أبيت اللعن": جملة دعائية اعترض بها بين الفعل وفاعله، قال ابن
стр. 520
الأنباري في "شرح المفضليات" معناه: أبيت أن تأتي من الأخلاق المذمومة ما تلعن عليه، وكانت هذه تحية ملوك لخم وجذام، وكانت منازلهم الحيرة وما يليها، وتحية ملوك غسان: "يا خير الفتيان" وكانت منازلهم الشام، وتلك: إشارة إلى اللوم المفهوم من "لمتني" وأهتم: أصير ذا هم، وأنصب: من نصب نصبًا، كفرح فرحًا، إذا تعب، وحلفت قسم، وجوابه قوله: لمبلغك الواشي أغش. وقوله: لئن كنت ... إلخ، اللام موطئة للقسم، وتسمى المؤذنة، لأنها تؤذن أن الجواب الآتي بعدها مبني على قسم قبلها مذكور، أو محذوف، لا للشرط، ولم يصب ابن الملا في قوله: لئن كنت، جواب القسم.
وقوله: فلم أترك: جملة معترضة، صدرها بالفاء التي من شأنها أن يعقب ما بعدها ما قبلها، لأن انتفاء الريب من شأنه أن يكون بالحلف، والريبة بالكسر: كالريب، بالفتح، وهو الشك والشبهة. وقوله: وليس وراء الله ... إلخ، جملة مؤكدة لمضمون ما قبلها، فإنه إذا لم يكن لأحد مطلب وراء الله، لم يحلف بأعظم منه.
وبلغت: بالبناء للمجهول والخطاب، والجناية: الذنب والجرم، ومبلغك: مبتدأ، والواشي صفته، وأغش: خبره، والجملة: جواب حلفت، والواشي: النمام الذي يزوّق الكلام، وأغش: من غشه، إذا خانه بأن لم يمحضه النصح، ومعناه: غاشٌّ وكاذب؛ ليس فيه تفضيل.
وقوله: ولكنني كنت امرًا، استدراك من معنى البيت السابق، لأنه يدل على أنه لا ذنب له أصلًا، استدرك وقال: لو كان هذا ذنبًا لكنت مذنبًا. وأراد بالجانب: الشام، وجملة "لي جانب": صفة امرئ، وكان القياس: له جانب، إلا أنه أراد موافقة ضمير كنت. وجملة "فيه مستراد": صفة
стр. 521
جانب، والمستراد: الموضع الذي يتردد فيه لطلب الرزق، من راد الكلأ وارتاده، إذا طلبه، ومذهب: موضع الذهاب.
وقوله: ملوك وإخوان .. إلخ، أي: في ذلك الجانب ملوك وإخوان. وقوله: أحكم في أموالهم .. إلخ، أي: يجعلني الإخوان محكمًا في أموالهم، أتصرف بها كيف أشاء، والملوك مقربًا رفيع المنزلة عندهم.
وقوله: كفعلك، أي: كما أنت تفعل ذلك في قوم اصطفيتهم، وأحسنت إليهم فمدحوك، أي: لا تلمني على مدح آل جفنة وقد أحسنوا إلي، كما لا تلوم قومًا مدحوك وقد أحسنت إليهم، فكما أن مدح أولئك القوم لا يعد ذنبًا، كذلك مدحي لمن أحسن إلي لا يعد ذنبًا.
وهذه الأبيات الخمسة أوردها علماء البيان شاهدًا للمذهب الكلامي، قال ابن السبكي في "عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح": من البديع ما يسمى المذهب الكلامي، والجاحظ أول من ذكره وأنكر وروده في القرآن، وهو أن يورد المتكلم حجة للمطلوب لما يدعيه على طريق أهل الكلام، وينقسم إلى: قياس اقتراني، واستثنائي، واستقراء، وتمثيل، وهو القياس المذكور في الأصول. وإنما لم يسموه المنطقي لأن هذا المذهب، كما ذكره ابن مالك، عبارة عن نصب حجة صحيحة، إما قطعية الاستلزام فهو منطقي، أو ظنية فهي جدلية، غير أنه قد يقال: أهل الكلام أيضًا مطالبهم قطعية، فتكون الحجة ظنية كلامية، وجوابه: أنهم ربما يذكرون الحجة الظنية ليحصل من مجموعها القطع، كقوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء/ ٢٢] فإن هذه مقدمة استثنائية ذكر فيها المقدمة
стр. 522
الشرطية، وتقديره: لكنهما لم يفسدا، فلم يكن فيهما آلهة، فالمقدمة الثانية استثناء نقيض التالي، فلازمه نقيض المقدم، ومنه قول النابغة يعتذر إلى النعمان: حلفت فلم أترك .. إلى آخر الأبيات الخمسة. يقول: أحسنت لقوم فمدحوك، وأنا أحسن إليّ قوم فمدحتهم، فكما أن مدح أولئك لك لا يعد ذنبًا، فكذلك مدحي لمن أحسن إلي لا يعد ذنبًا، فقوله: "كفعلك": هو الإلزام، وهذه الحجة تسمى تمثيلًا، وهو القياس المذكور في الأصول، وهو يرجع إلى الاقتراني أو الاستثنائي، إلا أن بعض مقدماته ظنية، وإن كان الاستلزام قطعيًا.
وفي هذه الأبيات إشكال على النابغة من وجهين:
الأول: ادعى أنه مدح أقوامًا فأحسنوا إليه، كما أن أقوامًا أحسن إليهم فمدحوه، وهذا عكس ما فعله هو، وإنما يحصل الإلزام أن لو قال: ملوك حكموني في أمولاهم فمدحتهم، وإلا فهو قد جعل مدحه لهؤلاء الملوك سابقًا على إحسانهم، فلا يحصل الإلزام؛ إذ لم يكن له داع إلى الابتداء بمدحهم.
الثاني: في قوله: "فلم ترهم في مدحهم لك أذنبوا" وهل أحد يرى أن مادحه مذنب، وإنما كان ينبغي أن يقول: فلم يرهم غيرك بمذنبين بمدحهم لك، فلأي شيء تراني أنت مذنبًا بمدحي لغيرك؟ !
وقد يكون المذهب الكلامي بقياس اقتراني، كقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم/ ٢٧] أي: الإعادة أهون من الابتداء، والأهون أدخل في الإمكان؛ وهو المطلوب.
ولك أن تقول: هذا النوع كله ليس من البديع، لأنه ليس في هذا تحسين لمعنى الكلام المقصود، بل المعنى المقصود هو منطوق اللفظ؛ فالإتيان بهذا الدليل هو المقصود، فهو تطبيق على مقتضى الحال، فيكون من المعاني لا من البديع. انتهى كلامه.
стр. 523
وقوله: الم تر أن الله ... إلخ، السورة بالضم: المنزلة الرفيعة والشرف، وبهذا البيت استشهد البيضاوي لمعنى السورة، وملك، بسكون اللام، لغة في كسرها، ويتذبذب: يضطرب، وقوله: فإنك شمس إلخ شبهة بالمشمس، وسائر الملوك بالكواكب تسليةً له عما حصل له من الغيظ من مدحه لآل جفنة، ثم كرَّ معتذرًا عن زلته فقال: ولست بمستبق أخًا ... إلخ، الشعث: انتشار الأمر، والمهذب: النقي من العيوب. وهذا البيت أورده علماء البيان شاهدًا للتذييل، وهو تعقيب الكلام بجملة على معناها، للتوكيد وتلمُّه: تصلحه، وتصلح ما تشعث من أمره وفسد.
وقوله: فإن أك مظلومًا، أي: باستمرار غضبك علي - جعل غضبه ظلمًا لأنه عن غير موجب - فإنما أنت ظلمت عبدًا من عبيدك، وليس لأحد اعتراض عليك. وقوله: وإن تك غضبانًا، نوَّنه لضرورة الشعر، وروي أيضًا: "وإن تك ذا عتبى فمثلك يُعتب" بالبناء للمفعول، أي: يرجع له إلى ما يحب، ويقال: لك العتبى - أي: الرجوع: إلى ما تحب. وقيل: يعتب، بالبناء للفاعل، أي: يعطي العتبى، يقال: أعتبه، إذا أعطاه الرضى، وهو العتبى.
وترجمة النابغي الذبياني تقدمت في الإنشاد الثالث والعشرين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العاشر بعد المائة:
(١١٠) تقول وقد عاليت بالكور فوقها ... أيسقى فلا يروى إليَّ ابن أحمرا
стр. 524
على أن "إلى" فيه بمعنى من الابتدائية، أي: فلا يروى مني، لأن هذا الفعل يتعدى بمن، يقال: روي زيد من الماء يروى، بكسر الواو في الماضي، وفتحها في المضارع. قال ابن عصفور: وقول ابن أحمر:
أيسقى فلا يروى إليَّ ابن أحمرا
فهو على ظاهره من وقوع إلى فيه موضع من، والذي سهل ذلك أن الري ضد الظمأ، والظمأ يتعدى بإلى، يقال: ظمئت إلى الماء، فعدى يروى بإلى حملًا على ضدها، وهو يظمأ، لأن العرب كثيرًا ما تجري الشيء مجرى ضده. انتهى.
وقال أبو حيان في شرح "التسهيل": وخرجه ابن عصفور على أنه أراد: فلا يروى ظمؤه إلي، فحذف المضاف وأقيم الضمير مقامه، فاستتر في الفعل، والعامل في إلى "ظمأ" المحذوف، وهو مصدر محذوف، وذلك يجوز في الضرورة. انتهى.
والبيت من قصيدة طويلة لعمرو بن أحمر، قالها حين هرب من يزيد بن معاوية، وكان اتصل به عنه أنه هجاه، فطلبه ففر، وقبله:
فلمَّا غسى ليلي وأيقنت أنَّها ... هي الأربى جاءت بأمِّ حبوكرا
فزعت إلى القصواء وهي معدَّة ... لأمثالها عندي إذا كنت أوجرا
كثور العذاب الفرد يضربه النَّدى ... تعلَّى النَّدى في متنه وتحدَّرا
تقول وقد عاليت بالكور فوقها ... البيت
وغسى، بالغين المعجمة: أظلم، والأربى، بضم الهمزة، وفتح الراء المهملة والموحدة، بعدها ألف مقصورة: الداهية، وأم حبوكر؛ ويقال أيضًا: أم حبوكرى بالقصر، كنية الداهية، وهي بفتح الحاء المهملة والموحدة، وسكون الواو وفتح الكاف. وفزعت، من باب فرح: لجأت، والمفزع: الملجأ.
стр. 525
والقصواء، بفتح القاف والمد: اسم ناقته. والقصواء من الإبل: المقطوعة طرف الأذن، ومعدة: مهيأة؛ اسم مفعول من أعددته إذا هيأته، والأوجر، وكذا الأوجل: الخائف، يقال: وجرت منه ووجلت، كلاهما بالجيم، من باب تعب: إذا خفّت.
وقوله: كثور العداب: شبه ناقته القصواء بثور وحشي في نشاطها وقوتها وسرعتها، والعداب، بفتح العين والدال المهملتين: منقطع الرمل حيث يذهب معظمه ويفضي إلى الجدد، وخصّه لأن بقر الوحش تألفه لخصبه، وخوفًا من القانص، فإذا جاءها القانص امتنعت بركوب الرمل، فلا تقدر الكلاب عليها.
وقد أورد ابن قتيبة هذا البيت في باب المطر من أوائل "أدب الكاتب" قال: والعرب تسمي النبت ندى، لأنه بالمطر يكون، وتسمي الشحم ندى، لأنه بالنبت يكون، وأنشد البيت. وقال: فالندى الأول: المطر، والندى الثاني: الشحم. انتهى. قال شارحه ابن السِّيد البطليوسي: وقوله: يضر به الندى، يريد أنه في سلوة من العيش وخصب، فهو أقوى له، ويحتمل أنه يريد أنه بات والمطر يضربه. وقوله: تعلى الندى ... إلخ، يقول: سمن أعلاه وأسفله، والندى ههنا: الشحم، سمي ندى لأنه عن الندى يكون، وهذا يسمى: التدريج، ومعناه: أن يدرج الشيء من حال إلى حال، فيسمى الشيء باسم ما هو سبب له، فمنه ما يسمى بالسبب الأقرب، ومنه ما يسمى بالسبب الأبعد، فمما سمي بالسبب الأقرب قولهم للقوة: طرق، لأنها تكون عن الطرق – بالكسر فيهما – وهو الشحم، ومما سمي بالسبب الأبعد قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ) [الأعراف/ ٢٦] ولم ينزل الله اللباس بعينه، وإنما أنزل المطر فأنبت النبات ثم رعته
стр. 526
البهائم، ثم صار صوفًا وشعرًا عليها. ثم غزل الصوف، ونسج الشعر، فاتخذ منهما اللباس. فالمطر سبب للباس، ولكنه سبب بعيد منه، لأن بينه وبين اللباس مراتب كثيرة. ونحوه قول الراجز:
الحمد لله العزيز المنَّان ... صار الثَّريد في رؤوس العيدان
يعني: السنبل، وبينه وبين الثريد مراتب كثيرة.
والكاف في قوله: كثور العداب، يجوز أن يكون في موضع رفع على خبر مبتدأ مضمر، كأنه قال: هي كثور العداب، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من القصواء ومن ضميرها. وقوله: يضر به الندى، وقوله: تعلّى الندى: جملتان في موضع نصب على الحال من الثور، والعامل فيها معنى التشبيه. انتهى كلامه.
وقوله: "تقول وقد عاليت بالكور ... البيت" واستشهد به أيضًا ابن قتيبة في باب "حروف الخفض ينوب بعضها عن بعض" كما أورده المصنف. قال شارحه ابن السيد: وصف أنه أتعب ناقته بطول السفر، حتى إنها لو كانت ممني تكلم لقالت هذه المقالة، والتقدير: يسقى ابن أحمر فلا يروى مني، فقدم وأخَّر، واستعمل "إلى" في موضع "من" وضرب السقي والري مثلين لما يناله بها من المآرب، ويدرك بالسفر عليها من المطالب. انتهى.
وقال الجواليقي شارحه أيضًا: عاليت، أي: أعليت، والكور بالضم: الرحل بأداته، أي: تقول هذه الناقة وقد وضعت الكور عليها: إن ابن الأحمر
стр. 527
لا يروى مني من سفر، ولا يعدل عني إلى غيري إنما يركبني دون إبله. وضرب السقي مثلًا لركوبه إياها. انتهى.
وقال الدماميني: والمراد أن ناقة هذا الشاعر تشكو منه، حيث جعل الكور عليها، قائلة بلسان الحال: أتركبني ولا تترك ركوبي ولا تمل منه؟ ! على طريق الاستعارة التمثيلية؛ شبهت حاله في ذلك بحال من يسقى بشيء فلا يروى منه. انتهى. ومن هذه القصيدة:
وإن قال غاوٍ من تنوخ قصيدةً ... بها جرب عدَّت عليَّ بزوبرا
وينطقها غيري وأكلف جربها ... فهذا قضاء حقُّه أن يغيَّرا
والبيت الأول من شواهد "المفصل". قال الزمخشري في باب العلم منه: وقد أجروا المعاني في ذلك مجرى الأعيان، فسموا التسبيح بسبحان، والمنيّة بشعوب، إلى أن قال: والكلية بزوبر، قال: عدّت علي بزوبرا. انتهى. يعني أن زوبر علم جنس، معناه تمام الشيء، ولهذا جاء في البيت غير منصرف. وقال الجوهري: قال أبو زيد: أخذت الشيء بزوبره، إذا أخذته كلَّه ولم تدع منه شيئًا. وأراد بالجرب: العيب والفساد. والمعنى: إذا قال ضال من هذه القبيلة قصيدة فيها عيب، نسبت إلي بكمالها وكليتها، قال ابن السيد فيما كتبه على "نوادر القالي" وسماه: "قرة النواظر بشرح النوادر" عند هذين البيتين من النوادر: قال الأصمعي: إن ابن الأحمر قال:
أبا خالد هذِّب خميلك لن ترى ... بعينيك وفدًا آخر الدَّهر جائيا
стр. 528
ولا طاعةً حتَّى تشاجر بالقنا ... قنا ورجالًا عاقدين النَّواصيا
يهجو يزيد بن معاوية، وكنيته: أبو خالد، وقوله: هذب خميلك، يقول: أصلح ثوبك وتزيَّن، فليس عندك غير ذلك، فطلب فاعتذر بهذا الشعر، وزوبر: اسم معرفة مؤنث في الأصل، وقع علمًا بمعناه فلم يصرف. عدت علي بزوبرا، أي: بكليتها، كما جعل "سبحان" علمًا لمعنى البراءة، فلما اجتمع فيهما التأنيث والتعريف لم يصرفا. انتهى كلامه.
وقال في شرحه "لأدب الكاتب": عمرو بن أحمر بن فرَّاص الباهلي، وهو أحد العور الخمسة من شعراء قيس، فيما ذكره ابن دريد. انتهى.
وقال الجمحي في "طبقات الشعراء": عمرو بن أحمر مقدم في الشعر على سحيم بن وثيم، وسحيم أشرف منه، وكان صحيح الكلام كثير الغريب، له أشعار كثيرة. انتهى.
وقال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": هو عمرو بن أحمر بن فراص بن معن بن أعصر، وكان رماه رجل اسمه مخشي فذهبت عينه، فقال:
شلَّت أنامل مخشيّ فلا جبرت ... ولا استعان بضاحي كفِّه أبدا
وعمِّر تسعين سنة، وسقي بطنه فمات، وفي ذلك يقول:
إليك إله الخلق أرفع حاجتي ... عياذًا وخوفًا أن تطيل ضمانيا
стр. 529
وإن كان برءًا فاجعل البرء راحةً ... وإن كان موتًا فاقض ما أنت قاضيا
لقاؤك خير من ضمان وفتنة ... وقد عشت أيّامًا وعشت لياليا
أرجِّي شبابًا مطرهّما وصحَّةً ... وكيف رجاء المرء ما ليس لاقيا
وكيف وقد عمِّرت تسعين حجةً ... وضمَّ قوامي نوطة هي ماهيا
الضمان: المرض، والمطرهم: المعتدل، والنوطة: سلعة تخرج بالإنسان.
قال أبو عمرو: كان ابن أحمر في أفصح بقعة في الأرض أهلًا: ببن يذبل والقعقع، يعني مولده قبل أن ينزل الجزيرة.
وأتى ابن أحمر بأربعة ألفاظ لا تعرفها العرب، سمى النار "ماموسة" في بيت، وسمى حوار الناقة "بابوسا" في بيت. وزعم أن "الأرثنة" ما لف على الرأس، ولا تعرف العرب، ذلك. وأخذت العلماء عليه قوله:
لم تدر ما نسج اليرندج قبلها
واليرندج: جلد أسود، فظن أنه ينسج. انتهى.
وأورد الآمدي في "المؤتلف والمختلف" أربعة من الشعراء يقال لكل: ابن أحمر، قال:
منهم عمرو بن أحمر الباهلي، قال ابن حبيب: هو عمرو بن أحمر بن العمرد ابن عامر بن عبد شمس بن عبد قدام بن فراص بن معن، الشاعر الفصيح، كان يتقدم شعراء أهل زمانه، وهو القائل:
إذا ضيّعت أوَّل كلِّ أمر ... أبت أعجازه إّلا التواء
стр. 530
وقد ذكرت حاله وأشعاره مع الشعراء المشهورين.
ومنهم: ابن أحمر البجلي ثم العتكي، وهذا إسلامي قديم، وشاعر مجيد وصّاف للحيات، واسمه مالك بن سعد.
ومنهم: ابن أحمر الكناني، وهو هنيء بن أحمر من بني الحارث بن مرة
ومنهم: ابن أحمر الإيادي، ولم يقع إلي من شعره كبير شيء.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الحادي عشر بعد المائة:
(١١١) أم لا سبيل إلى الشباب وذكره ... أشهى إليَّ من الرَّحيق السَّلسل
على أن "إلى" فيه بمعنى عند، وخرّج على التضمين بمعنى أقرب إلي اشتهاءً، قاله أبو حيان في شرح "التسهيل". وقال الدماميني في "المزج": وهنا سؤالان:
أحدهما: أن معنى أشهى إلي: أحب إلي، وقد عرف أن "إلى" المتعلق بما يفهم حبًا أو بغضًا من فعل تعجب أو اسم تفضيل معناها التبيين، فعلى هذا هي في البيت على بابها مبنية لفاعلية مجرورها، وليست قسمًا آخر، ولا يحضرني جواب عنه.
الثاني: أن جعل إلى بمعنى عند يفضي إلى كونها اسمًا. وجوابه: أن هذا الإطلاق مجازي، وذلك لأن بين عندي وإلي، إذا أريد بها معنى الحضور، تعلقًا باعتبار الدلالة على أصل المعنى، لكن دلالة "عند" عليه باعتبار نفسه، ودلالة "إلى" عليه باعتبار النظر إلى غيرها، وهو المجرور بها، فلما كان بينهما هذا التعلق،
следующие страницы →