Полный текст (2 797 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وهو من قصيدة طويلة. قالوا: ولم يزل يصير إليها، ثم أخبر بذلك أصحابه، وفيهم الطمَّاح بن قيس الأسدي، فقال له: ائتنا بأمارة، فأتاه بقارورة من طيب الملك، وذلك بفضل سكره، وكان حجر أبو امرئ القيس قد قتل قيسًا أبا الطمَّاح أيام أوقع ببني أسد، فتحيل الطماح حتى أخذها، فأنفذ بها إلى قيصر، وأخبر بالحديث فعرفه، وعلم صحته. ثم إن امرأ القيس ندم على إفشاء سره إلى الطمَّاح، ففيه يقول: إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... البيت.
فلما نفذ امرؤ القيس بالجيش، أتى الطمَّاح قيصروقد تغير على امرئ القيس، فقال له: أيها الملك: أهلكت جيشًا بعثته مع المطرود الذي قتل أبوه وأهل بيته، وما تريد إلى نصره! قال: فما الرأي؟ قال أن تدارك جيشك، وترده، وتبعث إلى امرئ القيس بحلة مسمومة، ففعل وعزم على امرئ القيس أن يلبسها، فدخل امرؤ القيس الحمام، فاطلَّى ولبسها، وقد رق جلده لقروح كانت به فتساقط لحمه، ورد قيصر جيشه، وقدم امرؤ القيس أنقرة، فأقام بها مدنفًا يعالج قروحه، وكان الذي حمله عندما تقرح لحمه صاحبه جابر بن حنيّ التغلبي على سرير، وإياه عنى امرؤ القيس: فإما تريني في رحالة جابر ... البيت. قال: ونزل إلى جنب جبل يقال له عسيب، وإلى جنبه قبر لابنة بعض ملوك الروم، فسأل عن القبر فأخبر به، فقال:
أجارتنا إنَّ الخطوب تنوب ... وإنِّي مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنّا غريبان ههنا ... وكلُّ غريب للغريب نسيب
فلما أيقن بالموت قال:
كم طعنة مثعنجره ... وخطبة مسحنفره
стр. 912
وجفنة مدعثره ... قد غودرت بأنقره
وكان هذا آخر ما تكلم به، ومات. انتهى. ومطلع القصيدة يأتي شرحه إن شاء الله تعالى، في "مذ". وقوله: فإما تريني: خطاب لامرأة، وما زائدة، أي: فإن تريني، والرحالة بالكسر، قال الأزهري: الرحالة: أكبر من السرج، وتغشى بالجلود، تكون للخيل والنجائب من الإبل. والحرج، بفتح الحاء والراء المهملتين وبالجيم: سرير الميت، أبو عبيد عن الأصمعي: الحرج: خشب يشد بعضها إلى بعض يحمل فيه الموتى، وأنشد هذا البيت، والقر بفتح القاف: مركب للنساء، وأنشد البيت أيضًا، ويخفق: يضطرب، والعاني: الأسير، والغل بالضم: واحد الأغلال، يقال في رقبته غل من حديد، والمجر، بفتح الميم وسكون الجيم: الجيش العظيم، والغلان؛ بضم الغين المعجمة: جمع غالّ، وهو نبت، والأنيعم، بالتصغير: اسم واد، شبه الجيش بنبات ذلك الوادي في الكثرة، وبما عليهم من خضرة الأسلحة، وبالغ بالجر: صفة لمجر، وديار بالنصب: مفعوله، يعني أنه لا يمكن رده عن الموضع الذي يتوجه إليه لكثرته وعزه، وإنه لا يقاومه جيش، والزهاء، بضم الزاي والمد: المقدار في العدد، يريد: إنه لا يمكن: ضبطه بالعدد، وإنما يحزر حزرًا، فيقال: زهاء مائة ألف ونحوه، والأركان: النواحي المحيطة بالجيش.
وقوله: سريت بهم: هذا جواب ربَّ المقدرة في قوله: ومجر، وروي بدله: مطوت بهم، قال الجوهري: مطوت بالقوم مطوًا؛ إذا مددت بهم في السير، والكلال الإعياء، والمطية: الدابة التي تمطو في سيرها، وروى سيبويه:
стр. 913
"حتى تكل ركابهم" والركاب بالكسر: اسم جمع لراحلة، والراحلة: الجمل النجيب، والناقة النجيبة، والهاء فيه للاسمية. وروي أيضًا: "حتى تكل غزيُّهم" وهو جمع غاز، كحجيج جمع حاج، وقطين جمع قاطن. وروي أيضًا: "غزاتهم" جمع غاز أيضًا، والجياد: الخيل العتاق، جمع جواد. وقوله: ما تقاد: يجوز أن تكون مانافية، أي: لاتقاد لشدة إعيائها، أولا تحتاج أن تقاد، كما قال ابن السيد، ويجوز أن تكون زائدة، أي: أنها من شدة الإعياء تقاد، ولا تمشي من نفسها، وكذا رأيت في "شرح أبيات الإيضاح" لابن بري قال: بأرسان متعلق بـ"يقدن" أي: يخلين يسرن كيف شئن لشدة التعب وبعد السير، ويحتمل أن يريد أنهن لا ينقدن بالأرسان، وإن جررن من شدة الإعياء والتعب. انتهى.
وكتب الزمخشري في حواشي "المفصل": وضع "ما يقدن" موضع الكلال، كقول أبي العلاء:
ولو في عيون النازيات بأكرع
فوضع النازيات بأكرع موضع الجراد. انتهى.
وقوله: وحتى ترى الجون ... إلى آخره، الجون: الفرس المائل إلى السواد، وبادنًا: سمينًا، وعواف: نسور تعفوه، أي: تأتيه لأكل لحمه بعد موته. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع.
وأنشد بعده وهو، والإنشاد الثالث والتسعون بعد المائة:
(١٩٣) جود يمناك فاض في الخلق حتّى ... بائس دان بالإساءة دينا
стр. 914
على أن حتى فيه عاطفة، عطفت بائسًا على الخلق، وأضاف الجود إلى اليد، بل إلى اليمنى خاصة، لأن الغالب يكون الإعطاء والبذل بها، والبائس: الذي أصابه بؤس، أي: شدة، ودان بالإساءة، أي: تعبد بها، أي: اتخذها عادة وطريقًا كالدين الذي يتعبد به الإنسان، والمعنى: إن جوده عم من أساء ومن لم يسئ، قاله الدماميني.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والتسعون بعد المائة:
(١٩٤) فما زالت القتلى تمجُّ دماءها ... بدجلة حتّى ماء دجلة أشكل
على أن حتى فيه ابتدائية، قال الرضي: وفائدة الابتدائية أيضًا إما التحقير، كقوله:
فوا عجبًا حتّى كليب تسبني
أو التعظيم، كقوله:
فما زالت القتلى تمجُّ دماءها ... البيت
ويلزم في الأسمية أن يكون خبر المبتدأ من جنس الفعل المقدم؛ نحو ركب القوم حتى الأمير راكب، فلو قلت: حتى الأمير ضاحك، ولم تفد. انتهى.
وأراد بالتعظيم المبالغة، وهو هنا تغير ماء دجلة من كثرة دماء القتلى حتى صار أشكل، وهو من الشكلة، كالحمرة وزنًا ومعنى، لكن يخالطها بياض، وهو مأخوذ من أشكل الأمر، أي: التبس.
стр. 915
فإن قيل: أين ما اشترطه من كون خبر المبتدأ بعد حتى من جنس الفعل المقدم عليه؟ قلت: ما قبل حتى في قوة قوله: فما زالت القتلى تغير ماء دجلة بالدماء.
والقتلى: جمع قتيل، وتمج: تقذف، ويروى بدله: "تمور دماؤها" مضارع مار الدم: سال، ومار الشيء: تحرك بسرعة، ودماؤها: فاعله، ودجلة بفتح الدال وكسرها: النهر الذي يمرُّ ببغداد، لا ينصرف للعلمية والتأنيث، والباء بمعنى في.
والبيت من قصيدة لجرير هجا ببها الأخطل، وذكر ما أوقعه الجحَّاف ببني تغلب، ومطلعها:
أجدَّك لا يصحو الفؤاد المعلَّل ... وقد لاح من شيب عذار ومسحل
ألا ليت أنَّ الظَّاعنين بذي الغضا ... أقاموا وبعض الآخرين تحمَّلوا
فيومًا يحارين الهوى غير ماصبًا ... ويومًا ترى منهن غولًا تغوَّل
وبعد بيتين قال:
بكى دوبلٌ لا يرقئ الله دمعه ... ألا إنَّما يبكي من الذُّل دوبل
جزعت ابن ذات القلس لما تداركت ... من الحرب أنياب عليك وكلكل
فإنَّك والجحّاف يوم تحضُّه ... أردت بذاك المكث والورد أعجل
سرى نحوكم ليل كأنَّ نجومه ... قناديل فيهنَّ الذُّبال المفتَّل
стр. 916
فما انشق ضوء الصُّبح حتى تعرَّفوا ... كراديس يهديهنَّ وردٌ محجَّل
فقد قذفت من حرب قيس نساؤكم ... بأولادها منها تمام ومعجل
ومقتولة صبرًا ترى عند رجلها ... بقيرًا وأخرى ذات بعل تولول
وقد قتل الجحَّاف أزواج نسوة ... يسوق ابن خلَّاس بهنَّ وعزهل
تقول لك الثَّكلى المصاب حليلها ... أبا مالك ما في الظّعائن مغزل
حضضت على القوم الذين تركتهم ... تعلُّ الرُّدينيَّات فيهم وتنهل
عُقاب المنايا تستدير عليهم ... وشعث النَّواصي لجمهنَّ تصلصل
بدجلة إن كرُّوا فقيس وراءهم ... صفوفًا وإن راموا المخاضة أو حلوا
وما زالت القتلى تمور دماؤها ... . . . . . البيت
فإلّا تعلّق من قريش بذمَّة ... فليس على أسياف قيس معوَّل
لنا الفضل في الدُّنيا وأنفك راغم ... ونحن لكم يوم القيامة أفضل
أجار بنو مروان منهم دماءكم ... فمن من بني مروان أعلا وأفضل
وهذا آخر القصيد، وتركنا منها ثلاثة أبيات لا غير.
قوله: أجدَّك، يريد: أحقًّا منك هذا، والعذاران: العارضان، والمسحل بكسر الميم: ما تحت الذقن، فيومًا يجارين الهوى، بالراء المهملة، قال شارح ديوانه: مجاراتهن الهوى: قولهن بألسنتهن، وروي: "يدانين الهوى" وقوله: غير ماصبًا، يقول: من غير صبًا إليَّ، والتغوّل: التلون والتقتل. انتهى.
стр. 917
أشار إلى أن "ما" زائدة، ورواه سيبويه: "ويومًا توافيني الهوى غير ماضي" قال الأعلم: الشاهد فيه تحريك الياء من ماضي ضرورة، وتوافيني الهوى، أي: يوافقني الهوى منهنَّ ولا أصبو، ولا آتي مالًا يحل، ويومًا تهجر فيه فتذهب لذة الصبا واللهو، وغالته غول: إذا نائبة تذهب به فتهلكه. انتهى. وكذا أورده ابن عصفور في كتاب "الضرائر" ونقل العيني عن ابن القطاع أنه قال: الرواية الصحيحة "غير ماصبًا" وقد صحفه جماعة. انتهى.
وقوله: بكى دوبل، قال شارحه: كان الأخطل يلقب صغيرًا دوبل، وبكاؤه لقوله:
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعوَّل
وقوله: جزعت ابن ذات الفلس، رواه شارح ديوانه بالفاء، وقال: يريد أن قدرها أن تزني بلفس، ورويناه من طريق أخرى بالقاف، وهو حبل ضخم من ليف أو خوص، أراد به ونار النصارى. وابن: منادى، وتداركت: تتابعت، والكلكل: الصدر، وأراد بهما شدة الحرب، وهو ما أوقعه الجحاف ابن حكيم السلمي- بفتح الجيم وتشديد الحاء المهملة- ببني تغلب، وسببه أن عمير بن الحباب السلمي خرج على عبد الله في أول خلافته، فاجتمعت إليه قيس وعامر وكان نازلًا بالقرب من بني تغلب قبيلة الأخطل، وكانت منازلهم بين الخابور والفرات ودجلة، فأساء المجاورة مع تغلب، فوقع بينهم شرّ فما زال الحرب بينهم سجالًا إلى أن قتل بنو تغلب عميرًا، وأرسلوا برأسه إلى عبد الملك في سنة سبعين
стр. 918
من الهجرة، فأنعم على الوفد وكساهم، ثم إن الأخطل وفد على عبد الملك، فدخل عليه الجحاف، فقال عبد الملك: أتعرف هذا يا أخطل؟ قال: ومن هو؟ قال: الجحاف، فقال الأخطل:
ألا سائل الجحَّاف هل هو ثائر .. بقتلى أصيبت من سليم وعامر
حتى فرغ من القصيدة، وكان الجحاف يأكل رطبًا، فجعل النوى يتساقط من يده غيظًا، ثم أجابه فقال:
بلى سوف نبكيهم بكلِّ مهنّدٍ ... ونبكي عميرًا بالرِّماح الشَّواجر
ثم قال: يا ابن النصرانية! ما ظننتك تجترئ علي بمثل هذا، ولو كنت مأسورًا لك! فحمَّ الأخطل خوفًا منه، فقال عبد الملك: أنا جارك منه، فقال: يا أمير المؤمنين هبك أجرتني منه في اليقظة، فمن يجيرني منه في النوم؟ ! ثم قام الجحاف، ومشى يجر ثوبه وهو لا يعقل، حتى دخل بيتًا من بيوت الديوان، فقال للكاتب: أعطني طومارًا من طوامير العهود، فأتاه بطومار ليس فيه كتاب، فخرج إلى أصحابه من القيسية، فقال إن أمير المؤمنين ولاني صدقات بكر وتغلب، فلحقه زهاء ألف فارس، فسار حتى أتى الرصافة، ثم قال لمن معه: إن الأخطل قد أسمعني ما علمتم، ولست بوال، فمن كان يحب أن يغسل عنه العار فليصحبني، فإني قد آليت أن لا أغسل رأسي حتى أوقع ببني تغلب، فرجعوا غير ثلاثمائة، فسار ليلته فصبح الرحوب، وهو ماء لبني جشم بن بكر رهط الأخطل، فصادف عليه جماعة كثيرة من تغلب، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأخذ الأخطل وعليه عباءة وسخة، فظنوه عبدًا فخلوا سبيله، فخشي أن يراه من يعرفه، فرمى بنفسه في جب، فلم يزل فيه حتى انصرفت القيسية، فنجا،
стр. 919
وقتل أبوه غوث. وأسرف الجحاف في القتل، وشق البطون عن الأجنة، وفعل أمرًا عظيمًا، فلما عاد عنهم، قدم الأخطل على عبد الملك فأنشده:
لقد أوقع الجحَّاف بالبشر وقعة
والبشر بالكسر: اسم ماء. فطلب عبد الملك الجحاف، فهرب إلى الروم، فكان يتردد فيها، ثم بعث إلى بطانة عبد الملك من قيس، فطلبوا له الأمان فأمنَّه، فلما جاء ألزمه ديات من قتل، وأخذ منه الكفلاء، فسعى فيها حتى جمعها وأعطاها. ثم تنسك الجحاف بعد وصلح، ومضى حاجًا فتعلق بأستار الكعبة، وجعل يقول: اللهم اغفر لي، وما أظنك تفعل، فسمعه محمد بن الحنفية فقال: يا شيخ، قنوطك شر من ذنبك! .
وقوله: فإنك والجحاف .. إلخ، تحضه: تحثه، والمكث: البطء، والورد بالكسر: الورود، قال شارح ديوانه: يقول: أردت تأني الجحاف وإبطاءه عنكم، ووروده كان إليكم أعجل. وقوله: سرى نحوكم ليل .. إلخ، الليل هنا: الجيش الكثير، شبهه بسواد الليل، وشبه لمعان السلاح فيه بالقناديل، والذبال: جمع ذبالة، وهي القتيلة.
وقوله: فما انشق ضوء .. إلخ، الكردوس بالضم: القطعة من الخيل العظيمة، ويهديهن: يدلهن ويقودهن، والورد: الأسد، وعنى به الجحاف. وقوله: منها تمام ومعجل، ولدت لتمام الحمل، بفتح التاء وكسرها، ومعجل: اسم مفعول؛ خلاف التمام، والصبر: القتل أسرًا، والبقير: المبقور، وهو الذي شق بطنه، وتولول: تصوت وتصيح، وخلاس وعزهل: رجلان من قيس، وأبو مالك: كنية الأخطل، والمغزل كجعفر: الغزل، وهو محادثة النساء واللعب، وإنما يهزأ به، يقول: قد شغلك ما صنعت عن التغزل، والردينيات:
стр. 920
الرماح، والنهل: الشرب الأول، والعلل: الشرب الثاني، وعقاب المنايا: الراية، شبهها بالعقاب، وأراد بشعث النواصي: الخيل، واللجم: جمع لجام، وتصلصل: تصوت، وأصله تتصلصل، بتامين، وأوحلوا: صاروا في الوحل.
وقوله: فإلا تعلق: أصله تتعلق بتاءين، يقول: إن لم تتعلق بجوار قريش حتى تأمن، فليس لك عندهم جوار ولا هوداة ولا بقيا، وهذا استهزاء في معرض النصيحة، أي: إن لم تتعلق بذمة قريش، فلا طاقة لكم بسيوف قيس.
وقوله: لنا الفضل في الدنيا ... البيت، يأتي شرحه، إن شاء الله، في حرف اللام، وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والتسعون بعد المائة:
(١٩٥) فوا عجبا حتى كليب تسبني ... كأن أباها نهشل أو مجاشع
على أن حتى فيه ابتدائية، قال سيبويه في باب حتى بعد ما أنشده: فحتى ههنا بمنزلة إذا، وإنما هي ههنا كحرف من حروف الابتداء، انتهى.
قال أبو علي في "المسائل البصريات" وهي مسائل أملاها في جامع البصرة:
"حتى" ثلاثة أضرب: جارة، وعاطفة، والثالث: أن تكون داخلة على الجمل. وينصرف الكلام الذي بعدها إلى الابتداء كأما وإذا، ونحوهما في ذلك نحو قوله:
"فيا عجبًا حتى كليب تسبني" لا تخلو من أن تكون عاطفة أو جارة أو ابتدائية، فلا يجوز أن تكون عاطفة، ألا ترى لا يحسن: عجبًا وزيد منطلق، لأنك لا تشرك زيدًا في النداء، ولا تدخله أيضًا في الحديث الأول، لأنه ليس من
стр. 921
شكله، ومخالف له في جنسه، لأن النداء ليس بخبر وقد روعي في باب عطف الجمل من التشاكل والتشابه ما لا خفاء به، فإذا لم يكن من شكله لم ينعطف عليه، وإذا لم ينعطف عليه كان كأنه قال مبتدئًا: وزيد منطلق، وهذا غير سائغ، ويدلك على أنها ليست العاطفة دخول حرف العطف عليها في قوله:
وحتَّى الجياد ما يقدن بأرسان
وحرف العطف لا يدخل على مثله، فإذا كان كذلك علمت أنها بمنزلة قوله: (وأما ثمود فهديناهم) [فصلت/١٧] في أن حرف العطف دخل على حرف يصرف الكلام إلى ابتداء، فإن قلت: لم لا يجوز أن تكون الجارة، وتكون الجملة في موضع جر؟ قلنا: ذلك خطأ من غير وجه، ألا ترى أن الجمل إنما يحكم لها بمواضع من الإعراب إذا وقعت في مواضع المفردة صفات لها أو أخبارًا أو أحوالًا؟ وليس هذا من مواضع المفردة، ألا ترى أن حتى الجارة لم تضف إلى مضمر نحو: حتاك وحتاه، حيث لم تتمكن تمكن إلى؟ كما لم تضف الكاف إلى المضمر، نحو: كك ,كي؟ فإذا لم تضف إلى المضمر الذي هو اسم ولم يتعد عملها الأسماء المظهرة كانت من أن تعمل في الجمل أبعد، لأن الاتساع في إقامة الجملة مقام المفرد أشد منه في إقامة المضمر مقام المظهر، إلا ترى أن عامة المواضع يقوم المضمر فيها مقام المظهر، ولا تقوم الجمل فيها جمع مقام المفرد، بل في مواضع أقل من ذلك؟ مع هذا فإنك لو حكمت في موضع الجملة بالجر لمكان حتى للزمك تعليق حرف الجر، وحروف الجر لا تعلق، ألا ترى أنك لا تجد حرفًا من حروف الجر في موضع داخلًا على جملة كائنة في موضع جر.
وقال أبو عثمان: فإن قلت: إني أجد معنى حتى في هذه المواضع: أن
стр. 922
ما بعدها مما قبلها ومتعلق به، فهلا دل اجتماعهها في المعنى على أنهما حرف وحد؛ قيل: ليس اجتماع الحرفين في معنى واحد مما يوجب أن يكون أحدهما الآخر، بل لا ينكر أن يجتمع حرفان في معنى نحو: بل ولكن، ألا ترى أنك تستدرك بهما جميعًا، بل وأم المنقطعة، ألا ترى أنك تضرب بهما جميعًا، ونحو: لا ولن، فإنك تنفي بهما جميعًا، ونحو: هل وهمزة الاستفهام، فإذا كان كذلك؛ علمت أن الحكم بأن الجملة بعد مجرورة من فاحش الخطأ، وما تدفعه الأصول، ولا يوجه عليه شاهد، فاعرف خطأه، على أنه لو كانت الجملة التي تقع بعد حتى في موضع جر لوجب أن لا تقع الأفعال المرتفعة بعدها، بل كان بضمر بعدها "أن" فينصب الفعل بها، ويكون أن مع الفعل في موضع جر، فوقوع الفعل المرفوع بعدها إذا أريد به الحال، واشتهار ذلك وكثرته، مما يدلك ويبصرك فساد هذا القول، انتهى كلام أبي علي، بحذف ما يستغنى عنه من النظائر.
والبيت من قصيدة للفرزدق هجا بها جريرًا، وهي من النقائض، وأولها:
منّا الذي اختير الرجال سماحة ... وخيرًا إذا هبَّ الرِّياح الزعازع
ومنّا الذي أعطى الرسول عطيّة ... أسارى تميم والعيون دوامع
ومنّا خطيب لا يعاب وحامل ... أغرُّ إذا التفَّت عليه المجامع
ومنّا الذي أحيا الوئيد وغالب ... وعمرو ومنا حاجب والأقارع
ثم قال بعد أبيات مثلها:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
بهم أعتلي ما حمَّلتني مجاشع ... وأصرع أقراني الذين أصارع
стр. 923
فيا عجبًا حتى كليب تسبَّني ... البيت
إذا قيل أي النّاس شرٌّ قبيلة ... أشارت كليب بالأكفِّ الأصابع
والمطالع قد شرحناه في الشاهد الثامن بعد السبعمائة من شواهد الرضي، وقوله: ومنا الذي أعطى الرسول ... إلى آخره؛ هذا يوم بني عمرو بن جندب بن العنبر حين رد رسول الله ﷺ سبيهم، وقال عبيدة: كلمَّ الأقرع رسول الله ﷺ في أصحاب الحجرات وهم بنو عمرو بن جندب بن العنبر بن عمرو ابن تميم، فرد سبيهم، وحمل الأقوع الدماء.
ومنا خطيب لا يعاب ... الخ، الخطيب: عطارد بن حاجب بن زرارة حين وفد إلى النبي ﷺ في وفد بني تميم، والحامل: عبد الله بن حكيم من بني حوي ابن سفيان الذي حمل الحمالات يوم المربد يوم قتل مسعود بن عمرو العتكي، وقوله: ومنا الذي أحيا الوئيد ... الخ، الذي أحيا الوئيد: جد الفرزدق صعصعة بن ناجية، وقد أحيا ثلاثمائة موؤودة إلا أربعًا، وقوله: فيا عجبًا حتى كليب ... الخ، قال الخفاف في "شرح الجمل الزجاجية": شاهده رفع ما بعد حتى بالابتداء والخبر، فحتى: حرف ابتداء، وهي هنا للتحقير، والمعنى: كل الناس يسبني حتى كليب على حقارتها، ولو خفض كليبًا على المعنى لجاز، ومعناها كمعنى الجارة، ونصب عجبًا على المصدر، وتقديره، يا هؤلاء اعجبوا عجبًا، ويمكن أن يكون منادى منكورًا فيه معنى التعجب الذي يدل في الاستغاثة، كأنه قال: يا عجبًا تعال فهذا وقتك لأجل سب كليب إباي على حقارتها، كأنها ترجع إلى نهشل أو مجاشع،
стр. 924
وكليب: قبيلة، ونهشل ومجاشع ابنا دارم، ومجاشع قبيلة الفرزدق، ونهشل أعمامه، وهما أشرف من كليب.
ويروى: "فيا عجبا" بغير تنوين، وقلب الياء ألفًا وكان قبل القلب: يا عجبي، أنتهى كلامه، وكذا في "شرح أبيات الجمل" لابن هشام اللخمي.
وقال ابن السيد في "شرح أبيات الجمل" يروى: فيا عجبًا، بالتنوين وبدونه، فمن نون فله وجهان؛ أحدهما: أن يكون منادى منكورًا، والثاني: أن يكون مصدرًا، والمنادي محذوف كأنه قال: يا قوم اعجبوا عجبًا، ومن لم بنون ففيه وجهان أيضًا، أحدهما، وهو الأجود: أن يكون منادي مضافًا، على لغة من يقول: يا غلاما أقبل، كأنه قال: يا عجبا أحضر، فهذا من أوقاتك، والآخر: أن يريد: يا عجباه، وأكثر ما تستعمل هذه الزيادة في الندبة، وقد استعملت في غير ذلك، نحو:
يا مر حباه بحمار عفراء ... إذا أتى قريته بما شاء
من الشعير والحشيش والماء
انتهى، ويجتمع نسب جرير مع الفرزدق في حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، فإن الفرزدق بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع ابن دارم بن مالك بن حنظلة، وجرير: هو ابن عطية بن الخطفى، وهو حذيفة ابن بدر بن مسلمة بن كليب بن يربوع بن حنظلة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والتسعون بعد المائة:
(١٩٦) يغشون حتَّى ما تهرُّ كلابهم ... لا يسألون عن السَّواد المقبل
стр. 925
على أن حتى فيه ابتدائية، قال سيبويه في "باب حتى": ويدلك على حتى أنها من حروف الابتداء أنك تقول: حتى أنه ليفعل ذاك، كما تقول: فإذا إنه يفعل ذاك، ومثل ذلك قول حسان بن ثابت:
يغشون حتَّى لا تهرُّ كلابهم ... البيت
قال أبو علي في "تعليقته" على الكتاب: يعني: لو كانت الجارة للاسم لوجب أن تفتح إن بعدها، لأن تلك لا تدخل إلا على اسم وأن مع صلته اسم، انتهى.
وقال: وارتفع الفعل بعد حتى من حيث ارتفع الاسم، لأن حتى لو كانت الجارة ولم تكن التي هي بمنزلة حرف من حروف الابتداء، لا نتصب الفعل بعدها كما ينجر الاسم بعدها ولم يرتفع، انتهى.
وقال في "تذكرته" بعد أن أنشد هذا البيت:
اعلم أن يغشون للحال الماضية، أعني أنه حكاية لما مضى من الحال، كما كان قوله تعالى ﴿وإنَّ ليحكم بينهم يوم القيمة﴾ [النحل/١٢٤] حكاية لما يأتي من الحال، وكذلك ﴿إنّا مرسلوا الناقة﴾ [القمر/٢٧] حكاية لما مضى من الحال، ولولا تقديرك له بالحال ما صح الرفع، لأن الرفع لا يكون إلا والفعل واقع، ويغشون لا يكون إلا للحال أو للآتي، فلو قدرته للآتي لم يصح الرفع، إذا كان لا يكون الرفع إلا وما قبله واقع والآتي لا يكون واقعًا، فثبت أن يغشون للحال إذا كانت الحال واقعة، كأنه قال: من عاتهم أنهم يغشون حتى لا تهر كلابهم، أي: لا يزالون يغشون، انتهى.
وقوله: فلو قدرته للآتي لم يصح الرفع، أي: رفع الفعل الذي بعد حتى، وهو: نهر، والمراد في البيت: يغشون كثيرًا حتى ما تهر، لأن عدم الهرير
стр. 926
وهو أنس الكلاب، لا يتسبب عن مطلق الغشيان، وإنما يتسبب عن كثرة الغشيان، وقد أشار إليه شارح ديوانه بقوله: يقول: قد أنست كلابهم بكثرة من يأتيهم، فلا تهر على أحد، انتهى، وكثرة من يأتي يستلزم كثرة الإتيان، قال الأزهري في "التهذيب": الهرير: دون النباح، تقول: هر إليه، وهره، وبه يشبه نظر الكماة بعضهم إلى بعض، وفلان هره الناس، أي: كرهوا ناحيته، قال الأعشى:
أرى النّاس هرُّوني وشهِّر مدخلي ... ففي كلِّ ممشى أرصد النّاس عقربا
انتهى، ويغشون بالبناء للمفعول، أي: يقصدون للمعروف، قال الأزهري: الغاشية: السؤال الذي يغشونك يرجون فضلك ومعروفك، ثم قال وغاشية الرجل: من ينتابه من زواره وأصدقائه، انتهى، وقال أيضًا: السواد: الجماعة من الناس، والجمع: أساود، وكل شخص من متاع أو إنسان أو غيره سواد، انتهى، والمراد هنا الأول، وإنما لم يسألوا لأنهم في سعة، وأدوات قراهم موفرة مرتبة، لا يبالون بمن جاء إليهم قل أو كثر، فالمراد لا يسألون عن عدد السواد المقبل، فإن العادة بين الناس تهيئة النزل على حسب الواردين، وقطع "لا يسألون" عما قبله، لأنه استئناف بياني، كأنه قيل: ما سبب
стр. 927
كثرة الغشيان إليهم؟ ونزل منزلة الفعل اللازم، لأن المعنى: لا يصدر منهم سؤال، ولهذا لم يقدر له مفعول، لأنه لم يتعلق به غرض، وكذا بنى يغشون على المجهول، ولم يذكر الفاعل، لأنه لم يتعلق به غرض، وإنما المراد الإخبار عن كثرة تردد القاصدين إليهم.
وقد أخذ المصراع الأول داود بن سلم في مدحه حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية، روى الأصبهاني في "الأغاني" عن ابن يونس أن دواد بن سلم خرج إلى حرب بن خالد المذكور، فلما نزل به حط غلمانه متاع دواد بن سلم، وخلوا عن راحلته، فلما دخل عليه قال:
ولّما دفعت لأبوابهم ... ولا قيت حربًا لقيت النَّجاحا
رأيناه يحمده المجتدون ... ويأبي على العسر إلّا سماحا
ويغشون حتَّى ترى كلبهم ... يهاب الهرير وينسى النُّباحا
قال: فأجازه بجائزة عظيمة، ثم أستأذنه في الخروج فإذن له، فأعطاه ألف دينار، فلم يعنه أحد من غلمانه، فظن أن حربًا ساخط عليه، فرجع فأخبره بما رأى، فقال له: سلهم لم فعلوا بك [ذلك]؟ فسألهم، فقالوا: إنا ننزل من جاءنا، ولا نرحل من خرج عنا، فسمع الغاضري حديثه، فأتاه فقال له: أنا يهودي إن لم يكن الذي قال لك الغلمان أحسن من شعرك!
وداود بن سلم: مولى بني تيم بن مرة، وهو مخضرم من شعراء الدولتين الأموية والعباسية، وكان أقبح الناس وجهًا، وكان من ساكني المدينة المنورة، انتهى.
البيت من قصيدة لحسان مدح بها آل جفنة ملوك الشام، وهذه أبيات منها بعد المطلع بثلاثة أبيات:
стр. 928
لله درُّ عصابة نادمتهم ... يومًا بجلِّق في الزّمان الأول
يمشون في الحلل المضاعف نسجها ... مشي الجمال إلى الجمال البزَّل
الضَّاربون الكبش يبرق بيضه ... ضربًا يطيح له بنان المفصل
والخالطون فقيرهم بغنيِّهم ... والمنعمون على الضَّعيف المرمل
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
يغشون حتَّى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السَّواد المقبل
يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفِّق بالرَّحيق السَّلسل
يسقون درياق الرَّحيق ولم يكن ... تدعى ولا ئدهم لنقف الحنظل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شمُّ الأنوف من الطِّراز الأوَّل
فلبثت أزمانًا طوالًا فيهم ... ثمَّ ادَّكرت كأنَّني لم أفعل
إلى أن قال بعد أربعة أبيات:
إنَّ التي ناولتني فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل
كلتاهما حلب العصير فعاطني ... بزجاجة أرخامها للمفصل
قوله: لله در عصابة ... الخ، العصابة، بالكسر: الجماعة، ولله دره: كلمة مدح، والمنادمة: المجالسة على الشراب، وجلق، بكسر الجيم واللام
стр. 929
المشددة، قال الجواليقي في "المعربات": يراد به دمشق، وقيل: موضع بقرب دمشق، وقيل: أنه صورة امرأة كان يخرج الماء من فيها في قرية من قرى دمشق، وهو أعجمي معرب، وقد جاء في الشعر الفصيح، وأنشد هذا البيت؛ واليوم هنا مطلق الزمان، يريد عصرًا ودهرًا، وقوله: مشي الجمال إلى الجمال البزل، أي: يمشون برزانة ووقار، لأن البزل جمع بازل، وهو الذي استكمل سنة من الإبل، وبعده الانحطاط، ويطلق على المحنك الذي جرب الأمور وعرفها كمال المعرفة، بطريق الاستعارة، والكبش: البطل الفارس، والبيض: جمع بيضة، وهي الخوذة، والمرمل: اسم فاعل من أرمل الرجل إذا فني زاده وافتقر.
وقوله: أولاد جفنة، بفتح الجيم وسكون الفاء بعدها نون، هو أبو ملوك عرب الشام، وهو جفنة بن عمرو مز يقياء بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس ابن ثعلبة بن مازن الغساني، وهم من اليمن، وابن مارية: هو الحارث الأعرج، وهو الحارث الأصغر بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، وأما ابن الأيهم فهو جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث الأعرج، وأراد بأولاد جفنة: أولاد الحارث الأعرج، وهم النعمان، والمنذر والمنيذر وجبلة وأبا شمر، وهؤلاء كلهم ملوك، وهم أعمام جبلة بن الأيهم، كذا في "مختصر أنساب العرب" لياقوت الحموي، قال السيد الحرجاني في "شرح المفتاح": قوله: أولاد جفنة، ترك تفصيلهم احترازًا
стр. 930
عن تقديم بعضهم على بعض، وعن التصريح بأسامي الإناث الداخلة فيهم، ومارية: أم جفنة، انتهى، وقوله: عن التصريح ... الخ، فيه نظر، فإن ذكر نساء الملوك لم يعهد عند ذكر الملوك، وقوله أم جفنة، صوابه: أم الحارث الأعرج كما تقدم، قال جمهور النسابين، مارية بنت ظالم بن وهب بن الحارث ابن معاوية بن ثور بن مرتع الكندية، وقال أبو عبيدة ابن السكيت: هي بنت أرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، فتكون على هذا غسانية، وهي أخت هند امرأة حجر والد امرئ القيس، ثم خلف عليها بعد أبيه، ومارية هي التي يضرب المثل بقرطيها، فيقال: "خذه ولو بقرطي مارية" يضرب للترغيب في الشيء، وإيجاب الحرص عليه، أي: لا يفوتنك على كل حال، وإن كنت تحتاج في إحرازه إلى بذل النفائس، قال الزمخشري في "مستقصى الأمثال": هي أول عربية تقرطت، وسار ذكر قرطيها في العرب، وكانا نفيسي القيمة، وقيل: إنهما قوما بأربعين ألف دينار، وقيل: كانت فيهما درتان، كبيض الحمام، لم ير مثلهما، وروى الميداني أن مارية أهدت قرطيها إلى الكعبة، فكانا معلقين بها، والمفضل: المنعم، أو من أفضل عليه في الحسب: إذا زاد عليه.
وقوله: حول قبر أبيهم، قال السيد المرتضي في "أماليه" ﵀: هذا من الاختصار الذي ليس فيه حذف، أراد أنهم أعزاء مقيمون بدار مملكتهم، لا ينتجعون كالأعراب، فاختصر هذا المبسوط في قوله: حول قبر أبيهم، والاختصار غير الخذف، وقوم يظنون أنهما واحد، وليسا كذلك، لأن الخذف يتعلق بالألفاظ، وهو أن تأتي بلفظ يقتضي غيره ويتعلق به، ولا يستقل بنفسه،
стр. 931
ويكون في الموجود دلالة على المحذوف، فيقتصر عليه طلبًا للاختصار، والاختصار يرجع إلى المعاني، وهو أن تأتي بلفظ مفيد لمعان كثيرة، لو عبر عنها بغيره لاحتيج إلى أكثر من ذلك اللفظ، فلا حذف إلا وهو اختصار، وليس كل اختصار حذفًا. انتهى كلامه.
وقوله: يسقون من ورد البريص ... الخ، هو بفتح الموحدة، وآخره صاد مهملة، موضع بأرض دمشق، قاله البكري والصاغاني، وقوله، بردى بفتحات، أي: ماء بردي، ففيه حذف مضاف، وبردي: نهر من أنهار دمشق، ويصفق بالبناء للمفعول، والتصغيق، التحويل من إناء إلى إناء ليتصفى، والباء متعلقة بمحذوف، وقد شرحنا هذا البيت بأوفى مما ذكرنا في الشاهد الخامس عشر بعد الثلاثمائة من "شواهد الرضي".
وقوله: يسقون درياق الرحيق بالبناء للمفعول، قال السكري في شرحه: الدرياق: خالص الخمر وجيده، شبه بالدرياق الشافي، والولائد: جمع وليدة، وهي الخادم، والنقف: استخراج ما في الحنظل، يقول: هم ملوك، لا تجتني ولائدهم الحنظل ولا تنقفه.
وقوله: من الطراز الأول: يعني آباءهم الأشراف المتقدمين، الذين لا تشبه خلائقهم وأفعالهم هذه الأفعال المحدثة.
وقوله: ثم ادكرت كأنني لم أفعل، أي: كأنه كان حلمًا رأيته في النوم.
стр. 932
وقوله: إن التي ناولتني فرددتها ... الخ البيتين، قد شرحناهما في حاشية "شرح بانت سعاد" عند الكلام على شرح البيت الرابع، وهو قوله:
شجَّت بذي شيم من ماء محنية
وفي شرح الشاهد المذكور من شواهد الرضي، وترجمة حسان بن ثابت تقدمت في الإنشاد التاسع والتسعين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والتسعون بعد المائة:
(١٩٧) عمَّمتهم بالنّدى حتَّى غواتهم ... فكنت مالك ذي غيٍّ وذي رشد
على أنه روي ما بعد حتى بالأوجه الثلاثة؛ قال أبو حيان في "شرح التسهيل": ويروى بالأوجه الثلاثة أيضًا: حتى ألقاها .. وقد تقدم لنا أن البصريين لا يجيزون فيه أن يكون مبتدأ إلا إذا كان ما بعده يصلح أن يكون خبرًا، وأن مجيز ذلك بعض الكوفيين، وذكرنا علة امتناع ذلك، وإن صح في غواتهم الرفع عن العرب كان حجة لهذا المذهب. وأما: حتى نعله ألقاها؛ فلا حجة فيه، لأنه صرح بما يصلح أن يكون خبرًا للنعل، وهو قوله ألقاها. انتهى.
стр. 933
والذي ذكره من علة الامتناع هو ما نقله عن الفارسي، وهو ما يلزم من تهيئة حتى للعمل في الاسم من حيث هو مفرد، ثم قطعها عنه، ولأنه يلزم إعمال العامل المعنوي، وترك العامل اللفظي مهيئًا للعمل، واللفظي أقوى من المعنوي وعممتهم، بالخطاب، أي: شملتهم، بالندى متعلق به، والندى: العطاء، والغواة: جمع غاوٍ، من الغواية، وهو الضلال، والرشد بفتحتين: كالرشاد، وهي الاهتداء.
حيث
أنشد فيه، وهو الإنشاد الثامن والتسعون بعد المائة:
(١٩٨) لدى حيث ألقت رحلها أمُّ قشعم
على أن حيث قد تخفض بغير "من"، فإنها هنا قد خفضت بإضافة لدى إليها، قال أبو حيان في "الارتشاف": إنها جرت "بمن" كثيرًا، وبـ "في" شاذًا، نحو:
فأصبح من حيث التقينا شريدهم
وبـ "على"، قال:
سلام بني عمرو على حيث هامكم
والباء، نحو:
كان منّا بحيث يعكى الإزار
стр. 934
وبإلى نحو:
إلى حيث ألقت رحلها أمُّ قشم
وأضيف لدى إليها في قوله: "لدى حيث ألقت رحلها أم قشم". انتهى.
وقال في "تذكرته": وقد تخرج عن الظرفية فتصير مبتدأ ويدخل كأنّ. قال: وإذا قيل: حيث نلتقي طيب؛ حكم على حيث بالرفع، لأنه اسم المكان الذي خبره طيب، وهو نائب عن موضعين أسبقهما محدود، خبره طيب، وآخرهما مجهول ناصبه نتتقي، تلخيصه: الموضع الذي نلتقي فيه طيب، قال الشاعر:
كأن حيث تلتقي منه المحل ... من جانبيه وعلان ووعل
ثلاثة أشرفن في طود عتلّ
أنشد هذا الشعر هشام وقال: ثلاثة خبر كأن. انتهى. وقال أبو علي في "كتاب الشعر": أنشد بعض البغداديين:
كأن منها حيث تلوي المنطقا ... حقفا نقًا مالًا على حقفي نقا
وقال: جعل حيث اسمًا. فإن قلت: إن حيث إنما جاء اسمًا في الشعر،
стр. 935
وقد يجوز أن تجعل الظروف أسماء في الشعر؛ فالقول: إن ذلك قد جاء اسمًا في غير الشعر نحو ما حكيناه عن قطرب، وقد حكى أحمد بن يحيى عن بعض أصحابه أنهم قالوا: هي أحسن الناس حيث نظر الناظر، يعني الوجه. انتهى. قال أبو حيان في "تذكرته" بعد إنشاد هذا البيت عن أبي علي: حيث: اسم كأن، وحقفا: الخبر، وهذا يؤذن بجواز استعمال حيث مبدأ، فيقال: حيث نجلس طيب، وحيث نجلس نقوم، أي: مكان جلوسك مكان قيامنا. انتهى.
والمصراع من معلقة زهير بن أبي سلمى، وقبله:
لعمري لنعم الحيُّ جرَّ عليهم ... بما لا يواتيهم حصين بن ضمضم
وكان طوى كشحًا على مستكنَّة ... فلا هو أبداها ولم يتقدَّم
وقال سأقضي حاجتي ثمَّ أتّقي ... عدوّي بألف من ورائي ملجم
فشدَّ ولم تفزع بيوت كثيرة ... لدى حيث ألقت رحلها أمُّ قشعم
لدى أسد شاكي السّلاح مقذَف ... له لبد أظفاره لم تقلَّم
جريء متى يظلم يعاقب بظلمه ... سريعًا وإلا يبد بالظلم يظلم
أراد بالحي: حي مرة من بني ذبيان، وجر: فعل ماض من الجريرة، وهي الجناية، ويواتيهم: يوافقهم، وحصين بن ضمضم: ابن عن النابغة الذبياني، وكانت جنايته أنه لما اصطلحت قبيلة ذبيان مع قبيلة عبس، امتنع حصين هذا من الصلح، واستتر من القبيلتين، لأن ورد بن حابس العبسي كان قتل هرم بن ضمضم، وهو أخو حصين، فحلف حصين لا يغسل رأسه حتى يقتل وردًا أو رجلًا منهم، ثم أقبل رجل من بني عبس، فنزل بحصين بن ضمضم، فلما علم أنه عبس قتله، فكاد الصلح ينتقض، فسعى بالصلح، وتحمل الدية الحارث بن عوف وهرم بن سنان
стр. 936
المريّين، ولهذا مدحهم زهير بقوله: لنعم الحي ... وقد تكلمنا على هذه القصيدة، وعلى سببها في الشاهد السادس والخمسين بعد المائة من شواهد الرضي. وقوله: وكان طوى كشحًا .. إلخ، اسم كان ضمير حصين، والكشح: الخاصرة، يقال: طوى كشحه على كذا، أي: أضمره في نسفه، والمستكنة: المستترة، أي: أضمر على غدرة مستترة، وقوله: فلا هو أبداها، أي: ما أظهر الغدرة المسكنّة، ولا تقدم فيها قبل الصلح. وقد شرحنا هذين البيتين بأوفى مما هنا في الشاهد السادس والأربعين بعد المائتين من شواهد الرضي.
وقوله: وقال سأقضي حاجتي .. إلخ، فاعل قال: ضمير حصين، وحاجته: ما كان أضمره في نفسه من قتل عبسي، وورائي، أي: أمامي، وملجم: يروى بكسر الجيم، أي: بألف فارس ملجم فرسه، ويروى بفتح الجيم، أي: بألف فارس ملجم، وأراد بها فرسانها، قال الأعلم: أي: سأدرك ثأري، ثم أتقي عدوي بألف فارس، أي: أجعلهم بيني وبين عدوي، يقال: اتقاه بحقه، أي: جعله بينه وبينه. وجعل ملجمًا على لفظ ألف فذكره، ولو كان في غير الشعر لجاز تأنيثه على المعنى. انتهى.
وقوله: فشدَّ، أي: حمل حصين على ذلك الرجل العبسي فقتله، ولم تفرع بيوت كثيرة، أي: لم يعلم أكثر قومه بفعله، وأراد بالبيوت أحياء وقبائل، يقول: لو علموا بفعله لفزعوا، أي: لأغاثوا الرجل العبسي ولم يدعوا حصينًا يقتله، وإنما أراد زهير بقوله هذا أن لا يفسدوا صلحهم بفعل حصين. وقوله: حيث ألقت رحلها، أي: حيث كان شدة الأمر، يعني موضع الحرب، وأم قشعم: كنية الحرب، ويقال: كنية المنّية، والمعنى: أن حصينًا شد على
стр. 937
الرجل العبسي فقتله بعد الصلح، وحين حطَّت رحلها الحرب وسكنت، ويقال: هو دعاء على حصين، أي: عدا على الرجل بعد الصلح، وخالف الجماعة، فصيره الله إلى هذه الشدة، ويكون معنى ألقت رحلها على هذا: ثبتت وتمكنت، هذا كلام الأعلم في "شرح الأشعار الستة" وتفزع على روايته بالبناء للفاعل، وقال التبريزي في شرح المعلقة: معناه: شد على عدوه وحده فقتله، ولم تفزع العامة بطلب واحد، وإنما قصد الثأر، أي: لم يستعن على قتله بأحد، ونقل صعوداء في "شرح ديوان زهير" عن قوم: أن أم قشعم على هذه الرواية هي أم حصين، أي: فلم تفزع البيوت التي بحضرة بيت أمه، لأنه أخذ ثأره، فلدى على قول الأعلم ظرف متعلق بشدَّ، وعلى قول صعوداء يكون لدى متعلقًا بمحذوف على أنه صفة ثابتة لبيوت، أو حال منه، وروى الزوزني: "ولم يفزع بيوتًا" على أن فاعله ضمير حصين، وقال أي: لم يتعرض لغيره عند ملقى رحل المنية، وملقى الرحال: المنزل، لأن المسافر يلقي به رحله، أي: أثاثه ومتاعه، أراد: عند منزل المنية، وجعله منزل المنية لحلولها فيه، فعلى هذا يكون لدى متعلقًا بـ "يفزع" مضارع فزع بمعنى أغاث أو علم، والمشهور رواية: "فشد ولم ينظر بيوتًا كثيرة" فيكون فاعل ينظر ضمير حصين، ثم اختلفوا، فرواه صعوداء بفتح أوله، وقال: لم ينظر، أي: لم ينتظر، يقال: نظرت الرجل، أي: انتظرته، وعلى هذا يكون المعنى: لم ينتظر حصين أن ينصره قومه على أخذ ثأره، وروى أبو جعفر: ولم ينظر، يضم أوله وكسر ثالثه، وقال: معناه: لم يؤخر حصين أهل بيت قاتل أخيه في قتله، لكنه عجل فقتله، فيكون ينظر مضارع
стр. 938
أنظره بمعنى أمهله وأخره، وعلى هذين الوجهين يكون لدى متعلقًا بشد، وكذلك على قول من فسر أم قشعم بالعنكبوت، وهو أبو عبيدة، أو بالضبع، كما نقله صعوداء، ويكون المعنى: فشد على صاحب ثأره بمضيعة من الأرض. قال صعوداء: أم قشعم عند الأصمعي: الحرب الشديدة، ومن جعلها العنكبوت أو الضبع فمعناه: وجده بمضيعة فقتله. وقال ابن الأثير في "المرصع": أم قشعم هي: المنية، والداهية، والحرب، والنسر، والعنكبوت، والضبع والذئب واللبوة، وفسر بأحد هذه الأشياء قول زهير: لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم. هذا كلامه.
وقوله: أسد شاكي السلاح .. إلخ. هذا البيت في الظاهر غير مرتبط بما قبله، ولا يعرف متعلق لدى أسد، وقد فحصت عنه فلم أجد من ربطه بما قبله، مع أنه من أبيات علم المعاني، أورد شاهدًا جواز الجمع بين التجريد والترشيح، وقد رجعت إلى "معاهد التنصيص" للعباسي، فلم أر فيه غير هذه الأبيات، ولم يتكلم عليها بشيء، ففزعت إلى قريحتي، وأعملت الفكرة، فأرشدني الله إلى وجهه، وهو أن لدى أسد متعلق بألقت رحلها على تفسير أم قشعم بالحرب، ومعنى ألقت رحلها: حطت رحلها الحرب وسكنت، فيكون الإلقاء عبارة عن السكون والهدوء، كما قال الشاعر:
فألقت عصاها واستقرَّ بها النَّوى ... كما قرَّ عينًا بالإياب المسافر
стр. 939
ويكون المراد من الأسد: الحارث بن عوف المري، فإنه هو الذي أطفأ نار الحرب بين عبس وذبيان بعد ما جرى بينهما في يوم داحس، وسعى في الصلح بينهما بتحمل الديات مع ابن عمه هرم بن سنان المري، وعلى هذا يتضح الارتباط، ويضمحل ما فسر به أم قشعم من سائر المعاني، ولله الحمد والمنَّة. وقد شرحنا هذا البيت في الشاهد الثاني بعد الخمسمائة من شواهد الرضي. وقوله: جريء متى يظلم .. البيت، قد شرحناه في الشاهد الثالث من أول شواهد "شرح الشافية" للرضي، وترجمة زهير بن أبي سلمى تقدمت في الإنشاد الخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والتسعون بعد المائة:
(١٩٩) إنَّ حيث استقرَّ من أنت راعيـ ... ـه حمى فيه عزَّة وأمان
على أنه قيل: "حيث" خرجت عن الظرفية، وصارت اسم إن، وليس بمتعين، لجواز تقديرها خبرًا، وحمى اسم إن مؤخر، كقولهم: إن عندك زيدًا، وفيه نظر، فإن هذا الحمل غير مراد، وإنما المعنى: إن مكانًا استقر فيها جماعة أنت راعيهم وحافظهم، هو حمى فيه العزة والأمان. والحمى: المكان المحمي من المكروه.
وهذا البيت لم أقف على قائله، ولا على تتمته وقد أورد أبو حيان في "تذكرته" مسائل تمرين في حيث مع إن، فلا بأس بإيرادها، قال: إذا قيل: إن حيث أبوك كان أخوك، رفع الأخ بـ"كان"، وحيث خبر كان، والأب رفع بحيث لنيابتها عن محلين أحدهما خبر كان، والآخر رافع الأب، وإن مبطلة عن كان، والتقدير: إن في المكان الذي فيه أبوك كان أخوك، ويجوز: إن حيث أبوك
стр. 940
كان أخاك، أخاك: اسم إن، حيث: خبر إن، وأبوك رفع بالراجع من كان، والتقدير: إن أخاك في المكان الذي فيه أبوك، وإذا قيل: إن حيث أبوك قائم أخاك جالس، نصب الأخ بـ "إن"، وجالس: خبر إن، ورفع قائم بالأب، وحيث نائبة عن محلين: أحدهما صلة لجالس، وهو الأسبق، وآخرهما صلة قائم، ويجوز: إن حيث أبوك قائمًا أخاك جالس، الأخ وجالس على ما كانا عليه في الجواب الأول، وقائمًا نصب على الحال من أبيك، وحيث متضمنة لمحلّين: أولهما صلة جالس، وآخرهما رافع للأب. ويجوز: إن حيث أبوك قائمًا أخاك جالسًا، أخاك: اسم إن، وحيث: خير إن وهي رافع الأب، وقائمًا: حال الأب، وجالسًا حال الأخ. ويجوز: إن حيث أبوك قائم أخاك جالسًا، أخاك: اسم إن، وحيث متضمن محلين: أولهما خبر إن، وآخرهما صلة قائم، وقائم رفع بأبيك، وجالسًا نصب على الحال من أخيك. وإن فتحت ثاء حيث، وأضيفت قيل: إن حيث أبيك قائمًا أخاك جالس، وجالسًا، على التفسير المتقدم، وإذا قيل: إن حيث زيد ضربت عمرًا، ففيها وجهان؛ رفع زيد وصب عمرو، ونصب زيد وعمرو، فعلى الأول أبطل إن في ظاهر الكلام، ونصب عمرًا بضربت، ورفع زيدًا بحيث، لنيابة حيث عن محلين، أسبقهما يطلبه الضرب وآخرهما يرفع زيدًا، وتقديرها: إن في المكان الذي فيه زيد ضربت زيدًا، والكسائي يقول: ليس لإن اسم ولا خبر، لأنها مبطلة عن ضربت، إذ لم تكن من عوامل الأفعال، والبصريون يضمرون الهاء مع إن، ويجعلون الجملة الخبر، والفراء يقول: ضربت، سد مسد ضاربًا، انتهى ما أورده أبو حيان.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الموفي المائتين:
(٢٠٠) ببيض المواضي حيث وليِّ العمائم
стр. 941
وصدره:
ونطعنهم حيث الحبا بعد ضربهم
على أن إضافة حيث إلى المفرد نادرة، وليّ: مجرور بإضافة حيث إليه، وهو مصدر لوى العمامة على رأسه، أي: لفَّها، ومكان لفِّ العمائم هو الرأس؛ وكذا قوله: حيث الحبا، حيث: مضافة إلى الحبا، وهو مفرد والمراد بالمفرد هنا ما ليس جملة، والحبا: مجرور بكسرة مقدرة، لأنه مقصور، وهو جمع حبوة، وهو ما يحتبى به. ووقع في نسخ "شرح الكافية" للرضي: "الكلى" بدل الحبا، وبروايته تمم الدماميني المصراع الثاني، وهو جمع كلية، والمراد على الروايتين الأوساط، والمشهور الرواية الأولى عند شراح "المفصل" ورواه ابن المستوفي في "شرح شواهده" مثلهم، وقال: يجوز أن يكون مضافًا إلى الحبا على حد: حيث وليِّ العمائم، إلا أنه لا يظهر فيه الإعراب، والحبا: جمع حبوة، وهو أن يجمع الرجل ظهره وساقيه بعمامته، وقد يحتبي بيديه، وفيها ضم الحاء وفتحها، وقال الجوهري: والجمع حبأ، مكسور الأول عن يعقوب، والذي أنشده شخنا البحراني وكتبه بخطه: الحبا: بضم الحاء وبالألف، وهذا البيت لا يحسن أن يكون من باب ما يفتخر به، لأنهم إذا ضربوهم مكان لي العمائم ولم يموتوا، واحتاجوا إلى أن يطعنوهم مكان الحبا، وعادة الشجاع أن يأتي بالضرب بعد الطعن؛ فهذا منهم جبان خائف غير متمكن من قتل قرنه،
стр. 942
وإنما الجيد قول بلعاء بن قيس من بني ليث بن كنانه:
وفارس في غمار الموت منغمس ... إذا نألّى على مكروهه صدقا
غشيته وهو في جاواء باسلة ... عضبًا أصاب سواء الرأس فانفلقا
بضربة لم تكن منّي مخالسة ... ولا تعجَّلتها جبنًا ولا فرقا
فانظر كيف وصف قرنه بما وصفه به: ووصف موضعه وبالغ في وصفهما، [ووصف ضربته بما يدل على جرأته وشجاته. انتهى. ووقع في رواية العيني: "ونطعهم تحت الحبا". وبه كمل السيوطي] المصراع قال العيني: إن حيث لم يضف فيه إلى جملة فيكون معربًا، ومحله النصب على الحالية، قال السيوطي: بل على الظرف لضرب، فإنها ظرف مكان كما أن تحت ظرف مكان لنطعنهم.
стр. 943
انتهى. فسلم كونها معربة، ورد كونها حالًا، لأن المعنى لا يقتضي الحالية، وإنما المعنى على الظرف.
ولم يفهم ابن الملا كلام العيني فزيفه بأن قوله مردود، إذ لا معنى لجعل إعرابها محليًّا مع الحكم عليها بأنها معربة، فإن مراد العيني ما نقله المصنف عن أبي الفتح من أنها إذا أضيفت إلى مفرد أعربت، فتكون منصوبة لفظًا على الظرفية، وعاملها المقدر منصوب على الحالية، كما قالوا مثله في: رأيت الهلال بين السحاب، وقد صرح العيني به قبل هذا عند قوله:
أما ترى حيث سهيل طالعًا
إلا أنه لم يصب في الحالية، كما أنه لم يصب في شرح "بيض المواضي" في قوله: البيض بفتح الباء: الحديد، والمواضي: السيوف، أراد ضربهم بحديد السيوف في رؤوسهم. انتهى. وإنما البيض بالكسر: جمع أبيض، وهو السيف والماضي: القاطع، كما جوزه ثانيًا. ويأتي في شرح البيت الثاني بعد هذا النقل عن الفارسي بأن حيث عند إضافتها إلى المفرد مبنية أيضًا.
ونطعنهم: بضم العين هنا، قال صاحب "المصباح": طعنه بالرمح طعنًا من باب قتل، وطعنت فيه وعليه بالقول من باب قتل أيضًا، ومن باب نفع لغة، وأجاز الفراء يطعن في جميع معانيه بالفتح، لمكان حرف الحلق، وضربهم: مصدر مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف، أي: ضربنا إياهم.
والبيت لا يعرف قائله، وقال أبو حيان في "تذكرته": أنشده ابن أسد الفارقي في كتاب "الإبانة" من تأليفه شرحًا لـ"لمع" ابن جني. واعلم أن
стр. 944
الزمخشري قال في "المفصل": وقد روى ابن الأعرابي عجزه: "حيث لي العمائم"، قال التاج التبريزي في "شرح الكافية الحاجبية": إنما لم ينشد البيت بتمامه للاختلاف في صدره، فبعضهم رواه كما تقدم، وبعضهم قال: البيت إنما هو:
ونحن سقينا الموت بالشام معقلًا ... وقد كان منهم حيث ليّ العمائم
انتهى. وقال ابن المستوفي: وما أنشده ابن الأعرابي فقد قال الأندلسي: وجدت أنا تمامه في بعض حواشي [المفصل] وهو:
ونحن قتلنا بالشَّام مغفّلًا ... وقد كان منَّا حيث لي العمائم
قال: ولا أعلم صحته، وأوله على ما أنشدنيه شيخنا محمد بن يوسف البحراني:
ونطعنهم حيث الحبا بعد ضربهم ... البيت
وأقول: البيت الذي رواه ابن الأعرابي غير ذلك، قال الصاغاني في "العباب": وروى ابن الأعرابي بيت كثير.
وهاجرة يا عزُّ يلطف حرُّها ... لركبانها من حيث ليّ العمائم
نصبت لها وجهي وعزَّة تتَّقي ... بجلبابها والسِّتر لفح السَّمائم
ويروى: "من تحت لوث العمائم". انتهى. ولعل الزمخشري لم ينشده لرجحان الرواية الثانية عنده.
стр. 945
تتمة: قال المصنف بعد إنشاد المصراع: والكسائي يقيسه. قال الدماميني في "المزج": ويمكن أن يخرَّج عليه قول الفقهاء: من حيث أن كذا، بفتح همزة أن، والأولى عندي أن يخرج على أن حيث مضافة إلى الجملة على الجادّة، وأن ومعمولاها بتأويل مصدر هو مبتدأ تلك الجملة، والخبر محذوف، وحذف خبر المبتدأ بعد حيث غير عزيز، هذا كلامه.
وأقول: لم يسمع في كلام العرب إضافة حيث إلى الجملة المصدرة بأن، وقد سأل بعضهم عن هذه المسألة الإمام العلامة تاج الدين أيا اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي البغدادي نزيل الشام، فقال: هل يجوز أن تلي "حيث" إن المكسورة، أو أنّ المفتوحة؟ وهل ورد في أشعار العرب وقوع إنّ وأنّ بعدها، أو ذكر علماء العربية ذلك في كتبهم أو لا؟ ولمَ وجب إضافتها إلى الجملة، وهي ظرف مكان، وظروف المكان لا تضاف إلا إلى المفرد؟ فأجاب بقوله: هذه المسألة لم يرد فيها نص عن علماء العربية من طريق الرواية، ولا تضمنتها كتبهم المطولة ولا المختصرة، ولا وردت أشعار العرب البتة فيما علمته وسمعته، على أن أبا علي الفارسي ذكر حيث في باب مفرد لها من كتابه المسمى "كتاب الشعر في أبيات الإعراب المسوقة على كتاب الإيضاح" ولم يعرض لإضافتها إلى إن المكسورة، ولا إلى المفتوحة البتة، ولو أن من ينكر جواز إيلائها "أن" يستدلُّ بعدم ورودها في كلامهم وأشعارهم، وأنها لو كانت جائزة لم يخل السماع منها؛ لكان ذلك وجهًا واضحًا ودليلًا كافيًا، وسأذكر فيها ما هو متعلق بها، وخاص بالسؤال عنها من غير خروج إلى ذكر شيء من بقية وجوهها المذكورة، لئلا يتشعب الكلام إلى غير جواب السؤال:
стр. 946
أما وجوب إضافتها إلى الجملة، وهي ظرف مكان على خلاف ما هو الواجب لها ولأمثالها من ظروف المكان؛ فلأنهم لما شبوها بحين، ألزموها الإضافة إلى الجملة البتة، ولم يضيفوها إلى المفرد تارة وإلى الجملة أخرى كيوم وليلة ونحوهما، لأنهم أرادوا توكيد هذا المعنى وتمكينه فيها، ولو أضافوها تارة إلى الجملة، وأخرى إلى المفرد، مع ما ذكرنا من كونها ظرف مكان، ومن شرط ظروف المكان أن لا تضاف إلى الجملة؛ لقلَّ تمكنها في الإضافة، ولجاز أن لا يعرف في أكثر الأحوال حال إضافتها إليها، لما ذكرنا من كونها ظرف مكان، ولكن لما عرض فيها ما ذكرنا، احتاطوا لها في تمكين هذا المعنى فيها، بأن اقتصروا بها على الإضافة إلى الجملة البتة، ليقوى العلم بما آثروه فيها من مشابهتها في ذلك لحين، ويكثر اللفظ بها مضافة إلى الجملة، ليتحقق الداخل بالعرض والتشبيه فيها، ولهذا قال أبو علي: وقد زعم الأخفش أن حيث قد تكون اسمًا للزمان، وأنشد:
للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه
فجعل حيث حينًا. انتهى كلامه. وليس ذلك إلا لقوة شبه "حيث" بحين، فهذا وجه لزومها ما ليس لها بحق الأصل، ولا لأمثالها، وخروجها عن قياس نظائرها. ولمّا لم يجز في حين ولا في نظائرها المضافة إلى الجملة أن تليها "أن" وكانت حيث بمشابهتها لها قد نقلت من أصلها إليها، وأعطيت حكمها؛ وجب أن لا يجوز إيلاؤها أن البتة حملًا لها عليها. واعلم أن إضافة حيث إلى الجملتين
стр. 947
ليست على حد المساواة بين الفعلية والاسمية، بل الفعلية أولى بها، وهي الأصل فيها، والاسمية فرع عليها فيها، وذلك من أجل طلبها للفعل كما تطلبه إذا، وتتضمن معنى الشرط والجزاء على ما ذكره سيبويه فيها وفي "إذا" في صدر "الكتاب" في "باب ما ينتصب في الألف" فليطلب من هناك. فحيث من هذا الوجه بمنزلة حرف الاستفهام في أنها بالفعل أولى، مثل إذا، إلّا أن الألف أولى منها بالفعل من أجل أنهما اسمان
يجب لهما بحق الاسمية أن يليهما الاسم، فلا يقويان في طلب الفعل قوة حرف الجزاء، وأما مشابهة حيث لحرف الجزاء، فلأنهما تطلب الجواب وتصلح للمستقبل على ما ذكره سيبويه في الباب المذكور، ولهذا المعنى جوزي بها مع "ما" في قولهم: حيثما تكن أكن، ففيها هذا المعنى الذي يقربها من حرف الجزاء، إلا أن إذا أقرب منها، لكونها موضوعة للاستقبال كحرف الجزاء، فالجملة الفعلية أولى بها من هذا الوجه، ثم يليها الجملة الاسمية مجردة من الدواخل عليها، لتكون على مساواة الجملة الفعلية ووزانها، وإذا كان الأمر فيها على ما بينَّا فوقوع إن بعدها لا يجوز بما يحدثه دخولها فيه من المباينة وفقد المساواة بين الجملتين، وذلك أنها تحدث بدخولها تضمن معنى استئناف الكلام بعدها، والانقطاع عما تقدمها. وأعلم أنه لا يمتنع أن يعمل ما بعد المبتدأ فيما قبله، كقولك: يوم الجمعة أنت ذاهب، وذلك لقوة المبتدأ وتصرفه، لأنه نظير الفاعل في قوته، فلذلك صلح أن يقع موقع الخبر، ويتقدمه الخبر كقولك: في الدار زيد، ولا يجوز مثل ذلك مع دخول إن، لضعف الحرف عن منزلة المبتدأ، ولهذا ليس كل موضع يصلح أن يقع فيه المبتدأ والخبر، يصلح أن تقع إن فيه. هذا قول الخليل وسيبويه، وعليه الاعتماد، وبما شذ فيه قول ضعيف فهو مردود على قائله، أو محمول على الشذوذ الذي لا يعتد به.
ومن مسائل "الكتاب" قولهم: كما أنت هنا، أجاز سيبويه وقوع المبتدأ
стр. 948
والخبر ههنا، لأن ما بعده يعمل فيما قبله، ولم يجز وقوع إن المكسورة لما ذكرنا. ومن مسائل سيبويه أيضًا: كيف أنت صانع، منع منها أيضًا، لما ذكرنا من صحة الفرق المقتضي صحة عمل العامل فيما قبل المبتدأ، أي: من دخول إن بعدها، وفساد عمله فيما قبل إن.
وأما وقوع المفتوحة "بعد حيث" فلا أعلمه ورد أيضًا عن العلماء ولا عن العرب، ولكني عثرت عليه في عبارات الفقهاء والمتكلمين، وبعض متأخري النحاة على سبيل التعليل، يقولون: من حيث أنه كذا وكذا، يريدون: من أجل كذا كذا، وليس ذلك من عباراتهم مما يجعل أصلًا يرجع إليه أو يعتد به، إلا أن المفتوحة وإن كانت مع ما بعدها في تأويل المفرد، فإنها تقع موقع الجملة من المبتدأ والخبر، وتفيد إفادتها فيما يتعدى إلى مفعولين من باب ظننت، فيشبه أن يكون لهذا المعنى استجاز من استجاز إيقاعها بعدها، على أن الجملة من المبتدأ والخبر بعدها أصل فيها، وهي من عواملها الأصلية، والجملة الاسمية في حيث فرعية محمولة على الجملة الفعلية، فيجب على هذا الوجه أن لا يجوز أيضًا، والله أعلم، هذا آخر كلام أبي اليمن الكندي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد بعد المائتين:
(٢٠١) إذا ريدة من حيث ما نفحت له ... أتاه بريّاها خليل يواصله
على أن الجملة التي تضاف إليها حيث محذوفة، والتقدير: إذا ريدة نفحت له من حيث هبت، وذلك لأن ريدة فاعل بفعل محذوف يفسره نفحت، فلو كان نفحت مضافًا إليه حيث، لزم بطلان التفسير، إذ المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، فلا
стр. 949
يفسر عاملًا فيه، وهذا من كلام أبي حيان في "شرح التسهيل" قال: جعل "ما" عوضًا، كما جُعل التنوين في حينئذٍ عوضًا.
وقد تكلم أبو علي في كتاب "إعراب الشعر" على هذا البيت على هذا النمط، ثم أجاز أن تكون حيث مضافة إلى جملة نفحت، وهذا نصه: قال أبو حية النميري يصف حمارًا: إذا ريدة من حيث ما نفحت له ... البيت، يقال: ريح رادّة، وريدة، وريدانه لليّن، ورياها: ريحها، وخليل: يعني أنفه، يقول: تأتيه الريح لتنسّمه إياها بأنفه، فإذا هذه التي هي ظرف من الزمان، لأن المعنى: إذا نفحت ريح تنسّها، وإذا كان كذلك كانت ريدة مرتفعة بفعل مضمر يفسره نفحت، مثل: (إذا السماء انشقت) [الانشقاق/١] ونحو ذلك، ومن: متعلقة بالمحذوف، فسره نفحت، وما أضيف إليه "حيث" محذوف كما يحذف ما يضاف إليه "إذ" في يومئذٍ للدلالة عليه، وأنه قد علم أن المعنى: إذا نفحت من ما نفحت، وإن شئت قلت: إن حيث مضافة إلى نفحت، وريدة مرتفعة بفعل مضمر دلّ عليه نفحت، وإن كان قد أضيف إليه حيث، كما دلّ الفعل الذي في صلة أن في قولك: لو أنك جئتني لأكرمتك، وأغنى عنه، فكذلك هذا الفعل المضاف إليه حيث، أغنى عن ذلك الفعل، لمّا دلّ عليه، كما قلنا في لو، ألا ترى أن المضاف إليه مثل ما بعد الاسم الموصول في أن كل واحد منهما لا يعمل فيما قبله، ومع ذلك فقد أغنى الفعل الذي في صلة أن عن الفعل الذي تقتضيه لو، وإن كان قبل الصلة، فكذلك الفعل المضاف إليه حيث. انتهى كلام أبي علي، ونقلته من نسخة بخط تلميذه ابن جني، ومن نسخة أخرى صحيحة قرئت على أبي علي وعليها خطه. وكذلك جوزه الدماميني، قال: وما استند إليه من أن المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، فلا يفسر عاملًا؛
стр. 950
تظور فيها، لأن الظاهر من كلامهم أن امتناع تفسير ما لا يعمل، مخصوص بباب الاشتغال، وقد قدم المصنف في الفصل الذي عقده لخروج إذا عن الاستقبال عند إنشاد قوله:
آليت حبَّ العراق الدَّهر أطعمه
أن ما لا يعمل لا يفسر في هذا الباب عاملًا، فقيده بباب الاشتغال، وقد خرّج كثيرون مثل قوله تعالى: (وكانوا فيه من الزّاهدين) [يوسف/٢٠] وجعلوا أحدًا في قوله تعالى: (وإن أحدٌ من المشركين استجارك) [التوبة/٦] فاعلًا بفعل محذوف يفسره الفعل المتأخر، مع أنه لا يصحُّ أن يعمل فيه الرفع على الفاعلية وهو متأخر، ثم لو سلم عموم هذا الحكم، لأمكن جعل حيث مضافة إلى الجملة الواقعة بعدها، وهي: نفحت، وريدة: فاعلًا بفعل محذوف يفسره السياق، لا نفحت بخصوصه. انتهى.
والريدة، بفتح الراء وسكون المثناة التحتيّة: ريح لينة الهبوب، وما: زائدة، ونفحت: هبّت، والرّيا: الرائحة التي تملأ الأنف.
وأبو حية: بتشديد المثناة التحتّية، اسمه الهيثم بن الربيع، وينتهي نسبه إلى نمير بن عامر بن صعصعة، قال صاحب "الأغاني": وهو شاعر مجيد متقدم، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، ومدح الخلفاء فيهما جميعًا، وكان فصيحًا مقصدًا راجزًا من ساكني البصرة، وكان أهوج جبانًا بخيلًا كذابًا معروفًا بذلك أجمع، وتوفي في بضع وثمانين ومائة. حدّث يومًا قال: عنَّ لي ظبي يومًا فرميته، فراغ عن سهمي فعارضه السهم، ثم راغ فعارضه، فما زال والله يروغ ويعارضه حتى صرعه ببعض الجبانات. وإلى هذا السهم لمَّح ابن نبانة المصري بقوله:
следующие страницы →