Полный текст (2 797 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
البهائم، ثم صار صوفًا وشعرًا عليها. ثم غزل الصوف، ونسج الشعر، فاتخذ منهما اللباس. فالمطر سبب للباس، ولكنه سبب بعيد منه، لأن بينه وبين اللباس مراتب كثيرة. ونحوه قول الراجز:
الحمد لله العزيز المنَّان ... صار الثَّريد في رؤوس العيدان
يعني: السنبل، وبينه وبين الثريد مراتب كثيرة.
والكاف في قوله: كثور العداب، يجوز أن يكون في موضع رفع على خبر مبتدأ مضمر، كأنه قال: هي كثور العداب، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من القصواء ومن ضميرها. وقوله: يضر به الندى، وقوله: تعلّى الندى: جملتان في موضع نصب على الحال من الثور، والعامل فيها معنى التشبيه. انتهى كلامه.
وقوله: "تقول وقد عاليت بالكور ... البيت" واستشهد به أيضًا ابن قتيبة في باب "حروف الخفض ينوب بعضها عن بعض" كما أورده المصنف. قال شارحه ابن السيد: وصف أنه أتعب ناقته بطول السفر، حتى إنها لو كانت ممني تكلم لقالت هذه المقالة، والتقدير: يسقى ابن أحمر فلا يروى مني، فقدم وأخَّر، واستعمل "إلى" في موضع "من" وضرب السقي والري مثلين لما يناله بها من المآرب، ويدرك بالسفر عليها من المطالب. انتهى.
وقال الجواليقي شارحه أيضًا: عاليت، أي: أعليت، والكور بالضم: الرحل بأداته، أي: تقول هذه الناقة وقد وضعت الكور عليها: إن ابن الأحمر
стр. 527
لا يروى مني من سفر، ولا يعدل عني إلى غيري إنما يركبني دون إبله. وضرب السقي مثلًا لركوبه إياها. انتهى.
وقال الدماميني: والمراد أن ناقة هذا الشاعر تشكو منه، حيث جعل الكور عليها، قائلة بلسان الحال: أتركبني ولا تترك ركوبي ولا تمل منه؟ ! على طريق الاستعارة التمثيلية؛ شبهت حاله في ذلك بحال من يسقى بشيء فلا يروى منه. انتهى. ومن هذه القصيدة:
وإن قال غاوٍ من تنوخ قصيدةً ... بها جرب عدَّت عليَّ بزوبرا
وينطقها غيري وأكلف جربها ... فهذا قضاء حقُّه أن يغيَّرا
والبيت الأول من شواهد "المفصل". قال الزمخشري في باب العلم منه: وقد أجروا المعاني في ذلك مجرى الأعيان، فسموا التسبيح بسبحان، والمنيّة بشعوب، إلى أن قال: والكلية بزوبر، قال: عدّت علي بزوبرا. انتهى. يعني أن زوبر علم جنس، معناه تمام الشيء، ولهذا جاء في البيت غير منصرف. وقال الجوهري: قال أبو زيد: أخذت الشيء بزوبره، إذا أخذته كلَّه ولم تدع منه شيئًا. وأراد بالجرب: العيب والفساد. والمعنى: إذا قال ضال من هذه القبيلة قصيدة فيها عيب، نسبت إلي بكمالها وكليتها، قال ابن السيد فيما كتبه على "نوادر القالي" وسماه: "قرة النواظر بشرح النوادر" عند هذين البيتين من النوادر: قال الأصمعي: إن ابن الأحمر قال:
أبا خالد هذِّب خميلك لن ترى ... بعينيك وفدًا آخر الدَّهر جائيا
стр. 528
ولا طاعةً حتَّى تشاجر بالقنا ... قنا ورجالًا عاقدين النَّواصيا
يهجو يزيد بن معاوية، وكنيته: أبو خالد، وقوله: هذب خميلك، يقول: أصلح ثوبك وتزيَّن، فليس عندك غير ذلك، فطلب فاعتذر بهذا الشعر، وزوبر: اسم معرفة مؤنث في الأصل، وقع علمًا بمعناه فلم يصرف. عدت علي بزوبرا، أي: بكليتها، كما جعل "سبحان" علمًا لمعنى البراءة، فلما اجتمع فيهما التأنيث والتعريف لم يصرفا. انتهى كلامه.
وقال في شرحه "لأدب الكاتب": عمرو بن أحمر بن فرَّاص الباهلي، وهو أحد العور الخمسة من شعراء قيس، فيما ذكره ابن دريد. انتهى.
وقال الجمحي في "طبقات الشعراء": عمرو بن أحمر مقدم في الشعر على سحيم بن وثيم، وسحيم أشرف منه، وكان صحيح الكلام كثير الغريب، له أشعار كثيرة. انتهى.
وقال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": هو عمرو بن أحمر بن فراص بن معن بن أعصر، وكان رماه رجل اسمه مخشي فذهبت عينه، فقال:
شلَّت أنامل مخشيّ فلا جبرت ... ولا استعان بضاحي كفِّه أبدا
وعمِّر تسعين سنة، وسقي بطنه فمات، وفي ذلك يقول:
إليك إله الخلق أرفع حاجتي ... عياذًا وخوفًا أن تطيل ضمانيا
стр. 529
وإن كان برءًا فاجعل البرء راحةً ... وإن كان موتًا فاقض ما أنت قاضيا
لقاؤك خير من ضمان وفتنة ... وقد عشت أيّامًا وعشت لياليا
أرجِّي شبابًا مطرهّما وصحَّةً ... وكيف رجاء المرء ما ليس لاقيا
وكيف وقد عمِّرت تسعين حجةً ... وضمَّ قوامي نوطة هي ماهيا
الضمان: المرض، والمطرهم: المعتدل، والنوطة: سلعة تخرج بالإنسان.
قال أبو عمرو: كان ابن أحمر في أفصح بقعة في الأرض أهلًا: ببن يذبل والقعقع، يعني مولده قبل أن ينزل الجزيرة.
وأتى ابن أحمر بأربعة ألفاظ لا تعرفها العرب، سمى النار "ماموسة" في بيت، وسمى حوار الناقة "بابوسا" في بيت. وزعم أن "الأرثنة" ما لف على الرأس، ولا تعرف العرب، ذلك. وأخذت العلماء عليه قوله:
لم تدر ما نسج اليرندج قبلها
واليرندج: جلد أسود، فظن أنه ينسج. انتهى.
وأورد الآمدي في "المؤتلف والمختلف" أربعة من الشعراء يقال لكل: ابن أحمر، قال:
منهم عمرو بن أحمر الباهلي، قال ابن حبيب: هو عمرو بن أحمر بن العمرد ابن عامر بن عبد شمس بن عبد قدام بن فراص بن معن، الشاعر الفصيح، كان يتقدم شعراء أهل زمانه، وهو القائل:
إذا ضيّعت أوَّل كلِّ أمر ... أبت أعجازه إّلا التواء
стр. 530
وقد ذكرت حاله وأشعاره مع الشعراء المشهورين.
ومنهم: ابن أحمر البجلي ثم العتكي، وهذا إسلامي قديم، وشاعر مجيد وصّاف للحيات، واسمه مالك بن سعد.
ومنهم: ابن أحمر الكناني، وهو هنيء بن أحمر من بني الحارث بن مرة
ومنهم: ابن أحمر الإيادي، ولم يقع إلي من شعره كبير شيء.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الحادي عشر بعد المائة:
(١١١) أم لا سبيل إلى الشباب وذكره ... أشهى إليَّ من الرَّحيق السَّلسل
على أن "إلى" فيه بمعنى عند، وخرّج على التضمين بمعنى أقرب إلي اشتهاءً، قاله أبو حيان في شرح "التسهيل". وقال الدماميني في "المزج": وهنا سؤالان:
أحدهما: أن معنى أشهى إلي: أحب إلي، وقد عرف أن "إلى" المتعلق بما يفهم حبًا أو بغضًا من فعل تعجب أو اسم تفضيل معناها التبيين، فعلى هذا هي في البيت على بابها مبنية لفاعلية مجرورها، وليست قسمًا آخر، ولا يحضرني جواب عنه.
الثاني: أن جعل إلى بمعنى عند يفضي إلى كونها اسمًا. وجوابه: أن هذا الإطلاق مجازي، وذلك لأن بين عندي وإلي، إذا أريد بها معنى الحضور، تعلقًا باعتبار الدلالة على أصل المعنى، لكن دلالة "عند" عليه باعتبار نفسه، ودلالة "إلى" عليه باعتبار النظر إلى غيرها، وهو المجرور بها، فلما كان بينهما هذا التعلق،
стр. 531
قيل: إن إلى بمعنى عند على طريق التجوز. وقد قال صاحب "المفتاح": المراد بمتعلقات معاني الحروف ما يعبر به عنها عند تفسير معانيها، مثل قولنا: "من": معناها ابتداء الغاية، و"في". معناها الظرفية، و"كي": معناها العرض، وهذه ليست معاني الحروف، وإلا لما كانت حروفًا بل أسماء، لأن الاسمية والحرفية إنما هي باعتبار المعنى؛ وإنما هي متعلقات معانيها، أي: إذا أفادت هذه الحروف معاني، رجعت تلك المعاني إلى هذه المتعلقات بنوع استلزام. انتهى.
والعجب من الشمسّني في اعتراضه على الشق الأول بأن إلى التي للتبيين متعلقة بفعل تعجب، أو اسم تفضيل من نفس الحب والبغض، أو من لفظ موضوع لمعنى أحدهما، و"إلى" في البيت ليست كذلك. بل متعلقة باسم تفضيل من الشهوة. هذا كلامه. وأنت خبير بأن أشهى يفيد معنى الحب، وإنكاره مكابرة! فكيف يسوغ قوله: وإليّ في البيت ليست كذلك؟ . إلخ.
والبيت من قصيدة لأبي كبير الهذلي، وقبله وهو مطلعها:
أزهير هل عن شيبة من معدل ... أم لا سبيل إلى الشَّباب الأوَّل
وبعده:
ذهب الشباب وفات منِّي ما مضى ... ونضا زهير كريهتي وتبطُّلي
وصحوت عن ذكر الغواني وانتهى ... عمري وأنكرني الغداة تقتُّلي
أزهير إن يشب القذال فإنَّه ... رب هيضل مرس لففت بهيضل
ويأتي في الباب الرابع بعض أبيات من هذه القصيدة إن شاء الله تعالى.
وقوله: أزهير .. إلخ. الهمزة: حرف نداء، وزهير: مرخم زهيرة، وهي بنته، قاله السكري وأبو سعيد، ومنهم من قال: هي امرأة، ومنهم من يقول
стр. 532
رجل، ويردهما قوله الآتي في الرائية. والمعدل: مصدر ميمي بمعنى العدول، وأم للإضراب، والشباب الأول: الصغر، وقوله: أم لا سبيل ... إلخ، أم للإضراب أيضًا عما قبلها، وأراد بالشباب هنا كمال القوة من العشرين إلى الأربعين مثلًا وذكره: مبتدأ، وأشهى: خبره، والرحيق الخمر، وقيل: السهل، والسلسل: العذب السهل الدخول في الحلق، ونضا: بالنون والضاد المعجمة: انسلخ، والكريهة: الحرب، والتبطل: الأخذ في الباطل، والغواني: جمع غانية، وهي التي استغنت بحسنها عن الزينة. والتقتل: التلين والتكسر والتثني. وقيل: التضرع لهن، والقذال: ما بين النقرة وأعلى الأذن، وهو أبطأ الرأس شيبًا. ورب: بضم الراء وفتح الموحدة الخفيفة؛ لغة في تشديدها. وقد استشهد به الفارسي والمحقق الرضي، وقد تكلمنا عليه في الشاهد الرابع والتسعين بعد السبعمائة من شواهده. والهيضل بفتح الهاء والضاد المعجمة: جمع هيضلة، وهي الجماعة، وقوله: لففت بهيضل، يريد: جمعت بينهما في القتال، ومرس بفتح فكسر: الشديد، من المراسة، وهي الشدة. وروي بدله "لجب" بفتح اللام وكسر الجيم، في "الصحاح": وجيش لجب: عرمرم، أي ذو جلبة وكثرة، واللجب بفتحتين: الصوت والجلبة.
قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": أبو كبير الهذلي: هو عامر بن حليس، وله أربع قصائد، أولها كلها شيء واحد، ولا يعرف أحد من الشعراء فعل ذلك. انتهى. أقول: ثانيتها:
أزهير هل عن شيبة من مقصر ... أم لا سبيل إلى الشباب المدبر
فقد الشَّباب أبوك إلَّا ذكره ... فأعجب لذلك فعل دهر واهكر
стр. 533
وهذا الصراع خطاب لنفسه، قال السكري: الهكر: من أشد العجب.
وأبو كبير: شاعر صحابي اشتهر بكنيته، واسمه عامر بن الحليس أحد بني سعد بن هذيل، والحليس: بضم الحاء المهملة وفتح اللام وآخره سين مهملة، وأبو كبير: على وزن خلاف الصغير.
قال ابن حجر في "الإصابة" أبو كبير - بالموحدة - الهذلي، ذكره أبو موسى وقال: ذكر عن أبي اليقظان أنه أسلم، ثم أتى النبي، ﷺ ، فقال له: أحلّ لي الزناّ فقال: "أتحب أن يؤتى إليك مثل ذلك؟ " قال: لا! قال: "فارض لأخيك ما ترضى لنفسك" قال: فادع الله أن يذهب عني. انتهى.
[أي]
وأنشد في "أي" بالفتح والسكون، وهو الإنشاد الثاني عشر بعد المائة:
(١١٢) ألم تسمعي أي عبد في رونق الضُّحى ... بكاء حمامات لهنَّ هدير
على أن "أي" فيه حرف نداء، قال الشراح: ليس فيه ما يدل على حال المنادى من قرب أو بعد أو توسط، وقال ابن الملا: وظاهر النداء في البيت أنه للقريب، كما يشهد به الذوق السليم، لا كما قال الشارح: إنه ليس في البيت ما يعيّن حال المنادى من قرب أو بعد أو توسط، لأن مخاطبات أرباب الهوى للحبائب، إن لم يستدع تمام القرب؛ فلا أقل من تخيّل البعيد قريبًا. هذا كلامه.
والبيت من شواهد "الجمل الزجاجية" وبعده:
بكين فهيَّجن اشتياقي ولوعتي ... وقد مرَّ من عهد اللِّقاء دهور
стр. 534
قال ابن السيد في "شرح أبيات الجمل": هذا الشعر لا أعلم قائله، وزعم قوم أنه لكثير عزة. وقال ابن هشام اللخمي: هو لكثير عزة فيما ذكره بعض الرواة، ولم أجده في ديوان شعره.
وعبد: مرخم عبدة: اسم امرأة، ويسمى به أيضًا الرجل، قالوا عبدة بن الطبيب، وهو شاعر مخضرم أدرك الإسلام وأسلم، وأما علقمة بن عبدة؛ فهو بفتح الباء، لأنه منقول من العبدة، وهي صلاية الطيب، وهو شاعر جاهلي.
ورونق الضحى: إشراقه وضياؤه، وقيل: اعتداله وانبساطه وحسنه وروي أيضًا: "في ريق الضحى" بتشديد المثناة التحتية، وهو أوله، و"في" متعلقة بتسمعي، ولا يجوز أن يتعلق بالبكاء، لأنك لا تقدم الصلة على الموصول. وقال اللخمي: وقيل: ظرف للبكاء، وهو الأشبه. والحمامة تطلق على الذكر والأنثى من ذوات الأطواق، كالفواخت والقماري ونحوهما. وجملة "لهن هدير": صفة لحمامات. قال ابن السيد: والهدير بالراء واللام: صوت الحمام يقال: هدر يهدر هديرًا، وهدل يهدل هديلًا، وكذا في "تهذيب الأزهري" و"القاموس" وليس مستعارًا من هدير الجمل، كما زعمه بعضهم، فإنه مشترك بينهما. واللوعة: حرقة القلب، والعهد: الزمن والعصر.
قال ابن السيد: والعرب تختلف في صوت الحمام، فمنهم من يجعله بكاء، ويزعم أنها تبكي على فرخ لها هلك في عهد نوح، ﵇، ويسمونه الهديل، ولذلك قال الكميت:
وما من تهتفين به لنصر ... بأسرع جابةً لك من هديل
стр. 535
ومنهم من يجعله غناء، كما قال الآخر.
ألا قاتل الله الحمامة غدوةً ... على الغصن ماذا هيَّجت حين غنَّت
وأظهر أبو العلاء المعري التشكك في ذلك، فقال:
أبكت تلكم الحمامة أم غنَّت على فرع غصنها الميَّاد
انتهى. وترجمة كثير عزة تقدمت في الإنشاد التاسع عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث عشر بعد المائة:
(١١٣) وترمينني بالطَّرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكنَّ إيَّاك لا أقلي
على أن "أي" فيه تفسير للجملة قبله، قال ابن يعيش في "شرح المفصل": قوله: أي أنت مذنب؛ تفسير لقوله: وترمينني بالطرف؛ إذ كان معناه: تنظر إلي نظر مغضب، ولا يكون ذلك إلا عن ذنب. انتهى.
وقال صاحب "التخمير": الرمي بالطرف: عبارة عن النظر، يقال: رماه بطرفه: إذا نظر إليه، كأنه قال: رميها بالطرف إياي، أي: أنت مذنب، أي: أشارت إلي بطرفها إشارة دلت على أنني مذنب في حقها. هذا كلامه. والجيد هو الأول.
стр. 536
وفسر الدماميني والسيوطي ترمينني بتشرين إلي، وتعقبه ابن الحنبلي وقال: الطرف نظر العين، أي: وترمينني بالطرف كأنه سهم، فكثيرًا ما يستعار السهم لطرف العين، كما قال الشافعي:
خذوا بدمي هذا الغزال فإنَّه ... رماني بسهمي مقلتيه على عمد
وقال: أي: أنت مذنب، على التفسير، لأن الرمي بالشيء قد يكون عن عمد، وقد لا يكون عنه، والمراد الأول، لكون المرمي ذا ذنب، ولو في ظن الرامي، والإشارة، وإن كانت، قد تكون بالطرف كما قال:
أشارت بطرف العين خيفة أهلها ... إشارة محزون ولم تتكلَّم
وقلنا: إن الرمي به بهذا المعنى يستلزم الإشارة به، فالأولى أن لا تكون الإشارة مقصودة للشاعر منه، وإن لبست معنى ترمينني وحده، ولا لازمه، بل لازم مجموع ترمينني بالطرف. هذا ما قرره.
والحاصل: أن "أي" تفسر الجملة وغيرها، وهي أعم من "أن" لأنه يفسر بها المفرد والجملة، والقول الصريح وغيره. تقول: رأيت غضنفرًا أي: أسدًا، وأمرت زيدًا؛ أي: اضرب، وقلت له قولًا؛ أي: عبد الله منطلق، وخرج زيد بسيفه، أي: خرج وسيفه معه.
وإنما يحتاج إلى التفسير إذا كان في الكلام غرابة أو إبهام، أو حذف شيء، أو ما بعدها عطف بيان على ما قبلها، أو بدل منه، وهذا إنما هو في تفسير المفرد. وأما إذا فسرت جملة كما في البيت؛ فلا.
стр. 537
وذهب الكوفيون والمبرد إلى أنها حرف عطف إذا فسرت مفردًا. ورد عليهم بأنها تفسر الضمير المرفوع المتصل بلا تأكيد ولا فصل، وتفسر الضمير المجرور بلا إعادة الجار، ولو كان ما بعدها معطوفًا بها، لم يستقم الأول بدون تأكيد أو فاصل، ولا الثاني بدون إعادة الجار.
وقال أبو حيان في "الارتشاف": والصحيح أنها حرف تفسير، يتبع بعدها الأجلى للأخفى عطف بيان، يوافق في التعريف والتنكير ما قبله. انتهى.
وقوله: وترمينني خطاب لامرأة، والياء الأولى ضمير خطاب فاعل ترمي، والياء الثانية: ضمير المتكلم مفعول، والنون الأولى علامة الرفع لا تحذف إلا في الجزم والنصب، والنون الثانية: نون الوقاية قال الزمخشري في "الأسا": رماه بالطرف والفاحشة.
والطرف: العين، ولا يجمع، لأنه في الأصل مصدر، وقيل: هو اسم جامع للبصر، لا يثنى ولا يجمع. وقيل: هو نظر العين.
وقوله. وتقلينني. هو من القلى، قال ابن الشجري في "أماليه": القلى .. البغض، مكسور مقصور، وقد صرفت العرب منه مثالين: قلاه يقليه، مثل: رماه يرميه، وقليه يقلاه، مثل: رضيه يرضاه، وهو من الياء، بدليل يقلي، ولو كان من الواو كان يقلو. وأنشدرا في يقلي: وترميني بالطرف .. البيت، وفي التنزيل: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) [الضحى/ ٣] وروى أبو الفتح لغة ثالثة: قلاه يقلوه قلاء، مثل: رجاه يرجوه رجاء:
إن تقل بعد الودِّ أمُّ محلِّم ... فسيَّان عندي ودُّها وقلاؤها
انتهى. وفي "القاموس": قلاه، كرماه ورضيه، قلىِّ وقلاءً ومقليةً.
стр. 538
أبغضه وكرهه غاية الكراهة، فتركه. أو: قلاه في الهجر، وقليه في البغض. انتهى.
وقوله: لكن إياك، فيه أقوال:
أحدها للفراء: قال في تفسير قوله تعالى: (لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) [الكهف/ ٣٨] معناه: لكن أنا هو الله ربي، ترك همز الألف من أنا، وكثر بها الكلام فأدغمت النون من "أنا" مع النون من "لكن" ومن العرب من يقول: أنا قلت، بتمام الألف، فقرئت لكنا على تلك اللغة، وأثبتوا الألف في اللغتين في المصحف، ويجوز الوقف بغير ألف في غير القرآن في أنا، [و] من العرب من يقول: إذا وقفل: "أنه" وهي لغة جيدة، وهي في عليا تميم وسفلى قيس. أنشدني أبو ثروان: وترمينني بالطرف .. البيت، يربد: لكن أنا إياك لا أقلي، فترك الهمز، فصار كالحرف الواحد. وزعم الكسائي أنه سمع بعض العرب يقول: إنّ قائم، فترك الهمز وأدغم، وهي نظيرة للكن .. انتهى كلامه. وقد تبعه صاحب "الكشاف" وأبو حيان في "تذكرته" وغيرهما.
ثانيها: أن تكون من أخوات إن، واسمها ضمير شأن محذوف، والجملة بعدها خبرها، وعليه اقتصر ابن يعيش، وصاحب "اللباب" وشراحه. ونقل ابن المستوفى عن الزمخشري في "مناهيه" على "المفصل" أنه قال: وجهه أن يكون الأصل. لكنه إياك لا أقلي، الضمير ضمير الشأن، ثم حذفه كما حذف من قال:
إنَّ من لام في بني بنت حسَّا ... ن ألمه وأعصه في الخطوب
ولو روي "لكنِّ" بكسر للنون، اجتزاء من الياء بالكسرة؛ فكان وجهًا سديدًا. انتهى.
стр. 539
ثالثها: أن اسمها ضمير متكلم محذوف لضرورة الشعر، والأصل: ولكني، كما حذف اسمها في قول الآخر:
ولكنّ زنجيٌّ عظيم المشافر
أي: ولكنك زنجي، وهو قول الخوارزمي، نقله عن ابن المستوفى. فإن قلت: "إياك" ضمير نصب، فهل يجوز أن يكون اسم لكن؟ قلت: لا يجوز لأنه لو كان اسمها لوجب أن يقال: ولكنك، فإنه متى أمكن اتصال الضمير لا يعدل إلى انفصاله، اللهم إلا أن يدعى فصله لضرورة الشعر، قال الأندلسي في شرح "المفصل": ولو قلت: أجعل الضمير المنفصل اسمًا، "ولا أقلي" خبرًا، وأرتكب إجراء المنفصل مجرى المتضل، وأحذف الراجع إلى اسم لكن، والأصل: لكنك لا أقليك؛ لكنت لعمري متعسفًا. انتهى.
فإن قلت: حيث امتنع في الفصيح جعل إياك اسم لكن، ما وجه فصله عن عامله، وتقديمه عليه؟ قلت: وجيه الحصر، فإن تقديم ما حقه التأخير يفيد ذلك؛ فأفاد أنها هي التي لا تقلى، بخلاف غيرها، فإنه يقلى.
стр. 540
وهذا البيت لم أقف على تتمته، ولا على قائله، مع أنه مشهور، وقلما خلا عنه كتاب نحوي، والله تعالى أعلم.
[أيّ]
وأنشد في "أيّ" بالتشديد، وهو الإنشاد الرابع عشر بعد المائة:
(١١٤) تنظَّرت نصرًا والسِّماكين أيهما ... عليَّ من الغيث استهلَّت مواطره
على أن "أي" الاستفهامية قد تخفف كما في البيت.
قال ابن جني في "المحتسب" عند قراءة الحسن: (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ) [القصص/ ٢٨] خفيفة: في تخفيف هذه الياء طريقان يكادان يعذران:
أحدهما: تضعيف الحرف، وقد امتد عنهم حذف أحد المثلين إذا تجاورا، نحو: أحست ومست وظلت، وحكى ابن الأعرابي: ظنت في ظننت.
والآخر: أن الياء حرف ثقيل منفردةً، فكيف بها إذا ضعّفت؛ غير أن في واجب الصنعة شيئًا أذكره لك، وذلك أن "أيًّا" عندنا مما عينه واو ولامه ياء، وهذا من باب أويت، هكذا موجب القياس والاشتقاق جميعًا:
أما القياس؛ فلأن ما عينه واو ولامه ياء أضعاف ما لامه وعينه ياءان، ألا ترى إلى كثرة باب: لويت، وشويت، وطويت؟ وإلى قلة باب: عييت وحييت؟ فأصل "أي" على هذا: أوي، فاجتمع الواو والياء، وسبقت الواو بالسكون، فقلبت ياء، وأدغمت في الباء، فصارت أي.
وأما الاشتقاق؛ فلأن "أيًا" أين وقعت غير متبلغ بها، فإنها بعض
стр. 541
من كل، كقولنا: أي الناس عندك؟ وأيهم قام قمت معه، وأيهم يقوم زيد وبعض الشيء آوٍ إلى جميعه، ألا ترى إلى قول العجلي:
يأوي إلى ملط له وكلكل
أي: يتساند إليها، ويعتمد عليها. فإذا حذفت الياء تخفيفًا فإنها الثانية، وإذا زالت الثانية أوجب القياس أن تعود الأولى إلى أصلها، وهي الواو، فيقال: أو ما الأجلين قضيت. والذي حسَّن عندي إظهار العين هنا ياء، مع زوال الياء الغالبة لها من بعدها، أنها إنما حذفت اللام تخفيفًا، وهي منوية مرادة، فأقرت العين مقلوبة ياء، دلالة على إرادة الياء التي هي لام، كما صحت الواو الثانية في قوله:
وكحَّل العينين بالعواور
دلالة على إرادة الياء في عواوير، وأنها إنما حذفت استحسانًا وتخفيفًا. وأنشدنا أبو علي للفرزدق:
تنظّرت نصرًا والسِّماكين أيهما ... البيت
فهذا كقراءة الحسن (أيما الأجلين) سواء. انتهى.
стр. 542
وأورده أيضًا في أوائل سورة البقرة، عند قراءة ابن محيصن: (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ) [الآية/ ١٢٦] بإدغام الضاد في الطاء. قال: أراد: أيهما، فاضطر إلى تخفيف الحرف، فحذف الياء الثانية، وكان ينبغي أن يرد الياء الأولى إلى الواو، لأن أصلها الواو، وأن يكون قياسًا واشتقاقًا جميعًا أولى، ولم يقل: "أو هما" فيرد الواود الأصلية، لأنه لم يبن الكلمة على حذف الياء البتة، لأنه إنما اضطر إلى التخفيف، وهو ينوي الحرف المحذوف كما ينوي الملفوظ به. وقد ذكرنا أخوات لهذا أكثر من عشر في كتاب "الخصائص" انتهى.
وأورده صاحب "الكشاف" والقاضي أيضًا عند قراءة الحسن: (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ) [القصص/ ٢٨] قال شارح شواهدهما خضر الموصلي: قال أبو حيان: هو من قصيدة للفرزدق وبعده:
إذا ما أتى نصر أتى الناس كلُّهم ... وقد عزَّ من نصر لدى الخوف ناصره
هو الملك المهديُّ والسابق الذي ... له أوّل المجد التّّليد وآخره
ولو أنّ مجدًا في السَّماء وعندها ... إذن لسما نصر إليه يساوره
والتنظر: الانتظار وقصد به استعجال نصر بالعطاء، ونصر بالصاد المهملة: هو الممدوح، قال ابن الملا: هو نصر بن سيار، أمير خراسان لمروان بن محمد، الملقب بالحمار، آخر الأمويين، لا ملك العراقين، كما قال الشمني، فإن أمير العراقين إذ ذاك كان يزيد بن عمرو بن هبيرة الفزاري. وتوفي
стр. 543
نصر فارًا من عسكر أبي مسلم الخراساني، صاحب دعوة بني العباس بساوة قريبًا من همدان، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، سنة إحدى وثلاثين ومائة. انتهى.
والفرزدق توفي في أول السنة العاشرة بعد المائة.
ورواه ابن مالك "نسرًا" بالنون والسين المهملة، وكذا رأيته في "القاموس" في نسختين، قال: أي: حرف استفهام، عما يعقل و [ما] لا يعقل مبنية، وقد يخفف كقوله:
تنظّرت نسرًا والسماكين أيهما ... . . . . . البيت
انتهى. وأراد بقوله حرف: أداة، أو كلمة. وقال ابن مالك في شرح "الكافية" في باب المعرف باللام: وربما حذفت الألف واللام دون نداء ولا إضافة، قال الشاعر:
تنظّرت نسرًا والسّماكين أيهما ... . . . . . البيت
انتهى. وفي هذه الرواية نظر من وجوه:
أحدها: أنها لا تلائم الأبيات المذكورة، فإنها تقتضي أن يكون "نصرًا" بالصاد.
وثانيها: يقتضي أن يكون النسر بأل علمًا بالغلبة على النجم المعروف، وهو اثنان، يقال لأحدهما: الواقع، وللآخر الطائر. قال ابن قتيبة: النسر الواقع ثلاثة أنجم كأنها أثافي، وبإزائه النسر الطائر، وهو ثلاثة أنجم مصطفة، وإنما قيل للأول: الواقع، لأنهم يجعلون اثنين منه جناحيه، ويقولون: قد
стр. 544
ضمهما إليه كأنه طائر وقع، وقيل للآخر: طائر، لأنهم يجعلون اثنين منه جناحيه، ويقولون: قد بسطهما كأنه طائر. والعامة تسميهما: الميزان. انتهى.
وثالثها: يقتضي أن يكون النسر مما له نوء ومطر، وليس كذلك، وإنما النوء يختص بمنازل القمر الثمانية والعشرين، وليس النسر منها.
وأراد بالسماكين أحدهما، وهو السماك الأعزل، وهو الذي له النوء، وأما السماك الرامح فلا نوء له. قال ابن قتيبة: السماك الرامح سمي رامحًا بكوكب يقدمه، يقولون: هو رمحه. والسماك الأعزل: حد ما بين الكواكب اليمانية والشامية، سمي أعزل كأنه لا سلاح معه، كما كان للآخر. انتهى.
قال الزجاج في كتاب "الأنواء": نوء السماك لثلاث يمضين من نيسان، يسقط السماك في الغرب غدوة مذ طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ويطلع الحوت من المشرق غدوة في هذا الوقت، وتنزل الشمس البطين، وهو نوء غزير المطر قلما يخلف، وفيه أول حصاد الشعير، ومطره من مطر الربيع، قال ذو الرمة:
ولا زال من نوء السِّماك عليكما ... ونوء الثُّريَّا قبله متبطِّح
وصفة السماك الأعزل: هو كوكب أزهر إحدى ساقي الأسد، والسماك الرامح الساق الأخرى، ومع السماك الرامح كوكب قدامه، يقال: هو رمحه، وسمي الأعزل أعزل لأنه لا كوكب معه، كما يقال: رجل أعزل، إذا لم يكن معه رمح، وقد قيل: الأعزل من الرجال: الذي لا سلاح معه، وقيل: سمي السماك الأعزل، لأن القمر لا ينزل به، وإنما سمي سماكًا لأنه سمك، أي: ارتفع، كذا قال سيبويه. انتهى. وقال قبله: والذي اختار، وهو مذهب الخليل، أن النوء اسم المطر الذي يكون مع سقوط النجم، فاسم مطر الكوكب الساقط: النوء. انتهى.
стр. 545
وقوله: أيهما: ضمير الاثنين، راجع على نصر وعلى السماكين إجراءً لهما مجرى الواحد، لأنه المراد، ولهذا وحد الضمير في "مواطره". ونقل ابن الملاعن ابن القاص أنه إنما يقال: نوء السماك، وقد غلط ابن مقبل في نسبة المطر إلى السماكين حيث قال:
وغيث مغبٍّ لم يجدّع نباته ... ولته أهاليل السِّماكين معشب
وذلك أن العرب لا تنسب النوء والمطر إلى غير منازل القمر، ألا ترى قول قائلهم:
أولئك معشري كبنات نعش ... خوالف لا تنوء مع النجوم
يقول: لا نفع عندهم، كبنات نعش لا نوء لها، والخالفة: من لا خير عنده، لأن بنات نعش ليس من منازل القمر. انتهى. وهذا تهور منه، وحكمة التثنية تحقيق الماطر منها، ونظيره قوله تعالى: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) [الرحمن/ ٢٢] وإنما يخرجان من أحدهما، وهو البحر الملح دون العذب. وقوله: "علي" متعلق باستهلت، والاستهلال: كثرة الانصباب، والمواطر: جمع ماطرة. أراد: السحب المواطر، والغيث: المطر، وقد بالغ في ممدوحه بجعله معادلًا للمطر في النفع العام. وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني.
стр. 546
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس عشر بعد المائة:
(١١٥) إذا ما لقيت بني مالك ... فسلِّم على أيِّهم أفضل
على أن "أيًا" الموصولة فيه مبنية على الضم، وروي بالجر أيضًا، كما يأتي في بحث الصلة من الباب الثاني. وصدر الصلة محذوف، تقديره: على أيهم هو أفضل، وبه استدل الرضي وشراح الألفية. وإذا: شرطية، وما: زائدة، وجملة "فسلم" جواب الشرط.
وهذا البيت حجة على ثعلب في زعمه أن أيًا لا تكون موصولة، قال ابن الأنباري في "مسائل الخلاف": حكاه أبو عمرو الشيباني بضم أيهم عن غسان، وهو أحد من تؤخذ عنه اللغة من العرب. انتهى. ونسبه العيني فقال: قائله غسان بن علة بن مرة أحد بني مرة بن عبَّاد.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس عشر بعد المائة:
(١١٦) أيَّ يوم سررتني بوصال ... لم ترعني ثلاثة بصدود
على أن أيًا فيه - وهو للمتنبي - ليست موصولة، لأن الموصولة لا تضاف إلا إلى المعرفة، وإنما هي للاستفهام الإنكاري.
وقد أورد ابن الشجري هذا البيت في المجلس الثاني عشر من "أماليه" وقال: إنما أذكر من شعره ما أهمله مفسروه، فأنبه على معنى أو إعراب أغفاؤه. وهذا البيت لبعده من التكلف، وخلوه من التعسف، وسرعة انصبابه إلى السمع، وتولجه
стр. 547
في القلب؛ أهملوا تأمله، فخفي عنهم ما فيه، والذي يتوجه فيه من السؤال أن يقال: ما وجه تعلق عجزه بصدره؟ وهل للجملة الأخيرة موضع من الإعراب؟ فإن قيل: نعم؛ قيل: ما هو، وكم وجهًا من وجوه الإعراب تحتمل؟ وهل يجوز أن تكون أي فيه شرطية؛ لتعلق الجملة بالجملة تعلق الجزاء بالشرط، كقولك: أي يوم لقيني زيد لم أعرض عنه، تريد: أي يوم لقيني أقبلت عليه. والجواب عن هذا السؤال: أنه لا يصح حمل أي على معنى الشرط، لأن في ذلك مناقضة للمعنى الذي أراده الشاعر، فكأنه قال: إن سررتني يومًا بوصالك؛ آمنتني ثلاثة أيام من صدودك. وهذا عكس مراده في البيت! وإنما "أي" استفهام خرج مخرج النفي، كقولك لمن يدعي أنه أكرمك: أي يوم أكرمتني؟ ! تريد: ما أكرمتني قط. قال الهذلي:
فاذهب فأيُّ فتى في الناس أحرزه ... من حتفه ظلم دعج ولا جبل
ذهب بأي مذهب النفي، فأدخل "لا" مع حرف العطف، كما تقول: ما قام زيد ولا عمرو.
فمعنى البيت: ما سررتني يومًا بوصالك، إلا رعتني ثلاثة أيام بصدودك. فإن قلت: أجعل كل جملة واحدة من الجملتين قائمة بنفسها، لا علقة لها بالأخرى، فلا أحكم للجملة الأخيرة بموضع من الإعراب، فإن في ذلك أيضًا فسادًا للمعنى المراد، لأن قولك: أي يوم سررتني بوصال؟ يفيد معنى: ما سررتني قط بوصال، ثم قولك مستأنفًا: لم ترعني ثلاثة بصدود، يفيد معنى: أنت تصدُّ عني
стр. 548
يومين، وتصلني في الثالث، فما ينتظم صدودك ثلاثة أيام. وفي هذا تناقض يبطل المعنى المقصود، فقد ثبت بما قلته أنه لابد من علقة بين الكلامين، والعلقة بينهما تصح من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تجري الجملة وصفًا لوصال، والعائد منها إلى الموصوف مقدر، وتقديره: أي يوم سررتني بوصال، لم ترعني بعده ثلاثة أيام بصدود؟ فالهاء عائدة على وصال، فكأنك قلت: ما سررتني يومًا بوصال مأمون بعده صدودك ثلاثة أيام. وإذا ثبت صحة هذا المعنى بهذا التقدير، فإن شئت قدرت أنك حذفت الظرف أولًا، فبقي لم ترعنيه، ثم حذفت الهاء ثانيًا، وإن شئت قدرت أنك حذفت الظرف والعائد معًا، فهذا أحد الأوجه الثلاثة.
والوجه الثاني: أنك تقدر بالجملة العطف، وتضمر العاطف، فكأنك قلت: أي يوم سررتني بوصال، فلم ترعني ثلاثة بصدود! والعرب تضمر الفاء والواو العاطفتين، فمما جاء فيه إضمار الفاء قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ) [البقرة/ ٦٧] فأضمر الفاء في "قالوا" لتمام كلام موسى، ﵇، ثم أضمر الفاء في "قال" لتمام كلام قومه، وهذا كثير في القرآن. ومما أضمرت فيه الواو قول الحطيئة:
إنَّ امرءًا رهطه بالشام منزله ... برمل يبرين جارًا أشدَّ ما اغتربا
أراد: ومنزله برمل يبرين، وليس للجملة في هذا الوجه موضع من الإعراب، لأنها في التقدير معطوفة على جملة لا موضع لها.
والثالث: أن تجعل الجملة حالًا من التاء في "سررتني" والعائد على التاء من حالها: هو الضمير المستتر في "ترعني" فكأنك قلت: أي يوم سررتني غير
стр. 549
رائع لي، وهي حال مقدرة. وفي التنزيل: (فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) [الزمر/ ٧٣] أي: مقدرين الخلود، وكذلك المراد: أي يوم سررتني بوصالك، غير مقدر أنك تروعين ثلاثة أيام بصدودك؟ فهذه ثلاثة أقوال جارية في مضمار كلام العرب.
ومن روى: "لم ترعني ثلاثة" برفع ثلاثة، على إسناد الفعل إليها، كانت العلقة بين الجملتين بتقدير الوصف أو العطف وبطل أن تكون الجملة حالًا، لخلو ترعني من ضمير يعود على ذي الحال. انتهى كلام ابن الشجري.
ومنه تعلم أن المصنف أخذه برمته، وقوله: كما قيل؛ أراد به ابن الشجري. وقوله: وفيه بعد؛ قد بين وجه البعد الدماميني في شروحه الثلاثة. وقول المصنف: لخلو ترعني من ضمير الحال؛ قال الدماميني: يجوز أن يكون التقدير: لم ترعني منذ ثلاثة بصدود، فيحصل الربط باعتبار المحذوف. وأجاب الشمني: إن كلام المصنف إنما هو بناء على ما هو الأصل من عدم التقدير. انتهى. ولا وجه لهذا العذر، لأن تقدير الرابط في الجمل المحتاجة إليها كثير، فهو من الأصول المقررة عندهم، ومنه قول المصنف في بحث الروابط من أواخر الباب الرابع: وقد تخلو الجملة الحالية منهما، أي: من الواو والضمير لفظًا، فيقدر أحدهما.
وأي: منصوب على الظرف، والخطاب في: سررتني، وترعني، لمذكر وهو الساقي، لأن قبله:
كل شيء من الدِّماء حرام ... شربه ما خلا دم العنقود
فاسقنيها فدىً لعينيك نفسي ... من غزال وطار في وتليدي
شيب رأسي وذلَّتي ونحولي ... ودموعي على هواك شهودي
أيَّ يوم سررتني بوصال ... البيت
стр. 550
وهذه الأبيات من قصيدة قالها في صباه، يمدح نفسه فيها ويفتخر. وترجمته تقدمت في الإنشاد التاسع.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع عشر بعد المائة:
(١١٧) أرأيت أيُّ سوالف وخدود ... برزت لنا بين اللِّوى فزرود
على أن أبا علي قال: ليست "أيّ" فيه موصولة، لإضافتها إلى نكرة وإنما هي للاستفهام، ولذا علقت فعل الرؤية، وارتفعت بالابتداء، والخبر جملة برزت.
والبيت مطلع قصيدة لأبي تمام الطائي، مدح بها أحمد بن أبي دؤاد، واستشفع بخالد بن يزيد الشيباني، قال شارح ديوانه الإمام أبو بكر محمد بن يحيى الصولي: أي: للتعجب، يتعجب من جوارٍ عرضت له ذوات سوالف وخدود، يقول: أعلمت أي جوار عرضت لنا بين هذين المكانين، فبدت لنا خدودها وأعناقها؟ انتهى. وفي الديوان: وفي الشرح: عنت: بمعنى عرضت بدل برزت. والظاهر أن أيًا فيه دالة على معنى الكمال. والهمزة في أرأيت للاستهام، والتاء خطاب، إما لنفسه على جهة التجريد. وإما لصاحبه. والسوالف: جمع سالفة، قال صاحب "القاموس": هي ناحية مقدم العنق، من لدن معلق القرط إلى قلت الترقوة. انتهى. والقلت بفتح القاف وسكون اللام بعدها مثناة فوقية: النقرة، بضم النون، والترقوة: وزنها فعلوة، بفتح الفاء وضم اللام، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق من الجانبين، والجمع التراقي. قال بعضهم: ولا تكون الترقوة لشيء من الحيوان إلا للإنسان خاصة، كذا في "المصباح". وفسر السالفة بعضهم بقوله: هي صفحة العنق، وهذا أوضح وأخصر من تفسير صاحب "القاموس". والخدود: جمع خد، وهو صفحة الوجه. وقوله: بين
стр. 551
اللوى فزرود، أراد: بين أماكن اللوى فأماكن زرود، كما قيل في قول امرئ القيس: " ... بين الدخول فحومل" لأن بينًا لا تضاف إلا لمتعدد، واللوى هنا موضع، قال التوَّزي: اللوى: من أرض بني تميم، موضع معروف. انتهى. وهو في اللغة: الرمل الملتوي، وزرود بفتح الزاي: موضع ذو رمل بطريق الحاج من الكوفة، قال ياقوت في "معجم البلدان": وفي زرود بركة وقصر وحوض. وروي أن الرشيد حج في بعض الأعوام، فلما أشرف على الحجاز تمثل بقول القائل:
اقول وقد جزنا زرود عشية ... وراحت مطايانا تؤمُّ بنا نجدا
على أهل بغداد السلام فإنَّني ... أريد بسيري عن بلادهم بعدا
وأبو تمام: هو حبيب بن أوس الطائي، ولد في جاسم – بالجيم والسين المهملة، وهي قرية من قرى الجيدور بفتح الجيم – وهو إقليم من دمشق – في آخر خلافة الرشيد سنة تسعين ومائة، ونشأ بمصر، واشتغل إلى أن صار واحد عصره، وكان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب، غير القصائد والمقاطيع، وله كتاب "الحماسة" وكتاب "مختار أشعار القبائل" وهو مقدار نصف "الحماسة" وكتاب "فحول الشعراء" ومات سنة اثنتين وثلاثين بعد المائتين بالموصل وكان
стр. 552
في عنفوان شبابه حائكًا، وقيل سقاء، ثم قال الشعر فعلا ذكره وانتشر أمره.
قال المبرد: جيد شعره أحسن من شعر البحتري، والبحتري أحسن منه استواء. وكان أبو حيان يتعصب له، فإذا عيب عليه شيء قال: أنا لا أسمع لومًا في حبيب. وكان شعره غير مرتب، فرتبه الصولي على الحروف، ثم رتبه علي بن حمزة الأصبهاني على أنواع الشعر. وعندي من شروحه شرح الإمام المرزوقي، وشرح الإمام محمد الصولي، وشرح أبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي، وشرح المبارك بن المستوفى الإربلي المسمى "بالنظام". وشرحه المعري، وسمى شرحه "ذكرى حبيب" وفسر غريبه القالي، وليسا عندي، وأرجو من الله تعالى تيسيرهما لي بمنه وكرمه.
[إذ]
وأنشد في "إذ"، وهو الإنشاد الثامن عشر بعد المائة:
(١١٨) فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
على أن "إذ" في الموضعين للتعليل. واستشهد سيبويه بالبيت على أن بعض الناس ينصب مثلهم خبرًا لما، وبشر اسمها. قال: وهذا لا يكاد يعزف، كما أن (لَاتَ حِينَ مَنَاصٍ) [ص/٣] كذلك، ورب شيء كذا. قال السيرافي: يعني أن نصب مثلهم على تقدير الخبر قليل، كما أن (لَاتَ حِينَ مَنَاصٍ) بالرفع لا يكاد يعرف. انتهى.
стр. 553
وقد رد المبرد على سيبويه بأن الفرزدق تميمي، وهم يرفعون الخبر مؤخرًا فكيف ينصبونه مقدمًا؟ !
قال النحاس: سألت أبا إسحاق عما قهل المبرد فقال: إنه لعمري من بني تميم، ولكنه مسلم قد قرأ القرآن، وقرأ فيه: (مَا هَذَا بَشَرًا) [يوسف/ ٣١] وقرأ (مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) [المجادلة/ ٢] فرجع إلى لغة من ينصب؛ فلا معنى للتشنيع بأنه من بني تميمي. انتهى.
وأقول: من ينصب الخبر لا ينصبه مع تقدمه، فلا يصح هذا جوابًا. وقيل: أراد الفرزدق أن يتكلم بلغة الحجاز فغلط، وهذا كما قيل: الخارج عن لغته لحان. وأجيب بأن الغربي لا يغلط في اللفظ، وإنما يجوز أن يغلط في المعنى.
ورد ابن ولاد على المبرد بأن الرواة قد تغير البيت على لغتها، وترويه على مذهبها، ولذلك كثرت الروايات في البيت الواحد، ألا ترى أن سيبويه قد يستشهد ببيت واحد لوجوه شتى؟ ! وإنما ذلك على حسب ما غيرته الرواة بلغاتها، لأن لغة الراوي من العرب شاهد، كما أن قول الشاعر شاهد إذا كانا فصيحين، فمن ذلك ما أنشده سيبويه:
بدا لي أنِّي لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئًا إذا كان جائيا
ورواه أيضًا: "ولا سابقًا" في موضع آخر. انتهى. وأقول: بيت الفرزدق ليس على لغة الحجاز، ولا على لغة تميم وغيرها، فكيف يكون من قبيل لغة الراوي.
وقال بعضهم: مثلهم ليس خبرًا لما، وإنما هو خبر للمبتدأ مرفوع، لكنه بني على الفتح لإضافته إلى مبني، فإن المضاف إذا كان مبهمًا كغير، ومثل، ودون، وأضيف إلى مبني، بني كقوله تعالى: (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) [الذاريات/ ٢٣]
стр. 554
فيمن فتح مثلًا، وكقراءة بعضهم (أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ) [هود/ ٨٩] بالفتح، وهذا أقرب الأقوال. وقيل غير ما ذكرنا، وقد بسطنا القول في هذا في الشاهد الرابع والسبعين بعد المائتين من شواهد الرضي:
والبيت من قصيدة للفرزدق، مدح بها عمر بن عبد العزيز لما كان واليًا بالمدينة المنورة، وقبله:
سيروا فإنَّ ابن ليلى عن أمامكم ... وبادروه فإنّ العرف يبتدر
إلى أن قال مخاطبًا له:
وما أعيد لهم حتّى أتيتهم ... أزمان مروان إذ في وحشها غرر
فأصبحوا قد أعاد الله دولتهم ... البيت
ابن ليلى: هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. وليلى أمه، وهي بنت عاصم بن عمر ابن الخطاب، رضي الله تعالى عنه.
والمبادرة: المسارعة، والعرف بالضم: المعروف، وأزمان: نائب فاعل أعيد، وضمير وحشها: للمدينة المنورة. والغرر: جمع غرة – بكسرهما – وهي الغفلة، يريد: أن وحشها لا يذعرها أحد، فهي في غرة من عيشها، قال: هو في غرة من العيش؛ إذا كان في عيش لا كدر فيه ولا خوف. يقول: ما أعيد لأهل المدينة، ولمن بها من قريش، أزمان مثل أزمان جدك مروان في الخصب والسعة، حتى وليت أنت عليهم، فعاد عليهم مثل ما كانوا فيه من الخير حين كان مروان واليًا عليهم، فأصبحوا، بولايتك عليهم، قد أعاد الله نعمتهم عليهم. وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أول الكتاب.
стр. 555
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع عشر بعد المائة:
(١١٩) إنًّ محلًا وإنَّ مرتحلًا ... وإنَّ في السَّفر إذا مضوا مهلا
على أن "إذ" فيه أيضًا للتعليل. ورواه سيبويه "وإن في السفر ما مضى مهلًا" فلا شاهد فيه، قال سيبويه في "باب ما يحسن عليه السكوت في هذه الأحرف الخمسة" لإضمار ما يكون مستقرًا لها .. إلى أن قال: وذلك إن مالًا، وإن ولدًا، وإن عددًا، أي: إن لهم مالًا، فالذي أضمرت "لهم" ويقول الرجل للرجل: هل لكم أحد؟ إن الناس [ألب] عليكم! فيقول: إن زيدًا، وإن عمرًا، أي: إن لنا، قال الأعشى:
إنَّ محلًا وإنَّ مرتحلًا ... وإنَّ في السَّفر ما مضى مهلا
انتهى. وفي نسخة أخرى: "إذ مضى مهلا" والأولى نسخة الأعلم، والثانية نسخة السيرافي. قال السيرافي: ويروي "مضوا" ومعناه: إن لنا محلًا، يعني: في الدنيا إذا عشنا، وإن لنا مرتحلًا إلى الآخرة إذا فنينا، ويقال: إن في الدنيا محلًا ومرتحلًا إلى الآخرة، والسفر: المسافرون، يعني به من مات. قال أبو عمر: مهلًا: مهلة لمن بقي بعدهم، أي: يستعد ويصلح من شأنه، قال أبو عبيدة.
إنَّ مقيمًا وإنّ مسافرًا ... وإنّ في السفر إذا مضى مهلا
قال: ذهابًا لا يرجعون، وقيل: وإن للسفر، يريد: من قدم لآخرته فاز وظفر، والمهل: السبق. انتهى. وقال الأعلم: وأراد بالسفر: من رحل من
стр. 556
الدنيا، يقول: في رحيل من رحل ومضى مهل، أي: لا يرجع، ويروى "مثلًا" أي: فيمن مضى مثل لمن بقي، أي: سيفنى كما فني. انتهى.
وتقدير الخبر مقدمًا في البيت إنما هو لكونه أولى، وليس بواجب لتنكير الاسم، لأن الإخبار عن النكرة في باب إن جائز مع تأخير الخبر كما قاله ابن مالك والرضي. وزعم ابن الملاك أن الخبر إنما قدر مقدمًا وجوبًا لتنكير الاسم، و"ما" في رواية سيبويه مصدرية، والمصدر المؤول بدل اشتمال من السفر، والضمير المستتر في مضى راجع للسفر على أنه اسم جمع لمسافر، واسم الجمع يجوز أن يعود عليه ضمير المفرد وضمير الجمع، وعليه الرواية الأخرى: "ما مضوا" أو أنه جمع سافر حقيقة، قال الجوهري: يقال: سفرت أسفر سفورًا: خرجت إلى السفر، فأنا سافر، وقوم سفر، مثل: صاحب، وصحب، وسفَّار: مثل راكب وركاب ... إلى أن قال: وسافرت إلى بلد كذا مسافرة وسفارًا. انتهى. وقال الأزهري في "تهذيب اللغة" عن الأصمعي: السفر: جمع سافر، كما يقال: شارب وشرب، ويقال: سافر وسفر أيضًا. وغفل صاحب "القاموس" فقال: السافر: المسافر، ولا فعل له، وتبعه ابن الملا.
وقول المصنف: أي إن لنا حلولًا في الدنيا، وإن لنا عنها ارتحالًا إلى الآخرة، أشار به إلى أن "محلًا" و"مرتحلًا" مصدران ميميان بمعنى الحلول والارتحال، وأن متعلقهما وخبر إن في الموضعين – محذوفان. وقول المصنف: وإن في الجماعة الذين ماتوا قبلنا إمهالًا لنا .. إلخ، أشار إلى أن المراد بالسفر: الذين ماتوا، وأن متعلق مهلًا محذوف، وأن مهلًا اسم مصدر بمعنى إمهال.
وهذا مأخوذ من كلام ابن الحاجب قال في "أماليه": بمعناه: إنهم يقولون: إن لنا محلًا في الدنيا، وارتحالًا بالموت، وإن فيمن مضى قبلنا – يعني: موت من يموت – مهلة لنا، لأنا نبقى بعدهم، وهو معنى الإمهال. انتهى.
стр. 557
وهذا غير موجود في كتب اللغة، فإن المهل – بالتحريك – لازم والإمهال متعد، والجيد أن يكون المهل – بالتحريك – بمعنى المهل – بسون الهاء – وهو البطء. قال الأزهري في "التهذيب" عن الليث: تقول مهلًا يا فلان، أي: رفقًا وسكونًا لا تعجل، ونحو ذلك كذلك، ويجوز التثقيل، وأنشد:
فيا ابن آدم ما أعددت في مهل ... لله درُّك ما تأتي وما تذر
انتهى. وإلى هذا أشار السيرافي في كلامه السابق. ويأتي المهل – بالتحريك – بمعنى التقدم، وهو مناسب هنا، وإليه أشار أبو عبيدة، كما نقل عنه السيرافي. وقول المصنف: لأنهم مضوا، إشارة إلى معنى "إذ" التعليلية، والجيد أن تبقى على ظرفيتها، ويكون "إذ مضوا" بدل اشتمال من السفر، كما قيل به في قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ) [مريم/ ١٦] أن "إذ انتبذت" بدل اشتمال من مريم، وفي كلام ابن الحاجب إشارة إلى البدلية فتأمله.
والبيت مطلع قصيدة للأعشى مدح بها سلامة ذا فائش الحميري، وبعده:
استأثر الله بالوفاء وبالـ ... ـعدل وولَّى الملامة الرَّجلا
والأرض حمَّالة لما حمل الله ... وما إن يردُّ ما فعلا
يومًا تراها كشبه أردةي الـ ... ـعصب ويمًا أديمها نغلا
إلى أن قال:
يسير من يقطع المفاوز والـ ... ـبعد إلى من يثيبه الإبلا
والهيكل النَّهد والوليدة والـ ... ـعبد ويعطي مطافلًا عطلا
أصبح ذو فائش سلامة ذو الـ ... ـتَّفضال هشًّا فؤاده جذلا
стр. 558
أبلج لا يرهب الهزال ولا ... ينقض عهدًا ولا يخون إلا
يا خير من يركب المطيَّ ولا ... يشرب كأسًا بكفِّ من بخلا
قلَّدتك الشِّعر لا سلامة ذا التَّفضال والشِّعر حيثما جعلا
والشِّعر يستنزل الكريم كما اسـ ... ـتنزل رعد السَّحابة السَّبلا
لو كنت ماءً عدّا جممت إذا ... ما نزل القوم لم تكن وشلا
قد علمت فارس وحمير والـ ... أعراب بالدست أيّكم نزلا
ليث لدى الحرب أو تدوخ له ... فسرًا وبذَّ الملوك ما فعلا
روى صاحب "الأغاني" بسنده إلى سماك بن حرب أن الأعشى قال: أتيت سلامة ذا فائش. وأطلت المقام ببابه، حتى وصلت إليه بعد مدة، وأنشدته هذه القصيدة، قال: صدقت! الشعر حيث ما جعل. وأمر لي بمائة من الإبل، وكساني حللًا، وأعطاني كرشًا مدبوغًا مملوءة عنبرًا، فبعتها بالحيرة بثلاثمائة ناقة حمراء.
وقوله: استأثر الله بالوفاء وبالعدل، أي: اختص بهما، وولاه: جعله واليًا. وروي "وأولى" وقوله: يومًا تراها كشبه ... إلخ، استشهد به أبو علي الفارسي على أنه يجوز للشاعر أن يأتي بمثل: هذا ضارب زيد اليوم، وغدًا عمرا؛ على قبحه في غير الشعر، للفصل بالظرف بين حرف العطف وما عطف به قال: لأن هذه الحروف تنزلت منزلة ما هو من نفس الحرف المعطوف بها، بدلالة قولهم: وهو وهي، وقد أقيم مقام العامل، فينبغي أن يكون أقل تصرفًا، والظروف التي أقيمت مقام الأفعال أقل تصرفًا. فأما قراءة من قرأ: (سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) [الطلاق/ ١٢] فنصب مثلهن، فإنه أراد الفعل، فحذفه وهو يريده، كما حذف كلًا
стр. 559
في قوله:
أكلَّ امرئ تحسبين امرًا ... ونار توقَّد بالليل نارا
قال ابن بري في شرح أبيات "الإيضاح": وهذا الذي منعه أبو علي فيه نظر، لأنه أمر لابد منه لأمثاله، ولا انفكاك لنظائره عنه، ألا ترى أنك تقول: أعطيت زيدًا درهمًا وعمرًا دينارًا، فقد عطفت اسمين على اسمين، ولابد أن يكون أحد الاسمين فاصلًا بين الواو وما عطف بها، لاسيما والفصل بالظرف أقرب إلى الجواز، لاتساعهم فيه، وقد جاء في شعر النابغة:
تطلِّقه حينًا وحينًا تراجع
انتهى. والكاف زائدة، وأردية جمع رداء، والعصب بمهملتين، كفلس: برد يصبغ غزله، ثم ينسج، ولا يثنى ولا يجمع، وإنما يقال: بردا عصب، وبرود عصب. ويجوز أن يجعل وصفًا فيقال: ضربت بردًا عصبًا، وقال السهيلي: العصب: صبغ لا ينبت إلا باليمن، كذا في "المصباح". وقال شارح شواهد أبي علي: العصب ضرب من برود اليمن يعصب غزله، أي: يدرج ثم يحاك، وهو في الأصل مصدر سمي به كما سمي المخلوق بالخلق. لأنه معصوب، أي: مشدود مدرج، شبه به الأرض إذا أخصبت، وبالأديم النغل إذا أجدبت، والنغل: بفتح النون وكسر الغين المعجمة: وصف من نغل الأديم نغلًا، من باب تعب: فسد فهو نغل – بالكسر – وقد يسكن للتخفيف، ومنه قيل لولد الزنية: نغل، لفساد نسبه، وجارية نغلة، كذلك، وقيل: زانية. ويثيبه: مضارع أثابه، أي: جزاه.
والهيكل: الفرس الطويل، والنهد: المرتفع، والوليدة: الجارية، ومطافل:
стр. 560
جمع مطفل، كمحسن؛ وهي ذات الطفل من الإنس والوحش، وعطل بضمتين: واحد الأعطال، وهي من الخيل والإبل التي لا قلائد عليها، ولا أرسان لها، والتي لا سمة عليها.
وفؤاده: فاعل هشًا، من هش الرجل هشاشة: إذا تبسم وارتاح. والأبلج: النقي ما بين الحاجبين، وهو من صفات السادة الكرام. والهزال بالضم: نقيض السمن، يريد: هزال أولاد الأمهات التي يهبها أو ينحرها. وقوله: ولا يخون إلاَّ بكسر الهمزة: مخفف "إلّ" بالتشديد، وهو العهد. والسبل بفتحتين: اسم من أسبلت السحابة، وهو المطر، والعد بالكسر: الماء الذي لا انقطاع له مثل ماء العين، وماء البئر. وقال أبو عبيد. العد بلغة تميم هو الكثير، وبلغة بكر بن وائل هو القليل، كذا في "المصباح" وجم الشيء جمًا: كثر، والوشل: الماء القليل. أراد: لو كنت من الماء عدًا جممت ولم تبرح، والدست بالسين المهملة: الأرض المستوية الصحراء، معرب دسَّت بالفارسية، بالمعجمة.
يقول: قد علمت الفرس وحمير والأعراب أيكم غلب على الصحراء ونزل بها، وأشار بهذا إلى الحرب التي كانت بين حمير والحبشة، وكان سيف بن ذي يزن الحميري قدم على كسرى، فاستمده على الحبشة، فبعث معه وهزر الفارسي.
وقوله: ليث لدى الحرب .. إلخ، أو: بمعنى إلى، وتدوخ: مضارع داخ، أي: ذل، وفاعله ضمير الملوك، والقسر: القهر، وبذَّهم غلبهم: وما: فاعل بذّ، والملوك تنازعه تدوخ وبذ، فالأول يطلبه فاعلًا، والثاني يطلبه مفعولًا، فأعمل الثاني، وأضمر في الأول.
والأعشى: اسمه ميمون، وكنيته: أبو بصير بن قيس بن جندل، وينتهي
стр. 561
نسبه إلى بكر بن وائل، وكان أبوه قيس يدعى قتيل الجوع، وذلك أنه كان في جبل فدخل غارًا، فوقعت صخرة من الجبل، فسدت فم الغار فمات فيه جوعًا، وكان الأعشى من فحول شعراء الجاهلية، سلك في شعره كل مسلك، وقال في أكثر أعاريض العرب، وليس فيمن تقدم من فحول الشعراء أكثر شعرًا منه، قالوا: وكانت العرب لا تعد الشاعر فحلًا حتى يأتي ببعض الحكمة في شعره. وسئل ابن أبي حفصة: من أشعر العرب؟ قال: شيخا وائل: الأعشى في الجاهلية، والأخطل في الإسلام. وسئل يونس النحوي: من أشعر الناس؟ قال: لا أومئ إلى رجل بعينه، ولكني أقول: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا وهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب.
وهو أول من سأل بشعره، وكانوا يسمونه صناجة العرب لجودة شعره، وقيل: لأنه أول من ذكر الصنج في شعره، وهو ممن أقر بالملكين الكاتبين في شعره، وقد كانت العرب ممن أقام على دين إسماعيل إذا حلفت تقول: وحق الملكين، وكان الأعشى ممن أقام على دين إسماعيل، والقوم بالأنبياء ﵈. قالوا: والأعشى ممن اعتزل وقال بالعدل في الجاهلية، من ذلك قوله:
استأثر الله بالوفاء وبالعدل ... البيت
ومدح نبينا ﷺ ، بقصيدة دالية، وقصده من اليمامة ليسلم، ولما كان بمكة صدَّه مشركوا قريش، فرجع، فلما كان بناحية اليمامة ألقاه بعيره فوقصه، ومات على كفره. وسيأتي شرح هذه القصيدة، وذكر صدهم إياه في حرف اللام إن شاء الله تعالى.
قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": وكان الأعشى يفد على ملوك فارس، ولذلك كثرت الفارسية في شعره. انتهى.
стр. 562
وعدد من اسمه الأعشى من الشعراء سبعة عشر، ذكرهم الآمدي في "المؤتلف والمختلف". والأعشى في اللغة، الذي لا يبصر بالليل، والضعيف البصر، وصار هذا الأعشى في آخر عمره أعمى، وكان له قائد يقوده.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العشرون بعد المائة:
(١٢٠) استقدر الله خيرًا وارضينَّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير
على أن "إذ" للمفاجأة. وهذا البيت من مقطوعة لحريث بن جبلة العذري: أوردها أبو حاتم السجستاني في كتاب "المعمرين" قال: قالوا: عاش عبيد بن شرية الجمرهمي ثلاثمائة سنة، وقال بعضهم مائتين وعشرين سنة، إلا أنا نظن أنه عاشها في الجاهلية، وأدرك الإسلام فأسلم، وقدم على معاوية، فبلغنا أن معاوية قال له: أخبرني كم أتى عليك؟ قال: مائتان وعشرون سنة. إلى أن قال: قال معاوية: فأخبرني عن أعجب شيء رأيته، قال: أعجب شيء رأيته أني نزلت بحي من قضاعة، فخرجوا بجنازة رجل من عذرة، يقال له: حريث بن جبلة، فخرجت معهم، حتى إذا واروه، انتبذت جانبًا عن القوم وعيناي تذرفان، ثم تمثلت شعرًا كنت رويته قبل ذلك:
يا قلب إنّك في أسماء مغرور ... أذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير
قد بحت بالحبِّ ما تخفيه من أحدٍ ... حتى جرت بك أطلاقًا محاضير
стр. 563
تبغي أمورًا فما تدري أعاجلها ... خير لنفسك أم ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيرًا وارضينَّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذ صار في الرِّمس تعفوه الأعاصير
حتى كأن لم يكن إلاّ تذكُّره ... والدَّهر أيَّتما حال دهارير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحيِّ مسرور
وذاك آخر عهد من أخيك إذا ... ما المرء ضمَّنه اللحد الخناسير
والخناسير: جمع خنسير، ويقال: الخناسرة، وهم الذين شيعوا الجنازة. فقال رجل إلى جانبي يستمع ما أقول: يا عبد الله من قائل هذه الأبيات؟ قلت: ما أدري، إلا أني قد رويتها منذ زمان. قال: قائله الذي دفناه، وإن هذا ذو قرابته، أسرُّ الناس بموته، وإنك الغريب الذي وصف تبكي عليهّ فعجبت لما ذكره في شعره والذي صار إليه في قوله، كأنه كان ينظر إلى موضع قبره! فقلت: "إن البلاء موكل بالمنطق". انتهى كلام السجستاني باختصار.
وأورد الحريري هذه الحكاية في كتاب "درة الغواص في أوهام الخواص" عن أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري قال: روى بإسناده إلى هشام بن الكلبي، قال: عاش عبيد بن شرية الجرهمي ثلاثمائة سنة، فأسلم ودخل على معاوية بالشام وهو خليفة، فقال له: حدثني بأعجب ما رأيت، قال: مررت بدار قوم يدفنون ميتًا لهم، فلما انتهيت إليهم اغرورقت عيناي بالدموع فتمثلت بقول الشاعر: يا قلب إنك من أسماء مغرور .. الأبيات المذكورة إلا البيت الأخير. قال: فقال لي رجل: تعرف من بقول هذا الشعر؟ قلت: لا، قال: إن قائله هذا الذي
стр. 564
دفناه الساعة، وأنت الغريب الذي يبكي عليه ولست تعرفه! وهذا الذي خرج من قبره أمسُّ الناس رحمًا به، وأسرهم بموته! فقال له معاوية: لقد رأيت عجبًا، فمن الميت؟ قال: عثير بن لبيد العذري. انتهى.
وأورد أبو علي القالي في أواخر "أماليه" ستة أبيات منها عن ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي مبتورة، ولم يذكر حكايتها ولا حاكيها ولا قائلها.
وقوله: يا قلب إنك في أسماء، أي: حبها، وباح بالشيء: إذا أفشاه، وما: نافية، وأخفيته منه: سترته منه، ومن متعلقة بتخفيه، وحتى: غائية بمعنى إلى، وجرت بك، أي: بإفشائك الحب وبخبرك، والجري هنا: العدو، وأطلاقًا: ظرف، جمع طلق – بفتحتين – وهو الشوط، وقال ابن خلف وغيره: جمع طلق – بضمتين – وهي التي لا تُعقل ولا تُقيّد، وهذا غير مناسب هنا، والمحاضير: الخيل السراع، جمع محضير، مأخوذ من الحضر، بالضم، وهو شدة العدو، ومحاضير: فاعل جرت، يريد: إن حبك لأسماء قد شاع ووصل إلى البلدان والبقاع. وقوله: فاستقدر الله خيرًا، أي: اطلب منه تعالى أن يقدر لك خيرًا، والعسر: مبتدأ خبره محذوف، وهو موجود. ومياسير: فاعل دارت، أي: حدثت وحلت في موضع العسر، يقال لأحوال الدنيا المختلفة: هي تدور، لأن بعضها يأتي في إثر بعض، وهو جمع ميسور بمعنى اليسر.
وهذا البيت من شواهد سيبويه، أورده في باب من أبواب مباحث نون التوكيد، قال: اعلم أن الياء التي هي لام، والواو التي بمنزلتها، إذا حذفتها في الجزم، ثم ألحقت الخفيفة أو الثقيلة أخرجتها كما تخرجها إذا جئت بالألف للاثنين، لأن الحرف يبنى عليها كما يبنى على تلك الألف، وما قبلها مفتوح كما يفتح ما قبل الألف، وذلك قولك:
стр. 565
ارمينَّ زيدًا، وأخشينَّ زيدًا، واغزون: قال الشاعر:
استقدر الله خيرًا ... البيت
وقوله: وبينما المرء ... إلخ، الأحياء: جمع حي، خلاف الميت، ويجوز أن يكون بمعنى القبيلة، والمغتبط: اسم فاعل من الاغتباط، وهو التبجح بالحال الحسنة، والرمس: القبر، ويعفوه: يدرسه ويمحو أثره، والضمير للرمس. والأعاصير: جمع عصار، وهي الريح التي تهب بشدة.
وهذا البيت والذي قبله أوردهما ابن جني في بحث الفاء من "سر الصناعة" على أن "إذ" و"إذا" فيهما بمنزلة الفاء الرابطة للجواب، فإنه قال بعد تقرير الفاء الرابطة: هذا كله يؤكد لك أن جواب الشرط سبيله أن يكون كلامًا لا يحسن الابتداء به، ولهذا أيضًا ما جاز أن يجازى بإذا التي للمفاجأة، نحو قوله تعالى: (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) [الروم/ ٣٦] فقوله: (إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) في موضع قنطوا، وإنما جاز لإذا هذه أن يجاب بها الشرط، لما فيها من المعنى المطابق للجواب، وذلك أن معناها المفاجأة، ولابد هناك من عملين، كما لابد للشرط وجوابه من فعلين، حتى إذا صادفه ووافقه؛ كانت المفاجأة مسببة بينهما، حادثة عنهما، وذلك قولك: خرجت فإذا زيد، فتقدير إعرابه: خرجت فبالحضرة زيد، فإذا التي هي ظرف في معنى قولنا: بالحضرة زيد، فزيد: مرفوع بالابتداء، والظرف قبله خبر عنه، فهذا تقدير الإعراب. وأما تفسير المعنى فهو: خرجت ففاجأت زيدًا، وإن شئت: ففاجأني زيد، لأن فاعلت في أكثر أحوالها إنما تكون من اثنين، فلما ذكرت لك من حال إذا هذه، وأن معناها المفاجأة والموافقة، ووقوع الأمر مسببًا من غيره؛ ما جاز أن يجازى بها.
следующие страницы →