Полный текст (2 797 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
الكثير، يقال لما بين الثلاث من الإبل إلى العشر: ذود، فإذا جاز العشر؛ فهي صرمة، والجمع أصرام. انتهى. وقوله: فنجوت منجى ... الخ، يريد: فضحك الله تعالى، وأخزاك، فإن فرار المقاتل من قرنه في المعركة لأخزي أشد منه.
فقال الحارث بن هشام يعتذر من قراره، ويقال: لم يقل أحد أحسن منه في هذا الاعتذار.
الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسي بأحمر مزبد
وعلمت أنِّي إن أقاتل واحدًا ... أقتل ولا يضرر عدوِّي مشهدي
فصدفت عنهم والأحبّة فيهم ... طمعًا لهم بعقاب يومٍ مفسد
وروي "بأشقر" قال السهيلي: يعني الدم، ومزبد: قد علاه الزبد، وقوله: والأحبة فيهم، يعني: من قتل أو أسر من رهطه وإخوته. انتهى.
وحسان بن ثابت تقدمت ترجمته في الإنشاد التاسع والستين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والخمسون بعد المائة:
(١٥٧) فكفى بنا فضلاً على من غيرنا ... حبُّ النبيِّ محمَّد إيَّانا
على أن الباء زائدة في مفعول كفى المتعدية لواحد. كذا قال ابن
стр. 772
الشجري في "أماليه". قال ابن جني في "سر الصناعة:
فكفى بنا فضلاً على من غيرنا ... البيت
إنما تدخل الباء على الفاعل، وهذا شاذ، يريد أن معناه: كفانا، وقرأت أيضًا عليه:
إذا لاقيت قومًا فاسأليهم ... كفى قومًا بصاحبهم خبيرا
وهذا من المقلوب، ومعناه: كفى بقوم خبيرًا بصاحبهم، فجعل الباء ي الصاحب، وموضعها أن تكون في قوم، إذ هم الفاعلون في المعنى. انتهى.
وإنما اضطر إلى ادعاء القلب والتعويض، لأن فاعل كفى، وهو قوم، جاء منصوبًا، وخبير مفعوله، وبصاحبهم متعلق بخبير، ونصب الفاعل غير جائز، فادعى أن موضع الباء الفاعل، لأن الباء كثيرًا ما تزاد في فاعل كفى، وزيادتها في مفعوله نادرة، فلما قرنها بالفاعل عوض مجرورها باء أخرى. وفيه رد على من زعم كالمصنف أن كفى المتعدية لواحد لا تزاد الباء في فاعلها، وقوله: إنما هي في البيت زائدة في الفاعل ... الخ، موافق لما اختاره من: أن الباء إنما تزاد في فاعل كفى القاصرة، والمعنى: حسب محبة النبي إيانا، ومن ينكر ثبوت كفى القاصرة، يقدر المفعول. وتقديره كفينا قومنا فضلاً حب النبي إيانا.
قال أبو حيان في "شرح التسهيل": وأما: فكفى بنا فضلاً ... البيت، فأكثر أصحابنا خرجوه على زيادة الباء في الفاعل، وجعل حب النبي يدل اشتمال من المجرور بالباء، والتقدير: فكفينا حب النبي. انتهى.
وبين المرادي صاحب هذا القيل، فقال في "الجنى الداني": واختلف في
стр. 773
زيادتها في قوله: فكفى بنا فضلاً على من غيرنا ... فقيل: هي في البيت زائدة مع المفعول. ورده ابن أبي العافية، وقال: هي داخلة على فاعل كفى، وحب النبي: بدل اشتمال من الضمير على الموضع، وعلى هذا حمل بعضهم قول أبي الطيب: كفى بجسمي نحولاً ... البيت. انتهى.
وإنما نقله المصنف بقيل؛ لما قاله الدماميني في "شرح التسهيل" من أنه يلزم عليه الإبدال من ضمير الحاضر، مع أن البدل ليس محيطًا، وهو قليل. انتهى.
واستشهد سيبويه بالبيت: على أن "من" فيه نكرة موصوفة بمفرد، وهو غيرنا. وسيأتي إن شاء الله تعالى في بحث "من". وحب النبي: مصدر مضاف إلى فاعله، وإيانا: مفعوله، ومحمد: معطوف عطف بيان للنبي، وفضلاً: تمييز، وروي بدله "شرفًا" وعلى: متعلقة به، وقبله:
نصروا نبَّيهم بنصر وليِّه ... فالله عزَّ بنصره سمَّانا
يقول: إن الله سماهم الأنصار، لأنهم نصروا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن والاه.
والشعر لكعب بن مالك الأنصاري، وقيل لعبد الله بن رواحة الأنصاري، وقد طلبته في "ديوان حسان" فلم أجده. قلت: وأنا فتشته في "ديوان حسان فلم أجده فيه، وقيل: هو لبشير بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، والله تعالى أعلم.
وكعب بن مالك: أحد شعراء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذين
стр. 774
كانوا يردون الأذى عنه، وكان شاعرًا مجودًا مطبوعًا قد عرف بذلك، ويروى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لكعب بن مالك: أترى الله ينسى لك قولك:
جاءت سخينة كي تغالب ربَّها ... وليغلبنَّ مغالب الغلاَّب
وهو أحد الثلاثة الذين خلقوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وعمي كعب في آخر عمره، وتوفي في مدة معاوية سنة خمس وخمسين، أو ثلاث وخمسين، وهو ابن سبع وسبعين، وشهد العقبة الثانية، ولم يشهد بدرًا، ثم شهد سائر مشاهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غير غزوة تبوك، ونزلت فيه الآية، وتاب الله تعالى عليه.
وعبد الله بن رواحة: هو من فضلاء أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، شهد العقبة، وكان نقيبًا، ثم شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد إلى يوم مؤته، فقتل بها شهيدًا في سنة ثمان، وهو أحد الأمراء في غزوة مؤتة، وأحد شعراء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المحسنين الذين كانوا ينافحون عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ويردون الأذى عنه، وفيه وفي صاحبيه، حسان وكعب، نزلت: ﴾ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرًا ﴿[الشعراء/ ٢٢٧] وكانت له أمة مشى إليها ليلة، فنال منها، وفطنت له
стр. 775
امرأته فلامته، فجحدها، وكانت قد رأت جماعة لها، فقالت له: إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن، فالجنب لا يقرأ القرآن، فقال:
شهدت بأن وعد الله حقُّ ... وأنَّ النار مثوى الكافرينا
وأنَّ العرش فوق الماء طافٍ ... وفوق العرش ربُّ العالمينا
فقالت: صدق الله، وكذبت بصري! وكانت لا تحفظ القرآن، ولا تقرؤه.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والخمسون بعد المائة:
(١٥٨) كفى بجسمي نحولاً أنَّني رجل ... لولا مخاطبتي إيَّاك لم ترني
على أن هذا أيضًا الباء زائدة في مفعوله كبيت الأنصاري، وهو قول الواحدي، وغيره ممن نظر في شعر المتنبي.
وأورده ابن الشجري مع البيت المتقدم في المجلس الثالث والثمانين من "أماليه" قال: يتوجه في هذا البيت سؤال عن الفرق في الإعراب بين "كفى بجسمي نحولاً" وبين﴾ كفى بالله وكيلاً ﴿[الأحزاب/ ٣] وسؤال ثان: وهو أن "أنّ" المفتوحة تكون مع خبرها في تأويل مصدر، فبأي مصدر تتقدر في هذا البيت؟ وسؤال ثالث: وهو أن يقال: أن الجملة التي هي: "لولا مخاطبتي إياك لم ترني" وصف لرجل، ورجل: اسم غيبة؛ فكيف عاد إليه ضمير متكلم وكان القياس: لولا مخاطبته إياك؟ الجواب: إن كفى مما غلب عليه زيادة الباء تارة مع فاعله، وتارة مع مفعوله، ودخولها على مفعوله قليل، فزيادتها مع الفاعل مثل (كفى بالله) المعنى: كفى الله، ويدلك على أنها مزيدة في "بالله" قول سحيم:
стр. 776
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
وأما زيادتها مع المفعول، فمنه ما أوردته آنفًا من قول الأنصاري: "فكفى بنا فضلاً" ومنه:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا
التقدير كفاك داء رؤيتك الموت. ومنه "كفى بجسمي نحولاً" لأن فاعل كفى: أن وما اتصل بها، واسبك لك من ذلك فاعلاً بما دل عليه الكلام من النفي بلم، وامتناع الشيء لوجود غيره بلولا، فالتقدير: كفى بجسمي نحولاً انتفاء رؤيتي، لولا وجود مخاطبتي، وانتصاب "نحولاً" على التفسير، والتفسير في هذا النحو للفاعل دون المفعول. "فوكيلا" تفسير لاسم الله تعالى، ونحولاً تفسير لانتفاء الرؤية، كما كان "فضلاً" في بيت الأنصاري تفسيرًا لحب النبي إياهم. فقد بان لك الفرق في الإعراب بين "كفى بجسمي نحولاً" و (كفى بالله وكيلاً) من حيث كان بالله فاعلاً، وبجسمي مفعولاً. وأما "رجل" من قوله: أنني رجل: فخبر موطئ إلى آخر ما ذكره، وننقله إن شاء الله تعالى في الباب السابع عند ذكر المصنف هذا البيت هناك أيضًا.
وأما ما نقله ابن أبي العافية من أن بعضهم جعل الباء في "بجسمي" زائدة في الفاعل، فوجهه: أنه يجعل "أنني" مجرورًا بلام مقدرة، والتقدير: حسب جسمي نحولاً لأنني رجل ... الخ، ونقل عن المعري أنه قال في شرح هذا البيت: نحولاً: مفعول ثان لكفى، وهو خطأ، فإنه يقتضي أن يكون كفى بمعنى وقى، وهو مفسد للمعنى.
стр. 777
والبيت ثالث أبيات قالها المتنبي في صباه، وهي:
أبلى الهوى أسفًا يوم النّوى بدني ... وفرّق الهجر بين الجفن والوسن
روح تردّد في مثل الخلال إذا ... أطارت الرِّيح عنه الثوب لم يبن
كفى بجسمي نحولاً ... البيت
قال الإمام الواحدي. يقال: بلي الثوب يبلى بلى، وأبلاه غيره إبلاء، والأسف: شدة الحزن، ومعنى، إبلاء الهوى البدن: إذهاب لحمه وقوته بما يورد عليه من شدائده، وخص يوم النوى؛ لأن برح الهوى إنما يشتد عند الفراق، والهوى عذب مع الوصال، سم مع الفراق، كما قال السري:
وأرى الصَّبابة أريًة ما لم يشب ... يومًا حلاوتها الفراق بصابه
وانتصب أسفًا على المصدر، ودل على فعله ما تقدمه؛ لأن إبلاء الهوى بدنه يدل على أسفه، كأنه قال: أسفت أسفًا، ويوم النوى: ظرف للإبلاء، ويجوز تعلقه بأسفًا، والمعنى: أدى الهوى بدني إلى الأسف والهزال يوم الفراق، وبدد هجر الحبيب بين جفني والنوم، أي: لم أجد بعده نومًا، وقوله: روح تردد .. الخ، يقول: لي روح تذهب وتجيء في بدن مثل الخلال في النحول والرقة، إذا أطارت الريح عنه الثوب الذي عليه لم يظهر ذلك البدن لرقته، أي: إنما يرى ما عليه من الثوب، وإذا ذهب عنه الثوب لم يظهر، ويجوز أن يكون معنى لم يبن: لم يفارق، أي: أن الريح تذهب بالبدن مع الثوب لخفته، ومثل الخلال: صفة لموصوف محذوف، وتقديره: في بدن مثل الخلال.
وأقرأني أبو الفضل: "في مثل الخيال" قال: أقرأني أبو بكر الشعراني
стр. 778
خادم المتنبي قال: لم أسمع الخلال إلا بالري فما دونه، يدل على صحة هذا أن الوأواء الدمشقي سمع هذا البيت فأخذه، فقال:
وما أبقى الهوى والشوق منِّي ... سوى روحٍ تردَّد في خيال
خفيت على النوائب أن تراني ... كأنّ الرُّوح منِّي في محال
وقوله: "كفى بجسمي نحولاً" يقول: صرت من النحول بحيث لو لم أتكلم لم يقع علي البصر، إنما يستدل علي بصوتي، كما قال الصنوبري:
ذبت حتى ما يستدلّ على ... أنّي حيُّ إلاّ ببعض كلامي
وأخذه عمر بن الفارض، وزاده، وهو قوله:
كهلال الشَّكِّ لولا أنَّه ... أنَّ عيني عينه لم تتأيّ
أي: لم تتعم عيني ذاته لولا أنينه، وقال في موضع آخر:
كأِّني هلال الشَّكِّ لولا تأوُّهي ... خفيت فلم تهد العيون لرؤيتي
وقال في موضع آخر:
خفيت ضنًى حتى لقد ضلَّ عوَّدي ... وكيف ترى العوَّاد من لا له ظلُّ
стр. 779
وترجمة المتنبي تقدمت في الإنشاد التاسع.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والخمسون بعد المائة:
(١٥٩) أليس عجيبًا بأنَّ الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه
على أن الباء قد زيدت في اسم ليس المؤخر، وهو: "أن الفتى يصاب" فإنه في تأويل مفرد مرفوع، وتقديره: أليس مصاب الفتى ببعض ما في يديه عجيبًا؟ ! وأنشده المبرد في قريب من النصف من "الكامل" لمحمود الوراق مع بيتين بعده، وهما:
فمن بين باكٍ له موجعٍ ... وبين معزِّ مغذِّ إليه
ويسلبه الشَّيب شرخ الشَّبا ... ب فليس يعزّيه خلق عليه
وكذا رواهما القالي في أوائل "أماليه"، عن أبي محمد، عبد الله بن جعفر النحوي، عن أبي العباس، محمد بن يزيد المبرد، لمحمود الوراق، وأنشدها الجاحظ أيضًا له في كتاب "البيان" وذكرها السيد المرتضى أيضًا في "أماليه" وقال: وتروى لمحمد بن حازم، يقول: أتعجَّب من أن الرجل يعزى على تلف ماله، ولا يعزى على فقد شبابه. وأنشد المبرد لمحمود الوراق أيضًا:
يا خاضب الشَّيب الذي ... في كلِّ ثالثة يعود
إنَّ النُّصول إذا بدا ... فكأنَّه شيب جديد
стр. 780
وله بديهة لوعةٍ ... مكروهها أبدًا عتيد
فدع المشيب كما أرا ... د فلن يعود كما تريد
وقال أيضًا:
يا خاضب الشَّيبة نح فقدها ... فإنَّما تدرجها في كفن
أما تراها منذ عاينتها ... تزيد في الرَّأس بنقص البدن
وقال أيضًا:
اغتنم غفلة المنيَّة واعلم ... أنَّما الشَّيب للمنَّية جسر
كم كبير يوم القيامة يقصى ... وصغيرٍ له هنالك قدر
هذا ما أورده له المبرد في "كامله".
وقوله فمن بين باك له موجع، بفتح الجيم، أي: متوجع، يعني: أن الناس بعضهم يبكي على فقد ماله ويتوجع له، وبعضهم يعزبه ويغذ إليه، من أغذ إليه، بالغين والذال المعجمتين، أي: أسرع إليه بالتعزية، وشرخ الشباب: أوله المستلزم لطراوته ونعومته، والنصول: ذهاب الخضاب.
وأنشد السيد المرتضى لمحمد بن حازم:
عهد الشباب لقد أبقيت لي حزنًا ... ما جدَّ ذكرك إلا جدَّ لي ثكل
سقيًا ورعيًا لأيَّام الشباب وإن ... لم يبق منك له رسم ولا طلل
لا تكذبنَّ فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيومٍ واحدٍ بدل
стр. 781
كفاك بالشيب ذنبًا عند غانيةٍ ... وبالشباب شفيعًا أيُّها الرجل
ومحمود الوراق بن الحسن توفي في خلافة المعتصم في حدود الثلاثين والمئتين، وأكثر شعره في الوعظ، ومن شعره:
ما إن بكيت زمانًا ... إلاّ بكيت عليه
ولا ذممت صديقًا ... إلاّ رجعت إليه
قال الخطيب في "تاريخ بغداد": يقال: إنه كان نخاسًا يبيع الرقيق، وطلب المعتصم منه جارية، وأعطاه سبعة آلاف دينار، فامتنع من بيعها، فلما مات اشتراها المعتصم من ميراثه بسبعمائة دينار. فلما دخلت إليه، قال: كيف رأيت؟ تركتك حتى اشتريتك من سبعة آلاف بسبعمائة دينار! قالت: أجل إذا كان الخليفة ينتظر لشهواته المواريث، فإن سبعين دينارًا كثير في ثمني فضلاً عن سبعمائة، فأخجلته. انتهى.
والوراق: معناه الناسخ بالأجرة. قال أحمد بن عبد الله بن الحارث المعروف بأبي هفان: سألت وراقًا – يعني: ناسخًا – عن حاله، فقال: عيني أضيق من محبرة، وجسمي أرق من مسطرة، وجاهي أوهى من الزجاج، وحظي أشد سوادًا من العفص إذا خلط بالزاج، وسوء حالي ألزم بي من الصمغ، وطعامي أمرّ من الصبر، وشرابي أكدر من الحبر، والهم والألم يجريان في علقة قلبي مجرى المداد في شقِّ القلم. فقلت: يا أخي لقد عبرت ببلاء عن بلاء! فأنشد:
المال يستر كلَّ عيبٍ في الفتى ... والمال يرفع كلَّ وغدٍ ساقط
فعليك بالأموال فاقصد جمعها ... واضرب بكتب العلم بطن الحائط
стр. 782
ولابن صارة الأندلسي:
أمّا الوراقة فهي أيكة حرفةٍ ... أغصانها وثمارها الحرمان
شبهت صاحبها بإبرة خائطٍ ... تكسو العراة وجسمها عريان
وأنشد بعده وهو الإنشاد الستون بعد المائة:
(١٦٠) ومنعكها بشيء يستطاع
وصدره:
فلا تطمع أبيت اللَّعن فيها
على أن الباء قد زيدت في خبر المبتدأ الموجب، والأولى تعليقها بمنعكها. والمعنى: ومنعكها بشيء ما يستطاع، زاد "ما" للإبهام، قال الزمخشري: و"ما" هذه إبهامية، وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهامًا، وزادته شياعًا، كقولك: أعطني كتابًا ما، تريد: أي كتاب كان، ويتفرع على الإبهام الحقارة والفخامة والنوعية.
وشرحه ابن جني، وكلام المصنف مأخوذ منه؛ قال في "إعراب الحماسة": الباء في "بشيء" زائدة في خبر المبتدأ، وقد جاء ذلك، ألا ترى إلى قول أبي الحسن في قول الله تعالى: ﴾ وجزاء سيئتةٍ بمثلها ﴿[يونس/ ٢٧] أن تقديره: جزاء سيئة سيئة مثلها، اعتبارًا لقوله عز اسمه: ﴾ وجزاء سيئةٍ سيئة مثلها ﴿[الشورى/ ٤٠] فكأنه قال: ومنعكها شيء يستطاع، أي: أمر مطاق غير باهظ ولا معجز، أي: فاله عنها ولا تعلق فكرك بها. ويجوز وجه آخر، وهو أن يريد: ومنعكها بمعنى من المعاني مما يستطاع، وذلك المعنى إما غلبة ومعازَّة
стр. 783
لك، وإما فداء تفديها به منك، أو غير ذلك، فيكون المعنى قريبًا من الأول، إلا أنه ألين جانبًا منه، فالباء على هذا متعلقة بنفس المنع وفي صلته، ويجوز أن تكون معلقة أيضًا بنفس يستطاع بمعنى من المعاني، ويقدر عليه به. انتهى.
ولقد أجاد ابن الملا في الرد على الشمني حيث قال عند قول المصنف: بشيء ما يستطاع؛ أي: ومنعك إياها بشيء أي شيء كان مطاق، فليس الأولى أن لا يأتي بكلمه ما، كما قال المحشّي، أي: الشمني. وعلله بأنها تزاد مع كلمة شيء للدلالة على التقليل والتحقير، وليس المعنى على ذلك، لأن المخاطب ملك، ألا ترى أنه حياه بتحية الملوك؟ بل المعنى على التكثير أو التعظيم، وهو يستفاد منن تنكير شيء، أي: فلا حاجة إلى زيادة ما، بخلاف التقليل أو التحقير، أي: لو كان أحدهما مرادًا. وأنت خبير أن التنكير صالح لإفادة كل من التقليل والتحقير والتكثير والتعظيم، وكون الخطاب مع ملك لا يستلزم كون تنكير شيء للتعظيم لأن الشاعر متحمس على مخاطبه ولو ملكًا. وقد افتتح كلامه بالنهي عن الطمع في هذه الفرس، أي: أنهاك عن الطمع فيها، والحال أن منعك عنها بشيء حقير يستطاع، وإذا كان بالحقير يستطاع، فما الظن بغيره؟ ! ويجوز تعلقها بيستطاع، أي: ومنعك عنها متأت بشيء. انتهى كلام ابن الملا.
والبيت آخر أبيات أربعة أوردها أبو تمام في "الحماسة" لرجل من بني تميم، وطلب منه ملك من الملوك فرسًا يقال لها سكاب، فمنعه إياها:
أبيت اللَّعن إنَّ سكاب علق ... نفيس لا يعار ولا يباع
مفدّاة مكرَّمة علينا ... يجاع لها العيال ولا تجاع
سليلة سابقين تناجلاها ... إذا نسبا يضمَّهما الكراع
فلا تطمع أبيت اللَّعن فيها ... ومنعكها بشيءٍ يستطاع
стр. 784
قال الطبرسي في شرحه: أبيت اللعن، أي: أبيت الأمر الذي يلعن عليه إذا فعلته، وكان هذا القول تحية الملوك عندهم، قال الشاعر:
ولكلُّ ما نال الفتى ... قد نلته إلاّ التَّحيَّه
يعني: إلا أن يقال لي: أبيت اللعن، وكأنه قال: نلت كل شيء إلا الملك. وأصل اللعن: الطرد. وسكاب إذا أعربته كان غير منصرف، للتعريف والتأنيث، والشاعر تميمي، وهذا لغة قومه، فإذا بنيته على الكسر فهي لغة أهل الحجاز، والعلق: ما فيه علاقة للقلب لجودته، ومفداة: يقول لها صاحبها: بأبي أنت وأمي، فيفديها بوالديه. وسليلة: من سل: إذا نزع، وألحق الهاء بها، وإن كان فعيل بمعنى مفعول؛ لأنه جعل اسمًا كالذبيحة، أي: هي مهرة فرسين سابقين. وتناجلاها: كنجلاها، أي: ولداها. وكراع: اسم فحل معروف.
وقوله: فلا نطمع ... الخ، يقول: ارفع طمعك، ودفعك عنها بوجه ما وبحيلة ما ممكن، يقال: منعته كذا، ومنعته عن كذا.
وظفر الصاغاني باسم قائلها، وزيادة أبيات، قال في "العباب": وقال محمد أبو عبد الله بن زياد الأعرابي عند ذكره خيل عمرو بن تميم: ومن بني تميم عبيدة ابن ربيعة بن قحفان بن ناشرة بن رزام بن مازن، يقال لفرسه: سكاب، وهو فارس سكاب، وقال فيها: أبيت اللعن إن سكاب علق ... البيت. مفداة مكرمة علينا ... البيت. سليلة سابقين تناجلاها .. البيت.
وفيها عزَّة من غير نفرٍ ... نحيِّدها إذا حرَّ القراع
стр. 785
فلا تطمع أبيت اللعن فيها ... البيت.
وكفِّي تستقلُّ بحمل سيفي ... وبي ممَّن تهضَّمي امتناع
وحولي من بني قحفان شيب ... وشبَّان إلى الهيجا سراع
إذا فزعوا فأمرهم جميع ... وإن لا قوا فأمرهم شعاع
قوله: من بني قحفان، يدل على صحة قول أبي عبد الله بن الأعرابي. انتهى.
وحر: اشتد. والقراع بالكسر: المقارعة، ونهضمه: ظلمه، وسراع: جمع سريع، والفزع: الذعر، وشعاع، بالفتح: متفرق، من قولهم: ذهبوا شعاعًا، أي: متفرقين، وقحفان بضم القاف.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والستون بعد المائة:
(١٦١) فما رجعت بخائبةٍ ركاب ... حكيم بن المسيِّب منتهاها
على أن الباء قد زيدت في الحال المنفية، وهو ثاني بيت أنشدهما ابن الأعرابي في "نوادره" وقبله:
تنضَّيت القلاص إلى حكيمٍ ... خوارج من تبالة أو مناها
تنضيت: بالضاد المعجمة، في "الصحاح": أنضى فلان بعيره، أي: هزله، وتنضاه أيضًا. والقلاص: جمع قلوص، وهي الناقة الشابة. وتبالة: بفتح المثناة الفوقية، بعدها موحدة. قال الصاغاني: هي بلدة باليمن مخصبة، وفي المثل: "أهون من تبالة على الحجاج" وكان عبد الملك بن مروان ولاه إياها، فلما أتاها استحقرها فلم يدخلها، وقيل: إنه قال للدليل حين قرب منها: أين هي؟ قال: تسترها عنك هذه الأكمة، فقال: أهون علي بعمل تستره عني الأكمة!
стр. 786
ورجع من مكانه. وفي مثل آخر: "ما حللت تبالة لتحرم الأضياف" أي: إن الله تعالى لم يخولك هذه النعمة إلا لتجود على الناس. ويروى: "لم تحلي تبالة لتحرمي" قال لبيد:
فالضيف فالجار الجنيب كأنّما ... هبطا تبالة مخصبًا أهضامها
انتهى. ومناها: بفتح الميم والنون، أي: أو من مكان قريب منها، قال ابن السكيت: هو منِّي بمنا ميل، أي: بقدر ميل، وحكى الفراء: داري منا داره، أي: بحذائها، نقلها الأزهري. والركاب: الإبل التي يسار عليها، الواحدة راحلة ولا واحد لها من لفظها، والمراد من الركاب أصحابها. والخيبة: حرمان المطلوب، والأصل: فما رجعت خائبة. ووصف النكرة إذا تقدم عليها صار حالاً منها، فلما تقدم زيد فيه الباء، وخرجه أبو حيان على أن التقدير: فما رجعت بحاجة خائبة. قال الدماميني في المزج: فالباء للإلصاق أو للمصاحبة، لكن هذا فيه حذف الموصوف من غير دليل، وقد يخرج على جعل رجع من أخوات كان، والباء زائدة في الخبر على حد: "لم أكن بأعجلهم". انتهى. وكذا قال ابن وحيي. وقوله: حكيم بن المسيب منتهاها، أي: غايتها. الجملة في موضع الصفة للركاب. قال الدماميني: وأعرفهم ضبطوا والد سعيد بن المسيب بفتح الياء المشددة وكسرها، وأما والد حكيم هذا فلا أتحقق ضبطه.
стр. 787
ومعنى البيت: إن الركاب التي منتهاها هذا الرجل لم ترجع خائبة، بل رجعت بالظفر بالمقصود ونيل المطلوب. انتهى.
والبيتان من قصيدة للقحيف العقيلي مدح بها حكيم بن المسيب القشيري ومنها:
إذا رضيت عليَّ بنو قشيرٍ ... لعمر الله أعجبني رضاها
ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في بحث "على".
والقحيف: شاعر إسلامي، ذكره الجمحي في الطبقة العاشرة من شعراء الإسلام، وهو شاعر مقل، كان يثبب بخرقاء محبوبة ذي الرمة، وهو القحيف ابن خمير بن سليم النَّدى، وينتهي نسبه إلى عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر، والقحيف: بضم القاف وفتح الحاء المهملة، وخمير: بضم الخاء المعجمة وفتح الميم، وسليم: بضم السين وفتح اللام، وأضيف إلى الندى لاشتهاره بالكرم.
وقال الصاغاني في "العباب": رأيت بخط محمد بن حبيب في أول ديوان شعر القحيف: البدي؛ بالباء الموحدة وتشديد الياء، وعقيل بالتصغير: هو أخو قشير المنسوب إليه حكيم بن المسيب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والستون بعد المائة:
(١٦٢) كائن دعيت إلى بأساء داهمةٍ ... فما انبعثت بمزؤ ودٍ ولا وكل
على أن الباء زائدة في الحال أيضًا، والأصل: فما انبعثت مزؤودًا ولا. ولا كلاً، فزيدت الباء وعطف على مجرورها. وخرجه أبو حيان على تقدير: فما انبعثت بشخص مزؤود، أي: مذعور. ويريد بالمزؤود نفسه، على حد: رأيت منه أسدًا، فيكون من التجريد؛ وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة آخر مثله فيها مبالغة في كمالها فيه، والباء حينئذ للملابسة والمصاحبة، متعلقة بمحذوف تقديره:
فما انبعثت ملتبسًا بمزؤود.
стр. 788
واعترضه المصنف بأن صفات الذم إذا نفيت لم ينتف أصلها، وصفة الذم هنا المزؤودية والوكلية، وأراد بكونها على سبيل المبالغة ما لوحظ فيها من معنى التجريد الذي مبناه على المبالغة، يرشدك قول المصنف: ولا يقال: لقيت منه أسدًا أو بحرًا إلا عند قصد المبالغة في الوصف بالإقدام والكرم.
قال الدماميني: وينبغي أن لا يتعلق الجار من قوله: على سبيل المبالغة، بنفيت، لأنه ليس المراد نفيها مبالغة فيه، وإنما يتعلق بمحذوف هو حال من ضمير نفيت العائد على الصفات، وهذا الحكم ليس مخصوصًا بصفات الذم، بل هو جار في كل مقيد بقيد إذا دخل عليه النافي، مثل: ما جئت راكبًا، فيرجع النفي إلى القيد فقط، ويثبت أصل الفعل، وهذا هو الأكثر، وقد يقصد نفي الفعل والقيد جمعيًا، بمعنى انتفاء كل من الأمرين. انتهى. ونقل كلام المصنف هذا في "شرح التسهيل" وتعقبه بقوله: قلت: تسليمه لظهور التخريج في البيت الأول غير جيد، لما فيه من حذف الموصوف بدون دليل، وقدحه في تخريج البيت الثاني كذلك، لأن النفي إنما يتسلط على قيد الفعل مع ثبوت أصله، أي: فما انبعثت بشخص مزؤود ولا وكل، يعني نفسه؛ بالغ في اتصافه بالشجاعة والنهضة حتى انتزع من نفسه شخصًا لا ذعر عنده ولا وكل، فكيف يتم ما قال؟ انتهى.
وقوله: كائن دعيت ... الخ. كائن: بمعنى كم الخبرية لإنشاء التكثير، ودعيت: بالبناء للمفعول، قال الأزهري: قال الليث: البأساء: اسم للحرب والمشقة والضرب، وداهمة: من دهمهم الأمر – من باب تعب، وفي لغة من باب نفع – أي: فاجأهم وأتاهم بغتة. وانبعث: تحرك وثار من موضعه، قال الليث: بعثت البعير فانبعث؛ إذا حللت عقاله وأرسلته، أو كان باركًا
стр. 789
فأثرته وبعثته من نومه فانبعث، نقله الأزهري. والمزؤود: اسم مفعول من زأدته؛ مهموز العين، أي: ذعرته. والوكل، بفتح الواو والكاف: العاجز الذي يكل أمره إلى غيره.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والستون بعد المائة:
(١٦٣) وليس بذي سيف وليس بنبَّال
وصدره:
وليس بذي رمحٍ فيطعنني به
على أن نبالاً هنا للنسبة، أي: ليس بذي نبل، كما أن ظلامًا في الآية كذلك، أي: وما ربك بذي ظلم. وليس صيغة فعال فيهما للمبالغة، قال سيبوبه: وقالوا لذي السيف: سياف، والجميع سيافة. قال امرؤ القيس:
وليس بذي رمحٍ فيطعنني به ... وليس بذي سيف وليس بنبال
يريد: ليس بذي نبل، فهذا وجه ما جاء من الأسماء ولم يكن له فعل، وهذا قول الخليل رحمه الله تعالى. انتهى.
وكذا في "كتاب النبات" لأبي حنيفة الدينوري، قال: وسمي صاحب النبل نبالاً في قوله: وليس بنبال، أي: بذي نبل، وهو مثل: بغال وحمار. انتهى.
وقال السيرافي: الباب عندي فيما كان صنعة ومعالجة أن يجيء على فعال، لأن فعالاً لتكثير الفعل، وصاحب الصنعة مداوم لصنعته، فجعل له البناء الدال على التكثير، كالبزاز والعطار، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة.
والباب فيما كان ذا شيء وليس بصنعة يعالجها أن يجيء على فاعل، لأنه ليس
стр. 790
فيه تكثير، كقولنا لذي الدرع: دارع، ولذي النبل: نابل، ولذي النشاب: ناشب، ولذي التمر: تامر، ولذي اللبن لابن، وقالوا لذي السلاح: سالح، ولصاحب الفرس: فارس، وقالوا لصاحب النعل: ناعل، ولصاحب الحذاء: حاذ، ولصاحب اللحم: لاحم، ولصاحب الشحم: شاحم، ويقال لمن كان شيء من هذه الأشياء صنعته، ومنها معاشه: لبان، وتمار، ونبال. وقد يستعمل أحدهما في موضع الآخر، قالوا: رجل تراس: معه ترس، ذهبوا إلى أنه ملازم، فأجروه مجرى الصنعة والعلاج، وقد قالوا: نبال في الذي معه النبل، على هذا المعنى، كأنه يلازمه، ولأن عمله به وتعاطيه له صنعة. قال امرؤ القيس: وليس بذي رمح .. البيت. وهو من قصيدة طويلة لامرئ القيس مطلعها:
ألا عم صباحًا أيُّها الطَّلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
شرحنا عشرين بيتًا منها في الشاهد الثالث من شواهد الرضي، وشرحنا أبياتًا أخر منها في مواضع متفرقة منها، وقبل هذا البيت:
أيقتلني والمشر فيُّ مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وفاعل يقتلني: ضمير الرجل الذي ادعى أنه فجر بامرأته، وهي بنت قيصر الروم.
قال ابن الحباب السعدي في كتاب "مساوئ الخمر" إن امرأ القيس لما كان منادمًا لقيصر، رأته ابنته فعشقته، وراسلها فصار إليها، وفيها قال:
حلفت لها بالله حلفة فاجرٍ ... البيت
стр. 791
مع أبيات أخر، ولم يزل يصير إليها إلى أن أخبر بذلك أصحابه، وفيهم الطماح بين قيس الأسدي، فقال له: ائتنا بأمارة، فأتاه بقارورة من طيب الملك، وذلك بغلبة سكره. وكان أبو أمرئ القيس قد قتل قيسًا أبا الطماح، فتحيل الطماح حتى أخذها، فأنفذ بها إلى قيصر، وأخبره بالحديث، فعرفه وعلم صحته. ثم إن امرأ القيس ندم على إفشاء سره إلى الطماح، ففي ذلك يقول:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيءٍ سواه بخزّان
فلما ذهب امرؤ القيس بالجيش الذي أمده به قيصر أتى الطماح إلى قيصر، وقد تغير على امرئ القيس، فقال: أيها الملك: أهلكت جيشًا بعثته مع المطرود الذي قتل أبوه وأهل بيته، وما تريد إلى نصره؟ ! وكلما قتل بعض العرب بعضًا كان خيرًا لك! قال: فما الرأي؟ قال: أن ترد جيشك، وتبعث إلى امرئ القيس بحلة مسمومة؛ ففعل، فدخل امرؤ القيس الحمام فاطّلى ولبسها، وقد رق جلده لقروح كانت به، فتساقط لحمه، ورد قيصر جيشه، وقدم امرؤ القيس أنقرة، فأقام بها يعالج قروحه إلى أن هلك بها. انتهى.
والهمزة في "أيقتلني" للاستفهام الإنكاري. والمشرفي: منسوب إلى مشارف؛ قال أبو عبيدة: مشارف: قرى من أرض العرب، تدنو من أرض الريف، يقال: سيف مشرفي، ولا يقال: مشارفي، لأن الجمع لا ينسب إليه. انتهى. والواو: واو الحالية. ومضاجعي: أراد به ملازمي. والمسنونة: المحددة، من سن السيف: إذا حدده، وأراد بها نصال النبال، وهذا يدل على اهتمام صاحبها بها،
стр. 792
وتشبيهها بأنياب الأغوال بناء على توهمهم في أنيابها غاية الحدة، والغرض من هذا التشبيه التهويل، وهذا أمر وهمي، ويطعنني: بضم العين، لأنه يقال: طعنه بالرمح طعنًا، من باب قتل، وأما طعنت فيه بالقول، وطعنت عليه، فقد جاء من باب قتل ومن باب نفع، وأجاز الفراء بطعن في الكل بالفتح، لمكان حرف الحلق، كذا في "المصباح". وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع من أول الكتاب.
وأنشد بعده:
شربن بماء البحر ...
وتقدم شرحه في السادس والأربعين بعد المائة.
بجل
أنشد فيها، وهو الإنشاد الرابع والستون بعد المائة:
(١٦٤) ألا بجلي من الشَّراب ألا بجل
على أنه يقال: يجلي، بمعنى حسبي بدون نون وقاية.
قال المرادي في "الجنى الداني": بجل: لفظ مشترك، يكون اسمًا وحرفًا، فأما "بجل" الحرفية فحرف جواب بمعنى نعم، ويكون في الخبر والطلب، ذكرها صاحب "رصف المباني" وأما بجل الاسمية، فلها قسمان، أحدهما: أن تكون اسم فعل بمعنى يكفي، فيلحقها نون الوقاية مع ياء المتكلم، فيقال:
стр. 793
بجلني. والثاني: أن تكون اسمًا بمعنى حسب، فتكون الياء المتصلة بها مجرورة الموضع، ولا يلحقها نون الوقاية، وذكروا أنها تلحقها قليلاً. وكذا قال في باب اسم الفعل من شرح "التسهيل" أخذًا من كلام ابن مالك. وقال الأزهري في "التهذيب" قال أبو عبيد: يقال: بجلك درهم، وقد أبجلني ذاك، أي: كفاني. قال الكميت:
ومن عنده الصَّدر المبجل
وقال لبيد:
بجلي الآن من العيش بجل
وقال الليث: هو مجزوم لاعتماده على حركة الجيم، ولأنه لا يتمكن في التصرف. انتهى. فجعله قسمًا واحدًا، ولم يذكر أنه أتى بمعنى نعم، وكذا صنع الصاغاني في "العباب" قال: بجل بمعنى حسب. قال الأخفش: هي ساكنة أبدًا، يقولون: بجلك، كما يقولون: قطك، إلا أنهم لا يقولون: بجلني كما يقولون: قطني؛ ولكن يقولون: بجلي وبجلي، أي: حسبي. قال لبيد:
بجلي الآن من العيش بجل
стр. 794
وفي حديث بعض الصحابة: فألقى تمرات كن في يده وقال: بجلي من الدنيا. وقال طرفة:
ألا بجلي من الشراب ألا بجل
وفي حديث علي أنه لما التقى الجمعان يوم الجمل صاح أهل البصرة:
ردُّوا علينا شيخنا ثمّ بجل
انتهى.
وقال ابن دريد قبلهما في "الجمهرة": بجل في معنى حسب، قال الراجز:
نحن بني ضبَّة أصحاب الجمل ... ردّوا علينا شيخنا ثّم بجل
انتهى. وقد حقق الرضي في شرح "الكافية" هذه الكلمة، وجعلها اسم فعل فقط. قال: ومنها، أي: من أسماء الأفعال: قدك، وقطك، وبجلك، وكان الأصل قدَّك وقطَّك، أي: اقطع هذا الأمر قطعًا، فهو في الأصل مصدر
стр. 795
مضاف إلى فاعل، فأقيم مقام الفعل، فبني وحذف المدغم فيه تخفيفًا، كما قلنا إن وضع الأسماء على التخفيف، وكذا بجلك، أي: اكتفاءك. يقال: أبجلني، أي: كفاني، إلا أن الضمير قد يحذف من بجل، بخلاف قد وقط، فمعنى قدك: اكتف، ومعنى قدني: لأكتف، ولم يصر حسب، وإن كان قريبًا منها في المعنى اسم فعل، بل هو معرب متصرف يقع مبتدأ وحالاً، ويجب نون الوقاية في قد وقط دون بجل. في الأعراف، لكونهما على حرفين دونه. انتهى كلامه. وهو غاية في الحسن، ومحصله: أن بجل إن اتصل به الكاف كان معناه: اكتف، أمر مخاطب، وإن لحقه الياء كان معناه: لأكتف؛ أمر متكلم نفسه، وكونها دالة على ما ذكره هو المتبادر الظاهر من موارد استعمالها والمطرد في كل موضع أتت فيه، وزعم بعضهم كالمصنف أنها بمعنى يكفي؛ فعلاً مضارعًا غائبًا، وهذا يحتاج إلى فاعل ظاهر، ولا يتيسر في بجلي، ولما رأوه كذلك اضطروا إلى جعله بمعنى حسب، وأثبتوا معنى ثانيًا لها، ولا ضرورة تدعو إليه مع أن حسبًا قريبة لمعنى يكفي، ولهذا لم يذكره الرضي حسمًا للانتشار من غير فائدة.
فإن قلت: إن علماء اللغة المتقدمين كابن دريد والأزهري والجوهري وغيرهم، إنما قالوا بجل بمعنى حسب، ولم يتعرضوا لمجيئها اسم فعل، فما وجهه؟
قلت: هو راجع إليه، وإنما عبروا بحسب لقرب المعنى تيسيرًا للفهم، وهم يتساهلون في تفسير بعض الألفاظ، ولما كان غرض النحويين متعلقًا بأحكام الكلمات دققوا النظر، فبينوا حقيقتها وفسروها بمعنى الفعل، وسموها اسم فعل، ولا يصح أن تكون موضوعة بمعنى حسب، لأن كلاً منهما لا يستعمل استعمال الآخر، أما حسب فإنها اسم معرب متصرف، يقع مبتدأ وخبرًا وحالاً ومجرورًا، وتدخل
стр. 796
عليها العوامل اللفظية، وبجل على خلاف هذا، وإثبات هذه الأمور لها دونه خرط القتاد. وأما بجل فإن نون الوقاية تلحقها، وحسب لا تلحقها ولا في الندرة، ولا يجب لحاق نون الوقاية لبجل مع الياء، بل يجوز بمرجوحية، كما قال الرضي والمصنف؛ قال الرضي في "باب المضمر": يجوز إلحاق نون الوقاية في أسماء الأفعال لأدائها معنى الفعل، ويجوز تركها أيضًا لأنها ليست أفعالاً في الأصل، حكى يونس: عليكني، وحكى الفراء: مكانكني. انتهى. وقال الشاطبي في "شرح الألفية": حكى سيبويه في أسماء الأفعال: عليكني، وعليكي. وقد نص ابن مالك في "شرح التسهيل" على جواز إلحاق النون في اسم الفعل مطلقًا. انتهى.
وبما نقلناه يتعجب من قول الدماميني هنا: هذا مشكل، لأنها حيث تكون اسم فعل بمعنى يكفي فالنون واجبة لا نادرة، نعم إذا كانت بمعنى حسب جاز الأمران، إلا أن ترك النون أعرف من إثباتها، فندور: يجلني - بالنون - إنما هو إذا كانت بمعنى حسب لا بمعنى يكفي. هذا كلامه. وقول الرضي: إلا أن الضمير قد يحذف من بجل بخلاف قد وقط؛ يعني: قد تستعمل مجردة من إلحاق ضمير المتكلم والمخاطب كما في البيتين، فإن بجل الثانية تأكيد للأولى، وليس معها الياء، وكقول الآخر.
ردّوا علينا شيخنا ثمّ بجل
يريد: بجلكم، أي: كفوا وانتهوا، وقوله: بخلاف قد قط؛ يرد عليه قول النابغة في الأول:
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد
стр. 797
إلا أن يدعى أن الرواية: فقدي. ويرد عليه في الثاني قولهم: فقط، إلا أن يقول: تصرِّف فيها بزيادة الفاء.
وزعم العيني في قول طرفة أن بجل الثانية حرف بمعنى نعم، ومع هذا هي تأكيد لبجل الأولى. وفيه: إن بينهما تغاير نوعية، فكيف يؤكد أحدهما الآخر! وشذ ابن جني في إعرابه بجعل "بجل" هذه حرفًا. قال أبو حيان في "تذكرته": بجل بمعنى حسب، وهي اسم، وقال ابن جني في بعض كتبه: إنها حرف، وجرأه على ذلك تعريها من علامات الأسماء قاطبة، وليس في بجلي حجة، لأنك تقول: مني وعني، ويؤيد أنها حرف كونها في معنى حسب، ويليها الضمير مثلها وإن لم تتصرف تصرفها، وأما قول الشاعر:
لمَّا رأت معشرًا قلَّت حمولتهم ... قالت سعاد أهذا ما لكم بجلا
فيحتمل أن يكون منصوبًا على الحال، كأنه قال: أهذا ما لكم جميعًا، وقطعها عن الإضافة، ويجوز أن يكون حرفًا على رأي ابن جني، وحرك اللام للضرورة. انتهى كلام أبي حيان.
تتمة: قال أبو حيان بعد هذا: حسبك درهمان، الصحيح أنهما مبتدأ وخبر بدليل دخول الناسخ، قال تعالى: ﴿فإنَّ حسبك الله﴾ [الأنفال/ ٦٢] وقال الشاعر:
إني وجدت من المكارم حسبكم ... أن تلبسوا خزَّ الثِّياب وتشبعوا
وقال قوم: حسبك، مبتدأ، ودرهمان: مرتفع به سد مسد الخبر، كأنه قال: ليكفك درهمان. ومن قال هذا لم يقل: كان حسبك درهمين، لأن
стр. 798
كان لا تعمل في درهمين مع ارتفاعهما بحسبك، وتقول: هذا زيد حسبك من رجل، تنصبه على الحال. ورأيت رجلاً حسب، كأنك قلت: حسبي أو حسبك، كما تقول: جاءني زيد لا غير. انتهى.
والبيت آخر قصيدة عدتها في رواية ابن السكيت أربعة عشر بيتًا، وفي رواية أبي عمرو الشيباني اثنا عشر بيتًا، مطلعها:
لخولة بالأجزاع من إضمٍ طلل ... وبالسَّفح من قوِّ مقام ومحتمل
ثم ذكر زمن إقامتها به ودعا له بالأمطار، إلى أن قال:
متى تر يومًا عرصًة من ديارها ... ولو فرط حين تسجم العين أو تهل
وما زادك الشَّكوى إلى متنكِّرٍ ... تظلُّ به تبكي وليس به مظل
ألا إنَّما أبكي غداة ليقتها ... بجر ثم صادٍ إنَّ ما بعدها جلل
فقل لخيال الحنظلَّية ينقلب ... إليها فإنِّي واصل حبل من يصل
وإن جاء ما لابدَّ منه فمرحبا ... به حين يأتي لا كذاب ولا علل
فلا أعرفنِّي ما نشدتك ذمَّة ... كداعي هديلٍ لا يجاب ولا يمل
ألا إنَّني شربت أسود حالكًا ... ........... البيت
قوله: لخولة بالأجزاع .... الخ. خوله: اسم امرأة، قال يعقوب: إضم: واد لأشجع وجهينة، وقو: واد يناوح البيضة، أي: يقابلها في دار نمير، والبيضة: قف غيظ أبيض. انتهى. وقال أبو عمرو الشيباني: الأجزاع: موضع والأجزاع في غير هذا المكان: الجوانب، وجزع كل شيء جانبه، وأما الجزع
стр. 799
بفتح الجيم، فهو خرز أبيض. والطلل: ما أشرف من آثار الديار، وكل ما رأيت شخصه فهو طلل، وما لم تر شخصه، ورأيت أثره فهو رسم. والأطلال أعلاه. والسفح: يريد سفح الجبل، وقو: موضع، ويقال: أقوت الدار، إذا أقفرت. والمقام هاهنا في البلدة والموضع، والمقامة: المجلس يقيم المقيم فيه، والموضع الذي يقومون فيه فيتكلمون، وإنما يريد الرجال، يقال: هذا مقامة قومه؛ للرجل إذا كان متكلم قومه. انتهى.
وقوله: متى تر يومًا ... الخ، هذا خطاب لنفسه، قال ابن السكيت: أي يقطر قطرًا لوقعه صوت، أي: ولو تقدم حول مضى. انتهى. وقال الشيباني: فرطه: حين بعد حين، تسجم: تسبق، يقال: سجمت عينه، إذا سألت بمائها، وأهلت عينه: إذا سألت بالماء. انتهى. والعرصة: مثل الساحة والفناء والناحية. وفرط: اسم من الإفراط، نصب على الظرف وأضيف إلى حين، وإنما قال: ولو فرط جين، لأنه إذا امتد الفراق دب السلو في الغالب.
وقوله: فما زادك الشكوى ... الخ. قال ابن السكيت: أي: أي شيء زادك؟ رسم متنكر، أو طلل متنكر؟ ومظل: موضع مقام. انتهى. وقال الشيباني: تظل به، أي: بالطلل، ومظل: ليس به مقام، أي: ليس بالمقام الذي يقام فيتكلم فيه. انتهى.
وقوله: ألا إنما أبكي ... الخ، قال يعقوب: ويروى "ليوم لقيته بجرثم قاسٍ" وقاس: من نعت اليوم، أي: صلب، يقول: كل ما بعد اليوم جلل، أي: هين لشدة ما لقيت فيه، وجرثم: موضع. انتهى. وقال الشيباني: يقول: كل ما لقيت بعد تلك الغداة فهو عندي صغير، وصاد: موضع. انتهى.
وقوله: فقل لخيال الحنظلية ... الخ. الحنظلية: هي خولة المذكورة، يشكرها على بقائها على العهد والوفاء بإرسال خيالها إليه في النوم للتفقد، وبهذا
стр. 800
القدر من الوصال قانع، يقول: أنا باق على العهد كما هي باقية. وروى الشيباني: "انقلب" بدل: "ينقلب" وقال: الخيال هنا: ما يرى في النوم، والخيال أيضا: ما رأيته من مكان بعيد مثل الشخص. والحبل: المودة، يقول: من وصلني وصلته. انتهى. ولم يكتب ابن السكيت هنا شيئًا، وقوله: وإن جاء ما لابد منه ... الخ. قال ابن السكيت: روى الطوسي: "إذا جاء" ويروى: "به واعترافًا لا كذابًا" أي: مما لابد منه، يعني الموت. انتهى وقال الشيباني: ويروى: "فمرحبًا به حين يأتي لا كذاب ولا علل" والاعتراف ههنا: الإقرار بالأمر، والتسليم للأمر، من قوله تعالى ﴿فاعترفوا بذنبهم﴾ [الملك/ ١١]، أي: أقروا، ويكون الاعتراف أيضًا من الضر. انتهى.
وكذاب: مصدر، وعلل: جمع علة.
وقوله: فلا أعرفني ... البيت، كذا روياه مقدمًا على البيت الشاهد، وكتب ابن السكيت: الهديل: الفرخ الذي كان على عهد نوح ﵇، وهلك. انتهى. وقال الشيباني: يقول: لا تكلفني إن نشدتك بالذمة ثم لا تجبيني، فيكون مثلي ومثلك كمثل الحمام التي تدعو فلا تجاب، والهديل والهدير واحد، وهو صوت الحمامة، ويقال: الهديل: فرخ الحمامة. انتهى.
وقد نهى طرفة نفسه، والمراد نهي مخاطبه، أي: فلا تجعلني كداعي هديل، فأقام المسبب وهو المعرفة مقام السبب وهو الجعل، وما: مصدرية ظرفية، ونشدتك: سألتك، والذمة هنا العهد، والداعي هنا: الحمامة تدعو هديلاً. زعمت العرب أن الهديل فرخ كان على عهد نوح ﵇، فصاده جارح من جوارح الطير، قالوا: فليس من حمامة إلا وهي تبكي عليه، قال الكميت في هذا المعنى:
وما من تهتفين به لنصرٍ ... بأقرب جابًة لك من هديل
стр. 801
وقوله: ولا يمل، أي: ولا يمل الداعي من الدعاء.
وقوله: ألا إنني شربت أسود ... البيت، قال أبو زيد في "النوادر": يقال: ما سقاني فلان من سويد قطرة، وهو الماء يدعى الأسود، قال الشاعر:
ألا إنّني سقيت أسود حالكًا ... ألا بجلي من الشراب ألا بجل
يعني بالأسود: الماء، وبجلي: حسبي، ويقال: ما عنده طعام ولا شراب إلا الأسودان، وهما: الماء والتمر. انتهى. وسقيت بالبناء للمفعول. وقال ابن السكيت: ضربه مثلاً لفساد ما بينه وبينها، قال ابن الأعرابي: يعني كأس المنية، وقيل: يقول: كأني سقيت سمًا. وروى أبو عمرو: "ألا بجلي من النبيط ألا بجل" قال: وهي الحياة. انتهى. وروى الشيباني: "ألا بجلي من الحياة ألا بجل" وقال: روى خالد بن كلثوم: "ألا إنني سقيت أسود حالكًا" يعني: السم، وإنما أراد: شربت سمًا أسود حالكًا، ويروى: "ألا بجلي من الشراب ألا بجل" وبجلي: حسبي، قال الشاعر:
ألا ليت شعري هل لك الدّهر أوبة ... فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل
أي: حسبي. انتهى. ولا يخفى أن معنى البيت ليس على ما ذكره أبو زيد، وإنما معناه: إذا جاءني الموت استقبلته بانشراح قلب وطيب نفس، فإنه سهل بالنسبة إلى ما قاسيته في حبها، وجرّعته من سموم هجرها، فلا حاجة لي إلى حياة مع هذه المقاساة.
و"ألا" في الموضعين للاستفتاح، يستفتح بها الكلام الذي له شأن وغرابة، وينبه به السامع حتى يصغي له، ويعرف أن مضمون الجملة بعد "ألا" محقق. وقول العيني إن ألا هنا للتوبيخ والإنكار، كما في:
стр. 802
ألا ارعواء لمن ولَّت شبيبته
كلام من لم تصل يده إلى العنقود.
وطرفة بن العبد: شاعر جاهلي، وطرفة بفتح الطاء والراء، وهو طرفة ابن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل الوائلي، قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": هو أجودهم طويلة، وله شعر حسن، وليس عند الرواة من شعره وشعر عبيد إلا القليل، وكان في حسب من قومه، جرئيًا على هجائهم وهجاء غيرهم، وهجا ملك الحيرة عمرو بن هند، فقتله شابًا، وذكرنا وجه قتله في ترجمة المتلمس في الإنشاد السابع والثلاثين بعد المائة، وقالت أخته ترثيه:
عددنا له خمسًا وعشرين حجَّة ... فلَّما توّفاها استوى سيِّدًا ضخما
فجعنا به لمّا انتظرنا إيابه ... على خير حالٍ لا وليدًا ولا قحما
والحجة، بكسر الحاء: السنة، وتوفاها: أكملها، والقحم: الهرم.
* * *
تم الجزء الثاني من الكتاب
ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثالث
ويبدأ بالإنشاد ١٦٥ من شواهد (بل)
стр. 803
بل
أنشد فيها، وهو الإنشاد الخامس والستون بعد المائة:
(١٦٥) بل بلدٍ ملء الفجاج قتمه
على أن بل فيه حرف ابتداء داخلة على الجملة، وبلد: مجرور برب المضمرة لا بـ "بل". قال المرادي في "الجنى الداني": ذكر بعضهم لـ "بل" قسمًا آخر وهو أن يكون حر جر خافض للنكرة بمنزلة رب، كقول الراجز:
بل بلدٍ ملء الفجاج قتمه
ولي ذلك بصحيح، وإنما الجار في البيت ونحوه رب المحذوفة، وحكى ابن مالك وابن عصفور الاتفاق على ذلك، فظهر وهم من جعل بل جارة، قال بعضهم: وبل في ذلك حرف ابتداء. انتهى.
وعدّ ابن عصفور حذف رب وبقاء عملها من ضرائر الشعر.
والبيت من رجز طويل لرؤبة بن العجاج، عدته أربعمائة وخمسة وثلاثون بيتًا، مدح به أبا العباس السفاح أول الخلفاء العباسية، وأوله:
قلت لزيرٍ لم تصله مريمه ... ضلِّيل أهواء الصِّبا يندِّمه
هل تعرف العهد المحيل أرسمه ... عفت عوافيه وطال قدمه
ثم وصف العهد بعد هذا بتسعة وعشرين بيتًا، وقال:
بل بلدٍ ملء الفجاج قتمه ... لا يشتري كتَّانه وجهرمه
ثم وصف هذا البلد، ووصف الناقة التي توصله إليه بعد هذا بثلاثين بيتًا، وقال:
стр. 804
قطعت أمَّا قاصدًا تيمُّمه ... إلى ابن مجدٍ لم يخرِّق أدمه
ثم وصفه بثلاثة وعشرين بيتًا، وقال:
وقلت مدحًا من طرازي معلمه ... قوَّمته حتَّى استقام أقومه
لملكٍ في إرث مجدٍ قدمه ... من آل عبَّاسٍ تسامى أنجمه
قال أبو حاتم في شرح "ديوان رؤبة" يقال: هو زير نساء، وحدث نساء: إذا كان يكثر من زيارتهن ويحدثهن. انتهى.
وجملة "لم تصله مريمه" في موضع جر صفة لزير، ومريم: من أسماء النساء، وأضافها إليه لأنها حبيبته" وضليل: مبالغة ضال، وأهواء: جمع هوى مصدر هويته من باب تعب؛ إذا أحببته وعلقت به، ثم أطلق على ميل النفس وانحرافها نحو الشيء ثم استعمل في ميل مذموم، فيقال: اتبع هواه وهو من أهل الأهواء كذا في "المصباح" والصبا، بالكسر والقصر: الصغر، مصدر صبي كرضي أي: فعل فعل الصبيان. يندّمه: يوقعه في الندامة، وضّليل: مبتدأ، وجملة "يندّمه" خبر، والجملة في موضع جر صفة ثانية لزير، والهاء ضمير زير، يقول: يوقعه في الندامة من ضل في أهواء الصبا ويعذله في عشقه إياها، ويقل له: اقطع من قطعك، ولا تطلب وصل من هجرك، وهذا الكلام أشد لإغرائه، كما قيل:
لا تعذليه فإنَّ العذل يولعه ... .
وقوله: هل تعرف العهد .. الخ: هذا مقول القول، وإنما سأله بعد وصفه.
стр. 805
بما ذكر، لأن مثل ذلك العاشق المهجور ليس له شغل غير التردد في منازل الأحباب، والبكاء والتوله عند تذكرها، ومشاهدة آثارها، فهو أعرف من غيره لأطلالها ورسومها.
والعهد هنا: المنزل، في "القاموس": العهد: المنزل المعهود به الشيء، كالمعهد، والمحيل، اسم فاعل من أحال، وهو الذي أتى عليه الحول، وأرسمه: فاعل المحيل، جمع رسم، وهو الأثر بلا شخص، والطلل: ما شخص من أعلام الدار، ووصف المنزل بهذا والذي بعده لإثارة حزنه وتهييج وجده، لخلوه ممن يحب، وتغيُّره بقدم الأيام، واضمحلال رسومه وأطلاله. وقوله: عفت عوافيه .. الخ، يقال: عفى المنزل: درس وذهبت آثاره، وقال أبو حاتم: أي درس ما درس منه، كقولك: خرجت خوارجه، أي: خرج ما كان داخلًا، عوافيه: دوارسه وواحد العوافي: عافية، ومعنى عافية: دارسة. انتهى.
وقوله: بل بلد ... الخ، بل للإضراب، أضرب عن السؤال عن ذلك العهد، وتركه واستأنف الكلام، وابتدأ بكلام آخر ووصف فيه قطع المفاوز وتحمل المشاق حتى وصل إلى ممدوحه. وبلد: مجرور برب مقدرة، والبلد هنا: القفر، يقول: كثيرًا من المفاوز والقفار سلكتها. والفجاج: جمع فج، وهو الطريق الواسع بين جبلين. والقتم، بفتحتين: الغبار، لغة في القتام. وملء: مبتدأ، وقتمه: خبره، والجملة صفة لـ "بلد"، وكذلك جملة: لا يشتري كتانه.
قال أبو حاتم: يقول: له سبائب من السراب لا يشتري. والجهوم: البساط من الشعر، والجميع جهارم. انتهى. قال الأزهري في "التهذيب": قال أبو عبيد عن أبي عمرو: والسُّبوب: الثياب الرقاق، واحدها سبّ بالكسر، وهي السبائب، واحدها سبيبة، وأنشد:
ونسجت لوامع الحرور ... سبائبًا كسرق الحرير
стр. 806
وقال شمر: السبائب: متاع كتانٍ يجاء بها من ناحية النيل، وهي مشهورة بالكرخ عند التجار، ومنها ما يعمل بمصر، وطولها ثمان في ست. انتهى. وقال أبو القاسم علي بن حمزة البصري فيما كتبه على "نوادر أبي عمرو الشيباني": قال أبو عمرو: غلط رؤبة في قوله: "لا يشتري كتانه وجهرمه". إنما جهرم اسم بلد فظنه ثيابًا، وقال الأصمعي: هذا مثل، يقول: له سبائب تجري عليه من آله وسرابه، وهي لا تشترى، وجهرم: قرية بفارس، فظن أن جهرم ثياب، وإنما أراد رؤبة: كتانه وجرميِّه، فقطع ياءي النسب، كما قال العجاج:
يكاد يدري القيقبان المسرجا
والقيقب: خشب تتخذ منه السروج، وأراد أن ينسب السرج إليه، فيقول: القيقباني، فقطع ياءي النسب. انتهى.
وأوله أبو علي في "المسائل البصرية" بتقدير مضاف، قال: أي: ونسج جهرمه: وقال أيضًا في "الإيضاح": جهرم هنا جمع جهرمي، وأضيف إلى الضمير وقال شارح شواهده: أنشده على أن جهرمه يصلح أن يحمل محمل الأول، وهو كتانه، وأن يكون على حذف المضاف، أي: وبسط جهرم، والجهرمية: بسط شعر تنسب إلى جهرم؛ قرية بفارس، فيكون جهرم جمعًا، ولذلك أضيف. وقال أبو حاتم والزيادي: الجهرم: البساط من الشعر، والجمع جهارم، ولا شاهد فيه على هذا. انتهى. قال أحد شراح "الإيضاح": فأما تسويغه
стр. 807
أن يكون على تقدير مضاف محذوف فبيَّن، لأن جهرمًا فيما ذكره الطوسي قرية بفارس ينسب إليها نوع من البسط تتخذ من الشعر، فكأنه قال: وبسط جهرميَّة. وأما تسويغه أن يكون مما جمع بحذف ياءي النسب منه، ففيه إشكال من جهة أن العرب لا تفعل ذلك في المنسوب إلى أسماء الأماكن، ألا ترى أنهم لا يقولون في جمع عراقي وحلبي وبغدادي: عراق، ولا حلب، ولا بغداد، وإنما يفعلون ذلك في المنسوب إلى أسماء الأجناس، نحو: روم وعرب، وإنس وجن. فأما قولهم: هندي، وهند، فإنهم لم ينسبوا إلى هند حتى صيروه اسمًا للجيل، واستدل على ذلك أبو الحسن الأخفش في الكبير له بأنك تقول: هؤلاء هند، قال: وليس ذلك في نية حذف مضاف، إذ لو كان على ذلك لروعي لفظ المثبت، فقيل: هذه هند، كما يقال: هذه القرية فعلت كذا، فلما قالوا: هؤلاء، دل ذلك على أنهم صيروا هندًا اسمًا للجيل، كما أنهم صيروا تميمًا اسمًا للحي، قالوا: هؤلاء تميم، ولو كان على حذف مضاف خاصة لقالوا: هذا تميم، كما يقولون: المسجد صلى، يريدون أهل المسجد. والجواب عن ذلك أن يقال: جهرمي وجهرم، بمنزلة هندي وهند، لأن أبا حاتم والزيادي زعما أن الجهرم أيضًا البساط من الشعر، وجمعه جهارم، فإنما نسب إلى جهرم بعد أن جعلت اسمًا لهذا الصنف من البسط المصنوع بها، كما نسب للهند بعد أن جعلت اسمًا لأهلها، فجاز أن يقال في جمع جهرمي: جهرم، كما جاز أن يقال في جمع هندي: هند.
وذهب ابن يسعون إلى أنه لا يحتاج إلى حمل "جهرمية" على حذف ياءي النسب، أو تقدير مضاف محذوف على ما حكاه أبو حاتم والزيادي، من أن جهرمًا اسم للبساط نفسه، وذلك باطل، لأن المعنى على الجمع، وذلك لا يتصور إلا بتقدير مضاف محذوف يدل على الجمع، أو حذف ياءي النسب، وأما ما ذهب إليه بعضهم
стр. 808
من أنه أراد: كتانه وجهرميه، فحذف ياءي النسب وهو يريدهما، فليس بشيء، لأن حذفهما على هذا الوجه ليس بقياس، وإنما هو من قبيل ضرورة الشعر. انتهى كلام شارح أبيات "الإيضاح".
وقوله: قطعت أمّا ... الخ، هذا جواب رب، وهو العامل في محل بلد، النسب على المفعولية، وقدم عليه وجوبًا لأنه مجرور بحرف واجب التصدّر، لتضمنه لإنشاء التكثير، وإليه أشار المصنف بقوله: بل رب بلد موصوف بهذا الوصف قطعته، وكان ينبغي: قطعت، لكنه سهل، لأنه لم يستحضر البيت. وقطع البلد والأرض: سلوكها بالمشي. قال شارح شواهد "الإيضاح": وأمّا، أي: قصدًا لم أتعرض لغيره، وتيممه قصده. ويروى: "تأسمه" وهو مرتفع بقاصد الذي هو من صفة الأم، وإضافة التأمم إلى الحدث مجاز، وهو يريد صاحبه. انتهى.
وقوله: إلى ابن مجد: جعل الممدوح لعلو شأنه، ورفعة مكانه، ابن مجد، وأدمه: عرضه، أي: لم يطعن في عرضه بشيء. وترجمة رؤبة تقدمت في الإنشاد الخامس عشر.
وقد حظي الأصمعي عند هارون الرشيد بروايته لهذا الرجز، وروى السيد المرتضى، ﵁ في "أماليه" بسنده إلى الأصمعي أنه قال: تصرفت بي الأسباب على باب الرشيد مؤملًا الظفر به والوصول إليه حتى أني صرت لبعض حرسه خدينًا، فإني في بعض ليلة قد نثرت السعادة والتوفيق فيها الأرق بين أجفان الرشيد، إذ خرج خادم فقال: أما بالحضرة أحد يحسن الشعر؟ فقلت: الله أكبر! رب قيدٍ مضيِّق قد حلّه التيسير! فقال لي الخادم: ادخل، فلعلها أن تكون ليلة
стр. 809
يعرِّس في صاحبها الغنى إن فزت بالحظوة عند أمير المؤمنين، فدخلت فواجهت الرشيد في مجلسه، والفضل بن يحيى إلى جانبه، فوقف بي الخادم بحيث يسمع التسليم، فسلمت فرد علي السلام، ثم قال: يا غلام أرحه ليفرح روعه إن كان وجد للروعة حسًا، فدنوت قليلًا، ثم قلت: يا أمير المؤمنين: إضاءة مجدك، وبهاء كرمك، مجيران لمن نظر إليك، فقال: أدن، فدنوت، فقال: أشاعر أم رواية؟ فقلت: رواية لكل ذي جد وهزل بعد أن يكون محسنًا، فقال: تالله ما رأيت ادعاء أعظم من هذا، فقلت: أنا على الميدان، فأطلق من عناني يا أمير المؤمنين، فقال: "قد أنصف القارة من راماها"، ثم قال: ما المعنى في هذه الكلمة؟ فقلت: فيها قولان: القارة هي الحرة من الأرض، وزعمت الرواة أن القارة كانت رماة للتبابعة، والملك إذ ذاك أبو حسان، فواقف عسكره عسكر السُّغد، فخرج فارس من السغد وقد وضع سهمه في كبد قوسه، فقال: أين رماة العرب، فقالت العرب: "قد أنصف القارة من راماها" فقال لي الرشيد: أصبت، ثم قال: أتروي لرؤبة بن العجاج والعجاج شيئًا؟ فقلت: هما شاهدان لك بالقوافي، وإن غيبًا عن بصرك بالأشخاص. قال: أنشدني:
أرَّقني طارق همِّ أرَّقا
فمضيت فيها مضي الجواد في سنن ميدانه، تهدر به أشداقي، فلما صرت إلى مديحه لبني أمية ثنيت لساني إلى امتداحه لأبي العباس في قوله:
قلت لزيرٍ لم تصله مريمه
стр. 810
فلما رآني قد عدلت من أرجوزة إلى غيرها قال: أعن حيرة أم عن عمد؟ قلت: عن عمد تركت كذبه إلى صدقه فيما وصف به جدك من مجده، فقال الفضل: أحسنت! بارك الله فيك، مثلك يؤهل لمثل هذا المجلس! فلما أتيت على آخرها قال لي الرشيد: أتروي كلمة عدي بن الرقاع:
عرف الدِّيار توهُّما فاعتادها ... ؟
قلت: نعم، قال: هات، فمضيت فيها، حتى إذا صرت إلى وصف الجمل، قال لي الفضل: ناشدتك بالله أن تقطع علينا ما أمتعنا به من السهر في ليلتنا هذه بصفة جمل أجرب، فقال الرشيد: اسكت، فالإبل هي التي أخرجتك من دارك، واستلبت تاج ملكك، ثم ماتت وعملت جلودها سياطًا، ضربت بها أنت وقومك، فقال الفضل: لقد عوقبت على غير ذنب والحمد لله، فقال الرشيد: أخطأت، الحمد لله على النعم، ولو قلت: أستغفر الله كنت مصيبًا. ثم قال لي: امض في أمرك، فأنشدته، حتى إذا بلغت إلى قوله:
تزجي أغنَّ كأنَّ إبرة روقه ..
استوى جالسًا، ثم قال: أتحفظ في هذا ذكرًا؟ قلت: نعم، ذكرت الرواة أن الفرزدق قال: كنت في المجلس، وجرير إلى جانبي، فلما ابتدأ عدي في قصيدة، قلت لجرير مسرًّا إليه: هلم نسخر من هذا الشامي، فلما ذقنا كلامه يئسنا منه، فلما قال: تزجي أغن كأن إبرة روقة .. وعدي كالمستريح، قال جرير: أما تراه يستلب بها مثلًا؟ فقال الفرزدق: يا لكع إنه يقول:
قلمٌ أصاب من الدَّواة مدادها
فقال عدي: قلم أصاب من الدواة مدادها.
следующие страницы →