Полный текст (2 797 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
والبيت الشاهد من مقطوعة تسعة أبيات لأبي ذؤيب الهذلي أولها.
جمالك أيُّها القلب القريح ... ستلقى من تحبُّ فتستريح
نهيتك عن طلابك أمَّ عمرو ... بعاقبة وأنت إذ صحيح
وقلت تجنَّبن سخط ابن عمِّ ... ومطلب شلَّة وهي الطَّروح
قال الإمام المرزوقي في شرحه: يجوز أن يكون المراد: الزم جمالك الذي عرف منك وعهد فيما تدفع إليه وتمتحن به، أي صبرك المألوف المشهور، ويجوز أن يكون المعنى: تصبر وافعل ما يكون حسنًا بك، والمصادر يؤمر بها توسعًا مضافة ومفردة، وهذا الكلام بعث على ملازمته الحسنى، وتحضيض ووعد بالنجاح في العقبى وتقريب.
وقوله: نهيتك عن طلابك ... إلخ. يذكر قلبه بما كان من وعظه له في ابتداء الأمر، وزجره من قبل استحكام الحب، فيقول: دفعتك، عن طلب هذه المرأة بعاقبة، أي: بآخر ما وصيتك به، وهذا كما تقول لمن تعتب عليه فيما لم يقبله: كان آخر كلامي معك تحذيرك ما تقاسيه الساعة، ولست تريد أن تلك الوصاة كانت مؤخرة عن غيرها، ومردفة سواها، مما هو أهم منها، ولكنك تنبه على أن الكلام كان مقصورًا عليها أولًا وآخرًا.
ويجوز أن يكون المعنى: نهيتك عن طلبها بذكري ما يفضي أمرك إليه، وتدور عاقبتك عليه، وأنت بعد سليم تقدر على التملُّس منها، وتملك أمرك وشأنك في حبها، وكأنه كان رأى لتلك الحالة عواقب مذمومة، تحصل على واحدة على طريق البدل من صاحبها، وكان ذكرها كلها، فلذلك نكر العاقبة.
ويجوز أن يريد: نهيتك بعقب ما طلبتها، أي: كما طلبتها زجرتك عن قريب، لأن مبادئ الأمور تكون ضعيفة، فيسهل فيها كثير مما يصعب من بعد، وهذا أقرب الوجوه في نفسي، والعرب تقول: تغير فلان بعاقبة، أي: عن قريب بعقب ما عهد عليه قبل. انتهى.
стр. 597
فظهر من هذا أن "عاقبة" بالقاف والموحدة، وكذا هي في رواية أبي بكر القاري، شارح "أشعار الهذليين" قبل الإمام المرزوقي، وهي عندي بخطه، وعليها خطوط علماء العربية منهم أحمد بن فارس صاحب "المجمل" في اللغة، وفسرها القاري بقوله: آخر الشأن. والباء على المعاني الثلاث متعلقة بنهيتك، وجملة: "وأنت صحيح" حال من الكاف في نهيتك.
وصحفها الدماميني في "الحاشية الهندية" بالفاء والمثناة التحتية، وجعل الباء متعلقة بمحذوف على أنه حال من إحدى الكافين كالجملة الاسمية، وجوّز أيضًا أن تكون الباء متعلقة بنهيتك، وقال: أي: نهيتك عن حال عافية، والاسمية حال من التاء.
أول: لا يصح كونها حالًا من التاء، لأنها صفة للمخاطب لا للمتكلم.
وقوله: وقلت تجنبن ... إلخ، قال المرزوقي: روي لنا عن الدريدي عن أبي يزيد وعن الزيادي: "شلّة" بضم الشيم، قال: وكذا قرأته بخط ذي الرمة، وكذا رواه الباهلي أيضًا. وروي "شلة" بفتح الشين، وهما جميعًا من الشل: الطرد، كأنه يعدد ما كان يحذره منه، ويعرّفه أن نتائجه كان عالمًا بها، فلها ما كان ينفره، والمعنى: أن طلبك لها يجلب عليك مراغمة أبناء عمك، ويسوقك إلى التعب فيما يبعد عنك، ولا يجدي عليك. والطروح: البعيدة، وروى بعضهم: "ونوح طروح" أي: تطرح أهلها في أقاصي الأرض، وكأنه أراد: ونوى طروح ذاك، لأن القوافي مرفوعة. انتهى كلامه. وترجمة
стр. 598
أبي ذؤيب تقدمت في الإنشاد الخامس من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والعشرون بعد المائة:
(١٢٧) أمن ازديارك في الدُّجى الرُّقباء ... إذ حيث كنت من الظَّلام ضياء
على أن "إذ" فيه تحتمل الظرفية والتعليلية. وشرح هذا البيت جميعه من "أمالي ابن الحاجب".
وقوله: وفي متعلقة به لا بأمن ... إلخ، قال ابن الحاجب: وفي الدجى: متعلق بازديارك لا بأمن، لأنه لو تعلق بأمن لكان المعنى تقييد الأمن بزمان الظلام، وهم آمنون في كل وقت من زيارتها في الظلام، وإذا تعلق بازديارك قيد الزيارة المأمونة بأنها في الظلام، وهو المقصود، ولا يقال: إنه يفهم منه أن زيارتها في غير الظلام غير مأمونة، فإنه يجاب عنه أن ذلك كالمعلوم من باب الأولى. انتهى.
وقوله: أن تزوري في الدجى، أشار إلى أن ازديارك مصدر مضاف إلى فاعله، وكان أوضح منه للمراد لو قال: أن تزوريني، كما قال لواحدي، وفيه رد على ابن الحاجب في فهمه أنه مصدر مضاف إلى مفعوله، فإنه قال: معناه أن الرقباء حكموا بانتفاء ما يخافونه من حصول زيارتك في الدجى، لما اشتملت عليه من النور الذي يظهر زوارك لو زاروك، فهم يمتنعون من زيارتك لذلك، كما يمتنعون من زيارتك في النهار، فأمنوا لذلك. انتهى.
وقوله: "وإذ" إما تعليل، أي: لقوله: أمن، وهذا هو الظاهر عند ابن
стр. 599
الحاجب. وقوله: أو ظرف مبدل من محل "في الدجى"، لأن موضع الجار والمجرور النصب على الظرفية، ولم يجعله بدلًا من الدجى والمجرور، لأن "إذ" من الظروف غير المتصرفة. واقتصر الواحدي على التعليل، وهو الظاهر.
وقوله: وضياء: مبتدأ خبره حيث وأجاز ابن الحاجب العكس أيضًا، قال: ويجوز أن يكون حيث مبتدأ، وضياء: خبره، أي: إذ المكان الذي تحلين فيه ضياء، أو على تأويل: ذو ضياء. انتهى. وكلا الوجهين مبني عى تصرف حيث، وهو خروجها من الظرفية إلى الفاعلية والمفعولية ونحوهما، وقد خرجت إلى المفعولية في قوله تعالى: (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام/ ١٢٤] وعند ابن مالك تصرفها نادر. وصحح أبو حيان عدم تصرفها، وهو مذهب الواحدي، ولهذا جعل ضياء مبتدأ محذوف الخبر، وتقديره عنده، حيث كنت من الظلام ضياء هناك. وقوله: لتقدم خبرها عليها؛ هذا المسوّغ هو المشهور عند النحويين، وقد أنكره في الباب الرابع في مسوغات الابتداء بالنكرة، ذكره في المسوغ الرابع.
وقوله: ومن للبدل متعلقة بمحذوف ... إلخ، قال في بحث "من": وأنكر قوم مجيء من للبدل فقالوا: التقدير: أرضيتم بالحياة الدنيا بدلًا من الآخرة فالمفيد للبدلية متعلقها المحذوف، وأما هي فللابتداء، انتهى.
وجوز ابن الحاجب وجوهًا أخر، قال: ومن الظلام، يجوز أن يكون متعلقًا بمحذوف متعلق بحيث لبيان الجنس، أي: إذا المواضع التي تحلين فيها التي هي مواضع الظلام، فيقدر حذف مضاف، أو يجعل الظلام كأنه للموضع، أو تجعل الأمكنة كأنها ظلام. ومثل
стр. 600
هذا الجار متعلقة صفة لما هو بيان له، أي: إذ الأمكنة التي تحلين بها الحاصلة من موضع الظلام. ويجوز أن يكون متعلقًا بكنت، لأنها كانت التامة، أي: إذ حيث حللت من مواضع الظلام ضياء. ويجوز أن يكون من الظلام على تقدير أن يكون "إذ" بدلًا من قوله: في الدجى، لبيان إذ، أي: في الزمان الذي هو الظلام الذي حيث حللت فيه ضياء. هذا كلامه، ولا يخفى تكلفه ونعسفه.
ونعم ما فعل المصنف من اقتصاره على معنى البدلية كالواحدي، والمقدار الذي أخذه من كلام ابن الحاجب في شرح البيت أصله من كلام الواحدي. قال الواحدي: ولم يفسر أحد من إعراب هذا البيت ما فسرت، وكان هذا البيت بكرًا إلى هذا الوقت، والمعنى: أنها لكونها نورًا وضياء لا تخرج ليلًا، لأن الرقباء يشعرون بخروجها حين يرون الظلام ضياء. انتهى.
قال أبو اليمن الكندي في شرحه: تكلم الناس في إعراب هذا البيت كثيرًا، وأصح ما قيل فيه كلام الواحدي. وروي المصراع الثاني كذا أيضًا:
إذ حيث أنت من الظلام ضياء
وبها صدر الواحدي شرحه، قال: يقول: أمن رقباؤك أن تزوريني ليلًا إذ حيث أنت ضياء بدلًا من الظلام، يعني في الليل. وأنت: مبتدأ، وضياء: خبره، وهما جملة أضيفت حيث إليها، و"من" ههنا للبدل، لأن الضياء لا يكون من جنس الظلام، ويروى: "إذ حيث كنت" وعلى هذا ضياء مبتدأ، وخبره
стр. 601
محذوف، على تقدير: حيث كنت من الظلام ضياء هناك، وكان لا يحتاج إلى خبر، لأنه في معنى حصلت ووقعت، وإذ: ظرف لأمن، يقول: أمنوا إذ أنت حيث كنت بهذه الصفة، ولم يفسر أحد من إعراب هذا البيت، ما نقلناه منه. وتقدمت ترجمة المتنبي في الإنشاد التاسع.
[إذا]
وأنشد في "إذا" وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد المائة:
(١٢٨) والنَّفس راغبة إذا رغَّبتها ... وإذا تردُّ إلى قليل تقنع
على أن إذا الظرفية تدخل على الماضي والمضارع كما في البيت، وليس المراد بدخولها عليهما إضافتها إلى جملتها، كما قاله السيوطي لما يأتي في كلام المصنف في مسألة ناصب إذا، من الفصل الثاني. وإذا الأولى شرطية بدليل إذا الثانية، فيكون جوابها محذوفًا يدل عليه ما قبلها وجملة إذا الثانية معطوفة على خبر المبتدأ وهو راغبة، والمعطوف على الخبر خبر، ولا يجوز أن تكون معطوفة على جملة إذا الأولى لفساد المعنى.
والبيت من قصيدة طويلة لأبي ذؤيب الهذلي، مذكورة في أول أشعار الهذليين وفي آخر المفضليات، رثى بها أولاده، وكان له خمسة بنين هاجروا إلى مصر فهلكوا في عام واحد بالطاعون، قاله الإمام المرزوقي في شرحه، وابن الأنباري في "شرح المفضليات" وهذا مطلع القصيدة:
أمن المنون وريبها تتوَّجع ... والدّهر ليس بمعتب من يجزع
стр. 602
قالت أميمة ما لجسمك شاحبًا ... منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع
أم ما لجنبك لا يلائم مضجعا ... إلا أقضَّ عليك ذاك المضجع
فأجبتها أمَّا لجسمي أنَّه ... أودى بنيَّ من البلاد فودَّعوا
أودى بنيَّ وأعقبوني حسرةً ... بعد الرُّقاد وعبرةً ما ترجع
فالعين بعدهم كأنَّ حداقها ... سملت بشوك فهي عور تدمع
سبقوا هوىَّ وأعنقوا لهواهم ... فتخرِّموا ولكلِّ جنب مصرع
فغبرت بعدهم بعيش ناصب ... وإخال أنِي لاحق متتبِّع
ولقد حرصت بأن أدافع عنهم ... فإذا المنيَّة أقبلت لا تدفع
وإذا المنيَّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلَّ تميمة لا تنفع
حتَّى كأنِّي للحوادث مروة ... بصفا المشرَّق كلَّ يوم تقرع
وتجلُّدي للشَّامتين أريهم ... أنِّي لريب الدّهر لا أتضعضع
والنفس راغبة إذا رغَّبتها ... وإذا تردُّ إلى قليل تقنع
كم من جميع الشَّمل ملتئم الهوى ... كانوا بعيش ناعم فتصدَّعوا
قوله: أمن المنون ... إلخ، قال الإمام المرزوقي: الهمزة للاستفهام الإنكاري. يخاطب نفسه ويقول: أتتوجع من المنون، والدهر كذا! والمعنى: لا تتوجع منه فذلك غير نافع مع الدهر. والمنون: قد يراد به الدهر، فإذا أريد به ذلك فالرواية "وريبه" لأنه حينئذ مذكر، وكأنه فعول من المنِّ: القطع، ومنه: حبل منين، أي: مقطوع وقد يراد به المنية أيضًا، وحينئذ يؤنث، فيروى: "وريبها" وقد يخبر
стр. 603
عنها بضمير الجمع، لأنه يقصد بها إلى أنواع المنايا، قال عدي:
من رأيت المنون عرَّين أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير
فإن قيل: وجه الكلام أن يقال: والمنون ليس بمعتب، قلت: إن أريد بالمنون الدهر، فإنما اختلف اللفظان والمعنى واحد، وإن أريد المنية، فإنه لما كانت الأحداث كلها كانوا ينسبونها إلى الدهر، والمنية بعضها، فكأنها من مسببات الدهر وأفعاله، وإذا كان كذلك فالدهر إذًا يجب أن يرجع ويكف من فعله لا غيره. والإعتاب: الرجوع، وريبها: نزولها. وحكي عن أبي عبيدة: راب عليه الدهر، أي: نزل، ويجوز أن يكون مصدر رابني الشيء، والمراد به حدثان الدهر وصروفه الرائبة. انتهى. وقال ابن الأنباري في شرحه: المنون: الدهر، سمي منونًا لأنه يبلي ويضعف، ويذهب بمنَّة الأشياء، والمنة: القوة والضعف أيضًا. والمنون أيضًا تكون المنية، وتكون واحدًا وجمعًا. وقوله: والدهر ليس بمعتب، أي: ليس الدهر بمراجع من جزع منه بما يجب، والعتبى: المراجعة، ومنه قولهم: لك العتبى، أي: الرجوع إلى ما تحب، ومنه قولهم: أعتب فلان فلانًا. انتهى.
وقوله: قالت أميمة ... البيت، قال المرزوقي: قال أبو نصر: أرى أن أميمة امرأته، استنكرت شحوب لونه، وهزال بدنه، متصورة أن ذلك لتوليه أسباب بنفسه، وتبذله في إصلاح ضيعته، وإمساكه عن بذل المال مع اتساعه، لاستعانة من يعتنق أموره دونه، ويكفيه مهمّه، ألا ترى أنها قالت: ما لجسمك يشحب، ومثل مالك ينفع! ؟ : كان يجب أن لا يكون ذلك مع هذه الحال، وأن أبا ذؤيب أبطل ما تصورته، وبين العلة فيما أنكرته بقوله: فأجبتها أما ... ،
стр. 604
وانتصاب شاحبًا على الحال، مما دلَّ عليه: ما لجسمك، كأنه قال: لم حصلت شاحبًا. وروى الأصمعي بدله "سائيًا" أي: يسوء من أبصره. وقوله: منذ ابتذلت، أي: منذ أصبت بولدك، فامتهنت نفسك لذهاب من كان يكفيك، وتركت التصون والتودع، وباشرت السفر والتعب، والمعنى: كيف صرت كذلك، وفي مالك ما يمكن معه اشتراء الخدم، والاعتماد على من ينوب عنك في الاعمال والتصرف. انتهى.
وقوله: أم ما لجنبك ... البيت، أم: منقطعة، كأنها استأنفت السؤال عن سهره، وإقضاض المضجع لديه بعد السؤال عن حاله في نفسه، والشحوب البادي عليه، فإن قيل: المضجع من حكمه أن لا يوافق الجنب، فلم جعله مفعولًا، وجعل الجنب فاعلًا؟ قلت: إنه لما كان في خروج المضجع عن موافقة الجنب مخالفة. الجنب أيضًا للمضجع؛ جاز أن يجعل الفعل لما أريد منهما. ويقال: قض المضجع، وأقض: إذا خشن، وصار فيه مثل القضض، وهي الحصى الصغار، والقضيض: الكبار. ومعنى البيت: بل أي شيء لجنبك لا يستوفق مضجعًا إلا صار فيه مثل القضض، حتى نبا عنه وسهرت له. انتهى.
وقوله: فأجبتها أما لجسمي ... البيت، قال المرزوقي: يجوز أن يكون أصل أمَّا: أن ما، فأدغم، وأن تكون مخففة من الثقيلة. وما بمعنى الذي، ولجسمي صلته. وقوله: أنه أودى، إن جعلت أن عاملة على ما دخله من الحذف، لأن الفعل قد يعمل مع تسلط الحذف عليه، نحو: لم يك زيد منطلقًا، ولأن "أن" إنما أعمل في الأصل مثقلة، لمشابهته للفعل، فنقول: حمله مخففة عليه سائغ أيضًا؛ كان موضعه رفعًا بخبر أن، والتقدير: أجبتها بأن الذي بجسمي، أنه أودى بنيَّ؛ إيداء بني، لأن أن مع ما بعده في تقدير المصدر. والمعنى: تأثير إيداء بني وهلاكهم، لأن ما كان بجسمه من الهزال وسوء الحال لم يكن الإيداء، وإنما كان أثره ومسببه، ويكون موضع أن الأولى نصبًا بأجبتها، أي: أجبتها بهذا. وإن جعلت أن غير عاملة، كما في قوله:
стр. 605
أن هالك كلُّ من يحفى وينتعل
يكون "ما لجسمي" في موضع الابتداء، و"أنه أودى بني" في موضع الخبر، والتقدير: أجبتها بأن الأمر والحديث الذي لجسمي إيداء بني وتودعيهم. ويجوز أن يكون أما تفصيلًا لخبر مجمل، وجوابًا، ويكون لجسمي متناولًا من كلام السائلة، وقد رد عليها ما قالت بلفظها، كقولك: قال لي فلان: ما لك؟ فقلت: ما لي أنني هذه حالي، ويكون أنه في موضع الابتداء، فإن قيل: حصل السؤال عن شيئين، لابد فيه من العطف عليه وتكرير أما، وأبو ذؤيب لم يكرر أما؛ قلت: إن السؤال وإن كان صورته شيئين: الجسم والجنب؛ فإن طريق جوابه طريق واحد، لوروده ما هو سؤال عن أمر واحد، ولما كان السبب في كل واحد بما سألت عنه هو والسبب الذي في الآخر، اكتفى بالجواب عن أحدهما.
وقوله: من البلاد، أي: من أهل البلاد. وقوله: فودعوا، يجوز أن يكون من ودعت، مخففًا، أي: تركت، وتضعيف العين للتكثير، ويجوز أن يكون من الوداع، وحينئذ يثقل لا غير، وإن كان المعنى يرجع إلى الترك أيضًا، ويكون على وجهين:
أحدهما: ما تعارفه الناس من أن اليائس من نفسه في علته أو نكبته يودع الأهل والمعارف، حضروا أو غابوا، توجعًا من حاله، أو يأسًا من سلامته، فيقول: كان ذلك آخر عهدهم.
والثاني: أن يكون كناية عن الموت. انتهى.
وقوله: أودى بني ... البيت، قال المرزوقي: يقول: ماتوا، وجعلوا عقباي حسرة لا تنقطع، ودمعة لا ترقا. وقوله: بعد الرقاد، أي: بعد وقت الرقاد، أي: ليلًا، والمعنى: أسهر وأتحسر بعد وقت النوم، وطول الليل.
стр. 606
ويجوز أن يريد: بعد نوم الناس، وخص الليل بالذكر، وإن كان لم يخل مما مني به فيهم في النهار أيضًا، لأن الليل أجمع للهمّ، ولأن الإنسان في نهاره يشتغل عن البثّ بما يعرض ويتفق في أمره، وبالليل لا يخلو إلا بفكره. وقوله: لا ترجع، أي: لا تكفُّ عن السيلان. وروي: "وزفرة لا تقلع" ويعني به امتداد تنفس الصعداء، وقلة انقطاعه. انتهى.
واستشهد المصنف بهذا البيت في "الأوضح" على قلب واو الجمع ياء، وإدغامها في ياء المتكلم.
وقوله: فالعين بعدهم ... البيت، قال المرزوقي: ذكر عينًا، وأراد العينين، ومتى اجتمع شيئان في أمر لا يفترقان، اجتزئ بذكر أحدهما عن الآخر. وقوله: كأن حداقها، إنما جمع لأنه لما كان المراد بالعين العينين، ولكل واحدة حدقة، حصل اثنتان، فأجرى على عادتهم في استعارة الجمع له. وقيل: جمع على حد قولهم: رجل ضخم المناكب، كأنهم أرادوا الشيء بما حوله. وقوله: سملت، قال أبو عبيدة: سمرت عينه وسملتها؛ إذا فقأتها بحديدة محماة، أو غيرها، وإن فقأتها بيدك لم يكن سملًا. وقوله: فهي عور، مردود على الحداق، أي: كأنها مسمولة، فهي عور دامعة، ومعنى عور: فاسدة ذاهبة. انتهى.
واستشهد بهذا البيت أبو علي في "الإيضاح" على أن المعرف بلام الجنس قد يعامل معاملة الجمع، فلذا قال: كأن حداقها، وقال: عور. وقال الزجاج: جعل كل قطعة منها حدقة، كما يقال: بعير ذو عثانين، وإنما له عثنون. وقوله: عور، مردود على الحداق، ورده أبو علي بأن كل خصلة تكون عثنونًا، وليس كل جزء من الحدقة حدقة.
وقوله: سبقوا هوي ... البيت. قال المرزوقي: هويّ: لغتهم في هواي، كأنهم لما كان ياء الإضافة ينكسر له الحرف الذي قبله، وكانت الألف لا تتحرك فتكسر؛ أبدلوا منها الياء، وأدغموها في ياء الإضافة، والمعنى: ماتوا قبلي،
стр. 607
فلم يلبثوا لهواي، وكنت أحب أن أسبقهم بالموت فيبقوا بعدي، وإنما كنى عن موتهم بهواهم، لما كان في مقابلة قوله: هوي، فرام المطابقة بين اللفظين، كما قال تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) [البقرة/ ١٩٤] فسمي جزاء الاعتداء اعتداء.
وأعنقوا: أسرعوا، ويجوز أن يكون المعنى: كنت أهوى أن أتقدمهم، لئلا أرى سوءًا فيهم، وهووا لبرِّهم بي ومحبتهم لي، أن لا يقاسوا فقدي، فتركوا هواي في بقائهم، وسارعوا لهواهم في التفادي من يوم موتي. ومعنى: تخرِّموا: أخذوا واحدًا بعد واحد.
وقال بعضهم: إنما قال: أعنقوا لهواهم، لأنهم أرادوا الهجرة والجهاد، فهاجروا إلى مصر وكان هواه أن يقيموا معه. وعلى هذا التفسير يكون معنى قوله: ولكل جنب مصرع، أي: موضع يصرع فيه فيموت، كما يقال: لكل إنسان تربة. وعلى ما تقدم؛ يجوز هذا، ويجوز أن يكون المصرع مصدرًا والمعنى: كل إنسان يموت، ويكون هذا الكلام بعد قوله: فتخرموا، تأسيًا وتسلّيًا. انتهى.
واستشهد النحويون بهذا البيت على قلب ألف المقصور ياء عند الإضافة إلى ياء المتكلم في لغة هذيل.
وقوله: فغبرت بعدهم ... البيت. أي: بقيت بعدهم بعيش ذي نصب، وأظن أن الغم قد تناهى، وقد استتبعت في اللحوق بهم. وأول البيت تألم، وآخره إظهار يأس. ويأتي شرحه إن شاء الله تعالى مستوفى في بحث "اللام".
وقوله: ولقد حرصت: البيت. قال المرزوقي: يقول على طريق التفجع: ولقد كان مني حرص بسبب المدافعة عنهم، ففاجأت المنية مقبلة غير مدفوعة، فإذا للمفاجأة،
стр. 608
وجملة "لا تدفع": حال، ويجوز أن يكون المعنى: حرصت على مدافعة كل شيء، دونهم، فإذا أقبل القدر المحتوم، فإنه لا يغالب. فإذا: شرطية، والمنية: فاعل فعل مضمر يفسره أقبلت، ولا يدفع: جواب إذا، كأنه أراد: ولقد حرصت للمدافعة، فاستسلمت للموت. انتهى.
وقوله: وإذا المنية، قال المرزوقي: هذا البيت على ما بدأنا به في تفسير البيت الأول يترتب، وبهما يتم الكلام، ويكمل، ألا ترى أنه يكون المعنى: لقد انتصبت للدفاع عنهم بحرص شديد، ففاجأت المنية غير مدفوعة، وإذا علق الموت مخلبه في شيء، لم تغن معاذة دونه، ولا نفعت حيلة في الخلاص منه. وهذا كلام من التكرير سالم، وللمعنى على حده مستوف، وعلى الوجه الثاني، يصير المعنى الواحد مكررًا في البيتين جميعًا، لأن فائدة قوله: إذا أقبلت المنية لا تدفع، مثل فائدة قوله: إذا أنشبت المنية ظفرها لم يتخلص منه. وهذا بأدنى تأمل يبين للناظر فيه. انتهى.
والبيت من شواهد علماء البيان. يوردونه للاستعارة المكنية والتخيلية. وقوله: حتى كأني للحوادث ... البيت، قال المرزوقي: إلى هذا الموضع دخل في جواب المرأة، لأنه ابتدأ فقال: غيرني تتابع المحن، فأصابني كذا وكذا، إلى أن صرت كأني للحوادث بمنزلة هذا.
وقد اختلف في رواية البيت وتفسيره، وأنا ذاكر جميع ما قيل فيه:
حكي عن أبي عمرو الشيباني أنه أنشد: "بصفا المشقّر" فأنكر وقال: المشقر بالبحرين، فما لأبي ذؤيب والبحرين؟ ! إنما هو المشرَّق. وقال الأصمعي: المشرق: المصلَّى، ومسجد الخيف: هو المشرَّق.
وقال شعبة بن الحجاج: خرجت أقود سماك بن حرب في يوم عيد، فقال:
стр. 609
امض بنا إلى المشرّق، يعني: المصلّى، وقيل: يعني مسجد العيدين. وقال أبو عبيدة: المشرَّق: سوق الطائف، والمعنى: كأنما أنا للمصائب التي تنزل بي مروة في مجتمع الناس، السوق أو المصلى، لا يزال يقرعها مرور الناس ووطء الأقدام. وحكي: قرعت مروة فلان؛ إذا أصابته مصيبة شاقة، وهذا تشبيه لجلده وصبره إذا أثرت الفجائع فيه، كما قيل: نحت أثلته، وقد قيل: قرعت صفاته أيضًا. وأنشد لابن الرقيات:
إنّ الحوادث بالمدينة قد ... أوجعنني وقرعن مروتيه
وقال أبو نصر: كان الرجل يأتي سوق عكاظ، فيقصد مروة ضخمة، فيقرعها بعصاه يعدّد أيامه وفعاله ليشهرها، فيقول: كأني تلك المروة أقرع كل حين.
وحكى بعضهم قال: سمعت أعرابيًا قال: حدثني جنبة بن عكابة، وكان شيخًا من علماء غنيّ، قال: كنت بالمشرق، ومعي شيخ من أهل مكة فأخذ بيدي حتى أقامني على مروة بيضاء مثل الشاة الضخمة، فقال لي: هل تعلم أي مكان ذا؟ قال: قلت: لا والله ما أدريّ قال: هذه والله المروة التي ذكرها أبو ذؤيب في شعره، وكان عندها ثلاثة أصنام، وكانت نساء مكة إذا مرض لهن مريض أخذن قدومًا أو معولًا، فنحتن منها، ثم صبت عليه الماء فسقت المريض، فيجد راحة، وإن نساء مكة ليتبركن بها حتى اليوم. انتهى.
وقال ابن الأنباري: المروة: حجارة بيض يقدح منها النار. وقوله: وتجلدي للشامتين ... البيت، قال المرزوقي: عاد من هنا إلى ما يريد إنكاره الذي صدر القصيدة به، فاحتفل بما بقي من الجلد والصبر، وتأسى ما شاء، وتسلى ما شاهد
стр. 610
من غير الدهر. وقوله: أريهم: في موضع الحال، أبان أنه يتصبر للأعداء، وإن كان مفجوعًا بالأبناء مظهرًا لهم أنه لا يخضع لما نابه.
وحكي أن الحسن بن علي، ﵉، عاد بعضهم، فلما طلب الإذن له عليه، أمر بأن ينصب في فراشه، وأخذ ينشد عند دخوله: وتجلدي للشامتين .. البيت، فلم يلبث الحسن أن قام وأخذ ينشد:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... البيت
فاستحسن ذلك لكونهما من قصيدة واحدة. انتهى.
وقوله: والنفس راغبة ... البيت، قال المرزوقي: حكى الباهلي عن الأصمعي أنه قال: هذا أبرع بيت، وأبدع بيت قالته العرب. والمعنى: أن النفس إنما ترغب بحسب بسطك من رجائها، فأما إذا وقفتها على النزر اليسير، ورددتها إلى التافه القليل، فإنها ترضى به وتعف، وتكتفي بنيله وتكف، وهذا غاية الرضى بالمقسوم، ونهاية التسلي عن المرتجع المسلوب. انتهى.
وقوله: كم من جميع الشمل ... البيت، قال المرزوقي: هذا البيت لم يعرفه الأصمعي وغيره من البصريين.
وترجمة أبي ذويب الهذلي تقدمت في الإنشاد الخامس من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والعشرون بعد المائة:
(١٢٩) إذا باهليُّ تحته حنظلية ... له ولد منها فذاك المذرَّع
على أن التقدير: إذا كان باهلي، وكان تامة.
والبيت من قصيدة للفرزدق، وبعده:
ذراع بها لؤم وأخرى كريمة ... وما يصنع الأقوام ما الله واضع
стр. 611
غلام أتاه اللؤم من شطر عمّه ... له مسمع واف واخر أجدع
الباهلي: منسوب إلى باهلة، قال الصاغاني في "العباب": وباهلة: قبيلة من قيس عيلان، وهي في الأصل امرأة من همدان، كانت تحت معن بن أعصر ابن سعد بن قيس عيلان، فنسب ولده إليها.
وقولهم: باهلة بن أعصر، إنما هو كقولهم: تميم بنت مر؛ فالتذكير للحي، والتأنيث للقبيلة، سواء كان الاسم في الأصل لرجل أو امرأة. وقال ابن الكلبي: ولد مالك بن أعصر سعد مناة، أمه باهلة بنت صعب بن سعد العشيرة من مذحج، ومعنًا، وأمه هند بنت شباب بن عبد الله بن غطفان، فولد معن أودًا وجئاوة – قال عباس: جاوة، بغير همز، وجعاوة – وأمها باهلة، خلف عليها باهلة بعد أبيه، وشيبان وهو فرّاص وزيدًا، وهو لحيان، وواثلًا والحارث، وهو ليل، وحربًا ووهيبة وعمرا، وأمهم أرنب بنت شمخ بن فزارة، وقتيبة وقعنبًا وأمهما سودة بنت عمرو بن تميم، فحضنتهم كلهم باهلة، فغلبت عليهم. انتهى كلام "العباب".
وقبيلة باهلة وضيعة بين العرب، مذموم من ينتسب إليها، قد اشتهرت بالدناءة والضعة، كما اشتهرت قريش بالأصالة والمجد والشرف، حتى ضرب بها المثل، قال بعضهم:
وما ينفع الأصل من هاشم ... إذا كانت النّفس من باهله
وقال رجل من عبد القيس:
ولو قيل للكلب يا باهليُّ ... عوى الكلب من لؤم هذا النَّسب
وقال آخر:
فما سأل الله عبد له ... فخاب ولو كان من باهله
стр. 612
ومنها قتيبة بن مسلم الباهلي، تولى الإمارة في زمن عبد الملك، وفتح الفتوحات العظيمة، وعبر ما وراء النهر مرارًا، وجاهد في الكفار، وكان شجاعًا جوادًا حسن الأخلاق، ولم يكن يعاب إلا بأنه باهلي، وكان أصحابه يمازحونه بذلك ويحتمل. حكى أبو عبيدة قال: قدم رجل من بني سلول على قتيبة بن مسلم بكتاب عامله على الري، وهو يعلى المحاربي، فرآه على الباب قدامة بن جعفر، وكان كثير الإدلال عليه، فدخل على قتيبة فقال: ببابك ألام العربّ! فقال: ومن هو؟ قال: سلولي، رسول محاربي إلى باهلي، فتبسم قتيبة تبسم غضب، والتفت إلى مرداس الأسدي، فقال: أنشدني شعر الأقيشر، ففهم مرداس، فأنشده، وفيه تعريض بقدامة:
قلت قم صلِّ فصلَّى قاعدا ... تتغشّاه سمادير السَّكر
فتغير وجه قدامة، فقال قتيبة: هذه بتلك، والبادئ أظلم.
وروي أن قتيبة مازح أعرابيًا جافيًا، فقال: أيسرك أن تكون باهليًا أميرًا؟ فقال: لا واللهّ قال: فتكون باهليًا خليفة؟ فقال: لا والله! ولو أن لي ما طلعت عليه الشمس، قال: فيسرك أن تكون باهليًا، وتكون في الجنة مع ذلك؟ فأطرق، ثم قال: بشرط أن يعلم أهل الجنة أني باهلي، فضحك قتيبة من قوله.
ومنها الأصمعي: صاحب الأخبار والنوادر والمعرفة بلغات العرب وأيامها وأشعارها، حكى عن نفسه قال: لقيت صبيًا من الأعراب ما أظنه ناهز عشرين
стр. 613
سنة، وإذا هو من أفصح الناس، فقلت متعنتًا: هل تقول الشعر؟ فقال: وأبيك إني لأقوله وأنا دون الفطام، فأخرجت درهمًا، وقلت: امدحني وخذه، فقال: من أي العرب أنت؟ فقلت: من باهلة، وهي معروفة بالخسة، فقال: واسوأة أبي! أمدح باهليًا؟ فقلت: فاهجني وخذه، فقال: والله إني لمحتاج إليه، ولكن كلفتني شططًا فزدني معرفة، فقلت: أنا الأصمعي، فقال:
ألا قل لباغي اللُّؤم حيث لقيته ... عليك عليك الباهليَّ ابن أصمعا
متى تلق يومًا أصمعّيًا تجد له ... من اللُّؤم سربالًا قديمًا وبرقعا
ثم قال: اقذف الدرهم، لا آخذه من يد لئيم، فقذفته فأخذه.
وهجا اليزيدي الأصمعي بأبيات منها:
وما أنت هل أنت إلَّا امرؤ ... إذا صحَّ أصلك من باهله
وحنظلية: منسوبة إلى حنظلة، قال الصاغاني في "العباب": حنظلة أكرم قبيلة في تميم، يقال لهم: حنظلة الأكرمون، وأبوهم حنظلة بن مالك بن عمرو ابن تميم. انتهى.
ومنها الفرزدق، فإنه ابن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن حنظلة.
стр. 614
وتحته ظرف متعلق بمحذوف صفة لباهلي، أي: مستقر تحته، أو استقر تحته وحنظلية: فاعل الظرف، وجملة: له ولد منها، صفة لباهلي، قيل: ويجوز أن تكون صفة لحنظلية، وفيه: لو كان كذلك لكان السياق لها ولد منه. ولقد أغرب السيوطي، وأبعد في تجويزه أن تكون الجملة حالية، وذاك إشارة إلى الولد الحاصل منها. والمذرع، بالذال المعجمة وتشديد الراء المفتوحة، قال الأزهري في "تهذيب اللغة": قال أبو الهيثم: المذرع من الناس: الذي أمه أشرف من أبيه، قال: والهجين: الذي أبوه عربي وأمه أمة، وأنشد:
إذا باهليٌّ تحته حنظلية ... البيت
وإنما سمي مذرعًا تشبيهًا بالبغل، لأن في ذراعيه رقمتين كرقمتي ذراع الحمار نزع بها إلى الحمار في الشبه، وأم البغل أكرم من أبيه. انتهى. قال هدبة بن خشرم:
ورثت رقاش اللُّؤم عن آبائها ... كتوارث الحمران رقم الأذرع
وقد صحفه الدماميني فقال: والمدرع: الذي يلبس الدرع، بالدال المهملة، وجعل البيت من قبيل المدح بناء على تصحيفه، فقال: يعني أنه إذا ولد للرجل الباهلي من زوجة حنظلية ولد، فذلك الولد هو النجيب الشجاع الذي يتأهل للبس الدرع لشرف أبويه. هذا كلامه، ولا يليق بمثله. والمذرع يقال له: المقرف. قال ابن قتيبة في "أدب الكاتب": إذا كان الأب عتيقًا، والأم ليست كذلك، كان الولد هجينًا، والإقراف من قبل الأب، فإذا كانت الأم من العتاق والأب ليس كذلك، كان الولد مقرفًا. وأنشد أبو عبيدة لهند بن النعمان بن بشير في روح بن زنباع:
стр. 615
وهل عند الاَّ مهرة عربيَّة ... سلسلة أفراس تجلّلها نغل
فإن نتجت مهرًا كريمًا فبالحرى ... وإن يك إقراف فجاء به الفحل
وتجللها: علاها، ونغل، بفتح النون وسكون الغين المعجمة: الدنيء والخسيس، والحرى بفتحتين: اللائق، مصدر يوصف به الواحد وغيره. وقال المبرد في "الكامل" أنشدني الرياشي:
إنَّ أولاد السَّراري ... كثروا يا ربِّ فينا
ربِّ أدخلني بلادا ... لا أرى فيها هجينا
والهجين عند العرب: الذي أبوه شريف، وأمه وضيعة، والأصل في ذلك أن تكون أمة. وإنما قيل: هجين من أجل البياض، كأنهم قصدوا قصد الروم والصقالبة ومن أشبههم، والدليل على ذلك أن الهجين الأبيض، أن العرب تقول: ما يخفى ذلك على الأسود والأحمر، أي: العربي والعجمي، ويسمون الموالي وسائر العجم الحمراء، ولذلك قال زيد الخيل:
وأيقن أنّنا صهب السِّبال
أي: كهؤلاء [العدو] من العجم، فقيل: هجين من ههنا. وإذا كانت
стр. 616
الأم كريمة، والأب خسيسًا قيل له: المذرع، قال الفرزدق:
إذا باهليٌّ تحته حنظلّية ... البيت
وقال الآخر:
إنَّ المذرَّع لا تغني خؤولته ... كالبغل يعجز عن شوط المحاضير
وإنما سمي المذرع للرقمتين في ذراع البغل، وإنما صارتا فيه من ناحية الحمار، قال هدبة:
ورثت رقاش اللُّؤم عن آبائها ... كتوارث الحمرات رقم الأذرع
وقال عبد الله بن العباس في كلام يجيب به ابن الزبير: والله إنه لمصلوب قريش، ومتى كان عوام ابن عوام يطمع في صفية بنت عبد المطلب! من أبوك يا بغل؟ فقال: خالي الفرس! . انتهى. وقول الفرزدق: له مسمع واف وآخر أجدع؛ المسمع: موضع السماع، وهو الأذن، والوافي: التام، والجدع: قطع الأذن والأنف. وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثلاثون بعد المائة:
(١٣٠) استغن ما أغناك ربُّك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتجمَّل
стр. 617
على أن "إذا" لا تجزم إلا في الشعر كما في البيت. وفيه رد على ابن مالك في "التسهيل" فإنه قال: قد يجزم بإذا الاستقبالية حملًا على متى، فإنه لم يخص جزمها بالشعر، ويفهم منه جواز جزمها في الكلام بقلة. وصرح به في "التوضيح" فقال: هو في النثر نادر، وفي الشعر كثير، وجعل منه قوله، ﵊، لعلي وفاطمة، رضي الله تعالى عنهما: "إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعًا وثلاثين ... " الحديث.
والبيت من قصيدة لعبد قيس بن خفاف مثبتة في أواخر "المفضليات" مشتملة على نصائح ومواعظ وهي ثمانية عشر بيتًا وهي:
أجبيل إنَّ أباك كارب يومه ... فإذا دعيت إلى العظائم فاعجل
أوصيك إيصاء امرئ لك ناصح ... طبن بريت الدَّهر غير مغفَّل
الله فاتَّقه وأوف بنذره ... وإذا حلفت مماريًا فتحلَّل
والضَّيف أكرمه فإنَّ مبيته ... حقٌّ ولا تك لعنة للنزَّل
واعلم بأنَّ الضَّيف مخبر أهله ... بمبيت ليلته وإن لم يسأل
ودع القوارص للصَّديق وغيره ... كيلا يروك من اللِّئام العزَّل
وصل المواصل ما صفا لك ودُّه ... واحذر حبال الخائن المتبدِّل
واترك محلَّ السَّوء لا تحلل به ... وإذا نبا بك منزل فتحوَّل
стр. 618
دار الهوان لمن رآها داره .. أفاراحل عنها كمن لم يرحل
وإذا هممت بأمر شرٍّ فاتَّئد ... وإذا هممت بأمر خير فافعل
وإذا أتتك من العدوِّ قوارص ... فاقرص كذاك ولا تقل لم أفعل
وإذا افتقرت فلا تكن متخشِّعًا ... ترجو الفواضل عند غير المفضل
وإذا لقيت القوم فاضرب فيهم ... حتى يروك طلاء أجرب مهمل
واستغن ما أغناك ربُّك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتجمَّل
واستأن حلمك في أمورك كلِّها ... وإذا عززت على الهوى فتوكَّل
وإذا تشاجر في فؤادك مرَّة ... أمران فاعمد للأعفِّ الأجمل
وإذا لقيت الباهشين إلى النَّدى ... غبرًا أكفُّهم بقاع ممحل
فأعنهم وايسر بما يسروا به ... وإذا هم نزلوا بضنك فانزل
قوله: أجبيل؛ الهمزة للنداء، وجبيل بضم الجيم وفتح الموحدة: ابن الشاعر، قال ابن الأنباري: روى أحمد عن الحرمازي: "إلى المكارم" وقال الضبي: كارب، من كرب: إذا قرب ودنا. انتهى. وكارب: مضاف إلى قومه، وأصله، كارب يومه بالتنوين، أي: قريب يوم وفاته. واستشهد به المصنف في "الأوضح" على مجيء اسم الفاعل من كرب الناقصة، ثم قال: والصواب أن كاربًا اسم فاعل من كرب التامة في نحو قولهم: كرب الشتاء، إذا قرب، وبهذا جزم الجوهري. انتهى.
وقوله: أوصيك ... البيت. الطبن الحاذق، يقول: أنا ناصح لك، وبصير بالدهر وما يريب منه، لست في غفلة عن ذاك.
стр. 619
وقوله: الله فاتقه ... البيت. الله: منصوب بفعل يفسره ما بعده، وأرف، بفتح الهمزة: أمر من أوفى، لغة في وفى، ومماريًا: عارضًا ومجادلًا، وتحلل: أمر من تحلة القسم، وهو الاستثاء، وهو قولك: إن شاء الله تعالى. ولعنة، بضم اللام وسكون العين: من يلعنه الناس، وبفتح العين: من يلعن الناس، ومثله ضحكة وهزأة، والقوارص: الكلمات المؤذية، من القرص وهو الأخذ بالأظافر، والعزّل جمع عُزُل: بضمتين، وهو المنفرد المنقطع، والمتبدل: بكسر الدال المهملة.
وقوله: وإذا نبا بك ... إلخ، استشهد به المصنف في شرح البيت الأول من "شرح بانت سعاد" ونبا المكان به: إذا لم يوافقه.
وقوله: دار الهوان لمن رآها ... البيت، قال ابن الأنباري: يقول: من أقام في دار الهوان فهي داره، وليس من لم يقم فيها وأنف، كمن احتمل الضيم وأقام. وائتد: تأن وتمهل.
وقوله: وإذا لقيت القوم، هو من اللقاء في الحرب، قال الضبي: يقوم: حتى يتقوك ويتحاموك، كما قال عنترة:
لا تذكري مهري وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب
أي: أحرّمك على نفسي فلا أقربك، وأتحاماك كما يتحامى الأجرب المهمل المتروك، حذرًا أن يعدي غيره، ولا شيء أغلظ عند العرب من الجرب لأنه يعدي.
وقوله: واستغن ما أغناك ربك ... البيت، ما: مصدرية ظرفية، وبالغنى: يحتمل أن يتنازعه الفعلان، ويحتمل تعليقه بالأول فقط. والخصاصة: الفقر والحاجة،
стр. 620
وتجمل: إما بالجيم، أي: أظهر الجمال وعدم الحاجة، أو: كل الجميل، وهو الشحم المذاب تعففًا؛ وإما بالحاء المهملة، أي: تكلف حمل هذه المشقة، قاله الدماميني، واستأن: من الأناة، والهوى: هوى النفس والمطلوب.
وقوله: وإذا بقيت الباهشين ... البيت، قال الضبي: الباهش: الفرح، يقول: الذين يأتونك يلتمسون نائلك، وقيل: إن الباهش المتناول، يقال: بهش يبهش؛ إذا تناول، والقاع: الموضع الصلب الحر الطين، الواسع يمسك الماء، والممحل: المجدب، والندى: الإحسان، وغبرة الكف: كناية عن خلّوها من مال، وليس عليها غير الغبار.
وقوله: فأعنهم وايسر بما يسروا به، قال الضبي: أسرع إلى إجابتهم، والضنك: الضيق، أي: آسهم في ضيقهم. وقوله: وايسر بما يسروا به مثل:
لو ييسرون بخيل قد يسرت بها ... وكلُّ ما يسر الأقوام مغروم
يقول: لو ضربت العرب بالقداح على الخيل، لفعلت بفرسي ذلك. وروي "فابشر بما بشروا به" من البشارة.
وقد وقع البيت الشاهد مع بعض أبيات هذه القصيدة في شعر للحارثة بن بدر الغداني، أورده الشريف السيد الأجل المرتضى، علم الهدى، ذي المجدين، أبي القاسم علي بن الحسين الموسوي، تغمدهم الله برحمته في كتابه "غرر الفرائد ودرر القلائد" المشهور "بأمالي الشريف المرتضى" قال: ومن مستحسن قول حارثة:
ولقد وليت إمارة فرجعتها ... في المال سالمة ولم أتموَّل
ولقد منعت النُّصح من متقبِّل ... ولقد رفدت النصح من لم يقبل
فبأيَّ لمسة لامس لم ألتمس ... وبأيِّ حيلة حائل لم أحتل
يا طالب الحاجات يرجو نجحها ... ليس النجاح مع الأخفِّ الأعجل
فاصدق إذا حدَّثت تكتب صادقًا ... وإذا حلفت مماريًا فتحلَّل
стр. 621
معنى تكتب صادقًا، أي: تكون عند الله صادقًا، وقوله فتحلل: أي: استثن.
وإذا رأيت الباهشين إلى العلى ... غبرًا أكفُّهم بريث فاعجل
معنى الباهشين: المادين أيديهم إلى الشيء المبتهشين له.
واحذر مكان السَّوء لا تنزل به ... وإذا نبا بك منزل فتحوَّل
وإذا ابن عمِّك لجَّ بعض لحاجة ... فانظر به عدة ولا تستعجل
وإذا افتقرت فلا تكن متخشِّعًا ... ترجو الفواضل عند غير المفضل
استغن ما أغناك ربُّك بالغنى ... وإذا تكون خصاصة فتجمَّل
انتهى. وعلى هذه الرواية لا شاهد في البيت.
وعبد قيس بن خفاف – بضم الخاء المعجمة وخفة الفاء – هو من بني عمرو ابن حنظلة من البراجم، وهم خمسة من أولاد حنظلة بن مالك بن عمرو بن تميم، وهو شاعر جاهلي، معاصر لحاتم الطائي، جاء إليه في دماء تحملها عن قومه فعجز عنها، فأعطاه حاتم أكثر من ثلاثمائة بعير، وقال السيوطي: عبد قيس أدرك الإسلام.
والحارثة بن بدر الغداني، نسبة إلى غدانة، بضم الغين المعجمة: أبو قبيلة من تميم، وهو من فرسان بني تميم وساداتها وأجوادها، أورده ابن حجر في قسم المخضرمين من "الإصابة" قال الأصبهاني في "الأغاني" أحسبه أدرك
стр. 622
النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، في حال الصبا، وهو من لدات الأحنف بن قيس، وليس بمعدود في الفحول، ولكن كان يعارض نظراءه في الشعر، وكان من الدهاة العقلاء، وكان زياد بن أبيه يأنس به ويكرمه، ويقبل رأيه، ويحتمله على ما يعلم منه من تناول للشراب، ومعاقرته لها.
قال السيد المرتضى: ولحارثة بن بدر يخاطب عبيد الله بن زياد لما تغير عليه بعد اختصاصه كان بأبيه:
أهان وأقصى ثمَّ تنتصحونني ... وأيُّ امرئ يعطي نصيحته قسرا
رأيت أكفَّ المصلتين عليكم ... ملاءً وكفِّي من عطائكم صفرا
وإنِّي مع السَّاعي إليكم بسيفه ... إذا أحدث الأعداء في عظمكم كسرا
متى تسألوني ما عليَّ وتمنعوا الَّذي لي لم أسطع على ذلكم صبرا
فولاه "رام هرمز" "وسرّق" فلما شيعه الناس، قال أنس بن أبي أنيس، وقيل: ابن أناس الديملي:
أحار بن بدر قد وليت ولايةً ... فكن جرذًا فيها تخون وتسرق
فإنَّ جميع الناس إمّا مكذِّب ... يقول بما يهوى وإمَّا مصدِّق
يقولون أقوالًا ولا يعلمونها ... فإن قيل هاتوا حقِّقوا لم يحقِّقوا
وهذه الأبيات تروى لأبي الأسود الدؤلي، وأنه كتب بها إلى حارثة لما ردت
стр. 623
إليه سرق، ويقال: إن حارثة بن بدر أجاب عن هذه الأبيات بقوله:
جزاك إله الناس خير جزائه ... فقد قلت معروفًا وأوصيت كافيا
أشرت بأمر لو أشرت بغيره ... لألفيتني فيه لغيرك ماضيا
وفي "كامل المبرد" أنه غرق في ولاية عبد الله بن الحارث على العراق، وذلك في سنة أربع وستين، وذلك أنه أمر على قتال الخوارج، فهزموه بنهر تيرى، فلما أرهقوه دخل سفينة بمن معه، فأتاه رجل من أصحابه، فصاح: يا حارثة، ليس مثلي يضيع! فقال للملاح: قرب، فطفر الرجل بسلاحه في السفينة، فساخت بحارثة ومن معه، فغرقوا جميعًا. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد المائة:
(١٣١) وقبل غد يا لهف نفسي من غد ... إذا راح أصحابي ولست برائح
على أنهم قالوا: إن "إذا" في موضع جر بدلًا من غد، قال ابن جني في "إعراب الحماسة": حديث إذا في هذا البيت طريف، وذلك أنها وقعت هنا موقعًا غريبًا، لأنها عندنا بدل من غد، وفي موضع جر، فكأنه قال: يا لهف نفسي من إذا راح أصحابي، إلا أن هذا بغير توسط المبدل منه يقبح، لأن إذا قلما تباشر الجار. على أن أبا الحسن قد ذهب في نحو قولنا: "حتى إذا كان كذا
стр. 624
جرى كذا" إلى أن إذا مجرورة الموضع بحتى، وهذا البيت يؤكد الاعتداد بالمبدل منه، وأنه ليس في حكم الساقط البتة، ويجوز أن تكون إذا بدلًا من قوله: من غد، فتكون إذا على هذا منصوبة المحل نصب المفعول به، أي: أتلهف من هذا، كقولك: أتظلم من زيد، وأرغب في جعفر، ألا ترى أن عبرة أتظلم من زيد: أشكو زيدًا، كما أن عبرة مررت بزيد: جزت زيدًا. وقد أجاز أبو العباس أن تقول: إذا يقوم زيد إذا يقوم جعفر، على أن تكون الأولى مرفوعة بالابتداء، والثانية مرفوعة لكونها خبرًا عن الأولى، حتى كأنه قال: وقت يقوم زيد وقت يقوم عمرو، فإذا جاز رفعهما من هذين الوجهين، كان نصبهما على مذهب المفعول به أقرب مأخذًا. ولا يجوز أن تكون إذا ظرفًا للهف، لانقلاب المعنى، ألا ترى أنه لا يريد أن يتلهف وقت رواح أصحابه وتأخره عنهم، وإنما يريد: أتلهف الآن لغد، ومن أجله وأجل ما يحدث فيه. انتهى كلام ابن جني.
وقد يقال: لم لا يجوز أن يريد أنه يتلهف إذا دفن، وراحوا في اليوم الذي يموت فيه لغد ذلك اليوم الذي لا يعودون إليه فيه، وإن عادوا راحوا ثانيًا كما راحوا أولًا. فإن قيل: كيف يتلهف من دفن؟ قلنا: هو إنما نسب التلهف إلى نفسه، مريدًا بها الروح، كما في حديث: "إن الميت يتبع بصره نفسه" لا الحقيقة والذات، فتأمل. وكذا قال المرزوقي والتبريزي والطبرسي في شروحهم.
ولم يلتفت ابن الشجري كالمصنف لما قاله شراح "الحماسة" وجعل إذا ظرفًا،
стр. 625
ولم يجعلها مجرورة ولا مفعولة، فإنه قال في المجلس السابع والثلاثين من "أماليه" في جواب السؤال السابع من الأسئلة الثمانية التي وردت إليه من الموصل ما نصه: العامل في الظرف المصدر الذي هو اللهف، وإن جعلت "من" زائدة، على ما كان يراه أبو الحسن الأخفش من زيادتها في الواجب؛ فالتقدير في هذا القول: يا لهف نفسي غدًا، فإذا قدرت هذا جعلت إذا بدلًا من غد، فهذان وجهان واضحان، ولك وجه ثالث، وهو أن تعمل في إذا معنى الكلام، وذلك أن قوله: يا لهف نفسي، لفظه لفظ النداء، ومعناه التوجع، فإذا حملته على هذا؛ فالتقدير: أتأسف وأتوجع وقت رواح أصحابي وتخلفي عنهم. هذا كلامه. ولا يخفى أنه لا يظهر الفرق من الأول والثالث، وإنما هما شيء واحد.
وقبل هذا البيت:
ألا علِّلاني قبل نوح النَّوائح ... وقبل ارتقاء النفس فوق الجوانح
وهذان البيتان أوردهما أبو تمام. والأعلم الشنتمري في باب النسيب من "حماستيهما" لأبي الطمحان القيني، وزاد صاحب "الأغاني" وابن عبد ربه في "العقد الفريد" بعدهما:
إذا راح أصحابي تفيض دموعهم ... وغودرت في لحد عليَّ صفائحي
يقولون هل أصلحتم لأخيكم ... وما الرَّمس في الأرض القواء بصالح
أورد صاحب "العقد" هذه الأبيات الأربعة في فصل "من رثى نفسه، ووصف قبره، وما يكتب على القبر".
قوله: ألا عللاني ... إلخ، علله بكذا: أشغله وألهاه به. والنوح: رفع
стр. 626
الصوت بالبكاء، والنوائح: جمع نائحة، وروي: "قبل صدح النوائح" قال المرزوقي وغيره، الصدح: شدة الصوت، للديك والغراب ونحوهما. والجوانح: الضلوع، جمع جانحة. وارتقاء النفس فوقها: بلوغها التراقي.
وقوله: وقبل غد، أي: قبل موتي في غد، والتلهف: التحسر. ووقع في بعض النسخ: "وبعد غد" قال الدماميني: ظرف لمحذوف، أي: يروحون، أو لتلهف. انتهى. والرواية هي الأولى. وقوله: على غد، أي: على نفسي إذا مت في غد، ويروى: "من غد" وهو أبين، وإذا الثانية بدل من إذا الأولى، أو مؤكدة لها. وتفيض دموعهم، أي: تسيل بكثرة ودفع. وغودرت: تركت، والصفائح: حجارة عراض رقاق، أراد بها ما يجعل غطاء على اللحد يحول بين الميت والتراب، وجملة "علي صفائحي": حال، والرمس: القبر، والقواء بالكسر: القفر.
وأبو الطمحان القيني، بفتح الطاء والميم بعدها حاء مهملة؛ وهو شاعر إسلامي، اسمه حنظلة بن الشرقي، وكان فاسقًا، قيل له: ما أدنى ذنوبك؟ قال: ليلة الدير، نزلت بدير نصرانية، فأكلت عندها طفيشلًا بلحم خنزير، وشربت من خمرها، وزنيت بها، وسرقت كأسها. قال الآمدي: كذا وجدت اسمه في كتاب بني القين بن جسر، وهو شاعر محسن، وهو القائل:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظَّم الجزع ثاقبه
стр. 627
وهو من المعمرين، عاش مائتي سنة، وقال في ذلك:
حنتني حانيات الدَّهر حتَّى ... كأنِّي خاتل يدنو لصيد
قريب الخطو يحسب من رآني ... ولست مقيَّدًا أنِّي بقيد
وأورده ابن حجر في قسم المخضرمين، قال أبو عبيد البكري: إنه كان نديمًا للزبير بن عبد المطلب في الجاهلية، وأدرك الإسلام.
وهدبة بن خشرم، بضم الهاء وسكون الدال بعدها موحدة، وخشرم بفتح الخاء المعجمة وسكون الشين المعجمة، وينتهي نسبه إلى قضاعة، وهدبة شاعر فصيح متقدم من بادية الحجاز، وكان شاعرًا راوية لشعر الحطيئة، وكان جميل راوية شعره، وهو أول من قنل قصاصًا بالمدينة المنورة، وسببه أن زيادة بن بدر جاء مع هدبة من الشام في ركب من قومهما، فكانا يتعاقبان السوق بالإبل، ومع هدبة أخته فاطمة، فنزل زيادة، فارتجز فقال:
عوجي علينا واربعي يا فاطما
فغضب هدبة، فنزل، فرجز بأخت زيادة، وكانت تدعى أم خازم، وقيل: أم قاسم، فقال:
متى تقول القلص الرَّواسما ... يبلغن أمَّ خازم وخازما
فتشاتما طويلًا، فتحاجز بينهما القوم، ولما رجعا إلى عشائرهما جعلا يتهاديان الأشعار، ولم يزل هدبة يطلب غرة زيادة حتى أصابها، فقتله وهرب، وعلى المدينة يومئذ سعيد بن العاص، فأرسل إلى عم هدبة وأهله فحبسهم، فلما بلغ هدبة
стр. 628
أقبل حتى أمكن من نفسه، وكره سعيد الحكم بينه وبين عبد الرحمن أخي زيادة، فحملهما إلى معاوية، فقال لعبد الرحمن: هل لزيادة ولد؟ قال: نعم؟ المسور، وهو غلام لم يبلغ، وأنا عمه وولي دم أبيه، فقال: إنك لا تؤمن على أخذ الدية، وقتل الرجل بغير حق، والمسور أحق بدم أبيه، فرده إلى المدينة، فحبس ثلاث سنين حتى بلغ المسور، فعرض عليه أكابر قريش سبع ديات، وقيل: عشر، وكان ممن عرض عليه الديات الحسن بن علي، رضي الله تعالى عنهما، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، فأبى قبول الدية، فأمكنه سعيد منه فضرب عنقه، ولما علم أنه يقتل غدًا؛ ناح على نفسه بتلك الأبيات الأربعة، وحكايته في "الأغاني" طويلة جدًا. وقد ذكرت طرفًا منها في الشاهد الخمسين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثلاثون بعد المائة:
(١٣٢) وندمان يزيد الكأس طيبا ... سقيت إذا تغوَّرت النُّجوم
على أن "إذا" فيه للماضي، لأن عامله ماض، وهو سقيت. وعارضه ابن الصائغ، وهو أول من كتب بعض أشياء على هذا الكتاب، وتبعه الدماميني بأنه يجوز أن لا تكون إذا هنا للماضي بأن يكون سقيت بمعنى أسقى، وهو دليل
стр. 629
جواب إذا، أي: إذا غربت النجوم أسقيه، انتهى. وابن الصائغ مسبوق بأبي حيان، فإنه قال في شرح "التسهيل": سقيت هنا بمعنى أسقي، مستقبل المعنى، وهو ليس بشيء، ويرده البيت الثالث، وهو قوله:
فلمّا أن تنشَّى قام خرق
وهذا إخبار من الشاعر عما صدر منه سابقًا، وقال أبو الطيب عبد الواحد اللغوي في كتاب "الأضداد": "إذا" من الأضداد، ومن مجيئها للماضي قوله: إذا تغورت النجوم، وهو مطلع أبيات عدتها أربعة عشر بيتًا، للبرج بن مسهر الطائي، أوردها أبو تمام له في باب النسيب، وبعده:
رفعت برأسه وكشفت عنه ... بمعرقة ملامة من يلوم
فلّما أن تنشَّى قام خرق ... من الفتيان مختلق هضوم
إلى وجناء ناوية فكاست ... وهي العرقوب منها والصَّميم
فأشبع شربه وجرى عليهم ... بإبريقين كأسهما رذوم
ترنِّح شربها حتّى تراهم ... كأنَّ القوم تنزفهم كلوم
ويأتي بقيتها، إن شاء الله تعالى، في الباب الخامس.
قوله: وندمان، الواو: نائبة عن رب، وندمان: مجرور بها في محل نصب بسقيت مفعوله، لأن رب حرف جر لا يتعلق بشيء. وقول ابن وحي: مفعول سقيت محذوف، تقديره: سقيته؛ غفلة عما قرره المصنف في مجرور رب، قال الدينوري في كتاب "النبات": التنادم: الاجتماع على الكأس، وهو الندام،
стр. 630
وهم الندماء، والواحد نديم وندمان، والجمع ندامى وندماء، قال الشاعر:
وفيهم ميسر وندام
وقال في الندمان:
وندمان يزيد الكأس طيبًا ... سقيت وقد تغوَّرت النجوم
وقد وقع في شعر آخر:
وندمان يزيد الكأس طيبًا ... سقيت الجاشريَّة أو سقاني
يقال لشرب السحر: الجاشرية، وذلك إذا جشر الصبح. انتهى. وقال الجواليقي في شرح "أدب الكاتب" في أوائل خطبة الكتاب: الندمان: النديم، كما يقال: رحمان ورحيم، وهو واحد، وأصله المنادم على الشراب، ثم كثر حتى صار النديم الصاحب والمجالس على غير شراب، وفعلان من أبنية المبالغة، ولم يجيء من فعل فعلان وفعيل وفاعل، إلا قولهم: ندم فهو ندمان ونديم ونادم، وسلم فهو سالم وسليم وسلمان، ورحم فهو راحم ورحيم ورحمان، ذكره المفضل ابن سلمة. وجمع الندمان ندامى، مثل: سكران وسكارى، وجمع النديم ندماء، مثل: ظريف وظرفاء، قال الشاعر في الندمان:
إذا كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلِّم
وقال البرج بن مسهر: وندمان يزيد الكأس ... البيت.
وأخبرت عن عبد الله بن مسلم أنه قال: إنما قيل لشارب الخمر: نديم، من الندامة، لأن معاقر الكأس إذا سكر تكلم بما يندم عليه، وفعل ما يندم عليه،
стр. 631
فقيل لمن شاربه: نادمه، لأنه فعل مثل فعله، ثم اشتق من ذلك نديم. انتهى. وقال صاحب "الأغاني": أخبرني ابن دريد، حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، قال: كان البرج بن مسهر الطائي خليلًا للحصين بن الحمام المري، ونديمه على الشراب، وفيه يقول البرج:
وندمان يزيد الكأس طيبًا ... الأبيات
وقال أبو محمد الأعرابي فيما كتبه على شرح "الحماسة" للنمري: أراد البرج بهذا الندمان الحصين بن الحمام المري، وكان خلا لبرج ونديمه، ويقال: إن الحصين خرج طالب حاجة، فأغار برج على الحرقة جيران الحصين، فأخذ منهم ثلاث نسوة؛ أم عروة وأختيها بنات كاهل، فأتى الصريخ الحصين، فتبع الأثر، فأدركهم بقارة الرماح، ولحقه سمير بن طرفة، أحد بني صرمة بن مرة، وكان من فرسان بني مرة، فأدركاهم قائلين في يوم ذي أوار، فقال الحصين: ويلك يا برج! ما صبّك على جيراني! ؟ وأسره الحصين، ثم منَّ عليه، وقال في ذلك:
برج يؤثِّمني ويكفر نعمتي ... صمِّيّ لما قال الكفيل صمام
انتهى. وزاد: يتعدى إلى مفعولين، أحدهما: الكأس، وثانيهما: طيبًا، يريد أن النديم بحسن عشرته يزيد الخمر طيبًا في شربها، قال الجواليقي: الكأس: القدح فيها الخمر، فإن لم يكن فيها الخمر فهي قدح، والكأس مهموزة مؤنثة، وجمعها كؤوس، قال الأزهري: وأحسب اشتقاقها من قولهم: كاص فلان
стр. 632
الطعام والشراب؛ إذا أكثر منه، لأن السين والصاد يتعاقبان في حروف كثيرة لقرب مخرجيهما. وذكر قوم أن الكأس الشراب بعينه. انتهى. وتغورت: غارت وغربت. وروي بدله "تعرضت". قال التبريزي: أبدت عرضها للمغيب – بالضم – يقال: تعرضت الجبل، إذا أخذت يمينًا وشمالًا فيه، ولم تستقم في الصعود. انتهى.
قال الطبرسي: وروي: "وقد تغورت النجوم" فلا شاهد فيه.
وقوله: رفعت برأسه .. إلخ، يريد: نبهته من نومه في السحر للاصطباح، والأصل: رفعته بتحريك رأسه. وملامة: مفعول كشفت، يقول: أزلت عنه ما كان تداخله من الغم بلوم اللائمين إياه على معاطاة الشراب بأن سقيته. معرقة، بضم الميم، وسكون العين، وفتح الراء المهملتين بعدها قاف، أي: صرفًا من الخمر، وقيل: هي القليلة المزاج، وقيل: كريمة العرق، من كرمة يجود شرّابها.
وقوله: فلما أن تنشّى .. إلخ، أي: حصلت له النشوة، وهي أول السكر، والخرق، بكسر الخاء المعجمة: الكريم الذي يتخرَّق في طرق المعروف، وأراد به نفسه. والمختلق، بفتح اللام: التام الخلقة، وبكسرها: الكريم الأخلاق. والهضوم: المنفاق في الشتاء، وهو زمان القحط، كأنه يخرج من ماله أكثر من الواجب فيه، فهو يهضمه، والهضم: الظلم.
وقوله: إلى وجناء .. إلخ، متعلق مقام، وهي الناقة عظيمة الوجنتين، وقيل: صلبة؛ من الوجين، وهي الأرض الصلبة. والناوية: السمينة، من نوت الناقة تنوي نيّأ – بالفتح – إذا سمنت. وقوله: فكاست، أي: فعقرها فكاست، فالفاء فصيحة، والكوس: المشي على ثلاث قوائم. وقوله: وهي
стр. 633
العرقوب، هذا علة الكوس، ووهى: ضعف، وقالوا هنا: الوهي: الشق، والعرقوب: عقب مؤتر خلف الكعبين فوق العقب من الإنسان، وبين مفصل الوظيف والساق من ذوات الأربع. وأراد بالصميم: العضو الذي به القوام، قاله التبريزي.
وقوله: فأشبع شربه، جمع شارب، والرذوم: الممتثلة الطافحة، وأراد بالكأس القدح.
وقوله ترنح شربها، أي: تميل بهم سكرًا، فلا تدعهم يستقيمون، يقول: لشدتها تزول قوامهم، فكأنهم أسارى نزفت دماؤهم.
والبرج بن مسهر: بضم الموحدة وسكون الراء بعدها جيم، ومسهر: بضم الميم وسكون السين وكسر الهاء، وجده، الجلاس؛ بضم الجيم وخفة اللام. قال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": البرج بن مسهر بن الجلاس: أحد بني جديلة، ثم أحد بني طريف بن عمرو بن ثمامة بن مالك بن جدعاء بن ذهل بن رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن فطرة، وهو جديلة بن طي، شاعر، وهو القائل:
وندمان يزيد الكأس طيبًا ... الأبيات
وقال الحسن بن عبد الله العسكري في باب ما يشكل ويصحف من أسماء الشعراء من كتاب "التصحيف": وفي شعراء طي البرج بن مسهر؛ الباء تحتها نقطة وبعد الراء جيم، وهو أحد المعمرين، وفد إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو الذي يقول، ويعد من فرسانهم: وندمان يزيد الكأس طيبًا .. البيت.
стр. 634
وقد رجعت إلى كتاب "المعمرين" لأبي حاتم السجستاني، وإلى فصل المعمرين من "أمالي" السيد المرتضى فلم أجده فيهما.
وقال السيوطي بعد أن نقل كلام العسكري: ولم أر أحدًا ممن صنف في الصحابة ذكر البرج هذا، حتى ولا شيخ الإسلام ابن حجر، مع تتبعه وذكره كل من ذكر ولو على سبيل الوهم، أو كان مخضرمًا، وقد فاته هذا وهو على شرطه لا محالة. انتهى.
وقد رأيت ذكره في "نهج البلاغة" الذي جمعه الشريف الرضي من كلام سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، قال فيه: ومن كلام له، ﵇، للبرج بن مسهر الطائي، وقد قال بحيث يسمعه: لا حكم إلا لله، وكان من الخوارج: اسكت قبحك الله يا أثرم، فوالله لقد ظهر الحق، فكنت فيه ضئيلًا شخصك، خفيًا صوتك، حتى إذا تنعر الباطل، نجمت نجوم قرن الماعز؟ ! انتهى.
قال شارحه عز الدين عبد الحميد، الشهير بابن أبي الحديد المدائني المعتزلي: كان البرج شاعرًا مشهورًا من شعراء الخوارج، نادى بأشعارهم بحيث يسمعه، ﵇، فزجره وقبحه، ودعاه بآفته، إهانة له وانتقاصًا، كما هي العادة في إهانة ذوي العاهات بذكر آفاتهم، وكنى بضؤولة شخصه عند ظهور الحق، عن حقارته في زمن العدل بين الجماعة، وخمول ذكره، وظهور الحق في زمان قوة الإسلام، وقبل ظهور الفتن، وقوة الباطل، وبخفاء صوته عن عدم الالتفات إلى أقواله وحقارته. واستعار لفظ النعر، لظهور الباطل، محاولة لشبهه في قوته بظهوره بالرجل الصائل الصائح بكلامه عن حرارة وشجاعة، وشبهه بظهوره بين الناس،
стр. 635
وارتفاع ذكره عند ظهور الباطل وقوته، بظهور قرن الماعز في السرعة بغتة، أي طلعت بلا شرف، ولا شجاعة، ولا قدم، بل على غفلة كنبات قرن الماعز. ومن البلاغة تشبيه من يراد إهانته بالمهين الحقير، وتشبيه من يراد تعظيمه بالعظيم الخطير. وقبحه الله: نحاه عن الخير، والأثرم: الساقط الثنية، والضئيل: الصغير الحقير النحيف، ونعر: صاح، ونجم: طلع. انتهى كلامه.
ولو كان صحابيًا لذكره ونبَّه عليه، فإن الرجل شديد الفحص عن مثل هذه الأمور، معظمًا للصحابة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
ورأيت ترجمته في كتاب "مجمع الآداب في معجم الألقاب" تأليف أبي الفضل عبد الرزاق بن أحمد بن محمد بن أبي المعالي الشيباني الفوطي قال: هو عز الدين عبد الحميد بن أبي الحسين، هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين ابن أبي الحديد المدائني، الحكيم الأصولي، كان من أعيان العلماء الأفاضل، وأكابر الصدور الأماثل، وكان حكيمًا فاضلًا، كاتبًا كاملًا، عارفًا بأصول الكلام، يذهب مذهب المعتزلة، وخدم في الولايات الديوانية. وكان مولده في غرة ذي الحجة، سنة ست وثمانين وخمسمائة، واشتغل وحصل وألف، فمن تصانيفه شرح "نهج البلاغة" عشرون مجلدًا، وقد احتوى هذا الشرح على ما لم يحتو عليه كتاب، ومن تصانيفه كتاب: "العبقري الحسان" وهو كتاب غريب الوضع، قد اختار فيه قطعة وافرة من الكلام والتواريخ والأشعار، وأودعه أشياء من إنشائه وترسلاته ومنظوماته، ومن تصانيفه كتاب: "الفلك الدائر على المثل السائر" لابن الأثير الجزري، ومنها "شرح المحصل" للإمام فخر الدين، وهو يجري مجرى النقض له، ومنها كتاب: "نقض المحصول" للإمام فخر الدين أيضًا، ومنها كتاب "الوشاح الذهبي في العلم الأدبي" ومنها انتقاد "المستصفى" للغزالي في أصول الفقه، ومنها الحواشي على كتاب "المفصل" في النحو للزمخشري. وله تآليف أخر. قال الشيخ كمال الدين: ولما أخذت بغداد، كان ممن تخلص من
следующие страницы →