← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وقال شمر: السبائب: متاع كتانٍ يجاء بها من ناحية النيل، وهي مشهورة بالكرخ عند التجار، ومنها ما يعمل بمصر، وطولها ثمان في ست. انتهى. وقال أبو القاسم علي بن حمزة البصري فيما كتبه على "نوادر أبي عمرو الشيباني": قال أبو عمرو: غلط رؤبة في قوله: "لا يشتري كتانه وجهرمه". إنما جهرم اسم بلد فظنه ثيابًا، وقال الأصمعي: هذا مثل، يقول: له سبائب تجري عليه من آله وسرابه، وهي لا تشترى، وجهرم: قرية بفارس، فظن أن جهرم ثياب، وإنما أراد رؤبة: كتانه وجرميِّه، فقطع ياءي النسب، كما قال العجاج: يكاد يدري القيقبان المسرجا والقيقب: خشب تتخذ منه السروج، وأراد أن ينسب السرج إليه، فيقول: القيقباني، فقطع ياءي النسب. انتهى. وأوله أبو علي في "المسائل البصرية" بتقدير مضاف، قال: أي: ونسج جهرمه: وقال أيضًا في "الإيضاح": جهرم هنا جمع جهرمي، وأضيف إلى الضمير وقال شارح شواهده: أنشده على أن جهرمه يصلح أن يحمل محمل الأول، وهو كتانه، وأن يكون على حذف المضاف، أي: وبسط جهرم، والجهرمية: بسط شعر تنسب إلى جهرم؛ قرية بفارس، فيكون جهرم جمعًا، ولذلك أضيف. وقال أبو حاتم والزيادي: الجهرم: البساط من الشعر، والجمع جهارم، ولا شاهد فيه على هذا. انتهى. قال أحد شراح "الإيضاح": فأما تسويغه

стр. 807

أن يكون على تقدير مضاف محذوف فبيَّن، لأن جهرمًا فيما ذكره الطوسي قرية بفارس ينسب إليها نوع من البسط تتخذ من الشعر، فكأنه قال: وبسط جهرميَّة. وأما تسويغه أن يكون مما جمع بحذف ياءي النسب منه، ففيه إشكال من جهة أن العرب لا تفعل ذلك في المنسوب إلى أسماء الأماكن، ألا ترى أنهم لا يقولون في جمع عراقي وحلبي وبغدادي: عراق، ولا حلب، ولا بغداد، وإنما يفعلون ذلك في المنسوب إلى أسماء الأجناس، نحو: روم وعرب، وإنس وجن. فأما قولهم: هندي، وهند، فإنهم لم ينسبوا إلى هند حتى صيروه اسمًا للجيل، واستدل على ذلك أبو الحسن الأخفش في الكبير له بأنك تقول: هؤلاء هند، قال: وليس ذلك في نية حذف مضاف، إذ لو كان على ذلك لروعي لفظ المثبت، فقيل: هذه هند، كما يقال: هذه القرية فعلت كذا، فلما قالوا: هؤلاء، دل ذلك على أنهم صيروا هندًا اسمًا للجيل، كما أنهم صيروا تميمًا اسمًا للحي، قالوا: هؤلاء تميم، ولو كان على حذف مضاف خاصة لقالوا: هذا تميم، كما يقولون: المسجد صلى، يريدون أهل المسجد. والجواب عن ذلك أن يقال: جهرمي وجهرم، بمنزلة هندي وهند، لأن أبا حاتم والزيادي زعما أن الجهرم أيضًا البساط من الشعر، وجمعه جهارم، فإنما نسب إلى جهرم بعد أن جعلت اسمًا لهذا الصنف من البسط المصنوع بها، كما نسب للهند بعد أن جعلت اسمًا لأهلها، فجاز أن يقال في جمع جهرمي: جهرم، كما جاز أن يقال في جمع هندي: هند. وذهب ابن يسعون إلى أنه لا يحتاج إلى حمل "جهرمية" على حذف ياءي النسب، أو تقدير مضاف محذوف على ما حكاه أبو حاتم والزيادي، من أن جهرمًا اسم للبساط نفسه، وذلك باطل، لأن المعنى على الجمع، وذلك لا يتصور إلا بتقدير مضاف محذوف يدل على الجمع، أو حذف ياءي النسب، وأما ما ذهب إليه بعضهم

стр. 808

من أنه أراد: كتانه وجهرميه، فحذف ياءي النسب وهو يريدهما، فليس بشيء، لأن حذفهما على هذا الوجه ليس بقياس، وإنما هو من قبيل ضرورة الشعر. انتهى كلام شارح أبيات "الإيضاح". وقوله: قطعت أمّا ... الخ، هذا جواب رب، وهو العامل في محل بلد، النسب على المفعولية، وقدم عليه وجوبًا لأنه مجرور بحرف واجب التصدّر، لتضمنه لإنشاء التكثير، وإليه أشار المصنف بقوله: بل رب بلد موصوف بهذا الوصف قطعته، وكان ينبغي: قطعت، لكنه سهل، لأنه لم يستحضر البيت. وقطع البلد والأرض: سلوكها بالمشي. قال شارح شواهد "الإيضاح": وأمّا، أي: قصدًا لم أتعرض لغيره، وتيممه قصده. ويروى: "تأسمه" وهو مرتفع بقاصد الذي هو من صفة الأم، وإضافة التأمم إلى الحدث مجاز، وهو يريد صاحبه. انتهى. وقوله: إلى ابن مجد: جعل الممدوح لعلو شأنه، ورفعة مكانه، ابن مجد، وأدمه: عرضه، أي: لم يطعن في عرضه بشيء. وترجمة رؤبة تقدمت في الإنشاد الخامس عشر. وقد حظي الأصمعي عند هارون الرشيد بروايته لهذا الرجز، وروى السيد المرتضى، ﵁ في "أماليه" بسنده إلى الأصمعي أنه قال: تصرفت بي الأسباب على باب الرشيد مؤملًا الظفر به والوصول إليه حتى أني صرت لبعض حرسه خدينًا، فإني في بعض ليلة قد نثرت السعادة والتوفيق فيها الأرق بين أجفان الرشيد، إذ خرج خادم فقال: أما بالحضرة أحد يحسن الشعر؟ فقلت: الله أكبر! رب قيدٍ مضيِّق قد حلّه التيسير! فقال لي الخادم: ادخل، فلعلها أن تكون ليلة

стр. 809

يعرِّس في صاحبها الغنى إن فزت بالحظوة عند أمير المؤمنين، فدخلت فواجهت الرشيد في مجلسه، والفضل بن يحيى إلى جانبه، فوقف بي الخادم بحيث يسمع التسليم، فسلمت فرد علي السلام، ثم قال: يا غلام أرحه ليفرح روعه إن كان وجد للروعة حسًا، فدنوت قليلًا، ثم قلت: يا أمير المؤمنين: إضاءة مجدك، وبهاء كرمك، مجيران لمن نظر إليك، فقال: أدن، فدنوت، فقال: أشاعر أم رواية؟ فقلت: رواية لكل ذي جد وهزل بعد أن يكون محسنًا، فقال: تالله ما رأيت ادعاء أعظم من هذا، فقلت: أنا على الميدان، فأطلق من عناني يا أمير المؤمنين، فقال: "قد أنصف القارة من راماها"، ثم قال: ما المعنى في هذه الكلمة؟ فقلت: فيها قولان: القارة هي الحرة من الأرض، وزعمت الرواة أن القارة كانت رماة للتبابعة، والملك إذ ذاك أبو حسان، فواقف عسكره عسكر السُّغد، فخرج فارس من السغد وقد وضع سهمه في كبد قوسه، فقال: أين رماة العرب، فقالت العرب: "قد أنصف القارة من راماها" فقال لي الرشيد: أصبت، ثم قال: أتروي لرؤبة بن العجاج والعجاج شيئًا؟ فقلت: هما شاهدان لك بالقوافي، وإن غيبًا عن بصرك بالأشخاص. قال: أنشدني: أرَّقني طارق همِّ أرَّقا فمضيت فيها مضي الجواد في سنن ميدانه، تهدر به أشداقي، فلما صرت إلى مديحه لبني أمية ثنيت لساني إلى امتداحه لأبي العباس في قوله: قلت لزيرٍ لم تصله مريمه

стр. 810

فلما رآني قد عدلت من أرجوزة إلى غيرها قال: أعن حيرة أم عن عمد؟ قلت: عن عمد تركت كذبه إلى صدقه فيما وصف به جدك من مجده، فقال الفضل: أحسنت! بارك الله فيك، مثلك يؤهل لمثل هذا المجلس! فلما أتيت على آخرها قال لي الرشيد: أتروي كلمة عدي بن الرقاع: عرف الدِّيار توهُّما فاعتادها ... ؟ قلت: نعم، قال: هات، فمضيت فيها، حتى إذا صرت إلى وصف الجمل، قال لي الفضل: ناشدتك بالله أن تقطع علينا ما أمتعنا به من السهر في ليلتنا هذه بصفة جمل أجرب، فقال الرشيد: اسكت، فالإبل هي التي أخرجتك من دارك، واستلبت تاج ملكك، ثم ماتت وعملت جلودها سياطًا، ضربت بها أنت وقومك، فقال الفضل: لقد عوقبت على غير ذنب والحمد لله، فقال الرشيد: أخطأت، الحمد لله على النعم، ولو قلت: أستغفر الله كنت مصيبًا. ثم قال لي: امض في أمرك، فأنشدته، حتى إذا بلغت إلى قوله: تزجي أغنَّ كأنَّ إبرة روقه .. استوى جالسًا، ثم قال: أتحفظ في هذا ذكرًا؟ قلت: نعم، ذكرت الرواة أن الفرزدق قال: كنت في المجلس، وجرير إلى جانبي، فلما ابتدأ عدي في قصيدة، قلت لجرير مسرًّا إليه: هلم نسخر من هذا الشامي، فلما ذقنا كلامه يئسنا منه، فلما قال: تزجي أغن كأن إبرة روقة .. وعدي كالمستريح، قال جرير: أما تراه يستلب بها مثلًا؟ فقال الفرزدق: يا لكع إنه يقول: قلمٌ أصاب من الدَّواة مدادها فقال عدي: قلم أصاب من الدواة مدادها.

стр. 811

فقال جرير: أكان سمعك مخبوءًا في صدره؟ ! فقال له: اسكت، شغلني سبك عن جيد الكلام! فلما بلغ إلى قوله: فلقد أراد الله إذ ولّاكها ... من أمَّةٍ إصلاحها ورشادها قال الرشيد: ما تراه قال حين أنشد هذا البيت؟ قلت: قال: كذاك أراد الله، فقال الرشيد: ما كان في جلالته ليقول هذا، أحسبه قال: ما شاء الله، قلت: وكذا جاءت الرواية، فلما أتيت على آخرها قال: أتروي لذي الرمة شيئًا، قلت: الأكثر، قال: فما أراد بقوله: ممرُّ أمرتَّ فتله أسديَّةٌ ... ذراعيَّةٌ حلَّالةٌ بالمصانع قلت: وصف حمار وحش أسمنه بقل روضه تواشجت أصوله، وتشابكت فروعه، من مطر سحابة كانت بنوء الأسد، ثم في الذراع من ذلك، فقال الرشيد: أرح فقد وجدناك ممتعًا، وعرفناك محسنًا، ثم قال: أجد ملالة، ونهض، فأخذ الخادم يصلح عقب النعل في رجله، وكانت عربية، فقال الرشيد: عقرتني يا غلام، فقال الفضل: قاتل الله الأعاجم، أما إنها لو كانت سندية لما احتجت إلى هذه الكلمة! فقال الرشيد: هذه نعلي ونعل آبائي، كما نعارض فلا تترك من جواب ممض! ثم قال: يا غلام، يؤمر صالح الخادم بتعجيل ثلاثين ألف درهم على هذا الرجل في ليلته هذه، ولا يحجب في المستأنف، فقال الفضل: لولا أنه مجلس أمير المؤمنين، ولا يأمر فيه غيره، لأمرت لك بمثل ما أمرت لك، وقد أمرت لك به إلا ألف درهم، فتلق الخادم صباحًا. قال الأصمعي: فما صليت من غد إلا وفي منزلي تسعة وخمسون ألف درهم.

стр. 812

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والستون بعد المائة: (١٦٦) وجهك البدر لا بل لا شمس لو لم ... يقض للشمس كسفةٌ أو أفول على أنه يزاد "لا" قبل "بل"، بعد الإيجاب لتوكيد الإضراب، وبل عاطفة عند البصريين خلافًا للكوفيين، قال أبو حيان في "شرح التسهيل": فإن قلت: الدليل على أن بل يعطف بها بعد الإيجاب، قول الشاعر: وجهك البدر لا بل الشمس ... البيت وقول الآخر: وكأنّما اشتمل الضّجيع بريطةٍ ... لا بل تزيد وتارةً وليانا ألا ترى أن قوله: وجهك البدر، جملة إيجابية، وكذلك: وكأنما اشتمل الضجيع بريطة، وكذلك قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا سبحانه بل عبادٌ مكرمون) [الأنبياء/ ٢٦] فاتخذ الرحمن ولدًا: جملة إيجابية؛ فالجواب: إن لهم، أي: للكوفيين، أن يتأولوا ذلك بأن قول الشاعر: "لا" رد لقوله: وجهك البدر، فكأنه قال: ليس وجهك البدر، وكذلك البيت الثاني، كأنه قال: لم يشتمل بريطة، فإن موضوع "لا" للنفي، وهي رد للإيجاب الذي قبلها. وأما الآية، فلهم أن يقولوا: إن قوله سبحانه تضمن نفي الولد، لأنه تنزيه وبراءة لله تعالى من اتخاذ الولد، فلما كان معناه النفي كأنه قيل: ليس لله ولد جاء، بل عباد مكرمون، وكون الكوفيين، وهم أوسع من البصريين في إتباع شواذ كلام العرب، يذهبون إلى أن بل لا تجيء إلا بعد نفي أو ما جرى مجراه، ولا تجيء بعد إيجاب؛ دليل على عدم سماعه من العرب، أو على قلة سماعه. ونقول على طريقة البصريين: إن وقع بعد بل جملة كانت إضرابًا عما قبلها على جهة الإبطال له، وإثباتًا لما بعدها، كقوله تعالى: ﴿أم يقولون به جنيةٌ، بل جاءهم بالحقِّ﴾ [المؤمنون/ ٧٠] أو على جهة الترك من

стр. 813

غير إبطال، كقوله تعالى: ﴿ولدينا كتابٌ ينطق بالحقِّ وهم لا يظلمون. بل قلوبهم في غمرةٍ من هذا﴾ [المؤمنون/ ٦٢، ٦٣] ولا تكون إذ ذاك عاطفة، لأنك لما أضربت وأثبت، صار المضروب عنه كأنه لم يذكر، وصارت هي أول الكلام المثبت، وإن وقع بعدها مفرد فما قبلها يكون إما موجبًا أو أمرًا، فتضرب بها عنه وتثبته للمعطوف، أو نفيًا أو نهيًا، فتقدر بعد النفي موجبًا، وبعد النهي أمرًا. انتهى كلام ابن حيان. والبيت من التشبيه المشروط، كقوله: عزماته مثل النجوم ثواقبًا ... لو لم يكن للثاقبات أفول والقضاء هنا: الحتم، والكفة: المرّة من الكسوف، قال الأزهري: يقال: كسفت الشمس، إذا ذهب ضوؤها، وكسف القمر: إذا ذهب ضوؤه، قال صاحب "المصباح": كسفت الشمس من باب ضرب كسوفًا، وكذلك القمر، قاله ابن فارس والأزهري، وقال ابن القوطية: كسف القمر والشمس والوجه: تغيرّن، والأفول: غيبوبة النجم وغيره، قال صاحب "المصباح": أفل الشيء أفلا وأفولًا، من بابي ضرب وقعد: غاب. وهذا البيت والذي بعده مذكوران في شروح "التسهيل" غفلًا، ولي مدة في

стр. 814

الفحص عن قائلهما وأصلهما بمراجعة دواوين العرب والمحدثين والمجاميع، ولعل الله تعالى يظفرني بالمطلوب. وأنشد بعده وهو الإنشاد السابع والستون بعد المائة: (١٦٧) وما هجرتك لا بل زادني شغفًا ... هجرٌ وبعدٌ تراخى لا إلى أجل على أن "لا" تزاد بعد النفي لتوكيد تقرير ما قبلها، وليست بل للعطف هنا باتفاق أهل البصرة والكوفة، لأن ما بعدها جملة، قال أبو حيان في "شرح التسهيل": ذهب ابن درستويه في "الهداية" أنه يزاد "لا" على بل بعد الإيجاب لا بعد النفي، لأنها حرف نفي، فأغنى عنها تقدم حرف النفي، ففي الإيجاب نحو: جاءني زيد بل عمرو، ويجوز لا بل عمرو، وفي النفي: ما قام زيد بل عمرو، ليس إلا. وذهب الجزولي إلى أنها تزاد بعد الإيجاب والأمر والنفي والنهي، وهي معها في الإيجاب والأمر نفي، وفي النهي والنفي

стр. 815

تأكيد، فإن قلت: كيف تكون نافية للأمر، والأمر لا يدخل عليه أداة نفي؟ فالجواب: إنّ "لا" تكون مثل "لا" النافية إذا قلت: اضرب زيدًا لا بل عمرًا، فكأنك قلت: لا تضربه بل اضرب عمرًا، وجعلها نافية بالنظر إلى المعنى، وإذا قلت: ما قام زيد، لا بل عمرو، تكون تأكيدًا للنفي المتقدم، ولا تكون نافية، لأن نفي النفي بأداة نفي ليس من كلام العرب، وكذا في: لا تضرب زيدًا، لا بل عمرًا، هي تأكيد لمعنى النفي الذي يدل عليه أداة النهي، ولا تكون على غير التأكيد لما تقدم في النفي. قال ابن عصفور: وهذا الذي ذهب إليه من زيادة "لا" على "بل" في النفي والنهي لا ينبغي أن يقال به، إلا أن يشهد له السماع، لأن الجمع بين أداتي نفي على جهة التأكيد قليل في كلام العرب. انتهى. وما ذهب إليه ابن درستويه واستبعده ابن عصفور مسموع من لسان العرب، قال الشاعر في النفي: "وما سلوتك لا بل زادني شغفًا ... البيت" ومن زيادتها بعد النهي قول الآخر: لا تملَّنَّ طاعة الله لا بل ... طاعة الله ما حييت استديما ومن زيادتها في الموجب البيتان السابقان: وجهك البدر، وقوله: وكأنما اشتمل الضجيع. ويقال في لا بل: نابن، بإبدال اللامين نونًا، و: نابل، و: لابن، بإبدال إحدى اللامين نونًا. انتهى كلام ابن حيان. وقول المصنف: ويزاد قبلها لا، يعني: يزاد قبل "بل" "لا" سواء كانت عاطفة أم لا، فيرجع الضمير إلى بل المطلقة لا المقيدة بالعطف، وإن كان ظاهر كلامه موهمًا. وتمسك به بعض من كتب على هذا الكتاب، وهو الشيخ محمد الحموي، فاعترض على المصنف فقال: أنت خبير بأن بل في هذا البيت غير عاطفة، لدخولها على الجملة، والكلام في زيادة "لا" قبل "بل" العاطفة، لأن الضمير من قول المصنف: وتزاد "لا" قبلها لتوكيد الإضراب بعد الإيجاب، عائد إلى بل العاطفة، وكذلك الضمير من قوله: ولتوكيد تقرير ما قبلها

стр. 816

بعد النفي، عائد إلى بل العاطفة، لأن غير العاطفة لا تقرّر ما قبلها، بل إما أن تفيد إبطاله، وإما أن تقيد الانتقال منه إلى غرض آخر، فليتأمل. هذا كلامه، وتأملناه فوجدنا قوله: لأن غير العاطفة لا تقرر ما قبلها، ممنوعًا، لأن ما قبلها إن كان موجبًا كالآيتين أبطلت إيجابه، وإن كان منفيًا، نحو: ما قام زيد بل قعد، كانت لتقرير ما قبلها على حاله، فإذا قلت: ما قام زيد لا بل قعد، كانت لتأكيد التقرير، وإن شئت قلت: لتقرير التأكيد. وهذا البيت أيضًا لم أظفر بقائله وأصله إلى الآن، يسر الله تعالى ذلك. والكاف من هجرتك، مكسورة. وزاد: يتعدى إلى مفعولين، أحدهما الياء، وثانيهما شغفًا، وهو مصدر شغفه الحب، كمنعه: أصاب شغافه، والشغاف كسحاب: غلاق القلب أو حجابه أو جنَّته أو سويداؤه. وهجر: فاعل زادني وتراخى: فعل ماض بمعنى تطاول وامتد، وروي بدله: تمادى، بمعناه، والأجل هنا: المدة. بيد أنشد فيه، وهو الإنشاد الثامن والستون بعد المائة: (١٦٨) ولا عيب فيهم غير أنَّ سيوفهم ... بهنَّ فلولٌ من قراع الكتائب على أن ابن مالك قال: بيد في ذلك الحديث على حد "غير" في هذا البيت. قال الدماميني في "المزج": هذا البيت عند أهل البديع من تأكيد المدح بما يشبه الذم، ووجهه في الحديث: أن الأصل في مطلق الاستثناء الاتصال، فذكر

стр. 817

أداته قبل ذكر ما بعدها يوهم إخراج شيء مما قبلها، فإذا وليها صفة مدح، جاء التأكيد لما فيه من المدح والإشعار بأنه لم يجد صفة ذم يثبتها، فاضطر إلى استثناء صفة مدح، وتحويل الاستثناء إلى الانقطاع، ووجهه في البيت من جهتين: إحداهما ما تقدم، والأخرى أنه كدعوى الشيء ببينة، إذ معناه إثبات شيء من العيب للممدوحين على تقدير كون فلول السيف من مضاربة الجيوش عيبًا فعلق نقيض المدَّعى، وهو إثبات شيء من العيب بالمحال، والمعلق بالمحال محال، فعدم العيب متحقق، فالبيت يفارق الحديث في هذه الجهة الأخيرة، ويشاركه في الأولى، وباعتبارها قال على حد قوله. انتهى. وكلام ابن مالك مبسوط في كتابه: "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" أورد قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد كلُّ أمة أوتوا الكتاب من قبلنا" وقال: بيد معنى غير، والمشهور استعمالها متلوّةً بأن، كقوله ﷺ : "نحن الآخرون السابقون من قبلها، وأوتيناه من بعدهم" ومنه قول الشاعر: بيد أن الله قد فضَّلكم ... فوق من أحكي بصلبٍ وإزار وقول الراجز: عمدًا فعلت ذاك بيد أنِّي ... إخال لو هلكت لم ترنِّي

стр. 818

والأصل في رواية من روى: "بيد كل أمة": بيد أنّ كل أمة، فحذفت أنّ وبطل عملها، وأضيف "بيد" إلى المبتدأ والخبر اللذين كانا معمولي أنّ، وهذا الحذف في أنّ نادر، لكنه غير مستبعد في القياس على حذف أن، فإنهما أختان في المصدرية، وشبيهتان في اللفظ، وقد حمل بعض النحويين على حذف أنّ قول الزبير: فلولا بنوها حولها لخطبتها ومما حذف فيه أن واكتفي بصلتها قوله تعالى: ﴿ومن آياته يريكم البرق﴾ [الروم/ ٢٤] والأصل: أن يريكم، لأن الموضع موضع مبتدأ خبره: من آياته. والمختار عندي في "بيد" أن تجعل حرف استثناء، ويكون التقدير: إلا كل أمة أوتوا الكتاب من قبلنا، [على معنى لكن] لأن معنى إلا مفهوم منها، ولا دليل على اسميتها. انتهى كلامه. وهذا البيت استشهد به سيبويه على أن نصب غير بالاستثناء المنقطع، وشرحه الرضي أحسن شرح، وهو عند علماء البديع قاعدة تأكيد المدح بما يشبه الذم وأورده صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى ﴿لئّلا يكون للناس عليكم حجَّة إلّا الذين ظلموا منهم﴾ [البقرة/ ١٥٠] على أن الآية أشبه بتأكيد الذم بما يشبه المدح عكس البيت، فإن إطلاق الحجة على الذين ظلموا ذم في صورة مدح. والفلول: جمع فل، بفتح الفاء، وهو كسر في حد السيف، وسيف أفل بين الفلل، يقال: فلّه فانفل، وفللت الجيش، أي: كسرتهم وهزمتهم، وفلُّ الجيش

стр. 819

بفتح الفاء أيضًا: الهارب منهم قل أو كثر، والقراع: المضاربة، مصدر قارعه، وقرعته بالمقرعة؛ إذا ضربته بها، والكتائب: جمع كتيبة، وهي الطائفة المجتمعة من الجيش. والبيت من قصيدة للنابغة الذبياني مدح بها عمرو بن الحارث الأصغر من ملوك الشام الغسانيين، ويقال لهم: بنوجفنة، وذلك لما هرب من النعمان بن المنذر اللخمي من ملوك الحيرة، وليس الممدوح بها النعمان بن الحارث، لأن النابغة صرح باسمه بقوله: عليَّ لعمروٍ نعمةٌ بعد نعمةٍ ... لوالده ليست بذات عقارب ومطلع القصيدة: كليني لهمِّ يا أميمة عازب ... وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب وشرحناه شرحً مفصلًا في الشاهد الخامس والثلاثين بعد المائة من شواهد الرضي وبعد خمسة أبيات قال: حلفت يمينًا غير ذي مثنويَّةٍ ... ولا علم إلَّا حسن ظنِّ بصاحب لئن كان للقبرين قبرٍ بجلَّقٍ ... وقبرٍ بصيداء التي عند حارب وللحارث الجفنيّ سيِّد قومه ... ليلتمسن بالجمع أرض المحارب البيت الأول من شواهد سيبويه، أنشده بنصب ما بعد إلا على الاستثناء المنقطع، لأن حسن الظن ليس من العلم، ورفعه جائز على البدر من موضع العلم، وإقامة الظن مقام العلم اتساعًا، والمثنوية: الاستثناء في اليمين، ولم يذكره

стр. 820

صاحبا "الصحاح" و"القاموس" وذكره الزمخشري في "الأساس" يقول: حلفت غير مستثن في يميني ثقة بفعل هذا الممدوح، وحسن ظن به، وأراد بالصاحب: الممدوح. وروى أبو عبيدة: "وما ذاك إلا حسن ظن بصاحب" فلا شاهد فيه، وجملة المصراع الثاني معترضة بين القسم وجوابه. وقوله: لئن كان للقبرين .. الخ، اللام: موطئة للقسم، وطأت الجواب الذي بعد الشرط للقسم. وجملة ليلتمسن: هو الجواب، وجواب الشرط محذوف للاستغناء عنه بجواب القسم، واسم كان ضمير عمرو الممدوح. وأراد بالقبرين: المقبورين؛ الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر وهو الجفني الآتي ذكره. يقول: لئن كان عمرو ابن هذين الرجلين ليمضين أمره، وليلتمسنَّ أرض من حاربه. وجلَّق: الشام، وصيداء: مدينة بالساحل قريبة منها، وحارب جبلٌ. وقوله: وللحارث الجفني، بفتح الجيم: نسبة إلى جفنة بن عمرو مزيقياء ابن عامر بن ماء السماء، والجمع: جموع العساكر، وبعده: لهم شيمةٌ لم يعطها الله غيرهم ... من الناس والأحلام غير عوازب محلَّتهم ذات الإله ودينهم ... قويمٌ فما يرجون غير العواقب وثقت لهم بالنَّصر إذ قيل قد غزا ... قبائل من غسّان غير أشائب بنو عمِّه دنيًا وعمرو بن عامرٍ ... أولئك قومٌ بأسهم غير كاذب إذا ما غزوا بالجيش حلَّق فوقهم ... عصائب طيرٍ تهتدي بعصائب يصانعنهم حتَّى يغرن مغارهم ... من الضّاريات بالدِّماء الدَّوارب لهنَّ عليهم عادةٌ قد عرفنها ... إذا عرِّض الخطِّي فوق الكواثب

стр. 821

جوانح قد أيقنَّ أنَّ قبيله ... إذا ما التقى الجيشان أوَّل غالب تراهنَّ خلف القوم زورًا عيونها ... جلوس الشُّيوخ في مسوك الأرانب على عارفاتٍ للطّعان عوابسٍ ... بهنَّ كلومٌ بين دامٍ وجالب إذا استنزلوا عنهنّ للطَّعن أر قلوا ... إلى الموت إر قال الجمال المصاعب ولا عيب فيهم غير أنَّ سيوفهم ... البيت ............. قوله: والأحلام غير عوازب، أي: لا تعزب ولا تبعد عقولهم عنهم، يعني: لا تغيب عنهم كما تعزب الماشية عن أهلها. وقوله: محلتهم ذات الإله .. الخ. بالحاء المهملة، أي: مسكنهم، قال الأصمعي: أي منزلتهم بيت المقدس وأرض الشام، ومنازل الأنبياء القدس. وروى أبو عبيدة: "مجلتهم" بالجيم" يريد: كتابهم الإنجيل، وكانوا نصارى، وكل كتاب عند العرب مجلة، لأنه يجل. وروي أيضًا. "مخافتهم"، يريد: يخافون أمر الله تعالى، وذات الإله: كتابه. وقويم: مستقيم فما يرجون، أي: ما يطلبون إلا عواقب أمورهم. وقوله: غير أشائب، أي: كلهم صميم. والأشائب: الأخلاط، أي: مختلطون بغيرهم. وقوله: بنو عمه دنيًا .. الخ، هو من أبيات "أدب الكاتب" قال ابن السيد في شرحه: أراد بقوله دنيًا: الأدنين من القرابة، يروى بكسر الدال وضمها، فمن كسر جاز أن ينوّن، وأن لا ينون، ومن ضمّ لا ينون، لأن ألف فعلى كحبلى لا تكون أبدًا إلا للتأنيث. وقوله: بأسهم غير كاذب، أي: أنهم لا ينكصون عند الحرب، والعرب تستعمل الصدق والكذب في الأفعال كما تستعملونها في الأقوال، فيستعملون الصدق، بمعنى التحقيق والإحكام للشيء، والكذب فيما لا يتحقق ولا يحكم، يقولون: حمل عليه

стр. 822

فصدق، أي: حقق الحملة ولم يرجع، وحمل عليه فكذب: إذا رجع ولم يحقق ولذا قالوا: صدقوهم القتال، ونظر صادق، أي: محقق. وقوله: حلق فوقهم، أي: ارتفع فوقهم، وأراد بعصائب طيرٍ: العقبان، والنسور وما أشبهها، تأتي القتلى لتأكل منها، الواحدة: عصابة وعصبة، أي، فرقة، وكذلك من الناس. يقول: إذا رأت الطيور- كالنسور- أهبة القتال علمت أن ستكون ملحمةٌ، وهي ترفرف فوق رؤوسهم وتتبعهم، تهتدي بعصائب، أي: يهدي بعضها بعضًا. وقوله: يصانعنهم ... الخ، أصل المصانعة الاتباع، والمراد: يطرن قريبًا منهم حتى يغيروا، فتصيب من الدماء والقتلى، والدوارب: المتعوّدات، يقال: درب بذاك الأمر دربة ودرابة: إذا اعتاده. والضاريات: اللواتي ضريت بشرب الدماء وأكل اللحوم. وقوله: إذا عرّض الخطِّي، أي: إذا وضعت الرماح عرضًا فوق الكواثب، جمع كاثبة، وهي من الفرس ما تقدم من قربوس السرج، وهو المنسج أيضًا، ومن البعير الغارب، ومن الرجل الكاهل. وقوله: جوانح، أي: مائلة في أحد شقيها تجنح للوقوع، وقوله: تراهنّ خلف القوم زورًا عيونها، أي: منتظرات على شرف الأرض، وشبّه الطير وبياض ريشها بالشيوخ في فراءٍ من جلود الأرانب، لأن الشيوخ ألزم للفراء لرقتهم على البرد. والمسوك: جمع مسك، بالفتح، الجلد. وقوله: على عارفات، أي: صابرات، والعارف: الصابر، يقول: على خيل قد عرفت الطعان، قوتل عليها، وعلمت ذاك من طول ما عوّدته وعوابس: كوالح تخاف الطعن والرمي، وإنما تعبس لأنها مجرِّبة. وقوله: بهنّ كلوم، أي: بهذه الخيل جروح بين دام، أي: جرح طري فهو يدمى، وآخر قد يبس وعلته جلبة، بالضم، وهي قشرة تعلو الجرح عند البرء.

стр. 823

وقوله: إذا استنزلوا .. الخ، قال الأصمعي: يضيق المكان على الدابة، فينزل فيقاتل راجلًا. وقال أيضًا مرة أخرى: إذا ألح عليهم بالطعن وغشوا، نزلوا فأرقلوا بالسيوف، أي: عدوا وركضوا. والمصاعب: مع مصعب، وهو الفحل الذي لم يمسسه حملٌ قط، وإنما يقتني للفحلة، وهو القرم والمقرم أيضًا. وترجمة النابغة الذبياني تقدمت في الإنشاد الثالث والعشرين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والستون بعد المائة: (١٦٩) عمدًا فعلت ذاك بيد أنّي ... أخاف لو هلكت لم ترنِّي على أن أبا عبيدة قال: بيد فيه بمعنى من أجل. قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابة "غريب الحديث" في حديث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم" قال الكسائي: قوله بيد، يعني: أنا أوتينا الكتاب من بعدهم، فمعنى بيد [معنى] غير بعينها، وقال الأموي: بيد معناها: على، وأنشدنا لرجل يخاطب امرأة: عمدًا فعلت ذاك بيد أنِّي ... أخاف لو هلكت لم ترني وقال أبو عبيد: من فتح ذاك جعله اسمًا، ومن كسره جعله مخاطبه المؤنث وقوله: ترني، من الرنين، يقول: على أني أخاف ذاك. قال أبو عبيد: وفيه لغة أخرى "ميد" بالميم، والعرب تفعل هذا، تدخل الميم على الباء، والباء على الميم، كقولهم: أغمطت عليه الحمّى، وأغبطت، وقولهم: سبَّد رأسه وسمّده، وهذا كثير في الكلام. قال أبو عبيد: وأخبرنا بعض الشاميين أن النبي صلى الله

стр. 824

تعالى عليه وسلم قال: "أنا أفصح العرب ميد أني من قريش، ونشأت في بني سعد بن بكر" وفسر ميد: من أجل. قال أبو عبيد: وبعض المحدثين يحدثه: "بأيد أنا أعطينا الكتاب من بعدهم" يذهب إلى القوة، وليس له ههنا معنى نعرفه. قال أبو عبيد: وهذه الأقوال كلها قريب بعضها من بعضها في المعنى في غير وعلى. انتهى كلامه. وفي "النهاية" لابن الأثير: حديث: "أنا أفصح العرب بيد أني من قريش" بيد: بمعنى غير، ومنه الحديث الآخر: "بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا" وقيل: معناه: على أنهم. وقد جاء في بعض الروايات: "بائد أنهم" ولم أره في اللغة بهذا المعنى، وقال بعضهم: إنها بأيد، أي: بقوة، ومعناه: نحن السابقون إلى الجنة يوم القيامة بقوة أعطاناها الله تعالى وفضلها بها. انتهى. ونقل الأزهري في "التهذيب" كلام أبي عبيد السابق، ولم يزد عليه شيئًا. وقال ابن السكيت في أول "إصلاح المنطق" وهو "باب فعل وفعل" باختلاف المعنى الأول مفتوح، والثاني مكسور، وبيد في معنى غير، يقال: فلان كثير المال بيد أنه بخيل، أي: غير أنه بخيل. وأنشد الأصمعي: عمدًا فعلت ذاك بيد أني .. الخ، وكذا قال صاحب "الصحاح" في بيد، ولم يذكر الشعر هنا، وأورده في حرف النون، قال: الرنة: الصوت، يقال: رنت المرأة ترن رنينًا، وأرنت: صاحت، وفي كلام أبي زبيد الطائي: شجراؤه مغنَّة، وأطياره مرنة. وأنشد البيت ولم يعين أهو من المجرد أم من المزيد. وكأنه أشار إلى جواز الوجهين فيه، وأشار المصنف إلى أنه من المجرد، وهو أحد الجائزين.

стр. 825

ولم يصب الدماميني في قوله: أنشد الجوهري هذا البيت شاهدًا على أنه يقال: أرنت بمعنى صاحت، فكان ينبغي للمصنف أن يقول: من الإرنان، لأن الفعل هنا رباعي. هذا كلامه. ولم يكتب ابن بري في "أمياله" ولا الصفدي في حاشيته على "الصحاح" شيئًا. وقال يوسف بن أبي سعيد السيرافي في شرح أبيات "إصلاح المنطق": أخال: أظن، ويجوز كسر الهمزة في أولها وفتحها. وترني: من الرنين، وهو الصوت، يقال: أرن يرن إرنانًا: إذا صوت، والإرنان: صوت مع توجع، يقول لها: أظن أني إن هلكت لم تبكي علي ولم تتوجعي، يزعم أنها تبغضه. انتهى. وقال التبريزي في "تنقيح إصلاح المنطق" وشرح أبياته في ضمن تنقيحة، وحذف مكرره: أنشد الأصمعي لمنظور بن مرئد الأسدي: عمدًا فعلت ذاك .. الخ، يعني: تعطفها عليه، يقول لها: أظن أني إن هلكت لم تنوحي علي، ونقل كلام ابن السيرافي برمته، وكذا رأيته منسوبًا في هامش نسخة "الصحاح" بخط ياقوت. وهما بيتان من مشطور السريع لا ضميمة لهما، وبينّ منشأهما الصاغاني، قال في "العباب": سافر رجل، فلما رجع في أصحابه تأخر عنهم ليعلم وجد امرأته به وحاله عندها، فوجدها قد حزنت، فقال: عمدًا فعلت .. الخ. وعلى هذا فالتاء من "فعلت" مضمومة، والكاف من ذاك يجوز فتحها وكسرها، كما قاله أبو عبيد، وكلهم روى: "أخال" بدل "أخاف" وقال الصاغاني في "العباب": منظور ابن حبَّة: راجز من بني أسد، وحبة أمة، واسم أبيه مرئد بن فروة بن نوفل بن نضلة بن الأشتر بن حجون بن طريف بن عمرو بن قعين. انتهى. وقعين: هو الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة. وأنشد في "بله" وهو الإنشاد السبعون بعد المائة: (١٧٠) تذر الجماجم ضاحيًا هاماتها ... بله الأكفُّ كأنَّها لم تخلق

стр. 826

على أن الأكف قد رويت بالحركات الثلاث. ومعنى: بله الأكفَّ، على رواية نصب الأكف: إنك ترى الرؤوس بارزة من محالها بضرب السيوف، كأنها لم تخلق على الأبدان، فدع ذكر الأكف، فإن قطعها من الأيدي أهون بالنسبة إلى الرؤوس. ومعناه على رواية الجر: أنك ترى تطاير الرؤوس عن الأبدان، فتركا لذكر الأكف، أي: فاترك ذكرها تركا، فإنها بالنسبة إلى الرؤوس سهلة، فبله كما قال أبو حيان وغيره: مصدر الترك النائب مناب اترك، وقد فات المصنف هذا القيد. وروى أبو زيد القلب إذا كان مصدرًا، وهو قولهم: بهل زيد. وإنما قلنا بمصدريته إذا انجر ما بعده لأن اسم الفعل لا يضاف، وإذا انجر ما بعد بله بالإضافة؛ فقال أبو عبيد في "الإيضاح": ومن قال: بله، يريد جعله مصدرًا مضافًا إلى المفعول به كـ "ضرب الرقاب". ونقل عنه أبو حيان أنه مضاف إلى الفاعل ورده، وما أدري في أي كتاب قاله أبو علي، والله تعالى أعلم. وحكى أبو زيد أن من العرب من يدخل عليه "من" يقول: إن فلانًا لا يقدر أن يحمل الفهر، فمن بله أن يأتي بالصخرة. يريد: فكيف يطيق أن يحمل الصخرة! ؟ وهي هنا مصدر، لأن حرف الجر لا يدخل على اسم الفعل. ويدل على أنها تكون مصدرًا أن أبا عمرو الشيباني حكى: ما بلهك كذا، أي: ما لك كذا. وقال أبو زيد: إن بعض العرب يقول: من بهل أن يحمل الصخرة، فقلب. فدخول من، والقلب والرفع، يدل على أنها مصدر، إذ اسم الفعل لا يدخل عليه عوامل الجر ولا يعرب، فنصبها حال كونها اسم فعل، غير نصبها حين كونها مضافة، فالأول بناء ككيف، والثاني: إعراب كضرب.

стр. 827

ومعناه على رواية الرفع: إنك ترى الهامات ضاحية عن الأبدان، فكيف الأكف لا تكون ضاحية عن الأيدي! يعني: إذا جعلت السيوف الأبدان بلا رؤوس، فلا عجب أن تترك الأيدي بلا أكف. وقول المصنف: وإنكار أبي علي أن يرتفع ما بعدها مردود، كذا قال أبو حيان في "الارتشاف" في باب الاستثناء وقال في باب اسم الفعل من شرح "التسهيل": وحكى الفارسي في "حلبياته" عن قطرب، وفي غيرها عن أبي الحسن أنهما أجازا رفع ما بعدها على أن تكون بمعنى كيف، فتقول: بله زيد، وهذا غير محفوظ في كلامهم، ولا سبيل إلى إجازته بالقياس. انتهى. وهذا خلاف ما نقله المحقق، قال: حكى أبو علي عن الأخفش أنه يجيء بمعنى كيف. انتهى. وقد بسطنا الكلام على هذا البيت في الشاهد السادس والخمسين بعد الأربعمائة من شواهد الرضي، وأشبعنا الكلام على حديث البخاري الذي أورده المصنف في شرح الشاهد السابع والخمسين من تلك الشواهد. والبيت من قصيدة لكعب بن مالك شاعر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قالها في وقعة الأحزاب، ونقلها أصحاب المغازي والسير، وهي هذه: من سرَّة ضربٌ يرعبل بعضه ... بعضًا كمعمعة الأباء المحرق فليأت مأسدةً تسنُّ سيوفها ... بين المذاد وبين جزع الخندق دربوا بضرب المعلمين فأسلموا ... مهجات أنفسهم لربِّ المشرق في عصبةٍ نصر الإله نبيَّه ... بهم وكان بعبده ذا مرفق

стр. 828

في كلِّ سابغةٍ تخطُّ فضولها ... كالنَّهي هبَّت ريحه المترقرق بيضاء محكمةٍ كأنَّ قتيرها ... حدق الجنادب ذات شكِّ موثق جدلاء يحفزها نجاد مهندٍ ... صافي الحديدة صارمٍ ذي رونق تلكم مع التَّقوى تكون لباسنا ... يوم الهياج وكلَّ ساعة مصدق نصل السيُّوف إذا قصرن بخطونا ... قدمًا ونلحقها إذا لم تلحق فترى الجماجم ضاحيًا هاماتها ... بله الأكفَّ كأنَّها لم تخلق نلقى العدوُّ بفخمةٍ ملمومةٍ ... تنفي الجموع كقصد رأس المشرق ونعدُّ للأعداء كلَّ مقلِّصٍ ... وردٍ ومحجول القوائم أبلق تردي بفرسانٍ كأنَّ كماتهم ... عند الهياج أسود طلٍ ملثق صدقٍ يعاطون الكماة حتوفهم ... تحت العماءة بالوشج المزهق أمر الإله بربطها لعدوِّه ... في الحرب إنَّ الله خير موفِّق لتكون غيظًا للعدوِّ وحيَّطًا ... للدَّار إن دلفت خيول النُّزَّق ويعيننا الله العزيز بقوَّةٍ ... منه وصدق الصَّبر ساعة نلتقي ونطيع أمر نبيِّنا ونجيبه ... وإذا دعا لكريهة لم نسبق ومتى ينادي للشدائد نأتها ... ومتى نرى الحومات فيها نعنق من يتَّبع قول النَّبِّي فإنَّه ... فينا مطاق الأمر حقُّ مصدَّق فبذاك ينصرنا ويظهر عزَّنا ... ويصيبنا من نيل ذاك بمرفق إنَّ الذين يكذِّبون محمَّدًا ... كفروا وضلُّوا عن سبيل المتَّقي

стр. 829

قوله: من سره ضرب .. الخ. رعبله: قطعه. والمعمعة: صوت الحريق في القصب ونحوه، وصوت الأبطال في الحرب، قاله الجوهري، وأنشد البيت. والأباء، كسحاب: القصب، واحدته أباءة كسحابة، وقيل: أجمة الحلفاء والقصب. والمحرق: اسم مفعول. وقوله: فليأت مأسدة .. الخ، هذا جواب الشرط، قال في "الروض الأنف": المأسدة: الأرض الكثيرة الأسد، وكذلك المسبعة: الأرض الكثيرة السباع، ويجوز أن يكون جمع أسد، كما قالوا: مشيخة ومعلجة، وحكى سيبويه: مشيخة ومشيوخاء، [و] معلجة ومعلوجاء. وقوله: تسنُّ سيوفه؛ نصب الفاء وهو الصحيح عند القاضي أبي الوليد، ووقع في الأصل عند أبي بحر برفعها، ومعنى الرواية الأولى: تسنُّ: تصقل، ومعنى الثانية: تسنُّ للأبطال ولمن بعدها من الرجال سنة الجرأة والإقدام. انتهى. والمذاد: قال البكري في "معجم ما استعجم": هو بفتح الميم، بعدها ذال معجمة: الموضع الذي حفر فيه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم [الخندق]، وقال السيوطي: هو أطم بالمدينة، وقال تلميذه الشامي: هو لبني حرام غربي مساجد الفتح، سميت به الناحية. والجزع بكسر الجيم: منعطف الوادي، قال الشامي: وهو هنا جانب الخندق بالمدينة المنورة. وقوله: دربوا بضرب .. الخ، قال الجوهري: الدربة بالضم: عادة وجرأة على الحرب وكل أمر، وقد درب بالشيء بكسر الراء: إذا اعتاده وضري به. والمعلمون بضم الميم، وفتح اللام: الذين يعلمون أنفسهم في الحرب بعلامة يعرفون بها، وهم الشجعان. وأسلموا: من أسلم أمره لله، أي: سلمه لله، والمهجة هنا: الروح، وأراد رب المشرق والمغرب. والمرفق: مصدر كالرفق ضد

стр. 830

العنف، بفتح الميم وكسر الفاء، وبالعكس، وبفتحها. وقوله: في كل سابغة .. الخ، السابغة: الدرع الواسعة، وتخط: بالبناء للفاعل، وفضولها: جمع فضل، وهو الزائد، أي: ينسحب ذيل على الأرض لطولها. والنهي بفتح النون: الغدير، وأهل نجد يكسرون النون. والمترقرق: صفة النهي، من ترقرق: إذا تحرك وجاء وذهب، والريح إذا هبت على الماء حصلت هذه الصفة. وقوله: بيضاء محكمة .. الخ، البيضاء: المجلوة، والقتير: رؤوس المسامير في الدروع، شبهها بعيون الجندب، وهو نوع من الجراد، في البريق واللمعان. قال الشامي: الشك هنا: إحكام السرد، وهو متابعية نسج حلق الدرع وموالاته شيئًا فشيًا حتى يتناسق، والموثق: المحكم المثبت. وقوله: جدلاء يحفزها .. الخ، الجدلاء: الدرع المحكمة النسج، ويقال: درع مجدولة أيضًا، من جدلت الحبل أجدلته جدلًا، أي: فتلته فتلًا محكمًا، ويحفزها بالحاء المهملة والفاء والزاء المعجمة، أي: يشمرّها ويحملها، والنجاد: سيور السيف، والمهند السيف المطبوع من حديد الهند، قال السهيلي: جدلاء: من الجدل، وهو قوة الفتل، ومنه: الأجدل للصقر. وفي هذا البيت دليل على قوة امتناع الصرف في أجدل، وأنه من باب أفعل الذي مؤنثه فعلاء، ومن صرفه شبهه بأرنب وأفكل، وهو أضعف الوجهين، وإن كانوا قد قالوا في جمعه: أجادل، مثل أرانب، فقد قالوا أيضًا: الأباطح والأجارع، ولكنهم لا يصرفونهما من حيث قالوا في المؤنث: بطحاء وجرعاء، وكذلك القول في أبرق وبرقاء. وقوله يحفزها نجاد مهند، كقول ابن الأسلت في وصف الدرع: أحفزها عنِّي بذي رونقٍ ... أبيض مثل الملح قطَّاع وذلك أن الدرع إذا طالت فضولها حفزوها، أي: شمرّوها فربطوها بنجاد السيف. انتهى. وقال غيره: كانت العرب تعمل في أغماد السيوف أشباه الكلاليب،

стр. 831

فإذا ثقلت الدرع على لابسها رفع ذيلها فعلقه بالكلاب الذي في غمد السيف ليخفّ عليه. وقوله: تلكم مع التقوى .. الخ، قال السهيلي: هذا من أجود الكلام، انتزعه من قول الله : (ولباس التَّقوى ذلك خيرٌ) [الأعراف/ ٢٦] وموضع الإجادة أنه جعل لباس الدروع تبعًا للباس التقوى، لأن حرف "مع" يفيد أن ما بعده هو المتبوع وليس بتابع. ويوم الهياج: يوم القتال، والمصدق كجعفر: الحملة الصادقة على العدو، يقال للرجل الشجاع، والفرس الجواد: إنه لذو مصدق، أي: صادق الحملة، وصادق الجري، كأنه ذو صدق. وقوله: نصل السيوف .. الخ، هذا المعنى كثير في الجاهلية والإسلام، فمن الجاهلية الأخنس بن شهاب قال: إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب وقدمًا: بضمتين، وهو المضي إلى قدَّام. قال الجاحظ في "البيان": إن الفارس ربما زاد في طول رمحه ليخبر عن فضل قوته، ويخبر عن قصر سيفه، ليخبر عن فضل نجدته، وأنشد هذا البيت ونظائره. وقوله: فترى الجماجم .. الخ، اشتهر في كتب النحو: تذر الجماجم، ليعرى من التعلق بما قبله. والرؤية بصرية، والجماجم: مفعول، وضاحيًا: حال سببية من الجماجم، وهاماتها: فاعل ضاحيًا، وهو من ضحا يضحو: إذا ظهر وبرز عن محله، وفي "الصحاح": الجمجمة: عظم الرأس المشتمل على الدماغ، وربما عبّر عن الإنسان، فيقال: خذ من كل جمجمة درهمًا، كما يقال: خذ من كل رأس، بهذا المعنى، وفيه أيضًا: الهامة من الشخص: رأسه، وفرق بينهما الزجاج في كتاب "خلق الإنسان" بجعل الهامة بعضًا

стр. 832

من الجمجمة، فقال: عظم الرأس الذي فيه الدماغ يقال له الجمجمة، والهامة: وسط الرأس ومعظمه، وقال الدماميني: الجمجمة: عظم الرأس المشتمل على الدماغ. والقبيلة: التي تجمع البطون فينسب إليها دونهم، والبيت محتمل لكل من المعنيين. والمعنى على رواية رفع الأكف: إن تلك السيوف تترك قبائل العرب الكثيرة بارزة الرؤوس للأبصار كأنها لم تخلق في محالها من تلك الأجسام، أو نترك الجماجم المستورة مكشوفة ظاهرة، فكيف الأكف! ؟ أي: إذا كانت حالة الرؤوس هذه الحالة مع خفائها وعزّة الوصول إليها، فكيف حال الأكف التي هي ظاهرة يوصل إليها بسهولة. وعلى رواية النصب: إنها تترك الجماجم على تلك الحالة، دع الأكف فأمره أيسر وأسهل. وعلى رواية الجر: إنها تترك الجماجم ترك الأكف منفصلة عن محالها كأنها لم تخلق متصلة بها. هذا كلامه مع اختلاف نسخه. وقال السهيلي: بله: من لفظ البله، أي: الغفلة، لأن من غفل [عن الشيء] تركـ[ـه] ولم يسأل عنه، وكذلك [قوله: بله الأكفَّ]، أي: لا تسأل عن الأكف إذا كانت الجماجم ضاحية مقطعة. انتهى. وهذا الاشتقاق نسبه أبو حيان إلى البعدي ورده. وقوله: نلقى العدو .. الخ، الفخمة: الجيش العظيم، من الفخامة وهي العظم، وملمومة: مجموعة. وقوله: كقصد رأس المشرق، قال السهيلي: الصحيح فيه ما وراء ابن هشام عن أبي زيد: "كرأس قدس المشرق" [لأن قدس] جبل معروف من ناحية المشرق. انتهى. وظاهره أن المشرق يكون بفتح الميم، وقول الشامي: المشرق: نعت

стр. 833

لقدس بمعنى جبل، إشارة إلى ضمة الميم، وهو اسم فاعل من الإشراق، والظاهر أن هذا هو الجيد. قال البكري في "معجم ما استعجم": القدس، بضم القاف وسكون الدال: من جبال تهامة، وهو جبل العرج. قال ابن الأنباري: قدس: مؤنثة لا تنصرف، لأنها اسم للجبل وما حوله. انتهى. وعلى هذا يكون وصفه بالمذكر لاعتباره مكانًا. وقوله: ونعيدّ للأعداء، أي: نهيء؛ من الإعداد وهو التهيئة، والمقلَّص بكسر اللام المشددة: المشرف الطويل القوائم، والورد: الفرس الذي تضرب حمرته إلى صفرة. والمحجول: الفرس المحجل، والتحجيل: بياض في قوائم الفرس أو في الثلاث منها، أو في رجليه، قلّ أو كثر بعد أن يجاوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين، لأنها مواضع الأحجال. وهي الخلاخيل والقيود، ولا يكون التحجيل واقعًا بيد أو يدين ما لم يكن معها أو معها رجل أو رجلان، كذا في "العباب" للصيغاني. والأبلق: الفرس الذي فيه البلق بفتحتين، وهو سواد وبياض. وقوله: تردي بفرسان .. الخ، في "الصحاح": ردي الفرس- بالفتح- يردي رديًا ورديانًا: إذا رجم الأرض رجمًا بين العدو والمشي الشديد. والكمأة: جمع كمي، وهو الشجاع المتكمي في سلاحه، لأنه كمّى نفسه، أي: سترها بالدرع والبيضة. والطَّلُّ: المر الضعيف، والملثيق: اسم فاعل صفة لطل، من الإلثاق، وأصله من اللثق بفتحتين، قال السهيلي: اللثق: ما يكون عن الطل من زلق وطين، والأسد أجوع ما يكون وأجرأ في ذلك الحين. انتهى. وقال صاحب "العباب" اللثق: الندى، وألثقه غيره، قال: خداريَّةٌ فتخاء ألثق ريشها ... سحابة يومٍ ذي أهاضيب ماطر

стр. 834

وقوله: صدق يعاطون .. الخ؛ صفة أسد، بضم الصاد: جمع صدق بفتحها والدال ساكنة معهما، يقال: رجل صدق اللقاء، وصدق النظر: إذا مضى فيها ولم يثنه شيء، ويعاطون: يناولون، والكمأة: الشجعان، مفعول أول، وحقوقهم: مفعول ثان. والحتف: الهلاك، والعماءة: كسحابة وزنًا ومعنى قال أبو زيد: العلماء: السحاب، وهو شبه الدخان يركب رؤوس الجبال، وأراد به هنا الغبار الثائر في المعركة. ورواه الشامي: "العماية" بالياء، وفسره بالسحاب، والوشيج: الرماح، وأصله شجر الرماح. والمزهق، اسم فاعل: المذهب للأرواح. وقوله: لتكون عيظًا .. الخ، قال الشامي: هو جمع حائط، من حاط يحوط، أي: كلأه ورعاه، وأراد بالدار المدينة المنورة، ودلفت: قربت، والنزق: الأعداء، وهو جمع نزق، بفتح النون وكسر الزاي، وصف من نزق نزقًا، كفرح فرحًا، والنزق: الخفة والطيش وسوء الخلق، وهذا أصله. وقوله: وإذا دعا لكريهة .. الخ، الكريهة: من أسماء الحرب، ونسبق: بالبناء للمفعول، والحومات: جع حومة، وهو موضع القتال. وتعنق: نسرع، قال صاحب "الصحاح": العنق بفتحتين: ضرب من السير فسيح سريع، وهو اسم من أعنق إعناقًا. وقوله: حق مصدق، بفتح الدال المشددة: مصدر، أي: تصديقًا حق تصديق. وترجمة كعب بن مالك تقدمت في الإنشاد السابع والخمسين بعد المائة. حرف التاء أنشد فيه، وهو الإنشاد الواحد والسبعون بعد المائة: (١٧١) إلى ملكٍ ما أمُّه من محاربٍ ... أبوه ولا كانت كليبٌ صاهره

стр. 835

على أن قوله: أبوه، مبتدأ، وجملة: أمه من محارب خبر المبتدأ، وجملة: أبوه ما أمه من محارب، في موضع الصفة لملك، وهي سالبة المحمول. وقال البعلي: أبوه: مبتدأ أول، وأمه: مبتدأ ثان، ومن محارب: خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني خبر المبتدأ الأول، والمجموع صفة لملك، فيكون أداة النفي على قوله مصدرة، أي: ما أبوه أمه من محارب، وجملة الصفة سالبة، وبين السالبة والسالبة المحمول تلازم، والتقدير على الأول: إلى ملك موصوف بأن أباه ليست أمه من محارب، وعلى الثاني: إلى ملك ليس أبوه أمه من محارب، أي: ليست أم أبيه من محارب، وقال ابن الملاّ: وقول العيني بعد نقل كلام البعلي، قلت: تقديره: إلى ملك ما أبوه أمه من محارب، يوهم أن تقديره على القول الآخر ليس كذلك، وليس كذلك. انتهى. وأقول: ليس بتقدير القولين ما ذكره، وإنما تقديرهما: ما أم أبيه من محارب، وأما التقدير الذي ذكره العيني فإنما يناسب رواية من روى: أبوها، بتأنيث الضمير، وهي المناسبة للبيت الذي بعده، وهو قوله: ولكن أبوها من رواحة .. البيت الآتي، ولكن المشهور في كتب النحو تذكير الضمير في "أبو". قال أبو الحسن سعيد من مسعدة المجاشعي الأخفش في كتاب "المعاياة" قال الفرزدق: إلى ملك ما أمه من محارب أبوه .. البيت، يريد: إلى ملك أبوه ما أمه من محارب، زعموا أنه هكذا قاله، وقال بعضهم: إنما قال: إلى ملك ما أمه من محارب أبوها .. البيت، يريد: إن أمه ليس أبوها من محارب انتهى. فيكون أبوها على هذه الرواية بدلًا من أمه، بدل اشتمال، ولا يكون فيه شاهد، وأما على الرواية الأولى فقد قال المصنف: إن تقديم الخبر الواقع جملة قليل، يعني: والقليل لا يحسن تخريج الكثير عليه، وفيه: إن الخفاف في "شرح الجمل الزجاجية" قسم الخبر ثلاثة أقسام: قسم يجب تأخيره عن المبتدأ، وقسم يجب تقديمه عليه، وقسم يجوز فيه الأمران، ومثل بما إذا كان مفردًا،

стр. 836

كتميمي أنا، أو جملة، ومثله بهذا البيت، وقال: أنشده سيبويه. وقوله: أنشده سيبويه توهم منه، فإن سيبويه لم ينشده في كتابه أصلًا، وقد استشهد [به] ابن عقيل على جواز تقديم الخبر إذا كان جملة، ولم يقيداه بقلة. ونقل ابن الشجري أنه حكى الإجماع على جواز تقديم الخبر الجملي وتعقبه بأن بعض الكوفيين لا يجيزه، وقال: والبيت من قصيدة للفرزدق مدح بها الوليد ابن عبد الملك، وأولها: رأوني فنادوني أسوق مطيَّتي ... بأصوات هلَّالٍ سغابٍ حرائره إلى ملكٍ ما أمُّه من محاربٍ ... أبوه ولا كانت كليبٌ تصاهره ولكن أبوها من رواحة ترتقي ... بأيَّامه قيسٌ على من تفاخره فقالوا أغثنا إن بلغت بدعوةٍ ... لنا عند خير الناس إنَّك زائره فقلت لهم إن يبلغ الله ناقتي ... وإيَّاي أثني بالذي أنا خابره أغث مضرا إنَّ السِّنين تتابعت ... عليها بحزٍّ يكسر العظم جازره حرف الثاء ثمَّ أنشد فيه وهو الإنشاد الثاني والسبعون بعد المائة: (١٧٢) أراني إذا أصبحت أصبحت ذا هوى ... فثمَّ إذا أمسيت أمسيت غاديا

стр. 837

على أن الفاء زائدة، قال ابن مالك في "شرح العمدة": زعم الأخفش أن الزائد في هذا البيت "ثم" لا الفاء، والفاء أولى بالزيادة، لأن زيادتها قد كثرت وزيادة ثم لم تكثر، ولأن زيادة حرف واحد أولى من زيادة ثلاثة أحرف. انتهى. وهو في هذا تابع لابن جني، قال في "سر الصناعة": الفاء زائدة، لأن الفاء قد عهد زيادتها، وكذا في كتاب "الضرائر" لابن عصفور، قال: ومن زيادة الفاء قوله: يموت أناسٌ أو يشيب فتاهم ... ويحدث ناس والصغير فيكبر يريد: والصغير يكبر، وقول أبي كبير: فرأيت ما فيه فثمَّ رزئته ... فلبثت بعدك غير راضٍ معمري يريد: ثم رزئته، وقول الأسود بن يعفر: فلنهشلٌ قومي ولي في نهشلٍ ... نسبٌ لعمر أبيك غير غلاب زاد الفاء في أول الكلام لأن البيت أول القصيدة. انتهى. وقال الرضي في بحث كي من نواصب الفعل: ويعتذر لتقدم اللام عليها في نحو: (لكيلا تأسوا) [الحديد/ ٢٣] وتأخره عنها في نحو قوله: كي لتقضيني رقيَّة ما وعدتني ... أن كي المتأخرة في الأول بدل من اللام المتقدمة، واللام المتأخرة بدل من كي. المتقدمة في الثاني، وقد يبدل الحرف من مثله الموافق له في المعنى، قال: فثمَّ إذا أصبحت أصبحت غاديًا

стр. 838

انتهى. وقال أيضًا في الحروف العاطفة: قيل: الفاء زائدة، وقيل: بل الزائد ثم لحرمة الصدر، وقال السيوطي في الحاشية: وقال النيلي: جمع في هذا البيت بين الفاء وثم، وبينهما تناف، لما تقتضيه الفاء من الاتصال، وثم من الانفصال، فقد قيل: إن الفاء زائدة، والذي أراه أنها للترتيب المتصل في الحكم، كأن الشاعر أخبر بالحكم الثاني عقب إخباره بالحكم الأول بلا مهلة وإن كان بين الحكمين في الوجود مهلة وتراخ. انتهى. ونقل عن السيرافي أيضًا في شرح الأبيات أنه قال: الأجود: فثمّ بفتح المثلثة، لكراهة دخول العاطف على عاطف. والبيت هكذا أنشده ابن مالك في "شرح العمدة" وأنشده في شرحي "التسهيل" و"الكافية" بلفظ: أراني إذا ما بتُّ بتُّ على هوىً ... فثم إذا أصبحت أصبحت غاديا وهذا هو المروي في ديوان زهير، وبعده: إلى حفرة أهوى إليها مقيمة ... يحثّ إليها سائقٌ من ورائيا وتقدم إنشاد أبيات كثيرة من أول هذه القصيدة في الإنشاد الثالث والثلاثين بعد المائة. قوله: بتّ على هوى، قال الأعلم في شرح الأشعار الستة: أي: لي حاجة لا تقضي أبدًا، لأن الإنسان ما دام حيًا فلابد من أن يهوى شيئًا ويحتاج إليه. انتهى. وغاديًا بالغين المعجمة.

стр. 839

وقوله: إلى حفرة: متعلق بـ "غاديًا"، وأراد بها القبر. وأهوي إليها، أي: أنزل فيها. وروى الأعلم بدله: "أهدى إليها" بالبناء للمفعول، من الإهداء. ووصف الحفرة بكونها مقيمة إما على معتقد الجاهلية من أنه لا فناء للعالم ولا بعث، وإما على معنى طول المدة، والسائق الذي يحث على الغدو إلى تلك الحفرة هو الزمان، فإنه المفني المبيد عندهم. وأنشد بعده وهو الإنشاد الثالث والسبعون بعد المائة: (١٧٣) إنَّ من ساد ثمَّ أبوه ... ثمَّ قد ساد قبل ذلك جدُّه على أن ابن عصفور أجاب عنه بأن المراد أن الجد أتاه السؤود من قبل الأب، والأب من قبل الابن، وخدشه المرادي في "الجنى الداني" بأن قول الشاعر قبل ذلك يمنعه، قال الدماميني: وذلك لأن مضمون الكلام على ما أجاب به ابن عصفور أن سؤدد الابن سابق لسؤدد الأب، وسؤدد الأب سابق لسؤدد الجد، والسابق للسابق الشيء سابق لذلك الشيء، فتكون سيادة الابن سابقة لكل من سيادة أبيه وجده، وسيادة الأب سابقة لسيادة الجد. وقول الشاعر قبل ذلك مناف لهذا بلا شك. انتهى. وردّ عليه أيضًا بأن ثم تدل على التراخي، فما معنى التراخي والمهلة هنا؟ وأجاب الفراء عن البيت ونحوه بأن ثم فيه للترتيب الذكري، ويقال له: الترتيب الإخباري، وترتيب اللفظ أيضًا، وذلك أن الفاء وثم يكونان لترتيب الأفعال والأقوال، وثم هنا لترتيب القول بحسب الذكر والإخبار والتلفظ، وفي هذا الجواب نظر، فإن ثم حينئذ تكون للترتيب بدون تراخ ومهلة، كما صرح به الرضي، وهو خلاف وضعها.

стр. 840

وأجاب الأخفش بأن ثم هنا بمعنى الواو لمطلق الجمع، وردّ عليه بعضهم بأنه لو صح هذا لجاز: اختصم زيد ثم عمرو، وهو غير جائز باتفاق. قال الدماميني: لا خفاء في كون القائل بأن ثم تستعمل بدون ترتيب كالواو، يقول بأن ذلك استعمال مجازي، ولا يشترط في آحاد المجاز أن تنقل أعيانها عن أهل اللغة، بل يكتفي بالعلاقة على المذهب المختار، والعلاقة المصححة هنا الاتصال الذي بين هذين الحرفين، من جهة أن الواو لمطلق الجمع، وثم لجمع مقيد، والمطلق داخل في المقيد، فثبت أن بينهما اتصالًا معنويًا، فجاز استعمال ثم بمعنى الواو مجازًا لذلك، وحينئذ السعي في تأويل تلك الأمثلة بما يصحح الترتيب فيها نظر في أمر جزئي لا يقتضي بطلان المدعى من أصله. انتهى. والبيت من شعر المولدين، وأوله مغير قد اشتهر بالتغيير، وهو أول أبيات سبعة لأبي ناس الحكمي، واسمه الحسن بن هانئ، مدح بها العباس بن عبيد الله ابن أبي جعفر، وهي: قل لمن ساد ثمَّ ساد أبوه ... قبله ثم قبل ذلك جدُّه وأبو جدّه فسادا إلى أن ... يتلاقى نزاره ومعدُّه ثمَّ آباؤه إلى المبتدا من ... أبه لا أبٌ وأمّ تعدُّه يا ابن بحبوحة البطاح عبيد الله غوثًا من مستغيث تودُّه فاهتبل عندي الصَّنيعة واذخرني لقولٍ أجيده وأجدُّه واستزدني إلى مكارمك الغرَّ وفضلٍ إليك خيَّم مجده عبدريٍّ إذا انتمى أبطحيٍ ... تالدٍ نسجه عتيقٍ فرنده

стр. 841

والعباس هذا عم هارون الرشيد، ولم يعرفه ابن الملا، قال: لعله العباس ابن المأمون بن الرشيد؛ وأبو نواس مات قبل أن يصير ابن المأمون في عداد من يمدح، والمأمون اسمه عبد الله، وأبو الممدوح اسمه عبيد الله بالتصغير، كما في الشعر. وقوله: وأبو جده: معطوف على جده، وقوله: فساد، يريد: فساد من بقي من جدوده واحدًا بعد واحد إلى أن يلاقيه جده نزار بن معد بن عدنان، وهو عمود النسب المحمدي، صلى الله تعالى عليه وسلم. وقال ابن الملا: قوله: وأبو جده فساد: مبتدأ وخبر، والفاء زائدة. وقوله: ثم آباؤه، أي: بعد معدّ، وقوله: إلى المبتدا من أب: هو آدم ﵇، خلقه الله تعالى من تراب. وقوله: لا أب وأمّ تعدّه، أي: ليس له أب وأم تعدهما، وعبيد الله بالجر: بدل من بحبوحة، وقوله: غوثًا: مفعول لأطلب محذوفًا، وهو اسم الإغاثة، بمعنى الإعانة والنصر. وقوله: من مستغيث، أي: من أجل مستغيث، وتودّه: تحبه، أنت، والاهتبال: الاغتنام، والصنيعة: الفعل الجميل، واذخرني: أمر من ذخرته ذخرًا، من باب نفع: إذا أعددته لوقت الحاجة إليه، والاسم: الذُّخر بالضم وأجيده: من الإجادة، أي: أحنه. وأجدّه، أي: أحدثه جديدًا. وقوله: استزدني، أي: اجعلني زيادة مضمومة إلى مكارمك، أي: اجعلني بعض مكارمك، أي: أفعالك التي تمدح بها، والغرّ: جمع أغرّ وغراء، والأغر: الواضح، المشهور، وقوله: وفضل، بالجر معطوف على مكارمك، وخيم: أقام، والمجد: الشرف والعز. وقوله: عبدري بالجر: صفة لفضل، منسوب إلى عبد الدار وهو أحد أولاد قصي بن كلاب، وانتمى: انتسب، وأبطحي؛ بالجر أيضًا: يريد أنه من قريش البطاح، وهم أشرف من قريش الظواهر، وقوله: تالدٍ نسجه بالجر: صفة سببية لفضل، ونسجه: فاعل، والتالد: القديم الأصلي، والهاء في نسجه ضمير فضل، وعتيق بالجر أيضًا، والفرند بكسرتين: جوهر الحديد وحسنه.

стр. 842

وأبو نواس هو أبو علي الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصَّبَّاح الحكمي، نسبة إلى الحكم- بفتحتين- ابن سعد العشيرة، وهي قبيلة باليمن، منها الجرّاح بن عبد الله الحكمي أمير خراسان، وكان جدُّ أبي نواس من مواليه، وإنما قيل له: أبو نواس لذؤابتين كانتا له تنوسان على عاتقه. والذُّؤابة: بهمزة بعد الذال المضمومة، وهي الضفيرة من الشعر إذا كانت مرسلة، فإن كانت ملويّة فهي عقيصة، والذُّؤابة: طرف العمامة، وناس ينوس نوسًا: إذا تدلّى وتحرك، والعاتق: ما بين المنكبين والعنق، وهو موضع الرداء، وقيل: إن خلفًا الأحمر كان له [ولاء] في اليمن، وكان أميل الناس إلى أبي نواس، فقال له يومًا: أنت من اليمن، فتكنّ باسم ملك من ملوكهم الأذواء، فاختار ذا نواس، فكنّاه أبا نواس، بحذف صدره، وغلبت عليه. ومولده بالبصرة سنة خمس وأربعين ومائة، وقيل: ست وثلاثين ومائة. ومات ببغداد سنة خمس وتسعين ومائة، وقيل: سنة ست، وقيل سنة: ثمان، ونشأ بالبصرة، ثم خرج إلى الكوفة، وقيل: ولد بالأهواز، وقيل: بكورة من كور خوزستان سنة إحدى وأربعين ومائة، ونقل منها وعمره سنتان إلى البصرة، وأمه أوازية، اسمها جلبَّان، وكان أبوه من أهل دمشق من جند مروان الحمار، انتقل إلى الأهواز للرّباط فتزوجها. وقدم أبو نواس بغداد مع والبة بن الحباب الشاعر، وبه تخرّج، وعرض القرآن على يقوب الحضرمي، وأخذ اللغة عن أبي زيد الأنصاري وأبي عبيدة، ومدح الخلفاء والوزراء، وكان في الشعر من الطبقة الأولى من المولدين. قال أبو عبيدة: أبو نواس للمحدثين مثل امرئ القيس للمتقدمين وشعره عشرة أنواع، وهو مجيد في الجميع، ومازال العلماء والأشراف يروون شعره، ويتفكهون به، ويفضلونه

стр. 843

على أشعار القدماء. وقال أبو عمرو الشيباني: لولا أن أبا نواس أفسد شعره بهذه الأقذار، يعني: الخمور، لاحتججنا به، لأنه كان محكم القول لا يخطئ. وديوان شعره مختلف لاختلاف جامعيه، فإنه اعتنى به جماعة، منهم أبو بكر الصولي، وهو صغير، ومنهم علي بن حمزة الأصفهاني، وهو كبير جدًا، وكلاهما عندي ولله تعالى الحمد، ومنهم إبراهيم بن أحمد الطبري المعروف بتوزون، ولم أره إلى الآن. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والسبعون بعد المائة: (١٧٤) قالوا أبو الصَّقر من شيبان قلت لهم ... كلّا لعمري ولكن منه شيبان وكم أبٍ قد علا بابنٍ ذرى شرفٍ ... كما علت برسول الله عدنان على أن ابن عصفور قال: إن الشرف قد يأتي إلى الأب من الابن، كما قال ابن الرومي في هذا الشعر، لأن الفرع قد يفوق الأصل بمآثر ومناقب، فيمدح أصله به وإن كان الأكثر في المدح توارث الشرف والسؤدد، كما قيل: ورثنا الغنى والمجد أكبر أكبرا والشعر من قصيدة طويلة عدتها مائتان وأربعة وثلاثون بيتًا مدح بها أبا الصقر إسماعيل بن بلبل، لما ولي الوزارة للمعتمد، مطلعها:

стр. 844

أجنت لك الورد أغصانٌ وكثبان ... فيهنَّ نوعان تفَّاحٌ ورمَّان وفوق ذينك أعنابٌ مهدَّلةٌ ... سودٌ لهنّ من الظَّلماء ألوان وتحت هاتيك عنَّابٌ تلوع به ... أطرافهنَّ قلوب القوم قنوان غصون بانٍ علها الدَّهر فاكهةٌ ... وما الفواكه مّما يحمل البان ونرجسٌ بات ساري الطَّلِّ يضربه ... وأقحوانٌ منير النَّور ريَّان ألفن من كلِّ شيءٍ طيِّبٍ حسنٍ ... فهن فاكهةٌ شتَّى وريحان ثمار صدقٍ إذا عاينت ظاهرها ... لكنَّها حين تبلو الطَّعم خطبان إلى أن قال في النسيب: يا ربَّ حسَّانةٍ منهنّ قد فعلت ... سوءًا وقد يفعل الأسواء حسَّان تشكي المحبَّ وتلفي الدَّهر شاكيةً ... كالقوس تصمي الرَّمايا وهي مرنان إلى أن قال يخاطب نفسه: إنَّ الرَّحيل إلى من أنت آمله ... أمرٌ لمزمعه بالنُّجح إيقان فادع القوافي ونصَّ اليعملات له ... تجبك كلُّ شرودٍ وهي مذعان إن لم أزر ملكًا أشجي الخطوب به ... فلم يلدني أبو الأملاك يونان أضحى أبو الصَّقر فردًا لا نظير له ... بعد النبيِّ ومن والت خراسان هو الذي حكمت قدمًا بسودده ... عدنان ثمَّ أجازت ذاك قحطان قالوا أبو الصَّقر من شيبان قلت لهم ... كلاّ لعمري ولكن منه شيبان وكم أبٍ علا بابنٍ ذرى شرفٍ ... كما علا برسول الله عدنان

стр. 845

تسمو الرجال بآباءٍ وآونةً ... تسمو الرجال بأبناء وتزدان ولم أقصِّر بشيبان التي بلغت ... بها المبالغ أعراقٌ وأغصان لله شيبان قومًا لا يشوبهم ... روعٌ إذا الرَّوع شابت منه ولدان لا يرهبون إذا الأبطال أرهبهم ... يومٌ عصيبٌ وهم في السِّلم رهبان إذا رأيتهم أيقنت أنَّهم ... للدِّين والملك أعلامٌ وأركان إلى أن قال في مدحهم: أفنوا عداهم وأقنوا من يؤمِّلهم ... ففي الصُّدور لهم شكرٌ وأضغان لكن أبو الصَّقر بدءٌ عند ذكرهم ... وسادة النّاس أبداءٌ وثنيان فردٌ جميعٌ يراه كلُّ ذي بصرٍ ... كأنَّه الناس طرّاً وهو إنسان ومنها يفضله على من تقدمه من الوزراء: يفديه من فيه عن مقدار فديته ... عند المفاداة تقصيرٌ ونقصان قومٌ كأنِّهم موتى إذا مدحوا ... وما كسوا من حبير الشِّعر أكفان ثوابهم أن يمنُّوا مستثيبهم ... وهل يثيب على الأعمال أوثان لله مختاره ما كان أعلمه ... بكلِّ ما فيه للرَّحمن رضوان ما اختار إلَّا امرأً أضحت فضائله ... يثنى عليه بها راضٍ وغضبان رأى أبا الصَّقر فردًا في شهامته ... فاختار من فيه للمختار قنعان من لا يزال لديه في مذاهبه ... بين الرّشاد وبين الغيِّ فرقان وللموفَّق تبصيرٌ يبصِّره ... بالحظِّ والناس طرّا عنه عميان
следующие страницы →