Полный текст (2 797 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
بعد كلامه السابق: وفي كتاب الهروي: فحاء ثعلبان، فأكلا الخبز والزبد، ثم عصلا. أراد تثنية ثعلب. انتهى. قال الدميري في "حياة الحيوان": قال الحافظ ابن ناصر: أخطأ الهروي في تفسيره، وصحف في روايته، وإنما الحديث: فجاء ثعلبان، وهو الذكر من الثعالب، اسم له معروف لا يثنى، فأكل الخبز والزبد، ثم عصل على رأس الصنم، فقام الرجل فضرب الصنم فكسره ثم جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فأخبره بذلك وقال:
لقد خاب قومٌ أمَّلوك لشدّةٍ ... أرادوا نزالًا أن تكون تحارب
فلا أنت تغني عن أمور تواترت ... ولا أنت دفَّاع إذا حلَّ نائب
أربٌّ يبول الثُّعلبان برأسه ... البيت
قال: والحديث مذكور في "معجم البغوي" وابن شاهين وغيرهما، والرجل راشد بن عبد ربه، وأهل اللغة يستشهدون بهذا البيت في أسماء الحيوان والفرق فيما بين الذكر والأنثى، كما قالوا: الأفعوان لذكر الأفاعي،
стр. 702
والعقربان لذكر العقارب. انتهى.
واعلم أن ابن دريد في "الجمهرة" والأزهري في "تهذيب اللغة" والصاغاني في "العباب" لم يستشهدوا بهذا البيت، فاستراحوا من نقل الخلاف.
وقال الميداني في "مجمع الأمثال" قيل: أصله أن رجلًا من العرب كان يعبد صنمًا، فنظر يومًا إلى ثعلب جاء حتى بال عليه، فقال:
أربّ يبول الثعلبان برأسه ... البيت
ولم يزد على هذا شيئًا. وأصله تفسير أبي عبيدة، نقله عنه أبو عبيد القاسم بن سلام في "أمثاله" قال: قال أبو عبيدة: من أمثالهم في الذليل: "لقد ذل من بالت عليه الثعالب" قال أبو عبيدة: وأصل هذا ... إلى آخر ما نقله الميداني. والزمخشري ما أورده في "مستقصى الأمثال"، وحمزة الأصبهاني أورده في أمثاله التي على وزن أفعل التفضيل، لكنه لم يعرج على معنى البيت، قال: وأما قولهم: "أذل من بال عليه ثعلب" فإنه يضرب مثلًا لكل شيء يستذل، ويقال في الشر يقع بين القوم وقد كانوا على صلح: بال بينهم الثعلب، وفسا بينهم ظربان، وكسر بينهم رمح، ويبس بينهم الثرى. هذا كلامه.
ونقل السيوطي هنا عن أبي نعيم في "دلائل النبوة" حديثًا طويلًا وفيه: قال راشد: فألفيت سواعًا وقت الفجر، وثعلبين يلحسان ما حوله، ويأكلان ما نهدي له، ثم يعرجان عليه ببولهما، فعند ذلك يقول راشد: أرب يبول
стр. 703
الثعلبان برأسه ... البيت. ثم قال السيوطي: وضبط الحافظ شرف الدين الدمياطي الثعلبان في البيت بضم المثلثة واللام، وقال: هو ذكر الثعالب، وهو ما ذكره الكسائي وجماعة. ونقل عن المرزباني في "معجم الشعراء" أن اسمه كان غويًا فسماه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم راشدًا، وقال أيضًا: وأخرجه ابن أبي حاتم بسند له بلفظ: إنه كان عند الصنم يومًا إذا أقبل ثعلبان، فرفع أحدهما رجله فبال على الصنم.
والحاصل أن الاختلاف كثير، فجماعة روته بإفراده، وفرقة نقلته بالتثنية. واختلف أيضًا في اسمه قبل إسلامه، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد المائة:
(١٤٦) شربن بماء البحر ثمَّ ترفَّعت
تمامه:
متى لجج خضر لهنَّ نئيج
على أن الباء فيه للتبعيض بمعنى من، وقال الفراء في تفسيره عند قوله تعالى: (يَشْرَبُ بِهَا) من سورة الدهر: [الآية/ ٦] يشرب بها ويشربها سواء في المعنى، وكأن يشرب بها يروى بها وينقع، وأما يشربونها فبيّن، وقد أنشدني بعضهم: شربن بماء البحر ... البيت. ومثله: إنه يتكلم بكلام حسن ويتكلم كلامًا حسنًا. انتهى. فأشار إلى أن الباء زائدة أو أنها على بابها، وشربن مضمن معنى روين. وجزم بزيادتها ابن جني في "سر الصناعة" قال: الباء فيه زائدة، إنما معناه: شربن ماء البحر، هذا هو الظاهر من الحال، والعدول عنه تعسف وقال بعضهم: معناه: شربن من ماء البحر، فأوقع الباء موقع من. انتهى. وحكى في "المحتسب"
стр. 704
قول من زعم أنها بمعنى في، قال فيه: الباء زائدة، أي: شربن ماء البحر، وإن كان قد قيل: إن الباء هنا بمعنى في، والمفعول محذوف معناه: شربن الماء في جملة ماء البحر، وفي هذا التأول ضرب من الإطالة والبعد. انتهى. أورده عند قوله تعالى: (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ) [النور/ ٤٣] قال: قرأ أبو جعفر يزيد "يذهب" بضم الياء، والباء زائدة، ثم قال: واعلم أن هذه الباء إنما تزاد في هذا النحو لتوكيد معنى التعدي كما زيدت اللام لتوكيد معنى الإضافة كقوله:
يا بؤس للجهل [ضرَّارًا لأقوام]
وكما زيدت الياءان لتوكيد معنى الصفة في نحو: أشقريّ، وكما زيدت التاء لتأكيد معنى التأنيث في فرسة وعجوزة، فاعرف ذلك. ولا ترين الباء [في: (يذهب بالأبصار)] مزيدة زيادة ساذجة، وإن شئت حملته على المعنى حتى كأنه قال: يكاد سنا برقه يلوي بالأبصار، أو يستأثر بالأبصار. انتهى.
وقوله: متى لجج، أي: من لجج، أو وسط لحجج، ويأتي الكلام إن شاء الله تعالى عليه في بحث "متى" وهذا على ما اشتهر في كتب النحو.
ورواه القاري:
стр. 705
تروَّت بماء البحر ثم تنصَّبت ... على حبيشّيات لهنّ نئيجُ
قال القاري: تزوت يعني الحناتم، وتنصبت: ارتفعت، وعلى حبشيات: على سحائب سود، ونثيج: مَر سريع، ويروي: شربن بماء البحر ثم ترفعت .. الخ.
وقبله:
سَقَي أم عَمرو كل آخر ليلةٍ ... حناتمُ سود ماؤهنَّ ثجيجُ
وهما مطلع قصيدة عدتها تسعة وعشرون بيتًا لأبي ذؤيب الهذلي في رواية أبي بكر القاري وأبي حنيفة الدينوري في كتاب "النبات".
قال القاري: الحناتم: السحاب في سواده، والحنتمة: الجرة الخضراء، شبه السحاب بها، والحناتم: الجرار الخضر، وثجيج: سائل. انتهي. وقال ابن السيد: الحناتم: سحاب سود واحدها حنتم، وأصل الحناتم جرار خضر، ولكن العرب تجعل كل أخضر أسود، وإنما يفعلون ذلك الخضرة إذا اشتدت صارت سوادًا، ولذلك قالوا لليل: قال ذو الرمة:
في ظلِّ أخضرَ يدعو هامه البومُ
وأم عمرو: مفعول مقدم، وحناتم: فاعل مؤخر، وكل آخر ليلة: ظروف، قال
стр. 706
الأصمعي: يريد أبدًا، ومثله: لا أكلمك آخر الليالي، أي: لا أكلمك ما بقي علي من الزمن ليلة، والثج والثجيج: السيل الشديد، فيجوز أن يكون معني ثجيج بمعني ثاج، ويجوز أن يكون أراد ذو ثجيج، فحذف المضاف، ويجوز أن يكون أوقع المصدر موقع اسم الفاعل مبالغة في المعني، قاله ابن السيد.
وقوله: شرين بماء البحر، النون ضمير الحناتم، قال ابن السيد: هذيل كلها تصف أن السحاب تسقي من البحر، ثم تصعد في الجو. وهذا ما عليه الحكماء من أن السحاب ينعقد من البخار، أعني الأجزاء الهوائية المائية المتحللة بالحرارة من الأشياء الرطبة، وذلك أن البخار المذكور إذا تصاعد ولم يتلطف بتحليل الحرارة أجزاؤه المائية حتى يصير هواه؛ فإنه إذا بلغ الطبقة الزمهريرية، تكاثف فاجتمع سحاباً وقاطر مطراً إن لم يكن البرد شديداً.
واللجج: جمع لجة، وهو معظم الماء، ونتيج، فعيل مهموز العين: المر السريع بصوت، من نأجت الريح تنأج نتيجًا، تحركت فهي نؤوج، وللريح نئيج، أي: مر سريع، وجملة "لهن نئيج" في موضع الحال من فاعل ترفعت العائد على حناتم، وأثبت العيني أول القصيدة، وتبعة السيوطي هذا البيت:
صبا قلبُهُ بل لجَّ وهو لجوج ... وزالت له بالأنعمين حدوج
مع ستة أبيات أخر إلى البيت الشاهد، وليست تلك الأبيات من القصيدة، ولا أعلم من أين أتي بها، فإن النسخة التي هي نسخة ابن فارس صاحب
стр. 707
"المجمل في اللغة" وعليها خطة وخطوط العلماء قراءة وإجازة .. والأنعمان: موضع، وحدوج: جمع حدج بالكسر، وهو مركب من مراكب النساء.
وترجمة أبي ذؤيب تقلعت في الإنشاد الخامس من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والأربعون بعد المائة:
(١٤٧) فلثمت فاها آخذاً بقرونها ... شرب النزيف ببردماء الحشرج
لما تقدم قبله، وقيل: الباء زائدة، وأنشده الجوهري في "لثم" الجميل. قال: واللثم أيضاً القبلة، وقد لثمت فاها، بالكسر: إذا قبلتها، وربما جاء بالتفح قال ابن كيسان: سمعت المبرد ينشد قول جميل:
فلثمت فاها آخذًا بقرونها .. البيت
بالفتح. وأنشده في الحشرج أيضاً لعمر ابن أبي ربيعة، قال: الحشرج: الحسي يكون في حصي، قال عمر ابن أبي ربيعة: فلثمت فاها .. البيت. وكتب ابن بري في أماليه على "الصحاح" على هذا الموضع قال: وذكر في فصل "حشرج" بيتًا شاهدًا على الحشرج للحسي، ونسب البيت لعمر ابن أبي ربيعة، وهو:
стр. 708
فلثمت فاها .. قال الشيخ: البيت لجميل بن معمر، وليس لعمر. والنزيف: المحموم الذي منع من الماء، ولثمت فاها: قبلته، ونصب شرب على المصدر المشبه به، لأنه لما قبلها امتص ريقها، فكأنه قال: شربت ريقها كشرب النزيف للماء البارد، وقبله:
قالت وعيشِ أبي وحرمة إخوتي ... لأنبِّهَّن الحي إن لم تخرجِ
فخرجتُ خيفةَ قولها فتبسَّمَت ... فعلمت أن يمينها لم تحرجِ
انتهي. وأورد المبرد في "الكامل" البيت الشاهد مع أبيات آخر غفلاً، أي: غير منسوبة لأحد، قال: وأنشدني أبو العالية:
ما زلت أبغي الحي أتبع ظلَّهم ... حتى دُفِعتُ إلى ربيبة هودجِ
قالت وعيشِ أبي وأكبر إخوتي ... لأنبئن الحي إن لم تخرجِ
فخرجت خيفة قولها فتبسمت ... فعلمت أن يمينها لم تحرجِ
فلثمت فاها .. البيت. وزاد فيها الجاحظ عمرو بن بحر:
وتَناوَلَت رِأسي لتعرف مسه ... بمخضبِ الأطراف غير مشنجِ
تقول العرب: هودج، وبنو سعد بن زيد مناة ومن وليهم يقولون: فودج.
وقوله: فعلمت أن يمينها لم تحرج، يقول: لم تضق عليها، يقال: حرج يحرج – أي: من باب فرح – إذا دخل في مضيق، والحرجة: الشجر الملتف المتضانق ما بينه، قال الله تعالي: (فلا يكن في صدرك حرج منه) [الأعراف /٢] وقوله: ببرد ماء الحشرج، فهو الماء الجاري على الحجارة، انتهي كلام المبرد.
وكتب الحافظ مغلطاي في هامشه عند الأبيات: هذا الشعر لجميل بن معمر،
стр. 709
أوردها أبو طاهر في "الكتاب المسلسل" وابن بري في "الإفصاح" وأنكر على الجوهري كونه عزاء لعمر، وأنشدها التوزي في "شرح شعر أبي نخيلة" لابن أبي ربيعة، وكذا أنشدها أبو الفرج الأصبهاني في "الأغاني" لابن أبي ربيعة، وأنشدها الجاحظ في كتاب "الحيوان" لعبيد بن أوس الطائي في أخت عدي.
انتهي. ورأيت الأبيات في ديوان جميل بن معمر هكذا:
فدونوت محتقيًا أضرّ ببينها ... حتى ولجت بها خَفِي المولجِ
فتناولَت رأسِي لتعرفَ مسَّه ... بمخضَّب الأطراف غير مُشّنج
قالت وعيش أخي ونعمة والدي ... لأنبَّهِّن الحيَّ إن لم تخرجُ
فخرجت خيفة أهلها فتبسمَّمت ... فعرفت أنَّ يمينها لم تلحجِ
فلثمتُ فاها قابضاً بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
ومحتقيًا: من الحقو بالفتح، وهو الإزاز، محتقيًا: مؤتزرًا. قال الأزهري في "التهذيب": الحقو الإزاز والخاصرة، وغير مشنج، أي: ناعمة طرية، وقوله: لم تلحج، بفتح الحاء المهملة، وتكسر في الماضي، قال الأزهري: لحج الشيء: إذا ضاق، والقرون: جمع قرن بالفتح، وهو الضفيرة من شعر الرأس، وقال الأزهري: يقال للرجل الذي عطش حتى جفت عروقه ولسانه: نزيف ومنزوف، ومنه قوله: شرب النزيف ببرد ماء الحشرج، قال أبو عمرو: النزيف: السكران، والنزيف: المحموم، وقال أبو العباس: الحشرج: النقرة في الجيل يجتمع فيها الماء فيصفو، انتهي. وقوله: ببرد ماء الحشرج، أي: بماء الحشرج البارد، فهو من قبيل إضافة إلى الموصوف، قال الأزهري:
стр. 710
الحشرج: الماء العذب من ماء الحسي، قلت: الحشرج الماء الذي تحت الأرض، لا يفطن له في أباطح الأرض، فإذا حفر عنه وجه الأرض قدر ذراعين جاش بالماء الرواء، وتسميها العرب الأحساء، ومنه قوله: فلثمت فاها آخذًا بقرونها .. البيت، وقيل: هو الحسي الحصب، وروي أبو عمرو عن أبي العباس أنه قال: الحشرج: النقرة في الجبل يجتمع فيها الماء فيصفو، قال: وقال المبرد: الحشرج في هذا البيت: الكوز الرقيق الحاري، والنزيف: السكران، ويكون المحموم، انتهي كلامه. وهذا خلاف ما نقلناه من "كامل المبرد" والحاريّ، بالحاء المهملة وتشديد الياء: نسبة إلى الحيرة بالكسر، وهي بلد قرب الكوفة، وقال صاحب "الأغاني" بسند له إلى أبي بكر القرشي أنه قال: كان عمر جالسًا بمني على فناء مضربه، وغلمانه حوله، إذا أقبلت امرأة عليها أثر النعمة، فسلمت فرد السلام عليها، فقالت له: أنت ابن أبي ربيعة؟ قال: نعم، قالت: هل لك في محادثة أحسن الناس وجهًا، وأتمهن خلقًا، وأكملهن أدبًا، وأشرفهن حسبًا؟ قال: ما أحبّ إليّ ذلك! قالت: على شرط أن تمكنني أن أربط عينيك وأقودك، حتى إذا توسطتُ المحل الذي أريد حللت عنك، ثم أفعل ذلك عند إخراجك، قال: شأنك، ففعلت، فلما كشفت عن وجهي، فإذا أنا بامرأة على كرسي لم أر مثلها جمالاً، فسلمت وجلست، فقالت: أنت عمر ابن أبي ربيعة؟ قلت: نعم، قالت: أنت الفاضح للحرائر؟ قلت: وما ذاك، جعلني الله فداك؟ ! قالت: بقولك:
قَلت وعيشِ أخي وحرمةِ والدي ... إلى آخر الأبيات الأربعة
قم فاخرج، فقامت المرأة، فشدت على عيني ثم أخرجتي حتى انته إلى مضربي وتركتني وانصرفت، ودخلني من الكآبة والحزن ما الله عالم به، وبت ليلتي، فلما أصبح إذا أنا بها، فقالت: هل لك في العود؟ قلت: شأنك،
стр. 711
ففعلت مثل ما فعلت بالأمس حتى انتهت بي إلى ذلك الموضع، وإذا بتلك الفتاة على الكرسي، فقالت: إيه يا فضاح الحرائر، قلت: بماذا جعلني الله فداك؟ قالت: بقولك:
وناهدةِ الثَّديينِ قلت لها أتّكِى ... على الَّرملِ من جنباته لم توسَّد
فقالت على أسمِ الله أمرك طاعةُ ... وإن كنتُ قد كُلِّفت ما لم أعوَّدِ
فلمَّا دَنا الإصباحُ قالت فضحتَنِني ... فقم غير مطرود وإن شئت فازددِ
فبتنا دُوَين الحيِّ يضر بنا الهوي ... نَلَذُّ كما شئنا وإن لم نُجَرَّدِ
وقامت كمثل الغصن يهتز رِدفها ... وتَلقطُ شيئًا من جُمانٍ مُبَدَّدِ
قَدِ أزددتُ منها وأتَّشَحتُ بمرطهَا ... وأشفيتُ نفسي من رضاب مُبرَّدِ
قم فاخرج عنا، فخرجت، ثم رددت فقالت: لولا خوف الرحيل، ومحبتي لمناجاتك والاستكثار من محادثتك لأقصيتك، هات الآن فحدثني وأنشدني، فكلمت أدب الناس وأعلمهم بكل شيء، ثم نهضت وأبطأت العجوز، وخلا البيت، فإذا أنا بتور فيه خلق، فأخذته وخبأته في ردني، ثم جاءت العجوز فشدت علي عيني، وجعلت تقودين حتى إذا صرت على باب المضرب، أخرجتُ يدي فضربت بها على باب المضرب ثم صرت على مضر بي فدعوت غلماني وقلت: أيكم يقف لي على باب مضرب عليه خلوق كأنه أثر كف فهو حر، وله خمسمائة درهم، فلم ألبث أن جاءني بعضهم فقال: قم، فنهضت معه، فإذا أنا بالكف طرية، وإذا المضرب مضرب فاطمة بنت بن الملك بن مروان، فأخذت في أهبة السفر، فلما نفرت
стр. 712
نفرت معها، فبصرت في طريقها بقباب ومضرب وهيئة جميلة، فسألت عن ذلك فقيل لها: عمر، فساءها ذلك، وقالت للعجوز: قولي له: ناشدتك الله والرحم أن تفضحني، ويحك! ما شأنك؟ ، وما تريد؟ انصرف ولا تفضحني ونشيط بدمكّ! فقلت: ما أنا بمنصرف، أو توجّهَ إلى بقميصها الذي على جدلك، ففعلت فزادني بها سغفاً، ولم أزل أتبعهم ولا أخالطهم حتى [إذا] صاروا على أميال من دمشق، انصرف عمر وقال:
ضاق الغداة بحاجتي صدري ويئستُ بعدَ تقرب الأمرِ
وذكَرتُ فاطمة التي عُلِّقتَها ... عرضاً فيا لحوادث الدَّهر
هي أبيات تزيد على عشرة هذا ما أورده الأصبهاني، وقد روي الجاحظ هذه الحكاية، وفيها مخالفة لما تقدم في عدة أحببت إيرادها هنا، وإن كان فيها طول؛ قال في كتاب "المحاسن والأضداد" عن الكلبي: وقال عمر أبن أبي ربيعة: بينا أنا خارج محرم إذا أتتني جارية كأنها دمية في صفاء اللجين، في ثوبي قصب كقضيب على كئيب، فسلمت على وقالت: عمر ابن أبي ربيعة فتي قريش وشاعرها؟ قلت: أنا والله ذاك، قالت: فهل لك أن أريك أحسن الناس وجهاً؟ قلت: ومن لي بذلك؟ قالت: أنا والله لك بذلك، على شريطة، قلت: وما هي؟ قالت: أعصِّبك وأربط عينيك، وأقودك ليلاً، قلت: لك ذلك، قال: فاستخرجت معجرًا من قصب عجرتني به، وقادتني حتى أتت بي مضربًا، فلما توسطته فتحت العصابة من عيني، فإذا أنات بمضرب ديباج أبيض مدثر
стр. 713
بحمرة، مفروض بوشي كوفي، وفي المضرب ستارة مضروبة من الديباح الأحمر عليها تماثيل ذهب، ومن ورائها وجه لم أحسب أن الشمس وقعتعلى مثله حسناً وجمالاً، فقامت كالخجلة، وقعدت قبالتي وسلمت علي، فخيل لي أن الشمس تطلع من جبينها، وتغرب في شقائق خدها، قالت: أنت عمر ابن ابي ربيعة، فتي قريش وشاعرها؟ قلت: أنا ذلك، قالت: أنت القائل:
بينمَا يَبغينني أبصرنني ... دون قيد الميل يعدو بي اأغر
قالت الكبريَ: أما تعرفن ذا ... قالت الوسطي بلي هذا عمر
قالت الصغري وقد تّيمتُها ... قد عرفناهُ وهل يخفَي القَمَر
قلت: أنا والله قائلها يا سيدتي، قالت: ومن هؤلاء؟ قلت: يا سيدتي، والله ما هو عن قصد مني ولا في جارية بعينها، ولكني رجل شاعر أحب الغزل وأقول من النساء، قالت: يا عدو الله، يا فاضح الحرائر، قد فشما شعرك بالحجاز، وأنشده الخليفة والأمراء، ولم يكن في جارية بعينها؟ ! يا جواري أخرجنه، فخرجن إلى الوصائف فأخرجنني، ودفعنني إلى الجارية، فعجرتني وقادتني إلى مضربي فبت بليلة كانت أطول من سنة، فلما أصبحت بقيت بها هائمًا لا أعقل ما أصنع، فما زلت أرقب الوقت، فلما حان وقت المساء جاءتني الجارية، فسلمت علي وقالت: يا عمر، هل رأيت ذلك الوجه؟ قلت: أي واله، قالت: أفتحب أن أريكة ثانية؟ قلت: إذا تكرمت تكونين أعظم الناس منه علي، فقالت: على الشريطة، فاستخرجت المعجر فعجرتني، وقادتني، فلما توسطت المضرب فتحت العصابة عن وجهي، فإذا أنا بمضرب ديباج أحمر مدنر ببياض مفروش بأرمني، فقعدت على نمرقة من تلك النمارق، فإذا أنا بالشمس الضاحية، قد أقبلت من وراء الستر تتمايل من غير سكر، فقعدت كالخجلة، فسألتني وسلمت علي
стр. 714
فقالت: أنت عمر أبن أبي ربعية فتي قريش وشاعرها؟ قلت: أنا ذلك، قالت أنت القائل:
وناهدة الثَّديين قلت لها أتَّكي ... على الرَّمل في ديمومةٍ لم تُوسَّدِ
فقالت على اسم اللهِ ... البيت
فما زلتُ في ليلٍ طويل ملثمًا ... لَذيذَ رُضابِ المسك كالُمتشِّهدِ
فلما دتا الإصباح .. البيت
فما ازددت منها واتَّشحتُ بمرطها ... وقلت لعينيَّ اسفحا الدمع من غدِ
فقامت تُعّفِّي بالرِّداءِ مكانها ... وتطلبُ شذراً من جمانِ مُبددَّ
قلت: أنا قائلها، قالت: فمن الناهدة الثديين؟ قلت: يا سيدتي، قد سبق في الليلة الأولى، والله ما هو مني قصد ولا في جارية بعينها، قالت: يا عدو الله! أنت قد فشا شعرك، ورواه الخليفة، وتزعم أنه لم يكن في جارية بعينها! يا جواري ادفعنه، فأخرجنني ودفعنني إلى الجارية، فعجرتني وقادتني إلى مضربي، فبت في ليلة كانت أطول من الليلة الأولى، فلما أصبحت أمرت بخلوق فضرب لي، وبقيت أرقب الوقت هائمًا، فلما كان في وقت المساء جاءتني الجارية، فسلمت على وقالت: يا عمر، هل رأيت ذلك الوجه؟ قلت: أي والله، قالت: أفتحب أن أريكة الثالثة؟ قلت: إذن تكونين أعظم الناس منه علي، قالت: على الشريطة، قلت: نعم، فاستخرجت المعجر وعجرتني به، وقادتني حتى أتت بي إلى المضرب، فلما توسطته، فتحت العصابة عن عيني، فإذا أنا بمضرب ديباج أخضر مدنر بحمرة مفروش بخز أحمر، وإذا أنا بالشمس الضاحية قد أقبلت من وراء الستر كحور الجنان،
стр. 715
فسلمت علي وقالت: أنت عمر فتي قريش وشاعرها؟ قلت: أنا ذاك، قالت: أنت القائل:
نعبَ الغُرابُ يبين ذات الدملجِ ... ليتَ الغُرابَ ببينها لم يَشحجِ
ما زلت أتبعُهُم وأتبعُ عيسهمُ ... حتى دفعتُ إلى ربيبة هودج
قالت وعيش أخي وحمرة والدي .. إلى آخر الأبيات التي تقدمت
قلت: أنا قائلها، قالت: يا عدو الله! يا جواري أخرجنه، فوثبت إلى الوصائف، فأخرجنني ودفعنني إلى الجارية فعجرتني وقادتني إلى مضربي، وقد كنت عند خروجي ودفعنني إلى الجارية فعجرتني وقادتني إلى مضربي، وقد كنت عند خروجي من مضربي ضربت يدي بالخلوق، وأسدلت عليها ردائي، فلما صرت إلى باب مضربها أخرجت يدي ووضعتها على جانب المضرب وضعًا بينًا، فلما أصبحت صحت بغلماني وعبيدي، ولي ألف عبد: من أتاني بخبر المضرب الذي ضرب فيه بكذا وكذا فهو حر لوجه الله تعالي، فلما كان في وقت الماء أتتني وليدة سوداء فقالت: قد عرفت المضرب، وهو لرملة أخت عبد الملك بن مروان، فأعتقتها وأمرت لها بمائتي دينار، وأمرت بمضربي يقلع ثم يضرب بحذاء مضربها، وكتب بالخبر إلى عبد الملك، فكتب إليها بالرحيل، فركبت هودجها، وركبت وكتب بالخبر إلى عبد الملك، فكتب إليها بالرحيل، فركبت هودجها، وركبت فرسي فزاحمتها على بعض الطريق، وأشرفت علي من هودجها فقالت: إليك عني أيها الرجل، قلت: خاتم أو قميص أذكرك به، فقالت لبعض جواريها: ألقي إليه قميصاً من قمصي، فأخذته وأنا أقول:
فلا وأبيكِ مَا صَوتَ الغواني ... ولاشرب التي هي كالفصوص
اردتُ برحلتي وأريدُ حَظّاً ... ولا أكل الدَّجاج ولا الخبيصِ
стр. 716
قميص ما يفارقني حياتي .. أنيسي في المقام وفي الشخوص
وجعلت أنزل بنزولها وأركب بركوبها، حتى كنا من الشام على ثلاث وجعلت أنزل بنزولها وأركب بركوبها، حتى كنا من الشام على ثلاث مراحل، فاستقبلنا عبد الملك مع خاصته، فدخل إليها ثم قال لها: يا رمله، ألم أنهك أن لا تطوفي إلا ليلاً يحفك الجواري، ويحف الجواري الخدم، ويحف الخدم الوكلاء، لئلا يراك عمر أبن أبي ربيعة! قالت: والله، وحياة أمير المؤمنين ما رآني ساعة واحدة قط، فخرج من عندها، فبصر بمضربي [ف] قال: لمن هذا المضرب؟ قيل: لعمر أبن أبي ربيعة، قال: علي به، فأتيته بلا رداء ولا حذاء، فدخلت عليه وسلمت عليه فقال: يا عمر، ما حملك على الخروج من الحاجز من غير إذني؟ قلت: سوقًا إليك يا أمير المؤمنين، وصبابة إلى رؤيتك، فأطرق مليًا ينكث في الأرض بيده، ثم رفع رأسه فقال: يا عمر هل لك في واحدة؟ قلت: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: رملة أزوجكها، قلت يا أمير المؤمنين، وإن هذا لكائن؟ ! قال: إي ورب السماء، ثم قال: قد زوجتكما، فادخل عليها من غير أن تعلم، فدخلت عليها فقالت: من أنت هبلتك أمك؟ قلت:
يا سيدتي أنا المعذب في الثلاث، فارتحلت وأنا عديلها، ثم أنشأت أقول:
لعمري لقد نلتُ الذي كنتُ أرتجي ... وأصبحتُ لا أخفي الذي كنت أُحذرُ
فليس كمثلي اليوم كسري وهرمز ... ولا الملكُ النعمان مثلي وقيصر
فلم أزل معها بأحسن عيش وغبطة. هذا آخر ما حكاه الجاحظ
وترجمة عمر تقدمت في الإنشاد السادس من أول الكتاب.
стр. 717
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والأربعون بعد المائة:
(١٤٨) كنواحِ ريشِ حمامةٍ نجديَّةٍ
على أن فيه قلبًا، والأصل: ومسحت اللثتين بعصف الإثمد: قال ابن خلف: وقوله: ومسحت باللثتين .. الخ، أراد: مسحت اللثتين بعصف الإثمد فقلب، لأن الكلام لا يدخله لبس، ومثله في القلب لعروة بن الورد:
فَديَتُ بنفسه نفسي ومالي ... ومَا ألوكَ إلاَّ ما أُطيقُ
وإنما هو: فديت نفسه بنفسي، ومثله للقطامي
فلّما أن جري سمن عليها ... كما بطَّنت بالفدن السيَّاعا
وإنما هو: كما بطنت الفدن بالسياع، والفدن: القصر، والسياع: الطين، وقال الشاعر:
كانت فريضة ما أتيت كما ... كان الزّناء فريضة الرَّجمِ
стр. 718
فقلب، وإنما الوجه أن يقول: كما كان الرجم فريضة الزناء، ولكن جاز هذا لما كان الشاعر يعلم أن مفهوم، ومثله قول الشاعر:
لقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ... على وعلٍ في ذي المطارة عاقل
والمعني: حتى ما تزيد مخافة وعل علي مخافتي، وكذا قول الآخر:
حتى لحقنا بهم تعدي فوارسنا ... كأنَّنا رعن قُفٍّ يرفعُ ألآلا
أي: يرفعه الآل، فقلب على أصل ما ذكرنا، ومثله قول الآخر:
ويكسو المجنَّ الرخو خصراً كأنّه
إهان ذوي عن صفرةٍ فهو أخلق
وكان الوجه أن يقول: ويكسو الخصر مجنًا على ما ذكرنا، وكما قال أبو النجم:
قبل دُنوِّ الأفق من جوازائه
وإنما تدنو الجوزاء إلى الأفق. وقال آخر:
ولا تهَّيبني المواماة أركبها ... إذا تجاوبت الأصداء بالسحر
стр. 719
وإنما هو: ولا أتهيب الموماة، وقال آخر:
فصبَّحته كلابُ الغوث يوسدها ... مستوضحون يرون العين كالأثرِ
والوجه: يرون الإثر كالعين، وكذا قول الآخر:
يرون الجمر مثل ترابها
أي: يرون ترابها مثل الجمر، وقال الفرزدق:
غداة أحلَّت لابن أصرم طعنةَ ... حصينٍ عبيطات السَّدائف والخمر
فنصب الطعنة وهي الفاعلة، ورفع عبيطات وهي مفعولة، وقال آخر:
فلا تكسروا أرماحهم في صدروكم ... فتغشمكم إن الرماح من الغشم
ومثله: ﴿خلق الإنسان من عجلٍ﴾ [الأنبياء/٣٧] المعني، والله أعلم: خلق العجل من الإنسان، وقال المبرد: معناه: خلق منه العجلة، وقال أبو عمرو: خلق الإنسان من عجل، أي: من طين، والعجل من أسماء الطين، وقول العرب: أعرض الناقة على الحوض، وإنما الحوض يعرض على الناقة، هل تختار الشرب منه أو لا، ولا معني لعرض الناقة عليه، لأنه لا خبرة له في ذلك، فكان عرض الحوض على الناقة هو الأصل، ومثله: أدخلت الخف في رجلي، والخاتم في إصبعي، والقلنسوة في رأسي، ومثل ذلك أنتقول: أدخل فوه الحجر، فيكون المعني: إن الفم أدخل في الحجر، وإنما حقيقته أن الحجر
стр. 720
أدخل في الفم، وكذلك قول الشاعر:
تري الثَّور فيها مدخل الظّلِّ رأسه ... وسائره بادٍ إلى الشمس راجعُ
فجعل الظل يدخل الراس، وإنما يجوز أن يقال: يدخل رأسه الظلّ، فقلب لأنه لا يشكل، وقد أجازوا في الكلام فضلاً عن الشعر، أجازوا: أعطي الدرهم زيدًا، فجعلوا الدرهم آخذًا لزيد، والوجه أعطي زيد الدرهم، لأنه القابض له، ولكن هذا لا يشكل، وقال الشاعر.
فإنّ بني شراحيل بن عمروِ ... تماروا والفجور من التَّماري
وإنما هو: والتماري من الفجور، وقوله:
فدعا دعوة المحنِّق والتلَّبيبُ منهُ في عاملٍ مقصود
وإنما العامل في التلبيب، وكذلك قوله:
أسلموهَا في دمشق كما ... أسلمت وحشيَّية وهقا
والوهق يسلم الوحشية، فلما كان أحدهما يسلم الآخر جاز، وقوله:
ولما رأيت الهون والعير ممسك ... على رغمه ما أمسك الحبل حافره
وقوله:
وتركبُ خيل لا هواده بينها ... وتشقي الرماح بالضَّيا طرة الحمرة
стр. 721
أي: يشقي هؤلاء بهذه الرماح، وقوله:
وإذا تعاورت الأكفُّ رجاجها ... نفحت فنال رياحها المزكوم
والرياح تنال شامها، فإذا نالته نالها، وقوله:
أقبُّ طمرُّ كسيد الغضا ... إذا ما الخبارُ انتحاهُ وثب
والفرس ينتحي الخبار، وقوله:
مثل القنافذ هدّاجون قد بلغت ... نجرانُ أو بلغت سوآتهم هجرُ
وقوله:
متاليفُ يسَّارون والليلُ مسدف ... إذا الليلُ بالعوج الهدان تحيرا
ومعناه: أن العوج الهدان بالليل تحير، وقوله:
ما كنت في الحرب العوان مغمراً إذا شب حر وقودها أجزالها
والأجزال تشب النار، وقوله:
يا طول ليلي وعادني سهري ... ما تلتقي مقلتي على شفري
стр. 722
والشفران يلتقيان على المقلة، ونحو: ﴿لتنوء بالعصبة﴾ [القصص/٧٦] فلما كانت العصبة تنوء بالحمل، والحمل ينوء بها، لم تبل أيهما تقول، ومثلها: إنها تنوء بعجيزتها، ومثله: ﴿كماء أنزلناهُ من السماء فاختلف به نبات الأرض﴾ [الكهف/ ٤٥] وإنما الماء يختلط بالنبات، إلى هناك كلام ابن خلف. وكأنه أراد استقصاء أمثله القلب، شكر الله صنيعه، وإنما هذا الذي ساقه المشهور منه.
والبيت من شواهد سيبوية، وهو ثاني بيت من أبياته أورده في أول كتابه في باب ما يحتمل الشعر، قال: أعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام من صرف ما لا ينصرف، يشبهونه بما ينصرف من الأسماء، وحذف ما لا يحذف، يشبهونه بما قد حذف واستعمل محذوفاً، كقول العجاج:
قواطنًا مكّة من ورق الحمي
يريد: الحمام، وقال خفاف بن ندبة: كنوح ريش حمامة .. البيت قال أبوجعفر النحاس: قال علي بن كيسان: إنما كان حقه أن يكون: كنواحي ريش، لأن هذه الياء إنما يحذفها التنوين، ولكنه اجترأ على حذفها إذا كان مضافاً إلى اسم ظاهر، بناه على أن يصل إلى الوقف عليه، قال محمد بن يزيد: جعلها بمنزلة الياءات التي تحذف في الوقف في الفواصل والقوافي، انتهي.
وقال الأعلم: أراد كنواحي ريش، فحذف الياء في الإضافة ضرورة، تشبيهاً لها بما في حال الإفراد والتنوين وحال الوقف، وصف في البيت شفتي المرأة، فشبهها بنواحي ريش الحمامة في رقتها وإطافتها وحوَّنها، واراد أن لثانها تضرب إلى السمرة، فكأنها مسحت بالإثمد.
стр. 723
وعصف الإثمد: ما سحق منه، وهو من عصفت الريح: إذا هبت بشدة، فسحت ما مرت به وكسرته، وهو مصدر وصف به المفعول، كما قيل: الخلق بمعني المخلوق، والرواية الصحيحة: "ومسحت" بكسر التاء، وعليه التفسير، ويروي: "مسحت" بضم التاء، ومعناه: قبلتها فمسحت عصف الإثمد في لثتها، وكانت العرب تفعل ذلك، تغرز المرأة لثاتها بالإبرة، ثم تمر عليها الإثمد والنؤوو، وهو دخان الشحم المحرق حتى يثبت باللثات، فتشتد وتستمر، ويتبين بياض الثغر، ويكون المعني: باشرت من سمرتها مثل عصف الإثمد، وإنما خص الحمامة النجدية، لأن الحمام عند العرب كل مطوق كالقطا وغيره، وإنما قصده إلى الحمام الورق المعروفة، وهي تألف الجبال والحزون - والنجد: ما ارتفع من الأرض - ولا تألف الفيافي والسهول كالقطا وغيره، انتهي كلام الأعلم، وقال ابن خلف: الشاهد فيه حذف الياء من نواحي، وحذف الياء في الإضافة ردئ وحذفها في غير الإضافة أسهل، ونواحي: جمع ناحية، مثل: سارية وسواري، والعصف: ورق الزرع، والإثمد: هذا الكحل المعروف، والكحل: حجر يؤخذ من معدن من المعادن، وليس بشيء ينبت فيكون له ورقن، ولم يكن الإثمد من الأشياء التي ببلاد العرب، وهم لا يقفون على حقيقته إلا ممن عرفه، وقيل: العصف: الغبار، وهذا لا إشكال فيه.
وظن أن الكحل من النبات كالنِلج، كما ظن أبو نخيله أن الفستق من البقول، فقال:
جارية لم تأكل المرقَّقا لم تذق من البقول الفستقا
وكقول الشاعر:
والشيخ عثمان أبو عَفّانا
стр. 724
وظن أن عثمان يكني أبا عفان، وإنما هو أبو عمرو، كقول الآخر:
مثل النصاري قتلوا المسيحا
وإنما اليهود على ما قالت اليهود والنصاري قتلوا المسيح، وقد أكذبهم الله تعالي بقوله: ﴿وما قتلوهُ وما صلبُوهُ ولكن شُبهَّ لهم﴾ [النساء/ ١٥٧] وموضع الإنكار على الشاعر أن الذين اعتقدوا قتله، اعتقدوا أن الذين قتلوه هم اليهود، غير أنه ظن أنه لما كانت اليهود والنصارى مخالفين لمله الإسلام، وجاحدين لمحمد (صلي الله عليه وسلم)؛ أنهم جميعًا مشتركون في سائر ما ينكرونه من الأنبياء، انتهي، وقد كشف عن العصف في "التهذيب" و"العباب" و"القاموس" فلم أر ما يناسب هذا الموضع، فثبت قول ابن خلف أن الشاعر ظن أن الإثمد من النبات، وأما قوله: إن العصف بمعني الغبار، فلم أره بهذا المعني، والله تعالي أعلم.
والبيت نسبه سيبويه وغيره إلى خفاف بن ندبة، وقد فتشت ديوانه فلم أجده فيه، وقال ابن خلف: هو لخفاف بن ندبة، وليس في ديوانه، وقال أبو العلاء المعري في شرح "شرح ديوان البحتري" عند قوله:
يا صقيل الشِّعر المقلَّد بالذي ... يختارُ من قلعيِّه ويما به
القليعة: ضرب من السيوف، وقوله: بيمانه، يجب أن يكون على حذف الياء، أراد: ويمانيه، وذلك رديء جداً، لأن هذه الياء تثبت في الإضافة، وحذفها قليل في هذا الموضع، صنعه ابن المقفع، والبيت: كنواح ريش حمامة ... البيت، وحذف الياء في المضاف إلى الظاهر أحسن منه في المضاف إلى المضمر، لأن الظاهر منفصل، والمضمر يجري مجري ما هو من الأمم، فقوله: ويمانه، أقبح من قول القائل: كنواح ريش، ونواح ريش، أقبح من قول
стр. 725
الآخر.
فطرتُ بمنصلي في يعملاتٍ ... دوامي الأيد يخبطن السَّريحا
لأن الألف واللام قد سوغها حذف الياء حتى قيل: [إنها] لغة للعرب، وقد قرأ بها القراء، انتهي كلامه.
وقال الزمخشري في "شرح شواهد سيبويه": البيت عزاه قوم لابن المقفع، وليس كما قالوا، هذا كلامه.
واللثه: بكسر اللام، وثاء مثلثة مخففة: ما حول الأسنان من اللحم، وأصلها: لشيء، والهاء عوض من الياء.
وخفاف ابن ندبة شاعر فارسي صحابي، وهو بضم الخاء المعجمة وتخفيف الفاء، وهي في اللغة بمعني الخفيف، وندبة، بفتح النون وضمها، وسكون الدال بعدها موحدة، قال ابن خلف: خفاف: أخو خفيف في الوصف، يقال: شيء خفيف وخفاف، ومثله سريع وسراع، وشجيع وشجاع، وطويل وطوال، وكبير وكبار، وعريض وعراض، وندبة، من قولهم: رجل ندب، إذا كان سريع النهوض في الأمور، وندب الميت، أي: بكي عليه وعدد محسانه، يندبه ندبًا، والاسم الندبة، بالضم، وندبة: أم خفاف، وهي سوداء بنت شيطان بن قنان من بني الحارث بن كعب، وأبو خفاف: عمير بن الحارث بن الشريد، وكنية خفاف: أبو خراسة، وإياه عني أبو العباس بن مرداس بقوله:
أبا خراشة أمَّا أنت ذا نفر ... البيت
وهو ابن عم الخنساء وصخر ومعاوية، وخفاف هذا فارس مشهور، وشاعر
стр. 726
مجيد أدرك الإسلام فأسلم وحسن إسلامه، قال الأصمعي: شهد خفاف حنينًا، وقال غيره: شهد مع النبي (صلي الله تعالي عليه وسلم)، فتح مكة، ومعه لواء بني سليم، وشهد حنينًا والطائف.
قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": لخفاف بن ندبة حديث واحد، لا أعلم له غيره، قال: أتيت رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، أين تأمرني أن أنزل، أعلى قرشي، أم علي أنصاري، أم أسلم أم غفار؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "يا خفاف! ابتغ الرفيق قبل الطريق، فإن عرض لك أمر نصرك، وإن احتجت إليه رفد".
وكان خفاف أسود حالكًا، وهو القائل:
كلانا يسوِّده قومه ... على ذلك النسَّبِ المظلم
قال أبو عبيدة: وهو أحد الأغربة الثلاثة في الجاهلية، وإنما سموا أغربة، لأن أمهاتهم سود: عنترة بن شداد العبسي، وأمه زبيبة، وخفاف بن عمير الشريدي من بني سليم، وأمة ندبة، وإليها ينسب، والسليك بن السلكة السعدي، انتهي.
تتمة مما له تعلق بالبيت المتقدم: قول النابغة الذبياني:
تجلو بقادمتي حمامة أيكةٍ ... بردًا أسفَّ لثاته بالإثمدِ
كالأقحوان غداة غبِّ سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندي
стр. 727
قال الخالديان في "شرح ديوان مسلم بن الوليد": شبه شفتيها واللمي الذي فيها بقادمتي حمامة، والقوادم أشد سودًا من الخوافي، فلذلك خص القوادم.
وأسف: ذرَّ، والثة: اللحم الذي في الأسنان، هذا قول الأصمعي، وقال ابن الأعرابي: إنما عني أصبعيها، وشبهها بقادمتي حمامة وأن أطرافها مخضبة، فذكر أنها تستاك بإصبعين كقادمتي الحمامة، وأخذ هذا المعني الأعشي فقال:
تجلو بقادمتي حمامة أيكةٍ ... بردًا أسفَّ لثاته بسواد
ذكر أنها حماء الشفتين، وهي الليمياء، والعرب إذا وصفت بياض الثغر خلطت بذلك سواد اللثة، وأول من اخترع ذلك امرؤ القيس بقوله:
منابته مثل السَّدوس ولونه ... كشوك السَّيال وهو عذب يفيص
السدوس: النيلج، فأراد أن منابته تضرب إلى السواد، والسيال: نبت له شوك أبيض أصوله مثل الثنايا، وقد أخذ الأعشي قول امرئ القيس فقال:
باكرتها الأغراب في سنة النَّو ... م فتجري خلال شوك السَّيال
وما أحسن ما أخذه أبو تمام بقوله:
كان شوك السَّيال حسنًا فأمسي ... دونه للبعاد شوك القتاد
стр. 728
وأخذ الأخوص معني النابغة فقال:
تجلو بقادمتي قمرَّية بردًا ... غرّاً تري في مجاري ظلمة أشرًا
وقد ذكر الصولي في بعض كتبه بيتي النابغة، وفسره تفسيراً أضافه إلى نفسه، وذكر الصولي في بعض كتبه بيتي النابغة، وفسره تفسيراً أضافه إلى نفسه، وذكر أن أ؛ داً من العلماء لم يشركه فيه، ونحن نذكر تفسيره قال: أول من وصف الثغر وأحسن النابغة بقوله:
تجلو بقادمتي حمامة أيكة ... البيتين
هذه صفات وشروط لم يهذبها النابغة، ولكنه بالغ في الوصف، ويحتاج إلى تفسير، وما أعلم أن أحداً من العلماء الذين عملوا شعر النابغة فسره على حقيقته، قوله: بقادمتي، يريد يجلو شفتاها ثغرها إذا ضحكت وتكلمت، وشبهه شفتيها بريش قادمتي حمامة، يريد في الرقة واللين، بردًا، يريد ثغرًا كالبرد، أسف
стр. 729
لثاته: جمع لثة، بالإثمد كحل، وكانوا يجعلون الكحل في أصول الأسنان حتى يشرق بياض الأسنان بسواد الكحل، وهم يصفون اللثة بالحمرة لتخالف لون الثغر، قال: هذا الثغر كالأقحوان، شبه به لبياض الأقحوان وطيبة، جفت أعاليه وأسفله ندي: هذا موضع حذق النابعة في وصفه، لأن الأقحوان إذا روي بالمطر ولم تطلع عليه الشمس كان ملتفًا مجتمعًا، وكذا كل الأنوار، فلو شبه الثغر به في هذه الحال كان قبيحًا لأنه يركب بعضه بعضًا، فقال: جفت أعاليه، يريد: الورق الأبيض المشبه بالثغر إذا تبسط، ثم قال: وأسفله ندي، فاحترس من أن يكون جافاً من الريق، لأن الجاف الريق أبدًا متغير النكهة، والكثير الريق أبدًا طيبها، هذا قول الصولي قد أوردناه بلفظه، وهو وجه حسن.
والذي عندنا في قوله: جفت أعاليه وأسفله ندي؛ أنه يريد قرب عهده بالمطر، وقد صقل ورقة فحسن عند ذلك، ولم يطل عبده بالمطر فيتغير، ويدل عليه قوله: وأسفله ندي، وبنداوته أيضًا يشرق ويحسن، لأنه إذا عطش تغير وقبح منظره، أنتهي.
وقد أخذ البيت الأول القتال الكلابي وغير قافيته فقال:
تجلو بقادمتي حمامة أيكةٍ ... بدراً أسفَّ لثاته مثبلوج
وأراد بمثلوج: برد ريقها.
وأخذه أيضًا سنان بن عميرة الباهلي فقال:
تجلو بقادمتي حمامة أيكةٍ ... برداً منا بته لثات سود
وهو من شعر أورده أبو تمام في كتاب "مختار أشعار القبائل".
وقال أبو حنيفة الدينوري في كتاب "النبات": والعرب يستحسنون أن يكون في لثة المرأة وشفتيها حوة، وهي حمرة إلى سواد يسير، وإذا كانت
стр. 730
كذلك فهي اللعساء واللمياء، وتلك الحمرة لعس ولمي، قال ذو الرمة:
لمياء في شفتيها حوَّة لعس ... وفي اللِّثات وفي أنيا بها شنبُ
وكانت المرأة إذا لم تكن لعساء تكلفت ذلك بالنؤور، قال النابغة في وصف شفتي جارية بارقة واللعس:
تجلو بقادمتي حمامة أيكةٍ ... البيت
وقال آخر في مثله:
كنواح ريش حمامةٍ نجديةٍ ... ومسحت بالشفتين عصف الإثمد
انتهي. وهذه رواية أخرى "بالشفتين" بدل "اللثتين" وفي كتاب في نقد الشعر، ولا أعرف مؤلفه، وذكر بيتي النابغة: شبه شفتيها، واللمي الذي فيها، بقادمتي الحمامة، وهذا الريش الذي في القوادم أشد سواداً من الخوافي، فلذلك خص القوادم بالتشبيه، وذكر الأصمعي أنه عني بالسواد لحم الأسنان، وذلك أنهم كانوا يدمون اللثة، ويذرون عليها الكحل لتسود، ويكون سوادها مع بياض الأسنان حسنًا، انتهي.
وقد ضمن بعضهم البيت الثاني من بيتي النابغة في هجو، فجعله آبدة من الأوابد، فقال:
يا سائلي عن جعفر علمي به ... رطب العجان وكفه كالجلمد
стр. 731
كالأقحوان غداة غبِّ سمائه جفَّت أعاليه وأسفلهُ ندي
ومن شعر طرفه في هذا المعني:
وتبمس عن ألمي كأنّ منورِّراً ... تخلَّل حرَّ الرَّمل دعص له ندي
سقته إياه الشمس إلاَّ لثاته ... أسفَّ ولم تكدم عليه بإثمد
أي: تضحك عن ثغر ألمي اللثات، أي: أسمر اللثات، وقوله: كأن منوراً، أي: كأن به منوراً، فأضمر الخبر لأنه مفهوم، واراد بالمنور أقحوانًا قد ظهر نوره، فشبه بياض الثغر ببياض نور الأقحوان، وقوله: تخلل حر الرمل، أي، توسطه ونبت بينه، وذلك أنعم لنبته ونوره، وحر الرمل: أكرمه وأحسنه لونًا، والدعص: كثيب من الرمل ليس بكبير، وقوله: له أي: للمنور، والندي: الذي في أسفله الماء، وإذا كان كذلك تنعم الأقحوان وصفاً لونه، وإياه الشمس: ضوؤها وشعاعها، وقوله: أسف، أي: ذر على لثاته الإثمد، واراد: أسف بإثمد، ولم تكدم عظمًا فيؤثر في ثغرها ويذهب أشره، أي: تحديده، والكدم: العض، وقوله: سقته، أي: سقت الثغر، والمعني: أحسنته وبيضته، وهذا مثل، وإنما أراد أن ثغرها أبيض براق، ولثانها سمر، فاشتد لسمرتها بياض الثغر، ومن شعر طرفة أيضًا:
وإذا تضحك تبدي حبباً ... كرضاب المسك بالماء الخصر
стр. 732
بدّلتهُ الشمسُ من منبته ... بدراً أبيض مصقول الأشر
روي عن الشعبي أنه كان يسأل جلساءه عن هذا البت ومعناه فلا يجيبون، ثم فسره لهم فقال: إن الغلام والجارية من غلمان العرب إذا سقطت سنة يقف بحذاء الشمس فيحذف بها، ويقول: كأنه يخاطب الشمس: أبدليني بها سنًا أحسن منها، فهذا معني قول طرفة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والأربعون بعد المائة:
(١٤٩) كفي الشَّيبُ والإسلامُ للمرء ناهيا
وصدره:
عُميرة ودِّع إن تجهَّزت غادياً
على أنه جاء فاعل كفي مجرداً عن الباء.
وأورده سيبويه في باب "عدة ما يكون عليه الكلم" قال: وقد تكون باء الإضافة بمنزلتها، أي: بمنزلة "من" في التوكيد، وذلك قولك: ما زيد بمنطلق، ولست بذاهب، أراد أن يكون مؤكدًا حيث نفي الانطلاق والذهاب، وكذلك كفي بالشيب واعظاً، لو ألغي الباء لاستقام الكلام قال عبد بني الحسحاس:
كفي الشيب والإسلام للمرء ناهيا
انتهي. قال الأعلم: الشاهد فيه رفع الشيب بكفي بعد إسقاط حرف الجر المستعمل في مثله للتوكيد، إذا قالوا: كفي الشيب، وكما قال عز ذكره: ﴿وكفي بالله شهيداً﴾ [النساء/٧٩] أي: كفي الله من شهيد: وقوله: عميرة ودع، أي: ودعها وداع تارك للصبا، متعظ بما شمله من الشيب، وأحاط
стр. 733
به من حرمة الإسلام وتحجيره للصبا ونهيه عن القبيح، انتهي.
وجعل أبو علي في كتاب "إعراب الشعر" زيادة الباء في نحو هذا من القليل، قال: ما أسند الفعل إليه من الفاعلين، وقد جر بحرف جر، فهوفي موضعين؛ أحدهما: أن يكون إيجاباً، وهو قليل، والآخر: أن يكون غير إيجاب؛ فالإيجاب كقولك: كفي بالله، وفي التنزيل: (كفي بالله شهيداً) وتقول: كفي الله، فلا تلحق الحرف، قال: عميرة ودع ... البيت. انتهي.
وقد كتبنا في "حاشية بانت سعاد" في شرح قوله:
أكرم بها خلّةً لو أّنها صدقت ... البيت
مما يتعلق بزيادة الباء في فاعل كفي ما فيه غنية عن غيره، وعميرة بالتصغير.
مفعول مقدم لودع، والتوديع هنا الترك، وتجهزت: تهيأت وتحملت، وغاديًا: ذاهبًا في الغداة، وهو حال من التاء، وكفي: مفعول محذوف، أي: كفاك الشيب، والبيت خطاب لنفسه، وناهيًا: يحتمل أن يكون تمييزاً، وأن يكون حالاً من أحدهما، وحال الآخر محذوفة، وإلا لقال: ناهيين.
ولم يصب العيني في قوله: ناهياً: مفعول كفي.
وقال ابن جني في "الخصائص" في باب " اللفظ يرد محتملاً للأمرين أحدهما أقوي من صاحبه" ناهياً في البيت: أسم فاعل من نهيت، وقد يجوز مع هذا أن يكون مصدراً كالباطل، كأنه قال: كفي الشيب والإسلام للمرء نهيًا وردعًا، أي: ذا نهي، فحذف المضاف، وعلقت للمرء بما يدل عليه الكلام، ولا يكون على هذا معلقًا بنفس الناهي لأن المصدر لا يتقدم شيء من صلته عليه، [فهذا] وإن كان عسفًا، فإن جائز، لأن العرب قد حملت عليه فيما لا يشك فيه، فإذا أنت أجزته هنا، فلم تجز إلا جائزًا مثله، ولم تأت إلا ما أتوا
стр. 734
نحوه. انتهي. وهذا شيء يتعجب منه.
والبيت من قصيدة طويلة تزيد على ستين بيتًا لحيم عبد بني الحسحاس، كلها نسيب وغزل بعميرة بنت سيدة، وغيرها من النساء، وسحيم: مصغر أسحم وكان عبداً أسود من المخضرمين أدرك الجاهلية والإسلام، قال اللخمي: كان مولي حسيم جندل بن معبد من بني الحسحاس، وكان أعدمي اللسان، ينشد الشعر ويقول: أهشند والله، يريد: أحسنت والله، وكان عبد الله بن أبي ربيعة قد اشتراه، وكتب إلى عثمان بن عفان رضي الله تعالي عنه: إني قد ابتعت لك غلامًا شاعرًا حبشيًا، فكتب إليه عثمان: لا حاجة لي به فاردده، فإنما قصارى أهل العبد الشاعر إن سبع أن ينسب بنسائهم، وإن جاع أن يهجوهم! فرده عبد الله، فاشتراه أبو معبد، فكان كما قال عثمان رضي الله تعالي، شبب ببنته عميرة، وفحش بها وشهرها، فقتله سيده، ومما قال منها في هذه القصيدة:
توسِّدني كفا وتثني بمعصم ... عليَّ وتحوي رجلها من ورائيا
فما زال بردي طيّبًا من ثيابها ... إلى الحول حتى أنهج البرد باليا
والحسحاس بمهملات: هو ابن نفاثة بن سعد، وينتهي إلى أسد بن خزيمة.
وفي "كامل" المبرد: ان عبد بني الحسحاس يرتضخُ لكنه حبشية، فلما أنشد عمر ابن الخطاب، (رضي الله تعالي عنه) هذا المطلع قال له عمر: لو كنت قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك، أي: لأعطيتك شيئًا، فقال سحيم: ما سعرت،
стр. 735
يريد. ما شعرت. وروي المرزباني في ترجمته عن الحسن البصري أن رسول الله (صلي الله عليه سلم)، قال: "كفي الإسلام والشيب للمرء ناهياً" فقال له أبو بكر (رضي الله تعالي عنه): إنما قال الشاعر: كفي الشيب والإسلام للمرء ناهيًا، فأعادها النبي (صلي الله تعالي وسلم، كالأول، فقال أبو بكر: أشهد أنك لرسول الله (وما علمناهُ الشعر وما ينبغي له).
وقال ابن حبيب في كتاب "من قتل من الشعراء": أنشد رسول الله، (صلي الله تعالي عليه وسلم)، قول سحيم، عبد بن الحسحاس:
الحمدُ لله حمدًا لا انقطاع له ... فليس إحسانُه عنَّا بمقطوع
فقال: "أحسن وصدق، وإن الله ليشكر مثل هذا، ولئن سدد وقارب إنه لمن أهل الجنة".
وكان سحيم صاحب غزل، فاتهمه مولاه بابنته، فجلس له في مكان إذا رعي.
سحيم قال فيه، فلما اضطجع تنفس الصعداء، ثم قال:
يا ذكرةً مالك في الحاضر ... تذكرها وأنت في الصَّادر
من كلّ بيضاء لها كعثب ... مثل سنام الرُّبع المائر
فقال له سيده، وظهر من موضعه الذي كان كمن فيه، : [مالك؟ ]
стр. 736
فلجلج في منطقة، فلما رجع أجمع على قتله، وخرجت إليه صاحبته، فحدثته وأخبرته بما يراد به، فقام ينفض برده ويعفي أثره، فلما أنطلق به ليقتل، ضحكت امرأة كان بينها ونبيه شيء، فقال:
إن تضحكي مني فيا رب ليلةٍ ... تركت فيها كالقباء المفرَّج
فلما قدم ليقتل قال:
شُدُّوا وثاق العبد لا يفلتكم ... إنَّ الحياة من الممات قريب
فقلد تحدَّر من جبين فتاتكم ... عرق على ظهر الفراش وطيبُ
فقتل. انتهي، وكذا رأيت في ديوانه، وفيه زيادة، وقال ابن حجر في "الإصابة" يقال: إن سبب قتله أن امرأة من بني الحسحاس أسرها بعض اليهود، واستخصها لنفسه، وجعلها في حضن له، فبلغ ذلك سحيمًا، فأخذته الغيرة، فما زال يتحيل له حتى تسور على اليهودي حصنه، فقتله وخلص المرأة، فأوصلها إلى قومها، فلقيته يوماً فقال له: يا سحيم والله لوددت أني أقدر على مكافأتك على تخليصي من اليهودي! فقال لها: والله إنك لقادرة على ذلك، وعرض لها بنفسها، فاستحيت وذهبت، ثم لقبته مرة أخرى، فعرض لها بذلك فأطعاته، فهويها وطفق يتغزل بها، ففطنوا له فقتلوه خشية العار. انتهي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخمسون بعد المائة:
(١٥٠) قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقالُ لهُ قليلُ
стр. 737
على أنه كفي التي بمعني أجزأ وأغني متعدية كما في البيت.
وهو لأبي نصر أحمد بن علي الميكالي، كذا قال عبد الرحيم العباسي في"معاهد التنصيص" وليس كذلك، بل هو لغيره، وقد أورده محمد بن عبد الجبار العتبي في ترجمة أبي نصر المذكور من تاريخه اليمني بعد رسالة كتبها إلى شمس المعالي قابوس بن وشمكير جواباً عن رقعة كان أرسلها إليه، وهي رسالة ضمنها السحر الحلال، والعذب الزلال، وهي تحكي بما حوته من لطف العبارة، وحسن الاستعارة، ومعسول الإشارة والشارة، رياض ميثاء إلى قراره، وهذه نتفة منها: فأما ما أهل الأمير العبد لله من شريف كتابه، ولطيف خطابه، ورقّاه إليه من درجة العيادة أولاً، ومنزلة التهنئة ثانياً، وإنفاذ القاصد إليه ثالثاً، فإن ذلك من نتائج همته العالية، ودواعي شيمته الزاكية التي تحنوه على أوليائه وخدمه، وتعطفه على أغذياء نعمه، فليس له في مقابلة ما أولاه، ومعارضة ما كاه إلى الشكر يديمه، والنشر يقيمه، والرغبة إلى الله تعالي يخلصها في إطالة عزة بقائه، وإدامة مجده وعلائه، وإنهاضه بمواجب خدمته، ومعرفة قدر نعمته
стр. 738
بمنه ورحمنته، هذا ولوملك العبد في مقابلة هذه النعمة على جلاله قدرها، ونباهة خطرها، غير بذل المهجة في الطاعة، واستنفاذ الوسع والطاقة، غاية، لبلغها تقرباً إلى حقوقه بما يقضتيها، ويؤدي شرط العبودية فيها، وحكم على نفسه بالعجز والتقصير معها، وإذا قد حرم المراد فما يتمسك إلى بالرغبة إلى الله تعالي في أن يتولي بمكافأته ما لا يسمح به إلا يده، ولا يفي [به] إلا مجده؛ فهذا هو الكلام الذي ليس به عثار، ولا عليه غبار، قد ولي الفضل تحبيره، وملك العقل رسمه وتصويره، والقليل منه على الكثير دليل، وكلام الجليل كقدره جليل [كما قيل]:
قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل
قال العتبي: وأبو نصر هذا، كان صنيعة السلطان يمين الدولة، وشيخ مملكته، وجمال جملته فضلاً موفوراً وأدباً مشهورًا، وعزاً معقودًا، ومالاً ممدودًا، ورأيًا كالأري مشاراً، وحزمًا كالمواثر مغاراً، ودهاء يسلخ الليل البهيم نهاراً، ونظرًا يستشف أستار المصائر، ويستكشف أسرار الضمائر، وشعراً نقي السنخ والجوهر، رضي المورد والمصدر، فمنه قوله:
باني العلي والمجد والإحسان ... والفضل والمعروف أكرم بان
стр. 739
ليس البناء مشَّيداً لك شيده ... مثل البناءِ يشادُ بالإحسانِ
البرُّ أكرمُ ما حوتهُ حقيبة ... والشكرُ أكرمُ ما حوتهُ يدانِ
وإذا الكريم مضي وولي عمره ... كفل الثَّناءُ له بعمر ثان
والبيت مأخوذ من قول إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وهو:
هل إلى نظرةِ إليك سبيلُ ... يرو منها الصَّدي ويشف الغليل
إنَّ ما قلَّ منك يكثرُ عندي ... وكثير ممَّن تحبُّ القليلُ
والأصل مأخوذ من قول يزيد بن الطثرية، وهو:
أليس قليلاً نظرة إن نظرتها ... إليك وكلاّ ليس منك قليلُ
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والخمسون بعد المائة:
(١٥١) كفي ثعلاً فخراً بأنَّك منهمُ ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهلُ
على أنه وقع زيادة الباء هنا في فاعل كفي المتعدية لواحد. ولم يتنبه له أحد من شراحه إما لهو عن شرط الزيادة ... الخ.
أقول: شرط زيادة الباء في فاعل كفي عنده أن يكون كفي بمعني اكتف، وهو فعل لازم يتعدي بالباء، فكفي هذه يخص فاعلها بزيادة الباء، فإن لم يكن كفي بمعني اكتف، فهو إما متعد إلى واحد أو إلى اثنين، وكلاهما لا يجوز زيادة الباء في فاعلهما، فيكون كفي عند المصنف ثلاثة أقسام.
стр. 740
و "كفي" الأولى قيل إنها اسم فعل، وقيل إنها فعل، حكاهما السمين في إعرابه عند قوله تعالي: ﴿وكفي بالله حسيبًا﴾ [النساء/ ٦].
وقال أبو حيان في "شرح التسهيل": قال أستاذنا أبو جعفر بن الزبير: لا تزاد الباء في فاعل كفي إلا إذا كانت بمعني حسب، وأما إذا كانت بمعني وقي، فلا تزداد، نحو قوله تعالي: ﴿وكفي اللهُ المؤمنين القتال﴾ [الأحزاب/٢٥] انتهي. وقال في تفسيره " البحر" عند قوله تعالي: ﴿وكفي بالله وليًا وكفي بالله نصيرًا) من سورة النساء [الآية/٤٥]: الباء في بالله زائدة، ويجوز حذفها كما قال سحيم:
كفي الشَّيبُ والإسلامُ للمرء ناهيا
وزيادتها في فاعل كفي، وفاعل يكفي مطردة، كما قال تعالي: ﴿أو لم يكف بربك أنه كل شيء شهيد﴾ [فصلت/٥٣] وقال الزجاج: دخلت الباء في الفاعل لأن معني الكلام الأمر، أي: اكتفوا بالله، وكلام الزجاج مشعر أن الباء ليست بزائدة، ولا يصح ما قال من المعني، لأن الأمر يقضتي أن يكون فاعله هم المخاطبون، ويكون بالله متعلقاً به، وكون الباء دخلت في الفاعل يقضتي أن يكون الفاعل هو الله تعالي لا المخاطبون، فتناقض قوله.
وقال ابن السراج: معناه كفي، الاكتفاء بالله تعالي، وهذا أيضاً يدل على أن الباء ليست زائدة إذا تتعلق بالاكتفاء، فالاكتفاء هو الفاعل لكفي، وهذا أيضاً لا يصح، لأن فيه حذف المصدر وهو موصول، وإبقاء معمولة، وهو لا يجوز إلا في الشعر، نحو قوله:
هل تذكرنَّ إلى الدَّيرين هجرتكم ... ومسحكم صلبكم رحمن قربانا
следующие страницы →