Полный текст (2 797 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
أما والَّذي حجَّ الملُّبون بيته ... وعظَّم آيات الذَّبائح والنَّحر
لقد زادني للجفر حبًّا وأهله ... ليالٍ أقامتهنَّ ليلى على الجفر
فهل يؤثمنِّي الله في أن ذكرتها ... وعلّلت أصحابي بها ليلة النَّفر
وطرت وما بين من سأم ومن كرى ... وما بالمطايا من كلال ومن فتر
وضرَّية: موضع قرب المدينة يضاف إليه الحمى فيقال: حمى ضرية، والمنعرج: اسم مفعول من انعرج الشيء، أي: انعطف، ومنعرج الوادي، منعطفه يمنة ويسرة، والمحقّق: الذي فيه حقق الرمل، وهو تلة، وجمجم الرجل - بجيمين - وتجمجم: إذا لم يبين كلامه، والسيّقة: هي الدابة التي تهب وتساق كالناقة، والنحر: الذبح، وجبأت، بالجيم والموحدة والهمز، في "الصحاح": جبأت عن الرجل جبءًا وجبوءًا: خنست عنه، وأنشد البيت. وعقر البعير بالسيف عقرًا: ضرب قوائمه به، لا يطلق العقر في غير القوائم، ودوران، بضم الدال المهملة، قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": دوران على بناء فعلان، قال ابن حبيب: دوران: ما بين قديد والجحفة، وأنشد هذا البيت، وبيت مالك ابن خالد الخناعي وهو قوله:
كأنِّي بذي دوران والجزع حوله ... إلى طرف المقراة راغية السَّقب
وبيتًا آخر لكثير، وفي "القاموس": وذو دوران، كحوران: موضع بين قدد والجحفة، فصاحب "القاموس" ضبطه بفتح الدال، وأبو عبيد بضمها،
стр. 667
وكذلك خالف الحازمي في "المؤتلف والمختلف من أسماء الأماكن" قال: دوران، بعد المفتوحة واو ساكنة بعدها راء: موضع بين قديد والجحفة، وذو دوران: موضع في شعر ابن قيس الرقيات:
نادتك والعيس سراع بنا ... مهبط ذي دوران فالقاع
ودوران بضمها: موضع عند الكوفة، كان به قصر لإسماعيل القسري أخي خالد القسري. انتهى.
والمراد هنا ما قاله أبو عبيد، وصاحب "القاموس" وإن كان بينهما مخالفة في الضم والفتح، وأرجع الضمير من "عليه" إليه مذكرًا باعتبار الموضع، وفي رواية "عليها" بالتأنيث باعتبار البقعة، والقلوص: الناقة الشابة، والبكر: الشاب من الإبل، والرعيان: جمع راعٍ، وأنشد في الموضعين: من نشدت الضلة نشدًا، إذا طلبتها وسألت عنها، والتعلة: التلهي بالشيء. والباء من قوله: بواضحة، متعلقة به، ولم تلتبس: لم تختلط ناقتك بإبلنا، والنشر: الرائحة، والذكر بالكسر: يعني ذكر لي أنها مع إبلكم، والكثيب: موضع، وموالفًا بفتح الميم: جمع مولفة، كمواخر جمع موخرة الرحل، ومولفة: اسم فاعل من آلفت الظباء الرمل؛ إذا ألفته، قال ذو الرمة:
من المولفات الرَّمل أدماء حرَّة ... شعاع الضُّحى في متنها يتوضَّح
وقوله: نعم، أي: قد عرفنا صحة ما تقول، وهي في الموضع الذي ذكرته،
стр. 668
وقوله: ما ندري، أي: ما عندنا خبر. ذكر أنه تعرض لزيارة حبيبته، فجعل ينشد ناقة ضلت له مخافة أن ينكر عليه مجيئه.
ومعنى الأبيات: جعلت حاجتي بذي دوران كأني أطلب قلوصًا ضاعت مني، وما لي هناك من قلوص ولا بكر، وإنما جعلت ذلك تعلة لطلب معشوقتي، والإتيان إلى أرضها، فورَّى عنها بالقلوص والبكر، وهو يريدها، فلما أحست الرعيان به قالوا له: ما لك؟ فقال لهم: إن قلوصي ضاعت، فهل لكم بها خبر؟ فقال له الرعيان: لم تختلط قلوصك بإبلنا، فقال لهم: بلى، قد ذكرت لي أنها بالكثيب ترعى مع قلاص بني سليم، أو بني وبر، فمن الرعيان من شك بعد الجحد، فقال: نعم هي هناك، ومنهم من قال: ما ندري أذلك صحيح أم لا.
والجفر، بفتح الجيم وسكون الفاء، قال ياقوت في "معجم البلدان": هو موضع بناحية ضرية من نواحي المدينة، كان به ضيعة لأبي عبد الجبار سعيد بن سليمان، كان يكثر الخروج إليها فسمي الجفري.
وقوله: فهل يؤثمني الله، يقال: آثمته - بالمد -: إذا أوقعته في الإثم، وروي: "فهل يأثمني الله" من أثمته أثمًا، من بابي ضرب وقتل: إذا جعلته آثمًا. وعللت: ألهيت، وليلة النفر: هي الليلة التي ينفر الحاج من منى في صباحها، أي: يدفعون منها، والكرى: النعاس، والجنوح: الميل والتكاسل من شدة السير، والفتر: هو الفتور، ضد النشاط.
ونصيب: بضم النون وفتح الصاد، قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء":
стр. 669
هو مولى بني كعب بن ضمرة من كنانة، وقال آخرون: هو من بليّ من قضاعة، وكان حبشيًا وأمه سوداء، ويقال: إن سيدها وقع عليها فأولدها نصيبًا، فوثب عليه عمه بعد موت أبيه، فاستعبده وباعه عبد العزيز بن مروان.
وقال صاحب "الأغاني": كان نصيب شاعرًا فحلًا فصيحًا مقدمًا في النسيب والمديح، ولم يكن له حظ في الهجاء. وقال اللخمي في "شرح أبيات الجمل": هو نصيب بن رباح الأكبر، وكان عبدًا أسود لرجل من أهل القرى، فكاتب على نفسه، ثم أتى عبد العزيز بن مروان، فمدحه فوصله عبد العزيز، وأدى عنه ما كاتب به، فصار له ولاؤه.
وروى القالي في "أماليه" عن الأصمعي قال: دخل نصيب على عبد الملك ابن مروان، فعاتبه على قلة زيارته، فقال: يا أمير المؤمنين! أنا عبد أسود، ولست من معاشري الملوك، فدعاه إلى النبيذ، فقال: يا أمير المؤمنين: أنا أسود البشرة، قبيح النظرة، وإنما وصلت إلى مجلس أمير المؤمنين بعقلي، فإن رأى أن لا يدخل عليه ما يزيله فعل! فأعفاه ووصله.
وسمي نصيبًا لأنه لما ولد قال سيده: ائتونا بمولودنا ننظر إليه، فلما أتي به قال: إنه لمنصَّب الخلق، فسمي نصيبًا. وكان شاعرًا إسلاميًا حجازيًا من شعراء بني مروان، وكان عفيفًا، يقال: إنه لم ينسب قط إلا بامرأته. وقيل: كان من أهل ودّان، عبدًا لرجل من كنانة، ونصيب هذا هو الأكبر، ولهم نصيب الأصغر، وهو شاعر، مولى المهدي بن منصور.
روي أن الفرزدق دخل على سليمان بن عبد الملك، وعنده نصيب الأسود،
стр. 670
فقال: أنشدنا يا أبا فراس، وأحب أن ينشده بعض ما امتدحه به، فأنشده:
وركب كأنَّ الرِّيح تطلب منهم ... لها ترةً من جذبها بالعصائب
سروا يركبون الريح وهي تلفُّهم ... إلى شعب الأكوار ذات الحقائب
إذا استوضحوا نارًا يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب
فغضب سليمان، وقال لنصيب: أنشد مولاك يا نصيب، فأنشده:
أقول لركب صادرين لقيتهم ... قفا ذات أو شال ومولاك قارب
قفوا خبِّروني عن سليمان إنَّني ... لمعروفه من أهل ودَّان طالب
فعاجوا فأنثنوا بالَّذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
فقال سليمان للفرزدق: كيف تراه؟ فقال: هو أشعر أهل جلدته، فقال سليمان: وأهل جلدتك، فخرج الفرزدق، وهو يقول:
وخير الشِّعر أشرفه رجالًا ... وشرُّ الشِّعر ما قال العبيد
стр. 671
وهذا البيت رأيته آخر قصيدة طويلة للنابغة الشيباني:
حرف الباء المفردة
أنشد فيه، وهو الإنشاد التاسع والثلاثون بعد المائة:
(١٣٩) وبات على النّار النّدى والمحلَّق
على أن المراد بالاستعلاء هنا الاستعلاء المجازي، لأن الندى والمحلق لم يمسا النار، وإنما هما بمكان قريب منها. وأورده صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) [طه/ ١٠] على أن معنى الاستعلاء فيها أن أهل النار يستعملون المكان القريب منها، كما قال سيبويه في: مررت بزيد، أنه لصوق في مكان يقرب من زيد، ولأن المصطلين بها إذا تكنفوها قيامًا وقعودًا، كانوا مشرفين عليها. انتهى. ومنه أخذ المصنف كلامه، والمصراع من قصيدة للأعشى ميمون البكري، وقبله وهو أول المديح:
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوءٍ نارٍ في يفاعٍ تحرَّق
تشبُّ لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار النَّدى والمحلَّق
رضيعي لبان ثدي أمٍّ تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرَّق
ترى الجود يجري ظاهرًا فوق وجهه ... كما زان متن الهنداونِّي رونق
يداه يدا صدق فكفٌّ مبيدة ... وكفٌّ إذا ما ضنَّ بالمال تنفق
стр. 672
وأمَّا إذا ما المحل سرَّح مالهم ... ولاح لهم وجه العشيَّات سملق
نفى الذَّمَّ عن آل المحلَّق جفنة ... كجابية الشَّيخ العراقيِّ تفهق
ترى القوم فيها شارعين ودونهم ... من القوم ولدان من النَّسل دردق
يروح فتى صدق ويغدو عليهم ... بملء جفان من سديف تدفَّق
طويل اليدين رهطه غير ثنية ... أشمُّ كريم جاره لا يرهَّق
وهذا آخر القصيدة. ومن أول القصيدة إلى أول المديح أكثر من أربعين بيتًا.
روى شارح ديوانه، وصاحب "الأغاني" والرياشي وغيرهم: أن الأعشى كان يوافي سوق عكاظ في كل سنة، وكان المحلق – واسمه عبد العزى بن حنتم بن شداد من بني عامر بن صعصعة -، مئناثًا مملقًا، فقالت له امرأته: يا أبا كلاب! هذا يمنعك من التعرض لهذا الشاعر؟ فما رأيت أحدًا مدحه إلا رفعه! ولا هجا أحدًا إلا وضعه! هو رجل مفوَّه مجدود الشعر، وأنت رجل، كما علمت، خامل الذكر ذو بنات، فإن سبقت الناس إليه فدعوته إلى الضيافة، رجوت لك حسن العاقبة! قال: ويحك، ما عندنا إلا ناقة نعيش بها! قالت: إن الله يخلفها عليك، قال: لابد له من شارب، قالت: إن عندي ذخيرة لي، ولعلي أجمعها، فتلقَّه قبل أن تسبق إليه. ففعل، وخرج إلى الأعشى، فوجد ابنه يقود ناقته، فأخذ زمامها منه، فقال الأعشى: من هذا الذي غلبنا على خطام ناقتنا؟ قيل: المحلق، قال: شريف كريم، وقال لابنه: خلِّه يقتادها، فاقتادها إلى منزله، فنحر له ناقته، وكشف له عن سنامها وكبدها، ووجد امرأته قد خبزت خبزًا، وأخرجت نحي سمن، وجاءت بوطب لبن، فلما أكل الأعشى وأصحابه، وكان في عصابة قيسية، قدم إليه الشراب،
стр. 673
واشتوى له من كبد الناقة، وأطعمه من أطائبها. فلما أخذه الشراب سأله عن حاله وعياله، فعرف البؤس في كلامه، وأحاطت به بناته يغمزنه ويمسحنه، فقال: ما هذه الجواري حوالي؟ قال: بنات أخيك، وهن ثمان. قال: أما والله لئن بقيت لهن لأدعن شريدتهن قليلةّ وخرج ولم يقل فيه شيئًا. ووافى المحلق عكاظ، فإذا هو بسرحة قد اجتمع الناس عليها، وإذا الأعشى يقول:
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة
إلى آخر القصيدة. فسلم عليه المحلق، فقال: مرحبًا بسيد قومه، ونادى يا معاشر العرب! هل فيكم مذكر يزوج ابنه ببنات هذا الشريف الكريم؟ فما قام من مقعده حتى خطبت بناته جميعًا.
قوله: لقد لاحت: نظرت وتشوفت إلى هذي النار، واليفاع: بالفتح: الموضع العالي، وجعلها في يفاع لأنه أشهرها؛ لأنها تصيبها الرياح فتشتعل. وهذه النار نار الضيافة، كانوا يوقدونها على الأماكن المرتفعة؛ لتكون أشهر وربما يوقدونها بالمندلي الرطب، وهو عطر ينسب إلى مندل، وهو بلد من بلاد الهند، ونحوه مما يتبخر به، ليهتدي إليها العميان، وأشعارهم ناطقة بذلك.
ونيران العرب على ما في كتاب "الأوائل" لإسماعيل الموصلي اثنا عشر نارًا:
أحدها: هذه، وهي نار القرى توقد لاستدلال الأضياف بها على المنزل. وأول من أوقد النار بالمزدلقة حتى يراها من دفع من عرفة قصي بن كلاب.
الثانية: نار الاستمطار، كانت العرب في الجاهلية إذا احتبس عنهم المطر يجمعون البقر ويعقدون في أذنابها وعراقيبها السِّلع والعشر، ويصعدون بها في
стр. 674
الجبل الوعر، ويشعلون فيها النار ويزعمون أن ذلك من أسباب المطر، ويأتي إن شاء الله تعالى شرحه مستوفى في بحث ما الزائدة.
الثالثة: نار التحالف، كانوا إذا أرادوا الحلف أوقدوا نارًا وعقدوا حلفهم عندها، ودعوا بالحرمان والمنع من خيرها على من ينقض العهد، ويحل العقد.
الرابعة: نار الطرد، كانوا يوقدونها خلف من يمضي ولا يشتهون رجوعه.
الخامسة: نار الأهبة للحرب، كانوا إذا أرادوا حربًا، أو توقعوا جيشًا، أوقدوا نارًا على جبلهم، ليبلغ الخبر فيأتونهم.
السادسة: نار الصيد، وهي نار توقد للظباء لتعشى إذا نظرت إليها، ويطلب بها أيضًا بيض النِّعام.
السابعة: نار الأسد، يوقدونها إذا خافوه، وهو إذا رأى النار استهالها، فشغلته عن السابلة. وقال بعضهم: إذا رأى الأسد النار حدث له فكر يصده عن إرادته. والضفدع إذا رأى النار تحيّر وترك النقيق.
الثامنة: نار السليم توقد للملدوغ إذا سهر، وللمجروح إذا نزف، وللمضروب بالسياط، ولمن عضه الكلب الكليب، لئلا يناموا فيشتد بهم الأمر، ويؤدي للهلاك.
التاسعة: نار الفداء، وذلك أن الملوك إذا سبوا القبيلة خرجت السادة للفداء، فكرهوا أن يعرضوا النساء نهارًا فيفتضحن، وفي الظلمة يخفى قدر ما يحبسون لأنفسهم من الصَّفيّ. [فيوقدون النار لعرضهن].
العاشرة: نار الوسم، وهو الكي للدابة، ويأتي شرحه إن شاء الله تعالى قريبًا بعد أبيات.
الحادية عشرة: نار الحرّتين، كانت في بلاد عبس، فإذا كان الليل فهي نار
стр. 675
تسطع، وفي النهار دخان يرتفع وربما ندر منها عنق فأحرق من مر بها، فحفر لها خالد بن سنان فدفنها، فكانت معجزة له.
الثانية عشرة: نار السعالي، وهي شيء يقع للمتغرب والمتقفر. قال أبو المطراب عبيد بن أيوب:
ولله درُّ الغسول أيُّ رفيقة ... لصاحب دوٍّ خائف متقفِّر
أرنَّت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حواليَّ نيرانًا تبوخ وتزهر
وأما نار الحباحب: فكل نار لا أصل لها، مثل ما ينقدح من نعال الدواب
стр. 676
وغيرها. وأما نار اليراعة: فهي طائر صغير إذا طار بالليل حسبته شهابًا، وضرب من الفراش إذا طار بالليل حسبته شرارًا.
وأول من أورى نارها أبو حباحب بن كلب بن وبرة، فقالوا: نار أبي حباحب، ومن حديثه ما ذكر عن ابن الكلبي قال: كان أبو حباحب رجلًا من العرب في سالف الدهر بخيلًا، لا توقد له نار بليل مخافة أن يقتبس منها، فإن أوقدها ثم أبصرها مستضيء، أطفأها، فضربت العرب به المثل في البخل والخلف، فقالوا: أخلف من نار أبي حباحب. هذا ما ذكره الموصلي تبعًا للعسكري، وقال ابن الشجري في "أماليه": حباحب: رجل كان لا ينتفع بناره لبخله، فنسب إليه كل نار لا ينتفع بها، فقيل لما تقدحه حوافر الخيل على الصفا: نار الحباحب. قال النابغة في وصف السيوف:
ويوقدون بالصُّفَّاح نار الحباحب
وقال القطامي:
ألا إنَّما نيران قيس إذا شتوا ... لطارق ليل مثل نار الحباحب
стр. 677
وجعل الكميت اسمه كنية للضرورة في قوله:
يرى الرّاؤون بالشّفرات منها ... كنار أبي الحباحب والظُّبينا
انتهى. وهذا هو التحقيق، وزاد الصفدي في شرح "لامية العجم" نار الغدر، قال: كانوا إذا غدر الرجل بجاره أوقدوا له نارًا بمنى أيام الحج، ثم صاحوا: هذه غدرة فلان، وعد نار المزدلفة التي أول من أوقدها قصيّ، قسمًا مستقلًا، وجعل عدة النيران أربعة عشر نارًا.
وقوله: تحرق؛ روي بالبناء للمفعول وبالبناء للمعلوم، والمفعول محذوف وهو الحطب.
وقوله: تشب لمقرورين، أي: توقد، والمقرور: الذي أصابه القر، وهو البرد، والاصطلاء: افتعال من صلي النار وصلي بها، من باب تعب: إذا وجد حرها، والصلاء ككتاب: حر النار.
وقوله: وبات على النار ... إلخ، بات: له معنيان، أشهرهما ما قاله الفراء: بات الرجل: إذا سهر الليل كله في طاعة أو معصية، وهو المراد هنا، والثاني: بمعنى صار، يقال: بات بموضع كذا، أي: صار به، سواء كان في ليل أو نهار، والندى: الجود والكرم.
والمحلق: هو الممدوح، واسمه عبد العزى من بني عامر بن صعصعة كما تقدم، وهو جاهلي، وقال العسكري في "التصحيف": المحلق الذي مدحه الأعشى مفتوح
стр. 678
اللام، هو اسمه، وهو المحلق بن جزء، من بني عامر بن صعصعة. وقد خالف الجمهور في قوله أن المحلق اسمه، فإنهم قالوا: اسمه عبد العزى بن حنتم بن شداد بن ربيعة بن عبد الله بن عبيد، وهو أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
وسمي محلقًا لأن فرسه عضه، فصار موضع عضه كالحلقة، فقيل له: المحلق. وقال ابن السيد البطليوسي في "شرح أبيات الجمل": وسمي المحلق لأن بعيرًا عضه في وجهه، فصار فيه كالحلقة، وقيل: بل كوى نفسه بكية شبه الحلقة، وزاد اللخمي: لأنه كان يأتي موضع الحلاق بمنى. وحكى الموصلي أنه أصابه داء فاكتوى على حلقه، فسمي المحلق. وروى أبو عبيدة: المحلق بكسر اللام، وروى الأصبهاني بفتحها.
أقول: الذي رواه الصاغاني في "العباب" عن أبي عبيدة فتح اللام، وقال: لقّب المحلق لأن حصانًا له عضه في خده، فكانت العضة مثل الحلقة. وقال غيره: بل كان أصابه سهم غرب، فكوي بحلقة مقراض، فبقي أثرها في وجهه. انتهى.
وقوله: كان يأتي موضع الحلاق، ذلك الموضع يقال له المحلق، بفتح اللام أيضًا، قال الفرزدق:
بمنزلة بين الصَّفا كنتما بها ... وزمزم والمسعى وعند المحلَّق
وقال آخر:
كلاَّ وربِّ البيت والمحلَّق
قال ابن السيد: لما كان من شأن المتحالفين أن يتحالفوا على النار، جعل الندى
стр. 679
والمحلق كمتحالفين اجتمعا على نار، وذكر المقرورين لأن المقرور يعظم النار ويشعلها لشدة حاجته. وقد أخذ أبو تمام هذا المعنى وأوضحه فقال في مدحه الحسن ابن وهب:
قد أثقب الحسن بن وهب في النَّدى ... نارًا جلت إنسان عين المجتلي
موسومة للمهتدي مأدومة ... للمجتدي مظلومة للمصطلي
ما أنت حين تعدُّ نارًا مثلها ... إلاّ كتالي سورة لم تنزل
انتهى. وقال اللخمي: كان الناس يستحسنون هذا البيت للأعشى حتى قال الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
فسقط بيت الأعشى. وقال الدماميني في "المزج" وما أحسن قول شمس الدين محمد بن العفيف التلمساني مضمنًا:
وأهيف فاق الورد حسنًا بوجنة ... أنزّه طرفي في رياض جنانها
стр. 680
كأنّ بها من حول خاليه جمرة ... تشبُّ لمقرورين يصطليانها
وقوله: رضيعي لبان، منصوب على المدح، مثنى رضيع بمعنى مراضع واللبان بالكسر: لبن المرأة خاصة، واللبن عامة، وثدي بالجر: بدل من لبان، وتقاسما: تحالفا، أي: أقسم كل منهما لا يفارق صاحبه أبدًا، وعوض: ظرف مبني على الضم بمعنى أبدًا، واختلف في تفسير الأسحم هنا على سبعة أقوال: منها أنه الليل، وداج: مظلم. ويأتي إن شاء الله تعالى، شرح هذا البيت وما قيل فيه مفصلًا في بحث "عوض".
وأخذ الكميت معنى هذا البيت وبسطه في مدح مخلد بن يزيد، وقال:
ترى النَّدى ومخلدًا حليفين ... كانا معًا في مهده رضيعين
تنازعا فيه لبان الثَّديين
وقوله: وأما إذا ما المحل ... الخ، المحل: انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلأ. وسرح مالهم، أي: أطلقها وفرقها، والمال عند العرب: الإبل والبقر والغنم، والسملق كجعفر: القاع الصفصف، وقوله: نفى الذم ... إلخ، هو جواب إذا، والجفنة بالفتح، قصعة الطعام؛ فاعل نفى، والجابية بالجيم، قال الجوهري: هي الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل، وأنشد البيت.
قال المبرد في أول "الكامل": تفهق من قولهم: فهق الغدير؛ إذا امتلأ ماء، فلم يكن فيه موضع مزيد كما قال الأعشى: نفى الذم ... البيت. هكذا ينشده أهل البصرة، وتأويله عندهم: أن العراقي إذا تمكن من الماء ملأ جابيته، لأنه حضري، فلا يعرف مواضع الماء ولا محالّه. وسمعت أعرابيًا ينشد:
стр. 681
"كحابية السَّيح" بإهمال الطرفين، تريد النهر الذي يجري على جابيته، فماؤها لا ينقطع، لأن النهر يمده. انتهى.
وقيل: أراد بالشيخ العراقي كسرى، وحكاه أبو عبيد في كلام ذكره عن الأصمعي في شرح الحديث، وخص بالشيخ على تأويل المبرد، لأنه قد جرب الأمور، وقاسى الخير والشر، وهو يأخذ بالحزم في أحواله. ودردق، بدالين بينهما راء: الأطفال، يقال: ولدان دردق ودرادق، كذا في "العباب". والسديف: شحم السنام، وتدفق: أصله تتدفق بتائين. وقوله: طويل اليدين .. إلخ، اليدين: كناية عن كثرة معروفه، والثنية، بكسر المثلثة وسكون النون: يريد أنه سيد غير ثنيان، والثنيان: دون السيد وقريب منه.
وقد شرحنا هذه الأبيات بأبسط مما هنا في الشاهد الواحد والعشرين بعد الخمسمائة من شواهد الرضي، وقد شرحنا أبياتًا أخر من هذه القصيدة في الشاهد الرابع بعد المائتين، وفي الشاهد السابع والثمانين بعد الثلاثمائة. وترجمة الأعشى تقدمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة.
وأنشد بعده وهو الإنشاد الأربعون بعد المائة:
(١٤٠) ولقد أمرُّ على اللَّئيم يسبُّني
تمامه:
فمضيت ثمَّت قلت لا يعنيني
стр. 682
على أن المرور يتعدى بعلى أيضًا كما يتعدى بالباء. وأورده المصنف في الباب الثاني وفي الباب الخامس من أن اللئيم لتعرفه بأل الجنسية في معنى النكرة، فيجوز أن يكون جملة يسبني صفة له أو حالًا عنه.
وأنشده سيبويه على أن "أمرّ" قد وضع موضع مررت، وجاز أمرُّ في معنى مررت، لأنه لم يرد ماضيًا منقطعًا، وإنما أراد أن هذا أمره ودأبه، فجعله كالفعل الدائم. وقيل: معنى: ولقد أمر: ربما أمرّ، فالفعل على هذا في موضعه.
وأورده أبو علي في "الحجة" عند قوله تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [النحل/ ٤٠] ألا ترى أن قوله : (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [آل عمران/ ٥٩] لا يستقيم هذا المذهب فيه، أي: عطف "يكون" المنصوب على "نقول" المنصوب بأن في الآية السابقة، لأن قال ماض، ويكون مضارع، فلا يحسن عطفه عليه لاختلافهما.
فإن قلت: فلم لا يجوز عطف المضارع على الماضي، كما جاز عطف الماضي على المضارع في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني. البيت؟ ألا ترى أنه مضارع، ومضيت ماض، فكما جاز عطف الماضي على المضارع، كذا يجوز عطف "فيكون" على "خلقه".
قيل: لا يكون هذا بمنزلة البيت، لأن المضارع فيه في معنى المضي، والمراد به: ولقد مررت فمضيت، فجاز عطف الماضي على المضارع من حيث أريد بالمضارع المضي، وليس المراد بقوله: "فيكون" في الآية المضي، فيعطف فيه على الماضي. انتهى.
стр. 683
وقوله: ثمت، قلت: هي ثم العاطفة، وإذا كانت مع التاء اختصت بعطف الجمل، كذا قيل. وقوله: لا يعنيني، أي: لا يهمني، أو بمعنى لا يقصدني، وروي بدل هذا المصراع:
وأعفُّ ثمَّ أقول ما يعنيني
من عفَّ عن الشيء، من باب ضرب: إذا امتنع. ورواه المبرد في "الكامل" كذا:
فأجوز ثم أقول لا يعنيني
وهو أول بيتين لرجل من بني سلول، ثانيهما:
غضبان ممتلئًا عليَّ إهابه ... أنِّي وحقِّك سخطه يرضيني
وروى الأصمعي بيتين في هذا المعنى، وهما:
لا يغضب الحرُّ على سفلة ... والحرُّ لا يغضبه النَّذل
إذا لئيم سبَني جهده ... أقول زدني فلي الفضل
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد المائة:
(١٤١) تمرُّون الدِّيار ولم تعوجوا
تمامه:
كلامكم عليَّ إذًا حرام
على أن حرف الجر من الديار قد حذف، وانتصب الديار بالفعل قبله،
стр. 684
فإذا قدرناه بعلي يكون على مذهب الأخفش، أو بالباء يكون على مذهب غيره. قال أبو حيان في شرح "التسهيل": أي: عن الديار، وليس المعنى بالديار، لقوله: ولم تعوجوا. انتهى.
وهذا الحذف والإيصال عده ابن عصفور من الضرائر الشعرية، وقال الرضي: والأخفش الأصغر يجيز حذف الجار مع غير أن وأنّ أيضًا قياسًا إذا تعيّن الجار.
والأخفش الأصغر هو أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش، وهو تلميذ المبرد. وما نقله عنه مقيد بما إذا كان الفعل متعديًا بنفسه إلى واحد وإلى آخر بحرف جر، فحينئذ يجوز حذفه. وهذا كلامه فيما كتبه على "كامل المبرد" قال: فأما قوله:
وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني
فإنما يريد: لقضى علي الموت، كما قال الله تعالى: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ) [سبأ/ ١٤] فالموت في النية؛ وهو معلوم بمنزلة ما نطقت به، ومثله: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) [الأعراف/ ١٥٥] وكذلك قوله تعالى: (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) [المطففين/ ٣] والمعنى: إذا كالوا لهم، أو وزنوا لهم، أي: كالوا لهم الشيء ووزنوه لهم، والمكيل والموزون معلوم بمنزلة ما ذكر في اللفظ، ولا يجوز: مررت زيدًا، وأنت تريد: بزيد، لأنه لا يتعدى إلا بحرف، وذلك أنه فعل الفاعل في نفسه، وليس فيه دليل على مفعول، وليس هذا بمنزلة ما يتعدى إلى مفعولين فيتعدى إلى أحدهما بحرف الجر، وإلى الآخر بنفسه، لأن قولك: اخترت الرجال زيدًا، قد علم بذكرك زيدًا أن حر الجر محذوف من الأول، فأما قول جرير، وإنشاد أهل الكوفة له، وهو قوله:
تمرُّون الدِّيار ولم تعوجوا ... كلامكم عليَّ إذًا حرام
стр. 685
ورواية بعضهم له:
أتمضون الدِّيّار ولم تحيا
فليستا بشيء، لما ذكرت لك، والسماع الصحيح والقياس المطرد لا تعترض عليه الرواية الشاذة؛ أخبرنا أبو العباس محمد بن يزيد قال: قرأت على عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:
مررتم بالدِّيار ولم تعوجوا
فهذا يدلك على أن الرواية مغيَّرة. انتهى كلامه.
والبيت من قصيدة لجرير هجا بها الأخطل وهذا مطلعها:
متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيَّتها الخيام
إلى أن قال بعد ثلاثة أبيات:
أقول لصحبتي لمّا ارتحلنا ... ودمع العين منهمر سجام
أتمضون الرُّسوم ولا تحيَّى ... كلامكم عليَّ إذًا حرام
أقيموا إنَّما يوم كيوم ... ولكنَّ الرَّفيق له ذمام
بنفسي من تجنُّبه عزيز ... عليَّ ومن زيارته لمام
ومن أمسي وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النِّيام
أليس إذا طلبت فدتك نفسي ... قضاء أو لحاجتي انصرام قضاء أو لحاجتي انصرام
أتنسى إذ تودِّعنا سليمي ... بفرع بشامةٍ سقي البشام
стр. 686
إلى أن قال:
وتغلب لا يصاهرهم كريم ... ولا أخوال من ولدوا كرام
على أست التغلبَّية حين تجنى ... صليبهم وفي حرها الجذام
يسمَّون الفليس ولا يسمَّى ... لهم عبد المليك ولا هشام
لقد ولد الأخيطل أمُّ سوء ... على باب أستها صلب وشام
أهان الله جلدة حاجبيها ... وما وارى من القذر اللِّثام
قوله: متى كان الخيام، يأتي إن شاء الله تعالى شرحه في بحث الواو.
وقوله: أقول لصحبتي .. إلخ، الصحبة: مصدر أراد به الأصحاب، والمنهمر: المنسكب، والسجام بالكسر: مصدر سجم الدمع: إذا سال، وقوله: أتمضون الرسوم ... البيت، هكذا في ديوانه من رواية ابن حبيب، قال: أتمضون، أي: أتتركون، يقال: مضيت فلانًا: إذا جاوزته، ولم تسلم عليه، وكذلك: مضيت المنزل. انتهى. وكلامكم: مبتدأ، مصدر مضاف إلى مفعول، أي: كلامي إياكم، وحرام: خبر المبتدأ، وعلى متعلق بحرام، وتعوجوا: تعطفوا، يقال: عاج رأس بعيره: إذا عطفه بالزمام، وقوله: أقيموا إنما يوم ... إلخ، قال: يقول: أقيموا يومكم هذا، فإنكم تدركون في غد ما تطلبون في يومكم، فاقضوا ذمامي بالمقام. وقوله: ومن زيارته لمام، قال: يريد خيالها، واللمام: المرة في الحين.
وقوله: أتنسى إذ تودعنا ... إلخ، قال السيد المرتضى في "أماليه": دعا للبشام، وهو شجر، بالسقيا، لأنها ودعته عنده فسر بتوديعها. انتهى. وفي هامش نسخته، وهي نسخة قديمة: الصحيح أنها أشارت إليه بقضيب بشام مودعة، فدعا للبشام، لأن الوداع كان عنده.
стр. 687
وقوله: يسمون الفليس، قال: أراد: يسمون أولادهم فلس وفليس، ولا يسمون أسماء الخلفاء. وقوله: لقد ولد الأخيطل ... إلخ، أورده صاحب "الكشاف" شاهدًا لقراءة إبراهيم النخعي: (وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ) [الأنعام/ ١٠١] على أنه لم يؤنث الفعل المسند إلى المؤنث الحقيقي للفصل. والأخيطل: مصغر الأخطل، صغره تحقيرًا له، والصلب: جميع صليب، وشام: جمع شامة، وهي العلامة، يريد أن أمه فعلت فعل الموشمات، نقشت صورة الصليب في ذلك الموضع. وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد المائة:
(١٤٢) رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينًا لهم حتَّى إذا أنبت البقل
على أن أنبت فيه بمعنى نبت، قال الفراء في "تفسيره" عند قوله تعالى: (تَنبُتُ بِالدُّهْنِ) [المؤمنون/ ٢٠] وقرأ الحسن: (تَنبُتُ بِالدُّهْنِ)، وهما لغتان، يقال. نبت وأنبت، كقول زهير:
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... البيت.
стр. 688
وهو كقولك: مطرت السماء وأمطرت، وقد قرأ أهل الحجاز: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) [هود/ ٨] [موصولة] من: سريت، وقراءتنا: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) من أسريت، وقال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) [الإسراء/ ١] وفي قراءة عبد الله (تخرج الدُّهن) انتهى كلامه. ونقله عنه الجوهري، وكذا في كتاب "فعلت وأفعلت" للزجاج، قال: نبت البقل نباتًا إذا رفعته، وأنبت إنباتًا. وقال الأزهري في "تهذيب اللغة": ونبت الشيء ينبت نباتًا، وأجاز بعضهم: أنبت بمعنى نبت، وأنكره الأصمعي، وأجازه أبو عبيدة. واحتج بقول زهير: حتى إذا أنبت البقل، أي: نبت. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحضرمي (تنبت) بضم التاء وكسر الباء، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: (تنبت بالدهن) بفتح التاء، وقال الفراء: هما لغتان، وأنشد بيت زهير. انتهى. وقال أبو علي في "الحجة": أما من قرأ: (تنبت بالدهن) احتمل وجهين، أحدهما: أن يجعل الجار زائدًا، يريد: تنبت الدهن، كقوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة/ ١٩٥] وقد زيدت الباء مع الفاعل كما زيدت مع المفعول، وزيادتها مع المفعول به أكثر، وقد زيدت مع هذه الكلمة بعينها، قال:
стр. 689
بوادٍ يمانٍ ينبت الشَّثَّ حوله ... وأسفله بالمرخ والشَّبهان
حملوه على ينبت أسفله المرخ، وقد يجوز أن يكون الباء متعلقًا بغير هذا الفعل الظاهر. ويقدر مفعول محذوف تقديره: تنبت جناها أو ثمرتها وفيها دهن وصبغ، كما تقول: خرج بثيابه، وركب بسلاحه، ومن قرأ: (تنبت بالدهن) جاز أن يكون الجار فيه للتعدي: أنبته، ونبت به، ويجوز أن تكون الباء في موضع حال كما في الوجه الأول، ولا يكون للتعدي، وقد قالوا: أنبت في معنى نبت، فكأن الهمزة في أنبت مرة للتعدي ومرة لغيرها، والأصمعي ينكر أنبت، ويزعم أن قصيدة زهير التي فيها: "حتى إذا أنبت البقل" متهمة، وإذا جاء الشيء مجيئًا كان للقياس فيه مسلك فروته الرواة؛ لم يكن بعد ذلك فيه مطعن. انتهى كلام أبي علي. وراد تلميذه ابن جني في "المحتسب": فأما من ذهب إلى زيادة الباء، أي: تنبت الدهن، فمضعوف المذهب، وزادوا حرفًا لا حاجة به إلى اعتقاد زيادته مع ما ذكرناه من صحة القول عليه، أي: من تقدير المفعول، وكذلك قول عنترة:
شربت بماء الدُّحرضين
ليس عندنا على زيادة الباء وإنما هو على شربت في هذا الموضع ماء، فحذف
стр. 690
المفعول، وما أكثر وأعذب وأعرب حذف المفعول وأدلَّه على قوة الناطق به! هذا كلامه. وفيه تعسف.
وقال الحريري في "درة الغواص": أنبت في الآية بمعنى نبت كما في بيت زهير، وقيل: زائدة، فيكون تقدير الكلام: تنبت الدهن، أي: تخرج الدهن بعد إنبات الثمر الذي يخرج الدهن منه، فلما كان الفعل في المعنى قد تعاق بمفعولين يكونان في حال بعد حال، وهما الثمرة والدهن؛ احتيج إلى تقويته في التعدية بالباء. انتهى. قال شيخنا الشهاب الخفاجي في شرحها: قيل: هذا أحسن الأقوال.
وروى صعوداء في "شرح ديوان زهير" والأعلم الشنتمري في "شرح الأشعار الستة": حتى إذا نبت البقل، نبت بدون ألف على اللغة الشائعة، فلا شاهد فيه لمجيء أنبت بمعنى نبت.
والبيت من قصيدة لزهير بن أبي سلمى، مدح بن سنان ابن أبي حارثة المري، وقبله:
إذا السَّنة الشَّهباء بالناس أجحفت ... ونال كرام المال في الحجرة الأكل
السنة الشهباء: البيضاء من الجدب، لا يرى فيها خضرة. وقال الأعلم: الشهباء: البيضاء من الجدب لكثرة الثلج وعدم النبات. وروى صعوداء: "إذا السنة الحمراء" وقال: هي التي يحمر فيها آفاق السماء من شدة الجدب. وأجحفت
стр. 691
بتقديم الجيم على الحاء المهملة، أي: أضرت بهم، والجحرة، بفتح الجيم وسكون المهملة: السنة الشديدة البرد التي تجحر الناس في البيوت. وقوله: ونال كرام المال ... إلخ، يعني أن أصحابها ينحرونها ويأكلونها.
وقوله: رأيت ذوي الحاجات، نص أكثرهم على فتح التاء للخطاب، ويجوز ضمها. والحاجة: الفقر، والقطين: جمع القاطن، وهو الساكن في الدار، يعني أن الفقراء يلزمون بيوت هؤلاء القوم يعيشون في أموالهم حتى يخصب الناس وينبت البقل، وهو كل نبات اخضرت به الأرض، قال ابن فارس: وأبقلت الأرض: أنبتت البقل، وقال ابن قتيبة في كتاب "أبيات المعاني" بعد إنشاده هذا البيت: القطين: الحشم والأهل، يقول: يلزمونهم حتى يسمنون، وجمع القطين: قطن، وقال جرير يهجو رهط الأخطل:
هذا ابن عمّي في دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إليَّ قطينا
فقيل: يا أبا حزرة، ما وجدت في تميم مفخرًا تفخر به عليهم حتى فخرت بالخلافة! لا والله ما صنعت شيئًا في هجائهم. والقطين فيه: العبيد، والقطين في مكان آخر: السكان، قال الأخطل:
خفَّ القطين فراحوا منك أو بكروا
والقطان: المقيمون، واحدهم قاطن. انتهى كلام ابن قتيبة.
و"إذا" هنا مجردة عن الظرفية، قال أبو البقاء في "شرح الإيضاح"
стр. 692
لأبي علي: "حتى" هنا بمعنى إلى، و"إذا" خرجت عن الظرف، ويدل على أنها ليست ظرفًا أنه لا جواب لها، بل حتى هنا متعلقة بقوله: قطينًا، إلى زمن نبات البقل. انتهى. وفي دليله نظر، فإنه إنما يدل على كونها غير شرطية، ويجوز أن تكون شرطية بتقدير جواب يعلم من قرينه الحال، وهو: ارتحلوا، أو استغنوا. وتكون حتى ابتدائية غاية لقطين. وبعدهما:
هنالك إن يستخلبوا المال يخبلوا ... وإن يسأوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
هنالك، أي: في تلك الشدة يتفضلون ويتكرمون، والاستخبال: أن يستعير الرجل من الرجل الإبل فيشرب ألبانها، وينتفع بأوبارها. والإخبال المنيحة من الإبل؛ أن يعطيه ناقة أو شاة، وييسروا: من اليسر، يقول: إذا قامروا بالميسر يأخذون سمان الجزر فيقامرون عليها. ولا ينحرون إلا غالية.
وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل
المقامات: المجالس، سميت بذلك لأن الرجل يقوم في المجلس، فيحض على الخير ويصلح بين الناس. وأراد بالمقامات أهلها، ولذلك قال: حسان وجوههم. والأندية: جمع ندي، وهو المجلس والمتحدث. وقوله: ينتابها القول، أي: يقال فيها الجميل من القول، ويعمل به. والانتياب: القصد إلى الموضع والحلول به، وهو من: ناب ينوب.
على مكثريهم حقُّ من يعتريهم ... وعند المقلِّين السَّماحة والبذل
يقول: على أغنيائهم القيام بمن اعتراهم، أي: قصدهم وطلب معروفهم، والمقل: القليل المال؛ وصف فقراءهم بأنهم يسمحون ويبذلون بمقدار طاقتهم.
стр. 693
وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل
يقول: هم أهل عقول وآراء صائبة، فمن شاهد مجالسهم تحلم وإن كان جاهلًا، ويبينون بآرائهم ما أشكل من الأمور، وجهل وجه الرأي فيه.
وإن قام فيهم حامل قال قاعد ... رشدت فلا غرم عليه ولا خذل
يقول: إن تحمل أحدهم حمالة، أي: دية، لم يرد عليه فعله، ولا سفه رأيه بل يقول له القاعد، وهو الذي لم يحمل الحمالة: رشدت وأصبت الرأي: فلا نخذلك، وليس عليك غرام، أي: لا ندع تغرم شيئًا في الحمالة.
سعى بعدهم قوم لكي يذركوهم ... فلم يفعلوا ولم يليموا ولم يألوا
يقول: تقدم هؤلاء في المجد والشرف، وسعى على آثارهم قوم آخرون لكي يدركوهم وينالوا منزلتهم، فلم ينالوا ذلك ولم يليموا، أي: لم يأتوا بما يلامون عليه حين لم يبلغوا منزلة هؤلاء؛ لأنها أعلى من أن تبلغ، فهم معذورون في التقصير عنها، وهم مع ذلك لم يألوا، أي: لم يقصروا في السعي.
فما يك من خير أتوه فإنَّما ... ثوارته آباء آبائهم قبل
يقول: مجدهم قديم متوارث، ورثوه كابرًا عن كابر.
وهل ينبت الخطِّيَّ إلّا وشيجه ... وتغرس إلاَّ في منابتها النَّخل
الخطي: الرمح، نسبة إلى الخط، وهي جزيرة بالبحرين ترفأ إليها سفن الرماح. والوشيج: القنا الملتف في منبته، واحدته وشيجة. يقول: لا ينبت القناة إلا القناة، أي: لا ينبت الشيء إلا جنسه، ولا يغرس النخل إلا بحيث تنبت وتصلح، وكذلك لا يولد الكرام إلا في موضع كريم، يريد: لا يلد الكريم إلا
стр. 694
كريم، ولا يتربى إلا في موضع كريم، كما لا ينبت القناة إلا القناة، ولا ينبت النخل في غير مغارسه، فضرب ذلك مثلًا لأنهم كرماء أولاد كرماء، وهو غاية في البلاغة. وترجمة زهير تقدمت في الإنشاد الخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد المائة:
(١٤٣) قد سقيت آبالهم بالنَّار
تمامه:
والنَّار قد تشفي من الأوار
على أن اباء للسببية. والمراد بالنار في الموضعين: الوسم، وهو الداغ والكيّ، وهو من كان له من السادات إبل وغيرها، جعل له سمة وعلامة، وتصنع له من حديد، وتحمى في النار حتى تحمر، فتكوى بها الدابة حتى تؤثر في لحمها، وتبقى معروفة بعلامة أصحابها. يقول: إن أصحاب هذه الإبل كانوا سادة في العرب، وكان لإبلهم وسم معروف، فإذا وردت الماء، عرف الناس ذلك الوسم فأفرجوا لها حتى تشرب إكرامًا لأربابها، فكانت التي تصنع بها ذلك الوسم فيها سببًا لتمكينها من الماء، وهذا معنى قوله: قد سقيت آبالهم بالنار.
وقوله: والنار قد تشفي من الأوار؛ يعني أن ذلك الوسم قد شفى الإبل. من حرارة العطش، والأوار، بضم الهمزة: حرارة العطش، قال العسكري: وإسماعيل الموصلي في "أوائلهما": قرب بعض اللصوص إبلًا لبيع، فقيل له: ما نارك؟ وكان أغار عليها من كل وجه، وإنما سئل عن ذلك لأنهم يعرفون ميسم كل يوم، وكرم إبلهم من لؤمها، فقال:
تسألني الباعة أين نارها ... إذ زعزعتها فسمت أبصارها
стр. 695
كل نجار إبل نجارها ... وكلُّ لأناس دارها
وكلُّ نار العالمين نارها
انتهى. وقال الصاغاني في "العباب": النار أيضًا: السمة، يقال: ما نار هذه الناقة، أي: ما سمتها. وفي المثل: "نجارها نارها" أي: إذا رأيت نارها عرفت نجارها، أي: أصلها، قال:
لا تنسبوها وانظروا ما نارها
وقال آخر:
قد سقيت آبالهم بالنّار ... والنار قد تشفي من الأوار
ويروى:
وقد سقوا آبالهم بالنّار
أي: لما رأى أصحاب الماء سماتها، علموا أنها لمن هي، فسقوها لعزّهم ومنعتهم؛ يضرب في شواهد الأمور الظاهرة التي تدل على علم باطنها.
وسرق أعرابي إبلًا فأدخلها السوق، فقالوا له: من أين لك هذه الإبل: فقال:
تسألني الباعة أين دارها ... إذ زعزعوها فسمت أبصارها
فقلت رجلي ويدي قرارها ... كلُّ نجار إبل نجارها
وكلُّ نار العالمين نارها
انتهى. يقول: اختلف سماتها لأن أربابها من قبائل شتى، فأغير على سرح كل قبيلة، واجتمعت عند من أغار عليها، فعليها سمات تلك القبائل كلها. والنجار، بكسر النون بعدها جيم: الأصل.
стр. 696
وروى البيت الأزهري في "التهذيب":
حتَّى سقوا آبالهم بالنّار
وكلهم لم يذكر قائله، والمبرد أيضًا أورده في "الكامل" ولم ينسبه إلى أحد، والله أعلم. وذكر في موضع آخر ما يضاهيه، قال: والملاغم: العوارض، قال الفرزدق:
سقتها خروق في المسامع لم تكن ... علاطًا ولا مخبوطةً في الملاغم
يقول: علم أرباب الماء لمن هي، فسقاها ما سمعوه من ذكر أصحابها لعزهم ومنعتهم، ولم تحتج إلى أن تكون بها سمة، والعلاط: وسم في العنق، والخباط في الوجه، وأصل الملاغم: ما حول الفم مما يدركه اللسان. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والأربعون بعد المائة:
(١٤٤) فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا ... شدُّوا الإغارة فرسانًا وركبانا
على أن الباء فيه للبدل، وكان الأصل: فليت لي قومًا بهم، أي: يدلهم، على الوصفية، فلم قدم الظرف على الموصوف صار حالًا منه، ولي: خبر ليت مقدم، وجملة "إذا ركبوا" مع جوابها صفة لقوم، قال ابن جني في "إعراب الحماسة": ليست الإغارة هنا مفعولًا به، ولا انتصابها على ذلك، لكن انتصابها انتصاب المفعول له، أي: شدوا للإغارة، كقولهم: حملوا للإغارة فرسانًا وركبانًا، أي: في هذه الحال، فهو كقول الآخر:
شددنا شدَّة فقتلت منهم
стр. 697
أي: حملنا حملة، وشددت هذه غير متعدية، وإذا أريد تعديها وصلت بعلى قال:
أشدُّ على الكتيبة لا أبالي ... احتفي كان فيها أم سواها
انتهى. وأراد بالتعدي التعدي بحرف الجر، لا التعدي بنفسه، قال الأزهري في "التهذيب": قال ابن المظفر: الشد: الحمل، تقول: شد عليه في القتال، وشددت الشيء أشده شدًا: إذا أوثقته. انتهى. ويجوز أن يكون ما في البيت من المتعدي بنفسه، ويكون الإغارة مفعولًا به، كما يكون الإعراب كذا في رواية "شنوا الإغارة" قال "الأزهري": شن عليهم الغارة، أي: فرقها، وقد شن الماء على شرابه، أي: فرقه عليه. انتهى. والمراد بالغارة: الخيل المغيرة على العدو من هنا ومن هنا، قال صاحب "المصباح": وأغار الفرس إغارة، والاسم: الغارة، مثل: أطاع إطاعة، والاسم الطاعة؛ إذا أسرع في العدو، وأغار القوم إغارة: أسرعوا في السير، ثم أطلقت الغارة على الخيل المغيرة، وشنوا الغارة، أي: فرقوا الخيل. انتهى.
والبيت آخر أبيات ثمانية أوردها أبو تمام في أول "حماسته" لقريط بن أنيف العنبري، تقدم بيتان منها في الإنشاد العشرين، وهو شكاية من قومه لتقاعدهم عن نصرته، وتخليص إبله ممن أغار عليها من ذهل بن شيبان وقبله:
لكنَّ قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشرِّ في شيءٍ وإن هانا
стр. 698
يجزون من ظلم أهل الظُّلم مغفرةً ... ومن إساءة أهل السُّوء إحسانا
كأنَّ ربَّك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا
فليت لي بهم قوما ... . . . . . البيت
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والأربعون بعد المائة:
(١٤٥) أربٌّ يبول الثُّعلبان برأسه ... لقد خاب من بالت عليه الثَّعالب
على أن الباء بمعنى على، بديل المصراع الثاني، قال ابن قتيبة في "أدب الكاتب": الثعلبان: أي: بضم المثلثة واللام: ذكر الثعالب، قال الشاعر:
أربٌّ يبول الثُّعلبان برأسه ... لقد ذلَّ من بالت عليه الثعالب
انتهى. وتوفي في سنة ست وسبعين ومائتين من الهجرة، وقال شارحه أبو منصور موهوب بن أحمد بن الخضر الشهير بالجواليقي: هذا البيت يضرب مثلًا للذليل الضعيف، وهو فيما أخبرت عن الحسن بن علي، عن محمد بن العباس عن أحمد بن معروف، عن الحارث بن أبي سلمة، عن محمد بن سعد لراشد بن عبد ربه، وهو أحد الوفد الذين قدموا على رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، يوم فتح مكة من بني سليم فأسلموا، وأعطاه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رهاط، وفيها عين يقال لها: عين الرسول، وكان راشد يسدن صنمًا لبني سليم، فرأى يومًا ثعلبانًا يبول عليه، فقال:
أربٌّ يبول الثُّعلبان برأسه ... البيت
стр. 699
ثم شد عليه فكسره، ثم أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: "ما اسمك؟ " فقال: غاوي بن عبد العزى، فقال: "أنت راشد بن عبد ربه" فأسلم وحسن إسلامه، وشهد الفتح مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقال رسول الله ﷺ : "خير قرىً عربيةٍ خيبر، وخير بني سليم راشد" وعقد له على قومه. انتهى كلامه. وتوفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ببغداد.
وقال شارحه الآخر أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي: البيت لغاوي بن ظالم السلمي، ويروى لأبي ذو الغفاري، ويروى للعباس بن مرداس السلمي، ورواه جمهور اللغويين كما روى ابن قتيبة. انتهى. وتوفي سنة إحدى وعشرين وخمسمائة.
وكابن قتيبة كتب الجوهري – ومات في سنة ست وثمانين وثلاثمائة – وكتب ابن بري في "أماليه" عليه نسبة البيت إلى أحد الثلاثة الذين ذكرهم ابن السيد، ولم يزد على ذلك، وتوفي بمصر في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. وكتب ياقوت بن عبد الله الكاتب في هامش "صحاح الجوهري": قائل البيت عادي بن ظالم السلمي، ويروى لأبي ذو الغفاري، ويروى لعباس بن مرداس بن عبد يغوث الظفري، خرج هو ونفر من قومه إلى صنم كانوا يعظمونه، واسم الصنم: سواع، وكان بالعلاة برهاط، فذبحوا عنده شاة لهم وأقاموا، ثم غفلوا غفلة، فأتى ثعلبان فرمّ موضع الذبيحة، ثم صعد الصخرة فبال عليها، فرأى ذلك ظالم، ففكر فيه ثم قال:
ما عذر من أمسى يدين لصخرة ... ظنون لها فرع منيف وجانب
يؤمِّلها جهلًا ويرجو نجاحها ... وهل في السِّلام الصُّم ما أنت طالب
أربٌّ يبول الثُّعلبان برأسه ... البيت
стр. 700
فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وافدًا، فدعاه إلى الإسلام فأجابه، وقال: يا رسول الله، معي في جفيري هذا خمسون سهمًا كلها مسموم، فإن لقيت عدوك رجوت أن أقتل بكل سهم رجلًا، فسأله النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن اسمه، فقال: أنا ظالم بن عبد يغوث، فقال: "بل راشد بن عبد ربه" فقال: يا رسول الله، أقطعني ماء برهاط، فأقطعه إلى بلد العين التي برهاط، وهو ماء يخرج من أصل جبل، لهم عليه نخيل وزروع، وهو في يد ولده إلى اليوم. انتهى كلامه.
وقال ابن الأثير في مادة "عصل" من "النهاية": كان لرجل صنم كان يأتي بالخبز والزبد، فيضعه على رأسه ويقول: اطعم، فجاء ثعلبان فأكل الخبز والزبد، ثم عصل، على رأس الصنم، أي: بال، والثعلبان: ذكر الثعالب. انتهى. وعصل بفتح العين والصاد المهملتين. ولقد تحامل صاحب "القاموس" على الجوهري في قوله: [واستشهاد الجوهري بقوله ... البيت] هو غلط صريح [و] هو مسبوق فيه. والصواب في البيت فتح الثاء. [لأنه مثنى]. كان غاوي بن عبد العزَّى ساندنًا لصنم لبني سليم، فبينا هو عنده إذ أقبل ثعلبان يشدان حتى تسنماه، فبالا عليه، فقال البيت، ثم قال: يا معشر سليم، لا والله لا يضر ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع! فكسره ولحق بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: "ما اسمك؟ " قال: غاوي بن عبد العزى، فقال بل: "أنت راشد بن عبد ربه" انتهى كلامه وهو منقول عن أبي حاتم الرازي، نقله عنه جماعة، منهم ابن السيد في "شرح أدب الكاتب" وقال ابن الأثير في "النهاية"
стр. 701
بعد كلامه السابق: وفي كتاب الهروي: فحاء ثعلبان، فأكلا الخبز والزبد، ثم عصلا. أراد تثنية ثعلب. انتهى. قال الدميري في "حياة الحيوان": قال الحافظ ابن ناصر: أخطأ الهروي في تفسيره، وصحف في روايته، وإنما الحديث: فجاء ثعلبان، وهو الذكر من الثعالب، اسم له معروف لا يثنى، فأكل الخبز والزبد، ثم عصل على رأس الصنم، فقام الرجل فضرب الصنم فكسره ثم جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فأخبره بذلك وقال:
لقد خاب قومٌ أمَّلوك لشدّةٍ ... أرادوا نزالًا أن تكون تحارب
فلا أنت تغني عن أمور تواترت ... ولا أنت دفَّاع إذا حلَّ نائب
أربٌّ يبول الثُّعلبان برأسه ... البيت
قال: والحديث مذكور في "معجم البغوي" وابن شاهين وغيرهما، والرجل راشد بن عبد ربه، وأهل اللغة يستشهدون بهذا البيت في أسماء الحيوان والفرق فيما بين الذكر والأنثى، كما قالوا: الأفعوان لذكر الأفاعي،
стр. 702
والعقربان لذكر العقارب. انتهى.
واعلم أن ابن دريد في "الجمهرة" والأزهري في "تهذيب اللغة" والصاغاني في "العباب" لم يستشهدوا بهذا البيت، فاستراحوا من نقل الخلاف.
وقال الميداني في "مجمع الأمثال" قيل: أصله أن رجلًا من العرب كان يعبد صنمًا، فنظر يومًا إلى ثعلب جاء حتى بال عليه، فقال:
أربّ يبول الثعلبان برأسه ... البيت
ولم يزد على هذا شيئًا. وأصله تفسير أبي عبيدة، نقله عنه أبو عبيد القاسم بن سلام في "أمثاله" قال: قال أبو عبيدة: من أمثالهم في الذليل: "لقد ذل من بالت عليه الثعالب" قال أبو عبيدة: وأصل هذا ... إلى آخر ما نقله الميداني. والزمخشري ما أورده في "مستقصى الأمثال"، وحمزة الأصبهاني أورده في أمثاله التي على وزن أفعل التفضيل، لكنه لم يعرج على معنى البيت، قال: وأما قولهم: "أذل من بال عليه ثعلب" فإنه يضرب مثلًا لكل شيء يستذل، ويقال في الشر يقع بين القوم وقد كانوا على صلح: بال بينهم الثعلب، وفسا بينهم ظربان، وكسر بينهم رمح، ويبس بينهم الثرى. هذا كلامه.
ونقل السيوطي هنا عن أبي نعيم في "دلائل النبوة" حديثًا طويلًا وفيه: قال راشد: فألفيت سواعًا وقت الفجر، وثعلبين يلحسان ما حوله، ويأكلان ما نهدي له، ثم يعرجان عليه ببولهما، فعند ذلك يقول راشد: أرب يبول
стр. 703
الثعلبان برأسه ... البيت. ثم قال السيوطي: وضبط الحافظ شرف الدين الدمياطي الثعلبان في البيت بضم المثلثة واللام، وقال: هو ذكر الثعالب، وهو ما ذكره الكسائي وجماعة. ونقل عن المرزباني في "معجم الشعراء" أن اسمه كان غويًا فسماه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم راشدًا، وقال أيضًا: وأخرجه ابن أبي حاتم بسند له بلفظ: إنه كان عند الصنم يومًا إذا أقبل ثعلبان، فرفع أحدهما رجله فبال على الصنم.
والحاصل أن الاختلاف كثير، فجماعة روته بإفراده، وفرقة نقلته بالتثنية. واختلف أيضًا في اسمه قبل إسلامه، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد المائة:
(١٤٦) شربن بماء البحر ثمَّ ترفَّعت
تمامه:
متى لجج خضر لهنَّ نئيج
على أن الباء فيه للتبعيض بمعنى من، وقال الفراء في تفسيره عند قوله تعالى: (يَشْرَبُ بِهَا) من سورة الدهر: [الآية/ ٦] يشرب بها ويشربها سواء في المعنى، وكأن يشرب بها يروى بها وينقع، وأما يشربونها فبيّن، وقد أنشدني بعضهم: شربن بماء البحر ... البيت. ومثله: إنه يتكلم بكلام حسن ويتكلم كلامًا حسنًا. انتهى. فأشار إلى أن الباء زائدة أو أنها على بابها، وشربن مضمن معنى روين. وجزم بزيادتها ابن جني في "سر الصناعة" قال: الباء فيه زائدة، إنما معناه: شربن ماء البحر، هذا هو الظاهر من الحال، والعدول عنه تعسف وقال بعضهم: معناه: شربن من ماء البحر، فأوقع الباء موقع من. انتهى. وحكى في "المحتسب"
стр. 704
قول من زعم أنها بمعنى في، قال فيه: الباء زائدة، أي: شربن ماء البحر، وإن كان قد قيل: إن الباء هنا بمعنى في، والمفعول محذوف معناه: شربن الماء في جملة ماء البحر، وفي هذا التأول ضرب من الإطالة والبعد. انتهى. أورده عند قوله تعالى: (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ) [النور/ ٤٣] قال: قرأ أبو جعفر يزيد "يذهب" بضم الياء، والباء زائدة، ثم قال: واعلم أن هذه الباء إنما تزاد في هذا النحو لتوكيد معنى التعدي كما زيدت اللام لتوكيد معنى الإضافة كقوله:
يا بؤس للجهل [ضرَّارًا لأقوام]
وكما زيدت الياءان لتوكيد معنى الصفة في نحو: أشقريّ، وكما زيدت التاء لتأكيد معنى التأنيث في فرسة وعجوزة، فاعرف ذلك. ولا ترين الباء [في: (يذهب بالأبصار)] مزيدة زيادة ساذجة، وإن شئت حملته على المعنى حتى كأنه قال: يكاد سنا برقه يلوي بالأبصار، أو يستأثر بالأبصار. انتهى.
وقوله: متى لجج، أي: من لجج، أو وسط لحجج، ويأتي الكلام إن شاء الله تعالى عليه في بحث "متى" وهذا على ما اشتهر في كتب النحو.
ورواه القاري:
стр. 705
تروَّت بماء البحر ثم تنصَّبت ... على حبيشّيات لهنّ نئيجُ
قال القاري: تزوت يعني الحناتم، وتنصبت: ارتفعت، وعلى حبشيات: على سحائب سود، ونثيج: مَر سريع، ويروي: شربن بماء البحر ثم ترفعت .. الخ.
وقبله:
سَقَي أم عَمرو كل آخر ليلةٍ ... حناتمُ سود ماؤهنَّ ثجيجُ
وهما مطلع قصيدة عدتها تسعة وعشرون بيتًا لأبي ذؤيب الهذلي في رواية أبي بكر القاري وأبي حنيفة الدينوري في كتاب "النبات".
قال القاري: الحناتم: السحاب في سواده، والحنتمة: الجرة الخضراء، شبه السحاب بها، والحناتم: الجرار الخضر، وثجيج: سائل. انتهي. وقال ابن السيد: الحناتم: سحاب سود واحدها حنتم، وأصل الحناتم جرار خضر، ولكن العرب تجعل كل أخضر أسود، وإنما يفعلون ذلك الخضرة إذا اشتدت صارت سوادًا، ولذلك قالوا لليل: قال ذو الرمة:
في ظلِّ أخضرَ يدعو هامه البومُ
وأم عمرو: مفعول مقدم، وحناتم: فاعل مؤخر، وكل آخر ليلة: ظروف، قال
следующие страницы →