Полный текст (2 797 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
فقيل لمن شاربه: نادمه، لأنه فعل مثل فعله، ثم اشتق من ذلك نديم. انتهى. وقال صاحب "الأغاني": أخبرني ابن دريد، حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، قال: كان البرج بن مسهر الطائي خليلًا للحصين بن الحمام المري، ونديمه على الشراب، وفيه يقول البرج:
وندمان يزيد الكأس طيبًا ... الأبيات
وقال أبو محمد الأعرابي فيما كتبه على شرح "الحماسة" للنمري: أراد البرج بهذا الندمان الحصين بن الحمام المري، وكان خلا لبرج ونديمه، ويقال: إن الحصين خرج طالب حاجة، فأغار برج على الحرقة جيران الحصين، فأخذ منهم ثلاث نسوة؛ أم عروة وأختيها بنات كاهل، فأتى الصريخ الحصين، فتبع الأثر، فأدركهم بقارة الرماح، ولحقه سمير بن طرفة، أحد بني صرمة بن مرة، وكان من فرسان بني مرة، فأدركاهم قائلين في يوم ذي أوار، فقال الحصين: ويلك يا برج! ما صبّك على جيراني! ؟ وأسره الحصين، ثم منَّ عليه، وقال في ذلك:
برج يؤثِّمني ويكفر نعمتي ... صمِّيّ لما قال الكفيل صمام
انتهى. وزاد: يتعدى إلى مفعولين، أحدهما: الكأس، وثانيهما: طيبًا، يريد أن النديم بحسن عشرته يزيد الخمر طيبًا في شربها، قال الجواليقي: الكأس: القدح فيها الخمر، فإن لم يكن فيها الخمر فهي قدح، والكأس مهموزة مؤنثة، وجمعها كؤوس، قال الأزهري: وأحسب اشتقاقها من قولهم: كاص فلان
стр. 632
الطعام والشراب؛ إذا أكثر منه، لأن السين والصاد يتعاقبان في حروف كثيرة لقرب مخرجيهما. وذكر قوم أن الكأس الشراب بعينه. انتهى. وتغورت: غارت وغربت. وروي بدله "تعرضت". قال التبريزي: أبدت عرضها للمغيب – بالضم – يقال: تعرضت الجبل، إذا أخذت يمينًا وشمالًا فيه، ولم تستقم في الصعود. انتهى.
قال الطبرسي: وروي: "وقد تغورت النجوم" فلا شاهد فيه.
وقوله: رفعت برأسه .. إلخ، يريد: نبهته من نومه في السحر للاصطباح، والأصل: رفعته بتحريك رأسه. وملامة: مفعول كشفت، يقول: أزلت عنه ما كان تداخله من الغم بلوم اللائمين إياه على معاطاة الشراب بأن سقيته. معرقة، بضم الميم، وسكون العين، وفتح الراء المهملتين بعدها قاف، أي: صرفًا من الخمر، وقيل: هي القليلة المزاج، وقيل: كريمة العرق، من كرمة يجود شرّابها.
وقوله: فلما أن تنشّى .. إلخ، أي: حصلت له النشوة، وهي أول السكر، والخرق، بكسر الخاء المعجمة: الكريم الذي يتخرَّق في طرق المعروف، وأراد به نفسه. والمختلق، بفتح اللام: التام الخلقة، وبكسرها: الكريم الأخلاق. والهضوم: المنفاق في الشتاء، وهو زمان القحط، كأنه يخرج من ماله أكثر من الواجب فيه، فهو يهضمه، والهضم: الظلم.
وقوله: إلى وجناء .. إلخ، متعلق مقام، وهي الناقة عظيمة الوجنتين، وقيل: صلبة؛ من الوجين، وهي الأرض الصلبة. والناوية: السمينة، من نوت الناقة تنوي نيّأ – بالفتح – إذا سمنت. وقوله: فكاست، أي: فعقرها فكاست، فالفاء فصيحة، والكوس: المشي على ثلاث قوائم. وقوله: وهي
стр. 633
العرقوب، هذا علة الكوس، ووهى: ضعف، وقالوا هنا: الوهي: الشق، والعرقوب: عقب مؤتر خلف الكعبين فوق العقب من الإنسان، وبين مفصل الوظيف والساق من ذوات الأربع. وأراد بالصميم: العضو الذي به القوام، قاله التبريزي.
وقوله: فأشبع شربه، جمع شارب، والرذوم: الممتثلة الطافحة، وأراد بالكأس القدح.
وقوله ترنح شربها، أي: تميل بهم سكرًا، فلا تدعهم يستقيمون، يقول: لشدتها تزول قوامهم، فكأنهم أسارى نزفت دماؤهم.
والبرج بن مسهر: بضم الموحدة وسكون الراء بعدها جيم، ومسهر: بضم الميم وسكون السين وكسر الهاء، وجده، الجلاس؛ بضم الجيم وخفة اللام. قال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": البرج بن مسهر بن الجلاس: أحد بني جديلة، ثم أحد بني طريف بن عمرو بن ثمامة بن مالك بن جدعاء بن ذهل بن رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن فطرة، وهو جديلة بن طي، شاعر، وهو القائل:
وندمان يزيد الكأس طيبًا ... الأبيات
وقال الحسن بن عبد الله العسكري في باب ما يشكل ويصحف من أسماء الشعراء من كتاب "التصحيف": وفي شعراء طي البرج بن مسهر؛ الباء تحتها نقطة وبعد الراء جيم، وهو أحد المعمرين، وفد إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو الذي يقول، ويعد من فرسانهم: وندمان يزيد الكأس طيبًا .. البيت.
стр. 634
وقد رجعت إلى كتاب "المعمرين" لأبي حاتم السجستاني، وإلى فصل المعمرين من "أمالي" السيد المرتضى فلم أجده فيهما.
وقال السيوطي بعد أن نقل كلام العسكري: ولم أر أحدًا ممن صنف في الصحابة ذكر البرج هذا، حتى ولا شيخ الإسلام ابن حجر، مع تتبعه وذكره كل من ذكر ولو على سبيل الوهم، أو كان مخضرمًا، وقد فاته هذا وهو على شرطه لا محالة. انتهى.
وقد رأيت ذكره في "نهج البلاغة" الذي جمعه الشريف الرضي من كلام سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، قال فيه: ومن كلام له، ﵇، للبرج بن مسهر الطائي، وقد قال بحيث يسمعه: لا حكم إلا لله، وكان من الخوارج: اسكت قبحك الله يا أثرم، فوالله لقد ظهر الحق، فكنت فيه ضئيلًا شخصك، خفيًا صوتك، حتى إذا تنعر الباطل، نجمت نجوم قرن الماعز؟ ! انتهى.
قال شارحه عز الدين عبد الحميد، الشهير بابن أبي الحديد المدائني المعتزلي: كان البرج شاعرًا مشهورًا من شعراء الخوارج، نادى بأشعارهم بحيث يسمعه، ﵇، فزجره وقبحه، ودعاه بآفته، إهانة له وانتقاصًا، كما هي العادة في إهانة ذوي العاهات بذكر آفاتهم، وكنى بضؤولة شخصه عند ظهور الحق، عن حقارته في زمن العدل بين الجماعة، وخمول ذكره، وظهور الحق في زمان قوة الإسلام، وقبل ظهور الفتن، وقوة الباطل، وبخفاء صوته عن عدم الالتفات إلى أقواله وحقارته. واستعار لفظ النعر، لظهور الباطل، محاولة لشبهه في قوته بظهوره بالرجل الصائل الصائح بكلامه عن حرارة وشجاعة، وشبهه بظهوره بين الناس،
стр. 635
وارتفاع ذكره عند ظهور الباطل وقوته، بظهور قرن الماعز في السرعة بغتة، أي طلعت بلا شرف، ولا شجاعة، ولا قدم، بل على غفلة كنبات قرن الماعز. ومن البلاغة تشبيه من يراد إهانته بالمهين الحقير، وتشبيه من يراد تعظيمه بالعظيم الخطير. وقبحه الله: نحاه عن الخير، والأثرم: الساقط الثنية، والضئيل: الصغير الحقير النحيف، ونعر: صاح، ونجم: طلع. انتهى كلامه.
ولو كان صحابيًا لذكره ونبَّه عليه، فإن الرجل شديد الفحص عن مثل هذه الأمور، معظمًا للصحابة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
ورأيت ترجمته في كتاب "مجمع الآداب في معجم الألقاب" تأليف أبي الفضل عبد الرزاق بن أحمد بن محمد بن أبي المعالي الشيباني الفوطي قال: هو عز الدين عبد الحميد بن أبي الحسين، هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين ابن أبي الحديد المدائني، الحكيم الأصولي، كان من أعيان العلماء الأفاضل، وأكابر الصدور الأماثل، وكان حكيمًا فاضلًا، كاتبًا كاملًا، عارفًا بأصول الكلام، يذهب مذهب المعتزلة، وخدم في الولايات الديوانية. وكان مولده في غرة ذي الحجة، سنة ست وثمانين وخمسمائة، واشتغل وحصل وألف، فمن تصانيفه شرح "نهج البلاغة" عشرون مجلدًا، وقد احتوى هذا الشرح على ما لم يحتو عليه كتاب، ومن تصانيفه كتاب: "العبقري الحسان" وهو كتاب غريب الوضع، قد اختار فيه قطعة وافرة من الكلام والتواريخ والأشعار، وأودعه أشياء من إنشائه وترسلاته ومنظوماته، ومن تصانيفه كتاب: "الفلك الدائر على المثل السائر" لابن الأثير الجزري، ومنها "شرح المحصل" للإمام فخر الدين، وهو يجري مجرى النقض له، ومنها كتاب: "نقض المحصول" للإمام فخر الدين أيضًا، ومنها كتاب "الوشاح الذهبي في العلم الأدبي" ومنها انتقاد "المستصفى" للغزالي في أصول الفقه، ومنها الحواشي على كتاب "المفصل" في النحو للزمخشري. وله تآليف أخر. قال الشيخ كمال الدين: ولما أخذت بغداد، كان ممن تخلص من
стр. 636
القتل، وحضر بين يدي المولى السعيد الخواجا نصر الدين الطوسي، وفوض إليه أمر خزائن الكتب ببغداد مع أخيه موفق الدين، ولم تطل أيامه، وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة من سنة ست وخمسين وستمائة، ومدة عمره سبعون سنة وستة أشهر. انتهى كلامه باختصار.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد المائة:
(١٣٣) بدا لي أنِّي لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئًا إذا كان جائيا
على إبطال قول من قال: إن ناصب إذا ما في جوابها من فعل وشبهه، لأن تقدير الجواب في البيت: إذا كان جائيًا فلا أسبقه، ولا يصح أن يقال: لا أسبق شيئًا وقت مجيئه ... إلى آخر ما ذكره، قال ابن وحيي: قال الفاضل الهندي في بحث الاستثناء من شرح "الحاجبية": مطابقة الواقع وعدمها ليست من وظائف النحو، ألا ترى أنه يجوز: لقيت العنقاء، والأرض فوقنا، وإن لم يطابق الواقع؟ وقد اعترف به المصنف حيث قال في حرف الميم: وإنما العرب محميون عن الخطأ في الألفاظ دون المعاني، فينبغي أن لا يلتفت إلى مثل هذه التدقيقات، مع أنه يمكن تصحيحه بالتأويل بالإرادة أو التقدير، مثل أن يقال: لا أسبق شيئًا وقت إرادة مجيئه أو تقدير مجيئه، أو قرب مجيئه، وهو مجاز شائع ويمكن أن يقال: إن النفي فيه راجع إلى القيد، فيؤول المعنى: لا أسبق شيئًا وقت مجيئه، بل أسبقه عند عدم مجيئه، ولا غبار فيه، ورجوع القيد إلى النفي أمر شائع لا تردد فيه. وقال الدماميني: لا مانع من أن يجعل السابق في البيت بمعنى الفائت، ويتجه فيه حينئذ مذهب الجمهور، إذ المعنى: إني لا أدرك الماضي، ولا أفوت المستقبل الجائي إلي، بل سيدركني، فهي شرطية، والتقدير
стр. 637
إذا كان شيئًا جائيًا إلي لا أفوته، وانتفاء الفوت حاصل في وقت المجيء، فاستقام، وكذا يستقيم جعلها معمولة لما قبلها على أنها غير شرطية، فتأمل. انتهى.
وقد استشهد سيبويه وغيره بهذا البيت على جر "سابق" بالعطف على مدرك، على توهم الباء فيه، فإنه يجوز زيادة الباء في خبر ليس، ويأتي إن شاء الله تعالى بيانه في الباب الرابع. والبيت من قصيدة لزهير بن أبي سلمى مطلعها:
ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى ... من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا
بدا لي أنَّ الناس تفنى نفوسهم ... وأموالهم ولا أرى الدهَّر فانيا
وأنِّي متى أهبط من الأرض تلعةً ... أجد أثرًا قبلي جديدًا وعافيا
أراني إذا ما بتُّ بتُّ على هوى .. فثمَّ إذا أصبحت أصبحت غاديا
إلى حفرة أهوي إليها ميقمة ... يحثُّ إليها سائق من ورائيا
كأنِّي وقد خلَّفت تسعين حجَّة ... خلعت بها عن منكبَّي ردائيا
بدا لي أنِّي عشت تسعين حجَّةً ... تباعًا وعشرًا عشتها وثمانيا
بدا لي أنَّ الله حقٌّ فزادني ... من الحقِّ تقوى الله ما قد بدا ليا
بدا لي أنِّي لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئًا إذا كان جائيا
أراني إذا ما شئت لاقيت آيةً ... تذكّرني بعض الذي كنت ناسيا
وما إن أرى نفسي تقيها كريمتي ... وما إن تقي نفسي كريمة ماليا
ألا لا أرى على الحوادث باقيا ... ولا خالدًا إلَّا الجبال الرَّواسيا
وإلَّا السَّماء والبلاد وربَّنا ... وأياَّمنا معدودةً واللَّياليا
стр. 638
ألم تر أنَّ الله أهلك تبَّعا ... وأهلك لقمان بن عاد وعاديا
وأهلك ذا القرنين من قبل ما ترى ... وفرعون أردى كيده والنَّجاشيا
إذا أعجبتك الدَّهر حال من امرئ ... فدعه وواكل حاله واللَّياليا
ألا لا أرى ذا إمَّة أصبحت به ... فتتركه الأيام وهي كما هيا
وبعد هذا أحد عشر بيتًا ذكر فيها النعمان بن المنذر. وهذه القصيدة مثبتة في "ديوان زهير" وشرحه لصعوداء والأعلم له، قال الأصمعي: ليست هذه القصيدة لزهير لأنها لا تشبه شعره.
ووقع البيت الشاهد في مواضع متعددة من "كتاب سيبويه" كما يأتي – إن شاء الله تعالى – بيانه في الباب الرابع، منسوبًا تارة إلى زهير المذكور، وتارة إلى صرمة الأنصاري.
قال الزمخشري وابن خلف: كونه لصرمة هو الصحيح، وقيل: لابن رواحة. ولا يلزم من كون البيت لأحدهما أن تكون القصيدة له، وقائلها جاهلي لا يرى فناء العالم، ويجوز أن يكون أراد بفناء النفوس هلاك الذوات الإنسانية، وأن يكون أراد بها النفوس الناطقة والأرواح، إذ الجاهل، وإن قال ببقاء العالم، يقول بفناء الروح، وقال صعوداء: يقال: إن الدهر هو الله جل ثناؤه، وإنما يراد بذلك أن الذي يحدثه الدهر إنما هو من تقدير الله تعالى، فلا يجوز أن يسب الدهر لأنه يرجع إلى سب ما قدر الله تعالى له، وقوله: وإني متى أهبط ... إلخ، قال الأعلم في "شرح مختار شعر زهير": التلعة: مجرى الماء إلى الروضة، وتكون
стр. 639
فيما علا عن السبيل، وفيما سفل عنه، ودون التلعة الشعبة. والعافي: الدارس، يقول: حيثما صار الإنسان من الأرض فلا يخلو من أن يجد فيه أثرًا قديمًا أو حديثًا.
وقوله: أراني إذا ما بت ... البيت يأتي شرحه إن شاء الله تعالى في بحث "ثم".
وقوله: إلى حفرة: متعلق بأهوى، وأراد بها القبر، ووصف الحفرة بمقيمة، إما على معتقد الجاهلية مع أنه لا فناء للعالم ولا بعث، وإما على إرادة المدة الطويلة، وأراد بالسائق الزمان، فإنه المفني المبيد عندهم.
وقوله: بدا لي أني لست ... البيت، قال الأعلم: يقول: اعتبرت حال الزمان، فبدا لي أني لست أدرك ما فات منه، ولا أسبق ما لم يجيء بعد فيه قبل وقته. والمعنى: إن الإنسان مدبَّر، لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعا. وقال أيضًا في "شرح شواهد الجمل الزجاجية": يقول: إني اعتبرت الدنيا وما فيها، فظهر لي أن الكل يذهبه الفناء، فما مضى لا أدركه أبدًا، وما يأتي لا أقدر أن أسبقه، فلا أستطيع دفع ما هو مقدر علي من موت وغيره.
وقوله: أراني إذا ما شئت ... إلخ، قال الأعلم: أي: إذا غفلت عن حوادث الدهر من موت وغيره، ونسيتها؛ رأيت آية مما تصيب غيري فتذكرني ما كنت نسيت، والآية: العلامة.
وقوله: وما إن أرى ... إلخ، قال صعوداء: كريمة ماله: أهله وخاصته، وروى الأعلم: "كريهتي" وقال: لاتقي نفسي من الموت شدتي وجرأتي، ولاتقيها كرائم مالي. وقوله: وعاديا، هو أبو السموءل بن عاديا، وكان له حصن بتيماء، وهو الذي استودعه امرؤ القيس أدراعه. والإمة، بكسر الألف: النعمة والحالة الحسنة، أي: من كان ذا نعمة، فالأيام لا تتركه ونعمته كما عهدت، أي: لابد من أن تغيرها الأيام بموته أو فقره.
стр. 640
وترجمة زهير تقدمت في الإنشاد الخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثلاثون بعد المائة:
(١٣٤) متى تردن يومًا سفار تجد بها ... أديهم يرمي المستجيز المعوَّرا
لما ذكره. وجميع ما ذكره المصنف من بحث العامل في إذا إلى هنا عبارة أبي حيان في "شرح التسهيل" ونقلها تلميذه ناظر الجيش في شرحه.
وأما بيت الفرزدق، فلم ينشده سيبويه في "كتابه" ولا السيرافي في شرحه، وإنما أنشده ابن عصفور في "شرح الجمل" فإن هذا الكلام جميعه أخذه أبو حيان منه، ومنه أخذ المصنف.
وقوله: متى تردن يومًا؛ متى ويومًا منصوبان على الظرفية، وعاملهما ترد، وجاز تعددهما من غير إتباع، لأن متى زمان عام يشمل اليوم وغيره، فإن قلت: لا يجوز تقدم معمول للفعل المؤكد بالنون، قلت: "متى" لتضمنه حرف الشرط صار له الصدارة، وهو مقدم على عامله أبدًا فنون التوكيد إنما لحقت عامله بعد اعتبار تقدمه عليه، على أن الرواية كما في "صحاح الجوهري" وغيره: "متى ما ترد يومًا". والورود: الإتيان إلى الماء، وسفار، بفتح السين المهملة بعدها فاء وآخره راء مهملة، قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": هو ماءة لبني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، وزاد ياقوت: هو بوزن قطام،
стр. 641
اسم معدول عن سافر؛ منهل قبل ذي قار بن البصرة والمدينة، وفي كتاب ابن الفقيه: سفار: بلد بالبحرين. انتهى. وهو مبني على الكسر باتفاق تميم وأهل الحجاز، لأن آخره راء. وقوله: تجد بها، أي: بقربها، وأديهم: على وزن مصغر أدهم، قال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": ومنهم أديهم بن مرداس: أخو عتيبة بن مرداس المعروف بابن فسوة، أحد بني كعب بن عمرو بن تميم، وكان أديهم شاعرًا خبيثًا، وفيه يقول الفرزدق:
متى ما ترد يومًا سفار تجد بها ... البيت
والمستجيز: الذي يأتي القوم يستسقيهم ماء أو لبنًا، وسفار: ماء لهم. وكان يهاجي اللعين المنقري، وفيه يقول:
يذكِّرني سبالك أسكتيها ... وأنفك بظر أمِّك يا لعين
انتهى. والمستجيز بالجيم والزاء المعجمة، قال الجوهري: الجواز: السقي، والجوزة: السقية، واستجزت فلانًا فأجازني: إذا أسقاك ماء لأرضك أو ماشيتك، والمعور، بالعين والراء المهملتين وتشديد الواو المفتوحة: من عورته عن الأمر تعويرًا، إذا صرفته عنه. قال الجوهري: يقال للمستجيز الذي يطلب الماء إذا لم يسقه: قد عوَّرت شربه، وأنشد البيت.
وهو مطلع قصيدة، قال جامع ديوانه ابن حبيب: أراد أديهم بن مرداس أخا عتيبة بن مرداس، وعتيبة هو ابن فسوة. والمعور: المطرود الممنوع حاجته.
стр. 642
وروي "المغور" بالغين معجمة، وهو الذي أورد إبله في الهاجرة فأقام ليبرد، والمستجيز: المستسقي، وبعده:
يظلُّ إلى أن تغرب الشَّمس قائمًا ... تشمُّس حرباء الصُّوى حين أظهرا
يطرِّد عنها الجائزين كأنَّه ... غراب على أنباثها غير أعورا
الأنباث: جمع نبيثة، وهو ما أخرج من تراب البئر والنهر إذا حفر.
أأسقيتها والعود يهتزّ في الندَّى ... كأنَّ بجنبيه زرابيَّ عبقرا
يقول: أسقيتها في الربيع في وقت استغنائها عن الماء، والرياض مزهرة كأنها زرابي، وهي الطنافس الرقاق.
فلما رجعنا للَّذي قلت قائظًا ... أبيت وكانت علَّة وتعذُّرا
يقول: وعدت جوازها في القيظ، فلما أتيناك للموعد، تعذرت واعتللت.
فلما احتضرنا للجواز وقوَّمت ... على الحوض راموها من الشِّرب منكرا
فقالوا ألا قبر الهذيل مجازها ... فقلت لهم لم تصدروا الأمر مصدرا
مجازها: مسقاها.
أتشرب أسلاب امرئ كان وجهه ... إذا أظلمت سيما امرئ السَّوء أسفرا
مدح هذيلا وقال: إذا أظلم وجه الرجل السوء كان وجهه مشرقا.
كذبتم وآيات الهدى لا تذوقه ... لبوني وإن أمست خوامس ضمَّرا
أقسم بأن إبله لا تذوق ماء من البئر التي هي قبر الهيل.
أنفت له بالسَّيف لمَّا رأيتها ... تدكُّ بأيديها الرَّكيَّ المعوَّرا
стр. 643
يقول: أنفت لقبر الهذيل أن تدوسه إبل، فذدتها عنه بالسيف.
يفضُّ عراقيب اللِّقاح كأنَّه ... شهاب غضا شيَّعته فتسعَّرا
مدحه بأن يعقر اللقاح للضيوف، وهي أكرم إبل عند العرب، لأنها ذات ألبان، وتشييع النار: أن يلقى عليها من دق الحطب فتلتهب، وصفه بسرعة عقرها، كأنه نار ملتهبة.
أليس امرًا ضيفًا وقد غاب رهطه ... ولو سيم حيًّا مثل هذا لأنكرا
جعل الهذيل ضيفًا، لأنه دفن في غير دار قومه، يقول: لوسيم وهو حي خسفًا لأنكره، فأنا أذود عن قبره الضيم.
أجادت به من تغلب ابنة وائل ... حصان لقرم من ربيعة أزهرا
فمن مبلغ فتيان تغلب أنني ... عقرت على قبر الهذيل ليذكرا
وبقي منها ستة عشر بيتًا. قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": كان الهذيل التغلبي قد أغار على إبل نعيم بن ثعلب الرياحي، فمر يوم وردها بسفار، فتقارّ أهلها من بني مازن، وجعل أعوان الهذيل يوردون تلك الإبل قطعة قطعة، والهذيل قاعد على سفير البئر، فلما تشاغل من معه، رأى منه حباشة المازني غرة، فاستدبره بسهم فأقصده، وخر في الركية، فهالوا عليه إلى اليوم. وقال عتبة بن مرداس أحد بني كعب بن عمرو بن تميم:
فمن مبلغ فتيان تغلب أنَّه ... خلا للهذيل من سفار قليب
إذا طرَّب الأصداء طرَّب وسطها ... صدى تغلبيٍّ في القبور غريب
стр. 644
انتهى. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب "أيام العرب": لما تنبأت سجاح، واتبعها بشر كثير من بني تغلب، والنمر، وبني تميم، وكان الهذيل ممن تبعها، فلما هزمتها الرباب يوم النباح، وهرب الهذيل، كر على نعم لبني يربوع، فمر بها قبل أرض بني تغلب، فمر بسفار، وعليها أهلها من بني مازن، فنفرت طائفة منهم، وبقيت طائفة على الماء، فجعل أعوان الهذيل يوردون تلك الإبل قطعة قطعة حياض سفار فتشرب، ثم تصدر وترد أخرى، والهذيل قاعد على سفير سفار، فلما تشاغل من معه، ورأى منه حباشة غرة، استدبره بسهم فأقصده، وخر في الركية، وهالوا عليه إلى اليوم. وقال الفرزدق:
متى تردن يومًا سفار تجد بها
وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أول الكتاب.
وأنشد بعده:
من يفعل الحسنات الله يشكرها
تمامه:
والشَّرُّ بالشَّرِّ عند الله مثلان
وتقدم شرحه في الإنشاد الثمانين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثلاثون بعد المائة:
(١٣٥) ونحن عن فضلك ما استغنينا
على أن "عن" متعلقة باستغنينا لضرورة الشعر، لأن ما النافية لا يعمل
стр. 645
ما بعدها فيما قبلها، لأن لها الصدر كإن النافية دون لا ولم ولن.
وهذا البيت من رجز لعامر بن الأكوع الصحابي، روى البخاري في غزة خيبر من "صحيحه" عن سلمة بن الأكوع، رضي الله تعالى عنه، قال: خرجنا مع النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، إلى خيبر فسرنا ليلًا، فقال رجل من القوم لعامر: يا عامر، ألا تسمعنا من هنيَّاتك، وكان عامر رجلًا شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم يقول:
اللهمَّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدَّقنا ولا صلَّينا
فاغفر فداءً لك ما أبقينا ... وثبِّت الأقدام إن لاقينا
وألقين سكينةً علينا ... إنَّا إذا صيح لنا أتينا
وبالصِّاح عوَّلوا علينا
قال ابن حجر في شرحه: ووقع في رواية إياس بن سلمة عن أبيه عند أحمد في هذا الرجز من الزيادة:
إنَّ الَّذين قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنةً أبينا
ونحن عن فضلك ما استغنينا
وهذا القسم الأخير عند مسلم أيضًا.
وقوله: اللهم لولا أنت؛ فيه زحاف الخزم – بمعجمتين – وهو زيادة سبب
стр. 646
خفيف في أوله.
وأكثر هذا الرجز قد تقدم في الجهاد من حديث البراء بن عازب، وأنه من شعر عبد الله بن رواحة، فيحتمل أن يكون هو وعامر تواردا على ما تواردا منه، بدليل ما وقع لكل منهما مما ليس عند الآخر، أو استعان عامر ببعض ما سبقه إليه ابن رواحة.
وقوله: فداء لك ما أبقينا، استشكل هذا الكلام لأنه لا يقال في حق الله تعالى، إذ معنى فداء لك: نفيدك بأنفسنا، وحذف متعلق الفداء للشهرة، وإنما يتصور الفداء لمن يجوز عليه الفناء، وأجيب عن ذلك بأنها كلمة لا يراد ظاهرها، بل المراد بها المحبة والتعظيم، مع قطع النظر عن ظاهر اللفظ. وقيل: المخاطب بهذا الشعر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فالمعنى لا تؤاخذنا بتقصيرنا في حقك ونصرك، وعلى هذا فقوله: اللهم، لم يقصد بها الدعاء، وإنما افتتح بها الكلام، والمخاطب بقوله: أنت، النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ويعكر عليه قوله بعد ذلك:
فأنزلن سكينةً علينا ... وثبِّت الأقدام إن لاقينا
فإنه دعاء لله تعالى، ويحتمل أن يكون المعنى: فاسأل ربك أن ينزل ويثبت، والله أعلم.
وأما قوله: ما أبقينا؛ معناه: ما تركنا من الأوامر، و"ما" ظرفية.
стр. 647
وللأصيلي والنسفي: أبقينا، أي: خلفنا وراءنا مما اكتسبناه من الآثام، أو ما أبقينا وراءنا من الذنوب، فلم نتب منه. وللقابسي ما لقينا، والمعنى: ما وجدنا من المناهي، وروي: "ما اقتفينا" أي: تبعنا من الخطايا، من قفوت الأمر: إذا تبعته، وكذا لمسلم.
وقوله: إنا إذا صيح بنا أتينا، أي: جئنا إذا دعينا للقول، أو إلى الحق، وروي بالموحدة، فالمعنى: إذا دعينا إلى غير الحق امتنعنا. وقوله: وبالصياح عولوا علينا، أي: قصدونا بالدعاء بالصوت العالي، واستعانوا علينا، تقول: عولت على فلان، وعولت بفلان، بمعنى استعنت به، وقال الخطابي: المعنى: أجلبوا علينا بالصوت، وهو من العويل. انتهى كلام ابن حجر.
стр. 648
وقد جاء هذا الرجز في غزوة الخندق أيضًا منسوبًا إلى عبد الله بن رواحة، ويأتي - إن شاء الله تعالى - بقية الكلام عليه في حرف النون من هذا الكتاب، فإنه قد استشهد فيه بقوله:
وأنزلن سكينةً علينا
تبعًا لسيبويه وغيره. وعامر بن الأكوع: هو عم سلمة بن الأكوع، واسم الأكوع سنان، قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": هو عامر بن سنان الأنصاري، عم سلمة بن الأكوع، وسنان هو الأكوع، استشهد عامر بن سنان يوم خيبر، وعن عكرمة بن عمار، قال: حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع قال: أخبرني أبي، قال: لما خرج عمي عامر بن سنان إلى خيبر مع رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، جعل يرتجز بأصحاب رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وفيهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فجعل يسوق الركاب وهو يقول:
تالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدَّقنا ولا صلّينا
إنَّ الَّذين قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
ونحن من فضلك ما استغنينا ... فثِّبت الأقدام إن لاقينا
وأنزلن سكينةً علينا
فقال رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم: من هذا؟ قالوا: عامر يا رسول الله، قال: غفر لك ربك. قال: وما استغفر لإنسان قط، يخصه بالاستغفار، إلا استشهد، قال: فلما سمع ذلك عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: يا رسول الله، لو متعتنا بعامر! فاستشهد يوم خيبر.
стр. 649
قال سلمة: وبارز عمي يومئذ مرحبًا اليهودي، فقال مرحب:
قد علمت خيبر أنِّي مرحب ... شاكي السِّلاح بطل مجرّب
إذا الحروب أقبلت تلهَّب
فقال عمي:
قد علمت خيبر أنِّي عامر ... شاكي السِّلاح بطل مغامر
فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، ورجع سيفه على ساقه، فقطع أكحله، فكانت منها نفسه. قال سلمة: فلقيت ناسًا من أصحاب رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالوا: بطل عمل عامر، قتل نفسه! قال سلمة: فجئت رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله بطل عمل عامر! فقال: "من قال ذلك"؟ قلت: ناس من أصحابك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "كذب من قال ذلك، بل له أجره مرتين" انتهى.
وغزوة خيبر كانت في سنة سبع من الهجرة.
وترجمة عبد الله بن رواحة تأتي إن شاء الله تعالى في الإنشاد السابع والخمسين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثلاثون بعد المائة:
(١٣٦) ألا إنَّ قرطا على آلة ... ألا إنَّني كيده لا أكيد
على أن "لا" النافية لا صدارة لها، ولهذا تقدم مفعول الفعل الذي بعدها عليها.
стр. 650
قال الدماميني في "المزج": والظاهر أن اختلافهم في صدارة لا النافية إنما هو في غير الناسخة، أما لا الناسخة فلا يختلفون في أن لها الصدر، وحرّر النقل في هذه المسألة، فلست على وثوق منها الآن. انتهى.
والبيت أول أبيات سبعة أوردها أبو تمام في أواسط باب الحماسة من كتاب "الحماسة" للأخزم السنبسي ووقع في روايته:
ألا أنَّني كيده ما أكيد
بـ"ما" دون "لا"، ولم يذكر شراحه رواية لا، وإنما روى "لا أكيد" كالمصنف الأعلم الشنتمري في "حماسته".
والسيوطي غفل عن رواية المصنف، وعن وجه الاستشهاد، وتبع روايته الجماعة، فقال: وما زائدة لا نافية، لأن ما في حيزها لا يعمل فيما قبلها، ولا موصولة، ولا مصدرية، لئلا يتقدم الصلة على الموصول، والمعنى: إني كيده أكيد، أي: أفعل مثل فعله. قال التبريزي: ويجوز كونها نافية، أي: ما أكيد كيده كما يكيدني لأكون خيرًا منه. انتهى كلام السيوطي.
وغفل ثانيًا عن مقتضى كلام التبريزي من فوات صدارة "ما" مع أن المعمول المتقدم مفعول، وهذا لا يجيزه أحد، وتخرج هذه الرواية على أن "ما" زائدة، أي: إنني أقابل كيده بكيد مثل كيده، يريد: إنني لا أبتدئه بمساءته، ولا أباديه بمكر وخيانة، بل أقتدي به فيما عاملني به، وأجازيه صاعًا بصاع. وأما على رواية "لا"، فالمعنى: لا أكيده كما كادني، لأكون خيرًا منه.
стр. 651
والآلة: الحالة، قال الطبرسي: يقال: فلان لي على آلة وعلى حالة: إذا تنكر وتغير عما كان عليه من قبل، وهذا يجري مجرى الكنايات. ويقال أيضًا، حصل فلان لنا على لون، يراد على لون مذموم، يقول: إن هذا الرجل تغير عما كان يجري عليه معي إلى أمر أنكره ولا أعرفه، إلا أنني أكيد كيده، أي: أقابل كيده لي بكيد مثله، و"ما" زائدة. انتهى. فجعل ما زائدة، ولم يتعرض لكونها نافية. ولله دره في ذلك.
وبعد البيت:
بعيد الولاء بعيد المحـ ... ـلِّ من ينأ عنك فذاك السعيد
وعزُّ المحلِّ لنا بائن ... بناه الإله ومجد تليد
ومأثره المجد كانت لنا ... وأورثناها أبونا لبيد
لنا باحة ضبس نابها ... يهون على حامييها الوعيد
بها قضب هندوانَّية ... وغيض تزاءر فيها الأسود
ثمانون ألفًا ولم أحصهم ... وقد بلغت رجمها أو يزيد
قوله: بعيد الولاء ... إلخ، قال المرزوقي: يذم قرطًا ويقول: هو بعيد النصرة والموالاة، أي: بطيئها، بعيد الدار والمسكن، ثم قال: من بعد عنك فقد سعد جدُّه، نقل اللام عن الإخبار إلى الخطاب على عادتهم في افتنانهم، وكأنه التفت إليه يريد الزهادة في مجاورته، والاستغناء عن معاونته. انتهى، أشار إلى أن الولاء مصدر المولى، وهو الذي يتولاك وينصرك.
وقوله: وعز المحل لنا ... إلخ، افتخر بأن بلادهم حصينة ومحلهم عزيز،
стр. 652
فقال: عز المحل لنا بائن، أي: ظاهر للناس غير خاف، بناه الله تعالى وآثرنا به، وذلك أن بلاد طي اكتنفها جبلاهم: أجا وسلمى؛ فلا يهجم عليهم الآفات ولنا مجد تليد، أي: قديم متوارث، والمأثرة: مفعلة، من أثرت الحديث: إذا رفعته، أراد أن العز اجتمع بهم مكتسبًا وموروثًا، وتالدًا وطريفًا، فلهم بذلك صيت في الناس يؤثر، وثناء يتصل كما كان لأبيهم.
وقوله: لنا باحة ... إلخ، الباحة: الساحة، والضبس: الشديد، وهو يفتح الضاد المعجمة، وكسر الموحدة، وثالثه سين مهملة. وناب القوم: سيدهم وأراد بالحاميين جبلي طي، والضمير يعود إلى الباحة، ويجوز أن يريد بالناب واحد الأنياب، وجعله مثلًا للشدة، وذكر الباحة والمراد أهلها. وقوله: بها قضب ... إلخ، جمع قضيب، وهو السيف، يريد أن ديارهم تحوي العُدد والعَدد، فسلاحهم السيوف الهندوانية، ورجالهم أسود. وغيض: جمع غيضة، وهي الأحمة، وتكون مأسدة، وتزاءر: تفاعل، من الزئير، وهو صوت الأسد، وأصله: تتزاءر، فحذف إحدى التائين. والغيض: الأصل، ومنبت كرائم الأشجار الملتفة.
وثمانون: تبيين لكمية ما أشار إليه، يقول: هم ثمانون ألفًا، ولست أقول: هذا عن إحصاء وعد، ولكنه رجم مني وحدس، فهم يبلغون رجمي لها فأضاف المصدر إلى المفعول، ويزيدون عليه. وأصل الرجم: الرمي بالقول وغيره، وأو بمعنى بل.
والأخزم السنبسي الطائي بمعجمتين، والسنبسي، بكسر السين والموحدة
стр. 653
وسكون النون بينهما: نسبة إلى سنبس بن معاوية بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث ابن طي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثلاثون بعد المائة:
(١٣٧) آليت حبَّ العراق الدَّهر أطعمه
تمامه:
والحبُّ يأكله في القرية السُّوس
على أن سيبويه جعل انتصاب "حب" على نزع الخافض، وهو "على" إلى آخر ما ذكره، وأورده سيبويه في أول كتابه في باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعولين أورده فيه، وقال: يربد: على حب العراق. وكذا أورده ابن السراج في "الأصول" وحكاه عنه وقال: قد خولف في ذلك، قال محمد بن يزيد: إنما معناه: آليت أطعم حب العراق، أي: لا أطعم. انتهى. يريد المبرد أنه من باب الاشتغال، لا من باب الحذف والإيصال، وقال ابن خلف: الشاهد فيه حذف حرف الجر من حب العراق، وهو في الأصل: آليت على حب العراق، وهذا كما تقول: أقسم زيد على طعامه أنه لا يأكله أحد، قال محمد بن يزيد: وهذا خطأ، وإنما هو آليت أطعم حب العراق، أي: لا أطعم، كما تقول: والله أبرح من هنا، أي: لا أبرح، قال أحمد بن محمد بن الوليد: آليت، وحلفت، وأقسمت: أفعال تتعدى إلى المحلوف عليه بحرف الجر، فتقول: حلفت على زيد لا أكلمه، وإن شئت قلت: حلفت على زيد، ولم تأت بجواب، لأن "حلفت" جملة مكتفى بها، فإذا قلت: حلفت لا أفعل، فهو كقولك: والله لا أفعل، إلا أنك إذا قلت: والله، فلابد من جواب القسم، وإلا لم يكن كلامًا. انتهى.
стр. 654
وأورده أبو حيان في أول تذكرته، وقال: أورده سيبويه على أنه مما حذف منه حرف الجر، وأن تقديره: على حب العراق، وخطأه الجرمي والمبرد، فزعما أن حب العراق منصوب بإضمار فعل، وهو من باب الاشتغال يفسره أطعمه، أي: لا أطعم حب العراق الدهر لا أطعمه، وإنما ذلك على مذهب من أجاز أن يعمل ما بعد لا فيما قبلها على الإطلاق، والصحيح التفصيل بين أن تقع "لا" جوابًا للقسم، فيمنع إجراؤها مجرى ما يتلقى به القسم، أو لا تقع جوابًا له، فيجوز ذلك، ومن النحويين من منع ذلك مطلقًا، فما بعد "لا" لا يعمل فيما قبلها. وزعم بعضهم أن تقدير سيبويه: "على حب العراق" تقدير معنى، وإنما تقدير اللفظ: آليت في حب العراق، وإنما أحتاج إلى هذا لأن آليت فيك أكثر من آليت عليك، وهذا غير لازم، بل جاء السماع بهما، فذكر أحدهما، وليس تقديره بتقدير معنى. انتهى.
وأورد ابن عصفور مثل هذا في "الضرائر" قال: ومنه حذف حرف الخفض من المعمول، ووصول العامل إليه بنفسه للضرورة، تشبيهًا له بالعامل الذي يصل بنفسه. انتهى.
وقوله: آليت، بفتح التاء: خطاب لعمرو بن هند ملك الحيرة، وآليت: حلفت وأقسمت، وأراد بالحب: الحنطة والقمح، وأطعمه. آكله، ولا النافية مقدرة، كقوله تعالى: (تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ) [يوسف/ ٨٥] أي: لا تفتأ، والحب: مبتدأ، وجملة "يأكله" خبر المبتدأ. وأراد بالقرية: الشام، والسوس: قمل الحنطة، يقول: إن حلفت على أني لا آكل حنطة العراق، ومنعتني من المقام به، فأنا لا أبالي بذلك، فالحب في الشام كثير، ومن كثرته يأكله السوس، وأنا مقيم هناك، ولا حاجة لي إلى حب العراق والإقامة فيه.
والبيت من قصيدة للمتلمس، وكان هجا – مع ابن أخته طرفة ابن العبد – ملك
стр. 655
الحيرة عمرو بن هند، فكره قتلهما عنده لمكان قومهما، وبعد مدة كتب لهما إلى عامله بالبحرين يأمره بإعطاء جائزة لكل منهما، وكان أمره فيما كتب لهما بقتلهما، وأوهمها أنه كتب لهما بجائزة، ولما كان في الطريق، اقرأ المتلمس ورقته، فإذا فيها الأمر بقتله، فمزقها ورماها بنهر الحيرة، وهرب إلى الشام، وأبى طرفة أن يفتح ورقة الملك، وقال للمتلمس: إن كان اجترأ عليك، فلن يجترئ علي. وذهب إلى عامله، فقتل هناك، وبقي المتلمس في الشام مدة، وكلموا الملك في رجوع المتلمس إلى العراق والعفو عنه، فقال الملك: واللات لا يذوق حب العراق ما حييت! فبلغه ذلك، فقال هذه القصيدة وهو بمكة، يحرض بكرًا على عمرو، ومطلعها:
يا آل بكر ألا لله أمُّكم ... طال الثَّواء وثوب العجز ملبوس
أغنيت شأني لأغنوا اليوم شأنكم ... واستحمقوا في ذكاء الحرب أو كيسوا
إلى أن قال:
حنَّت قلوصي بها والَّليل مطَّرق ... بعد الهدوِّ وشاقتها النَّواقيس
يقول: حنت ناقتي إلى الشام، لأن بها غسان، وكانوا نصارى، وكان يمدحهم، فلذلك قال: وشاقتها النواقيس.
وقد أضاء سهيل بعد ما هجعوا ... كأنَّه ضرب بالكفِّ مقبوس
إلى أن قال يخاطبها:
أمِّي شاميَّة إذ لا عراق لنا ... قومًا نودُّهم إذ قومنا شوس
أمّي: اقصدي الشام، وشوس: أعداء، والأشوس: الذي ينظر إلى صاحبه شزرًا، كأنه يريد أن يبطش به من البغضاء.
стр. 656
لن تسلكي سبل النُّوباز منجدة ... ما عاش عمرو وما عمِّرت قابوس
النوباز: أرض معروفة نحو نجد، وعمرو وقابوس: ابنا المنذر بن ماء السماء، وقابوس: منادى، تقديره: يا قابوس.
آليت حبَّ العراق الدهر آكله ... والحبُّ يأكله في القرية السُّوس
لم تدر بصري بما آليت من قسم ... ولا دمشق إذا ديس الكداديس
هذا كله خطاب له، وبصرى: قرية بدمشق، والكداديس: جمع كدس، وهو ما يكدس من الحنطة فيكوم. قال جامع "ديوان المتلمس" أبو الحسن الأثرم: قال أبو عبيدة: كان سبب هجاء المتلمس – واسمه جرير بن عبد المسيح، أخو بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار، وكان في أخواله بني يشكر، ولد عندهم، ومكث فيهم حتى كادوا يغلبون على نسبه – أن عمرو بن هند سأل يومًا الحارث ابن التوأم اليشكري عن نسب المتلمس، فقال: يزعم أنه من بني ضبيعة أضجم، قال عمرو: ما هو إلا كالساقط بين الفراشين، فبلغ ذلك المتلمس فقال:
يعيِّرني أمِّي رجال ولا أرى ... أخا كرم إلا بأن يتكرَّما
ومن كان ذا عرض كريم فلم يصن ... له حسبًا كان اللئيم المذَّمما
стр. 657
أحارث إنَّا لو تساط دماؤنا ... تزايلن حتى ما يمسّ دم دما
أمنتقلًا من آل بهثة خلتني ... ألا إنَّني منهم وإن كنت أينما
وبهثة: ابن حرب بن وهب بن جلّي بن أحمس بن ضبيعة.
ألا إنَّني منهم وعرضي عرضهم ... كذي الأنف يحمي أنفه أن يهشَّما
وإنَّ نصابي إن سألت وأسرتي ... من الناس حتَّى يقتنون المزنَّما
وكنا إذا الجبّار صعَّر خدَّه ... أقمنا له من صعره فتقوَّما
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علِّم الإنسان إلَّا ليعلما
ولو غير أخوا لي أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما
وهل لي أمٌّ غيرها إن تركتها ... أبى الله إلاّ أن أكون لها ابنما
مع أبيات تركناها. ثم إن المتلمس انقبض عن عمرو، وشكاه فأطرده، أي: حمله وألجأه إلى الانطراد، وقال المتلمس يهجوه:
стр. 658
أطردتني حذر الهجاء ولا ... واللات والأنصاب ما تئل
ورهنتني هندًا وعرضك في ... صحف تلوح كأنَّها الخلل
مع أبيات أخر، فبلغت عمرًا، فكتمها في نفسه، فقرنه إلى طرفة وكتب لهما. وأما طرفة فإنه بعث إليه عمرو بن هند، فقال له: ما لك لا تلزمني؟ فقال: إني ترعية في إبلي - أي: لازم لها - وأخاف عليها الإغارة! فقال لأخيه قابوس، ولخال أبيه قيس من بني النمر بن قاسط ممم وقال لطرفة: أنا جار من أجارا، فأقام معه، فانقضَّ ذؤبان من أهل اليمن، فذهبوا بها جميعًا، وفيها معبد بن العبد أخو طرفة، فبلغ طرفة الخبر، فقال له: أبيت اللعن! إن أبلي أني دونها في حبلك، فجعل يسوفه حتى فاتت، وخرج طرفة بعلة طلب إبله، فلما أيس منها ومن الثواب عليها؛ قال يهجو عمرًا:
ملك يلاعب أمَّه وقطينها ... رخو المفاصل أيره كالمرود
والقطين: وكذلك العطين: الفرج، وكان طرفة قد هجا عبد عمرو ابن مرثد ابن عمه بقوله:
يا عجبًا من عبد عمرو وبغيه ... لقد رام شتمي عبد عمرو فأنعما
стр. 659
ولا خير فيه غير أنَّ له غنىً ... وأنَّ له كشحًا إذا قام أهضما
ثم إن عبد عمرو وفد على عمرو، وقد فارقه طرفة، فأصابتهم سماء في ربيع، فخرج في غبها، فلما حجبت الشمس قال لحبائه، وهو أكرم أصحابه عليه، ولعبد عمرو: ضعوا ثيابكم، وانقعوا في الماء، فلما نظر إلى عبد عمرو، ورأى خلقًا عجيبًا فقال: قاتل الله طرفة! لقد أصاب الوصف حيث قال:
تظلُّ نساء الحيِّ يعكفن حوله ... يقلن عسيب من سرارة ملهما
فقال عبد عمرو: أبيت اللعن، ما قال فيك أشد من هذا! ثم ندم فجحد مقالته لأنه ابن عمه، فأبى أن يدعه، فاستعهده ثم أنشده:
ملك يلاعب أمَّه بقطينها
فأضمرها عمرو في نفسه، وأراغ طرفة، فلم يزل يطمعه في رفده حتى أتاه، فأراد قتله، فراقب فيه قومه بني ثعلبة بن عكابة، وكانوا جنده، فكتب له وللمتلمس إلى أحد أخوال أبيه من النمر بن قاسط، وكان عامله على جباية ما كان للعرب في البحرين؛ أن يقطع أيديهما ويقتلهما، وقال لهما: إني كتبت لكما
стр. 660
بالحباء والكرامة. فلما بلغا محلمًا، وهو خليج بين الصفا والمشقر، ألقيا ثيابهما في سفينة وانحدرا، وكان المتلمس أسن من طرفة، فقال: ويحك يا طرفة، قد أنكرت نفسي أمر هذا الرجل، أما كان عنده ما يحبونا به حتى رمى بنا ما بين الحيرة وهجر؟ ! إنه ليريبني أمره! فأطعني، وفض خاتم كتابك وكتابي، ونعطيهما بعض الحاضرة، فإن يك فيهما ما نحب، وإلا ألقيناهما. فأبى طرفة أن يفعل، وأبى المتلمس إلا ارتيابًا له، وكان داهية، فمر به فتى، فقال له المتلمس: أتقرأ الكتب؟ قال: نعم، فدفع كتابه إليه، فإذا فيه ما يتخوف المتلمس، فقال لطرفة: ويلك أعطه كتابك يقرأه، فإن فيه مثل ما في كتابي، قال طرفة: ما حالي والله مثل حالك، لأن بني ثعلبة ليسوا كبني ضبيعة، فأخذ المتلمس كتابه فرمى به في الخليج وقال:
ألقيتها بالثِّني من جنب كافر ... كذلك أقنو كلَّ قطٍّ مضلَّل
الثني: منثنى النهر، وهو جانبه، والكافر هنا: النهر. ونجا المتلمس، فمضى هاربًا، وقال في ذلك:
من مبلغ الشعراء عن أخويهم ... نبًا فيصدقهم بذاك الأنفس
أودى الذي علق الصحيفة منهما ... ونجا حذار حبائه المتلمِّس
ألقى صحيفته ونجَّت كوره ... وجناء ليِّنة المفاصل عرمس
стр. 661
ثكلتك يا ابن العبد أمُّك سادرًا ... أبساحة الملك الهمام تمرَّس
ألق الصحيفة لا أبالك إنَّه ... يخشى عليك من الحباء النِّقرس
الكور بالضم: أداة الرحل، والعرمس: الصخرة، والحباء: العطية، والنقرس: داء يأخذ في الرِّجل، وهو هنا المكر والداهية. قال: ومضى طرفة حتى دخل بكتابه على صاحبه، فلما قرأ النمري كتابه قال: أتدري ما فيه؟ قال: نعم، فيه الحباء والكرامة لي، فحبسه، وكتب إلى عمرو: أبيت اللعن، جعلتني بهذا الموضع لأقتل لك بكر بن وائل؛ فاضممني إليك وابعث إلى موضعي من أحببت، فبعث عمرو رجلًا من بني تغلب، وأمره أن يقتل طرفه. فلما قدم التغلبي قال له طرفة: لي إليك حاجة؛ اسقني خمرًا حتى ترنحني الكأس، ثم تقطع رواهشي، ففعل به ذلك. فقبره بهجر يأتيه الفتيان فيطيفون به حتى الآن، ويشربون عنده حتى ينتهي إليه الكأس فيصبوها على قبره.
فغبر المتلمس زمينًا، فكلّم فيه عمرو، فقال: واللات لا يذوق حب العراق ما حييت، فبلغه ذلك، فقال وهو بمكة يحض بكرًا على عمرو:
يا آل بكر ألا لله أمُّكم
القصيدة؛ فلحق المتلمس بالشام يختلف بين دمشق ومصر، وتغنّى الركبان بقوله:
طال الثَّواء وثوب العجز ملبوس
والمتلمس: شاعر مشهور جاهلي مفلق مقل، ذكره ابن سلام في الطبقة السابعة من شعراء الجاهلية مع سلامة بن جندل، والحصين بن الحمام، والمسيب ابن علس. وقد اتفق علماء الشعر على أن هؤلاء الثلاثة أشعر المقلين في الجاهلية، وأن المتلمس أشعرهم. ولقب بالمتلمس لقوله من قصيدة:
стр. 662
وذاك أوان العرض حيَّ ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمِّس
والعرض: بالكسر: واد باليمامة، والأزرق: الذباب الأخضر الضخم في الروضة، ولا يكون إلا في زمن الخصب. والمتلمس الذي يتلمس الشيء، أي: يطلبه.
وصحيفته يضرب بها المثل، يقال: كصحيفة المتلمس، لما ظاهره خير، وباطنه شر. وما أحسن قوله آخر أبيات:
وأعلم علم حقِّ غير ظنٍّ ... لتقوى الله من خير العتاد
وحفظ المال أيسر من بغاه ... وضرب في البلاد بغير زاد
وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير على الفساد
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثلاثون بعد المائة:
(١٣٨) فقال فريق القوم لمَّا نشدتهم ... نعم وفريق ليمن الله ما ندري
على أنقوله: ليمن الله، يرد على الكوفيين في زعمهم أن ألف أيمن ألف قطع. قال سيبويه: وزعم يونس أن ألف أيم موصولة، وكذلك تفعل بها العرب، وفتحوا الألف كما فتحوا الألف التي في الرجل، وكذلك أيمن، قال الشاعر:
وقال فريق القوم لمّا نشدتهم ... البيت
سمعناه هكذا من العرب. انتهى. وقال قبله بسطرين: تقول: لعمر الله
стр. 663
لأفعلنّ، وأيم الله لأفعلن، وبعض العرب يقول: أيمن الكعبة لأفعلن، فكأنه قال: لعمر الله المقسم به، وكذلك أيم وأيمن، إلا أن ذا أكثر في كلامهم، فحذفوه كما حذفوا غيره، وهو أكثر من أن أصفه لك. انتهى.
قال أبو علي في تعليقته على "كتاب سيبويه" قولهم: ليمن الله يدل على أن الألف ألف وصل سقطت لما اتصل بما قبله، أعني باللام التي تدخل على المبتدأ كما تسقط ألف ابن في قولك: لابن زيد ظريف، ولو قال قائل: إن أيمن جمع يمين، لكان مخطئًا، لأنه لو كان كذلك لثبتت في الدرج ولم تسقط، لأن ألف أفعل ليست بألف وصل، فهذا بيّن جدًا أنه ليس بجمع يمين. فإن قيل: إن الهمزة من قوله: "ليمن" مخففة، فلذلك حذفت، قيل: لو كانت مخففة لوجب أن تثبت مخففة؛ لأن ما قبلها متحرك، وإنما تحذف الهمزة في التخفيف إذا كان ما قبلها ساكنًا، كقولك: جيل في: جيال، واضرب باك، فإذا كان ما قبلها متحركًا، وكانت هي نفسها متحركة، أو ساكنة، لم تحذف، تقول في تخفيف سأل: سال، وفي تخفيف رأس راس، فلا تحذف الهمزة البتة، فعلى هذا لو كان أيمن جمعًا، لكان لايمن إذا خفف. انتهى كلامه.
وقول المصنف: ويلزمه الرفع بالابتداء، حققه أبو علي في "التعليقة" فقال: "لعمر الله": اسم مبتدأ، وخبره محذوف، واللام في لعمر الله لام الابتداء، ولذلك قالوا: إن المحذوف من هذه الجملة هو الخبر دون الابتداء، لأن لام الابتداء إنما تدخل على المبتدأ، ولا تدخل على الخبر إلا في ضرورة شعر، نحو:
أمُّ الحليس لعجوز شهر به
стр. 664
وإنما أقسم بالجملة التي هي من المبتدأ والخبر، كما أقسم بالجملة التي هي من الفعل والفاعل، لأن الجمل هذان قسماها، وحذف من كلا الجملتين لدلالة ما بقي منها على ما حذف، فأما التي من الفاعل والفعل فحذفت بأسرها، وأما التي من المبتدأ فحذف بعضها، لأن الذي أبقي منها دال على ما حذف منها. انتهى كلامه.
وهذا الحكم مطرد في ليمن، وبه يرد على ابن عصفور في تجويز كونه خبرًا لمبتدأ محذوف. وقول المصنف: ولابن مالك في إجازة إضافته إلى الكعبة، أي: وخلافًا لابن مالك في تجويزه ذلك، ويرده قول سيبويه: وبعض العرب يقول: أيمن الكعبة لأفعلن هذا.
وفي البيت رواية أخرى مشهورة عند علماء البلاغة وهي:
فقال فريق القوم لا وفريقهم ... نعم وفريق قال ويحك ما ندري
وكذا رواه لامصنف في شرح أول البيت الثالث من قصيدة بانت ساد، وقال: قد استوفى ما يذكر في جواب الأسئلة. وقال ابن رشيق في "العمدة": ومن التقسيم الجيد قول نصيب، لم يبق جواب سائل إلا أتى به، فاستوفى جميع الأقسام، وزعم قوم أنه أفضل بيت وقع فيه تقسيم. وقال عبد اللطيف البغدادي في "شرح نقد الشعر" لقدامة: هذه قسمة من نفس الأمر وطبيعته، ولو أراد إنسان أن يتحيل قسمًا رابعًا لما أمكنه، ويقال لهذا في علم البديع: صحة التقسيم.
وعرفه ابن أبي الإصبع في "تحرير التحبير" بقوله: هو عبارة عن استيفاء
стр. 665
المتكلم أقسام المعنى الذي هو آخذ فيه بحيث لا يغادر شيئًا، ومثل بآيات وأبيات. والبيت من قصيدة لنصيب، أنشد بعضها القالي في "أماليه" ورواها أبو محمد الأعرابي في "فرحة الأديب" وهي:
ألا يا عقاب الوكر وكر ضرَّية ... سقيت الغوادي من عقاب على وكر
أبيني لنا لا زال ريشك ناعمًا ... ولا زلت من طير مخضَّبة الظُّفر
رأيتك في طير تروقين فوقها ... بمنعرج الوادي المحقَّف ذي السِّدر
تمرُّ الليالي ما مررن ولا أرى ... مرور الليالي منسياتي ابنة النَّضر
تقول صلنِّي واهجرِّني وقد ترى ... إذا هجرت أن لا وصال مع الهجر
فلم أرض ما قالت ولم أبد سخطةً ... وضاق بها جمجمت من حبِّها صدري
فهل أنا إلَّا مثل سيِّقة العدى ... إن استقدمت نحر وإن جبأت عقر
ظللت بذي دوران أنشد ناقتي ... ومالي عليه من قلوص ولا بكر
وما أنشد الرُّعيان إلاَّ تعلَّةً ... بواضحة الأنياب طيِّبة النَّشر
فقال لي الرُّعيان لم تلتبس بنا ... فقلت بلى قد كنت منها على ذكر
وقد ذكرت لي بالكثيب موالفًا ... قلاص سليم أو قلاص بني وبر
فقال فريق لا وقال فريقهم ... نعم وفريق قال ويحك ما ندري
стр. 666
أما والَّذي حجَّ الملُّبون بيته ... وعظَّم آيات الذَّبائح والنَّحر
لقد زادني للجفر حبًّا وأهله ... ليالٍ أقامتهنَّ ليلى على الجفر
فهل يؤثمنِّي الله في أن ذكرتها ... وعلّلت أصحابي بها ليلة النَّفر
وطرت وما بين من سأم ومن كرى ... وما بالمطايا من كلال ومن فتر
وضرَّية: موضع قرب المدينة يضاف إليه الحمى فيقال: حمى ضرية، والمنعرج: اسم مفعول من انعرج الشيء، أي: انعطف، ومنعرج الوادي، منعطفه يمنة ويسرة، والمحقّق: الذي فيه حقق الرمل، وهو تلة، وجمجم الرجل - بجيمين - وتجمجم: إذا لم يبين كلامه، والسيّقة: هي الدابة التي تهب وتساق كالناقة، والنحر: الذبح، وجبأت، بالجيم والموحدة والهمز، في "الصحاح": جبأت عن الرجل جبءًا وجبوءًا: خنست عنه، وأنشد البيت. وعقر البعير بالسيف عقرًا: ضرب قوائمه به، لا يطلق العقر في غير القوائم، ودوران، بضم الدال المهملة، قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": دوران على بناء فعلان، قال ابن حبيب: دوران: ما بين قديد والجحفة، وأنشد هذا البيت، وبيت مالك ابن خالد الخناعي وهو قوله:
كأنِّي بذي دوران والجزع حوله ... إلى طرف المقراة راغية السَّقب
وبيتًا آخر لكثير، وفي "القاموس": وذو دوران، كحوران: موضع بين قدد والجحفة، فصاحب "القاموس" ضبطه بفتح الدال، وأبو عبيد بضمها،
стр. 667
وكذلك خالف الحازمي في "المؤتلف والمختلف من أسماء الأماكن" قال: دوران، بعد المفتوحة واو ساكنة بعدها راء: موضع بين قديد والجحفة، وذو دوران: موضع في شعر ابن قيس الرقيات:
نادتك والعيس سراع بنا ... مهبط ذي دوران فالقاع
ودوران بضمها: موضع عند الكوفة، كان به قصر لإسماعيل القسري أخي خالد القسري. انتهى.
والمراد هنا ما قاله أبو عبيد، وصاحب "القاموس" وإن كان بينهما مخالفة في الضم والفتح، وأرجع الضمير من "عليه" إليه مذكرًا باعتبار الموضع، وفي رواية "عليها" بالتأنيث باعتبار البقعة، والقلوص: الناقة الشابة، والبكر: الشاب من الإبل، والرعيان: جمع راعٍ، وأنشد في الموضعين: من نشدت الضلة نشدًا، إذا طلبتها وسألت عنها، والتعلة: التلهي بالشيء. والباء من قوله: بواضحة، متعلقة به، ولم تلتبس: لم تختلط ناقتك بإبلنا، والنشر: الرائحة، والذكر بالكسر: يعني ذكر لي أنها مع إبلكم، والكثيب: موضع، وموالفًا بفتح الميم: جمع مولفة، كمواخر جمع موخرة الرحل، ومولفة: اسم فاعل من آلفت الظباء الرمل؛ إذا ألفته، قال ذو الرمة:
من المولفات الرَّمل أدماء حرَّة ... شعاع الضُّحى في متنها يتوضَّح
وقوله: نعم، أي: قد عرفنا صحة ما تقول، وهي في الموضع الذي ذكرته،
стр. 668
وقوله: ما ندري، أي: ما عندنا خبر. ذكر أنه تعرض لزيارة حبيبته، فجعل ينشد ناقة ضلت له مخافة أن ينكر عليه مجيئه.
ومعنى الأبيات: جعلت حاجتي بذي دوران كأني أطلب قلوصًا ضاعت مني، وما لي هناك من قلوص ولا بكر، وإنما جعلت ذلك تعلة لطلب معشوقتي، والإتيان إلى أرضها، فورَّى عنها بالقلوص والبكر، وهو يريدها، فلما أحست الرعيان به قالوا له: ما لك؟ فقال لهم: إن قلوصي ضاعت، فهل لكم بها خبر؟ فقال له الرعيان: لم تختلط قلوصك بإبلنا، فقال لهم: بلى، قد ذكرت لي أنها بالكثيب ترعى مع قلاص بني سليم، أو بني وبر، فمن الرعيان من شك بعد الجحد، فقال: نعم هي هناك، ومنهم من قال: ما ندري أذلك صحيح أم لا.
والجفر، بفتح الجيم وسكون الفاء، قال ياقوت في "معجم البلدان": هو موضع بناحية ضرية من نواحي المدينة، كان به ضيعة لأبي عبد الجبار سعيد بن سليمان، كان يكثر الخروج إليها فسمي الجفري.
وقوله: فهل يؤثمني الله، يقال: آثمته - بالمد -: إذا أوقعته في الإثم، وروي: "فهل يأثمني الله" من أثمته أثمًا، من بابي ضرب وقتل: إذا جعلته آثمًا. وعللت: ألهيت، وليلة النفر: هي الليلة التي ينفر الحاج من منى في صباحها، أي: يدفعون منها، والكرى: النعاس، والجنوح: الميل والتكاسل من شدة السير، والفتر: هو الفتور، ضد النشاط.
ونصيب: بضم النون وفتح الصاد، قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء":
стр. 669
هو مولى بني كعب بن ضمرة من كنانة، وقال آخرون: هو من بليّ من قضاعة، وكان حبشيًا وأمه سوداء، ويقال: إن سيدها وقع عليها فأولدها نصيبًا، فوثب عليه عمه بعد موت أبيه، فاستعبده وباعه عبد العزيز بن مروان.
وقال صاحب "الأغاني": كان نصيب شاعرًا فحلًا فصيحًا مقدمًا في النسيب والمديح، ولم يكن له حظ في الهجاء. وقال اللخمي في "شرح أبيات الجمل": هو نصيب بن رباح الأكبر، وكان عبدًا أسود لرجل من أهل القرى، فكاتب على نفسه، ثم أتى عبد العزيز بن مروان، فمدحه فوصله عبد العزيز، وأدى عنه ما كاتب به، فصار له ولاؤه.
وروى القالي في "أماليه" عن الأصمعي قال: دخل نصيب على عبد الملك ابن مروان، فعاتبه على قلة زيارته، فقال: يا أمير المؤمنين! أنا عبد أسود، ولست من معاشري الملوك، فدعاه إلى النبيذ، فقال: يا أمير المؤمنين: أنا أسود البشرة، قبيح النظرة، وإنما وصلت إلى مجلس أمير المؤمنين بعقلي، فإن رأى أن لا يدخل عليه ما يزيله فعل! فأعفاه ووصله.
وسمي نصيبًا لأنه لما ولد قال سيده: ائتونا بمولودنا ننظر إليه، فلما أتي به قال: إنه لمنصَّب الخلق، فسمي نصيبًا. وكان شاعرًا إسلاميًا حجازيًا من شعراء بني مروان، وكان عفيفًا، يقال: إنه لم ينسب قط إلا بامرأته. وقيل: كان من أهل ودّان، عبدًا لرجل من كنانة، ونصيب هذا هو الأكبر، ولهم نصيب الأصغر، وهو شاعر، مولى المهدي بن منصور.
روي أن الفرزدق دخل على سليمان بن عبد الملك، وعنده نصيب الأسود،
стр. 670
فقال: أنشدنا يا أبا فراس، وأحب أن ينشده بعض ما امتدحه به، فأنشده:
وركب كأنَّ الرِّيح تطلب منهم ... لها ترةً من جذبها بالعصائب
سروا يركبون الريح وهي تلفُّهم ... إلى شعب الأكوار ذات الحقائب
إذا استوضحوا نارًا يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب
فغضب سليمان، وقال لنصيب: أنشد مولاك يا نصيب، فأنشده:
أقول لركب صادرين لقيتهم ... قفا ذات أو شال ومولاك قارب
قفوا خبِّروني عن سليمان إنَّني ... لمعروفه من أهل ودَّان طالب
فعاجوا فأنثنوا بالَّذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
فقال سليمان للفرزدق: كيف تراه؟ فقال: هو أشعر أهل جلدته، فقال سليمان: وأهل جلدتك، فخرج الفرزدق، وهو يقول:
وخير الشِّعر أشرفه رجالًا ... وشرُّ الشِّعر ما قال العبيد
следующие страницы →