← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

والعباس هذا عم هارون الرشيد، ولم يعرفه ابن الملا، قال: لعله العباس ابن المأمون بن الرشيد؛ وأبو نواس مات قبل أن يصير ابن المأمون في عداد من يمدح، والمأمون اسمه عبد الله، وأبو الممدوح اسمه عبيد الله بالتصغير، كما في الشعر. وقوله: وأبو جده: معطوف على جده، وقوله: فساد، يريد: فساد من بقي من جدوده واحدًا بعد واحد إلى أن يلاقيه جده نزار بن معد بن عدنان، وهو عمود النسب المحمدي، صلى الله تعالى عليه وسلم. وقال ابن الملا: قوله: وأبو جده فساد: مبتدأ وخبر، والفاء زائدة. وقوله: ثم آباؤه، أي: بعد معدّ، وقوله: إلى المبتدا من أب: هو آدم ﵇، خلقه الله تعالى من تراب. وقوله: لا أب وأمّ تعدّه، أي: ليس له أب وأم تعدهما، وعبيد الله بالجر: بدل من بحبوحة، وقوله: غوثًا: مفعول لأطلب محذوفًا، وهو اسم الإغاثة، بمعنى الإعانة والنصر. وقوله: من مستغيث، أي: من أجل مستغيث، وتودّه: تحبه، أنت، والاهتبال: الاغتنام، والصنيعة: الفعل الجميل، واذخرني: أمر من ذخرته ذخرًا، من باب نفع: إذا أعددته لوقت الحاجة إليه، والاسم: الذُّخر بالضم وأجيده: من الإجادة، أي: أحنه. وأجدّه، أي: أحدثه جديدًا. وقوله: استزدني، أي: اجعلني زيادة مضمومة إلى مكارمك، أي: اجعلني بعض مكارمك، أي: أفعالك التي تمدح بها، والغرّ: جمع أغرّ وغراء، والأغر: الواضح، المشهور، وقوله: وفضل، بالجر معطوف على مكارمك، وخيم: أقام، والمجد: الشرف والعز. وقوله: عبدري بالجر: صفة لفضل، منسوب إلى عبد الدار وهو أحد أولاد قصي بن كلاب، وانتمى: انتسب، وأبطحي؛ بالجر أيضًا: يريد أنه من قريش البطاح، وهم أشرف من قريش الظواهر، وقوله: تالدٍ نسجه بالجر: صفة سببية لفضل، ونسجه: فاعل، والتالد: القديم الأصلي، والهاء في نسجه ضمير فضل، وعتيق بالجر أيضًا، والفرند بكسرتين: جوهر الحديد وحسنه.

стр. 842

وأبو نواس هو أبو علي الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصَّبَّاح الحكمي، نسبة إلى الحكم- بفتحتين- ابن سعد العشيرة، وهي قبيلة باليمن، منها الجرّاح بن عبد الله الحكمي أمير خراسان، وكان جدُّ أبي نواس من مواليه، وإنما قيل له: أبو نواس لذؤابتين كانتا له تنوسان على عاتقه. والذُّؤابة: بهمزة بعد الذال المضمومة، وهي الضفيرة من الشعر إذا كانت مرسلة، فإن كانت ملويّة فهي عقيصة، والذُّؤابة: طرف العمامة، وناس ينوس نوسًا: إذا تدلّى وتحرك، والعاتق: ما بين المنكبين والعنق، وهو موضع الرداء، وقيل: إن خلفًا الأحمر كان له [ولاء] في اليمن، وكان أميل الناس إلى أبي نواس، فقال له يومًا: أنت من اليمن، فتكنّ باسم ملك من ملوكهم الأذواء، فاختار ذا نواس، فكنّاه أبا نواس، بحذف صدره، وغلبت عليه. ومولده بالبصرة سنة خمس وأربعين ومائة، وقيل: ست وثلاثين ومائة. ومات ببغداد سنة خمس وتسعين ومائة، وقيل: سنة ست، وقيل سنة: ثمان، ونشأ بالبصرة، ثم خرج إلى الكوفة، وقيل: ولد بالأهواز، وقيل: بكورة من كور خوزستان سنة إحدى وأربعين ومائة، ونقل منها وعمره سنتان إلى البصرة، وأمه أوازية، اسمها جلبَّان، وكان أبوه من أهل دمشق من جند مروان الحمار، انتقل إلى الأهواز للرّباط فتزوجها. وقدم أبو نواس بغداد مع والبة بن الحباب الشاعر، وبه تخرّج، وعرض القرآن على يقوب الحضرمي، وأخذ اللغة عن أبي زيد الأنصاري وأبي عبيدة، ومدح الخلفاء والوزراء، وكان في الشعر من الطبقة الأولى من المولدين. قال أبو عبيدة: أبو نواس للمحدثين مثل امرئ القيس للمتقدمين وشعره عشرة أنواع، وهو مجيد في الجميع، ومازال العلماء والأشراف يروون شعره، ويتفكهون به، ويفضلونه

стр. 843

على أشعار القدماء. وقال أبو عمرو الشيباني: لولا أن أبا نواس أفسد شعره بهذه الأقذار، يعني: الخمور، لاحتججنا به، لأنه كان محكم القول لا يخطئ. وديوان شعره مختلف لاختلاف جامعيه، فإنه اعتنى به جماعة، منهم أبو بكر الصولي، وهو صغير، ومنهم علي بن حمزة الأصفهاني، وهو كبير جدًا، وكلاهما عندي ولله تعالى الحمد، ومنهم إبراهيم بن أحمد الطبري المعروف بتوزون، ولم أره إلى الآن. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والسبعون بعد المائة: (١٧٤) قالوا أبو الصَّقر من شيبان قلت لهم ... كلّا لعمري ولكن منه شيبان وكم أبٍ قد علا بابنٍ ذرى شرفٍ ... كما علت برسول الله عدنان على أن ابن عصفور قال: إن الشرف قد يأتي إلى الأب من الابن، كما قال ابن الرومي في هذا الشعر، لأن الفرع قد يفوق الأصل بمآثر ومناقب، فيمدح أصله به وإن كان الأكثر في المدح توارث الشرف والسؤدد، كما قيل: ورثنا الغنى والمجد أكبر أكبرا والشعر من قصيدة طويلة عدتها مائتان وأربعة وثلاثون بيتًا مدح بها أبا الصقر إسماعيل بن بلبل، لما ولي الوزارة للمعتمد، مطلعها:

стр. 844

أجنت لك الورد أغصانٌ وكثبان ... فيهنَّ نوعان تفَّاحٌ ورمَّان وفوق ذينك أعنابٌ مهدَّلةٌ ... سودٌ لهنّ من الظَّلماء ألوان وتحت هاتيك عنَّابٌ تلوع به ... أطرافهنَّ قلوب القوم قنوان غصون بانٍ علها الدَّهر فاكهةٌ ... وما الفواكه مّما يحمل البان ونرجسٌ بات ساري الطَّلِّ يضربه ... وأقحوانٌ منير النَّور ريَّان ألفن من كلِّ شيءٍ طيِّبٍ حسنٍ ... فهن فاكهةٌ شتَّى وريحان ثمار صدقٍ إذا عاينت ظاهرها ... لكنَّها حين تبلو الطَّعم خطبان إلى أن قال في النسيب: يا ربَّ حسَّانةٍ منهنّ قد فعلت ... سوءًا وقد يفعل الأسواء حسَّان تشكي المحبَّ وتلفي الدَّهر شاكيةً ... كالقوس تصمي الرَّمايا وهي مرنان إلى أن قال يخاطب نفسه: إنَّ الرَّحيل إلى من أنت آمله ... أمرٌ لمزمعه بالنُّجح إيقان فادع القوافي ونصَّ اليعملات له ... تجبك كلُّ شرودٍ وهي مذعان إن لم أزر ملكًا أشجي الخطوب به ... فلم يلدني أبو الأملاك يونان أضحى أبو الصَّقر فردًا لا نظير له ... بعد النبيِّ ومن والت خراسان هو الذي حكمت قدمًا بسودده ... عدنان ثمَّ أجازت ذاك قحطان قالوا أبو الصَّقر من شيبان قلت لهم ... كلاّ لعمري ولكن منه شيبان وكم أبٍ علا بابنٍ ذرى شرفٍ ... كما علا برسول الله عدنان

стр. 845

تسمو الرجال بآباءٍ وآونةً ... تسمو الرجال بأبناء وتزدان ولم أقصِّر بشيبان التي بلغت ... بها المبالغ أعراقٌ وأغصان لله شيبان قومًا لا يشوبهم ... روعٌ إذا الرَّوع شابت منه ولدان لا يرهبون إذا الأبطال أرهبهم ... يومٌ عصيبٌ وهم في السِّلم رهبان إذا رأيتهم أيقنت أنَّهم ... للدِّين والملك أعلامٌ وأركان إلى أن قال في مدحهم: أفنوا عداهم وأقنوا من يؤمِّلهم ... ففي الصُّدور لهم شكرٌ وأضغان لكن أبو الصَّقر بدءٌ عند ذكرهم ... وسادة النّاس أبداءٌ وثنيان فردٌ جميعٌ يراه كلُّ ذي بصرٍ ... كأنَّه الناس طرّاً وهو إنسان ومنها يفضله على من تقدمه من الوزراء: يفديه من فيه عن مقدار فديته ... عند المفاداة تقصيرٌ ونقصان قومٌ كأنِّهم موتى إذا مدحوا ... وما كسوا من حبير الشِّعر أكفان ثوابهم أن يمنُّوا مستثيبهم ... وهل يثيب على الأعمال أوثان لله مختاره ما كان أعلمه ... بكلِّ ما فيه للرَّحمن رضوان ما اختار إلَّا امرأً أضحت فضائله ... يثنى عليه بها راضٍ وغضبان رأى أبا الصَّقر فردًا في شهامته ... فاختار من فيه للمختار قنعان من لا يزال لديه في مذاهبه ... بين الرّشاد وبين الغيِّ فرقان وللموفَّق تبصيرٌ يبصِّره ... بالحظِّ والناس طرّا عنه عميان

стр. 846

يا من إذا الناس ظنُّوا أنَّ نائله ... قد سال سائله فالناس كهَّان إنِّي رأيت سؤال الباخلين زنًا ... وفي سؤالك للأحرار إحصان إذا تيمَّمك العافي فكوكبه ... سعدٌ ومرعاه في واديك سعدان قال المرزباني في "الموشح": أخبرني محمد بن يحيى قال: كنت يومًا عند عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، فذكرنا قصيدة ابن الرومي في أبي القصر التي أولها: أجنت لك الورد أغصان وكثبان .. فقال عبيد الله: هي دار البطيخ؛ فضحك الجماعة، فقال: اقرؤوا تشبهًا فانظروا؛ هي كما قلت! قال محمد: وقد ملَّح عبيد الله وظرَّف، قال: وهذه القصيدة أكثر من مائتي بيت، مرّ له فيها إحسان كثير، فلما سمع أبو الصقر قوله: قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم .. البيت، قال: هجاني والله! قيل له: هذا من أحسن المدح، اسمع ما بعده: وكم أب قد علا بابن ذرى شرف .. البيت، فقال: أنا بشيبان، ليس شيبان بي! قيل له: فقد قال: ولم أقصر بشيبان التي بلغت .. البيت، فقال: والله لا أثيبه على الشعر وقد هجاني. قال أبو عبيد الله المرزباني: وهذا ظلم من أبي الصقر لابن الرومي، وقلة علم منه بالفرق بين الهجاء والمدح. انتهى كلامه. وأقول تمليحًا: إنما فهم هجاءه من طول مدحه في القصيدة، لأنه يفهم من طولها الإشعار ببخله، وأنه لا يخدع إلا بكثير من التملق في صورة المدح، كما قال، وهو من معانيه البديعة: وإذا امرؤ مدح أمر لنواله ... وأطال فيه فقد أراد هجاءه لو لم يقدِّر فيه بعد لمستقى ... عند الورود لما أطال رشاءه

стр. 847

وقد كرر هذا المعنى في قافية أخرى فقال: إذا عزَّ رفدٌ لمسترفدٍ ... أطال المديح له المادح وقدمًا إذا استبعد المستقى ... أطال الرِّشاء له الماتح وما أحسن ما أخذه السراج الوراق فقال: سامح بفضلك عبدًا ... مقصِّرًا في الثَّناء رأى قليبًا قريبًا ... فلم يطل في الرِّشاء وأبو الصقر، كما قال الصفدي في تاريخ "الوافي بالوفيات": إسماعيل بن بلبل الشيباني، أبو الصقر الكاتب، كان بليغًا كاتبًا شاعرًا كريمًا ممدحًا، ولي الوزارة للمعتمد سنة خمس وستين ومائتين بعد وزارة الحسن بن مخلد الثانية، فبقي مدة يسيرة ثم عزل، ثم وليها ثانية سنة خمس وستين ومائتين في شوال، ثم عزل في شهر رمضان سنة ست وستين، ونفي إلى بغداد، ثم أعيد إلى الوزارة نوبة ثالثة حين قبض على صاعد الوزير، ولقب بالشكور، وذلك في ثالث عشر رجب سنة اثنتين وسبعين بواسط. وكان واسع النفس، وظيفته في كل يوم سبعون جديًا، ومائة حمل، ومائة رطل من سائر الحلوى. ولم يزل على وزارته إلى أن توفي الموفق أخو المعتمد، وبعد موته بيومين لخمس ليال بقين من صفر سنة ثمان وسبعين ومائتين، قبض أحمد بن الموفق الملقب بالمعتضد وعمه المعتمد هو الخليفة على أبي الصقر الوزير، وكبله بالحديد، وألبسه جبة صوف مغموسة بدبس وماء الأكارع، وتركه في الشمس، وعذبه بأنواع العذاب إلى أن هلك، وكانت وزارته الثالثة خمس سنين وسبعة أشهر واثنين وعشرين يومًا. ولما مات رآه إبراهيم الحربي، أو غيره من العلماء الصلحاء في منامه فقال له: ما فعل الله بك يا أبا الصقر؟ قال: غفر لي بما لقيت، ولم يكن الله عز

стр. 848

وجل ليجمع علي عذاب الدنيا والآخرة. إلى هنا كلام الصفدي، ومن خطه نقلت. وأنشد جحظة لأبي الصقر: ما آن للمعشوق أن يرحما ... قد أنحل الجسم وأبكى الدَّما ووكَّل العين بتسهيدها ... تفديه نفسٌ ظالما حكَّما وسنَّة المعشوق أن لا يرى ... في قتل من يعشقه مأثما لو راقب الله شفا غلَّتي ... فالعدل أن يبرئ من أسقما وأقول: إن وصفهم أبا الصقر بالجود والبلاغة في الشعر والكتابة ينافي ما عامل ابن الرومي من سوء الفهم والحرمان، في مقابلة تلك التي تستحسنها كملة الأذهان وتدخل بلا إذن في الآذان! ولقد أجاد ابن الرومي في قوله فيه بعد ذلك في نكبته: خفِّض أبا الصَّقر فكم طائرٍ ... خرَّ صريعًا بعد تحليق زوِّجت نعمى لم تكن كفأها ... فصانها الله بتطليق لا قدست نعمى تسربلتها ... كم حجةٍ فيها لزنديق وقال فيه أيضًا: لا زال يومك عبرةً لغدك ... وبكت بشجوٍ عين ذي حسدك فلئن نكبت فطالما نكبت ... بك همَّةٌ لجأت إلى سندك لو تسجد الأيَّام ما سجدت ... إلّا ليومٍ فتَّ في عضدك

стр. 849

يا نعمةً ولَّت غضارتها ... ما كان أقبح حسنها بيدك فلقد غدت بردًا على كبدي ... لمَّا غدت حرّا على كبدك ورأيت نعمى الله زائدةً ... لَّما استبان النقص في عددك ولقد تمنَّت كلُّ صاعقةٍ ... [لو أنَّها صبَّت على كتدك] لم يبق لي فيما برى جسدي ... إلَّا بقاء الرُّوح في جسدك وأخذ ابن الرومي بعض هذا الكلام من كلام لأبي العيناء، فإن أبا العيناء حكى عن نفسه، فقال: كان عيسى بن فرحشاه يتيه في ولايته، فلما صرف رهبني فلقيني فسلم علي فأحفى، فقلت لغلامي: من هذا؟ قال: أبو موسى، فدنوت منه وقلت: أعزك الله، والله لقد كنت أقنع بإيمائك دون ثنائك، وبلحظك دون لفظك، فالحمد لله على ما آلت إليه حالك، فلئن كانت أخطأت فيك النعمة، لقد أصابت فيك النقمة، ولئن كانت الدنيا أبدت مقابحها بالإقبال عليك، لقد أظهرت محاسنها بالانصراف عنك! ولله المنة إذ أغنانا عن الكذب عليك، ونزهنا عن قول الزور فيك، فقد والله أسأت حمل النعم، وما شكرت حق المنعم. فقيل له: يا أبا العيناء! لقد بالغت في السب، فما كان الذنب؟ قال: سألته حاجة أقل من قيمته، فردني عنها بأقبح من خليقته.

стр. 850

وقول ابن الرومي في تلك القصيدة النونية: كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان .. أعاد هذا المعنى في قصيدة يصف فيها قوس البندق: لها رنَّة أولى بها من تصيبه ... وأجدر بالإعوال من كان موجعا وقوله فيها: كأنه الناس طرًا وهو إنسان. مأخوذ من قول أبي نواس: وليس لله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحد وهذه ترجمة ابن الرومي من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي: علي بن العباس بن جريج أبو الحسن مولى عبيد الله بن عيسى بن جعفر يعرف بابن الرومي: أحد الشعراء المكثرين المجودين في الغزل والمديح والهجاء والأوصاف، روى عنه غير واحد من أهل الأدب، أخبر أبو الحسين علي بن جعفر الحمداني قال: كنت في غلمان دار القاسم ابن عبيد الله الوزير، فدخل يومًا القاسم داره، وكان في جملة حاشيته حينئذ رجل أراه يدخل الدار كثيرًا وينادمه، فالتقت القاسم إليه فقال له: يا أبا الحسن أمل الأبيات على كاتب يكتبها، وهاتها، فأملى ثلاثة أبيات، وهي: ما أنس لا أنس خبَّازًا مررت به ... يدحو الرِّقاقة وشك اللَّمح بالبصر ما بين رؤيتها في كفِّه كرةً ... وبين رؤيتها قوراء كالقمر إلَّا بمقدار ما تنداح دائحةٌ ... في حومة الماء يرمى فيه بالحجر وقال للكاتب: اكتب: تنداح دائحة، وتندار دائرة، فسألت عنه فقيل: هذا ابن الرومي. وحدث جحظة قال: كنت مع ابن الرومي في سماريةٍ، فرأينا أبا رياح على

стр. 851

دار ابن طاهر، فقلت له: صف هذه الشرفات وأبا رياح، فقال: ترى شرفاتها مثل العذارى ... خرجن لنزهةٍ فقعدن صفّا عليهنَّ الرقيب أبو رياحٍ ... فليس لخوفه يبدين حرفا وأخبر الصولي قال: حدثني علي بن العباس قال: كان البحتري معي جالسًا، فسلم علينا ابن لعيسى بن منصور، فقال لي: من هذا؟ فقلت: هذا ابن عيسى بن المنصور، الذي يقول ابن الرومي في أبيه: يقتِّر عيسى على نفسه ... وليس بباقٍ ولا خالد ولو يستطيع لتقتيره ... تنفّس من منخرٍ واحد فقال لي: أفّ وتفّ، هذا من خاطر الجن لا من خاطر الإنس! ووثب ومضى، وقيل: الشعر في عيسى بن موسى بن المتوكل. وقال غير الخطيب: كانت ولادته في بغداد في رجب سنة إحدى وعشرين ومائتين، وتوفي في سنة ثلاث وثمانين، وقيل: أربع وثمانين ومائتين، وقيل غير ذلك. وكان إذا أبدع معنى يستقصيه حتى لا يدع لغيره فيه بقية. حكى ابن درستويه أن لائمًا لامه، فقال له: لم لا تشبه كتشبيهات ابن المعتز، وأنت أشعر منه؟ ! فقال: أنشدني من قوله الذي استعجزتني عن مثله، فأنشده قوله في الهلال: انظر إليه كزورقٍ من فضّةٍ ... قد أثقلته حمولةٌ من عنبر فقال له: زدني، فأنشده قوله في الآذريون، وهو زهر أصفر في وسطه حمل

стр. 852

أسود، وليس بطيب الرائحة، والفرس تعظمه بالنظر، وفرشه في المنزل: كأنّ آذريونها ... والشمس فيه كاليه مداهنٌ من ذهبٍ ... فيه بقايا غاليه فصاح: واغوثاه! تالله لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ذاك إنما يصف ماعون بيته، لأنه ابن خليفة، ولكن انظر إذا وصفت ما أعرف أين يقع قولي من الناس! هل لأحد مثل قولي في قوس الغمام؟ : وساقٍ صبيحٍ للصَّبوح دعوته ... فقام وفي أجفانه سنة الغمض يطوف بكاسات العقار كأنجمٍ ... فمن بين منقضٍّ علينا ومنفضٍّ وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفًا ... على الجوِّ دكنًا والحواشي على الأرض يطرِّزه قوس السحاب بأخضرٍ ... على أحمرٍ من أصفرٍ إثر مبيضِّ كأذيال خودٍ أقبلت في غلائل ... مصبَّغةٍ والبعض أقصر من بعض وقولي في صانع الرقاق: ما أنس لا نس خبّازًا مررت به ... ..... الأبيات المتقدمة وقولي في قالي الزلابية: ومستقرٍّ على كرسيّه تعبٍ ... روحي الفداء له من منصب تعب رأيته سحرًا يقلي زلابيةً ... في رقَّة القشر والتجويف كالقصب كأنّما زيته المغليُّ حين بدا ... كالكيمياء التي قالوا ولم تصب يلقي العجين لجينًا من أنامله ... فيستحيل شبابيكًا من الذهب

стр. 853

ومن معانيه البديعة: لخالدٍ شاعرنا زوجةٌ ... لها حرٌ يبلغ مثليها قوَّامةٌ بالليل لكنّها ... تستغفر الله برجليها وقال أيضًا: يستغفر الناس بأيديهم ... وهنّ يستغفرن بالأرجل فيا له من عملٍ صالحٍ ... يرفعه الله إلى أسفل وله أيضًا: إن كنت من جهل حقّي غير معتذرٍ ... وكنت من ردّ مدحي غير متَّئب فأعطني ثمن الطِّرس الذي كتبت ... فيه القصيدة أو كفّارة الكذب ومحاسنه كثيرة. وديوان شعره رتبه الصولي على حروف الهجاء، وهو عندي في ثلاث مجلدات كبار، وكان كثير التطير وأخباره فيه كثيرة مشهورة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والسبعون بعد المائة: (١٧٥) كهزِّ الرُّدينيِّ تحت العجاج ... جرى في الأنابيب ثمَّ اضطرب على أن "ثم" واقعة فيه موقع الفاء، إذ الهزُّ متى جرى في أنابيب الرمح، يعقبه الاضطراب ولم يتراخ عنه. قال أبو حيان في "شرح التسهيل" بعد إنشاد البيت: أي: فاضطرب؛ عطف بها مفصل على مجمل، لأن جريان الهز في الأنابيب

стр. 854

هو اضطراب المهزوز، ولكن في الاضطراب تفصيل وفي الهز إجمال. انتهى. قال ابن قتيبة في أبيات "المعاني": هذا من تشبيه مشي الخيل باهتزاز الرمح، يقول: إذا هززت الرمح جرت تلك الهزة فيه حتى يضطرب كله، فكذلك هذا الفرس، ليس فيه العضو إلا وهو يعين الذي يليه، ولم يرد الاضطراب ولا الرعدة. انتهى. والبيت من قصيدة طويلة لأبي دواد الإيادي وصف فيها فرسه ومطلعها: وقد أغتدي ف بياض الصّباح ... وأعجاز ليل مولِّي الذَّنب بطرف ينازعني رأسه ... سلوف المقادة محض النَّسب طواه القنيص وتعداؤه ... وإرشاش عطفيه حتَّى شسب بعيد مدى الطَّرف خاظي البضيع ... ممرُّ المطا سمهريُّ العصب رفيع القذال كسيد الغضا ... وتمَّ الضُّلوع يجوف رحب وهاد تقدَّم لا عيب فيـ ... ـه كالجذع شذِّب عنه الكرب إذا قيد قحَّم من قاده ... وولَّت علابُّيه وأجلعبّْ كهزِّ الرُّدينيِّ بين الأكفِّ ... جرى في الأنابيب ثمَّ اضطرب غدونا نريد به الآبدات ... تؤيَّيه من بين هال وهب قوله: وأعجاز ليل ... الخ، قال شارح ديوانه: أعجازه: مآخيره، والذنب: آخره. وقوله: بطرف ينازعني: الباء متعلقة بأغتدي، والطّرف بالكسر: الفرس

стр. 855

الكريم، وينازعني: يجاذبني، ورأسه: فاعل ينازعني، ووقع في رواية السيوطي: ينازعني مر سناً، وقال: المرسن، بفتح الميم وكسر السين: الأنف، وإنما قال: ينازعني مرسناً، لأن الحبل ونحوه يقع على مرسنه، هذا كلامه. وقوله: سلوف المقادة، قال شارحه: متقدم طويل العنق، وفي القاموس: هو السريع من الخيل، ومحض النسب: أي: خالصه لم يقارف الهجنة، وقوله طواه القنيص ... الخ، أي: أضمره طلب الصيد، وإرشاش: مصدر أرش الماء، كرّشه رّشاً، أي: أرش جانباه العرق، وشسب: يبس وضمر. وقوله: بعيد مدى الطرف ... المدى: الغاية، أي: يرمي ببصره مرمى بعيداً، والخاظي: المكتنز، والبضيع اللحم، وممرُّ المطا، أي: مدمج المطا، وهو الظهر، وأصل الإمرار شدّة الفتل، والسمهري: الشديد. وقوله: رفيع القذال ... الخ، القذال: معقد العذار، والسيد بالكسر: الذئب، والغضا: نوع من الشجر يألفه الذئب، وتم الضلوع، أي: وكمل ضلوعه بجوف واسع. وقوله: وهاد تقدّم ... الخ، الهادي: العنق كالجذع في الطول، وشذّبه: ألقى عنه شذبه، وهو ما يلقى عنه من القشور والعيدان المتفرقة والكرب بفتحتين: أصول السعف الغلاظ من النخلة. وقوله: إذا قيد؛ مجهول قاده، وقحمه تقحيماً: أدخله بعنف في مهلكه والعلابي: جمع علباء، بالكسر والمد، وهو عصب العنق خاصة. قال شارحه: اجلعبَّ: امتدّ وانبسط، يقول: يجتذب قائده حتى يقحمه في كل مهلكة. ولت علابيه، أي: أنه مشرف العنق. قال أبو عمرو: اجلعبّ: اهتز واستطال. وقوله: كهزّ الرُّديني ... الخ، قال شارحه، أي: اهتزّ في القياد؛ وقالت امرأة من بنى أسد ضمت فرساً: والله، ما اهتزت مقبلة، ولا تتابعت مدبرة. جرى في الأنابيب، أي: جرى اهتزازه في أنابيبه.

стр. 856

وقوله: غدونا نريد ... الخ، قال شارحه: الآبدات: المتوحشات، والتأبيه: الدعاء، قال أبو عبيدة: التأييه: أن تقول: آه، ولا يدعى بها إلا ما بعد منهن، وهال وهلا: تجيء في موضع نهي وإيعاد، وتجيء في موضع زجر، وتجيء توقيراً، وهب: تسكين، وجاءت في موضع آخر في موضع زجر. انتهى. وأبو دواد: بضم الدال، بعدها واو غير مهموزة، واسمه جارية بن الحجاج أحد بني برد بن إياد، بكسر الهمزة، قال أبو رياش: أبو دواد من حذاقة بن زهر بن إياد، بضم الحاء المهملة، بعدها ذال معجمة، وآخره قاف، وكل من في العرب "حذافة" بالفاء، غير هذا فإنه بالقاف، وهو شاعر جاهلي قديم قال ابن قتيبة: قال بعضهم هو جارية بن الحجاج، وقال الأصمعي: هو حنظلة ابن الشرقي وكان في عصر كعب ابن مامة الإيادي الذي آثر بنصيبه من الماء رفيقه النمري، فمات عطشاً، فضرب به المثل في الجود، وبلغه عنه شيء فقال: وأتاني تقحيم كعب لي المنـ ... طق إنَّ النَّكيثة الإقحام في نظام ما كنت فيه فلا يحـ ... ـزنك قول لكلِّ حسناء ذام ولقد رابني أبن عمِّي كعب ... إنَّه قد يروم مالا يرام وفيها يقول: لا أعدُّ الإقتار عدماً ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام

стр. 857

من رجال من الأقارب بادوا ... من حذاق هم الرُّؤوس العظام فيهم للملاينين أناة ... وعرام إذا يراد عرام فعلى إثرهم تساقط نفسي ... حسرات وذكرهم لي سقام وكان أجاره بعض الملوك فأحسن إليه فضرب المثل بجار أبي دواد، قال: طرفه: إنِّي كفاني من همّ هممت به ... جار كجار الحذاقيِّ الَّذي انتصفا وهو أحد نعتات الخيل المجيدين، قال الأصمعي: هو ثلاثة: أبو دواد في الجاهلية، وطفيل، والجعديُّ. قال: العرب لا تروي شعر أبي دواد وعديّ ابن زيد، وذلك أن ألفاظهما ليست بنجدية. وقيل للحطيئة من أشعر الناس؟ قال الذي يقول: لا أعدّ الإقتار عدماً ولكن البيت ... ويتمثل من شعره بقوله: أكلَّ أمرئ تحسبين أمرأً ... ونار تحرَّق باللَّيل نارا ومما سبق إليه فأخذ عنه قوله: ترى جارنا آمناً وسطنا ... يروح بعقد وثيق السَّبب إذا ما عقدنا له ذمَّةً ... شددنا العناج وعقد الكرب

стр. 858

أخذه الحطيئة، فقال: قوم إذا عقد وأعقداً لجارهم ... شدُّوا العناج وشدُّوا فوقه الكربا إلى هنا كلام ابن قتيبة. حرف الجيم جير أنشد فيه، وهو الإنشاد السادس والسبعون بعد المائة: (١٧٦) وقلن ألا البرديُّ أوَّل مشرب ... أجل جير إن كانت رواء أسافله على أن جير فيه مؤكدة لأجل. قال المرادي في "الجنى الداني" جير بكسر الراء وفتحها، والكسر أشهر: فيها خلاف؛ منهم من قال: إنها حرف جواب بمعنى نعم، ومنهم من قال: إنها اسم بمعنى حقاً. قال ابن مالك: جير: حرف بمعنى نعم، لا اسم بمعنى حقاً لأن كل موضع وقعت فيه جير يصلح أن يقع فيه نعم، وليس كل موضع وقعت فيه نعم يصلح أن

стр. 859

يقع فيه حقاً فإلحاقها بنعم أولى، وأيضاً فإن لها سبهاً بنعم لفظاً واستعمالاً، ولذلك بنيت، ولو وافقت حقاً في الأسمية لأعربت، ولجاز أن تصحبها اللام، كما أن حقاً كذلك، ولو لم تكن بمعنى نعم لم يعطف عليها في قول الشاعر: أبي كرماً لا آلفاً جير أو نعم ... بأحسن إيفاء وأنجز موعد ولم يؤكد نعم بها في قول طفيل الغنوي: وقلن ألا البردي أول مشرب ... البيت، ولا قوبل بها في قول الراجز: إذا تقول لا ابنة العجير ... الخ. فهذا تقابل ظاهر. انتهى. والقائل باسميتها هو السرافي، وصاحب "الصحاح" وابن بري، قال الجزولي في "مقدَّمته": الجوهري: هي قسم للعرب ومعناها حقاً، قال شارحها، علم الدين الأندلسي: تقول: جير لأفعلن، بمعنى حقاً لأفعلن. قال الجوهري: هي يمين للعرب، ومعناها: أعترف وأقرُّ، كما أن معنى هيهات بعد، بنيت على الكسر على أصل التقاء الساكنين، ولم يعبأ بطلب الخفة فيها، كما في أين وكيف لأجل قلة الاستعمال، وقال السيرافي: يجوز أن تكون كسرت لأنه يحلف بها، فتقع موقع الاسم المحلوف به، فبني على الكسر للدلالة على أنه مبني غير معرب، لئلا يلتبس بيمين الله، وقد جاء فيه الفتح. قال الزمخشري: إنما وقع جير في القسم، لأن القسم والتحقيق من باب واحد، هي أخت أجل في أنها لجواب الإيجاب، ولا يجاب بها إلا بعد الاستفهام، وقد جمع بينهما الشاعر في قوله: وقلن على الفردوس أوَّل مشرب ... أجل جير إن كانت أبيحت دعاثره

стр. 860

انتهى. وبقي قول رابع لم يذكره المصنف، وهو أنها اسم فعل، وهو مذهب أبي علي نقله ياقوت في "معجم الأدباء" عنه في ترجمته في ضمن حكاية حكاها وهي: قال الأستاذ أبو العلاء الحسين بن محمد بن سهلويه في كتابه الذي سماه "أجناس الجواهر": كنت بمدينة السلام أختلف إلى أبي علي الفارسي، وكان السلطان رسم له أن ينتصب لي كل أسبوع يومين لتصحيح كتاب "التذكرة" لخزانة كافي الكفاة، فكنا إذا قرأنا أوراقاً منه تجارينا في فنون الآداب، واجتنينا من فوائد ثمار الألباب. فأجرى يوماً بعض الحاضرين ذكر الأصمعي، وأسرف في الثناء عليه، وفضله على أعيان العلماء، فرأيته كالمنكر، وكان فيما ذكر من محاسنه أن قال: من ذا الذي يجسر أن يخطئ الفحول من الشعراء غيره؟ ! فقال أبو علي: وما الذي رد عليهم؟ فقال الرجل قد: أنكر على ذي الرّمة مع إحاطته بلغات العرب، فقال أبو علي: وما الذي أنكر عليه؟ فقال قوله: وقفنا فقلنا إيه عن أمِّ سالم لأنه كان يجب أن ينونه، فقال: أما هذا فالأصمعي مخطئ فيه، وذو الرّمة مصيب، والعجب أن ابن السكيت قد وقع عليه هذا السهو في بعض ما أنشده! فقلت: إن رأى الشيخ أن يصدع لنا بجلية هذا الخطأ تفضل به، فأملى علينا: أنشد ابن السكيت [لأعرابي من بني أسد]:

стр. 861

وقائلة أسيت فقلت جير البيت ... قال ابن السيت: قوله جير، أي حقاً، وهي مخفوضة غير منوّنة، فاحتاج إلى التنوين. قال أبو علي: هذا سهو منه، لأن هذا يجري مجرى الأصوات، وباب الأصوات كلها، والمبنيات بأسرها [لا ينون]، إلا ما خص منها بعلة الفرقان فيها من نكرتها ومعرفتها؛ التنوين، فما كان منها معرفة جاء بغير تنوين، فإذا نكّرته قلت: صه ومه، تريد سكوتاً، وكذلك قول الغراب: غاق، أي: الصوت المعروف من صوته، وقال الغراب: غاق، أي: صوتاً، وكذلك: إيه يا رجل، تريد الحديث، وإيه تريد حديثاً، وزعم الأصمعي أن ذا الرّمة أخطأ في قوله: "وقفنا فقلنا إيه يا أم سالم" وكان يجب أن ينوّنه، وهذا من أوابد الأصمعي التي يقدم عليها من غير علم، فقوله: "جير" بغير تنوين في موضع قوله: فقلت الحق، وتجعله نكرة في موضع آخر فتنوّنه، فيكون معناه: قلت حقاً، ولا مدخل للضرورة في ذلك، إنما التنوين للمعنى المذكور، وبالله التوفيق. انتهى. وقال عبد القاهر في "شرح الإيضاح": ومن الأسماء المبنية على الكسر:

стр. 862

جير، ومعناه: اعترف وأقر، كما أن معنى هيهات: بعد، وبني على الكسر على أصل التقاء الساكنين. انتهى. ونقل أبو حيان في "تذكرته" عن شيخه أنه اسم فعل، قال فيها: جير: اسم فعل واقع موقع المضارع، وقال شيخنا: بمعنى أعترف، وقال أبو صدقة الأعرابي: إذا حدثك محدث فقل له: جير، أي: صدقت، وبناؤه على الكسر، ولا يفتح إذا كان اسم فعل، وتنوينه يدل على اسميته، فإذا نون كان معناه أعترف اعترافاً، وإذا لم ينون كان معناه: أعترف الاعتراف، كحال "أف" إذا نون كان المعنى: أتضجر تضجراً، وإذا لم ينون كان معناه: أتضجر التضجر. انتهى كلامه. وقد حكى ابن أبي الربيع هذه المذاهب الأربعة في جير في كتابه "الملخص". والبيت من قصيدة عدتها ستة عشر بيتاً لطفيل الخيل، وهي هذه: صحا قلبه وأقصر اليوم باطله ... وأنكره ممّا استفاد حلائله أي: قلب العاشق، وأقصر: زال، وأصله: أقصر فلان عن الباطل: إذا أمسك عنه مع القدرة عليه، وحلائله: فاعل أنكره، جمع حليلة، وهي الزوجة، ومما استفاد، أي: استحدث من الشيب، وروي أيضاً: "وأنكر شيب الرأس منه حلائله". يرين ويعرفن القوام وشيمتي ... وأنكرن ريع الرأس والشيب شامله القوم: القامة، والشيمة: الخلق، وريع الرأس، يعني: ريع الشيب، وهو أوله، وكذلك ريعان كل شيء: أوله. وكنت كما يعلمن والدهر صالح ... كصدر اليماني أخلصته صياقله

стр. 863

يريد كما يعلمن من شبابي، وأخلصته: جلته حتى خلص من الصدأ فأصبحت قد عنَّفت بالجهل أهله ... وعرّي أفراس الصبّا ورواحله قال ابن السكيت في شرحه: عنفت، أي: قلت للجاهل قبح الله رأيك، وقوله: وعري أفراس ... الخ؛ مثل، أي: عريت المراكب التي كنت أركبها. قليلاً عتابي من أتى متعمِّداً ... مسائيستي أو خالفتني شمائله يقول: قلَّ عتابي لمن تعمدني بسوء أو خالفني طبعه، ويقال: سؤته مساءة ومسائية وسوائية؛ وزن الأخيرين كعلانية سوى أنَّني قد لا أقول لمدبر ... إذا اختار صرم الحبل هل أنت واصله يقول: عزائي لا أقول لمن أدبر عني واختار الهجر: هل تصلني؟ تبصَّر خليلي هل ترى من ظعائن ... تحمَّلن أمثال النِّعاج عقائله الظعينة: المرأة إذا كانت في الهودج، وتحملن: ارتحلن، والعقيلة: الكريمة النخدرة، ومن كل شيء: أكرمه وأجوده، والنعجة هنا: البقرة الوحشية، يشبه بها النساء من جهة العين، وعقائله: مبتدأ، وأمثال: خبره، ويجوز العكس إذا قصد المبالغة. ظعائن أبرقن الخريف وشمنه ... وخفن الهمام أن تقاد قنابله قال ابن السكيت: أبرقن: رأين برق الخريف، ولا يرى برق الخريف إلا والنجم يطلع في أول الليل، وخفن الهمام؛ يقول: دخلت شهور الحرم، فخفن أن يغير عليهن، فتنكبن ناحيته وتباعدن عنه، والشيم: النظر إلى موضع الغيث. انتهى. والقنبلة كقنفذة: طائفة من الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين ونحوه. على إثر حيّ لا يرى النجم طالعاً ... من اللّيل إلاّ وهو باد منازله قال ابن السكيت: يقول: إذا رأى النجم من أول الليل، وذلك في الشتاء،

стр. 864

رحل عن الماء ولم يحضر، ولم ينزل إلا بالقفر، والنجم: الثريا، يقول: هذا الحي لا يرى النجم طالعاً بسدفة إلا رحل إلى مكان آخر يبتغي النجعة، فكأنه أبداً في قفر، لا يقيمون للمياه، هم أبداً سيارة. وهذا مثل قول جرير: يتبعن مقترباً للبرق ظعَّانا ومثله قول امرئ القيس: تشيم السَّحاب الغرَّ أين مصابه يقول: إذا وقعت سحابة قلنا: صبت بأرض كذا. شربن بعكّاش الهبابيد شربة ... وكان لها الأحفى خليطاً تزايله قال ابن السكيت: عكاش الهبابيد: ماء، والهبابيد: ماء، فجمعه بما حوله. والأحفى: بلد، أي: زايلته كما تزايل الخليط، وفي "القاموس": عكاش كرمان: جبل يناوح طمية، ومن خرافاتهم: عكاش: زوج طمية. انتهى. ويناوح: يقابل، وهما جبلان بالبادية وقال أيضاً في (هبد): كتنور: ماء بلا موضع، ووهم الجوهري، وقد يقال له: الهبابيد. انتهى. والأحفى: بالحاء المهملة وبالفاء. فلما بدا دمج وأعرض دونه ... غوارب من رمل تلوح شواكله

стр. 865

قال ابن السكيت: دمخ، بالخاء المعجمة: جبل، وغواربه: أعاليه، وشواكله: نواحيه. وقلن ألا البرديُّ أوّل مشرب ... أجل جير إن كانت رواءً أسافله معطوف على مدخول "لما" قال ابن السكيت: البردي: يعني غديراً ينبت البردي، وجير: في معنى أجل وحقاً. انتهى وألا للاستفتاح والتنبيه، كذا قال من تكلم على هذا البيت، وعندي أن الهمزة للاستفهام عن النفي، والتقدير: أليس البردي أول مشرب؟ فقيل لهن: نعم إن كان سقي بالمطر. قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": البردي: غدير لبني كلاب، وأنشد هذا البيت، ولم يذكرها ياقوت في "معجم البلدان" وليست مذكورة بهذا المعنى في "الصحاح، والتهذيب، والجمهرة، والعباب، والقاموس" والبردي: مبتدأ، وأول مشرب: خبره، والجملة مقول القول، وقوله: أجل جير .. الخ، مقول لقول محذوف، أي: فقيل لهن: أجل، والمشرب: موضع الشرب. وقال ابن الملا: هو مصدر ميمي، ورواء بالكسر: جمع ريان، وريّا، كعطاش جمع عطشان وعطشى. وأسافل: جمع أسفل، وهو المكان المنخفض. يريد: إن اجتمع الماء في مواضعه المنخفضة حتى صار غديراً، فالبردي أول مشرب، وإلا فلا؛ فجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله. ووقع في نسخة الدماميني مصراع الشاهد كذا: "أجل جير إن كانت أبيحت دعاثره" وقال: صدره: وقلن على الفردوس أوّل مشرب وهو من قصيدة لمضرِّس بن ربعي الأسدي، وبه استشهد الزمخشري في "المفصل" والرضي في "شرح الكافية". قال ابن المستوفي في "شرح أبيات

стр. 866

المفصل": يعني: قال النساء: إن ارتحلنا عن هذا الماء فإن أول مشرب نرده الفردوس قال الجوهري: والفردوس: اسم روضة دون اليمامة، والهاء في "دعاثره" يجوز أن تعود على الفردوس، وعلى المشرب. وأول مشرب: مبتدأ، وعلى الفردوس: خبره، والدعاثير: الحياض المتهدمة، جمع دعثور، وكان يجب أن يقول: دعاثيره، لكنه اضطر فحذف الياء. ثم أجبن بـ"أجل" أي: نعم إن كانت دعاثره مباحة غير ممنوعة. ويكون في "جير" وجهان، أحدهما: بدل من "أجل" بدل الشيء من الشيء، والآخر: أن يكون بمعنى حقاً، أي: نعم، أحق ذلك حقاً إن أبيحث دعاثره. انتهى. أقول: الإبدال خاص بالأسماء، وهذا إنما هو تأكيد حرف بحرف، وقوله: بمعنى حقاً: هو خلاف قول من ذهب إلى اسميته، فإنه معناه عنده: الحق، لأنه غير منون، وقال ياقوت في "معجم البلدان": قال أبو عبيد السكوني: الفردوس: ماء لبني تميم عن يمين الحاج من الكوفة، وفردوس بلالام: روضة دون اليمامة، وفردوس الإياد: في بلادي نبي يربوع. انتهى. قال ابن المستوفي: ووجدته يروى: "أن كانت" بفتح الهمزة، ويكون في موضع المفعول له، وكسر إن أولى، أي: إن أول مشرب على الفردوس كما ذكرتن، ما لم تمنع دعاثره، وهذا من تسمية الشيء بما يؤول إليه. وجواب الشرط محذوف، أي: إن كانت أبيحت دعاثره فانزلن به، ودعاثره مع إن الشرطية غير مباحة، لأن الشرط قد يقع وقد لا يقع، ومع أن المصدرية مباحة، والأول أولى بالمعنى، وإن لم يبعد المعنى مع الثانية. انتهى. وهذا البيت وإن اتشهر كذا في "الصحاح" وغيره، لم أره في شعر مضرس كذا، وإنما روايى الأصمعي وغيره كذا: وقلن ألا الفردوس أوّل محضر ... من الحيّ إن كانت أبيرت دعاثره

стр. 867

فألقت عصا التّسيار فيها وخيَّمت ... بأرجاء عذب الماء بيض حفائره جمع حفيرة، وجعلها بيضأ، لأنها في غير أرض حمراء ولا سوداء، وهذا ليس فيه "أجل جير"، ولهذا قال الصاغاني عندما أنشد بيت طفيل شاهداً لجير ما نصه: وقد غير النحاة هذا الشاهد وجعلوه خنشى: وقلن على الفردوس أوّل مشرب ... أجل جير إن كانت أبيحت دعاثره وهو مغير من شعر مضرس بن ربعي: وقلن على الفردوس أوّل محضر ... من الّحي إن كانت أبيرت دعاثره انتهى. وقد أخذ كعب بن زهير الصحابي ﵁ بيت طفيل وغير قافيته، فقال من قصيدة: وقلن ألا البردي أول مش ... نعم جير إن كانت سقته بوارقه والبارتمة: السحابة التي برقت وسكبت ماءها. وهي قصيدة عارض بها طفيلاً، وسلك سبيله، وأولها: نفى شعر الرأس القديم حوالقه ... ولاح بشيب في السواد مفارقه يقول: حلق رأسي مرور السنين، وصيرني أصلع. وأفنى شبابي صبح يوم وليلة ... وما الدهر إلا مسيه ومشارقه يعني: ليس الدهر إلا صباح ومساء فيفتياه. تبصّر خليلي هل ترى من ظعائن ... كنخل القرى أو كالسَّفين حزائقه

стр. 868

شبه الظعائن بالنخل الملتف. والحزيقة، بالحاء المهملة والزاي: الجماعة. تربَّعن روض الحزن ما بين ليَّة ... وفيحان مستكّا لهنَّ حدائقه تربعن: أكلن الربيع، وليه: موضع قرب جدة، ومستك: مشتبك ملتف. فلما رأين الجزء ودَّع أهله ... وحرَّق نيران الصَّفيح ودائقه الجزء بالضم: أن تجتزئ بالرطب والخضر عن الماء ما أمكنها، وإذا جف البقل فلا جزء، ورجع الناس إلى مياههم ومحاضرهم، والوديقة: شدة الحر، فعند ذلك يطلب الناس المياه، ويرجعون إلى الأماكن التي منها أبدوا فحينئذ يفرق الحيوان عن المرتبع. عز من رحيلاً وانتجعن على هوى ... وخفن العراق أن تجيش بوائقه جمع بائقة، وهي: الداهية والبلية، وتجيش: تغلي وتفور، وتأتي بأمر منكر. وخبِّرن ما بين الأخاديد واللِّوى ... سقته الغوادي والسَّواري طوارقه خبرن: أعلمن أن هذه المواضع قد أمطرت فأعشبت، فانتجعنها، والأخاديد: أما كن يمر بها السيل فيخرقها، فيكون فيها حفراً. واللوى: ما انقطع من الرمل، والغادية: سحابة الغداة، والسارية: سحابة الليل، والطوارق: ما جاء بالليل. فباكرن جوناً تنسج الرِّيح متنه ... تناءم تكليم المجوس غرانقه أي: ماء جوناً، وهو الأسود، فإن الماء إذا صفا خيل أنه أسود، وتنسج

стр. 869

تصفقه وتختلف عليه يميناً وشمالاً، والنئيم: صوت خفي لا يفهم، والمجوس إذا كانوا على طعام أو شراب قدّموا أفواههم، وكان كلامهم زمزمة لا يفهم. والغرنوق: طير أبيض طويل القوائم، والهاء: ضمير الجون. إذا ما أتته الرِّيح من شطر جانب ... إلى جانب حاز التراب مهارقه أتته: أتت الجون، والمهرق: الطريق، والأرض المستوية، والصحيفة من الكاغد، يقول: يصير هذا التراب إلى مهارق هذا الماء، وهي الطرق التي تصل إليه، فيكون التراب فيها، ولا يصل إلى الماء منه شيء. على كلِّ معط عطفه متزّيد ... بفضل الزّمام أو مروح تواهقه هذا متصل بقوله: "تبصر خليلي هل ترى من ظعائن" على كل بعير سهل متزيد في سيره، يجاذب فضل زمامه، ويمد عنقه فيستوعبه، وذلك لطول عنقه. ومروح: ناقة نشيطة، من المرح، وهو النشاط، والمواهقة: المباراة في السير. وقلن ألا البرديّ أوّل مشرب ... البيت ...... وقد ينبري [لي] الجهل يوماً وأنبري ... لسرب كحرّات الهجان توافقه السرب: جماعة النساء، والهجان: الكريم الشريف، وتوافقه: من الموافقه، وأنبري: أعترض. ثلاث عزيزات الكلام وناشص ... على البعل لا يخلو ولا هي عاشقه الناشص: الناشز؛ وهي المبغضة لزوجها، وقوله: لا يخلو، أي: لا يفيق من حبها أبداً، وهي لا تحبه. فأعجلنا قرب المحلِّ وبيننا .... حديثان مكتوم وسرٌّ نسارقه

стр. 870

وهذا آخر القصيدة، رواها لكعب في ديوانه أبو العباس الأحول، وقد أورد هذه القصيدة أحمد بن أبي سهل بن عاصم الحلواني في كتاب "الشعراء المنسوبين إلى أمهاتهم" لابن ملعقة، وهو سيار بن عهدة الغنوي وهو عندي بخطه، والله أعلم. ولنرجع من هنا إلى شعر طفيل؛ وبعد البيت الشاهد: تحاثثن واستعجلن كلَّ مواشك ... بلؤمته لم يعد أن شقَّ بازله هذا جواب لما، تحاثثن: تسارعن، واستعجلن: طلبن عجلته، ومواشك: مسارع. اللؤمة: بضم اللام وسكون الهمزة، قال ابن السكيت: هي متاع الإبل وما يلقى عليها من رحل ومفارش، وجملة "لم يعد": صفة لمواشك، وأن: مصدرية، أي: لم يتجاوز شق نابه، يريد أنه كامل القوة، وشق: بفتح الشين، والبازل: الناب، وإنما قال: لم يعد، لأنه إذا تجاوزه يكون ضعيف القوى لهرمه، وبزوله إنما يكون بدخوله في السنة التاسعة، وبعدها يشرع في الهرم. فباكرن جونا للعلاجيم فوقه ... مجالس غرقى لا يحلَّا ناحله يعني: ماء يضرب إلى السواد، والعلجوم: الضفدع، وقوله: غرقى، يقول: هنَّ فيما شئن من الماء، كقولك: فلان في خير قد غرق فيه. ولا يحلا: لا يطرد، والناهل: العطشان، وإنما ذاك لكثرته. إذا ما أتته الرِّيح من شطر جانب ... إلى جانب حاز التُّراب مجاوله قال ابن السكيت: مجاوله يريد جولانه، وقوله: حاز التراب، أي: جمعه. انتهى. وقد أخذ هذا البيت كعب كما تقدم. قذفن بفي من ساءهنَّ بصخرة ... وذمَّ نجيل الرُّمَّتين وناصله قال ابن السكيت: يقول: إذا بلغِّن عن إنسان ما يكرهن قلن: بفي فلان

стр. 871

الحجر، والنجيل: الحمض، ورمتان: بلد، والناصل: يعني ناصل البهمى، وهو نبت، وهذا آخر القصيدة. وطفيل الغنوي: شاعر جاهلي، قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": هو طفيل بن كعب، وكان من أوصف العرب للخيل، قال عبد الملك: من أراد ركوب الخيل فليرو شعر طفيل، وقال معاوية: دعوا لي طفيلا، وسائر الشعراء لكم. انتهى. وقال الأصمعي: كان طفيل أحد نعات الخيل وكان أكبر من النابغتين، وليس في قيس فحل أقدم منه، وكان يسمى طفيل الخيل لكثرة وصفه إياها، والمحبِّر لحسن وصفه لها، وقد أورد الآمدي في "المؤتلف والمختلف" أربعة شعراء كل منهم اسمه طفيل، أحدهم هذا. وأنشد بعده وهو الإنشاد السابع والسبعون بعد المائة: (١٧٧) إذا تقول لا أبنة العجير ... تصدق لا إذا تقول جير على أنه قابل الشاعر لا النافية في الجواب بجير، يعني أنها تصدق إذا قالت: لا، وتكذب إذا قالت: جير، وابنة العجير: فاعل تقول، ولا: مقول القول في الأول، وجير: مقول القول الثاني، والعجير: مصغر أعجر، وهو في الأصل صفة من عجر، كفرح، إذا غلظ وضخم بطنه، و"إذا" في الموضعين ظرفية، والعامل: تصدق. والبيت أورده ابن مالك في "شرح الكافية"، ومثله قول ابن الفارض: متى أوعدت أولت وإن وعدت لوت ... وإن أقسمت لا تبرئ السُّقم برَّت وهذا على الضد من قول القائل:

стр. 872

وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وأنشد بعده وهو الإنشاد الثامن والسبعون بعد المائة: (١٧٨) وقائلة أسيت فقلت جير ... أسيٌّ إنَّني من ذاك إنَّه على أنه استدل بالتنوين على اسميه جير، وخرّج على وجهين، ذكرهما المصنف تبعاً لغيره، قال المرادي في "الجنى الداني": واحتج من أثبت اسمية جير بتنوينه، ولا حجة فيه، لأنه فعل مضطر، ويحتمل أن يكون قائله أراد توكيد جير بـ"إن" التي بمعنى "نعم" فحذف همزتها، وخفف النون ويحتمل أن يكون شبَّه آخر النصف بآخر البيت، فنون تنوين الترنم، وهو لا يختص بالأسماء، بل يلحق الفعل والحرف أيضاً. قلت: أشار الشلوبين إلى هذا الاحتمال الثاني، وهو أقرب من الذي قبله. انتهى. وتقدم أن القائل باسميتها أبو علي، ويريد باسميتها كونها اسم فعل، والمستدل بالتنوين على اسميتها هو ابن بري، قال الجزولي في "مقدمته": وقال لنا أبو محمد الدليل على أنها اسم التنوين، وأنشدناه: وقائلة أسيت فقلت جير ..... البيت، وهو عبد الله أبو محمد ابن بري، والمستدل في الحقيقة هو أبو علي كما تقدم، وهو كلام جيد، وكلا التخريجين تعسف .. والبيت من أبيات أنشدها أبو علي عن ابن السكيت، وهي: وقائلة أسيت فقت جير ... أسيٌّ إنّني من ذاك إنَّه أصابهم الحما وهم عواف ... وكنَّ عليهم تعساً لهنَّه

стр. 873

فجئت قبورهم بدءاً ولمّا ... فناديت القبور فلم يجبنه وكيف تجيب أصداء وهام ... وأبدان بدرن وما نخرنه ورويت هذه الأبيات عن المفضل أيضاً، بزيادة بيت قبلها، وهو: ألا ياطال بالغربات ليلى ... وما يلقى بنو أسد بهنَّه ويا: حرف نداء، والمنادى محذوف، أي: يا قوم، والغربات: جمع غربة، بضمتين، وهي المرأة الغربية، وبدون هاء: الرجل الغريب يريد التزوج بالغربيات. وليلي: فاعل طال، وقال ابن الملا: الغربات موضع، ويرده ضمير بهنه، والباء سببية، والهاء للسكت. وقوله: وقائلة أسيت .. إلى آخره. الواو: واو رب، أي: ربّ امرأة قائلة، وأسيت، بالخطاب: جواب ربَّ، والأسى: الحزن، والإسى: الحزن يقال: أسي يأسى إسى، كرضي يرضى، رضى؛ إذا حزن. وأسىّ، كحزين وزناً ومعنى، وهو خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: أنا أسي، وخبر إنني محذوف مدلول عليه بما قبله، ومن متعلقة بذلك المحذوف؛ تعليلية، أي: إنني أسيّ من أجل ما لقي بنو أسد بسبب التزوج بالغريبات من المصائب، وكأنه اقتتل قومه مع قومها بسببها، فاسم الإشارة راجع إلى ما لقي بنو أسد بسببهن، وإنه: بمعنى نعم، والهاء للسكت. وقال ابن الملا: الإشارة للحزن، أي: إنني مخلوق من الحزن، قصداً للمبالغة، وإن الثانية للتأكيد للأولى، هذا كلامه. وقوله: أصابهم الحما، بكسر الحاء، أصله: الحمام، وهو الموت، حذف منه الميم لضرورة الشعر، وهي: ما وقع في الشعر، وإن كان عنه مندوحة، وهذا هو الصحيح في تفسير الضرورة، فلا يرد قول ابن الملا. ولك أن تقول: أين الضرورة، وهو متمكن من أن يقول: أصابهم الحمام فهم عواف؟ بسكون الميم من غير وصل على الأصل. انتهى. وعواف: جمع عاف شذوذاً، أو جمع عافية، بمعنى جماعة عافية، من

стр. 874

عفا القوم: إذا كثروا، وفي التنزيل: (حتى عفوا) [الأعراف/٩٥]، أي: كثروا، وجملة: وهم عواف: حال من هم، ولم يتنبه ابن الملا لهذا المعنى، وظن أنه من عفا المنزل بمعنى درس، ففسره بالرمم البالية، وشطب الواو بقلمه، ونزّل فاء على هم، وجعلها: فهم عواف، وهذا غير جائز في تغيير الرواية على حسب المراد! وضمير جمع الذكور في جميع المواضع لبني أسد، وضمير "كن" للنساء الغريبات، و "على" للمضرة، أي: كنّ عوناً للحمام عليهم. وقوله تعساً لهنه: دعاء عليهن: ومعناه: أتعسهن الله. قال صاحب "المصباح": والتعس، مصدر تعس تعساً، من باب نفع: أكبَّ على وجهه فهو تاعس، وتعس تعساً من باب تعب؛ لغة، [فهو تعس مثل تعب] وتتعدى هذه بالحركة وبالهمزة فيقال: تعسه الله بالفتح، وأتعسه، وفي الدعاء: تعساً له، وتعس وانتكس؛ فالتعس: أن يخر لوجهه، والنكس: أن لا يستقل بعد سقطته حتى يسقط ثانية، وهي أشد من الأولى، واللام في لهنه للتبيين، والهاء للسكت، وروي أيضاً: "وكن عليهم نحساً لعنه". فنحساً خبر كن. وهو ضد السعد، ولعنه: من اللعن، والهاء للسكت أيضاً، والجملة دعاء عليهن. وروي أيضاً: "وكرّ عليهم بخلاً فهنه"، وهذا ليس بشيء. وقوله: فجئت قبورهم بدءاً ... إلى آخره، البدء، بفتح الموحدة وسكون الدال بعدها همزة: السيد، وسمي السيد به، لأنه يبدأ به في العد إذا عدّ السادات. ومجزوم لما محذوف، والتقدير: ولما أكن بدءاً حين قتلوا، بل صرت بعدهم بدءاً وسيداً، وهذا كقول حارثة بن بدر الغداني: خلت الديار فسدت عير مسوَّد ... ومن العناء تفرُّدي بالسودد

стр. 875

وقد أورده المصنف في بحث "لما". وقوله: وكيف نجيب ... إلى آخره، هذا استبعاد منه لإجابة القبور، وتصحف على ابن الملا هاتان الكلمتان، فرأيتهما بخطة "وكنت بحيث" ولم يكتب على هذا البيت شيئاً. والأصداء: جمع صدى بالقصر، وهو ذكر البوم يسكن القبور، وكذلك الهام، وهو جمع هامة، وهو من طير الليل وقوله: وأبدان بدرن بالبناء للمفعول، أي: طعن في بوادرهم بالموت، والبادرة: النحر، وقوله: وما نخزنه، من نخر العظم نخراً، ومن باب تعب: إذا بلي وتفتت. وهذا الشعر نسبه ابن السكيت إلى رجل من بني أسد، ولم يذكر اسمه. جلل أنشد فيه وهو الإنشاد التاسع والسبعون بعد المائة: (١٧٩) قومي هم قتلوا أميم أخي ... وإذا رميت يصيبني سهمي فلئن عفوت لأعفون جللاً ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي على أن جللاً فيه بمعنى عظيم، وهذا من وظيفة اللغوي، فلا وجه له في إيراده في علم الإعراب. ولقد أجاد الدماميني في قوله: لا ينبغي للمصنف عد هذا، لأن الكلام في "جلل" المبنية على السكون، ولا تكون إلا حرفاً، وعلى تقدير أنه أراد ما هو أعم من المبنية، حتى يسهل ذكر التي هي اسم لا ينبغي أيضاً عدّها، لأن ما يذكر في هذا الباب الحروف، وما تضمن معناها من الأسماء والظروف، مما تمسّ الحاجة إلى ذكره من فعل جامد، أو اسم معرب يختص عن غيره من المعربات بحكم مثل "كل" وجلل الأسمية بمنزلة زيد وعمرو لا حكم له يختص به دون غيره. ومجرد موافقته للحرف في اللفظ لا يقتضي ذكره، وإلا فما

стр. 876

له لم يقل في "نعم": إنها تكون اسماً، وهي واحدة الأنعام، وفي "إلى": إنها تكون اسماً بمعنى النعمة، واحدة الآلاء؟ ! انتهى. على أنه ذكر جلل الحرفية غير لازم، فإنها في غاية الشذوذ، حتى إنها ليست موجودة في أمهات كتب اللغة المدونة لجمع المستعمل والوحشي والغريب والنادر والشاذ، "كالجمهرة" لابن دريد و "التهذيب" للأزهري و "المحكم" لابن سيدة و "الصحاح" للجوهري و"العباب" للصاغاني، و"القاموس" لمجد الدين، و "لسان العرب" لابن مكرم، وغيرها ككتب النوادر، منها "نوادر أبي زيد" و "نوادر القالي" و "نوادر ابن الأعرابي" وغيرها؛ فشيء لم يذكر في هذه الكتب، ولا له شاهد في كلام العرب فأي مسيس حاجة إلى ذكره، وإنما هو قول انفرد به الزجاج، وكل من ذكرها إنما نقلها منه. ولقد أفرط صاحب "رصف المباني" في قوله: إنّ "جلل" ليس لها في كلام العرب إلا معنى الجواب خاصة، يقول القائل: هل قام زيد؟ فتقول في الجواب: جلل، ومعناها: نعم حكى ذلك الزجاج في كتاب "الشجرة". انتهى. وهذا شيء يكذبه الحسّ والتنقير. والبيتان من قصدية للحارث بن وعلة الذهلي، أورد أبو تمام منها سبعة أبيات في "حماسته" وأميم: منادى مرخم أصله: يا أميمة، وكانت تحرضه على أخذ الثأر، وتلومه على تركه، فاعتذر في ذلك بما قاله. قال الخطيب التبريزي في شرحها: يقول: قومي هم الذين فجعوني بأخي، فإذا رمت الانتصار منهم عاد ذلك بالنكاية في نفسي، لأن عزّ الرّجل بعشيرته، وهذا الكلام تحزن وتفجع، وليس بإخبار، وعفوت عن الذنب: إذا صفحت عنه، يقول: إن تركت طلب الانتقام صفحت عن أمر عظيم، وإن انتقمت منهم أوهنت عظمي، والسطو: الأخذ بعنف، والجلل من الأضداد، يكون الصغير والعظيم، وهو المراد هنا.

стр. 877

انتهى. وقال الجواليقي في "شرح أدب الكاتب": المحققون من علماء العربية ينكرون الأضداد ويدفعونها، قال أبو العباس أحمد بن يحيى: ليس في كلام العرب ضد، قال: لأنه لو كان ضد كان الكلام محالاً، لأنه لا يكون الأبيض أسود، ولا الأسود أبيض، وإن اختلف اللفظ، فالمعنى يرجع إلى أصل واحد، مثل قولهم: التلعة: وهو ما علا من الأرض، وهي ما انخفض، لأنها مسيل الماء إلى الوادي، فالمسيل كله تلعة، فمرة يصير إلى أعلاه فيكون تلعة، ومرة ينحدر إلى أسفله فيكون تلعة، فقد رجع الكلام إلى أصل واحد، وإن اختلف اللفظ، وكذلك الجون، وهو الأسود، وإذا اشتد بياض الشيء حتى يغشي البصر رئي كالأسود. والجلل: العظيم والصغير لأنه شيء يزيد في النفس وينقص، ويجوز أن يكونا من لغتين. انتهى المراد منه، لأنه شرح كلمات كثيرة من هذا القبيل. قال أبو عبيد البكري فيما كتبه على "نوادر القالي": هذا الشاعر هو الحارث بن وعلة بن عبد الله، من بني جرم بن زبان، وقال إسحاق ابن إبراهيم: هو الحارث بن وعلة بن يثربي أحد بني ذهل بن شيبان، والدليل على صحة هذا النسب أن أخاه المنذر بن وعلة قتله بنو شيبان، فذلك قوله: "قومي هم قتلوا أميم أخي" وهكذا نسبه أكثر الناس، وكذا هو في "الحماسة" ولعله كان مجاوراً في جرم، ويكنى الحارث أبا خالد. انتهى. وقال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": وأما ابن وعلة، فمنهم الحارث بن علة بن الحارث الجرمي، هذا شاعر وجدت له في كتاب جرم:

стр. 878

أصبحت نهد وقد ذاقت بما ... أسلفت كأساً من السمِّ قشيب وهي أبيات ليس فيها ما يصلح للمذاكرة. ومنهم الحارث بن وعلة بن المجالد بن الزبان بن الحارث بن مالك بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة، الشاعر المشهور صاحب القصيدة المختارة التي اختار منها أبو تمام أبياناً في "الحماسة" ومنها: قومي هم قتلوا أميم أخي ... البيت. انتهى. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثمانون بعد المائة: (١٨٠) ألا كلُّ شيء سواه جلل على أن جللاً فيه بمعنى حقير، وهو من شعر لا مرئ القيس. قال ابن قتيبة في كتاب "الشعر" والأصفهاني في كتاب "الأغاني": إن امرأ القيس أتاه خبر أبيه ومقتله، وهو بدّمون من أرض اليمن، أتاه به رجل من بني عجل يقال له: عامر الأعور، فلما أخبره بذلك قال: تطاول اللَّيل علَّي دمُّون ... دمُّون إنّا معشر يمانون وإنَّنا لأهلنا محبُّون ثم قال: ضيعني صغيراً، وحملني دمه كبيراً! لا صحو اليوم، ولا سكر غداً، اليوم خمر، وغداً أمر. فذهبت مثلاً. ثم قال: خليليَّ ما في اليوم مصحى لشارب ... ولا في غد إذ كان ما كان مشرب

стр. 879

ثم شرب سبعاً، فلما صحا آلى ألية أن لا يأكل لحماً، ولا يشرب خمراً، ولا يدهن ولا يصيب امرأةً، ولا يغسل رأسه حتى يدرك بثأر أبيه، فلما جنه الليل رأى برقاً فقال. أرقت لبرق بليل أهلّ ... يضيء سناه بأعلى الجبل أتاني حديث فكذَّبته ... بأمر تزعزع منه القلل بقتل بني أسد ربَّهم ... ألاكلُّ شيء سواه جلل فأين ربيعة عن أهلها ... وأين تميم وأين الخول ألا يحضرون لدى بابه ... كما يحضرون إذا ما استهل قال ابن قتيبة: ثم استجاش بكر بن وائل فسار إليهم، وقد جاؤوا إلى كنانة، فأوقع بهم، ونجت بنو كاهل من بي أسد، فقال: يا لهف نفسي إذ خطئن كاهلا ... القاتلين الملك الحلا حلا تا لله لا يذهب شيخي باطلاً وقد ذكر امرؤ القيس في شعره أنه ظفر بهم، فتأبى ذلك عليه الشعراء. قال عبيد بن الأبرص: ياذا المخِّوفنا بقتل أبيه إذلالا وحينا أزعمت أنَّك قج قتلت سراتنا كذباً ومينا ولم يزل يسير في العرب يطلب النصر حتى خرج إلى قيصر يستمده، ونظرت

стр. 880

إليه ابنة قيصر فعشقته، فكان يأتيها وتأتيه، وفطن الطماح بن قيس الأسدي لها وكان حجر قتل أباه، فوشى به إلى الملك، فخرج امرؤ القيس متسرعاً، فبعث قيصر في طلبه رسولاً، فأدركه دون أنقرة بيوم، ومعه حلة مسمومة، فلبسها في يوم صائف، فتناثر لحمه، وتفطر جسده، ومات هناك. وقد ذكرنا قصته مع قيصر بأبسط من هذا في الإنشاد الثالث والستين بعد المائة. وكان السبب في قتل أبيه ما حكاه ابن قتيبة أن أباه حجراً كان قد ملِّك على بني أسد، فكان يأخذ منهم شيئاً معلوماً، فامتنعوا منه، فسار إليهم فأخذ أشرافهم فقلتهم بالعصي، فسمو "عبيد العصل"، وأسر منهم طائفة، فيهم عبيد بن الأبرص، فقام بين يدي الملك فقال: يا عين ما قابكي بني ... أسد هم أهل النَّدامه أهل القباب الحمر والنَّعم ... المؤبَّل والمدامه مهلاً أبيت اللَّعن مهـ ... لاً إنَّ فيما قلت آمه أنت المليك عليهم ... وهم العبيد إلى القيامه فرحمهم الملك وعفا عنهم، وردهم إلى بلادهم، حتى إذا كانوا على مسيرة يوم تهامة تكهن كاهنهم عوف بن ربيعة الأسدي، فقال: يا عبادّ قالوا: لبيك ربنا، فقال: والغلاب غير المغلب، إن دمه يثعب، وهو غداً أول من يسلب
следующие страницы →