← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

له لم يقل في "نعم": إنها تكون اسماً، وهي واحدة الأنعام، وفي "إلى": إنها تكون اسماً بمعنى النعمة، واحدة الآلاء؟ ! انتهى. على أنه ذكر جلل الحرفية غير لازم، فإنها في غاية الشذوذ، حتى إنها ليست موجودة في أمهات كتب اللغة المدونة لجمع المستعمل والوحشي والغريب والنادر والشاذ، "كالجمهرة" لابن دريد و "التهذيب" للأزهري و "المحكم" لابن سيدة و "الصحاح" للجوهري و"العباب" للصاغاني، و"القاموس" لمجد الدين، و "لسان العرب" لابن مكرم، وغيرها ككتب النوادر، منها "نوادر أبي زيد" و "نوادر القالي" و "نوادر ابن الأعرابي" وغيرها؛ فشيء لم يذكر في هذه الكتب، ولا له شاهد في كلام العرب فأي مسيس حاجة إلى ذكره، وإنما هو قول انفرد به الزجاج، وكل من ذكرها إنما نقلها منه. ولقد أفرط صاحب "رصف المباني" في قوله: إنّ "جلل" ليس لها في كلام العرب إلا معنى الجواب خاصة، يقول القائل: هل قام زيد؟ فتقول في الجواب: جلل، ومعناها: نعم حكى ذلك الزجاج في كتاب "الشجرة". انتهى. وهذا شيء يكذبه الحسّ والتنقير. والبيتان من قصدية للحارث بن وعلة الذهلي، أورد أبو تمام منها سبعة أبيات في "حماسته" وأميم: منادى مرخم أصله: يا أميمة، وكانت تحرضه على أخذ الثأر، وتلومه على تركه، فاعتذر في ذلك بما قاله. قال الخطيب التبريزي في شرحها: يقول: قومي هم الذين فجعوني بأخي، فإذا رمت الانتصار منهم عاد ذلك بالنكاية في نفسي، لأن عزّ الرّجل بعشيرته، وهذا الكلام تحزن وتفجع، وليس بإخبار، وعفوت عن الذنب: إذا صفحت عنه، يقول: إن تركت طلب الانتقام صفحت عن أمر عظيم، وإن انتقمت منهم أوهنت عظمي، والسطو: الأخذ بعنف، والجلل من الأضداد، يكون الصغير والعظيم، وهو المراد هنا.

стр. 877

انتهى. وقال الجواليقي في "شرح أدب الكاتب": المحققون من علماء العربية ينكرون الأضداد ويدفعونها، قال أبو العباس أحمد بن يحيى: ليس في كلام العرب ضد، قال: لأنه لو كان ضد كان الكلام محالاً، لأنه لا يكون الأبيض أسود، ولا الأسود أبيض، وإن اختلف اللفظ، فالمعنى يرجع إلى أصل واحد، مثل قولهم: التلعة: وهو ما علا من الأرض، وهي ما انخفض، لأنها مسيل الماء إلى الوادي، فالمسيل كله تلعة، فمرة يصير إلى أعلاه فيكون تلعة، ومرة ينحدر إلى أسفله فيكون تلعة، فقد رجع الكلام إلى أصل واحد، وإن اختلف اللفظ، وكذلك الجون، وهو الأسود، وإذا اشتد بياض الشيء حتى يغشي البصر رئي كالأسود. والجلل: العظيم والصغير لأنه شيء يزيد في النفس وينقص، ويجوز أن يكونا من لغتين. انتهى المراد منه، لأنه شرح كلمات كثيرة من هذا القبيل. قال أبو عبيد البكري فيما كتبه على "نوادر القالي": هذا الشاعر هو الحارث بن وعلة بن عبد الله، من بني جرم بن زبان، وقال إسحاق ابن إبراهيم: هو الحارث بن وعلة بن يثربي أحد بني ذهل بن شيبان، والدليل على صحة هذا النسب أن أخاه المنذر بن وعلة قتله بنو شيبان، فذلك قوله: "قومي هم قتلوا أميم أخي" وهكذا نسبه أكثر الناس، وكذا هو في "الحماسة" ولعله كان مجاوراً في جرم، ويكنى الحارث أبا خالد. انتهى. وقال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": وأما ابن وعلة، فمنهم الحارث بن علة بن الحارث الجرمي، هذا شاعر وجدت له في كتاب جرم:

стр. 878

أصبحت نهد وقد ذاقت بما ... أسلفت كأساً من السمِّ قشيب وهي أبيات ليس فيها ما يصلح للمذاكرة. ومنهم الحارث بن وعلة بن المجالد بن الزبان بن الحارث بن مالك بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة، الشاعر المشهور صاحب القصيدة المختارة التي اختار منها أبو تمام أبياناً في "الحماسة" ومنها: قومي هم قتلوا أميم أخي ... البيت. انتهى. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثمانون بعد المائة: (١٨٠) ألا كلُّ شيء سواه جلل على أن جللاً فيه بمعنى حقير، وهو من شعر لا مرئ القيس. قال ابن قتيبة في كتاب "الشعر" والأصفهاني في كتاب "الأغاني": إن امرأ القيس أتاه خبر أبيه ومقتله، وهو بدّمون من أرض اليمن، أتاه به رجل من بني عجل يقال له: عامر الأعور، فلما أخبره بذلك قال: تطاول اللَّيل علَّي دمُّون ... دمُّون إنّا معشر يمانون وإنَّنا لأهلنا محبُّون ثم قال: ضيعني صغيراً، وحملني دمه كبيراً! لا صحو اليوم، ولا سكر غداً، اليوم خمر، وغداً أمر. فذهبت مثلاً. ثم قال: خليليَّ ما في اليوم مصحى لشارب ... ولا في غد إذ كان ما كان مشرب

стр. 879

ثم شرب سبعاً، فلما صحا آلى ألية أن لا يأكل لحماً، ولا يشرب خمراً، ولا يدهن ولا يصيب امرأةً، ولا يغسل رأسه حتى يدرك بثأر أبيه، فلما جنه الليل رأى برقاً فقال. أرقت لبرق بليل أهلّ ... يضيء سناه بأعلى الجبل أتاني حديث فكذَّبته ... بأمر تزعزع منه القلل بقتل بني أسد ربَّهم ... ألاكلُّ شيء سواه جلل فأين ربيعة عن أهلها ... وأين تميم وأين الخول ألا يحضرون لدى بابه ... كما يحضرون إذا ما استهل قال ابن قتيبة: ثم استجاش بكر بن وائل فسار إليهم، وقد جاؤوا إلى كنانة، فأوقع بهم، ونجت بنو كاهل من بي أسد، فقال: يا لهف نفسي إذ خطئن كاهلا ... القاتلين الملك الحلا حلا تا لله لا يذهب شيخي باطلاً وقد ذكر امرؤ القيس في شعره أنه ظفر بهم، فتأبى ذلك عليه الشعراء. قال عبيد بن الأبرص: ياذا المخِّوفنا بقتل أبيه إذلالا وحينا أزعمت أنَّك قج قتلت سراتنا كذباً ومينا ولم يزل يسير في العرب يطلب النصر حتى خرج إلى قيصر يستمده، ونظرت

стр. 880

إليه ابنة قيصر فعشقته، فكان يأتيها وتأتيه، وفطن الطماح بن قيس الأسدي لها وكان حجر قتل أباه، فوشى به إلى الملك، فخرج امرؤ القيس متسرعاً، فبعث قيصر في طلبه رسولاً، فأدركه دون أنقرة بيوم، ومعه حلة مسمومة، فلبسها في يوم صائف، فتناثر لحمه، وتفطر جسده، ومات هناك. وقد ذكرنا قصته مع قيصر بأبسط من هذا في الإنشاد الثالث والستين بعد المائة. وكان السبب في قتل أبيه ما حكاه ابن قتيبة أن أباه حجراً كان قد ملِّك على بني أسد، فكان يأخذ منهم شيئاً معلوماً، فامتنعوا منه، فسار إليهم فأخذ أشرافهم فقلتهم بالعصي، فسمو "عبيد العصل"، وأسر منهم طائفة، فيهم عبيد بن الأبرص، فقام بين يدي الملك فقال: يا عين ما قابكي بني ... أسد هم أهل النَّدامه أهل القباب الحمر والنَّعم ... المؤبَّل والمدامه مهلاً أبيت اللَّعن مهـ ... لاً إنَّ فيما قلت آمه أنت المليك عليهم ... وهم العبيد إلى القيامه فرحمهم الملك وعفا عنهم، وردهم إلى بلادهم، حتى إذا كانوا على مسيرة يوم تهامة تكهن كاهنهم عوف بن ربيعة الأسدي، فقال: يا عبادّ قالوا: لبيك ربنا، فقال: والغلاب غير المغلب، إن دمه يثعب، وهو غداً أول من يسلب

стр. 881

قالوا: من هو ربنا؟ قال: لولا أن تجيش نفس جائشة، أنبأتكم أنه حجر ضاحية؛ فركبت بنو أسد كل صعب وذلول حتى أنتهوا إلى حجر، فوجدوه نائماً فذبحوه، وشدوا على هجائنه فاستاقوها. وكان امرؤ القيس أطرده أبوه لما صنع في الشعر بفاطمة ما صنع، وكان لها عاشقاً، فطلبها زماناً فلم يصل إليها، وكان يطلب غرة، حتى كان منها يوم الغدير بدارة جلجل ما كان، فقال: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل فلما بلغ ذلك حجراً أباه، دعا مولى له يقال له ربيعة، فقال له: اقتل امرأ القيس وأتني بعينيه، فذبح جؤذراً فأتاه بعينيه، فندم حجر على ذلك، فقال: أبيت اللعن إني لم أقتله! قال: فأتني به، فانطلق فإذا هو قد قال شعراً في رأس جبل، وهو قوله: فلا تتركنّي يا ربيع لهذه ... وكنت أراني قبلها بك واثقا فرده إلى أبيه، فنهاه عن قول الشعر. ثم إنه قال: ألا أنعم صباحاً أيُّها الطَّلل البالي فبلع ذلك أباه، فطرده إلى اليمن، وهناك بلغه مقتل أبيه. هذه رواية ابن قتيبة. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع من أول الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثمانون بعد المائة: (١٨١) رسم دار وقفت في طلله ... كدت أقضي الحياة من جلله

стр. 882

على أنه قيل: أراد الشاعر: من أجله، وقيل: أراد من عظمه في عيني، ففيه تفسيران، قال القالي في "أماليه": قرأت على أبي بكر بن دريد في كتاب "الأبواب" للأصمعي: فعلت ذاك من جلل كذا، أي: من عظمه في صدري، وقال أبو نصر: فعلت ذاك لجللك وجلالك، أي: لعظمتك في صدري، وأنشد الأصمعي لجميل: رسم دار وقفت في طلله .. البيت. وروي من غير هذا الوجه تفسير من جلله: من أجله، ويقال: فعلت ذلك من أجلك وجلك وجلالك. وأنشد الأصمعي في جلالك: وغيد نشاوى من كرى فوق شزّب ... من الليل قد نبَّهتهم من جلالك أي: من أجلك. انتهى. وقال ابن السكيت في كتاب "الأضداد": يقال: فعلته من جللك، أي: من أجل عظمتك عندي. قال جميل: "كدت أقضي الغداة من جلله"، أي: من عظمتها في صدري. وبما نقلنا يدفع قول الدّماميني: ليس الجلل بمعنى العظم حتى يفسر به، وإنما هو بمعنى العظيم، فلو قيل: أراد: من عظم أمره في عيني؛ لكان مناسباً. انتهى. وأيّ فرق بين من عظمه، ومن عظم أمره؟ ! وهل هما إلا سواء! وأعجب من هذا قول ابن الملا: وقع في "الصحاح" تفسير الجلل في البيت

стр. 883

بالعظم، لكن لا على أنه اسم جامد مما لا كلام فيه، بل على أنه من الجليل بمعنى العظيم. انتهى. ولا يخفي أن كليهما جامد، والمادة متحدة، ومعناهما متقارب. ونقل أبو حيان في "تذكرته" من "النهاية": فعلت ذلك من جللك، قال: "كدت أقضي الحياة من جلله": ومن جلالك، قال: حنيني إلى أسماء والخرق بيننا ... وإكرامي القوم العدى من جلالكا وقال الراعي: ونحن قتلنا من جلالك وائلاً ... ونحن ركبنا بالسيُّوف على عمرو ويقال: فعلت ذلك من جرّاك، مشدد الراء، ومخففها فيها، أنشد اللحياني: ومن جرّا بني أسد غضبتم ... ولو شئتم لكان لكم جوار ومن جرّائنا صرتم عبيداً ... لقوم بعد ما وطئ الخيار وفعلت ذاك من أجل كذا؛ أجل: مصدر أجل عليهم شراً يأجله أجلاً ويقال: من أجل، ومن إجلك، ومن أجلاك، ومن إجلاك، بفتح الهمزة وكسرها فيهن، ولم يرد إلا مضافاً. انتهى. وقوله: رسم دار: مجرور بربّ المحذوفة، وقد استشهدوا به لذلك، وحذف حرف الجر ضرورة، وقد أورده ابن عصفور في "الضرائر" والرسم: ما كان لاصقاً بالأرض من آثار الدار كالرماد ونحوه، والطلل: ما شخص من آثارها كالوتد

стр. 884

والأثافي، وإضافته إلى ضمير الرسم بتقدير مضاف، أي: طلل داره، وقيل: ينبغي أن يراد بالرسم هنا الأثر أو بقيته، لإضافة الطلل إلى ضميره إن لم تجعل الإضافة لأدنى ملابسة، وجملة وقفت: في موضع الصفة لرسم، وكدت: جواب رب المحذوفة، وجملة أقضي الحياة: خبر كاد، من قضيت الشيء إذا أدّيته. وروي: "كدت أقضي الغداة" من قضى فلان: إذا مات. والغداة: الضحوة؛ ظرف لأقضي. وهو أول أبيات عدتها اثنا عشر بيتاً لجميل العذري وبعده: موحشاً ما ترى به أحداً ... تنسج الريح ترب معتدله وصريعاً من الثُّمام ترى ... عارمات المدبّ في أسله بين علياء وابش وبليِّ ... والغميم الذي إلى جبله واقفاً في رباع أمّ جسير ... من ضحى يومه إلى أصله وقوله: موحشاً: حال من طلل، وهو اسم مفعول، وجملة "ما ترى به أحداً": صفة كاشفة لموحش، ونسج الريح: هبوبها من جهات شتى، فتثير التراب، فتغطي المعالم فلا تعرف، والترب بالضم: لغة في التراب، وفيها حذف مضاف، أي: ترب مكانه المعتدل، قال شارح ديوانه محمد بن السائب الكلبي في البيت الأول: من جلله، أي: من أجله، ومن جلله: من عظمه في عيني، وقال في الثاني: يقول: ما سكن منه واعتدل فالريح تقلبه وتثيره. انتهى. وروي: "تمسح الريح" يقال: مسحته الريح، إذا غيرته. وقوله: وصريعاً من الثمام ترى؛ صريعاً: مفعول ترى، أي: ملقى على الأرض، والثمام بضم المثلثة: نبت معروف في البادية. وقوله: عارمات: مبتدأ، وفي أسله: الخبر، والمدب: مجرى السيل، وعارماته: حشراته وداوبه، من عرمت العظم،

стр. 885

من باب ضرب: إذا أخذت ما عليه من اللحم أكلاً، وأسله: أطرافه. وقوله: بين علياء وابش: ظرف لصريع، ووابش، بالواو وكسر الموحدة بعدها شين معجمة: اسم هضبة. ويلي، بضم الموحدة وفتح اللام وتشديد الياء: اسم مكان، وكذا الغميم بفتح الغين المعجمة. وقوله: واقفا: حال مؤكدة لوقفت، كقوله تعالى (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) [البقرة/٦٠] والرباع: جمع ربع، وهو المنزل أينما كان، وأم جسير: بضم الجيم، وأصل: جمع أصيل، وهو ما بعد العصر، وجمعه باعتبار ساعاته. وترجمة جميل تقدمت في الإنشاد الثالث والثلاثين. حرف الحاء حاشا أنشد فيه، وهو الإنشاد الثاني والثمانون بعد المائة: (١٨٢) رأيت النَّاس ما حاشا قريشاً ... فإنَّا نحن أفضلهم فعالا على أن "ما" قد تذكر قبل "حاشا"، وهي مصدرية. قال أبو حيان في "شرح التسهيل": وقول المصنف: وربما قيل: ما حاشا، قال في الشرح: قد قيل: "ما حشاشا" في "مسند أبي أمية الطرسوسي" عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أسامة أحب الناس إلى ما حاشا فاطمة". انتهى؟ وقول المصنف: وربما قيل: ما حاشا، يوهم أن ذلك في حاشا المراد بها الاستثناء،

стр. 886

وتمثيله بما ورد في الحديث يدل على أنه أراد في الاستثناء، وقد اختلف النحويون في جواز دخول ما المصدرية على حاشا في الاستثناء، فمنع من ذلك سيبويه، قال سيبويه: لو قلت: أتوني ما حاشا زيداً، لم يكن كلاماً، وأجاز ذلك على قلة، وقد سمع ذلك من كلامهم، ومن ذلك قول الشاعر: رأيت الناس ما حاشا قريشاً ... البيت. انتهى. وأخطأ العيني في زعمه أن: "ما" في البيت نافية، كما في الحديث على تخريج المصنف، فإن مراد الشاعر تفضيل قومه على ما عدا قريشاً، لا على قريش أيضاً. ورأيت: علمت، والمفعول الثاني محذوف، أي: دوننا، وجوز الدماميني أن يكون جملة: فإنا نحن .. إلى آخره، والفاء زائدة، وفيه نظر، لأنه كان يجب فتح إن، لوقوعها موقع المفعول، وليس هذا مما يجب أن يكون جملة، وزعم العيني، وتبعه السيوطي أن رأيت من الرأي، ولهذا اكتفى بمفعول واحد، وأقول: هذا لا معنى له، فتأمل. والفعال بفتح الفاء، قال ابن الشجوي في "أماليه": هو كل فعل حسن من حلم أو سخاء أو إصلاح بين الناس أو نحو ذلك، فإن كسرت فاءه صلح لما حسن من الأفعال، وما لم يحسن. قال العيني، وتبعه السيوطي: إنه للأخطل من قصيدة، وقد راجعت ديوانه مراراً فلم أجده فيه، والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثمانون بعد المائة: (١٨٣) ولا أرى فاعلاً في النَّاس يشبهه ... ولا أحاشي من الأقوام من أحد

стр. 887

على أن أحاشي فيه ليس مضارع "حاشا" الاستثنائية، قال أبو حيان في "شرح التسهيل": وقوله: وليس "أحاشي" مضارع حاشي المستثنى بها، خلافاً للمبرد، استدل المبرد على فعلية حاشا بقول النابغة: ولا أرى فاعلاً ... البيت. قال المصنف في الشرح: هذا غلط، لأن حاشا إذا كانت فعلاً، وقصد بها الاستثناء؛ فهي واقعة موقع إلا، ومؤدبة معناها، فلا تتصرف، كمالا تتصرف عدا وخلا وليس ولا يكون، بل هي أحق بمنع التصرف، لأن فيها مع مساواتها للأربع شبهاً بحاشا الحرفية لفظاً ومعنى، وأما أحاشي فمضارع حاشيت، بمعنى: استثنيت، وهو فعل متصرف مشتق من لفظ حاشا، كما اشتق سوفت من لفظ سوف، ولوليت من لفظ لولا، ولاليت من لفظ لا، وأيهت من لفظ إيها، وأمثال ذلك كثيرة. انتهى. والبيت من قصيدة طويلة للنابغة الذبياني، مدح بها النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وتنصل بها عما قذفوه به، وهي من القصائد الاعتذاريات، وتقدم شرح أبيات منها في الإنشاد الثالث والعشرين، وشرح أبيات أخر منها في الإنشاد الواحد والتسعين. وبعده: إلاَّ سليمان إذ قال إلا له له ... قم في البريَّة فاحددها عن الفند وقوله: ولا أحاشي، أي: لا أستثني أحداً ممن يفعل الخير، فأقول: حاشا فلان. ومن زائدة، وقوله: إلا سليمان؛ هذا استثناء من قوله: من أحد، أو بدل من موضع أحد، والمراد به سليمان بن داود ﵉. وقوله: إذ قال الإله له، يريد: لكونه نبياً، وإنما خصه بالذكر لأنه كان له الملك مع النبوة، يريد: لا يشبه أحد ممن أوتي الملك إلا سليمان بن داود. وقوله: فاحددها، أي: امنع البرية، والحد: المنع، والفند، بفتح الفاء والنون:

стр. 888

خطأ الرأي والصنيع، وقال ابن الأعرابي: الظلم. وتقدمت ترجمته في الإنشاد الثالث والعشرين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثمانون بعد المائة: (١٨٤) حاشا أبا ثوبان إنَّ به ... ضنّاً على الملحاة والشَّتم على أنه روي ما بعد حاشا بالنصب وبالجر، قال أبو حيان في "شرح التسهيل": ومن الجر بحاشا قول الشاعر: حاشا أبي ثوبان إنّ أبا ... ثوبان ليس ببكمة فدم عمرو بن عبد الله إنَّ به ... ضنّاً عن الملحاة والشَّتم وأكثر النحاة يركب صدر البيت الأول على عجز الثاني، فينشدونه: حاشا أبي ثوبان إن به ... ضنّاً عن الملحاة والشَّتم وعلى الصواب أنشدهما ابن عصفور، والمصنف في الشرح. وهما للجميح الأسدي وقبلهما: وبنو رواحة ينظرون إذا ... نظر النديُّ بآنف خثم ثم استثنى فقال: حاشا أبي ثوبان ... وقال المرزوقي: رواه الضبي: "حاشا أبا ثوبان" بالنصب. انتهى. وأقول: وقد وقع للمنصف مثله في الباب الخامٍ، أنشد فيه قول عمر ابن أبي ربيعة: وناهدة الثديين قلت لها اتَّكي ... فقالت على اسم الله أمرك طاعة وأصله:

стр. 889

وناهدة الثَّديين قلت لها اتكي ... على الرَّمل من جنباته لم توسَّد فقالت على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كنت قد كلِّفت ما لم أعوَّد وممن أنشده بالتركيب أبو عبيدة، قال أبو علي في "الحجة" عند قوله تعالى: (حاشا لله) [يوسف/٣١] قال أبو عبيدة: حاش لله، وحاشا لله، تطلقونها وهي تنزيه واستثناء، وأنشد: حاشا أبي ثوبان إن به ... ضنّاً عن الملحاة والشَّتم انتهى. وكذا أنشده بالتركيب ابن جني في "المحتسب" قال: قرأ ابن مسعود: (حاشا الله) على أصل اللفظة، وهي حرف جر، قال: حاشا أبي ثوبان ... وأنشده بالتركيب، وكذا أورده صاحب "الكشاف" في "سورة يوسف" عند تلك القراءة، وفي "المفصل" أيضاً، قال ابن يعيش في شرحه: هكذا أنشده المبرد والسيرافي وغيرهما من البصريين، وفيه تخليط من جهة الرواية، وذلك أنه ركب صدره على عجز [غير] هـ، والصواب ما أنشده المفضل في "المفضليات" انتهى. وكذا قال المرادي في "الجنى اداني". وهذه رواية المفضل: يا جار نضلة قد أنى لك أن ... تسعى لجارك في بني هدم متنظِّمين جوار نضلة يا ... شاه الوجوه لذلك النَّظم وبنو رواحة ينظرون إذا ... نظر النّديُّ بآنف خثم حاشا أبي ثوبان إن أبا ... ثوبان ليس ببكمة فدم

стр. 890

عمرو بن عبد الله إنَّ به ... ضنّاً عن الملحاة والشَّتم لا تسقني إن لم أزر سمراً ... غطفان موكب جحفل دهم وبعد أن وصف الجحفل بالكثرة والشدة، وأخذ الثأر في أربعة أبيات قال: حتَّى أجازي بالذي اجترمت ... عبس بأسوأ ذلك الجرم يا نضل للضّيف الغريب وللـ ... ـجار المضيم وحامل لغرم أو من لأشعت بعد أرملة ... مثل البليَّة سملة الهدم وهذا آخر القصيدة، وعدتها ثلاثة عشر بيتاً، قال ابن الأنباري في "شرح المفضليات": كان نضلة بن الأشتر بن جحوان بن فقعس جاراً لبني عبس، فقتلوه، فقال في ذلك الجميح، وكذا قال الضبي، وقال غيره: هو أبو خالد ابن نضلة، وكان سيداً ذا مال، واجتمع من كل فخذ منهم رجل، فأخذوا قناة واحدة، ثم انتظموا أيديهم فيها، فطعنوه بها كلهم طعنة رجل واحد، لئلا تخص فخذاً واحدة بطلب دمه. وقوله: يا جار نضلة ... الخ. الجار الأول: المجير، وهو الذي يمنع ويجير، وكان سيد العشيرة إذا أجار إنسانًا لم يخفروه، والجار الثاني: المستجير والحليف والنزيل؛ نادى مجير نضلة، وذكره طلب دمه. وأني بالنون يأني: كحان يحين، أي: قرب، ويقال أيضاً: آن يئين، وأن تسعى: في تأويل مصدر فاعل لأني. وهدم بكسر الهاء: هو هدم بن عوذ بن غالب بن قطيعة –بالتصغير- ابن عبس، وبنو هدم أربعة، منهم: فاشب ابن هدم. وقوله: منتظمين: حال من بني هدم، أي: منتظمين معه في سلك واحد،

стр. 891

قال ابن الأنباري، قال أحمد بن عبيد: أي جعلوا بيوتهم حوله كالنظم ليمنعوه، فلم يمنعوه. وقال ابن الأعرابي: النظم هو نظم أيديهم بالرمح. انتهى. وعليه، يكون منصوباً على الذم. وقوله: ياشاه الوجوه، "يا" للتنبيه، والجملة بعده دعائية، أي: قبحت وجوههم لأجل ذلك النظم، ويتعدى بالتضعيف، يقال: شوه وجهه تشويهاً، أي: قبحه. وقوله: وبنو رواحة ... إلى آخره. رواحة: هو ابن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطعية بن عبس، وبنو رواحة ستة: جذيمة، وخلف، وعوير، وعمرو، وخالد، وحنظلة. قال ابن الأنبتري: الندي: المجلس، وأراد أهل الندي، والآنف: جمع أنف في القلة، وأنوف في الكثرة. والخثم، بضم الخاء المعجمة وسكون المثلثة: جمع أخثم، وهي العظيمة الكثيرة اللحم، ليست برقيقة ولا شم، عيّرهم على سبيل الذم بأن أنوافهم خثم. وقوله: حاشا أبي ثوبان ... إلى آخره، هذا مستثنى من بني رواحة، والمعنى أذّمهم وألحاهم، إلا هذا الرجل فإنه لم يفعل ما يوجب ذمه ولحيه. قال ابن الأنباري: أراد ببكمة: أبكم. انتهى. وهو بفتح الموحدة، وقيل بضمها، في "تهذيب الأزهري": يقال للرجل إذا امتنع من الكلام جهلاً أو تعمداً: بكم عن الكلام، وفي "نوادر أبي زيد": رجل أبكم، وهو العيي المفحم، قلت: وبين الأخرس والأبكم فرق، فالأخرس: الذي خلق ولا نطق له كالبهيمة، والأبكم: الذي للسانه نطق، وهو لا يعقل الجواب ولا يحسن وجه الكلام. والفدم: بفتح الفاء وسكون الدال، قال الليث: هو العيي عن الحجة والكلام. وقوله: عمرو بن عبد الله ... إلى آخره، بدل من أبي ثوبان، قال ابن الأنباري قال الضبي: أي: يضن بنفسه عن الملحاة، وهي مفعلة، من: لحوت

стр. 892

الرجل ولحيته: إذا ألحت عليه باللائمة، وهو مشتق من لحو العصا وهو قشرها. وقوله: لا تسقني ... الخ، قال ابن الأنبتري: قال الضبي: سمراً، أي: ليلاً، أي: إن لم آتهم ليلاً، والجحفل: الجيش العظيم، والدُّهم: الكثير. انتهى. وقوله: إن لم أزر، بضم الهمزة وكسر الزاي، يقال: أزاره يزيره إزارة، أي: جعله زائراً، يتعدى لمفعولين أولهما غطفان، وثانيهما موكب، وهو الجماعة ركباناً أو مشلة، من: وكب وكوبا: إذا مشى في درجان. وغطفان: هو ابن سعد ابن قيس بن عيلان بن مضر، وعبس: قبيلة من غطفان، لأن عبساً هو ابن بغيض بن ريث بن غطفان. وقوله: حتى أجازي ... الخ، حتى هنا غاية بمعنى إلى، أي: لا تسقني شيئاً إلى أن أجازي، ويجوز أن تكون بمعنى كي التعليلية للإزارة، واجترمت: اكتسب الجرم، وهو الذنب. وقوله: يا نضل؛ هو مرخم نضلة، وقوله: للضيف؛ الجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف تقديره: من للضيف، بدلالة ما بعده. والمضيم: اسم مفعول من الضيم: ، وهو الظلم، والغرم بالضم: الغرامة، يقول: كان نضلة يعين من يحمل الغرامات كالدية. وقوله: أو من لأشعت .. الخ، قال ابن الأنباري، قال الضبي: الأسعت: البائس الفقير، الذي لا ينام من الجوع والبرد، والأرملة: الفقيرة المحتاجة، والبلية: البعير الذي كان الرجل يركبه في الجاهلية، فإن مات شد عند قبره وفقئت عيناه، وشد عقاله، وجعل خطامه في وليَّته، وترك بلا علف حتى يموت، وكانوا يقولون: إن صاحبه إذا حشر يوم القيامة ركب عليه إلى المحشر. والسمل: الثوب الخلق، والهدم بالكسر: البالي من الأكسية وغيرها. انتهى. والجمح: بضم اليم وفتح الميم وآخره حاء مهملة، وهو لقب، واسمه: منقذ، اسم فاعل من أنقذ- بالذال المعجمة- ابن الطماح، بتشديد الميم، وهو

стр. 893

صاحب امرئ القيس الذي دخل معه بلاد الروم، ووشى به إلى قيصر، فصار سبباً لهلاكه، كما ذكرناه قريباً. والطماح: هو ابن قيس بن طريف بن عمرو بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. قال أبو عبيد البكري في شرح "أمالي القالي: " الجميع الأسدي: فارس شاعر جاهلي قتل يوم جبلة. انتهى. وهذا نسب نضلة: هو نضلة بن الأشتر بن جحوان -بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة- ابن فقعس بن ظريف بن عمرو بن قعين .. إلى آخر النسب المذكور. وأنشد بعده: إنَّ أباها وأبا أباها وتقدم شرحه في الإنشاد التاسع والأربعين. حتى أنشد فيه، وهو الإنشاد الخامس والثمانون بعد المائة: (١٨٥) أتت حتّاك تقصد كلَّ فجّا ... ترجِّي منك أنها لا تخيب على أن كون مجرور حتى فيه ضميراً ضرورة، والفج: الطريق الواسع، وفاعل "أتت" قيل: ضمير الناقة، وقيل: ضمير السابلة. وهذا البيت مع شهرته

стр. 894

مجهول القائل والتتمة، قال السيوطي: وفيه شاهد آخر، وهو أن "أن" المفتوحة المخففة، وقد يكون اسمها ضميراً مذكوراً لا محذوفاً. قال أبو حيان في شرح "التسهيل": أجاز الكوفيون والمبرد جرها للمضمر، واستدلوا بقول الشاعر: فلا والله لا يلقى أناس ... فتى حتّاك يا ابن أبي يزيد وهذا البيت عند بعض البصريين ضرورة، ومن أحاز أن تجر المضمر أدخلها على المضمرات المجرورات كلها، نحو: حتاي وحتاه وحتاهما وحتاكما وحتاكم وحتاهم وحتاكن، ولا ينبغي القياس على حتاك من هذا البيت، فيقال ذلك في سائر الضمائر، وانتهاء الغاية في حتاك هنا لا أفهمه، ولا أدري ما عنى هناك بجتاك، فلعل هذا البيت مصنوع. انتهى. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثمانون بعد المائة: (١٨٦) عيَّنت ليلةً فما زلت حتّى ... نصفها راجياً فعدت يؤوسا قال أبو حيان في "شرح التسهيل" قال المصنف في الشرح: والتزم الزمخشري أن يكون مجرورها آخر جزء، أو ملاقي آخر جزء، وهو غير لازم، ومن دلائل ذلك قول الشاعر: إنّ سلمى من بعد يأسي همَّت ... بوصا لو صحَّ لم تبق بوسا عيّنت ليلةً فما زلت حتَّى ... نصفها راجياً فعدت يؤوسا وما نقله عن الزمخشري هو قول أصحابنا: أكلت السمكة حتى نصفها. ولا يكون الاسم الذي انجر بها إلا آخر جزء من الشيء، نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، أو ملاقياً لآخر جزء منه، نحو: سرت النهار حتى الليل، ولو قلت: أكلت السمكة حتى وسطها، وسرت النهار حتى نصفه، لم يجز ذلك، بل إذا

стр. 895

أردت ذلك المعنى أتيت بإلى، فقلت: أكلت السمكة إلى وسطها، وسرت النهار إلى نصفه، فإلى في استعمالها لانتهاء الغاية أقعد من حتى، لأنها تدخل على كل ما جعلته انتهاء غاية، وسواء في ذلك بأن يكون آخر جزء من الشيء، أو ملاقياً لآخر جزء، أو لا يكون، ولما كانت إلى أقعد منها في ذلك، جروا بها الظاهر والمضمر، ولم يجروا بحتى إلا الظاهر. انتهى. وما استدل به المصنف من قوله: عيَّنت ليلة ... البيت، لا حجة فيه، لأنه لم يتقدم حتى ما يكون ما بعدها جزءاً له، ولا ما يكون ما بعدها ملاقياً لآخر جزء منه في الجملة المغيا العامل فيها حتى، فليس البيت نظير ما مثل به أصحابنا من قولهم: أكلت السمكة حتى وسطها، لأنه تقدم السمكة في الجملة المغيا العامل فيها بحتى، وليس الوسط آخر جزء في السمكة، ولا ملاقياً لآخر جزء منها، فلو صرح بذكر الليلة فقال: فمازلت راجياً وصلها تلك اللية حتى نصفها؛ كان ذلك حجة الزمخشري، ونحن نقول: إذا لم يتقدم في الجملة المغياة بحتى ما يصح أن يكون ما بعد حتى آخر جزء منه، أو ملاقياً آخر جزء منه، جاز أن تدخل على ما ليس بآخر جزء ولا ملاق آخر جزء إذا تقدم على الجملة المغياة ما يصلح أن يكون ما بعد حتى جزءاً من ذلك السابق على الجملة، ولا يعتبر فيه كونه آخر جزء منه، ولا ملاقياً لآخر جزء منه لذلك البيت الذي أنشده المصنف. هذا آخر كلام أبي حيان، ونقله محبّ الدين ناظر الجيش في شرحه، وقال: ولم يظهر لي ما قاله، لأن الشاعر وإن لم يصرح بذكر الليلة، فمراده: فما زلت تلك اللية. ولو لم يكن ذلك مراده لم يكن للضميَّر المضاف إليه النصف مفسّر يعود عليه. وقد قال المصنف: إن مجرور حتى بعض لما قبلها من مفهم جمع إفهاماً صريحاً أو غير صريح، ومثَّل لغير الصريح بقوله تعالى: (ليسجننَّه حتى حين) [يوسف/٣٥] والحاصل أنه لا يلزم من عدم الذكر لفظاً عدم الإرادة والتقدير. انتهى.

стр. 896

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثمانون بعد المائة: (١٨٧) ألقى الصَّحيفة كي يخفِّف رحله ... والزّاد حتَّى نعله ألقاها على أن فيه قوينة لدخول ما بعد حتى في حكم ما قبلها، وهي قوله: ألقاها، إذ أنه يقتضي أن النعل ملقاة قطعاً، وأنشد سيبويه على أن حتى فيه حرف جر، وأن مجرورها غاية لما قبله، كأنه قال: ألقى الصحيفة والزاد وما معه من المتاع حتى انتهى الإلقاء إلى الفعل، ويكون "ألقاها" تكرير الفعل على طريق التأكيد. ويجوز نصب نعله من وجهين؛ أحدهما: بإضمار فعل يفسره ألقاها، كأنه قال: حتى ألقى نعله ألقاها، كما يقال في الواو وغيرها من حروف العطف. وثانيهما: أن تكون للعطف بمعنى الواو، وكأنه قال: ألقى الصحيفة ونلعه، فألقاها تكرير وتوكيد، والهاء عائدة على النعل أو الصحيفة. وكذا في الجر. وفي البيت تقديم وتأخير، كأنه قال: ألقى الصحيفة، ألقاها كي يخفف رحله، والزاد حتى نعله. ويجوز الرفع وهو أن يكون مبتدأ، وألقاها في موضع الخبر، والهاء تعود إلى النعل لا غير، وحتى ابتدائية، وكذلك في الوجه الأول من النصب. وقال ابن خلف: في الرفع تكون الجملة معطوفة على الجملة المتقدمة، ورده المصنف. والصحيفة: الكتاب، والرحل هنا: الأثاث والمتاع، وقد أنكره الحريري في "درة الغواص" بهذا المعنى، ورد عليه ابن برّي فيما كتبه عليه، فقال: قال، الجوهري: الرحل منزل الرجل وما يستصحبه من الأثاث، وقد فسرت بيت متمم

стр. 897

ابن نويرة على ذلك وهو قوله: كريم الثّنا حلو الشَّمائل ماجد ... صبور على الضَّراء مشترك الرَّجل قالوا: أراد بالرحل: الأناث: ومثله قول الآخر: "ألقى الصحيفة كي يخفف رحله" قالوا: رحله: أثاثه وقماشه، والتقدير عندهم: ألقى قماشه وأثاثه، حتى ألقى نعله مع جملة أثاثه. وإنما قدروة بذلك ليصح كون ما بعد حتى في هذا الموضع جزءاً مما قبلها، وعليه فسر قوله تعالى: (قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه) [يوسف/٧٤ - ٧٥] قالوا: رحله: أثاثه، بدليل (فاستخرجها من وعاء أخيه) انتهى. وبعد هذا البيت: ومضى يظنُّ بريد عمرو خلفه ... خوفاً وفارق أرضه وقلاها والبريد: الرسول، وعمرو: هو عمرو بن هند ملك الحيرة، وقلاها: أبغضها. والبيتان إشارة إلى قصة المتلمس حين فرّ من عمرو بن هند، وكان المتلمس، قد هجاه بقوله: قولا لعمرو بن هند غير متَّئب ... يا أخدس الوجه والأضراس كالعدس ملك النهار وأمَّا الليل مومسة ... ماء الرِّجال على فخذيك كالقرس وكان طرفة بن العبد قد هجاه أيضاً بقوله من قصيدة: ليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثاً حول قبَّتنا تدور فاتصل هجاؤهما به، فلم يظهر لهما شيئاً من التغير، ثم مدحاه بعد ذلك، فكتب لهما إلى عامل بالبحرين كتابين أوهمهما أنه أمر لهما بجوائز، وهو قد

стр. 898

أمره فيهما بقتلهما، فلما وصلا إلى الحيرة، دفع المتلمس كتابه إلى غلام ليقرأه، فإذا فيه: إذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه، وادفنه حياً، فرمى المتلمس كتابه في نهر الحيرة، وهرب إلى الشام، وأما طرفة فذهب إلى عامله بكتابه، وكان فيه الأمر بقتله أيضاً فقتله. وقد ذكرنا قصتهما بأبسط من هذا في الإنشاد السابع والثلاثين بعد المائة، وفي الإنشاد الرابع والستين بعد المائة أيضاً. قال ابن خلف: وصف هذا الشاعر راكباً جهدت راحلته، فخاف أن تنقطع به، أو كان خائفاً من عدو يطلبه فخفف رحله بإلقاء ما كان عنده من كتاب وزاد ونعل، وهذا من الإفراط في الوصف، والمبالغة في الدلالة على شدة الجهد أو طلب الفوت وكان الواجب في الظاهر أن يقول: ألقى الزاد كي يخفف رحله والنعل حتى الصحيفة، فيبدأ بالأثقل محملاً، ثم يتبعه الأخف فلم يمكنه. أو يكون قدم الصحيفة، لأن الزاد والنعل أحق عنده بالإبقاء، لأن الزاد يبلغه الوجه الذي يريده، والنعل يقوم له مقام الراحلة إن عطبت فاحتاج إلى المشي، فقد قالوا: كاد المنتعل يكون راكباً. وأقول: إلقاء الصحيفة ابتداءً هو الأهم الواجب، لأنها متضمنة قتله، وهذا هو الواقع في نفس الأمر، ثم لما جدّ في الهرب خاف أن يدرك، فطرح ما يثقله من زاد ونعل وغير ذلك. والشعر لأبي مروان النحوي قاله في قصة المتلمس حين فرَّ من عمرو بن هند، حكى ذلك الأخفش عن عيسى بن عمر فيما ذكره الفارسي، ونسبه الناس، إلى المتلمس. انتهى. وكذا في "شرح أبيات الجمل" لابن السيد ونسبه ياقوت في "معجم الأدباء" إلى مروان النحوي، لا أبي مروان، قال: سمعت بعض النحويين ينسب إليه هذا الشعر، وقال في ترجمته: هو مروان بن سعيد بن عبّاد بن حبيب

стр. 899

ابن المهلب بن أبي صفرة المهلبي، أحد أصحاب الخليل المتقدمين في النحو المبرّزين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثمانون بعد المائة: (١٨٨) سقى الحيا الأرض حتَّى أمكن عزيت ... لهم فما زال عنها الخير مجدودا على أن فيه قرينة على عدم دخول ما بعد حتى في حكم ما قبلها، لأن قرينة دعائه على أمكنتهم بدوام قطع الخير عنها يقتضي عدم دخولها في الأرض المدعوّ لها بالسقيا، كذا قال ابن مالك في "شرح التسهيل" ونقله أبو حيان في شرحه. والحيا، بفتح الحاء المهملة والقصر: المطر، ويمدّ أيضاً، وعزيت: نسبت، والمجدود: المقطوع، سواء كان بالدال المهملة أو المعجمة، قال الدماميني: ولا أعلم الرواية بالبيت بالإهمال أو بالإعجام. قال المبرد في "الكامل": يقال: جددت النخل جداً: إذا صرمته [ويقال: جذذته حذاً]، وتركت الشيء جذاذاً: إذا قطعته قطعاً. ويروى هذا البيت لجرير [على وجهين]: آل المهّلب جدَّ الله دابرهم ... أضحوار ماداً فلا أصل ولا طرف ويروى "جذّ الله" وقرأ بعض القراء: (عطاءً غير مجدود) [هود/ ١٠٨] فأما قوله : (فجعلهم جذاذاً) [الأنبياء/٥٨] فلم يقرأ أحد بغيره، وينشد هذا البيت: أبى حبّي لسلمى أن يبيدا ... وأصبح حبلها خلقاً جديدا بقول: أصبح خلقاً مقطوعاً، لأن جديداً في معنى مقطوع، كقتيل وجريح. انتهى.

стр. 900

وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثمانون بعد المائة: (١٨٩) ليس العطاء من الفضول سماحةً ... حتَّى تجود وما لديك قليل على أن حتى فيه بمعنى "إلاّ" قال أبو حيان في "شرح التسهيل": ومثال المرادفة لـ"إلاّ أن" ما أنشده المصنف مستشهداً به على أن حتى بمعنى "إلا أن" قول الشاعر: ليس العطاء من الفضول ... البيت. والذي ذكره معظم النحويين في معنى حتى إذا انتصب ما بعدها أن تكون للغاية أو للتعليل، فهي تنصب عندهم على أحد هذين المعنيين، وإما أن تكون بمعنى "إلا أن" فتكون للاستثناء، وذكر هذا المصنف، وقد أغنانا ابن المصنف عن الرد على أبيه في ذلك، فقال: وأرى أنك لو جعلت "إلى أن" مكان "حتى" يعني في البيت الذي أنشده والده؛ لم يكن المعنى فاسداً. انتهى. وإذا احتمل أن تكون حتى فيه للغاية، فلا دليل في البيت على أن حتى بمعنى إلا أن. وقال ابن هشام في حديث "كل مولود يولد على الفطرة" بعد بحث كثير قال: وعندي أنه يجوز أن يكون "على الفطرة" حالاً من الضمير، و "يولد" في موضع الخبر بسبب هذه الإفادة، وحتى بمعنى "إلا أن" المنقطعة، كأنه قال: إلا أن يكون أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه، والمعنى: لكن أبواه يهوّدانه أو ينصرانه. وقد ذكطر النحويون هذا المعنى في أقسام حتى، ومنه قول امرئ القيس:

стр. 901

والله لا يذهب شيخي باطلا ... حتَّى أبير مالكاً وكاهلا المعنى: إلا أن أبير، وهو منقطع بمعنى: لكن أبي. وقال سيبويه: وأما قولهم: والله لا أفعل إلا أن تفعل، فـ"أن تفعل" في موضع نصب، وليس بمبتدأ والمعنى: حتى تفعل، وكأنه قال: أو تفعل، وقد بين أن أو تفعل إذا نصب الفعل بعدها بمعنى إلا أن؛ فهذا بيان من كلامهم. انتهى كلام أبي حيان. وقوله: وإذا احتمل أن تكون حتى فيه للغاية، فلا دليل على أن حتى بمعنى "إلا أن" قال تلميذة ناظر الجيش: لا شك أن تقدير "إلى" يلزم منه أن يكون مقصود الشاعر أن السماحة إنما يوصف بها من كان له مال كثير، فكان يجود منه إلى أن قل ماله، ثم إنه استمر يجود مع قله ماله، والظاهر أن مقصود الشاعر: أن السماحة لا يوصف بها إلا من يجود مع كونه قليل المال في الأصل، وجاد منه ابتداء، وإذا كان كذلك، تعيّن في البيت تقدير إلا أن، وامتنع تقدير إلى أن. على أن الشيخ قال: وقال ابن هشام في حديث "كل مولود يولد على الفطرة" .. إلى قوله فهذا بيان من كلامهم، ويكفي هذا نقل الشيخ عن ابن هشام، وما ذكره ابن هشام من كلام سيبويه في صحة ما ذكره المصنف، فكيف يقول الشيخ: وإما أن يكون بمعنى إلا أن فيكون للاستثناء [ذكر] هذا المصنف، ثم يقول: وقد أغنانا ابنه عن الرد على أبيه في ذلك؟ ! . انتهى. وقال الدماميني: الفضول: جمع فضل، وهو الزيادة، والمراد زيادات المال: وهي: ما لا يحتاج إليه منه، والسماحة: الجود، والمعنى: إن إعطاءك من زيادات مالك، لا يعد سماحة، إلا أن تعطي في حال قلة المال. والاستثناء على هذا منقطع والمصنف استظهره، مع أنه يحتمل للغاية، أي: إنّ انتفاء كون عطائك معدوداً من السماحة ممتد إلى زمن عطائك في حال قلة مالك، يثبت حينئذ أن إعطاءك من الفضول سماحة، باعتبار أن الجود مع الإقلال، يدل على أن السماحة غريزة لك، فيكون ما أعطيته مع وجود الثروة سماحة أيضاً، ويحتمل

стр. 902

التعليل، بأن يكون المراد بأني أحكم أن إعطاءك من الفضول ليس سماحة كي أبعثك بذلك على الجود مع الإقلال. انتهى. قال ابن الملا: وأنت تعلم أن ظهور معنى لا ينافي احتمال غيره، وإنما ينافي الاحتمال القطع. انتهى. وقال ابن وحيي: ولا يخفى أن الغاية والتعليل في غاية من البعد، وإن ذهب إلى معنى الغاية ولد ابن مالك. انتهى. والبيت ثالث أبيات ثلاثة للمقنع الكندي، أوردها أبو تمام في باب الأضياف. والمديح من "الحماسة" وهي: نزل المشيب فأين تذهب بعده ... وقد أر عويت وحان منك رحيل كان الشّباب خفيفة أيّامه ... والشَّيب تحمله عليك ثقيل ليس العطاء ... البيت. وكذا أوردها حسن بن صالح العدوي اليمني في كتاب "العباب شرح أبيات الآداب" وروى السيوطي البيت الأول كذا: ذهب الشَّباب فأين تذهب بعده ... نزل المشيب وحان منك رحيل وأما العيني، فقد قال: هذا البيت لم أقف على قائله، ولا على تتمته. ولا يخفى أن البيت الشاهد، لا مناسبة له بالبيتين قبله. وكأن أبا تمام حذف ما قبله المناسب له حسب اختياره، كما فعل في غيره، لكن شراحه لم ينبهوا عليه، وأنا لم أقف على شعر المقنع، من غير طريق أبي تمام. قال المرزوقي: يقول واعظاً لنفسه: قد مسك الكبر، فأي طريق تسلك، وأي مذهب تذهب، وقد رجعت عن جهالتك، وارتدعت عن

стр. 903

كثير مما كنت تلابسه بغباوتك، وقرب منك التحول من دار الفناء إلى دار البقاء، وقد كانت أيام الشباب طيبة الممر خفيفة المستقر، وايام الشيب البادي كريهة الظهور ثقيلة الأعباء والحمول، فعليك بما يجمع لك إلى الحمد ذخراً، وإلى ثناء الناس وشكرهم أجراً، وأعلم أن البذل مما يفضل عنك ليس بسماحة، إنما الجود أن تعطي من قليلك، وتنفق من كفايتك. وقوله: وما لديك قليل، يجوز أن يريد: والذي لديك، ويكون "ما" مبتدأ، ولديك صلته، وقليل خيره، ويجوز أن تكون "ما" نافية، وقليل، اسمه، ولديك، خبره. والمعنى: حتى تجود بكل شيء لك، فلا يبقى قليله أيضاً. انتهى. وتبعه التبريزي والطبرسي. قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": المقنع الكندي هو محمد بن عمير، وكان من أجمل الناس وجهاً، وأمدهم قامة، وكان إذا سفر عن وجهه لقع، أي: أصيب بالعين، فكان يتقنع دهره، فسمي: المقنع، وهو القائل: ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا وليسوا إلى نصري سراعاً وإن هم ... دعوني إلى نصر أتيتم شدَّا إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا يعيِّرني بالدَّين قومي وإنَّما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا انتهى. وفي البيت الأخير دليل على جواز: عيرته بكذا، والمشهور: عيرته كذا؛ وزاد صاحب "الأغاني": وهو شاعر مقل من شعراء الدولة: الأموية، وكان له محل كبر وشرف وسودد في كنده.

стр. 904

وقال الصفدي في "الوافي بالوفيات": اسمه محمد بن ظفر بن عمير. ولم أر هذه الواسطة في كتاب "الشعراء" ولا في "الأغاني" والله أعلم. قال الصفدي: وقال عبد الملك بن مروان، وهو أول خليفة ظهر منه البخل: أيُّ الشعراء أفضل؟ فقال له كثير [بن هراشة]. يعرض ببخل عبد الملك: أفضلهم المقنع الكندي حيث يقول: إنّي أحرِّض أهل البخل كلَّهم ... لو كان ينفع أهل البخل تحريضي ما قلَّ مالي إلاَّ زادني كرمًا ... حتّى يكون برزق الله تعويضي والمال يرفع من لولا دراهمه ... أمسى يقلِّب فينا طرف مخفوض لن تخرج البيض عفوًا من أكفِّهم ... إلاّ على وجع منهم وتمريض كأنَّها من جلود الباخلين بما ... عند النَّوائب تحذى بالمقاريض فقال عبد الملك، وعرف ما أراده: الله أصدق من المقنع حيث قال: (والذِّين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) [الفرقان/٦٧] وهو القائل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁: إنَّ عليّا ساد بالتكرُّم ... والحلم عند غاية التَّحلُّم هداه ربي للصِّراط الأقوم ... بأخذه الحلَّ وترك المحرم كالليث بين اللَّبوات الضَّيغم ... يرضعن أشبالاً ولما تفطم انتهى. وأنشد بعده وهو الإنشاد التسعون بعد المائة: (١٩٠) والله لا يذهب شيخي باطلا ... حتّى أبير مالكًا وكاهلا

стр. 905

لما تقدم قبله من كون حتى فيه بمعنى إلاَّ. قال الدماميني: أبير: أهلك، يقال: بار الرجل إذا هلك، وأباره الله إذا أهلكه. والغاية في البيت ممكنة، أي: لا أترك ثأره إلى أن أقتل هذين الحيين، فأترك حينئذ لحصول القصد بإهلاكهما، وكذا التعليل ممكن أيضاً، أي: لا أترك الأخذ بالثأر كي أقتل هذين الحيين. أهـ. قال ابن وحيي: لا نزاع في الاحتمال والجواز المجرد، ولكن معنى الاستثناء أمس وإن كان قليلاً في استعمال حتى فيه. وهذا من رجز قاله امرؤ القيس لما سمع أن بني أسد قتلوا أباه، وقد ذكرنا منشأ قتلهم أباه قبل هذا بعشرة شواهد عند قوله: ألا كلُّ شيء سواه جلل وأول الرجز: نحن جلبنا القرّح القوافلا ... حملننا والأسل النَّواهلا مستضربات بالحصى جوافلا ... تستثفر الأواخر الأوائلا يا لهف هند إذ خطئن كاهلا ... القاتلين الملك الحلاحلا والله لا يذهب شيخي باطلا ... حتَّى أبير مالكاً وكاهلا يا خير شيخ حسبًا ونائلا ... وخيرهم قد علموا شمائلا والقرح: جمع قارح؛ من قرح ذو الحافر يقرح بفتحتين قروحاً: انتهت

стр. 906

أسنانه، وذلك عند إكمال خمس سنين. والقوافل: بالقاف والفاء، في "الصحاح": وخيل قوافل: ضوامر، جمع قافل، من قفل يقفل بالكسر قفولاً، أي: يبس. والأسل: الرماح جمع أسلة، والنواهل: العطاش، ومستضربات: تضرب فروجها بالحصى من شدة السير، وتستثفر، أي: تضرب بالحصى أثفارها، والثفر، بفتح الثاء المثلثة والفاء: السير في مؤخر السرج. وقوله: يالهف هند، يا: للنداء، واللهف: الحزن، يريد: بالهف هند احضر فهذا وقتك، وهند: هي بنت ربيعة بن وهب، زوجة حجر والد امرئ القيس، ولما قتل خلف عليها امرؤ القيس على عادة الجاهلية. قال الصاغاني في "العباب"، وقال أبو القاسم السعدي في كتاب "مساوئ الخمر": هند هذه امرأة حجر أبي امرئ القيس، وهي أخت مارية ذات القرطين، المضروب المثل بقرطيها، وفيها يقول حسان: أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الجواد المفضل وهما ابنتا ظالم بن وهب بن الحارث، وهي التي قال فيها امرؤ القيس: يالهف هند إذ خطئن كاهلا انتهى. وزعم السيوطي أنها أخت امرئ القيس، وتبعه من جاء بعده، وهذا لم يقل به أحد. وقوله: إذ خطئن كاهلا، النون: ضمير الخيل القرح، وأراد بها أصحابها، وخطئ بالكسر وأخطا لغتان بمعنى واحد، قاله الصاغاني عن أبي عبيد. وكاهل: أبو قبيلة من أسد، وهو كاهل بن أسد بن خزيمة، وهم قتلة أبي امرئ القيس، قاله الصاغاني أيضاً. قال ابن قتيبة: لما قتل بنو أسد حجراً استجاش امرؤ القيس بكر بن وائل، فسار إليهم وقد لجؤوا إلى كنانة، فأوقع بهم، ونجت بنو كاهل من بني أسد، فقال: "يالهف نفسي إذ

стр. 907

خطئن كاهلا" والحلاحل، بضم الحاء المهملة الأولى، وكسر الثانية: السيد العظيم. وقوله: والله لا يذهب شيخي، أي: دم شيخي، وأراد بالشيخ أباه، والباطل: الهدر، وقوله: حتى أبير، روي أيضًا حتى أبيد بالدال، وهو بمعناه، يقال: باد، أي: هلك، وأباده: أهلكه. قال السيوطي: مالك وكاهل قبيلتان من بني أسد وروى السعدي في كتاب، "مساوئ الخمر": "حتى أبير عامراً وكاهلا". وقوله: يا خير شيخ، كذا رواه السعدي وغيره، وروى السيوطي: "خير معد حسبًا ونائلًا" وهذا لا يصح، لأن حجرًا من كندة، وكندة من قبائل قحطان، ومعد بن عدنان وقحطان عمود نسب قبائل اليمن، كما أن عدنان عمود نسب عرب الحجاز وما والاها، والرجل لا يفتخر إلا بقبيلته. والحسب: ما يعده الإنسان من المناقب لنفسه، والنائل: العطاء، وشمائل تمييز، ومفعول علموا محذوف، وهو جمع شمال بالكسر، وهي الطبيعة والخليقة، وروي بدله "فواضلاً". وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع من أول الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والتسعون بعد المائة: (١٩١) قهرناكم حتّى الكماة فأنتم ... لتخشوننا حتّى بنينا الأصاغرا الكماة: جمع كمي، قال صاحب "الصحاح": الكمي: الشجاع المتكمي في سلاحه، لأنه كمى نفسه، أي: سترها بالدرع والبيضة، والجمع الكماة، كأنهم جمعوا كاميًا مثل قاض وقضاة. انتهى.

стр. 908

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والتسعون بعد المائة: (١٩٢) سريت بهم حتّى تكلَّ مطيُّهم ... وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان على أن "حتى" فيه ابتدائية، وزعم ابن السيد أنها عاطفة لجملة "تكل" على جملة "سريت بهم". أقول: قاله في "شرح شواهد الجمل الزجاجية" وهذه عبارته هناك: الباء متعلقة بسريت، وهي الباء التي تعاقب همزة النقل، نحو قولك: ذهبت به وأذهبته، وتكل مطيهم: جملة في موضع خفض بحتى، وتقديرها تقدير المصدر الساد مسد الظرف، كأنه قال: إلى حين كلال مطيهم. هذا في رواية من نصب تكل، ورفعه على وجهين، أحدهما: أن ترفعه مقدراً بالماضي، بمعنى إلى أن كلت، والثاني: أن يكون بمعنى الحال. وأما من رفع فليست الجملة مخفوضة الموضع، ولكنها معطوفة على سريت، كأنه قال: سريت بهم حتى كلت، فهي حال محكية بعد زمان وقوعها، فلذلك تقدر بفعل ماض، كأنه قال: سريت بهم حتى صاروا بهذه الحال، والحال محكي بعد وقوعها، كقولك: رأيت زيدًا أمس وهو راكب، فقولك: وهو راكب، حال بالإضافة إلى وقت الركوب والرؤية، وهي ماضية بالإضافة إلى وقت إخبارك. وقوله: ما يقدن بأرسان؛ جملة في موضع رفع على خبر المبتدأ، وكأنه قال: وحتى الجياد غير مقودات، أو غير مقودة، والباء في "بأرسان" متعلقة بـ"يقدن" والسرى: سرى الليل، ومعنى ما يقدن بأرسان: أنها قد أعيت، فلا تحتاج أن تقاد، كقول الآخر: من الكلال ما يذقن عودا ... لا عقلاً تبغي ولا قيودا

стр. 909

انتهى كلامه. وإليه ذهب ابن خلف في "شرح شواهد سيبويه" عند قوله: والزاد حتى نلعه ألقاها .. البيت المتقدم، قال: نعله فيمن رفع: مبتدأ، وألقاها: خبره، وتكون الجملة معطفوة على الجملة المتقدمة، ورده المصنف بأن شرط معطوفها أن يكون جزءًا مما قبلها أو كجزء، ولا يتأتى ذلك إلا في المفردات، واعترضه الدماميني بأنه يجوز في بعض الجمل أن يكون مضمون إحداها بعضًا من مضمون أخرى، كما تقول: أكرمت زيدًا بما أقدر عليه، حتى أقمت نفسي خادمًا له، فإقامة نفسك خادمًا بعض من الإكرام بما تقدر عليه، وكذا قولك: بخل علي زيد بكل شيء حتى منعمي دانقًا، فمنع الدائنق بعض من البخل بكل شيء، وقد نص علماء المعاني على أن الجملة الثانية تنزل منزلة البعض من الأولى، كقوله تعالى: (أمدّكم بما تعلمون أمّكم بأنعام وبنين) [الشعراء/١٣٢ و ١٣٣]. انتهى. وأنشده سيبويه في موضعين من "كتابه" الأول على أن ما بعد حتى الثانية مرفوع، يعني أن حتى ابتدائية، والموضع الثاني "باب اسم الجمع" أنشده كذا: "سريت بهم حتى تكل ركابهم" وفي الموضع الأول رواه: "حتى تكل مطيهم". والبيت من قصيدة لامرئ القيس، قالها عندما تشقق لحمه من الحلة المسمومة التي أرسلها قيصر إليه، فلبسها بعد خروجه من الحمام، ومطلعها: قفانبك من ذكرى حبيب وعرفان ... ورسم عفت آياته منذ أزمان إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزَّان فإمَّا تريني في رحالة جابر ... على حرج كالقرِّ يخفق أكفاني

стр. 910

فياربَّ مكروب كررت وراءه ... وعان فككت الغلَّ عنه ففدّاني وهكذا سلَّى نفسه، وافتخر بما فعه في شبابه وصحته، إلى أن قال: ومجر كغلّان الأنيعم بالغ ... ديار العدوِّ ذي زهاء وأركان سريت بهم حتّى تكلَّ مطيّهم ... البيت وحتّى ترى الجون الذي كان باديًا ... عليه عواف من نسور وعقبان قال السعدي في كتاب "مساوئ الخمر": لما ذهب امرؤ القيس إلى قيصر يستمده لأخذ ثأره من بني أسد القاتلين أباه خف على قلب قيصر حتى نادمه، ففي ذلك يقول: ونادمت قيصر في ملكه ... فأوجهني وركبت البريدا إذا ما ازدحمنا على سكَّة ... سبقت الغرانق سبقًا بعيدا ولطف محله منه، فأدخله الحمام معه، فرأى غلفة قيصر، فقال: لقد حلفت يمينًا غير كاذبة ... أنَّك أغلف إلاّ ما جنى القمر ختانة القمر: مثل تضربه العرب للأغلف، لأن القمر لا يختن أبداً. وفي مدة منادمته لقيصر، رأته ابنة قيصر، فعشقته وراسلته وراسلها، وصار إليها، وفيها يقول: سموت إليها بعدما نام أهلها ... سموَّ حباب الماء حالاً على حال

стр. 911

وهو من قصيدة طويلة. قالوا: ولم يزل يصير إليها، ثم أخبر بذلك أصحابه، وفيهم الطمَّاح بن قيس الأسدي، فقال له: ائتنا بأمارة، فأتاه بقارورة من طيب الملك، وذلك بفضل سكره، وكان حجر أبو امرئ القيس قد قتل قيسًا أبا الطمَّاح أيام أوقع ببني أسد، فتحيل الطماح حتى أخذها، فأنفذ بها إلى قيصر، وأخبر بالحديث فعرفه، وعلم صحته. ثم إن امرأ القيس ندم على إفشاء سره إلى الطمَّاح، ففيه يقول: إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... البيت. فلما نفذ امرؤ القيس بالجيش، أتى الطمَّاح قيصروقد تغير على امرئ القيس، فقال له: أيها الملك: أهلكت جيشًا بعثته مع المطرود الذي قتل أبوه وأهل بيته، وما تريد إلى نصره! قال: فما الرأي؟ قال أن تدارك جيشك، وترده، وتبعث إلى امرئ القيس بحلة مسمومة، ففعل وعزم على امرئ القيس أن يلبسها، فدخل امرؤ القيس الحمام، فاطلَّى ولبسها، وقد رق جلده لقروح كانت به فتساقط لحمه، ورد قيصر جيشه، وقدم امرؤ القيس أنقرة، فأقام بها مدنفًا يعالج قروحه، وكان الذي حمله عندما تقرح لحمه صاحبه جابر بن حنيّ التغلبي على سرير، وإياه عنى امرؤ القيس: فإما تريني في رحالة جابر ... البيت. قال: ونزل إلى جنب جبل يقال له عسيب، وإلى جنبه قبر لابنة بعض ملوك الروم، فسأل عن القبر فأخبر به، فقال: أجارتنا إنَّ الخطوب تنوب ... وإنِّي مقيم ما أقام عسيب أجارتنا إنّا غريبان ههنا ... وكلُّ غريب للغريب نسيب فلما أيقن بالموت قال: كم طعنة مثعنجره ... وخطبة مسحنفره

стр. 912

وجفنة مدعثره ... قد غودرت بأنقره وكان هذا آخر ما تكلم به، ومات. انتهى. ومطلع القصيدة يأتي شرحه إن شاء الله تعالى، في "مذ". وقوله: فإما تريني: خطاب لامرأة، وما زائدة، أي: فإن تريني، والرحالة بالكسر، قال الأزهري: الرحالة: أكبر من السرج، وتغشى بالجلود، تكون للخيل والنجائب من الإبل. والحرج، بفتح الحاء والراء المهملتين وبالجيم: سرير الميت، أبو عبيد عن الأصمعي: الحرج: خشب يشد بعضها إلى بعض يحمل فيه الموتى، وأنشد هذا البيت، والقر بفتح القاف: مركب للنساء، وأنشد البيت أيضًا، ويخفق: يضطرب، والعاني: الأسير، والغل بالضم: واحد الأغلال، يقال في رقبته غل من حديد، والمجر، بفتح الميم وسكون الجيم: الجيش العظيم، والغلان؛ بضم الغين المعجمة: جمع غالّ، وهو نبت، والأنيعم، بالتصغير: اسم واد، شبه الجيش بنبات ذلك الوادي في الكثرة، وبما عليهم من خضرة الأسلحة، وبالغ بالجر: صفة لمجر، وديار بالنصب: مفعوله، يعني أنه لا يمكن رده عن الموضع الذي يتوجه إليه لكثرته وعزه، وإنه لا يقاومه جيش، والزهاء، بضم الزاي والمد: المقدار في العدد، يريد: إنه لا يمكن: ضبطه بالعدد، وإنما يحزر حزرًا، فيقال: زهاء مائة ألف ونحوه، والأركان: النواحي المحيطة بالجيش. وقوله: سريت بهم: هذا جواب ربَّ المقدرة في قوله: ومجر، وروي بدله: مطوت بهم، قال الجوهري: مطوت بالقوم مطوًا؛ إذا مددت بهم في السير، والكلال الإعياء، والمطية: الدابة التي تمطو في سيرها، وروى سيبويه:

стр. 913

"حتى تكل ركابهم" والركاب بالكسر: اسم جمع لراحلة، والراحلة: الجمل النجيب، والناقة النجيبة، والهاء فيه للاسمية. وروي أيضًا: "حتى تكل غزيُّهم" وهو جمع غاز، كحجيج جمع حاج، وقطين جمع قاطن. وروي أيضًا: "غزاتهم" جمع غاز أيضًا، والجياد: الخيل العتاق، جمع جواد. وقوله: ما تقاد: يجوز أن تكون مانافية، أي: لاتقاد لشدة إعيائها، أولا تحتاج أن تقاد، كما قال ابن السيد، ويجوز أن تكون زائدة، أي: أنها من شدة الإعياء تقاد، ولا تمشي من نفسها، وكذا رأيت في "شرح أبيات الإيضاح" لابن بري قال: بأرسان متعلق بـ"يقدن" أي: يخلين يسرن كيف شئن لشدة التعب وبعد السير، ويحتمل أن يريد أنهن لا ينقدن بالأرسان، وإن جررن من شدة الإعياء والتعب. انتهى. وكتب الزمخشري في حواشي "المفصل": وضع "ما يقدن" موضع الكلال، كقول أبي العلاء: ولو في عيون النازيات بأكرع فوضع النازيات بأكرع موضع الجراد. انتهى. وقوله: وحتى ترى الجون ... إلى آخره، الجون: الفرس المائل إلى السواد، وبادنًا: سمينًا، وعواف: نسور تعفوه، أي: تأتيه لأكل لحمه بعد موته. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع. وأنشد بعده وهو، والإنشاد الثالث والتسعون بعد المائة: (١٩٣) جود يمناك فاض في الخلق حتّى ... بائس دان بالإساءة دينا

стр. 914

على أن حتى فيه عاطفة، عطفت بائسًا على الخلق، وأضاف الجود إلى اليد، بل إلى اليمنى خاصة، لأن الغالب يكون الإعطاء والبذل بها، والبائس: الذي أصابه بؤس، أي: شدة، ودان بالإساءة، أي: تعبد بها، أي: اتخذها عادة وطريقًا كالدين الذي يتعبد به الإنسان، والمعنى: إن جوده عم من أساء ومن لم يسئ، قاله الدماميني. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والتسعون بعد المائة: (١٩٤) فما زالت القتلى تمجُّ دماءها ... بدجلة حتّى ماء دجلة أشكل على أن حتى فيه ابتدائية، قال الرضي: وفائدة الابتدائية أيضًا إما التحقير، كقوله: فوا عجبًا حتّى كليب تسبني أو التعظيم، كقوله: فما زالت القتلى تمجُّ دماءها ... البيت ويلزم في الأسمية أن يكون خبر المبتدأ من جنس الفعل المقدم؛ نحو ركب القوم حتى الأمير راكب، فلو قلت: حتى الأمير ضاحك، ولم تفد. انتهى. وأراد بالتعظيم المبالغة، وهو هنا تغير ماء دجلة من كثرة دماء القتلى حتى صار أشكل، وهو من الشكلة، كالحمرة وزنًا ومعنى، لكن يخالطها بياض، وهو مأخوذ من أشكل الأمر، أي: التبس.

стр. 915

فإن قيل: أين ما اشترطه من كون خبر المبتدأ بعد حتى من جنس الفعل المقدم عليه؟ قلت: ما قبل حتى في قوة قوله: فما زالت القتلى تغير ماء دجلة بالدماء. والقتلى: جمع قتيل، وتمج: تقذف، ويروى بدله: "تمور دماؤها" مضارع مار الدم: سال، ومار الشيء: تحرك بسرعة، ودماؤها: فاعله، ودجلة بفتح الدال وكسرها: النهر الذي يمرُّ ببغداد، لا ينصرف للعلمية والتأنيث، والباء بمعنى في. والبيت من قصيدة لجرير هجا ببها الأخطل، وذكر ما أوقعه الجحَّاف ببني تغلب، ومطلعها: أجدَّك لا يصحو الفؤاد المعلَّل ... وقد لاح من شيب عذار ومسحل ألا ليت أنَّ الظَّاعنين بذي الغضا ... أقاموا وبعض الآخرين تحمَّلوا فيومًا يحارين الهوى غير ماصبًا ... ويومًا ترى منهن غولًا تغوَّل وبعد بيتين قال: بكى دوبلٌ لا يرقئ الله دمعه ... ألا إنَّما يبكي من الذُّل دوبل جزعت ابن ذات القلس لما تداركت ... من الحرب أنياب عليك وكلكل فإنَّك والجحّاف يوم تحضُّه ... أردت بذاك المكث والورد أعجل سرى نحوكم ليل كأنَّ نجومه ... قناديل فيهنَّ الذُّبال المفتَّل
следующие страницы →