← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فلجلج في منطقة، فلما رجع أجمع على قتله، وخرجت إليه صاحبته، فحدثته وأخبرته بما يراد به، فقام ينفض برده ويعفي أثره، فلما أنطلق به ليقتل، ضحكت امرأة كان بينها ونبيه شيء، فقال: إن تضحكي مني فيا رب ليلةٍ ... تركت فيها كالقباء المفرَّج فلما قدم ليقتل قال: شُدُّوا وثاق العبد لا يفلتكم ... إنَّ الحياة من الممات قريب فقلد تحدَّر من جبين فتاتكم ... عرق على ظهر الفراش وطيبُ فقتل. انتهي، وكذا رأيت في ديوانه، وفيه زيادة، وقال ابن حجر في "الإصابة" يقال: إن سبب قتله أن امرأة من بني الحسحاس أسرها بعض اليهود، واستخصها لنفسه، وجعلها في حضن له، فبلغ ذلك سحيمًا، فأخذته الغيرة، فما زال يتحيل له حتى تسور على اليهودي حصنه، فقتله وخلص المرأة، فأوصلها إلى قومها، فلقيته يوماً فقال له: يا سحيم والله لوددت أني أقدر على مكافأتك على تخليصي من اليهودي! فقال لها: والله إنك لقادرة على ذلك، وعرض لها بنفسها، فاستحيت وذهبت، ثم لقبته مرة أخرى، فعرض لها بذلك فأطعاته، فهويها وطفق يتغزل بها، ففطنوا له فقتلوه خشية العار. انتهي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخمسون بعد المائة: (١٥٠) قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقالُ لهُ قليلُ

стр. 737

على أنه كفي التي بمعني أجزأ وأغني متعدية كما في البيت. وهو لأبي نصر أحمد بن علي الميكالي، كذا قال عبد الرحيم العباسي في"معاهد التنصيص" وليس كذلك، بل هو لغيره، وقد أورده محمد بن عبد الجبار العتبي في ترجمة أبي نصر المذكور من تاريخه اليمني بعد رسالة كتبها إلى شمس المعالي قابوس بن وشمكير جواباً عن رقعة كان أرسلها إليه، وهي رسالة ضمنها السحر الحلال، والعذب الزلال، وهي تحكي بما حوته من لطف العبارة، وحسن الاستعارة، ومعسول الإشارة والشارة، رياض ميثاء إلى قراره، وهذه نتفة منها: فأما ما أهل الأمير العبد لله من شريف كتابه، ولطيف خطابه، ورقّاه إليه من درجة العيادة أولاً، ومنزلة التهنئة ثانياً، وإنفاذ القاصد إليه ثالثاً، فإن ذلك من نتائج همته العالية، ودواعي شيمته الزاكية التي تحنوه على أوليائه وخدمه، وتعطفه على أغذياء نعمه، فليس له في مقابلة ما أولاه، ومعارضة ما كاه إلى الشكر يديمه، والنشر يقيمه، والرغبة إلى الله تعالي يخلصها في إطالة عزة بقائه، وإدامة مجده وعلائه، وإنهاضه بمواجب خدمته، ومعرفة قدر نعمته

стр. 738

بمنه ورحمنته، هذا ولوملك العبد في مقابلة هذه النعمة على جلاله قدرها، ونباهة خطرها، غير بذل المهجة في الطاعة، واستنفاذ الوسع والطاقة، غاية، لبلغها تقرباً إلى حقوقه بما يقضتيها، ويؤدي شرط العبودية فيها، وحكم على نفسه بالعجز والتقصير معها، وإذا قد حرم المراد فما يتمسك إلى بالرغبة إلى الله تعالي في أن يتولي بمكافأته ما لا يسمح به إلا يده، ولا يفي [به] إلا مجده؛ فهذا هو الكلام الذي ليس به عثار، ولا عليه غبار، قد ولي الفضل تحبيره، وملك العقل رسمه وتصويره، والقليل منه على الكثير دليل، وكلام الجليل كقدره جليل [كما قيل]: قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل قال العتبي: وأبو نصر هذا، كان صنيعة السلطان يمين الدولة، وشيخ مملكته، وجمال جملته فضلاً موفوراً وأدباً مشهورًا، وعزاً معقودًا، ومالاً ممدودًا، ورأيًا كالأري مشاراً، وحزمًا كالمواثر مغاراً، ودهاء يسلخ الليل البهيم نهاراً، ونظرًا يستشف أستار المصائر، ويستكشف أسرار الضمائر، وشعراً نقي السنخ والجوهر، رضي المورد والمصدر، فمنه قوله: باني العلي والمجد والإحسان ... والفضل والمعروف أكرم بان

стр. 739

ليس البناء مشَّيداً لك شيده ... مثل البناءِ يشادُ بالإحسانِ البرُّ أكرمُ ما حوتهُ حقيبة ... والشكرُ أكرمُ ما حوتهُ يدانِ وإذا الكريم مضي وولي عمره ... كفل الثَّناءُ له بعمر ثان والبيت مأخوذ من قول إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وهو: هل إلى نظرةِ إليك سبيلُ ... يرو منها الصَّدي ويشف الغليل إنَّ ما قلَّ منك يكثرُ عندي ... وكثير ممَّن تحبُّ القليلُ والأصل مأخوذ من قول يزيد بن الطثرية، وهو: أليس قليلاً نظرة إن نظرتها ... إليك وكلاّ ليس منك قليلُ وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والخمسون بعد المائة: (١٥١) كفي ثعلاً فخراً بأنَّك منهمُ ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهلُ على أنه وقع زيادة الباء هنا في فاعل كفي المتعدية لواحد. ولم يتنبه له أحد من شراحه إما لهو عن شرط الزيادة ... الخ. أقول: شرط زيادة الباء في فاعل كفي عنده أن يكون كفي بمعني اكتف، وهو فعل لازم يتعدي بالباء، فكفي هذه يخص فاعلها بزيادة الباء، فإن لم يكن كفي بمعني اكتف، فهو إما متعد إلى واحد أو إلى اثنين، وكلاهما لا يجوز زيادة الباء في فاعلهما، فيكون كفي عند المصنف ثلاثة أقسام.

стр. 740

و "كفي" الأولى قيل إنها اسم فعل، وقيل إنها فعل، حكاهما السمين في إعرابه عند قوله تعالي: ﴿وكفي بالله حسيبًا﴾ [النساء/ ٦]. وقال أبو حيان في "شرح التسهيل": قال أستاذنا أبو جعفر بن الزبير: لا تزاد الباء في فاعل كفي إلا إذا كانت بمعني حسب، وأما إذا كانت بمعني وقي، فلا تزداد، نحو قوله تعالي: ﴿وكفي اللهُ المؤمنين القتال﴾ [الأحزاب/٢٥] انتهي. وقال في تفسيره " البحر" عند قوله تعالي: ﴿وكفي بالله وليًا وكفي بالله نصيرًا) من سورة النساء [الآية/٤٥]: الباء في بالله زائدة، ويجوز حذفها كما قال سحيم: كفي الشَّيبُ والإسلامُ للمرء ناهيا وزيادتها في فاعل كفي، وفاعل يكفي مطردة، كما قال تعالي: ﴿أو لم يكف بربك أنه كل شيء شهيد﴾ [فصلت/٥٣] وقال الزجاج: دخلت الباء في الفاعل لأن معني الكلام الأمر، أي: اكتفوا بالله، وكلام الزجاج مشعر أن الباء ليست بزائدة، ولا يصح ما قال من المعني، لأن الأمر يقضتي أن يكون فاعله هم المخاطبون، ويكون بالله متعلقاً به، وكون الباء دخلت في الفاعل يقضتي أن يكون الفاعل هو الله تعالي لا المخاطبون، فتناقض قوله. وقال ابن السراج: معناه كفي، الاكتفاء بالله تعالي، وهذا أيضاً يدل على أن الباء ليست زائدة إذا تتعلق بالاكتفاء، فالاكتفاء هو الفاعل لكفي، وهذا أيضاً لا يصح، لأن فيه حذف المصدر وهو موصول، وإبقاء معمولة، وهو لا يجوز إلا في الشعر، نحو قوله: هل تذكرنَّ إلى الدَّيرين هجرتكم ... ومسحكم صلبكم رحمن قربانا

стр. 741

التقدير: وقولكم: يا رحمن قربانا، وقال ابن عطية: يا الله، في موضع رفع بتقدير زيادة الخافض، وفائدة زيادته تبيين معني الأمر في صورة الخبر، أي: اكتفوا بالله، فالباء تدل على المراد من ذلك، وهذا الذي قاله ابن عطية ملفق بعضه من كلام الزجاج، وهو أفسد من قول الزجاج، لأنه زاد على تناقض اختلاف الفاعل تناقض اختلاف معني الحرف [إذا]، بالنسبة لكون الله فاعلاً هو زائد، وبالنسبة إلى أن معناه: اكتفوا بالله، هو غير زاد، وقال ابن عيسي: إنما دخلت الباء في "كفي بالله" لأنه كان يتصل اتصال الفاعل، وبدخول الباء اتصل اتصال المضاف، واتصال الفاعل، لأن الكفاية منه ليست كالكفاية من غيره، فضوعف لفظها لمضاعفة معناها. انتهي. وهو كلام يحتاج إلى تأويل، وقد تقدم الكلام علي (كفي بالله) في قوله: ﴿فاشهدوا عليهم وكفي بالله حسيبًا) [النساء/٦] لكن تكرر هنا لم تضمن من مزيد نقول ورد بعضها. انتهي كلام أبي حيان.

стр. 742

وقد نقل ابن الشجري في المجلس الثلاثين من "آماليه" قولي الزجاج وابن عيسي، ولم يتعقبهما بشيء، وقد تبع الزجاج مكي وابن عطية وأبو البقاء. وأقول: كلام الزجاج توجيه معني لا توجيه إعراب، يدل عليه كلامه، قال في تفسير الآية: معناه: وكفي الله شهيدًا، والباء دخلت مؤكدة لمعني اكتفوا بالله في شهادته، انتهي، فالباء عنده من جهة الإعراب زائدة، والفاعل هو الله، وهذا هو الملحظ الأصلي، ويلزم من كون الله كافياً في الشهادة أمر الاكتفاء بالله تعالي في شهادته، فذكر الباء أكد هذا المعني اللزومي، فالباء ليست زائدة محضة، بل لها فائدة بالنسبة إلى هذا المعني، وإن كانت زائدة من جهة الإعراب، وغضه التحاشي عن إطلاق الزائد الذي لا معني له على شيء من كلام الله تعالي، ولهذا ينكرون الزائد، ويقولون في مثله مؤكد. وهذا اعتبار حسن جار على القواعد، فلا يرد ما توهمه أبو حيان في الرد عليه، ولا ما توهمه المصنف من أن كفي هذه قسم آخر، فكفي عند الزجاج وغيره قسمان لا غير: إما متعدية لواحد، ويجوز زيادة الباء في فاعلها، وإما متعدية لاثنين، ولا يجوز زيادة الباء في فاعلها، فلا سهو في شرط زيادة الباء. وعلى القسمين في "كفي" جري كلام ابن الشجري في "أماليه" فإنه أورد بيت المتنبي في آخر ذلك المجلس، وقال: الكفاية: بلوغ الغاية في الشيء، فقلوهم: كفاك به رجلاً، وهو كافيك من رجل، معناه، قد بلغ الغاية في خصال المدح، وفلان

стр. 743

كاف. إذا قام بالأمر، وانتهي إلى الغاية في التدبير، ويكفي ويجزئ ويغني بمعني واحد، فهذا يتعدي إلى مفعول واحد، كقولك: يكفيني درهم، وكفاني قرص، أي: أجزأني وأغناني عن أكل قرص آخر. وأما كفي المتعدي إلى مفعولين في نحو: كفيت فلاناً شر فلان، فمعناه: منعته منه، وحلت بينه وبينه، وفي التنزيل: ﴿فسيكفيكهم الله﴾ [البقرة/١٣٧] فهما مختلفان معني وعملاً، فمن الضرب الأول قوله: كفي ثعلاً فثعلاً: مفعول به، وفخراً: تمييز، والفاعل: أن وصلتها، والباء مزيدة كما زيدت في (كفي بالله) انتهي. وقول المصنف: و "دهر" مرفوع عند ابن جني الخ .. قال ابن الشجري: وقد روي في دهر الرفع والنصب، فالرفع رواية ابن جني والربعي، والنصب رواية الشامين، وعليه اعتمد المعري. انتهي. وقول المصنف: ودهر مرفوع، عند ابن جني، وهذه عبارته: ارتفع أهل لأنه وصف الدهر، وارتفع دهر بفعل مضمر دل عليه أول الكلام، فكأنه قال: وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله، لا يتجه رفعه إلا على هذا، لأنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه، ولا وجه لرفعه بالابتداء إلا على حذف الخبر، وليس في قوة إضمار الفعل ههنا، انتهي. وقول المصنف: وأهل صفة، قال ابن الشجري: وأهل هنا معناه مستأهل ومستحق، فلذلك علق به "لأن أمسيت من أهله" لأنه بمنزله اسم الفاعل المقوي

стр. 744

باللام في وصوله إلى المفعول، وإن كان فعله متعدياً بنفسه، كقولك: ظلم فلان فلانًا، وهو ظالم، وكذلك استحق فلان هذا الصنع واستأهله، وهو مستحق له ومستأهل له، ولو قلت: مستحقه ومستأهله وهو ظالم، ولم يكن إيصاله بنفسه في الحسن كإيصاله باللام، فلذلك جاء في التنزيل: ﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾ [فاطر/ ٣٢] ومما جاء فيه "أهل" في معني مستأهل قوله تعالي: ﴿وكانوا أحق بها وأهلها) [الفتح/ ٢٦] أي: ومستأهلها. انتهي. وقول المصنف: أحدها أن يكون مبتدأ حذف خبرة؛ عبارة ابن الشجري: وإن رفعته بالابتداء، وأضمرت له خبراً مدلولاً عليه بأول الكلام، فليس بضعيف، وإن كان نكرة لأنه متخصص بالصفة، والتقدير: ودهر أهل لأن أمسيت من أهله فاخر بك، وأما قول أبي الفتح: إنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه؛ فقول من لم يمعن النظر، وقنع بأول لمحة. انتهي. وقول المصنف: أي: إنهم فخروا بكونه منهم، قال الشمني: هذا الكلام يشعر بتعلق الباء ب "فخراً"، وهي زائدة، فلا تتعلق بشيء أصلاً بل المقصود بيان محصل المعين، فالأولي أن يقال: إنهم أجزأهم من جهة الفخر كونه منهم، وزمانه الذي هو فيه، انتهي. وهذا الإشعار جاء من سوء الاختصار، قال ابن الشجري: ويجوز عطف [دهر] على فاعل كفي، وهو المصدر المقدر: لأن "أن" مع خبرها هنا بمعني الكون؛ لتعلق "منهم" باسم الفاعل المقدر الذي هو كائن، فالتقدير: كفي ثعلاً فخراً كونك منهم، ودهر مستحق لأن أمسيت من أهله، أي: وكفاهم فخراً دهر أنت فيه، فأراد: أنهم فخروا بكونه منهم، وفخروا بزمانه لنضارة أيامه، كما قال أبو تمام: كأنَّ أيَّامهم من حسنها جمع

стр. 745

والعادة جارية في الكلام والشعر بمدح زمان الممدوح، وذم زمان المذموم، وعطف دهر، وهو اسم حدث، على الكون المقدر، وهو اسم حدث، ودهر موصوف بصفة فيها ضمير عائد على اسم "أن" وهو التاء من "أمسيت" فهذا وجه في الرفع صحيح المعني ليس فيه تقدير محذوف. انتهي. ونقل الواحدي هذا الوجه عن ابن فورجة قال: وللرفع في دهر وجه آخر، وهو العطف على فاعل كفاهم دهرك فخراً لهم. انتهي. وقول المصنف: والثالث أنتجره .. الخ. قال ابن الشجري: وبقي عندي في إعراب البيت وجه لم يذهب إليه من تقدم، كما لم يذهبوا إلى عطف دهر على فاعل كفي، وهو أنك ترفع الفخر بإسناد كفي إليه، وتخرج الباء عن كونها زائدة؛ فتجعها معدية متعلقة بالفخر، وتجر الدهر بالعطف على مجرور الباء، وترفع الأهل بتقدير المبتدأ الذي تقدم ذكره، فيصير اللفظ: كفي ثعلاً فخر بكونك منهم، وبدهر هو أهل لأن أمسيت من أهله، والمعني: أنهما كتفوا بفرخهم به، وبزمانه، عن الفخر بغيرهما. انتهي. وقول المصنف: وزعم لمعري .. الخ، قال ابن الشجري والمعري أسقط حكم الرفع، وذلك أنه قال: وبعض الناس يرفع دهراً ولا ينبغي أن يلتفت

стр. 746

إليه، وعطف دهراً على ثعلاً، ورفع "أهل" بتقدير: هو أهل، وحكاية اللفظ الذي قدره للنصب: كفي ثعلاً فخراً أنك منهم، وكفي دهراً هو أهل لأن أمسيت من أهله أنه أهل لكونك من أهله، وهذا قول فيه إسهاب، كما تري، وتكلف شاق، والرفع، وإن كان فيه تكلف إضمار فعل، أقرب متناولاً، وأصح معني، وأكثر فائدة، انتهي. ونقل الواحدي هذه الرواية عن ابن فورجة، قال: وروي ابن فورجة: ودهراً، عطفاً على ثعلاً، وأهل: خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أهل لأن أمسيت من أهله. وقول المصنف: ثم حذف المرفوع المعطوف .. الخ، هو قولنا المقدر: أنه أهل لكونك من أهله، وهو مؤول بمصدر مرفوع بالعطف على فاعل كفي، والمعطوف على الفاعل فاعل، والفاعل لا يحذف، وليس هذا من المواضع التي يحذف فيها الفاعل. وقول المصنف: وزعم الربعي ... الخ، وقال ابن الشجري: وحمل الربعي نصب دهر على أنه معطوف على اسم أن، وأهل: خبر عنه، أي: كفي ثعلاً فخراً أنك منهم، وأن دهراً أهل لأن أمسيت من أهله، وهذا القول بعيد من حصول فائدة، ثم قال: والرفع أجود علي: وليفخر دهر، وهو روايتي، والنصب رواية سامية ذكرتها لتعرف. انتهي. وقول المصنف: ولا معني للبيت على تقديره، فيه نظر، لأن الدهر إذا تأهل لوجود الممدوح فيه كان ذلك شرفًا للدهر، ولا شك أن الممدوح من ثعل، فحصل الفخر للقبيلة بأن واحدًا منها تشرف به الدهر، بأن أصبح أهلاً لوجوده فيه، قاله الدماميني، وهو وجه حسن.

стр. 747

والبيت من آخر قصيدة للمتنبي، مدح بها شجاع بن محمد المنبجي، وقبله: وما تنقم الأيَّام مَّمن وجوهها ... لأخمصه فيكلِّ نائبةٍ نعلُ وما عزَّهُ فيها مراد أرادهُ ... وإن عزَّ إلا أن يكون له مثل وبعده: وويل لنفس حاولت منك غرَّةً ... وطوبي لعينٍ ساعة منك لا تخلو فما بفقيرٍ شام برقك فاقة ... ولا في بلادٍ أنت صيِّبها محل وهذا آخر القصيدة، وترجمة المتنبي تقدمت في الإنشاد التاسع. وأنشد بعدـ، وهو الإنشاد الثاني والخمسون بعد المائة: (١٥٢) ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد على أن قوله "بما" فاعل "يأتيك" وزيادة الباء في الفاعل في غير تينك الصورتين للضرورة، قال ابن عصفور في "كتاب الضرورة" ومنها زيادة حرف الجر في المواضع التي لا تزاد فيها في سعة الكلام، نحو: ألم يأتيك .. البيت. فزاد الباء في فاعل يأتي، وزيادتها لا تنقاس في سعة الكلام إلا خبر "ما"

стр. 748

وخبر "ليس" وفاعل: كفي" ومفعوله، وفاعل "أفعل" بمعني: ما أفعله، وما عدا هذه المواضع لا تزداد فيها الباء إلا في ضرورة، أوشاذ من الكلام يحفظ ولا يقاس عليه، انتهي، وزعم الأعلم وابن الشجري: أن زيادة الباء فيه ليست للضرورة، قالا: إن الباء زائدة بمنزلتها في: ﴿كفي بالله شهيداً﴾ [الرعد/٤٣ والإسراء/٩٦] وحسن دخولها في "ما" أنها مبهمة مبنية كالحرف، فأدخل عليها حرف الجر إسعاراً بأنها اسم، وقيل: إن الباء غير زائدة، ويأتي، وتنمي، تنازعاً قوله: "بما" الأول يطلبه للفاعلية، والثاني للمفعولية، فأعمل الثاني على المختار، وأضمر الفاعل في الأول، وهو ضمير "ما لاقت" بتقدير مضاف، أي: خبر ما لاقت، وسيذكر المصنف في بحث الجملة المعترضة من الباب الثاني: أنه مرجوح، وقيل: لبون: فاعل يأتي، على تقدير مضاف، أي: ألم يأتيك خبر لبونهم؟ ويكون في "لقت" ضمير يعود إلى بنون لأن لبونًا في نية التقديم، فتكون الباء متعلقة بـ "يأتي"، وفيه التنازع مع إعمال الأول على خلاف المختار، وفيه تغسف، لتقدير المضاف في الأول، وعدمه في الثاني، وقيل: فاعل "يأتي" مضمر، والباء متعلقة به، والتقدير: ألم يأتيك النبأ بما لاقت؟ ودل على النبأ قوله: والأنباء تنمي وقال ابن جني في "المجتسب": زاد الباء في "بما لاقت" لما كان معناه: ألم تسمع بما لاقت لبونهم انتهي. يريد: أنه من قبيل التضمين. وفي البيت شاهد ثان، وهو الاعتراض بجملة "والأنباء تنمي" بين الفعل والفاعل، وأورده المصنف في بحث "الجملة المعترضة" وشاهد ثالث، وهو أن حرف العلة قد لا يحذف مع الجازم ضرورة، وأورده سيبويه في موضعين من كتابه، على أنه أثبت الياء في حال الجزم ضرورة؛ لأنه إذا اضطر ضمها في حال.

стр. 749

الرفع تشبيهاً بالصحيح، قال الأعلم: وهي لغة ضعيفة، فاستعلمها عند الضرورة، وهذا قول الزجاجي في "الجمل" وتبعه الأعلم، قال ابن السيد في "شرح أبيات الجمل، وقوله: إنه لغة، خطأ ومثله للصفار في "شرح الكتاب" قال: إثبات حروف العلة في المجزوم ضرورة، نحو: ألم يأتيك ... ، وقيل: إنه لغة، يعرب بحركات مقدرة، والصحيح أنه ليس لغة، ولا أعلم من قاله غير الزجاجي، ولا سند له فيه، ومما يدل علي أنه غير معرب بحركات مقدرة أنهم لا يقولون: لم تخشي؛ لأنه لا يظهر يه حركة بوجه، بخلاف الياء، فإنق لت: إنه سمع في قوله تعالي: ﴿لا تخف دركًا ولا تخشي﴾ [طه/٧٧] وقوله: إذا العجوزُ غضبت فطلًّق ... ولا ترَّضاها ولا تملَّق قلت: لا دليل فيه كما زعمت، لأن الأول مقطوع، أي: وأنت لا تخشي، أي: في هذه الحال، وكذا ولا ترضاها، أي: طلقها، وأنت لا تترضاها، ثم قال: ولا تملق، فلا دليل فيه، انتهي. وقال ابن خلف: هذا البيت، أنشده سيبويه في باب الضرورات، وليس يجب أن يكون منها؛ لأنه لو أنشد بحذف الياء لم ينكسر، وإنما موضع الضرورة ما لا يجد الشاعر منه بدًا في إثباته، ولا يقدر على خلافه؛ لئلا ينكسر الشعر، وهذا يسمي في عروض الوافر المنقوص، أعني: إذا حذف الياء، من قوله: "ألم يأتيك" هذا كلامه، ولا يخفي أن ما فسر به الضرورة مذهب مرجوح مردود،

стр. 750

والتحقيق: أنها ما وقع في الشعر، سواء كان للشاعر منه مندوحة أم لا، وقال ابن جني في "سر الصناعة": رواه بعض أصحابنا: "ألم يأنك"على ظاهر الجزم. وأنشده أبو العباس عن أبي عثمان عز الأصمعي: "أل هل أتاك والأنباء تنمي". انتهي. فالأول فيه الكف، والثاني فيه نقل حركة الهمزة من أتاك إلى لام هل، وحذفها، ورواه بعضهم: "ألم يبلغك والأنباء تنمي" فلا شاهد فيه على الروايات الثلاث. والكاف في "يأتيك" لمخاطب غير معين، بل لمن يصلح للخطاب، والأنباء: جمع نبأ، وهو خبر له شأن، قال أبو زيد: اللبون من الإبل والشاه ذات اللبن، غريزة كانت أم بكيئة، فإذا قصدوا قصد الغريزة قالوا لبنة، وقال ابن السيد، وابن حلف: اللبون؛ الإبل ذوات اللبن، وهو اسم مفرد أراد به الجنس. وبنو زياد: هم الكملة؛ الربيع، وعمارة، وقيس، وأنس، بنو زياد أبن سفيان بن عبد الله العبسي، وأمهم فاطمة بنت الخرسب الأنمارية، والمراد إبل الربيع بن زياد، فإن القصة معه فقط، كما يأتي بيانها. والبيت أول أبيات لقيس بن زهير بن جذيمة العبسي، وكان سيد قوه، وحدثت بينه وبين الربيع بن زياد شحناء في شأن درع سلومه فيها، فلما نظر

стр. 751

إليها، وهو على ظهر فرسه، وضعها على القربوس، ثم ركض بها، فلم يردها عليه؛ فاعترض قيس بن زهير أم الربيع، فاطمة بنت الخرسب المذكورة، في ظعائن من بني عبس، فاتقاد جملها يريد أن يرتهنها بدرعة، فقالت له: ما رأيت كاليوم قط فعل رجل! أين ضل حلمك يا قيس؟ ! أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد أبداً وقد أخذت أمهم؟ فذهبت بها يمينًا وشمالاً! فقال الناس في ذلك ما شاؤوا أن يقولوا "وحسبك من شر سماعه" فأرسلتها مثلاً فعرف قيس ما قالت، فخلي سبيلها، ثم أطرد إبلاً له، وقيل: إبله وإبل إخوته، فقدم بها مكة، فباعها من عبد الله بن جدعان التيمي معارضة بأدراع وسيوف، ثم جاور ربيعة بن قرط ابن سلمة بن قشير، وهو ربيعة الخير، ويكني أبا هلال. وفاطمة الأنمارية: هي إحدى المنجيات، وسئلت عن بنيها أيهم أفضل؟ فقالت: الربيع، لا بل عمارة، لا بل قيس، لا بل أنس: ثكلتهم إن كنت أدري أيهم أفضل، هم كالحلقة المفرغة، لا يدري أين طرفاها! وكانت امرأة لها ضيافة وسؤودد، والبيت أول أبيات بعدها: ومحبسها على القرشيِّ تشري ... بأدراعٍ وأسيافٍ حداد كما لاقيت من حمل بن بدرٍ ... وإخوته على ذات الإصاد هم فخروا عليَّ بغير فخرٍ ... وردُّوا دون غايته جوادي وكنت إذا منيت بخصم سوءٍ ... دلفت له بداهيةٍ نئاد بداهيةٍ تدقُّ الصُّلبَ منهم ... بقسمٍ أو تجوبُ عن الفؤاد

стр. 752

أطوِّفُ ما أطوِّف ثُمَّ آوي ... إلى جارٍ كجار أبي دؤاد منيع وسط عكرمة بن قيسٍ ... وهوبٍ للطَّريف وللتِّلاد تظلُّل جيادُ يعسلن حولي ... بذات الرِّمث كالحدا العوادي كفاني ما أخاف أبو هلالٍ ... ربيعةُ فانتهت عني الأيادي كأنِّي إذا أنختُ إلى ابن قرطٍ ... أنختُ إلى يلملم أو نضاد قوله: ومحبسها، بالرفع، معطوف على فاعل "يأتيك" وهو مصدر ميمي، والقرشي هنا: عبد الله بن جدعان، بضم لجيم، وسكون الدال، ابن عمرو ابن كعب بن سعد بن تميم بن مرة القرشي، وابن جدعان من أجواد قريش في الجاهلية، وشذ ابن السيد في قوله: إن قيسًا لما قدم مكة بإبل الربيع باعها لحرب بن أمية، وهشام بن المغيرة، بخيل وسلاح. وتشري، بالبناء للمفعول؛ الجملة: حال من ضمير المؤنث في محبسها، وقالوا: بمعني تباع، ويجوز أن يكون المعني: يشتريها القرشي، وهذا البيت بيان لما لاقته لبون بن زياد، وافتخار وبتجج بما فعله من أخذ إبله وبيعها بمكة، وقوله: "كما لاقيت" قال ابن الشجري: العامل فيه محذوف تقديره: لاقيت منهم كما لاقيت من جمل بن بدر، وذات الإصاد: [مكان]. وهذا البيت مع البيت الذي بعده إشارة إلى حرب داحس والغبراء، وهذا إجمالها من كتاب "الفاخر" للمفضل بن سلمه، قال: داحس: فرس قيس بن زهير العبسي، والغبراء فرس حذيفة بن بدر الفزاري، وكان منحديثهما أن رجلاً من بني عبس يقال له: قرواش بن هني ماري حمل بن بدر أخا حذيفة في

стр. 753

داحس والغبراء، فقال حمل: الغبراء أجود، وقال قرواش: داحس أجود؛ فتراهنا عليهما عشرة في عشرة، فأتي قرواش إلى قيس بن زهير فأخبره، فقال له قيس: راهن من أحببت وجنبني بني بدر، فإنهم قوم يظلمون قدرتهم على الناس في أنفسهم، وأنا نكد أباء، فقال قرواش: إني قد أوجبت الرهان، فقال قيس: ويلك! ما أردت إلى أسأم أهل بيت! والله لتنغلن علينا شراً، ثم إن قيسًا أتي حمل بن بدر فقال: إني أتيتك أواضعك الرهان عن صاحي، قال حمل: لا أواضعك أو تجيء بالعشر، فإن أخذتها أخذت سبقي، وإن تركتها تركت حقًا؛ فأحفظ قيسًا فقال: هي عشرون، قال حمل: ثلاثون، فتزدايدا حتى بلغ به قيس مائة، وجعل الغاية مائة غلوة- بفتح المعجمة، وسكون اللام: مقدار رمية سهم- فضمروهما أربعين يومًا، ثم استقبل الذي ذرع الغاية من ذات الإصاد، وهي ردهة في ديار عبس، وسط هضب القليب –قال الأصمعي: هضب القليب بنجد.: جبال صغر، والقليب في وسط هذا الموضع، يقال له: ذات الإصاد، وهو اسم من أسمائها، والردهة: نقيرة في حجر يجتمع فيها الماء- فانتهي الذرع إلى مكان ليس له أسم، فقادوا الفرسين إلى الغاية، وقد عطشوهما، وجعلوا السابق الذي يرد ذات الإصاد، وهي ملأي من الماء، ولم يكن ثمة قصبة، ووضع حمل حيسماً في دلاء، وجعله في شعب من شعاب هضب القليب على طريق الفرسين، وكمن معه فتيانًا، وأمرهم إن جاء داحس سابقاً أن يرد وجهه عن الغاية، وأرسلوهما من منتهي الذرع، فلما دنوا وقد برز داحس، وثب الفتية فلطموا وجه داحس فردوه عن الغاية، فقال قيس: يا حذيفة أعطني سبقي، وقال الذي وضع عنده السبق: إن قيسًا قد سبق، وإنما أردت أن يقال: سبق حذيفة، وقد قيل، فأمره أن يدفعه لقيس، ثم إن حذيفة ندِّمه الناس، فبعث

стр. 754

ابنه بأخذ السبق، فقتله قيس، فاجتمع الناس، فاحتملوا ديته مائة عشراء، فقبضها حذيفة، وسكن الناس، ثم إن حذيفة استفرد أخًا قيس، وهو مالك بن زهير فقتله، وكان الربيع بن زياد، يومئذ، مجاور بن فزارة، عند امرأته، وكان مشاحنًا لقيس بن زهير في درعها لتي اغتصبها من قيس، فلما قتل مالك بن زهير ارتحل الربيع بن زياد، ولحق بقومه، وأتاه قيس بن زهير فصالحه، ونزل معه، ثم دس قيس أمة إلى الربيع تنظر ما يعمل، فأتته امرأته تعرض له، وهي علي طهر فزجرها، وقال: منع الرقاد فما أغِّمض حار ... جلل من النَّبأ المهمِّ السَّاري من كان مسروراً بمقتل مالكِ ... فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النِّساء حواسراً يندبنه ... يندبن بين عوانسٍ وعذاري أفبعد مقتل مالك بن زهيرِ ... ترجو النِّساء عواقب الأطهار فأخبرته الأمة قيسًا بهذا، فأعتقها، ثم إن بني عبس تجمعوا ورئيسهم الربيع ابن زياد، وتجمع بنو ذبيان ورئيسهم حذيفه بن بدر، وتحاربوا مراراً، ثم إن الربيع بن زياد أظفره الله تعالي في جفر الهباءة على حذيفة بن بدر وأخويه حمل بن بدر، ومالك بن بدر، فقتلهم، ومثلوا بحذيفة، فقطعوا ذكره، فجعلوه في فيه، وجعلوا لسانه في ديره، وقال الربيع بن زياد يرثي حمل بن بدر: تعلَّم أنَّ خير الناس طرّاً ... على جفر الهباءة ما يريم ولولا ظلمه ما زلت أبكي ... عليه الدَّهر ما طلع النجومُ ولكنَّ الفتي حمل بن بدرٍ ... بغي والبغي مرتعة وخيم أظنُّ الحلم دلَّ علىَّ قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم ألاقي من رجال منكرات ... فأنكرهُا وما أنا بالظَّلوم

стр. 755

ومارستُ الرِّجال ومارسوني ... فمعوج عليَّ ومستقيم ودامت الحرب بينهم أربعين سنة إلى أن ضعف قيس بن زهير، فحالف ربيعة ابن قرط، فنزل قيس مع بني عبس عنده. وقوله: وكنت إذا منيت، أي: بليت، ودلفت: أسرعت، والنئاد، بهمزة ممدودة، قبلها نون: الشديدة من الدواهي، وتقسم: تكسر، وتجوب، تشق وقوله: كجار أبي داؤد، الجار هنا: الحليف والناصر، كان أبو داؤاد الإيادي في الجاهلية جاور الحارث بنهمام بن مرة الشيباني، فخرج صبيان الحبي يلعبون في غدير، فغمسوا ابن أبي داؤد، فقتلوه، فقال الحارث بن همام: لا يبق في الحي صبي إلا غرق في الغدير؛ فودي ابن أبي دؤاد تسع ديات أو عشرًا. ويعسلن: من العسلان، وهو اهتزاز الذي يعدو، والحداً؛ جمع حدأة، كعنب؛ جمع عنبة: طائر معروف، ويلملم ونضاد: جبلان. وقول الربيع: من كان مسروراً .. الخ، يقول: من شمت من الأعداء بمقتل مالك، فليعلم أنا قد أدركنا ثأره، وكانت العرب لا تندب قتلاها حتى تدرك ثأرها، والمراد: فليحضر ساحتنا في أول النهار، ليعلم أن ما كان حرمًا من البكاء قد حل، ويجد النساء مكشوفات الرؤوس يندبنه. وقيس بن زهير: جاهلي، وكان فارساً شاعرًا داهية يضرب به المثل؛ فيقال: "أدهي من قيس". وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والخمسون بعد المائة: (١٥٣) مهما لي الليلة مهما ليه ... أودي بنعليَّ وسر باليه

стр. 756

على أن الباء زائدة في الفاعل للضرورة، والأصل أودي نعلاي، قال أبو علي في "كتاب الشعر": يجوز أن تكون الباء زائدة، كأنه قال: أودي نعلاي، فلحقت الباء، كما لحقت في (وكفي بالله) [الأحزاب/٣] فإن قلت: فلم لا تجعل الباء زائدة في المفعول به؟ ويكون الفاعل مضمرًا كأنه قال: أودي مودِ بنعلي، فتضمره للدلالة عليه، كما أضمر في قوله تعالي: ﴿ثم بدالهُم﴾ [يوسف/٣٥] فالقول: إن هذا أضعف؛ لأنه ليس في مود الذي تضمره زيادة على ما استفدته في قوله: أودي، وليس قوله سبحانه: (ثم بدا لهم) كذلك؛ لأن البدا والبداء قد صار بمنزلة المذهب في قولك: ذهب به من ذهب، وسلك به مسلك، فإن قلت: فلم لا تجعل فاعل أودي ذكراً يعود إلى قوله: مهما لي الليلة؟ فإن ذلك أيضاً ليس بالقوي؛ لأن المعني يصير كأنه أودي شيء بنعلي، فغذا جعلت الباء لاحقة للعامل، كان أشبه، ولا تزيد مع الفاعل من الحروف الجارة غير الباء في قوله سيبويه في الإيجاب، كما لم تزد فيه غير الباء في المبتدأ، انتهي كلام أبي علي. وذهب ابن الحاجب في "أمالية" إلى أن الباء للتعدية، قال: والباء باء التعدية، يعني: أذهبها، وأظلها عني، يقال: أذهبته، وذهبت به، بمعني واحد هذا كلامه. واختار المصنف قول ابي علي، لكنه لم يقيده بالضرورة، ويمكن أن تؤخذ من قوله: فالقول إن هذا أضعف، وقول المصنف في توجيه كلام ابن الحاجب: ويصح أن يكون التقدير: أودي هو ... الخ؛ قد رأيت أن أبا علي قد رده،

стр. 757

وبين ضعفه، وأودي فعل لازم، يقال: أودي الرجل، إذا هلك، وقال الليث: أودي به المنون، أي: أهلكه، كذا في "تهذيب الأزهري" وغيره، ومهما: بمعني "ما" الاستفهامية، ويأتي الكلام عليها في بحث "مهما" والنعل" ما وقيت به الرجل من الأرض والسربال: القيمص، وقيل: الدرع، وقيل: كل ما لبس على البدن. والبيت مطلع قصيده لعمرو بن ملقط الطائي، عدتها اثنا عشر بيتًا أوردها أبو زيد، وأبن الأعرابي في نوادريهما، وما بعده على رواية أبي زيد: إنَّك قد يكفيك بغي الفتي ... ودرأهُ أن تركضَ العاليه بطعنةٍ يجري لها عاند ... كالماء من غائله الجابية يا أوسُ لو نالتك أرماحنا ... كنت كمن تهوي به الهاوية ألفيتا عيناك عند القفا ... أولي فأولي لك ذا واقيه ذاك سنان مجلب نصره ... كالجمل الأوطف بالرواية يا أيها الناصر أخواله ... أأنت خير أم بنو جاريه أم أختكم أفضل أم أختنا ... أم أختنا عن نصرنا وانيه والخيل قد تجشم أربابها الشِّقَّ ... وقد تعتسف الداوية يأبي لي الثَّعلبتان الذي ... قال ضراط الأمة الرَّاعيه ظلت بواد تجتني صمغةً ... واحتلبت لقحتها الآنيه ثمَّ غدت تنبذُ أحرادها ... إن متغنَّاةً وإن حاديه قوله: أن تركض العالية، في تأويل مصدر مرفوع، فاعل يكفيك، بمعني

стр. 758

يقيك ويمنعك، وبغي الفتي: مفعوله الثاني: ودرأه: معطوف على بغي، والبغي: التعدي، والدرء: العوج، يقال: أقمت درء فلان، أي: اعوجاجه، وروي بدله: "وسغبه" والشغب: تهييج الشر، والعاليه، بالعين المهملة، فرس الشاعر، كذا قال أبو زيد، وزعم ابن الأعرابي: أنه أراد عالية الرمح، وغلطه أبو محمد الأعرابي فيما كتبه على نوادره، وهو "ضالة" الأديب". وقد خاطب الشاعر نفسه في هذا البيت، وأراد بالفتي: أوس بن حارثة بن لأم الطائي، كما يأتي، وقوله: بطعنة .. الخ، متعلق بيكفيك، والعاند، بالمهملة والنون: هو العرق الذي لا يخرج دمه على جهة واحدة، قاله أبو زيد، والغائلة، بالمعجمة: ما غال من الماء وسرق. والجابية، بالجيم: الحوض، كذا قالهما أبو زيد. وقوله: يا أوس: هو أوس المذكور، وهو جاهلي، ورواه ابن الأعرابي: "يا عمرو" وغلطة أبو محمد الأعرابي، وتهوي، تقع من فوق إلى أسفل: والهاوية المهواة. وقوله: ألفيتا عيناك ... الخ، أورده المصنف في حرف الألف، وأولي: كلمة تهديد ووعيد، مبتدأ ولك: خبره، وحذف خبر أولي الثانية، وكرر للتوكيد، والجملة معترضة بين صاحب الحال والحال، وقوله: ذا واقية: حال من الكاف في عيناك، وصح مجيء الحال من المضاف إليه؛ لكون المضاف جزءًا منه، والواقية: مصدر بمعني الوقاية، كالكاذبة بمعني الكذب، يصفه بالهروب، يقال: أنت ذو وقاية من عينيك عند فرارك تحترس بهما، ولكثرة تلتفتك إلى خلفك، حينئذ صارت عيناك كأنهما في قفاك. وقوله: ذاك سنان .. الخ، قال أبو زيد: سنان، اسم رجل، والمجلب، بضم الميم وكسر اللام: المعين من الإعانة، والأوطف: الكثير شعر الأذنين، وهدب العينين، انتهي، والرواية: البعير أو البغل أو الحمار الذي يستقي عليه.

стр. 759

ونصره: مبتدأ، ومجلب: خبره، ووانية؛ من الوني، وهو الفتور والإبطاء وقوله: الخيل قد تجشم .. الخ، الإجشام، بالجيم: التكليف، وفاعله ضمير الخيل، وأربابها: مفعول الأول، والشق؛ بفتح الشين وكسرها: بمعني المشقة، مفعوله الثاني، والاعتساف: المشي على غير الطريق المسلوكة، وفاعله ضمير الخيل، والداوية: المفازة، وخففت الباء للضرورة. وقوله: يأبي لي الثعلبتان .. الخ، يأبي من الإباء: يكره، والثعلبتان: فاعل يأبي، قال صاحب "الصحاح": الثعلبان: ثعلبة بن جدعان بن ذهب بن رومان بن جندب بنخارجة بن سعد بن فطرة بن طي، وثعلة بن رومان بن جندب، وأنشد هذا البيت، والذي: مفعول يأبي، وقال: صلة الذي، والعائد محذوف، أي: قاله، وضراط: فاعل قال، وأراد به أوساً المذكور، سماه به استهانة به، وتحقيراً له، وروي: "خباج" بدل "صراط" بضم الخاء المعجمة بعدها موحدة ثم جيم، وهو بمعني الصراط. وقوله ظلت: استمرت، واللقحة، بالكسر، الناقة ذات اللبن، والآنية، قال أبو زيد: هي المبطئة بلبنها، وفسرها بعضهم على هامش "النوادر" بالمدركة، وقوله: تنبذ أحرادها ... الخ، تنبذ: تطرح، وفاعله ضمير الأمة، والأحراد: جمع حرد، بفتح المهملتين، قال أبو زيد هو الغيظ، والضغب، ورواه ابن الأعرابي: ثم غدت تنبضُ أحرادها وقال: تنبض: تضرب، أحرادها: أمعاؤها، قال أبو محمد الأعرابي: الصواب: ثم عدت تنبذ أحرادها، أي: تصرط، يدلك على هذا قوله سابقاً:

стр. 760

ضراط الأمة الراعية، وروي العينة: "تحرد أحرادها"، وما أدري من أين نقلها؟ وقوله: إن متغناة .. الخ، قال أب الحسن في شرح "النوادر" لأبي زيد: أراد: متغنية، يقبولن الياء ألفاً، وحادية من حداء الإبل، وهو سوقها بالغناء، وإن هنا للتقسيم، بمعني: إما المكسورة، ويدل لما قلنا رواية الجرمي وأبي حاتم: "إما مغناة وإن حادية". وعمرو بن ملقط الطائي شاعر جاهلي، وملقط بكسر الميم وسكون اللام وفتح القاف. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والخمسون بعد المائة: (١٥٤) نضرب بالسَّيف ونرجو بالفرج على أن الباء الثانية زائدة في المفعول به، وعده ابن عصفور من الضرائر، وقال ابن السيد في "شرح أدب الكاتب": إنما عدي الرجاء بالباء لأنه بمعني الطمع، والطمع يتعدي بالباء، كقولك: طمعت بكذا، قال الشاعر: طمعتُ بليليأن تجود وإنَّما ... تقطِّع أعناق الرجال المطامع انتهي وقال في شرح أبياته: وزاد يعقوب قبله: نحن بني جعدة أرباب الفلج ونحن: مبتدأ، وأرباب: خبرة، وبني جعدة: منصوب على الاختصاص، وروي بالرفع أيضاً، والفلج، بفتح الفاء واللام، قال أبو عبيدة، في "معجم

стр. 761

ما استعجم": موضع لبني قيس، وهو في أعلي بلاد قيس، قال الراجز: نحنُ بنو جعدة أربابُ الفلج ... نضرب بالبيض ونرجُو بالفرج وأصله: النهر الصغير، انتهي. والبيض، بالكسر: السيوف، أي: نقاتل بها، وقال ياقوت " في معجم البلدان": الفلج: مدينة بأرض اليمامة لبني جعدة وقشير ابني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، كما أن حجراً مدينة بني ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، قال الجعدي: نحنُ بنوُ جعدة أرباب الفلج ... نحن منعنا سبله حتى اعتلج والقلج في اللغة: الماء الجاري، يقال عين فلج، وماء فلج، قال أبو عبيدة: الفلج: النهر، انتهي، وقال ابن السيد: الفلج: الجاري من العين، والفلج البئر الكبيرة، عن ابن كناسة، وماء فلج: جار، وقال عبيد: أو فلج ما ببطن وادٍ ... للماء من تحته قشيب انتهي. وتوهم الدماميني: أن الفلج هنا بمعني الظفر، قال: والظاهر أن المراد بالفلج: الظفر والفوز، لكن لم يحك صاحب "الصحاح" غير سكون اللام، فيحتمل أن يكون الشاعر فتحها إتباعاً لفتحة الفاء للضرورة، انتهي كلامه، وتبعه ابن الملا ونقل كلامه وزادعليه: بأن صنيع صاحب القاموس أيضًا يقضتي سكون اللام، وتبعه شيخنا الخفاجي أيضاً في "شرح جرة الغواص" وتعقبه: بأن

стр. 762

فتح اللام لغة أصلية فيه، وتوقفه من عدم الإطلاع، ونقل من "شرح مقامات الزمخشري" له ما يؤكد كونه بالفتح، وهذا كله ناشئ من عدم المراجعة، والمشهور: نحن بنو ضبة ... وهو من تغيير النساخ، والذي فيه ضبة قافيته لامية، وهو: نحن بنو ضبّة أصحابُ الجمل وآخره: ردُّوا علينا شيخنا ثم بجل وهو من أبيات المفصل: وهو مما قيل في يوم الجمل، وهو مذكور في "الحماسة" وغيرها، وقائله معلوم مذكور، وقوله "نحن منعنا سبله" هو جمع سبيل، وهو الطريق، واعتلجت الأرض: طال نباتها، وهذا الرجز لم أقف على قائله، والله تعالي أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والخمسون بعد المائة: (١٥٥) سود المحاجر لا يقرأن بالسور وصدره: هُنَّ الحرائر لا ربَّبات أحمرةٍ

стр. 763

على أن الباء زائدة في المفعول به، وقال اب السيد في "شرح أدب الكاتب" وأبو حيان في "شرح التسهيل" خرجه الأستاذ أبو علي على أن الباء للإلصاق، أي: ألزقت قراءتي بالسورة، ونقل المصنف هنا عنا لسهيلي: أن "يقرأن" مضمن معني يرقين، ويتبركن، وفي الباب الثامن: أنه مضمن معني يتقربن، ولا يخفي أن معني الشعر ليس على ما ذكره السهيلي، وإنما معناه: لا يقرأن القرآن، كما في قول جرير: إنَّ البعيث وعبد آل مقاعسٍ ... لا يقرآن بسورة الأحبار وأراد بعبد آل مقاعس: الفرزدق، وبسورة الأحبار: سورة "المائدة" فالتضمين والتبرك غير مناسب فيه، وإنما المعني على الإلصاق، وكذا الحال فيما رواه البخاري في "باب القراءة في المغرب" عن أثم الفضل أنها قالت: لآخر ما سمعت من رسول الله (صلي الله عليه وسلم)، يقرأ بها في المغرب. وقول زيد: مالك تقرأ بقصار المفصل؟ والبيت جاء في شعرين أحدهما للراعي النميري، والثاني للقتال الكلاني؛ أما الأول، فهو من قصيدة أوردها ابن ميمون في "منتهي الطلب من أشعار العرب" أولها: يا أهل ما بال هذا الليل في صفر ... يزداد طولاً وما يزداد في قصر في إثر من قطعت عنه قرينته ... يوم الحدالي بأسبابٍ من القدر كأنما شقَّ قلبي يوم فارقهم ... قسمين بين أخي نجد ومنحدر هم الأحبَّة أبكي اليوم إثرهم ... قد كنت أطرب إثر الجيرة الشُّطر فقلت والحرَّة الرَّجلاء دونهم ... وبطن لجَّان لمَّا لمَّا اعتادني ذكري

стр. 764

صلَّي على عزَّة الرّحمن وابنتها ... ليلي وصلّي على جارتها الآخر هنّ الحرائز لا ربَّات أحمرة البيت ... وهي طويلة تزيد على الخمسين بيتًا. قوله: في صفر، هو اسم الشهر، قالوا: خصة لأن الهم فيه أصابه، وقيل: كان صفر صيفًا، وليل الصيف قصير، فقال: كيف طال عليّ الليل في الصيف؟ وإنما ذلك لما هو فيه من الغم فلذلك طال عليه الليل. كذا قال ابن المستوفي، وقوله: في إثر متعلق بيزداد، وأراد بالقرينة: الحبيبة، وأضافها إلى ضمير الليل لأنها تشبه القمر، والحدالي، بفتح المهملة، والقصر: موضع؛ قال ياقوت في "معجم البلدان": هو موضع بين الشام وبادية بني كلب المعروف بالسماوة، وهي لكلب، وأنشد هذا البيت. والجيرة: جمع جار بالجيم، والشطر: جمع شطير، وهو البعيد، والحرة الرجلاء: بتح الحاء المهملة وشتديد الراء، والحرة: أرض ذات حجارة سود، والرجلاء بالجيم، قال ياقوت: قال ابن الأعرابي: الرجلاء: الصلبة الشديدة، وقال غيره: هي التي أعلاها أسود وأسفلها أبيض، وهي علملحرة في ديار بن القيم ابن جسر، بين المدينة والشام، وأنشد هذه الأبيات جميعها، وقال في موضع آخر: الرجلاء: ما إلى جنب جبل، يقال له: الردة لبني سعيد بن قرط، يسمي: صلب العلم، قال أبو منصور: حرة رجلاء: مستوية الأرض كثيرة الحجارة، وقال أبو الهيثم في قولهم: حرة رجلاء، الحرة: أرض حجارتها سود، والرجلاء: الصلبة الخشنة لا تعمل فيها خيل ولا إبل، ولا يسلكها إلاراجل يمشي. انتهي. ولجان، بفتح اللام وتشديد الجيم، قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": لجان: موضع، وهو واد قبل حرة بني سليم، وأنشد هذا البيت، وقيل: بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: جهة، والصلاة: الرحمة، وعزة، بفتح العين المهملة وتديد الزاي: اسم امرأة. وقوله: هن الحرائر: القصر إضافي بالنسبة إلى ربات الأحمرة، وقد صرح

стр. 765

بمفهوم القصر للتأكيد، وهو من قصر الصفة على الموصوف، وروي: "تلك الحرائر" وهو كما قلنا فيما قبله، وهو في الروايتين مبتدأ وخبر، ولا: عاطفة، عطفت ربات على المبتدأ، والحرة: الكريمة الأصيلة، ضد الأمة، وربات: صاحبات. قال الجواليقي في "شرح أدب الكاتب" الأحمرة: جمع حمار، بالحاء المهملة، جمع قلة، والكثير: حمر، وخص الحمير لأنها رذال المال وشره، يقال: شر المال ما لا يزكىّ ولا يذكى. انتهى. وكذا ضبط هذه الكلمة السكري في "شرح أشعار اللصوص" وصحفها الدماميني، بالخاء المعجمة، وقال: والأخمرة: جمع خمار، وهو ما تستر به المرأة رأسها. هذا كلامه. وتبعه من بعده. وسود المحاجر: صفة ربات، لأن إضافة ما بمعنى اسم الفاعل المستمر تخفيفية لا تفيد تعريفًا، كقولهم: ناقة عبر الهواجر، أي: عابرة فيها، وكذلك سود المحاجر، أي: مسودة محاجرها، وهو جمع محجر، كمجلس ومنبر، قال الجواليقي: هو من الوجه حيث يقع عليه النقاب، وما بدا من النقاب محجر أيضًا. انتهى. وأراد بهذا الوصف: الإماء السود، قال السكري: سود المحاجر، من سواد الوجه، وخص المحاجر دون الوجه والبدن كله لأنه أول ما يرى، ومن هذا قول النابغة: ليست من السود أعقابًا إذا انصرفت وإنما أراد سواد الجسد كله. وجملة "لا يقرأن": صفة ثانية لربات، قال

стр. 766

الجواليقي: يقول: هن خيرات كريمات يتلون القرآن، ولسن بإماء سود ذوات حمر يسقينها. انتهى. ولم يشرح ابن السيد في "شرح أدب الكاتب" ... وكأنه غفل عنه. وأما الشعر الثاني فهو للقتال الكلابي قال السكري، جامع "أشعار اللصوص" وشارحها: أخبرنا أبو سعيد، حدثني أبو زيد، حدثني حميد بن مالك، أنشدني شداد بن عقبة للقتال في ابنه عبد السلام: عبد السَّلام تأمَّل هل ترى ظعنا ... إنَّي كبرت وأنت اليوم ذو بصر لا يبعد الله فتيانًا أقول لهم ... بالأبلق الفرد لمّا فاتني نظري يا هل ترون بأعلى عاسمٍ ظعنًا ... نكَّبن فحلين واستقبلن ذا بقر صلّى على عمرة الرحمن وابنتها ... ليلى وصلَّى على جاراتها الأخر هن الحرائر ... البيت. وعبد السلام: منادى، وظعن: جمع ظعينة، وهي المرأة في الهودج، والأبلق الفرد: موضع، وكذلك عاصم، بالمهملتين. وفحلين، بإعراب المثنى، وذو بقر: أسماء مواضع، وأراد بهذه الظعن: نساءه وحريمه. والقتال الكلابي، بفتح القاف وتشديد المثناة الفوقية: اسمه عبد الله بن مجيب بن المضرجيّ بن عامر بن كعب بن عبد بن أبي بكر بن كلاب، وقيل: اسمه عبادة بن المجيب. وقيل: عبيد بن المجيب، وكنيته: أبو المسيّب، كذا في "كتاب اللصوص". وهو شاعر إسلامي كان في الدولة المروانية في عصر الراعي، والفرزدق، وجرير. ولقب بالقتال لتمرده وفتكه، وكان شجاعًا فارسًا شاعرًا. وكان في دناءة النفس كالحطيئة، وكانت عشيرته تبغضه لكثرة

стр. 767

جناياته، وما يلحقها من أذاه، ولا تمنعه من مكروه، وأورد له السكري جنايات كثيرة، وله فيها أشعار. والراعي: اسمه عبيد بن حصين، بتصغيرهما، وينتهي نسبه إلى نمير بن عامر بن صعصعة، وكنيته: أبو جندل، ولقب الراعي لكثرة وصفه الإبل والرعاء في شعره، وقيل: لقب به ببيت قاله. وقال ابن قتيبة: اسمه حصين ابن معاوية، وكان يقال لأبيه في الجاهلية: الرئيس، وولده وأهل بيته في البادية سادة أشراف، وهو شاعر فحل من شعراء الإسلام في الطبقة الأولى من الشعراء الإسلاميين، وكان يقدم الفرزدق على جرير، فاستكفه جرير فأبى، فهجاه بقصيدته التي مطلعها: أقلِّي اللَّوم عاذل والعتابا ففضحه بها. وفي "المؤتلف والمختلف" للآمدي: من لقبه الراعي من الشعراء اثنان: أحدهما هذا، والثاني: اسمه خليفة بن بشر بن عمير بن الأحوص من بني عدي ابن جناب. وأنشد بعده وهو الإنشاد السادس والخمسون بعد المائة: (١٥٦) تبلت فؤادك في المنام خر يدة ... تسقى الضَّجيع ببادرٍ بسَّام على أن الباء قد زيدت في المفعول الثاني لتسقي، وأراد بالبارد: ريقها

стр. 768

ووصف الريق البارد بأنه بسام، من باب وصف الشيء بصفة محله، لأن التبسم صفة الثغر، وقال ابن حبيب جامع "ديوان حسان بن ثابت"، أراد: تسقي باردًا، فأقحم الباء. قال يوسف بن الحسن السيرافي في "شرح أبيات الغريب المصنَّف" أراد: تسقي الضجيع باردًا بسامًا، والباء زائدة، وقد جاء مثله: فسقيت بالماء النَّمير ولم ... أترك الاطم حمأة الجفر ومعنى تبلت فؤادك: أصابته بتبل، والتبل: الدخل، والوتر، وأراد بالبارد البسام: ثغرها. انتهى. ومثله في "كامل المبرد". قال: أصل التبل: الترة، يقال: تبلي عند فلان، وأنشد هذا البيت لحسان، وقال: الخريدة: الحيية. قال الدمامييني: والمراد بالضجيع: ضجيع تلك الخريدة، وهو الذي يضع جنبه على الأرض إلى جانبها، ويمكن أن تكون الباء في هذا البيت للاستعانة مثل: سقيته بالقدح، والمراد بالبارد البسام: الثغر، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: تسقي الضجيع ريقها بثغر بارد بسام، وأما على ما قاله المصنف: فتكون الباء زائدة، وفيه نظر، لأن المراد بالبارد: الثغر، بدليل وصله ببسام، وهو لا يسقى، لكن يجوز أن يكون على حذف مضاف، وعليه يكون في البيت زيادة ونقص. انتهى. ويكون التقدير: بربق ثغر بارد بسام، ووصف الثغر بالبارد من باب وصف المحل بصفة الحالّ، واعترض عليه بأنه لا يلزم على قول المصنف أن يكون الثغر مسقيًا حتى يتكلف له بتقدير مضاف، فيجتمع تقدير الزيادة والنقص، لأنا نقول: هو من وصف الشيء بصفة محله، ولكل وجهة، وقد حكم المصنف على زيادة هذه الباء بالقلة. قال المحقق الرضي: وتزاد – أي: الباء – قياسًا في مفعول علمت، وعرفت، وجهلت، وسمعت، وتيقنت، انتهى. وكأن الكلمة الأخيرة، وهي من التيقن، تحرفت في نسخة الدماميني بسقيت، فنقل

стр. 769

كلام الرضي في "المزج" وقال: جعلها قياسًا فيما ادعى المصنف فية القلة بالنسبة إلى سقيت. وروي في البيت: "تشفي" من الشفاء. قال ابن الملا: فالضجيع: المضطجع من مرض المحبة، والباء غير زائدة، بل هي للاستعانة، ويجوز أن يراد بالبارد: الثغر، لأن الشفاء إذا كان بريقه صحت نسبته إليه أيضًا، ولا مجاز في الصفة، وأن يراد به الريق، والمجاز فيها. انتهى. والبيت من قصيدة لحسان بن ثابت ذكر فيها الحارث بن هشام المخزومي وهزيمته يوم بدر، ثم أسلم وحسن إسلامه، واستشهد بأجنادين، رحمه الله تعالى، وهي قصيدة طويلة أوردها عبد الملك بن هشام في فصل: "ما قيل من الشعر في يوم بدر" قال السهيلي في "الروض الأنف": وفي شعر حسان: تبلت فؤادك في المنام خريدة يجوز أن يكون أراد بالمنام: النوم، وموضع النوم، ووقت النوم، لأن مفعلاً يصلح في هذا كله من ذوات الواو، وقد تسمي العين أيضًا منامًا، لأنها موضع النوم، وعليه حمل تأوُّل قوله تعالى: ﴾ إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ﴿[الأنفال/ ٤٣] أي: في عينك، ويقويه قوله سبحانه: ﴾ ويقللكم في أعينهم ﴿[الأنفال/ ٤٤] ولا فرق عند النحويين بين مفعل في هذا الباب، وفعل نحو: مضرب وضرب، ومنام ونوم، وكذلك هما في التعدية سواء، نحو: ضرب زيد عمرًا، ومضرب زيد عمرًا، وأما في حكم البلاغة والعلم بجوهر الكلام فلا سواء، فإن المصدر إذا حددته قلت: ضربة ونومة، ولا تقول: مضربة ولا منامة، فهذا فرق، وفرق آخر، تقول: ما أنت إلا نوم، وإلا سير، إذا قصدت به التوكيد، ولا يجوز: ما أنت إلا منام، وإلا مسير، ومن جهة المصدر: إن الميم لم تزد

стр. 770

إلا لمعنى زائد كالزوائد الأربع في المضارع، وعلى ما قالوه: تكون زائدة لغير معنى، فإن قلت: فما ذلك المعنى الذي تعطيه الميم؟ قلنا: الحدث يتضمن زمانًا ومكانًا وحالاً، فالمذهب عبارة عن الزمان الذي فيه الذهاب، وعن المكان أيضًا؛ فهي تعطي معنى الحدث، وشيء زائد عليه، وكذلك إذا أردت الحدث مقرونًا بالحالة والهيئة التي يقع عليها. قال الله : ﴾ ومن آياته منامكن بالليل والنهار ﴿[الروم /٢٣]. فأحال على التفكر في هذه الحالة المستمرة على البشر، ثم قال في آية أخرى: ﴾ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴿[البقرة/ ٢٥٥] ولم يقل منام، لخلو هذا الموطن من تلك الحالة، وتعرّبه من ذلك المعنى الزائد في الآية الأخرى؛ ومن لم يعرف جوهر الكلام، لم يعرف الإعجاز. انتهى كلام السهلي. ولغرابته نقلناه برمته. وبعد ثمانية أبيات قال: يا من لعاذلةٍ تلوم سفاهًة ... ولقد عصيت إلى الهوى لوّامي بكرت عليَّ بسحرةٍ بعد الكرى ... وتقاربٍ من حادث الأّيام زعمت بأنّ المرء يكرب يومه ... عدم لمعتكرٍ من الأصرام إن كنت كاذبة الذي حدَّثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبَّة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرّةٍ ولجام قوله: يا من لعاذلة، اللام متعلقة بمحذوف تقديره: يا من يقوم لعاذلة، فيدفع لومها عني، وإلى: متعلقة بمحذوف تقديره: ولقد عصيت لوّامي مائلاً إلى الهوى والغرام، وقوله: زعمت بأن .. الخ، قال ابن حبيب، يقول: زعمت أن الرجل يقرب أجله الفقر، فأمرتني بالإمساك. والمعتكر: المال

стр. 771

الكثير، يقال لما بين الثلاث من الإبل إلى العشر: ذود، فإذا جاز العشر؛ فهي صرمة، والجمع أصرام. انتهى. وقوله: فنجوت منجى ... الخ، يريد: فضحك الله تعالى، وأخزاك، فإن فرار المقاتل من قرنه في المعركة لأخزي أشد منه. فقال الحارث بن هشام يعتذر من قراره، ويقال: لم يقل أحد أحسن منه في هذا الاعتذار. الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسي بأحمر مزبد وعلمت أنِّي إن أقاتل واحدًا ... أقتل ولا يضرر عدوِّي مشهدي فصدفت عنهم والأحبّة فيهم ... طمعًا لهم بعقاب يومٍ مفسد وروي "بأشقر" قال السهيلي: يعني الدم، ومزبد: قد علاه الزبد، وقوله: والأحبة فيهم، يعني: من قتل أو أسر من رهطه وإخوته. انتهى. وحسان بن ثابت تقدمت ترجمته في الإنشاد التاسع والستين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والخمسون بعد المائة: (١٥٧) فكفى بنا فضلاً على من غيرنا ... حبُّ النبيِّ محمَّد إيَّانا على أن الباء زائدة في مفعول كفى المتعدية لواحد. كذا قال ابن

стр. 772

الشجري في "أماليه". قال ابن جني في "سر الصناعة: فكفى بنا فضلاً على من غيرنا ... البيت إنما تدخل الباء على الفاعل، وهذا شاذ، يريد أن معناه: كفانا، وقرأت أيضًا عليه: إذا لاقيت قومًا فاسأليهم ... كفى قومًا بصاحبهم خبيرا وهذا من المقلوب، ومعناه: كفى بقوم خبيرًا بصاحبهم، فجعل الباء ي الصاحب، وموضعها أن تكون في قوم، إذ هم الفاعلون في المعنى. انتهى. وإنما اضطر إلى ادعاء القلب والتعويض، لأن فاعل كفى، وهو قوم، جاء منصوبًا، وخبير مفعوله، وبصاحبهم متعلق بخبير، ونصب الفاعل غير جائز، فادعى أن موضع الباء الفاعل، لأن الباء كثيرًا ما تزاد في فاعل كفى، وزيادتها في مفعوله نادرة، فلما قرنها بالفاعل عوض مجرورها باء أخرى. وفيه رد على من زعم كالمصنف أن كفى المتعدية لواحد لا تزاد الباء في فاعلها، وقوله: إنما هي في البيت زائدة في الفاعل ... الخ، موافق لما اختاره من: أن الباء إنما تزاد في فاعل كفى القاصرة، والمعنى: حسب محبة النبي إيانا، ومن ينكر ثبوت كفى القاصرة، يقدر المفعول. وتقديره كفينا قومنا فضلاً حب النبي إيانا. قال أبو حيان في "شرح التسهيل": وأما: فكفى بنا فضلاً ... البيت، فأكثر أصحابنا خرجوه على زيادة الباء في الفاعل، وجعل حب النبي يدل اشتمال من المجرور بالباء، والتقدير: فكفينا حب النبي. انتهى. وبين المرادي صاحب هذا القيل، فقال في "الجنى الداني": واختلف في

стр. 773

زيادتها في قوله: فكفى بنا فضلاً على من غيرنا ... فقيل: هي في البيت زائدة مع المفعول. ورده ابن أبي العافية، وقال: هي داخلة على فاعل كفى، وحب النبي: بدل اشتمال من الضمير على الموضع، وعلى هذا حمل بعضهم قول أبي الطيب: كفى بجسمي نحولاً ... البيت. انتهى. وإنما نقله المصنف بقيل؛ لما قاله الدماميني في "شرح التسهيل" من أنه يلزم عليه الإبدال من ضمير الحاضر، مع أن البدل ليس محيطًا، وهو قليل. انتهى. واستشهد سيبويه بالبيت: على أن "من" فيه نكرة موصوفة بمفرد، وهو غيرنا. وسيأتي إن شاء الله تعالى في بحث "من". وحب النبي: مصدر مضاف إلى فاعله، وإيانا: مفعوله، ومحمد: معطوف عطف بيان للنبي، وفضلاً: تمييز، وروي بدله "شرفًا" وعلى: متعلقة به، وقبله: نصروا نبَّيهم بنصر وليِّه ... فالله عزَّ بنصره سمَّانا يقول: إن الله سماهم الأنصار، لأنهم نصروا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن والاه. والشعر لكعب بن مالك الأنصاري، وقيل لعبد الله بن رواحة الأنصاري، وقد طلبته في "ديوان حسان" فلم أجده. قلت: وأنا فتشته في "ديوان حسان فلم أجده فيه، وقيل: هو لبشير بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، والله تعالى أعلم. وكعب بن مالك: أحد شعراء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذين

стр. 774

كانوا يردون الأذى عنه، وكان شاعرًا مجودًا مطبوعًا قد عرف بذلك، ويروى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لكعب بن مالك: أترى الله ينسى لك قولك: جاءت سخينة كي تغالب ربَّها ... وليغلبنَّ مغالب الغلاَّب وهو أحد الثلاثة الذين خلقوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وعمي كعب في آخر عمره، وتوفي في مدة معاوية سنة خمس وخمسين، أو ثلاث وخمسين، وهو ابن سبع وسبعين، وشهد العقبة الثانية، ولم يشهد بدرًا، ثم شهد سائر مشاهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غير غزوة تبوك، ونزلت فيه الآية، وتاب الله تعالى عليه. وعبد الله بن رواحة: هو من فضلاء أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، شهد العقبة، وكان نقيبًا، ثم شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد إلى يوم مؤته، فقتل بها شهيدًا في سنة ثمان، وهو أحد الأمراء في غزوة مؤتة، وأحد شعراء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المحسنين الذين كانوا ينافحون عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ويردون الأذى عنه، وفيه وفي صاحبيه، حسان وكعب، نزلت: ﴾ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرًا ﴿[الشعراء/ ٢٢٧] وكانت له أمة مشى إليها ليلة، فنال منها، وفطنت له

стр. 775

امرأته فلامته، فجحدها، وكانت قد رأت جماعة لها، فقالت له: إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن، فالجنب لا يقرأ القرآن، فقال: شهدت بأن وعد الله حقُّ ... وأنَّ النار مثوى الكافرينا وأنَّ العرش فوق الماء طافٍ ... وفوق العرش ربُّ العالمينا فقالت: صدق الله، وكذبت بصري! وكانت لا تحفظ القرآن، ولا تقرؤه. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والخمسون بعد المائة: (١٥٨) كفى بجسمي نحولاً أنَّني رجل ... لولا مخاطبتي إيَّاك لم ترني على أن هذا أيضًا الباء زائدة في مفعوله كبيت الأنصاري، وهو قول الواحدي، وغيره ممن نظر في شعر المتنبي. وأورده ابن الشجري مع البيت المتقدم في المجلس الثالث والثمانين من "أماليه" قال: يتوجه في هذا البيت سؤال عن الفرق في الإعراب بين "كفى بجسمي نحولاً" وبين﴾ كفى بالله وكيلاً ﴿[الأحزاب/ ٣] وسؤال ثان: وهو أن "أنّ" المفتوحة تكون مع خبرها في تأويل مصدر، فبأي مصدر تتقدر في هذا البيت؟ وسؤال ثالث: وهو أن يقال: أن الجملة التي هي: "لولا مخاطبتي إياك لم ترني" وصف لرجل، ورجل: اسم غيبة؛ فكيف عاد إليه ضمير متكلم وكان القياس: لولا مخاطبته إياك؟ الجواب: إن كفى مما غلب عليه زيادة الباء تارة مع فاعله، وتارة مع مفعوله، ودخولها على مفعوله قليل، فزيادتها مع الفاعل مثل (كفى بالله) المعنى: كفى الله، ويدلك على أنها مزيدة في "بالله" قول سحيم:
следующие страницы →