Полный текст (2 797 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
نسبه إلى بكر بن وائل، وكان أبوه قيس يدعى قتيل الجوع، وذلك أنه كان في جبل فدخل غارًا، فوقعت صخرة من الجبل، فسدت فم الغار فمات فيه جوعًا، وكان الأعشى من فحول شعراء الجاهلية، سلك في شعره كل مسلك، وقال في أكثر أعاريض العرب، وليس فيمن تقدم من فحول الشعراء أكثر شعرًا منه، قالوا: وكانت العرب لا تعد الشاعر فحلًا حتى يأتي ببعض الحكمة في شعره. وسئل ابن أبي حفصة: من أشعر العرب؟ قال: شيخا وائل: الأعشى في الجاهلية، والأخطل في الإسلام. وسئل يونس النحوي: من أشعر الناس؟ قال: لا أومئ إلى رجل بعينه، ولكني أقول: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا وهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب.
وهو أول من سأل بشعره، وكانوا يسمونه صناجة العرب لجودة شعره، وقيل: لأنه أول من ذكر الصنج في شعره، وهو ممن أقر بالملكين الكاتبين في شعره، وقد كانت العرب ممن أقام على دين إسماعيل إذا حلفت تقول: وحق الملكين، وكان الأعشى ممن أقام على دين إسماعيل، والقوم بالأنبياء ﵈. قالوا: والأعشى ممن اعتزل وقال بالعدل في الجاهلية، من ذلك قوله:
استأثر الله بالوفاء وبالعدل ... البيت
ومدح نبينا ﷺ ، بقصيدة دالية، وقصده من اليمامة ليسلم، ولما كان بمكة صدَّه مشركوا قريش، فرجع، فلما كان بناحية اليمامة ألقاه بعيره فوقصه، ومات على كفره. وسيأتي شرح هذه القصيدة، وذكر صدهم إياه في حرف اللام إن شاء الله تعالى.
قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": وكان الأعشى يفد على ملوك فارس، ولذلك كثرت الفارسية في شعره. انتهى.
стр. 562
وعدد من اسمه الأعشى من الشعراء سبعة عشر، ذكرهم الآمدي في "المؤتلف والمختلف". والأعشى في اللغة، الذي لا يبصر بالليل، والضعيف البصر، وصار هذا الأعشى في آخر عمره أعمى، وكان له قائد يقوده.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العشرون بعد المائة:
(١٢٠) استقدر الله خيرًا وارضينَّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير
على أن "إذ" للمفاجأة. وهذا البيت من مقطوعة لحريث بن جبلة العذري: أوردها أبو حاتم السجستاني في كتاب "المعمرين" قال: قالوا: عاش عبيد بن شرية الجمرهمي ثلاثمائة سنة، وقال بعضهم مائتين وعشرين سنة، إلا أنا نظن أنه عاشها في الجاهلية، وأدرك الإسلام فأسلم، وقدم على معاوية، فبلغنا أن معاوية قال له: أخبرني كم أتى عليك؟ قال: مائتان وعشرون سنة. إلى أن قال: قال معاوية: فأخبرني عن أعجب شيء رأيته، قال: أعجب شيء رأيته أني نزلت بحي من قضاعة، فخرجوا بجنازة رجل من عذرة، يقال له: حريث بن جبلة، فخرجت معهم، حتى إذا واروه، انتبذت جانبًا عن القوم وعيناي تذرفان، ثم تمثلت شعرًا كنت رويته قبل ذلك:
يا قلب إنّك في أسماء مغرور ... أذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير
قد بحت بالحبِّ ما تخفيه من أحدٍ ... حتى جرت بك أطلاقًا محاضير
стр. 563
تبغي أمورًا فما تدري أعاجلها ... خير لنفسك أم ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيرًا وارضينَّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذ صار في الرِّمس تعفوه الأعاصير
حتى كأن لم يكن إلاّ تذكُّره ... والدَّهر أيَّتما حال دهارير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحيِّ مسرور
وذاك آخر عهد من أخيك إذا ... ما المرء ضمَّنه اللحد الخناسير
والخناسير: جمع خنسير، ويقال: الخناسرة، وهم الذين شيعوا الجنازة. فقال رجل إلى جانبي يستمع ما أقول: يا عبد الله من قائل هذه الأبيات؟ قلت: ما أدري، إلا أني قد رويتها منذ زمان. قال: قائله الذي دفناه، وإن هذا ذو قرابته، أسرُّ الناس بموته، وإنك الغريب الذي وصف تبكي عليهّ فعجبت لما ذكره في شعره والذي صار إليه في قوله، كأنه كان ينظر إلى موضع قبره! فقلت: "إن البلاء موكل بالمنطق". انتهى كلام السجستاني باختصار.
وأورد الحريري هذه الحكاية في كتاب "درة الغواص في أوهام الخواص" عن أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري قال: روى بإسناده إلى هشام بن الكلبي، قال: عاش عبيد بن شرية الجرهمي ثلاثمائة سنة، فأسلم ودخل على معاوية بالشام وهو خليفة، فقال له: حدثني بأعجب ما رأيت، قال: مررت بدار قوم يدفنون ميتًا لهم، فلما انتهيت إليهم اغرورقت عيناي بالدموع فتمثلت بقول الشاعر: يا قلب إنك من أسماء مغرور .. الأبيات المذكورة إلا البيت الأخير. قال: فقال لي رجل: تعرف من بقول هذا الشعر؟ قلت: لا، قال: إن قائله هذا الذي
стр. 564
دفناه الساعة، وأنت الغريب الذي يبكي عليه ولست تعرفه! وهذا الذي خرج من قبره أمسُّ الناس رحمًا به، وأسرهم بموته! فقال له معاوية: لقد رأيت عجبًا، فمن الميت؟ قال: عثير بن لبيد العذري. انتهى.
وأورد أبو علي القالي في أواخر "أماليه" ستة أبيات منها عن ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي مبتورة، ولم يذكر حكايتها ولا حاكيها ولا قائلها.
وقوله: يا قلب إنك في أسماء، أي: حبها، وباح بالشيء: إذا أفشاه، وما: نافية، وأخفيته منه: سترته منه، ومن متعلقة بتخفيه، وحتى: غائية بمعنى إلى، وجرت بك، أي: بإفشائك الحب وبخبرك، والجري هنا: العدو، وأطلاقًا: ظرف، جمع طلق – بفتحتين – وهو الشوط، وقال ابن خلف وغيره: جمع طلق – بضمتين – وهي التي لا تُعقل ولا تُقيّد، وهذا غير مناسب هنا، والمحاضير: الخيل السراع، جمع محضير، مأخوذ من الحضر، بالضم، وهو شدة العدو، ومحاضير: فاعل جرت، يريد: إن حبك لأسماء قد شاع ووصل إلى البلدان والبقاع. وقوله: فاستقدر الله خيرًا، أي: اطلب منه تعالى أن يقدر لك خيرًا، والعسر: مبتدأ خبره محذوف، وهو موجود. ومياسير: فاعل دارت، أي: حدثت وحلت في موضع العسر، يقال لأحوال الدنيا المختلفة: هي تدور، لأن بعضها يأتي في إثر بعض، وهو جمع ميسور بمعنى اليسر.
وهذا البيت من شواهد سيبويه، أورده في باب من أبواب مباحث نون التوكيد، قال: اعلم أن الياء التي هي لام، والواو التي بمنزلتها، إذا حذفتها في الجزم، ثم ألحقت الخفيفة أو الثقيلة أخرجتها كما تخرجها إذا جئت بالألف للاثنين، لأن الحرف يبنى عليها كما يبنى على تلك الألف، وما قبلها مفتوح كما يفتح ما قبل الألف، وذلك قولك:
стр. 565
ارمينَّ زيدًا، وأخشينَّ زيدًا، واغزون: قال الشاعر:
استقدر الله خيرًا ... البيت
وقوله: وبينما المرء ... إلخ، الأحياء: جمع حي، خلاف الميت، ويجوز أن يكون بمعنى القبيلة، والمغتبط: اسم فاعل من الاغتباط، وهو التبجح بالحال الحسنة، والرمس: القبر، ويعفوه: يدرسه ويمحو أثره، والضمير للرمس. والأعاصير: جمع عصار، وهي الريح التي تهب بشدة.
وهذا البيت والذي قبله أوردهما ابن جني في بحث الفاء من "سر الصناعة" على أن "إذ" و"إذا" فيهما بمنزلة الفاء الرابطة للجواب، فإنه قال بعد تقرير الفاء الرابطة: هذا كله يؤكد لك أن جواب الشرط سبيله أن يكون كلامًا لا يحسن الابتداء به، ولهذا أيضًا ما جاز أن يجازى بإذا التي للمفاجأة، نحو قوله تعالى: (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) [الروم/ ٣٦] فقوله: (إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) في موضع قنطوا، وإنما جاز لإذا هذه أن يجاب بها الشرط، لما فيها من المعنى المطابق للجواب، وذلك أن معناها المفاجأة، ولابد هناك من عملين، كما لابد للشرط وجوابه من فعلين، حتى إذا صادفه ووافقه؛ كانت المفاجأة مسببة بينهما، حادثة عنهما، وذلك قولك: خرجت فإذا زيد، فتقدير إعرابه: خرجت فبالحضرة زيد، فإذا التي هي ظرف في معنى قولنا: بالحضرة زيد، فزيد: مرفوع بالابتداء، والظرف قبله خبر عنه، فهذا تقدير الإعراب. وأما تفسير المعنى فهو: خرجت ففاجأت زيدًا، وإن شئت: ففاجأني زيد، لأن فاعلت في أكثر أحوالها إنما تكون من اثنين، فلما ذكرت لك من حال إذا هذه، وأن معناها المفاجأة والموافقة، ووقوع الأمر مسببًا من غيره؛ ما جاز أن يجازى بها.
стр. 566
ويزيد حالها في ذلك وضوحًا ما أنشدناه أبو علي عن أبي بكر، عن أبي العباس، عن أبي عثمان، عن الأصمعي، عن أبي عمرو: أن شيخًا من أهل نجد أنشده:
استقدر الله خيرًا وارضينّ به ... إلى آخر البيتين
فهذا كقولك: بينما المرء في الأحياء مغتبط؛ عفته الأعاصير فوقوع الفعل في موضع إذا يؤكد عندك جواز وقوعًا جوابًا للشرط، لأن أصل الجواب أن يكون بالفعل، ليعادل به الفعل الذي قبله، إذ كان مسببًا عنه، والعلل بيننا والأسباب لا تتعلق بالجواهر، إنما تتعلق بالأعراض والأفعال، فلما كانت عبرة إذ في هذا البيت وفي غيره، ما يطول الكتاب بذكره، عبرة الفعل، فكذلك قوله تعالى: (إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) أيضًا عبرته: قنطوا؛ فافهم ذلك. انتهى كلام ابن جني.
وقوله: حتى كأن لم يكن إلا تذكره ... إلخ، قال ابن خلف: "يكن" من كان التامة، كأنه قال: حتى كأن الإنسان لم يوجد في الدنيا، ولم يحدث إلا تذكره، وفي يكن ضمير المرء. وكأن: يريد: كأنه، وأصل الكلام: حتى كأنه لم يكن إلا تذكره، ويكون تذكره بدلًا من الضمير في يكن، على طريق الاستثناء، وحذف الضمير من كأنه وخففه. ويجوز أن يكون "تذكره" رفعًا بيكن، ولا يكون فيه ضمير، يقول: إن الإنسان قصير العمر، وما مضى من عمره، إذا مات، كأنه لم يوجد. وأينما: حال نصب على الظرف من الزمان، والعامل فيه ما في دهارير من معنى الشدة، والدهر: مبتدأ، ودهارير: خبره، وهي الدواهي، كأنه قال: والدهر دهارير في كل
стр. 567
حال. وحكي عن محمد بن يزيد: في واحد الدهارير "دهرور". وقال أبو الحسن: يجوز أن يكون واحده "دهرار" مثل: أسطار، واحد الأساطير. وقيل: واحد الدهارير: دهر، على غير قياس، كما قالوا: دكر ومذاكير، وسبه ومشابه، كأنهما جمع مذكار ومشبه. انتهى كلامه.
وهذا البيت أنشده سيبويه في "باب ما لا يعمل فيه ما قبله من الفعل الذي يتعدى إلى المفعول ولا غيره" وقال: فإنما هو بمنزلة قولك: والدهر دهارير كل حين وكل مرة، أي: في كل حال، وفي كل مرة فانتصب لأنه ظرف، كما تقول: القتال كل مرة. انتهى.
قال الأعلم: الشاهد فيه نصب أيتما على الظرف، والعامل فيه الدهارير، وهي الدواهي، واحدها: دهور أو دهرار، ويقال: الدهارير أول الدهر، والمعنى: والدهر متجددًا أبدًا على ما عهد منه لا يبلى. ويقال: [الدهارير] جمع دهر على غير قياس. والمعنى على هذا: والدهر متقلب من حال إلى حال، ومتصرف بخير وشر، فكأنه قال: دهور، لاختلافه. وقبل هذا البيت:
وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... البيت
روي أن الفرزدق شهد دفن رجل، فأنشد منشد هذا الشعر، فقال الفرزدق: ما تدرون من اقائل هذا الشعر؟ فقالوا: لا، فقال: الموضوع في حفرته. انتهى.
стр. 568
ولقد أخطأ في نسبة هذه الحكاية إلى الفرزدق، وإنما حصل له اشتباه بحكاية أخرى للفرزدق مع الحسن البصري.
وقوله: وذو قرابته في الحي مسرور، قال الحريري في "درة الغواص": يقولون هو: قرابتي، والصواب أن يقال: هو ذو قرابتي، كما قال الشاعر، وأنشد هذا البيت، وأورد تلك الحكاية والأبيات بهذه المناسبة. وما أنكره صحيح فصيح، وقد ورد في حديث صحيح: "هل بقي أحد من قرابتها" قال ابن الأثير في "النهاية" أي: أقاربها، فسموا بالمصدر كالصحابة، وإطلاق المصدر على الوصف مطرد مقيس للمبالغة التي فيه. وفي "تهذيب اللغة" للأزهري: ويقال: فلان ذو قرابتي، وجائز أن تقول: فلان قرابتي بهذا المعنى. وفي "الأساس" للزمخشري: وهو قريبي وقرابتي، وهم أقربائي وقرابتي. والعجب من صاحب "القاموس" فإنه تبع الحريري، وقال: لا تقل: هو قرابتي.
وقوله: إذا ما المرء ضمنه ... إلخ، ما: زائدة، والمرء: هو الميت، واللحد: مفعول ثان لضمن، والخناسير: فاعل ضمن، وقد فسره أبو حاتم، وليس ما ذكره موجودًا في "التهذيب" للأزهري، وفي "القاموس".
وقائل الشعر جاهلي، واسمه في رواية أبي حاتم: حريث – مصغر حارث – ابن جبلة – بفتح الجيم والموحدة – العذري، نسبة إلى عذرة؛ قبيلة باليمن. وعلى رواية ابن الأنباري: اسمه عثير بن لبيد العذري، بكسر العين المهملة، وسكون
стр. 569
المثلثة، وفتح المثناة التحتية. ولبيد: بفتح اللام وكسر الموحدة. وحكاها ابن خلف قال: الشعر لحريث بن جبلة، ويقال: عثير بن لبيد العذري.
وراوي الحكاية والأبيات: هو عبيد – بالتصغير – ابن شرية، بفتح الشين المعجمة، وسكون الراء، بعدها مثناة تحتية، كذا رأيته مضبوطًا فيهما بالقلم في نسخ متعددة صحيحة، لكن شيخنا الخفاجي قال فيما كتبه على "درة الغواص": شرية كعطية، ولا أدري من أين هذا الضبط، والصواب الأول، وهو منقول من اسم الحنظل، نقل الأزهري في "تهذيب اللغة" عن أبي عبيد عن الأصمعي أنه قال: الشري بفتح فسكون: الحنظل، والواحدة شرية، وهو منسوب إلى جرهم، قبيلة باليمن وعبيد بن شرية: صحابي أورده ابن حجر في "الإصابة" وعاش إلى مدة عبد الملك بن مروان.
ونظير حكاية الشعر ما ذكره ابن خلكان في "الوفيات" في ترجمة الشريف الرضي الموسوي، واسمه محمد، قال: ولقد أخبرني بعض الفضلاء في مجموع، أن بعض الأدباء اجتاز بدار الشريف الرضي بسر من رأى، وهو لا يعرفها، وقد أخنى الزمان عليها، وذهبت بهجتها، وأخلقت ديباجتها، وبقايا رسومها تشهد لها بالنضارة، وحسن الإشارة، فوقف عليها متعجبًا من صروف الزمان، وتمثل بقول الشريف الرضي، رحمه الله تعالى:
ولقد وقفت على ربوعهم ... وطلولها بيد البلى نهب
فبكيت حتى ضجَّ من لغب ... نضوي ولجَّ بعذلي الرَّكب
وتلفَّتت عيني فمذ خفيت ... عنَّي الطُّلول تلفَّت القلب
стр. 570
فمر شخص سمعه وهو ينشد هذه الأبيات، فقال له: أتعرف هذه الأبيات لمن هي؟ فقال: لا، فقال: هذه الدار لصاحب هذه الأبيات، وهو الشريف الرضي، فتعجبا من حسن الاتفاق. انتهى.
وفي معنى الشعر الشاهد قول الشريف الرضي أيضًا:
غيري أضلَّكم فلم أنا أناشد ... وسواي أفقدكم فلم أنا واجد
عجبًا لكم يأبى البكاء أقارب ... منكم ويشرق بالدّموع أباعد
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والعشرون بعد المائة:
(١٢١) هل ترجعينَّ ليال قد مضين لنا ... والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا
على أن الجملة المضاف إليها "إذ" قد حذف عجزها، التقدير: إذ ذاك كذلك، وهو أول أبيات ثلاثة أنشدها أبو زيد في "كتاب الهمز" وفي "النوادر" وقال في كتاب "الهمز": وأنشدني شيخ أعرابي من بني تميم لنفسه:
هل ترجعينَّ ليال قد مضين لنا ... والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا
إذ نحن في غرَّة الدنيا وبهجتها ... والدار جامعة أزمان أزمانا
لمّا استمرَّ بها شيحان مبتجح ... بالبين عنك بما يرآك شنآنا
стр. 571
وقال في "النوادر" بعد هذه الأبيات: الشيحان: الغيور، والمبتجح: المفتخر، والذي يعرف. انتهى. ومراد الشاعر من هذا الاستفهام عود لياليه الماضية، قال الدماميني: الأفنان: إما جمع فنن، وهو الغصن الملتف، أو جمع فن، وهو الحال والنوع، ونصبه على الحال من ليال، وإن كانت نكرة؛ لتخصصها، وعامل إذ "منقلب" واسم الإشارة يرجع إلى العيش باعتبار حاله. والثاني المحذوف المجرور بالكاف، يرجع إلى حال الأفنان، والجملة المقترنة بالواو حال من ضمير مضين، والمعنى: هل ترجع ليالينا، حال كونها مثل الأغصان الملتفة في نضارتها وحسنها، أو حال كونها ذات فنون من الحسن، وضروب شتى من اللذة؟ وهذه الليالي اللاتي مضين في حال أن عيشنا منقلب من طور إلى طور، إذ حال ذلك العيش مثل حال تلك الأغصان في الرونق والبهجة، أو مثل حال تلك الفنون المختلفة في الحسن. انتهى.
وكون أفنان حالًا من ليال بعيد، والقريب أن يكون حالًا من ضمير منقلب، وأقرب منه أن يكون خبرًا له، بناء على أنه من أخوات صار، وفي إرجاع الإشارتين لما ذكر، كما قال ابن الحنبلي؛ تعسف؛ قال: وإنما قيد العيش بقوله: "باعتبار حاله" ليتم له أمر التشبيه بين المشار إليه أولًا، والمشار إليه ثانيًا مع أنه لا يتم، ولهذا اضطر آخرًا إلى تشبيه حاله بحالها، قال: وجعل اسم الإشارة الأول لنفس العيش، وهو للمتوسط للتفخيم. والثاني لنفس الأفنان، وإن كانت جمعًا، وهو للمفرد بتأويل المذكور، مرادًا بها الليالي، أو ما شبهت به أحسن، ووجه الشبه حسن الحال فيهما. وأحسن منه أن يكون اسم الإشارة المذكور لانقلاب العيش ذي الأفنان، والمقدر للانقلاب الثابت لليالي الماضية، إذ كانت أنواعًا مختلفة. انتهى.
стр. 572
وقوله: إذ نحن ... إلخ، هو بدل من قوله: إذ ذاك، والغرة بكسر الغين المعجمة: الغفلة عن الشر، وفعل قبيح، والبهجة: الحسن والرونق واللطافة. وجملة: "والدار جامعة": حال من الضمير المستقر في الظرف، وأزمان: اسم امرأة مفعول الجامعة، وهو غير منصرف، وفيه معطوف محذوف، أي: جامعة أزمان وإياي، وأزمانا: ظرف لجامعة.
وقوله: لما استمر بها، أي: بالدار، وشيحان، بالشين المعجمة والحاء المهملة: الغيور السيئ الخلق، والمبتجح روي بالرفع، صفة شيحان، وبالنصب: حال منه، اسم فاعل من ابتجح بالشيء: افتعل، قال الأزهري في "التهذيب": فلان يتبجح بفلان، ويتمجح، بالميم بدل الباء: إذا كان يهذي به إعجابًا، وقال اللحياني، أي: يفتخر ويباهي به. انتهى. وقول أبي زيد في تفسيره: "والذي يعرف" لم أره في "التهذيب" و"القاموس" وغيرهما، وكلامه حجة. والباء متعلقة بمبتجح. والبين: البعد، وعن: متعلقة به، قال أبو حاتم: الكاف في الموضعين خطاب لمذكر، والباء في "بما" سببية، وما: مصدرية، وروى الأزهري هذا البيت في مادة "شيحان" عن المفضل:
بالبين عنك بها يرآك شنآنا
بضمير الغائبة العائدة إلى أزمان، فيكون "بها" الأولى كذلك لأزمان، ويكون يرآك جواب لمَّا على الشذوذ، لأنه مضارع. وشنآن، بسكون النون: البغض، وكذلك بفتح النون، وفيه مضاف محذوف، أي: يراك رؤية بغض. ونقل الأزهري عن الفراء أنه قال في قوله تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ) [المائدة/ ٢ و ٨]، قال أبو عبيدة: يقال: الشنآن، بتحريك النون والهمزة،
стр. 573
والشنآن، بإسكان النون: البغضة. وروى سلمة عن الفراء: من قرأ شنآن قوم - بالتحريك - فمعناه: بغض قوم، ومن قرأ بسكون النون، فهو اسم، ومعناه: لا يحملنكم بغيض قوم. انتهى. فيكون على هذا وصفًا كعطشان وغضبان، فيكون التقدير هنا: يراك رؤية مبغض. ويرآك هنا جاء على الأصل، على زنة يرعاك، قال أبو زيد في كتاب "الهمز": وعامة كلام العرب في يرى، ونرى، وترى، وأرى، ونحوه على التخفيف، وبعضهم يحققه، وهو قليل في كلام العرب، كقولك: زيد يرآى وأيًا حسنًا، نحو يرعى رعيًا حسنًا، قال سراقة البارقي:
أري عينيَّ ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالتُّرَّهات
وقال الأعلم بن جرادة السعدي؛ أدرك الإسلام:
ألم تر ما لاقيت والدَّهر أعصر ... ومن يتملَّ العيش يرء ويسمع
ثم أنشد هذه الأبيات التي شرحناها.
وأنشد بعده للأخطل، وهو الإنشاد الثاني والعشرون بعد المائة:
(١٢٢) كانت منازل ألَّاف عهدتهم ... إذ نحن إذ ذاك دون النَّاس إخوانا
على أن خبر المبتدأين بعد "إذ" في الموضعين محذوف، تقديره: إذ نحن متألفون، إذ ذاك كائن.
стр. 574
والكلام على هذا البيت أصله لأبي علي، قال في كتاب "الشعر": لا يجوز أن يكون إذ ذاك خبر نحن، كما لا يجوز: زيد أمس، ولكن "إذ" الأولى ظرف لعهدتهم، كأنه قال: عهدتهم إخوانًا، إذ نحن متآخون، أو متألفون إذ ذاك، أي: إذ ذاك كائن. ويحتمل أن يكون "دون الناس" متعلقًا بالخبر المضمر، ويحتمل أن يكون: إخوانًا دون الناس، فإذا قدم الصفة، صار نصبًا على الحال، انتهى كلامه.
وأخذه ابن الشجري كالمصنف، فقال في المجلس الثلاثين من "أماليه" تعريب بيت للأخطل: "كانت منازل ألاف": خبر المبتدأين اللذين هما: نحن وذاك؛ محذوفان، أراد: عهدتهم إخوانًا إذ نحن متألفون أو متأخرون، يدل على التقدير الأول ذكر الألاف، وعلى الثاني ذكر الإخوان. وأراد: إذ ذاك كائن، ولا يجوز أن يكون "إذ ذاك" خبر نحن، لأن ظروف الزمان لا يصح الإخبار بها عن الأعيان، فلو قلت: زيد أمس؛ لم يحصل بذلك فائدة، و"إذ" الأولى ظرف لعدتهم. وأما الثانية، فيعمل فيها الخبر المقدر الذي هو: متألفون، أو متآخون. وأما قوله: دون الناس، فيحتمل أن يكون العامل فيه: عهدتهم، ويحتمل أن تعلقه بالخبر المضمر، كأنك قلت: متألفون دون الناس، ويجوز أن تعلقه بمحذوف غير الخبر المقدر، على أن يكون في الأصل صفة لإخوان، كأنه قال: عهدتهم إخوانًا دون الناس، أي: متصافين دون الناس، فلما قدم على الموصوف صار حالًا، وجاز أن تجعله وصفًا لعين، وحالًا منه، لأنه ظرف مكاني. فإن قيل: إلام توجهت الإشارة بذاك؟ فالجواب: إلى التجاور الذي دل عليه ذكر المنازل. انتهى كلامه.
وقال أبو حيان في "تذكرته": أنشد أبو علي:
стр. 575
بينا كذاك رأيتني متعلِّقًا ... بالبرد فوق جلالة سرداح
الكاف: زائدة، وذاك: مبتدأ، خبره محذوف، تقديره: بينا ذاك شأني. انتهى. ومنازل بالنصب: خبر كان، واسمها ضمير الديار.
والبيت نسبه أبو علي وغيره للأخطل، وقد فتشت ديوانه من رواية السكري فلم أجده، ولعله ثابت في ديوانه من رواية أخرى، والله تعالى أعلم.
وترجمة الأخطل تقدمت في الإنشاد السابع والعشرين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والعشرون بعد المائة:
(١٢٣) لميَّة موحشًا طلل
تمامه:
يلوح كأنَّه خلل
على أن موحشًا حال من طلل، وكان في الأصل صفة لطلل، فلما قدم عليه، صار حالًا منه. وأورده سيبويه في "باب ما ينتصب، لأنه يقبح أن يوصف بما بعده، أو يبنى على ما قبله" وذلك قولك: هذا قائمًا رجل [وفيها قائمًا رجل]؛ لما لم يجز أن توصف الصفة بالاسم، وقبح أن تقول: فيها قائم؛ فتضع الصفة موضع الاسم، كما قبح: مررت بقائم، وأتاني قائم؛ جعلت القائم حالًا، وكان المبني على الكلام الأول ما بعده. ولو حسن أن تقول: فيها قائم؛ لجاز: فيها قائم رجل، لا على الصفة، ولكنه [كأنه] لما قال: فيها
стр. 576
قائم؛ قيل له: من هو، وما هو؟ فقال: رجل، أو عبد الله، وقد يجوز على ضعفه. وحمل هذا النصب على جواز: فيها رجل قائمًا، وصار حين أِّخر وجه الكلام فرارًا من القبح، ثم أنشد هذا البيت لكثير مع بيتين. وقال: وهذا كلام أكثر ما يكون في الشعر، وأقل ما يكون في الكلام. انتهى. قال السيرافي: جملة هذا الباب: أن يكون اسم منكور له صفة تجري عليه، ويجوز نصب صفته على الحال، والعامل في الحال شيء متقدم لذلك المنكور، ثم تتقدم صفة ذلك المنكور عليه، لضرورة عرضت لشاعر إلى تقديم تلك الصفة، فيكون الاختيار في لفظ تلك الصفة أن تحمل على الحال، مثال ذلك: هذا رجل قائم، وفي الدار رجل قائم؛ هذا: مبتدأ، ورجل: خبره، وقائم: نعت رجل، وفي الدار: خبر مقدم، ورجل: مبتدأ، وقائم: نعت رجل. ويجوز نصب قائم في المسألتين جميعًا؛ أما في الأول، فالعامل فيه التنبيه، أو الإشارة، وأما في الثاني، فالعامل فيه الظرف، والاختيار الصفة، والأصل في بيت كثير: لعزة طلل قديم موحش، على الصفة، وكان يجوز: موحشًا، على الحال، والعامل فيه لعزة، فلما قدمت نصبته على الحال. وقوله: هذا كلام أكثر ما يكون في الشعر ... إلخ، يعني: أن طلب وزن الشاعر ربما اضطر الشاعر إلى تقديم، فيحوج إلى تقديم الصفة التي ذكرنا على الموصوف. انتهى باختصار. وظاهره: أن النكرة صاحب الحال.
قال ابن الحاجب في "أماليه": يجوز أن يكون "موحشًا" حالًا من الضمير في لغزة، فجعل الحال من المعرفة، أولى من جعلها من النكرة متقدمة
стр. 577
عليها، لأن هذا هو الكثير الشائع، وذاك قليل، فكان أولى. انتهى. وقال السخاوي في "سفر السعادة": قال النحاة: انتصب موحشًا على الحال من طلل، والعامل: الجار والمجرور. وهذا كلام فيه نظر، لأن الجار والمجرور إما أن يقال فيه ما قال سيبويه، أو ما قال الأخفش. وإن قلنا بقول الأخفش، فارتفاع [طلل] على أنه فاعل، والرافع له الجار والمجرور، فيكون العامل في الحال هو العامل في ذيها، والذي ينبغي أن يقال: العامل في الحال الجار والمجرور، وصاحب الحال الضمير الذي في الجار والمجرور. انتهى.
стр. 578
وقد وقع هذا المصراع في نسخة من "كتاب سيبويه" كما أنشده المصنف، وهي نسخة الأعلم، قال: وتمام البيت:
يلوح كأنه خلل
أي: تلوح آثاره، وتتبين تبين الوشي في خلل السيوف، وهي أغشية الأغماد، واحدتها: خلة. انتهى. وهو بكسر الخاء المعجمة في المفرد والجمع، قال الجوهري: الخلة بالكسر: خلل السيوف، وهي بطائن كانت تغشى بها أجفان السيوف، منقوشة بالذهب وغيره. انتهى. وصحفه الدماميني بالجيم المفتوحة، وقال: والجلل: من الأضداد، يطلق على العظيم وعلى الحقير، والمراد هنا الثاني، وهذا كما ترى لا معنى لتشبيه الطلل بالحقي، والطلل بفتحتين: ما شخص من آثار الدار، كالجدار الصغير والأثفية ونحوهما، والرسم: ما لا شخص له من أثر الدار. ويلوح: يلمع، والموحش: القفر الذي لا أنيس به.
ووقع في نسخة أخرى من "كتاب سيبويه":
لعزَّة موحشًا طلل قديم
وهي نسخة السيرافي، وتمامه:
عفاه كلُّ أسحم مستديم
وفي النسختين منسوب إلى كثير. وأنشده الرضي:
لميَّة موحشًا طلل قديم
ومية: اسم امرأة كان يهواها ذو الرمة، وعزة. اسم امرأة كان يحبها
стр. 579
كثير، وبها اشتهر، ولا يبعد أنه كنى بمية عن عزة، تمويهًا وتصنعًا. وعفاه: غير آثاره ودرسه، والأسحم: الأسود، والمراد به هنا السحاب، لأنه إذا كان ذا ماء يرى أسود لامتلائه. والمستديم: صفة كل، وهو السحاب الممطر مطر الديمة، والديمة: مطرة أقلها ثلث النهار وثلث الليل.
وترجمة كثير عزة تقدمت في الإنشاد التاسع عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والعشرون بعد المائة:
(١٢٤) كأن لم يكونوا حمىً يتَّقى ... إذ النَّاس إذ ذاك من عزَّ برَّا
على أن "إذ" الأولى متعلقة بيكونوا، أو بحمى، أو بيتقي. والثانية: متعلقة ببز، وذاك: مبتدأ خبره محذوف، تقديره كائن.
وإعراب هذا البيت جميعه من كلام أبي علي، قال في كتاب "الإيضاح الشعري": قولها: إذ ذاك، لا يجوز أن يكون خبرًا للناس، لأنك لا تقول: الناس أمس، ولكن التقدير: إذ الناس من عزّ منهم بز إذ ذاك، فيرجع الذكر الذي تقدره محذوفًا إلى الناس، مثل: السمن منوان بدرهم، ويكون قوله: إذ ذك متعلقًا ببز، ومن بمعنى الذي، ولا يكون بمعنى الجزاء لأن الشرط وجوابه لا يعمل واحد منهما فيما قبله عندهم. ومن أجاز من البغداديين أن يعمل جزاء الشرط فيما تقدمه؛ جاز على قياس قوله أن يكون من شرطًا، وبز جوابه، وإذ منتصب الموضع به. وقوله: "إذ ذاك" ذاك: مرتفع بالابتداء، وخبره محذوف، لأن إذ لا تضاف إلا إلى جملة، والتقدير: إذ ذاك كائن أو موجود. انتهى كلامه.
стр. 580
وزاد في "التذكرة القصرية": ويجوز أن تكون "إذ" الأولى متعلقة بحمى أو بيتقى، ويريد: بذاك الحمى المتقى.
وقال في نسخة أخرى منها: لا تتعلق إذ الثانية بمحذوف بعد الناس، لأن ظرف الزمان لا يتضمن الجثة، ولا بما من عزّ بزَّ، لأن الشرط لا يعمل فيما قبله، وإذا كان كذلك؛ كان متعلقًا بما يدل عليه قوله: من عزَّ بزَّا، كأنه قال: إذ الناس إذ ذاك يتغالبون ونحوه، ولا يجوز أن تكون بدلًا من إذ الأولى، لأن الجملة المضافة إليها إذ الأولى لم تتم، فإن قلت: فأضمر للناس خبرًا كأنه مغالبون، وأبدلها من الأولى، وأضمر لذاك خبرًا أيضًا؛ قلت: ما ذكرت غير ممتنع. انتهى.
وأخذه ابن الشجري أيضًا: فقال في المجلس الثاني والثلاثين من "أماليه": من في البيت بمعنى الذي، وموضعها مع عزَّ رفع بالابتداء، وبزَّ: خبرها، والجملة التي هي المبتدأ وخبره: خبر عن المبتدأ الأول الذي هو الناس، والعائد إلى الناس محذوف، كما حذفوه من قولهم: السمن منوان بدرهم، يريدون: منوان منه، وكذلك التقدير: من عزَّ بزَّ منهم، ولا يجوز أن يكون "إذ ذاك" خبرًا عن الناس، لما ذكرته لك من امتناع الإخبار بظروف الزمان عن الأشخاص. وإذا بطل أن يكون "إذ ذاك" خبرًا عن الناس؛ بقي أن يتعلق بـ "بز"، ولا يجوز أن تكون من شرطية، لأن الشرط وجوابه لا يعمل واحد منهما فيما قبله بإجماع البصريين، كما لا يتقدم على الاستفهام ما يكون في حيزه. وأجاز قوم من البغداديين أن يعمل جواب الشرط فيما تقدم عليه، لمفارقته الاستفهام بكونه خبرًا، فعلى قوم هؤلاء يحتمل "من" أن تكون شرطًا، فأما ذاك فموضعه رفع بالابتداء، وخبره محذوف، أي: ذاك كائن أو موجود، ولا يجوز أن يكون موضع ذاك على انفراده خفضًا، لأن "إذ" لا تضاف إلا إلى جملة، فموضع الجملة التي هي ذاك وخبره جر. انتهى كلامه.
стр. 581
وقولهم: جملة "من عزَّ بزَّ" خبر للناس بتقدير العائد؛ خدشه ابن الحنبلي بأن قولها: من عزَّ بزَّ، مثل سائر، واللائق أن يكون محكيًا، وأن لا يكون خبرًا عن الناس بتقدير: من عز منهم، بل بتقدير: مقول في حقهم: من عزَّ بز، كما قال أبو الدرداء: "وجدت الناس اخبر تقله" ويروى: "اخبرهم تقله" أي: تبغض، والهاء للسكت، ولو كانت ضميرًا لقيل: تقلهم، فإن تقديره: مقولًا في حقهم كذا، وإن اشتهر أن تقدير القول فيه، لأن الجملة الواقعة مفعولًا ثانيًا لوجدت غير خبرية، لا لكونها مثلًا محكيًا. انتهى.
والبيت من قصيدة للخنساء، قال جامع ديوانها الأخفش: وقالت تبكي إخوتها وزوجها:
تعرَّقني الدهر نهسًا وحزَّا ... وأوجعني الدّهر قرعًا وغمزا
وافنى رجالي فبادروا معًا ... فغودر قلبي بهم مستفزّا
لذكر الذين هم في الهيا ... ج للمستضيف إذا خاف عزَّا
وهم في القديم سراة الأديم والكائنون من الخوف حرزا
وكانوا سراة بني مالك ... وزين العشيرة فخرا وعزَّا
كأن لم يكونوا حمىً يتَّقى ... إذ النَّاس إذ ذاك من عزَّ بزَّا
هم منعوا جارهم واللُّجا ... ة يحفز أجوافها الموت حفزا
غداة لقوهم بملومة ... رداح تغادر للأرض ركزا
ببيض الصِّفاح وسمر الرِّماح ... فبالبيض ضربا وبالسُّمر وخزا
وخيل تكدَّس بالدَّارعين تحت العجاجة يجمزن جمزا
стр. 582
جززنا نواصي فرسانها ... وكانت تظنُّ بأن لا تجزَّا
ومن ظنَّ مَّمن يلاقي الحرو ... ب بأن لا يصاب فقد ظنَّ عجزا
نضيف ونعرف حقَّ القرى ... ونتِّخذ الحمد والمجد كنزا
ونلبس في الحرب نسج الحديد ... وفي الحيِّ نلبس خزّا وقزَّا
وقد أورد المبرد هذه القصيدة في آخر باب اختصار الخطب، والتحميد والمواعظ، من آخر "الكامل" وذكر شيئًا كثيرًا من مراثيها لأخويها معاوية وصخر، وذكر سبب قتلهما. وأورد هذه القصيدة ابن الشحري أيضًا في المجلس المذكور من "أماليه" وشرحها. ونحن نورد هنا ما يتعلق بها من كلام شارح ديوانها الأخفش، ومن كلام ابن الشجري وغيرهما تكميلًا للفائدة. قال ابن الشجري: العرق بالفتح: العظم بما عليه من اللحم وجمعه عراق – بالضم – يقال: عرقت العظم وتعرقته؛ إذا أخذت ما عليه من اللحم، ويقال للعظم الذي أخذ لحمه: العراق أيضًا، والنهس بالسين المهملة: القبض على اللحم بالأسنان ونتره، ومثله النهش بالمعجمة. والحزُّ: قطع غير نافذ، ومثله القرض، ويكون نافذًا لقولهم: حزَّة من بطيخ: وحزة من كبد، والقرع: مصدر قرعته بالعصا وبالسيف، والغمز: غمزك الشيء اللين بيدك كالتين ونحوه. وأرادت: أن الدهر أوجعها بكبريات نوائبه وصغرياتها. وانتصاب نهسًا وحزًا بتقدير: نهسني نهسًا، وحزني حزًا، وإضمار ناصب المصدر المأخوذ من لفظه [كثير] الاستعمال كقولهم: ما أنت إلا نومًا، ويجوز أن يكون انتصابها على الحال، ووقوع المصدر في موضع اسم الفاعل، وموضع اسم المفعول حالًا مما اتسع استعماله. ويجوز أن يكون بنزع الخافض، أي: تعرقني بنهس وحز، ويجوز على التمييز؛ لأن التعرق لما
стр. 583
احتمل أكثر من وجه، فجاز أن يكون بالنهس وبالحز، أو الكشط أو غير ذلك؛ ذكر كل واحد منهما تبيينًا، ويحتمل الأوجه الأربعة قرعًا وغمزًا. وكررت الدهر فلم تضمره تعظيمًا للأمر. وقولها:
فأفنى رجالي فبادوا معًا ... البيت
يأتي شرحه إن شاء الله تعالى، في بحث "مع" وقولها: لذكر الذين: اللام متعلقة بمستقر، قال الأخفش: الهياج: القتال، والمستضيف: المستغيث، يقال: أضافه أمر كذا؛ إذا أشفق منه، والمضوفة: الشديدة التي يشفق منها. والعزُّ: الغلبة، يقال: عزّه أمر كذا؛ إذا غلبه، يعزُّه. وهذا البيت انفرد بروايته الأخفش. وقولها: وهم في القديم سراة الأديم؛ قال ابن الشجري: سراة الشيء: ظاهره، وقال الأخفش: سراة كل شيء: أعلاه. والحرز: الحصن، ويروي: "وهم في القديم صحاح الأديم" أي: هم صحيح نسبهم، ليس مخلوطًا، وهو ذوو منعة لمن استجار بهم. انتهى.
وقولها: وكانوا سراة بني مالك، هذا البيت ساقط من رواية الأخفش، قال ابن الشجري: سراة القوم، سادتهم ذوو السخاء والمروءة، واحدهم سري، وانتصاب فخرًا وعزًا على التمييز، والعامل زين.
وقولها: كأن لم يكونوا حمى ... إلخ، قال ابن الشجري: الحمى: نقيض المباح، وعز ههنا معناه: غلب، وبز، معناه: سلب، تقول: بززت الرجل إذا سلبته سلاحه، ويقال للسلاح المسلوب: هذا بز فلان. انتهى. وقال الأخفش: الحمى: الشيء الممنوع، وزعمت أنهم كانوا حمى يتقيه الناس، ولا يدنون منه لعزهم. من عز بز، أي: من غلب سلب. انتهى. وفي "المقصور والممدود" لأبي علي القالي: الحمى: مقصور يكتب بالياء، وهو الموضع الذي
стр. 584
يمنع منه أن يقرب، يقال: جعل فلان أرضه حمى: إذا منعها من أن تقرب، ويقال: حماها يحميها، إذا منع منها من أن تقرب، وأحماها يحميها إحماء؛ إذا جعلها حمى لا تقرب. وللعرب حميان معروفان: حمى الرّبذة، وحمى ضريّة. انتهى.
وقال أبو طالب: المفضل بن سلمة الضبي في كتاب "الفاخر": قولهم: من عزَّ بزَّ، قال الأصمعي: يقال: عزه يعزه؛ إذا غلبه. يعني: من باب نصر، وبز: سلب، يقال: بززته ثيابه، أي: سلبته، فمعنى الكلام: من غلب سلب، قالت الخنساء:
كأن لم يكونوا حمىً يتقى ... البيت
والبزة: الثياب والسلاح، ومنه قولهم: فلان حسن البزة، أي: حسن اللباس والثياب وأول من قال: من عز بز، رجل من طي، يقال له: جابر بن رألان، أحد بن ثعل، وكان من حديثه أنه خرج ومعه صاحبان له، حتى إذا كانوا بظهر الحيرة، وكان للمنذر بن ماء السماء يوم يركب فيه، فلا يلقى أحدًا إلا قتله، فلقي في ذلك جابرًا وصاحبيه، فأخذتهم الخيل بالثويَّية، فأتي بهم المنذر، فقال: اقترعوا، فأيكم قرع خلَّيت سبيله، وقتلت الباقين، فاقترعوا، فقرعهم جابر، فخلى سبيله وقتل صاحبيه، فلما رآها يقادان ليقتلا قال: من عز بز، وقال في ذلك شعرًا تركناه.
وقولها: هم منعوا جارهم ... إلخ، قال الأخفش: اللجاة: الذين يلجؤون إليهم. ويحفز: يدفع، حفزًا: دفعًا. انتهى. ورواه المبرد وابن الشجري كذا:
وهم منعوا جارهم والنساء ... يحفز أحشاؤها الخوف حفزا
روي برفع أحشاء، ونصب الخوف، وبالعكس.
وقولها: غداة لقوهم بملومة ... إلى آخر البيتين، وهما ساقطان من رواية
стр. 585
الأخفش، قال ابن الشجري: بملومة، أي: بكتيبة ملومة، وهي التي كثر عددها، واجتمع فيها المقنب إلى المقنب. والرداج: الكثيرة الفرسان، وامرأة رداح: قيلة الأوراك. والركز: الصوت الخفي، وجمعها بين الصفاح والرماح، كجمعها بين القديم والإديم في حسن الترصيع، يقال لكل سيف عريض: صفيحة، وقياس جمعها صفائح. وأما وصفهم الرماح بالسمرة، إذا بالغوا في مدحها؛ فإن القنا إذا بقي في منابته حتى يسمر، دل ذلك على نضجه وشدته. انتهى كلامه. والباء متعلقة بحال من المضمر في "تغادر" أي: تغادر الملومة للأرض ركزًا ملتبسة ببيض الصفاح. والباء من قولها: فبالبيض، متعلقة بالفعل الناصب للمصدر، أي: فيضربون بالبيض ضربًا. وكذلك: وبالسمر وخزًا، تقديره: ويخزون بالسمر وخزًا. والوخز: الطعن بالرمح وغيره، ولا يكون نافذًا.
وقولها: وخيل تكدس.، إلخ، الواو: واو رب، وتكدس، مضارع أصله تتكدس، قال ابن النجري: التكدس: مشي الفرس مثقلًا، والجمز من السير: أشد من العنق، ومنه قيل للبعير: جماز. انتهى. وقال الأخفش: تكدس: تدفع بعضها بعضًا، والدارعين: فرسانها الذين لبسوا الدروع، والعجاجة: غبار الحرب، والجمز: فوق المشي ودون الوثب. انتهى.
وقولها: جززنا نواصي ... إلخ، قال الأخفش: كانوا إذا أسروا أسيرًا منَّ ملوك العرب وساداتهم؛ جزوا ناصيته وجعلوها في كنائنهم يفتخرون بها، فيقول الرجل: عندي ناصية فلان، وإذا رؤي الأسير مجزوز الناصية، علم أنه قد من عليه. انتهى. ولم يكتب فيه ابن الشجري شيئًا.
وقولها: ومن ظن ممن ... إلخ، قال ابن الشجري: الباء في قولها: بأن لا يصاب: زائدة، ويجوز في يصاب الرفع على أن تكون "أن" مخففة من الثقيلة، والنصب على أن تكون المصدرية التي وضعت خفيفة. انتهى كلام ابن
стр. 586
الشجري، وحذفنا منه ما لا تعلق له بكلامها. وقولها: فقد ظن عجزًا، قال ابن الدهان في "الغرة" وهو شرح "اللمع" لابن جني: وفيه وجهان، أحدهما: أن عجزًا صفة مصدر محذوف، أي: ظنًا عجزًا، والثاني: أن يكون حالًا، أي: فقد ظن عاجزًا.
وقولها: نضيف ونعرف حق القرى، رواه المبرد وابن الشجري:
نعفُّ ونعرف حقّ القرى ... ونتَّخذ الحمد ذخرًا وكنزا
قال الأخفش: القرى: الإطعام، وأصله الجمع، يقال: قد قرى الماء في حوضه. وقولها: ونلبس في الحرب ... إلخ، هذا البيت ساقط من رواية ابن الشجري، ورواه المبرد كذا:
ونلبس طورًا ثياب الوغى ... ونلس طورًا بياضا وبزَّا
والخنساء: هي بنت عمرو بن الثَّريد: وينتهي نسبها إلى سليم، واسمها تماضر. والخنساء: مؤنث الأخنس، والخنس: تأخر الأنف عن الوجه، مع ارتفاع قليل في الأرنبة، ويقال لها: خناس أيضًا، بضم الخاء. وهي صحابية، رضي الله تعالى عنها، قدمت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، مع قومها بني سليم، وكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، يعجبه شعرها، ويستنشدها ويقول:
стр. 587
"هيه يا خناس" واتفق أهل العلم بالشعر أنه لم يكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها.
وقيل لجرير: من أشعر الناس؟ فقال: أنا، لولا الخنساء! قيل: بم فضلتك؟ قال بقولها:
إنَّ الزمان وما يفنى له عجب ... أبقى لنا ذنبًا واستؤصل الرَّاس
إنَّ الجديدين في طول اختلافهما ... لا يفسدان ولكن يفسد النَّاس
وقد بسطنا ترجمتها في الشاهد السبعين من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والعشرون بعد المائة:
(١٢٥) نحن الألى فاجمع جمو ... عك ثمَّ جهِّزهم إلينا
على أن صلة الموصول محذوفة، تقديرها: نحن الألى عرفوا، وقدرها بعضهم: عرفتهم، فحذفت الصلة لادعاء شهرتها. قال ابن الشجري في المجلس الخامس من "أماليه" بيت للسيد الرضي، من قصيدة مدح بها الطائع:
قد كان جدُّك عصمة العرب الأُّلى ... فاليوم أنت لهم من الإعدام
قوله: الألى، يحتمل وجهين:
стр. 588
أحدهما: أن يكون اسمًا ناقصًا بمعنى: الذين، أراد: الذين سلفوا، فحذف الصلة للعلم بها، كما حذفها عبيد بن الأبرص في قوله:
نحن الألى فاجمع جمو ... عك ثمّ وجِّههم إلينا
أراد: نحن الألى عرفتهم.
والوجه الثاني: أن يكون أراد: الأولى، فحذف الواو التي هي عين "الفعلى" كما حذفها الأسود بن يعفر في قوله:
واتبعت أخراهم طريق ألاهم ... كما قيل نجم قد خوى متتابع
قيل: إنه أراد: هجوت آخرهم كما هجوت أولهم، أي: ألحقت آخرهم بأولهم في الهجاء، ويدلك على أنه أراد ذلك أمران، أحدهما: معادلتها لأخراهم، ومثله قول أمية بن أبي الصلت.
وقد علمنا لو أنَّ العلم ينفعنا ... أن سوف تلحق أخرانا بأولانا
ومثله في التنزيل: (قَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ) [الأعراف/ ٣٩] والثاني: أنها لا تخلو من أن يكون المراد بها ما ذكرته، أو تكون ألى المبهمة التي في قول الأعشى:
стр. 589
هاؤلى ثمّ هاؤلى كلاّ أعطيت ... نعالًا محذوَّةً بنعال
أو تكون التي بمعنى الذين، كقول بشر بن أبي خازم:
ونحن ألى ضربنا رأس حجر ... بأسياف مهنَّدة رقاق
فلا يجوز أن تكون المبهمة، ولا الموصولة، لأن تينك لا تضافان، فثبت أن المراد بها أولاهم، وإنما استجازوا مثل هذا الحذف في المعتل الأصلي تشبيهًا له بالزائد. انتهى باختصار. وكذا قال في المجلس الثاني والستين.
وقال أبو علي في "كتاب الشعر": "ألى": اسم موصول بمنزلة اللائي، والألف اللام زائدة، فإن جعلتها غير زائدة لم يستقم، لأنه يلزم من ذلك أن يجتمع في الاسم تعريفان، أحدهما: من جهة الألف واللام، والآخر: من اتصال الصلة بها، ويدل على زيادتها سقوطها فيما سقط منه من قول بشر:
ونحن ألى ضربنا رأس حجر ... البيت
انتهى. والبيت من قصيدة لعبيد بن الأبرص الأسدي، قال الأصبهاني في "الأغاني": لما قتل بنو أسد حجر بن الحارث، أبا امرئ القيس، اجتمعوا إلى امرئ القيس، فعرضوا عليه الصلح بأن يعطوه ألف بعير دية أبيه، أو يقيدوه بأي رجل شاء من بني أسد، أو يمهلهم حولًا. فقال أما الدية؛ فما ظننتكم تعرضونها على مثلي! وأما القود؛ فلو قيد لي ألف رجل من بني أسد ما رضيتم، ولا رأيتهم أكفاء لأبي! وأما النَّظرة؛ فلكم، وستعرفونني في فرسان قحطان أحكّم فيكم ظبا السيوف،
стр. 590
وشبا الأسنة، حتى أشفي نفسي، وأنال ثأري، فقال عبيد بن الأبرص في ذلك:
ياذا المخوِّفنا بقتل أبيه ... إذلالا وحينا
أزعمت أنّك قد قتلت ... سراتنا كذبًا ومينا
هلاَّ على حجر بن أمِّ ... قطام تبكي لا علينا
إنَّا إذا عضَّ الثِّقا ... ف برأس صعدتنا لوينا
نحمي حقيقتنا وبعض القوم يسقط بين بينا
هلا سألت جموع كندة يوم ولَّوا أين أينا
نحن الألى فاجمع جمو ... عك ثمّ وجِّههم إلينا
واعلم بأنَّ جيادنا ... آلين لا يقضين دينا
ولقد أبحنا ما حميت ... ولا مبيح لما حمينا
لا يبلغ الباني ولو ... رفع الدَّعائم ما بنينا
كم من رئيس قد قتلناه ومن ضيم أبينا
ولربَّ سيِّد معشر ... ضخم الدَّسيعة قد رمينا
عقبانه بظلال عقبان ... تيمِّمم ما نوينا
حتى تركنا شلوه ... جزر السِّباع وقد مضينا
стр. 591
وأوانس مثل الدُّمى ... حور العيون قد استبينا
إنَّا لعمرك ما يضا ... م حليفنا أبدا لدينا
قوله: ياذا المخوفنا، استشهد به على إضافة الوصف المقرون بأل إلى الضمير، وإذلالًا: مفعول ثان، وهو مصدر: أذله الله، والحين، بالفتح: الهلاك، والمين: الكذب، وحجر، بضم الحاء المهملة وسكون الجيم: هو أبو امرئ القيس، نسبه إلى أمه، ولم ينسبه إلى أبيه تحقيرًا له. والثقاف، بكسر المثلة، ما يسوى به الرماح، والصعدة: بالفتح: القناة المستوية، تنبث كذلك لا تحتاج إلى تثقيف، وقيل: الرمح القصير، ولوينا: من لواه، ثناه وأماله، ومفعوله محذوف، وهو ضمير الثقاف، والحقيقة: ما يحق على الرجل أن يحميه، كالأهل والولد والجار. قال الجوهري: هذا الشيء بين بين، أي: بين الجيد والرديء، وأنشد هذا البيت، وقال: أي: يتساقط ضعيفًا غير معتد به، وألف "بين" الثاني إشباع، وبنيا لتضمنهما لواو العطف.
واستشهد به المصنف في شرح "الشذور" على تركيب الظرف وبنائه. وكندة: قبيلة امرئ القيس، من قبائل اليمن، والبواتر: جمع باتر، وهو السيف القاطع، وآلين: بمعنى حلفن من الألية، وهي اليمين، والدسيعة: العطية الجزيلة، والعقبان: جمع عقاب، قال الأزهري في "تهذيب اللغة": العقاب: العلم الضخم، واللواء الذي يعقد للولاة، شبه بالعقاب الطائر والشلو بالكسر: العضو، وجزر السباع بفتحتين: مأكلة السباع. وأوانس جمع آنسة طيبة الأنس، والدمى جمع دمية: الصورة المنقوشة. استباه: كسباه سبيًا.
وعبيد بن الأبرص: بفتح العين وكسر الموحدة، ينتهي نسبه إلى أسد بن
стр. 592
خزيمة، وهو من فحول شعراء الجاهلية، وجعله ابن سلام الجمحي في الطبقة الرابعة من شعراء الجاهلية، وقرن به طرفة وعلقمة بن عبدة، قال أبو حاتم السجستاني في كتاب "المعمرين" عاش عبيد مائتي سنة وعشرين سنة، ويقال: بل ثلاثمائة سنة وقال ابن قتيبة: عاش أكثر من ثلاثمائة، قال محمد بن حبيب في كتاب "من قتل من الشعراء": ومنهم عبيد بن الأبرص الأسدي وكان المنذر ابن امرئ القيس اللخمي له يوم بؤس ويوم نعيم، وكان يقتل أول من رأى في يوم بؤسه، فرآه في يوم بؤسه، فقتله. وقد بسطنا ترجمته في شرح الشاهد السادس عشر بعد المائة من شواهد الرضى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والعشرون بعد المائة:
(١٢٦) نهيتك عن طلابك أمَّ عمرو ... بعاقبة وأنت إذ صحيح
على أن الأخفش قال: الأصل "حينئذ" فحذف حين المضاف، وبقي الجر، وقد سها السيوطي فقال: البيت استشهد به الأخفش على أن "إذ" معربة لعدم إضافة زمان إليها، وقد كسرت. وأجيب بأن الأصل: وأنت حينئذ، ثم حذف المضاف وبقي الجر. انتهى. قال ابن جني في "سر الصناعة": من وجوه التنوين أن يلحق عوضًا من الإضافة نحو: يومئذ، وليتئذ، وساعتئذ، وحينئذ، وكذلك قول
стр. 593
الشاعر: "وأنت إذ صحيح" وإنما أصل هذا أن يكون، "إذ" مضافة إلى الجملة، نحو: جئتك إذ زيد أمير، وقمت إذ قام زيد، فلما اقتطع المضاف إليه [إذ] عوض منه التنوين، فدخل وهو ساكن على الذال وهي ساكنة، فكسرت الذال لالتقاء الساكنين [فقيل: يومئذ]، وليست الكسرة كسرة إعراب، وإن كانت إذ في موضع جر بإضافة ما قبلها إليها [وإنما الكسرة فيها لسكونها وسكون التنوين بعدها] ويدل على أن الكسرة في ذال "إذ" إنما هي لالتقاء الساكنين قول الشاعر: "وأنت إذ صحيح" ألا ترى أن "إذ" ليس قبلها شيء.
فأما قول أبي الحسن: إنه جر إذ لأنه أراد قبلها حين، ثم حذفها وبقي الجر؛ فساقط، ألا ترى أن الجماعة قد اجتمعت على أن إذ، وكم، ومن، من الأسماء المبنية على الوقف.
وقد قال أبو الحسن نفسه في بعض التعاليق عنه في حاشية "الكتاب": بعد "كم" و"إذ" من التمكن أن الإعراب لم يدخلها قط، فهذا تصريح منه ببناء "إذ" وهو اللائق به والأشبه باعتقاده، وذلك القول الذي حكيناه عن شيء قاله في كتابه الموسوم بـ"معاني القرآن" وإنما هو شبيه بالسهو منه، على أن أبا علي قد اعتذر له منه بما يكاد يكون عذرًا.
قلت: أورد هذا العذر في آخر إعراب "الحماسة" قال: سألت أبا علي عن قوله: "وأنت إذ صحيح" فقتل: قد قال أبو الحسن أنه أراد: حينئذ؛ فهذا تفسير المعنى أم تقدير الإعراب على أن تكون إذ مجرورة بجين المرادة المحذوفة؟ فقال: لا، بل إنما فسر المعنى، ولا يريد أن إذ مجرورة بجين المرادة، والذي قاله أبو علي أجرى على مقاييس مذاهب أصحابنا، غير أن كلام أبي الحسن ظاهره هناك أنه يريد ما عدل عنه أبو علي.
стр. 594
ثم رجعنا إلى بقية كلام ابن جني في "سر الصناعة". قال ويؤيد ما ذكرته من بناء "إذ" أنها إذا أضيفت مبنية. نحو قوله تعالى: (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ) [غافر/ ٧١] (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ) [البقرة/ ١٢٧] فإذ في هذا ونحوه مضافة إلى الجمل [بعدها]، وموضعها نصب، وهي كما ترى مبنية، فإذا كانت في حال إضافتها إلى الجمل مبنية، من حيث كانت الإضافة إلى الجمل كلا إضافة لأن من حق الإضافة أن تقع على الأفراد، فهي إذ لم تضف في اللفظ أصلًا أجدر باستحقاق البناء، ويزيدك وضوحًا قراءة الكسائي (مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ) [المعارج/ ١١] فبنى "يوم" على الفتح لما اضافه إلى مبنى غير متمكن. انتهى المقصود منه.
واعلم أنه قد روي أيضًا: "وأنت إذًا صحيح" فتكون إذًا الجوابية والجزائية، قال المرزوقي في "شرح الهذليين": رواه الباهلي "وأنت، إذًا صحيح" وتكون إذًا للحال، كأنه يحكي ما كان، والمراد: وأنت في تلك الحال صحيح. انتهى. وقال ابن جني عند قول الحماسي:
فإنَّك إن ترى عرصات جمل ... بعاقبة فأنت إذًا سعيد
стр. 595
قال سيبويه: إن إذًا جواب وجزاء، وإذا كان كذلك ففي الفاء مع ما بعدها الجزاء، فما معنى "إذًا" فإن ذلك عندي لتوكيد الجزاء، كما أن الياء في قوله:
والدَّهر بالإنسان دوَّاريُّ
لتوكيد الصفة. انتهى. وعند الرضي التنوين اللاحق لـ"إذًا" عوض عن الجملة المضافة أيضًا. قال: ويكون الأصل: إذ نهيتك، كما قاله في قوله تعالى (فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) [الشعراء/ ٢٠] وقد بسطنا الكلام بأكثر من هذا في شرح الشاهد الثالث والتسعين بعد الأربعمائة من شواهد الرضي.
وهذه فائدة في ضبط الكلمات التي تضاف إلى "إذ" قد وجد بخط صاحب "القاموس" أنه كتب: لا يضاف إلى إذ من الظروف في كلام العرب غير سبعة ألفاظ، وهي: يومئذ، وحينئذ، وساعتئذ، وليتئذ، وغداتئذ، وعشيتئذ، وعاقبتئذ. انتهى.
قيل: مقتضاه أنه لا يقال: وقتئذ ولا شهرئذ، ولاسنتئذ، أقول: وقد ورد أوانئذ في شعر الداخل بن حرام الهذلي. قال:
دلفت لها أوانئذ بسهم ... حليف لم تخوَّنه الشروج
والدليف: سير فيه إبطاء، وحليف: حديد، وتخونه: تنقصه، والشروج: الشقوق والصدوع.
стр. 596
والبيت الشاهد من مقطوعة تسعة أبيات لأبي ذؤيب الهذلي أولها.
جمالك أيُّها القلب القريح ... ستلقى من تحبُّ فتستريح
نهيتك عن طلابك أمَّ عمرو ... بعاقبة وأنت إذ صحيح
وقلت تجنَّبن سخط ابن عمِّ ... ومطلب شلَّة وهي الطَّروح
قال الإمام المرزوقي في شرحه: يجوز أن يكون المراد: الزم جمالك الذي عرف منك وعهد فيما تدفع إليه وتمتحن به، أي صبرك المألوف المشهور، ويجوز أن يكون المعنى: تصبر وافعل ما يكون حسنًا بك، والمصادر يؤمر بها توسعًا مضافة ومفردة، وهذا الكلام بعث على ملازمته الحسنى، وتحضيض ووعد بالنجاح في العقبى وتقريب.
وقوله: نهيتك عن طلابك ... إلخ. يذكر قلبه بما كان من وعظه له في ابتداء الأمر، وزجره من قبل استحكام الحب، فيقول: دفعتك، عن طلب هذه المرأة بعاقبة، أي: بآخر ما وصيتك به، وهذا كما تقول لمن تعتب عليه فيما لم يقبله: كان آخر كلامي معك تحذيرك ما تقاسيه الساعة، ولست تريد أن تلك الوصاة كانت مؤخرة عن غيرها، ومردفة سواها، مما هو أهم منها، ولكنك تنبه على أن الكلام كان مقصورًا عليها أولًا وآخرًا.
ويجوز أن يكون المعنى: نهيتك عن طلبها بذكري ما يفضي أمرك إليه، وتدور عاقبتك عليه، وأنت بعد سليم تقدر على التملُّس منها، وتملك أمرك وشأنك في حبها، وكأنه كان رأى لتلك الحالة عواقب مذمومة، تحصل على واحدة على طريق البدل من صاحبها، وكان ذكرها كلها، فلذلك نكر العاقبة.
ويجوز أن يريد: نهيتك بعقب ما طلبتها، أي: كما طلبتها زجرتك عن قريب، لأن مبادئ الأمور تكون ضعيفة، فيسهل فيها كثير مما يصعب من بعد، وهذا أقرب الوجوه في نفسي، والعرب تقول: تغير فلان بعاقبة، أي: عن قريب بعقب ما عهد عليه قبل. انتهى.
стр. 597
فظهر من هذا أن "عاقبة" بالقاف والموحدة، وكذا هي في رواية أبي بكر القاري، شارح "أشعار الهذليين" قبل الإمام المرزوقي، وهي عندي بخطه، وعليها خطوط علماء العربية منهم أحمد بن فارس صاحب "المجمل" في اللغة، وفسرها القاري بقوله: آخر الشأن. والباء على المعاني الثلاث متعلقة بنهيتك، وجملة: "وأنت صحيح" حال من الكاف في نهيتك.
وصحفها الدماميني في "الحاشية الهندية" بالفاء والمثناة التحتية، وجعل الباء متعلقة بمحذوف على أنه حال من إحدى الكافين كالجملة الاسمية، وجوّز أيضًا أن تكون الباء متعلقة بنهيتك، وقال: أي: نهيتك عن حال عافية، والاسمية حال من التاء.
أول: لا يصح كونها حالًا من التاء، لأنها صفة للمخاطب لا للمتكلم.
وقوله: وقلت تجنبن ... إلخ، قال المرزوقي: روي لنا عن الدريدي عن أبي يزيد وعن الزيادي: "شلّة" بضم الشيم، قال: وكذا قرأته بخط ذي الرمة، وكذا رواه الباهلي أيضًا. وروي "شلة" بفتح الشين، وهما جميعًا من الشل: الطرد، كأنه يعدد ما كان يحذره منه، ويعرّفه أن نتائجه كان عالمًا بها، فلها ما كان ينفره، والمعنى: أن طلبك لها يجلب عليك مراغمة أبناء عمك، ويسوقك إلى التعب فيما يبعد عنك، ولا يجدي عليك. والطروح: البعيدة، وروى بعضهم: "ونوح طروح" أي: تطرح أهلها في أقاصي الأرض، وكأنه أراد: ونوى طروح ذاك، لأن القوافي مرفوعة. انتهى كلامه. وترجمة
стр. 598
أبي ذؤيب تقدمت في الإنشاد الخامس من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والعشرون بعد المائة:
(١٢٧) أمن ازديارك في الدُّجى الرُّقباء ... إذ حيث كنت من الظَّلام ضياء
على أن "إذ" فيه تحتمل الظرفية والتعليلية. وشرح هذا البيت جميعه من "أمالي ابن الحاجب".
وقوله: وفي متعلقة به لا بأمن ... إلخ، قال ابن الحاجب: وفي الدجى: متعلق بازديارك لا بأمن، لأنه لو تعلق بأمن لكان المعنى تقييد الأمن بزمان الظلام، وهم آمنون في كل وقت من زيارتها في الظلام، وإذا تعلق بازديارك قيد الزيارة المأمونة بأنها في الظلام، وهو المقصود، ولا يقال: إنه يفهم منه أن زيارتها في غير الظلام غير مأمونة، فإنه يجاب عنه أن ذلك كالمعلوم من باب الأولى. انتهى.
وقوله: أن تزوري في الدجى، أشار إلى أن ازديارك مصدر مضاف إلى فاعله، وكان أوضح منه للمراد لو قال: أن تزوريني، كما قال لواحدي، وفيه رد على ابن الحاجب في فهمه أنه مصدر مضاف إلى مفعوله، فإنه قال: معناه أن الرقباء حكموا بانتفاء ما يخافونه من حصول زيارتك في الدجى، لما اشتملت عليه من النور الذي يظهر زوارك لو زاروك، فهم يمتنعون من زيارتك لذلك، كما يمتنعون من زيارتك في النهار، فأمنوا لذلك. انتهى.
وقوله: "وإذ" إما تعليل، أي: لقوله: أمن، وهذا هو الظاهر عند ابن
стр. 599
الحاجب. وقوله: أو ظرف مبدل من محل "في الدجى"، لأن موضع الجار والمجرور النصب على الظرفية، ولم يجعله بدلًا من الدجى والمجرور، لأن "إذ" من الظروف غير المتصرفة. واقتصر الواحدي على التعليل، وهو الظاهر.
وقوله: وضياء: مبتدأ خبره حيث وأجاز ابن الحاجب العكس أيضًا، قال: ويجوز أن يكون حيث مبتدأ، وضياء: خبره، أي: إذ المكان الذي تحلين فيه ضياء، أو على تأويل: ذو ضياء. انتهى. وكلا الوجهين مبني عى تصرف حيث، وهو خروجها من الظرفية إلى الفاعلية والمفعولية ونحوهما، وقد خرجت إلى المفعولية في قوله تعالى: (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام/ ١٢٤] وعند ابن مالك تصرفها نادر. وصحح أبو حيان عدم تصرفها، وهو مذهب الواحدي، ولهذا جعل ضياء مبتدأ محذوف الخبر، وتقديره عنده، حيث كنت من الظلام ضياء هناك. وقوله: لتقدم خبرها عليها؛ هذا المسوّغ هو المشهور عند النحويين، وقد أنكره في الباب الرابع في مسوغات الابتداء بالنكرة، ذكره في المسوغ الرابع.
وقوله: ومن للبدل متعلقة بمحذوف ... إلخ، قال في بحث "من": وأنكر قوم مجيء من للبدل فقالوا: التقدير: أرضيتم بالحياة الدنيا بدلًا من الآخرة فالمفيد للبدلية متعلقها المحذوف، وأما هي فللابتداء، انتهى.
وجوز ابن الحاجب وجوهًا أخر، قال: ومن الظلام، يجوز أن يكون متعلقًا بمحذوف متعلق بحيث لبيان الجنس، أي: إذا المواضع التي تحلين فيها التي هي مواضع الظلام، فيقدر حذف مضاف، أو يجعل الظلام كأنه للموضع، أو تجعل الأمكنة كأنها ظلام. ومثل
стр. 600
هذا الجار متعلقة صفة لما هو بيان له، أي: إذ الأمكنة التي تحلين بها الحاصلة من موضع الظلام. ويجوز أن يكون متعلقًا بكنت، لأنها كانت التامة، أي: إذ حيث حللت من مواضع الظلام ضياء. ويجوز أن يكون من الظلام على تقدير أن يكون "إذ" بدلًا من قوله: في الدجى، لبيان إذ، أي: في الزمان الذي هو الظلام الذي حيث حللت فيه ضياء. هذا كلامه، ولا يخفى تكلفه ونعسفه.
ونعم ما فعل المصنف من اقتصاره على معنى البدلية كالواحدي، والمقدار الذي أخذه من كلام ابن الحاجب في شرح البيت أصله من كلام الواحدي. قال الواحدي: ولم يفسر أحد من إعراب هذا البيت ما فسرت، وكان هذا البيت بكرًا إلى هذا الوقت، والمعنى: أنها لكونها نورًا وضياء لا تخرج ليلًا، لأن الرقباء يشعرون بخروجها حين يرون الظلام ضياء. انتهى.
قال أبو اليمن الكندي في شرحه: تكلم الناس في إعراب هذا البيت كثيرًا، وأصح ما قيل فيه كلام الواحدي. وروي المصراع الثاني كذا أيضًا:
إذ حيث أنت من الظلام ضياء
وبها صدر الواحدي شرحه، قال: يقول: أمن رقباؤك أن تزوريني ليلًا إذ حيث أنت ضياء بدلًا من الظلام، يعني في الليل. وأنت: مبتدأ، وضياء: خبره، وهما جملة أضيفت حيث إليها، و"من" ههنا للبدل، لأن الضياء لا يكون من جنس الظلام، ويروى: "إذ حيث كنت" وعلى هذا ضياء مبتدأ، وخبره
следующие страницы →