← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

أما وجوب إضافتها إلى الجملة، وهي ظرف مكان على خلاف ما هو الواجب لها ولأمثالها من ظروف المكان؛ فلأنهم لما شبوها بحين، ألزموها الإضافة إلى الجملة البتة، ولم يضيفوها إلى المفرد تارة وإلى الجملة أخرى كيوم وليلة ونحوهما، لأنهم أرادوا توكيد هذا المعنى وتمكينه فيها، ولو أضافوها تارة إلى الجملة، وأخرى إلى المفرد، مع ما ذكرنا من كونها ظرف مكان، ومن شرط ظروف المكان أن لا تضاف إلى الجملة؛ لقلَّ تمكنها في الإضافة، ولجاز أن لا يعرف في أكثر الأحوال حال إضافتها إليها، لما ذكرنا من كونها ظرف مكان، ولكن لما عرض فيها ما ذكرنا، احتاطوا لها في تمكين هذا المعنى فيها، بأن اقتصروا بها على الإضافة إلى الجملة البتة، ليقوى العلم بما آثروه فيها من مشابهتها في ذلك لحين، ويكثر اللفظ بها مضافة إلى الجملة، ليتحقق الداخل بالعرض والتشبيه فيها، ولهذا قال أبو علي: وقد زعم الأخفش أن حيث قد تكون اسمًا للزمان، وأنشد: للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه فجعل حيث حينًا. انتهى كلامه. وليس ذلك إلا لقوة شبه "حيث" بحين، فهذا وجه لزومها ما ليس لها بحق الأصل، ولا لأمثالها، وخروجها عن قياس نظائرها. ولمّا لم يجز في حين ولا في نظائرها المضافة إلى الجملة أن تليها "أن" وكانت حيث بمشابهتها لها قد نقلت من أصلها إليها، وأعطيت حكمها؛ وجب أن لا يجوز إيلاؤها أن البتة حملًا لها عليها. واعلم أن إضافة حيث إلى الجملتين

стр. 947

ليست على حد المساواة بين الفعلية والاسمية، بل الفعلية أولى بها، وهي الأصل فيها، والاسمية فرع عليها فيها، وذلك من أجل طلبها للفعل كما تطلبه إذا، وتتضمن معنى الشرط والجزاء على ما ذكره سيبويه فيها وفي "إذا" في صدر "الكتاب" في "باب ما ينتصب في الألف" فليطلب من هناك. فحيث من هذا الوجه بمنزلة حرف الاستفهام في أنها بالفعل أولى، مثل إذا، إلّا أن الألف أولى منها بالفعل من أجل أنهما اسمان يجب لهما بحق الاسمية أن يليهما الاسم، فلا يقويان في طلب الفعل قوة حرف الجزاء، وأما مشابهة حيث لحرف الجزاء، فلأنهما تطلب الجواب وتصلح للمستقبل على ما ذكره سيبويه في الباب المذكور، ولهذا المعنى جوزي بها مع "ما" في قولهم: حيثما تكن أكن، ففيها هذا المعنى الذي يقربها من حرف الجزاء، إلا أن إذا أقرب منها، لكونها موضوعة للاستقبال كحرف الجزاء، فالجملة الفعلية أولى بها من هذا الوجه، ثم يليها الجملة الاسمية مجردة من الدواخل عليها، لتكون على مساواة الجملة الفعلية ووزانها، وإذا كان الأمر فيها على ما بينَّا فوقوع إن بعدها لا يجوز بما يحدثه دخولها فيه من المباينة وفقد المساواة بين الجملتين، وذلك أنها تحدث بدخولها تضمن معنى استئناف الكلام بعدها، والانقطاع عما تقدمها. وأعلم أنه لا يمتنع أن يعمل ما بعد المبتدأ فيما قبله، كقولك: يوم الجمعة أنت ذاهب، وذلك لقوة المبتدأ وتصرفه، لأنه نظير الفاعل في قوته، فلذلك صلح أن يقع موقع الخبر، ويتقدمه الخبر كقولك: في الدار زيد، ولا يجوز مثل ذلك مع دخول إن، لضعف الحرف عن منزلة المبتدأ، ولهذا ليس كل موضع يصلح أن يقع فيه المبتدأ والخبر، يصلح أن تقع إن فيه. هذا قول الخليل وسيبويه، وعليه الاعتماد، وبما شذ فيه قول ضعيف فهو مردود على قائله، أو محمول على الشذوذ الذي لا يعتد به. ومن مسائل "الكتاب" قولهم: كما أنت هنا، أجاز سيبويه وقوع المبتدأ

стр. 948

والخبر ههنا، لأن ما بعده يعمل فيما قبله، ولم يجز وقوع إن المكسورة لما ذكرنا. ومن مسائل سيبويه أيضًا: كيف أنت صانع، منع منها أيضًا، لما ذكرنا من صحة الفرق المقتضي صحة عمل العامل فيما قبل المبتدأ، أي: من دخول إن بعدها، وفساد عمله فيما قبل إن. وأما وقوع المفتوحة "بعد حيث" فلا أعلمه ورد أيضًا عن العلماء ولا عن العرب، ولكني عثرت عليه في عبارات الفقهاء والمتكلمين، وبعض متأخري النحاة على سبيل التعليل، يقولون: من حيث أنه كذا وكذا، يريدون: من أجل كذا كذا، وليس ذلك من عباراتهم مما يجعل أصلًا يرجع إليه أو يعتد به، إلا أن المفتوحة وإن كانت مع ما بعدها في تأويل المفرد، فإنها تقع موقع الجملة من المبتدأ والخبر، وتفيد إفادتها فيما يتعدى إلى مفعولين من باب ظننت، فيشبه أن يكون لهذا المعنى استجاز من استجاز إيقاعها بعدها، على أن الجملة من المبتدأ والخبر بعدها أصل فيها، وهي من عواملها الأصلية، والجملة الاسمية في حيث فرعية محمولة على الجملة الفعلية، فيجب على هذا الوجه أن لا يجوز أيضًا، والله أعلم، هذا آخر كلام أبي اليمن الكندي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد بعد المائتين: (٢٠١) إذا ريدة من حيث ما نفحت له ... أتاه بريّاها خليل يواصله على أن الجملة التي تضاف إليها حيث محذوفة، والتقدير: إذا ريدة نفحت له من حيث هبت، وذلك لأن ريدة فاعل بفعل محذوف يفسره نفحت، فلو كان نفحت مضافًا إليه حيث، لزم بطلان التفسير، إذ المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، فلا

стр. 949

يفسر عاملًا فيه، وهذا من كلام أبي حيان في "شرح التسهيل" قال: جعل "ما" عوضًا، كما جُعل التنوين في حينئذٍ عوضًا. وقد تكلم أبو علي في كتاب "إعراب الشعر" على هذا البيت على هذا النمط، ثم أجاز أن تكون حيث مضافة إلى جملة نفحت، وهذا نصه: قال أبو حية النميري يصف حمارًا: إذا ريدة من حيث ما نفحت له ... البيت، يقال: ريح رادّة، وريدة، وريدانه لليّن، ورياها: ريحها، وخليل: يعني أنفه، يقول: تأتيه الريح لتنسّمه إياها بأنفه، فإذا هذه التي هي ظرف من الزمان، لأن المعنى: إذا نفحت ريح تنسّها، وإذا كان كذلك كانت ريدة مرتفعة بفعل مضمر يفسره نفحت، مثل: (إذا السماء انشقت) [الانشقاق/١] ونحو ذلك، ومن: متعلقة بالمحذوف، فسره نفحت، وما أضيف إليه "حيث" محذوف كما يحذف ما يضاف إليه "إذ" في يومئذٍ للدلالة عليه، وأنه قد علم أن المعنى: إذا نفحت من ما نفحت، وإن شئت قلت: إن حيث مضافة إلى نفحت، وريدة مرتفعة بفعل مضمر دلّ عليه نفحت، وإن كان قد أضيف إليه حيث، كما دلّ الفعل الذي في صلة أن في قولك: لو أنك جئتني لأكرمتك، وأغنى عنه، فكذلك هذا الفعل المضاف إليه حيث، أغنى عن ذلك الفعل، لمّا دلّ عليه، كما قلنا في لو، ألا ترى أن المضاف إليه مثل ما بعد الاسم الموصول في أن كل واحد منهما لا يعمل فيما قبله، ومع ذلك فقد أغنى الفعل الذي في صلة أن عن الفعل الذي تقتضيه لو، وإن كان قبل الصلة، فكذلك الفعل المضاف إليه حيث. انتهى كلام أبي علي، ونقلته من نسخة بخط تلميذه ابن جني، ومن نسخة أخرى صحيحة قرئت على أبي علي وعليها خطه. وكذلك جوزه الدماميني، قال: وما استند إليه من أن المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، فلا يفسر عاملًا؛

стр. 950

تظور فيها، لأن الظاهر من كلامهم أن امتناع تفسير ما لا يعمل، مخصوص بباب الاشتغال، وقد قدم المصنف في الفصل الذي عقده لخروج إذا عن الاستقبال عند إنشاد قوله: آليت حبَّ العراق الدَّهر أطعمه أن ما لا يعمل لا يفسر في هذا الباب عاملًا، فقيده بباب الاشتغال، وقد خرّج كثيرون مثل قوله تعالى: (وكانوا فيه من الزّاهدين) [يوسف/٢٠] وجعلوا أحدًا في قوله تعالى: (وإن أحدٌ من المشركين استجارك) [التوبة/٦] فاعلًا بفعل محذوف يفسره الفعل المتأخر، مع أنه لا يصحُّ أن يعمل فيه الرفع على الفاعلية وهو متأخر، ثم لو سلم عموم هذا الحكم، لأمكن جعل حيث مضافة إلى الجملة الواقعة بعدها، وهي: نفحت، وريدة: فاعلًا بفعل محذوف يفسره السياق، لا نفحت بخصوصه. انتهى. والريدة، بفتح الراء وسكون المثناة التحتيّة: ريح لينة الهبوب، وما: زائدة، ونفحت: هبّت، والرّيا: الرائحة التي تملأ الأنف. وأبو حية: بتشديد المثناة التحتّية، اسمه الهيثم بن الربيع، وينتهي نسبه إلى نمير بن عامر بن صعصعة، قال صاحب "الأغاني": وهو شاعر مجيد متقدم، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، ومدح الخلفاء فيهما جميعًا، وكان فصيحًا مقصدًا راجزًا من ساكني البصرة، وكان أهوج جبانًا بخيلًا كذابًا معروفًا بذلك أجمع، وتوفي في بضع وثمانين ومائة. حدّث يومًا قال: عنَّ لي ظبي يومًا فرميته، فراغ عن سهمي فعارضه السهم، ثم راغ فعارضه، فما زال والله يروغ ويعارضه حتى صرعه ببعض الجبانات. وإلى هذا السهم لمَّح ابن نبانة المصري بقوله:

стр. 951

وبديع الجمال لم ير طرفي ... مثل أعطافه ولا طرف غيري كلّما حدت عن هواه أتاني ... سهم ألحاظه كسهم النُّميري وقد بسطنا ترجمته في الشاهد التاسع والأربعين بعد الثمانمائة من "شواهد الرضي". وأنشد بعده وهو الإنشاد الثاني بعد المائتين: (٢٠٢) أما ترى حيث سُهيل طالعا على أن المصنف رآه بخط الضابطين بفتح ثاء حيث، وخفض سهيل، وهذا تأييد لما نقله عن أبي الفتح من أن أضاف حيث إلى المفرد أعربها، وكذا في "شرح الكافية" للرضي، قال: وإعرابها لغة فقعسية. وندرت إضافتها إلى مفرد، قال: أما ترى حيث سهيل طالعًا- وبعضهم يرفع سهيل على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي: حيث سهيل موجود، ومع الإضافة إلى المفرد يعربه بعضهم، لزوال علة البناء، أي: الإضافة إلى جملة، والأشهر بقاؤه على بنائه، لشذوذ الإضافة إلى المفرد. انتهى. وجزم أبو علي ببناء حيث عند الإضافة إلى مفرد، قال في "إعراب الشعر": أنشد الكسائي: أما ترى حيث سهيل طالعًا- فجعله اسمًا، فإن قال قائل: إذا صار اسمًا فلم لا يعرب لزواله عن أن يكون ظرفًا؟ قيل: كونه اسمًا لا يخرجه عن البناء، ألا ترى أن منذ حرف فإذا استعملت اسمًا في نحو: مذ يومان، لم يخرج عن البناء، وكذلك على وعن، إذا

стр. 952

قلت: من عن يمين الخط، وكذلك قول الشاعر: غدت من عليه ... وكذلك كم بنيت في الاستفهام، فإذا صارت خبرًا بقيت على بنائها، فكذلك حيث إذا صارت اسمًا. انتهى. قال أبو حيان في "تذكرته" قال هشام: يقال: حيث زيدٌ عمروٌ، بفتح الثاء، ورفع زيد وعمرو، وحيث زيدٍ عمرو، بفتح الثاء وخفض زيد، وأما الفتح مع رفع زيد فمفارق للقياس، يجري مجرى قول من يقول: حيث زيد عمرو، فيضم الثاء، ويخفض بها زيدًا، قال: أما ترى حيث سهيل طالعا وقد حكوا عن العرب: حيث سهيلٍ، بضم الثاء وخفض سهيل، وهو فاسد العلة، لأن ضم الثاء يوجب رفع سهيل، كما فتح الثاء يوجب خفض سهيل، ولا ينبغي أن يبنى إلا على الأكثر والأعرف والأصح علة. انتهى. وقوله: فاسد العلة، يرده كلام أبي علي والرضي. وقال العيني: هذا الشعر أنشده ابن الأعرابي، ولم ينشد تمامه، ولا عزاه إلى قائله، وقد قيل: إن قائله مجهول، وأنشد السيد السمرقندي تمامه في شرحه لـ"مقدمة ابن الحاجب": نجمًا يضيء كالشّهاب لامعًا وحيث: ظرف أضيف إلى سهيل، فلذلك جر سهيل، وطالعًا: مفعول ترى، وهو من رؤية البصر، فلذلك اقتصر على مفعول واحد، فإن قلت: ما محل حيث هنا؟ قلت: حيث هنا معرب، لأنه لم يضف إلى جملة، فهو

стр. 953

إما منصوب على الظرف، أو على المفعولية، ويكون ترى من رؤية القلب، وتستدعي مفعولين الأول حيث، والثاني طالعًا، أو من رؤية البصر، ويكون حيث مفعولًا به، وطالعًا: حالًا من حيث لا من سهيل، لأن الحال من المضاف إليه ضعيفة، هذا كلامه، أقول: تقدم عن أبي علي أن حيث فيه مفعول به، وصرح به الرضي أيضًا، والمعنى عليه، ولا وجه للظرفية، وطالعًا: حال من سهيل، وإنما صح مجيء الحال من المضاف إليه، لأن المضاف شبه الجزء منه، لأن مكان سهيل معروف، قريب من الأفق لا يختلف، فهو كقوله تعالى: (أن اتّبع ملة إبراهيم حنيفًا) [النحل/١٢٣] ونقل عن النيلي أن طالعًا حال من حيث، لأن الحال من المضاف إليه ضعيفة، والتقدير: حيث سهيل طالعًا فيه، وحيث مفعول ترى. وإن جعلت ترى بمعنى تعلم، كان طالعًا مفعولًا، ولا يجوز أن يكون حيث ظرفًا لفساد المعنى. انتهى. وأقول: يتعين أن تكون الرؤية بصرية، لأن مفعولي الرؤية العلمية أصلها المبتدأ والخبر، ولا يصح حمل أحدهما على الآخر، وقد كتبت بأبسط من هذا في الشاهد الواحد بعد الخمسمائة من شواهد الرضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث بعد المائتين: (٢٠٣) حيثما تستقم يقدِّر لك الله ... نجاحًا في غابر الأزمان على أن حيث إذا اتصل بها "ما" الكافة، ضمنت معنى إن الشرطية، وجزمت الفعلين كما في البيت، واحترز بالكافة عن ما الزائدة وما المصدرية: قال التاج التبريزي: وأما قوله:

стр. 954

وإنّني حيثما يدني الهوى بصري ... من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور فمن جوز إضافة حيث إلى المفرد فما مصدرية، أي: من حيث السلوك، ومن لا يجوز يقدر ما زائدة. وقال أبو حيان في "الارتشاف": والجملة التي تضاف إليها حيث شرطها أن تكون خبرية اسمية، أو فعلية مثبتة مصدرة بماضٍ أو مضارع مثبتين أو منفيين بلم أو لا، فأما قوله: من حيث ما سلكوا؛ فما زائدة. انتهى. وكذلك "ما" في حيثما الأولى، والنجاح، بفتح النون: الظفر بالشيء، كالنجح بضمها، والغابر: من غبر غبورًا؛ إذا بقي، وغابر الأزمان: ماضيها ومستقبلها، لأن المستقبل باقٍ، وهذا هو المراد هنا، والأزمان: جمع زمن. حرف الخاء المعجمة خلا أنشد فيه، وهو الإنشاد الرابع بعد المائتين: (٢٠٤) ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل ... وكلُّ نعيمٍ لا محالة زائل

стр. 955

على أن خلا إذا تقدمها ما المصدرية وجب نصب المستثنى بها. قال أبو حيان في "شرح التسهيل": وأجاز الكسائي والجومي وأبو علي في "كتاب الشعر" والرَّبعي الجر بعد ما خلا وما عدا، فعلى قولهم تكون ما زائدة، وخلا وعدا حرفا جر. قال بعض أصحابنا: النصب هو الكثير الشائع، والجرمي يخفض، فإن كان ذلك منه قياسًا فهو فاسد، لأنه ليس من مواضع زيادتها، وإن كان حكي ذلك فهو شذوذ. انتهى. والجرمي حكاه عن العرب، ذكر ذلك في باب الجر من كتاب "الفرح" فإن قلت: هلا جعلت ما زائدة مع النصب، كما جعلتها زائدة مع الخفض؛ فالجواب إن دخول ما المصدرية على الفعل منقاس، وزيادة ما قبل الفعل لا ينقاس، فكان حملها على ما ينقاس أولى. إلى هنا كلام أبي حيان. والبيت من قصيدة للبيد بن ربيعة الصحابي، رثى بها النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وهذه أبيات من أولها: ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيُقضى أم ضلال وباطل حبائله مبثوثة في سبيله ... ويفنى إذا ما أخطأته الحبائل إذا المرء أسرى ليلة خال أنَّه ... قضى عملًا والمرء ما عاش عامل فقولا له إن كان يقسم أمره ... ألَّما يعظك الدَّهر أمُّك هابل فتعلم أن لا أنت مدرك ما مضى ... ولا أنت مّما تحذر النَّفس وائل فإن أنت لم تصدُقك نفسك فانتسب ... لعلَّك تهديك القرون الأوائل

стр. 956

فإن لم تجد من دون عدنان والدًا ... ودون معدٍّ فلترعك العواذل أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ... بلى كلُّ ذي رأي إلى الله واسل ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل ... وكلُّ نعيم لا محالة زائل وكلُّ أناسٍ سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرُّ منها الأنامل وكلُّ امرئ يومًا سيعلم سعيه ... إذا كشفت عند الإله الحصائل ليبك على النعمان شرب وقينة ... ومختبطات كالسَّعالى أرامل قوله: ألا تسألان المرء ... إلخ. يأتي شرحه، إن شاء الله تعالى، في بحث "ما". وقوله: حبائله مبثوثة .. إلخ: جمع حبالة، بالكسر، وهي الشرك، والضمير للموت المفهوم من المقام، وأراد بحبائله: الأحداث التي هي سبب الموت، ومبثوثة: مفرقة، والضمير في سبيله للمرء، ويفنى: يهرم. وقوله: إذا المرء أسرى .. إلخ: لغة في سرى، يقول: إذا سهر المرء ليلة في عمل ظن أنه قد فزع منه، وهو ما عاش يعرض له مثل ذلك، وهو أبدًا ما دام حيًا لا ينقطع عمله ولا حوائجه. وقوله: فقولا له .. إلخ، أقسم: بمعنى قدر، يعني: قولًا له إن كان يدبر أمره وينظر فيه: ألم يعظك من مضى قبلك في سالف الدهر، هل رأيته بقي عليه أحد؟ ثم دعا عليه، فقال: أمك هابل؛ يقال: هبلته أمه، أي: ثكلته، وقوله: فتعلم، بالنصب: جواب ألمّا، وأن: مخففة من الثقيلة، ووائل: من والت النفس، أي: نجت، والموئل: المنجى.

стр. 957

وقوله: فإن أنت لم تصدقك نفسك .. إلخ، يأتي إن شاء الله شرحه مع البيت الذي بعده في الباب الرابع. وقوله: أرى الناس .. إلخ، الواسل: الطالب الذي يطلب، من قولك: أنت وسيلتي إلى فلان، واستشهد به صاحب "الكشاف" على أن الوسيلة في قوله تعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة) [المائدة/٣٥]: ما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الخيرات، واجتناب المعاصي. والواسل: هو الراغب إلى الله، بمعنى ذو وسيلة، أو هو كتامر ولابن، وروي "اللب" وهو العقل، بدل الرأي، والمعنى: أرى الناس لا يعرفون ما هم فيه من خطر الدنيا وسرعة زوالها، فالعاقل اللبيب من يتوسل إلى الله تعالى بالطاعة والعمل الصالح. وقوله: وكل أناس سوف تدخل .. إلخ، تقدم شرحه في الشاهد الواحد والستين. وقوله: وكل امرئ يومًا .. إلخ، سعيه: عمله، والحصائل: الحسنات سيئات التي حصّلها وبقيت له عند الله. ثم شرع بعد هذا في ذكر تقلب الدهر بأهله، وبدأ بذكر النعمان وما فيه من سعة الملك ونعيم الدنيا، ثم ذكر ملوك الشام إلى غسان، وما فعل الدهر بهم فبادوا كأن لم يكونوا. وقوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. وقع في بعض الروايات هذا البيت مطلع القصيدة، ورى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل"

стр. 958

وفي رواية لهما: "أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد: ألا كل شيء .. إلخ". وقد روي أيضًا بألفاظ مختلفة منها: "إن أصدق بيت قاله الشاعر" ومنها: "أصدق بيت قالته الشعراء" وكلها في الصحيح، وكلها من وصف المعاني بما يوصف به الأعيان، كقولهم شعر شاعر، ويصاغ منهما أفعل باعتبار ذلك المعنى، فيقال: شعرك أشعر من شعره. وروى ابن إسحاق في مغازيه أن عثمان بن مظعون مرَّ بمجلس من قريش في صدر الإسلام، ولبيد بن ربيعة ينشدهم: ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل، فقال عثمان: صدقت، فقال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول أبدًا، فقال لبيد: يا معشر قريش والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم! فقال رجل: إن هذا سيفه من سفهائنا، قد فارقوا ديننا، فلا تجدن في نفسك من وقوله، فرد عليه عثمان، فقام إليه ذلك الرجل، فلطم عينه فخضّرها، فقال الوليد بن المغيرة لعثمان: إن كانت عينك لغنية عما أصابها لم رددت جواري! ؟ فقال عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة لمثل ما أصاب أختها في الله، لا حاجة لي في جوارك! وروى أحمد بن حنبل في "زوائد الزهد" أن لبيدًا قدم على أبي بكر الصديق، فقال: ألا كل شيء ما خلا الله باطل .. فقال: صدقت، فقال: وكل نعيم لا محالة زائل. فقال: كذبت، عند الله نعيم لا يزول، فلما ولَّى قال أبو بكر: ربما قال الشاعر الكلمة من الحكمة. وأخرج السَّلفي في "المشيخة البغدادية" من طريق هاشم عن يعلى عن ابن جراد قال: أنشد لبيد النبي ﷺ قوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، فقال: "صدقت" فقال: وكل نعيم لا محالة زائل، فقال له: "كذبت، نعيم

стр. 959

الآخرة لا يزول" وأجاب العيني عن ذلك من وجهين، الأول: أن لبيدًا إنما قال ذلك قبل أن يسلم، فيمكن أن يكون في اعتقاده في ذلك الوقت أن الجنة لا وجود لها، أو كان يعتقد وجودها ولكن لا يعتقد دوامها، كما ذهب إليه طائفة من أهل الأهواء والضلال. والثاني: أنه يمكن أراد به ما سوى الجنة من نعيم الدنيا؛ لأنه كان في صدد ذم الدنيا، وبيان سرعة زوالها، وأما تكذيب عثمان إياه، فلكونه حمل الكلام على العموم. انتهى. وقال ابن حجر في "شرح البخاري" في باب الشعر: التعبير يوصف كل شيء بالبطلان تندرج فيه العبادات والطاعات، وهو حق لا محالة. وأجيب بأن المراد ما عدا الله، وما عدا صفاته الذاتية والفعلية من رحمة وعذاب، أو المراد بالبطلان الفناء لا الفساد، وكل شيء سوى الله سوى الله جائز عليه الفناء لذاته، حتى الجنة والنار، وإنما يبقيان بإبقاء الله تعالى لهما، وخلق الدوام لأهلهما، والحق على الحقيقة: من لا يجوز عليه الزوال لذاته. انتهى. ومثله للسيوطي في "البدور السافرة" عند ذكر قوله تعالى: (كلُّ شيء هالك ... ) [القصص/٨٨] أي: قابل للهلاك، وكل محدث قابل لذلك وإن لم يهلك، بخلاف القديم الأزلي، ويؤيد ذلك أن العرش لم يرد خبر أنه يهلك، فلتكن الجنة مثله، وقال في موضع آخر من ذلك الكتاب: وفي بحر الكلام قال أهل السنة: سبعة لا تفنى: العرش، والكرسي، واللوح، والقلم، والجنة، والنار بأهلهما، والأرواح. وقال صاحب "المفهم شرح مسلم": وكذا

стр. 960

البيهقي وغيره من المحدّثين: إن هذه السبعة يقع لها هلاك نسبي، وهو غشيان يمنع الإحساس وقتًا ما من الأوقات. قلت: والظاهر قلة ذلك على تقدير صحته بين النفختين عند قوله تعالى: (لمن الملك اليوم) [غافر/١٦] فلا يجيبه أحد كما وردت به الروايات. انتهى. والباطل هنا: الذاهب الزائل، ومعناه: الهالك الفاني، أي: القابل للهلاك والفناء، وقال بعضهم: الباطل في الأصل: ضد الحق، والمراد به هنا ضد الحق، وقال العيني: الباطل: ضد الحق، وفي عرف المتكلمين: الباطل: الخارج عن الانتفاع، والفاسد يقرب منه، والصحيح ضده، وفي عرف الشرع: الباطل من الأعيان: ما فات معناه المقصود المخلوق له من كل وجه بحيث لم يبق إلا صورته، ولهذا يذكر في مقابلة الحق الذي هو عبارة عن الكائن الثابت، وفي الشرع يراد به ما هو المفهوم منه لغة، وهو ما كان فائت المعنى من كل وجه مه وجود الصورة، إما لانعدام محلية التصرف كبيع الميتة والدم، أو لانعدام أهلية المتصرف، كبيع المجنون والصبي الذي لا يعقل. فإن قلت: ما معناه هنا؟ قلت: المعنى: كل شيء سوى الله تعالى زائل فائت مضمحل ليس له دوام. انتهى. والمحالة بالفتح قال الجوهري: قولهم: لا محالة، أي: لا بدّ. وترجمة لبيد تقدمت في الإنشاد الواحد والستين.

стр. 961

حرف الراء رُبَّ أنشد فيه: إن يقتلوك فإنَّ قتلك لم يكن ... عارًا عليك ورُبَّ قتل عار وقد تقدم شرحه مستوفي في الإنشاد الواحد والثلاثين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس بعد المائتين: (٢٠٥) فيا ربَّ يوم قد لهوت وليلة ... بآنسة كأنَّها خط تمثال على أن "ربَّ" فيه للتكثير، كما بيّنه المصنف، وقال الخفاف في "شرح الجمل": وزعم بعض النحويين أنها قد تكون للتكثير، وذلك في موضع المباهاة والافتخار، نحو قوله: فيا رب يوم، يريد أن لها أيامًا وليالي كثيرة. وكثر منه فك الأسرى، وكرّه وراء المكربين. وهذا وأمثاله لا حجة لهم فيه، لأن رب في هذه الأماكن للمباهاة والافتخار لتقليل النظر، فكأنه قال: قد لهوت ... البيت. وقوله: ويا رُبَّ مكروب كررت وراءه ... وعان فككت الغلّ عنه فقدّاني ألا ترى أنه ... إنما الأيام التي لهوت فيها، والليالي، قل وجود مثلها

стр. 962

لغيري، وكأنه قال: الأسرى الذين فككت، والمكروبون الذين كررت وراءهم في الكثرة بحيث فكَّ غيري لهم. انتهى. والبيت من قصيدة لامرئ القيس، تقدم إيراد بعضها في الإنشاد الثالث والستين بعد المائة. وهذا البيت قبله: ألا زعمت بسباسة اليوم أنَّني ... كبرت وأن لا يشهد اللَّهو أمثالي بسباسة: امرأة من بني أسد، وكبر: شاخ، يقال: كبر الصبي وغيره، من باب تعب، مكبرًا كمسجد، وكبرًا كعنب، وشهده بالكسر، يشهده بالفتح، شهودًا: حضره، اللهو: مصدر لهوت بالشيء، إذا لعبت به، وقد يكنى باللهو عن الجماع. وقوله: فيا رب؛ "يا" الداخلة على رب ليست للنداء، وإنما هي للتنبيه كالداخلة على ليت وعلى حبذا. وروي بدله: "بلى رب يوم" بلى: حرف إيجاب يختص بالنفي ويقيد إثباته، وأثبت به هنا الشهود المنفي، وجملة: قد لهوت، صفة يوم والرابط محذوف، أي: فيه، وصفة ليلة مع العائد محذوف، أي: لهوت فيها. الآنسة: المرأة التي تأنس بحديثك، والخط: الكتابة، قاله صاحب "العباب" وأنشد هذا البيت. وقال أيضًا في مادة (مثل): والتمثال: الصورة، والجمع التماثيل، وقوله تعالى: (ما هذه التماثيل) [الأنبياء/٥٢] أي: الأصنام. وقوله تعالى: (يعلمون له ما يشاء من محاريب وتماثيل) [سبأ/١٣] وهي صورة الأنبياء، وكان التصوير مباحًا في ذلك الوقت.

стр. 963

قال الدماميني: لا يتعلق قوله: "بآئسة" بلهوت الملفوظ به، للزوم الفصل بالأجنبي وهو المعطوف، وإنما يتعلق بمحذوف، أي: لهوت فيها بآنسة، وهذه الجملة صفة لليلة. انتهى. وجملة "كأنها خط تمثال" صفة آنسة، شبهها بصورة الصنم المنقوشة في حسن المنظر وتناسب الأعضاء. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس بعد المائتين: (٢٠٦) ربَّما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبي شمالات على أن ربّ فيه للتكثير أيضًا، وأنشده سيبويه وقال: التوكيد ضرورة وزعم يونس أنهم يقولون: ربما تقولن ذاك، وكثر ما تقولن ذاك. انتهى. وقال ابن بري في "شرحه شواهد الإيضاح": كأنه شبه ربما بما النافية تشبيهًا لفظيًا فصار ترفعن، وإن كان موجبًا كأنه منفي وقال: إنما ذلك لأن التقليل يضارع النفي. انتهى. واستشهد به أبو علي على أنه قد وقع الماضي بعد ربما على ما ينبغي في رب قبل كفها، لأنها موضوعة للإخبار عما مضى، قال أبو علي: وهذا موضع التكثير به أولى من التقليل، ومثله: وإنا لممَّا نضرب الكبش ضربة ... على رأسه تلقي اللسان من الفم وقوله: قد أترك القرن مصفرَّا أنامله

стр. 964

يريد أن الجمع موضوع للتقليل، وهي هنا تقتضي التكثير، لأن ذلك أمدح وأدل على الجرأة. قال: ولا تكون "ما" ههنا إلا كافة. انتهى. والبيت من أبيات لجذيمة الأبرش ملك الحيرة. قال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": جذيمة الأبرش الملك كان شاعرًا وكان أبوه مالك بن فهم ملكًا على العرب بالعراق عشرين سنة، وكان يقال لجذيمة: الوضاح، لبرص كان به وملك بعد أبيه ستين سنة، وكان ينزل الأنبار، وهو القائل: ربّما أوفيت في علمٍ ... ترفعن ثوبي شمالات في فتوٍّ أنا كالئهم ... في بلايا عورة باتوا ثم أبنا غانمين معًا ... وأناس بعدنا ماتوا ليت شعري ما أماتهم ... نحن أدلجنا وهو باتوا في أبيات، ولجذيمة في "كتاب الأزد" أشعار. انتهى. وصف سرية أسرى بها، أو انقطاعًا عرض له من جيشه في بعض مغازيه، فكان ربيئة لهم، ولم يكل ذلك إلى أحد، أخذًا بالحزم والثقة. قال الأعلم: وصف أنه يحفظ أصحابه في رأس جبل إذا خافوا من عدو، فيكون طليعة لهم، والعرب تفخر بهذا، لأنه دال على شهامة النفس وحدة النظر. والعلم: الجبل، والشمالات: جمع الشمال من الرياح، وخصها لأنها تهب بشدة في أكثر أحوالها، وجعلها ترفع ثوبه لإشراف المرقبة التي يربا فيها لأصحابه. انتهى كلامه.

стр. 965

وليس في أبياته ما يدل على أن أصحابه في رأس جبل يخافون عدوًا، وهذا ذم، وإنما المعنى: أنا أنظر لهم وأصعد على موضع عال أرقب لهم وأنظر من يأتيهم، وأوفيت على الشيء: أشرفت عليه، وتقديره: أوفيت على مكان عال في جبل، والشمال بالفتح، ويكسر: الريح التي تهب من ناحية القطب، قال ابن بري: وقوله: ترفعن ثوبي شمالات، كلام منقطع مما قبله، كأنه استأنف الحديث، ولا تكون في موضع حال، لأن هذه النون لا تدخل على الحال. وقوله: أوفيت، أي: أوفيت مرقبة أو شرفًا في علم، لأنه يقال: أوفيت الجبل، وأوفيت فلانًا بمكان كذا. وقوله: شمالات: إشارة إلى شدة الريح واختلافها، ولذلك جمعها. انتهى كلامه. قال السيوطي: قال صاحب "المصباح في شرح أبيات الإيضاح": يحتمل بقاء رب هنا على معناها من التقليل، لأن جذيمة ملك جليل لا يحتاج مثله إلى أن يتبدل في الطلائع، لكنه قد يطرأ على الملوك خلاف العادة، فيفخرون بما ظهر منهم عند ذلك من الصبر والجلادة. انتهى. ومنه أخذ الدماميني قوله: أقول: الافتخار بالتقليل قد يقع، لا من حيث قلته، بل من حيث كونه عزيز المنال، لا يوصل إليه إلا بشق الأنفس، فالظفر به مع هذه الحالة يناسب الافتخار، وحينئذٍ، فقول المصنف: إن التقليل لا يناسب الافتخار، إن قصده كليًّا منعناه، وإن قصده جزئيًا باعتبار البيتين اللذين أنشدهما وأمثالهما؛ فلا تعقب عليه، إذ ما وقع به الافتخار في البيت الأول هو لهوه بامرأة جميلة، وما افتخر به صاحب البيت الثاني هو إيفاؤه في جبل عالٍ، ورفع ريح الشمال لثوبه، وكل منهما ليس أمرًا عزيز المنال، ولا يحصل إلا بشق النفس، والافتخار بمثل ذلك لا يكون إلا

стр. 966

بالكثرة، ولا يكون مجرد الحصول في الجملة. انتهى. وقال صاحب "المصباح": والأكثرون رووا البيت هكذا، ورواه أبو الفرج الأصبهاني: "ترفع أثوابي شمالات" وهي رواية حسنة جدًا، ورواه ابن حزم: "رب ليل قد سريت به" فغير صدره، قال: وفي قوله: ترفعن ثوبي: إشارة إلى أن قميصه لا يلصق بجلده لخمصه، وهذا مدح عندهم، لا سيما من كان عندهم من أهل النعمة. انتهى. وقوله: في فتوٍّ .. إلخ، هو جمع فتى، وهو السخيّ الكريم، والشاب أيضًا، جمع على فعول، وفي بمعنى مع، متعلقة بأوفيت، وكالئهم: اسم فاعل من كلأه الله يكلؤه، مهموز بفتحتين، أي: حرسه وحفظه، وقوله في بلايا عورة .. إلخ، البلايا: جمع بلية، وفي: متعلقة بباتوا، والعورة بالفتح: موضع خلل يتخوف منه في ثغر أو حرب، وبات: له معنيان أشرهما اختصاص الفعل بالليل، كما اختص الفعل في ظل بالنهار، فإذا قلت: بات يفعل كذا؛ فمعناه: فعله بالليل، ولا يكون إلا مع سهو، والثاني بمعنى صار، يقال: بات بموضع كذا، أي صار، سواء كان في ليل أو نهار، والمغنيان هنا محتملان. وروى صاحب "الأغاني" هذا البيت كذا: في شباب أنا رابئهم ... هم لدى العورات صمّات ورابيء: اسم فاعل من ربأت القوم بالهمز ربءًا وارتبأتهم، أي: رقبتهم، وذلك إذا كنت لهم طليعة فوق شرف. والربيء والربيئة: على وزن فعيل وفعيلة: الطليعة، والمربأة على مفعلة، وكذلك المربأ: المرقبة. وصمات: جمع صامت، وصمتهم للجراسة. ورواه الجوهري: في فتوّ أنا رابئهم ... من كلال غزوة ماتوا

стр. 967

والكلال: التعب، وجملة ماتوا: صفة ثانية لفتو، وأراد بالموت: مقاساة الأهوال والشدائد، وقوله: ثم أبنا غانمين: من آب يؤوب؛ إذا رجع. ورواه صاحب "الأغاني": ثمَّ أبنا غانمين وكم ... من أناس قبلنا ماتوا وقوله: نحن أدلجنا، يقال: أدلج إدلاجًا: إذا سار الليل كله. وروى صاحب "الأغاني": ليت شعري ما أطاف بهم ... نحن أدلجنا ... إلخ ورواه غيره: "ليت شعري ما أصابهم" وجذيمة الأبرش: بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة، قال الجاحظ في "البيان": عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي إن جذيمة الوضاح هو الأبرش التنوخي الأزدي، وهو آخر من ملك من قضاعة بالحيرة، وهو أول من حذا النعال، واتخذ المنجنيق ووضعه على الحصون، وأول من أدلج من الملوك، وأول من رفع له الشمع، وكان جذيمة من أفضل ملوك العرب رأيًا، وأبعدهم مغارًا، وأشدهم نكاية، وأظهرهم حزمًا، وهو أول من استجمع له الملك بأرض العراق، وضم إليه العرب، وغزا بالجيوش، وكان به برص، وكانت العرب تكني عن أن تسميه به وتنسبه إليه إعظامًا له، فقيل: جذيمة الوضاح، وجذيمة الأبرش. وكانت منازله فيما بين الحيرة والأنبار و"بقة" و"هيت" وناحيتها، و"عين التمر" وأطراف البر، وتجبى إليه الأموال، وتفد عليه الوفود، وكان غزا طسمًا وجديسًا في منازلها من "جو" وهي اليمامة، فوافق خيول ابن أسعد أبي

стр. 968

كرب قد أغارت على طسم وجديس، فانكفأ جذيمة راجعًا. إلى هنا كلام الجاحظ. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع بعد المائتين: (٢٠٧) وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل على أن ربَّ المقدرة بعد الواو للتقليل، والمصنف في هذا تابع لأبي حيان في "شرح التسهيل" وهذا غفلة من أبي حيان، فإن الواو عاطفة، وأبيض معطوف على مفعول في البيت قبله، وهو: وما ترك قوم لا أبا لك سيّدا ... يحوط الذِّمار غير ذرب مواكل فأبيض معطوف على قوله: سيدًا المنصوب بالمصدر، وهو من عطف الصفات التي موصوفها واحد، هكذا أعربه الزركشي في نكته على "صحيح البخاري" المسمى بـ "التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح" وقال: لا يجوز غير هذا، تبعه ابن حجر في "فتح الباري" والدماميني أيضًا في "تعليق المصابيح على الجامع الصحيح" ونبّه عليه في شروحه الثلاثة على "مغني اللبيب". والبيتان من قصيدة طويلة تزيد على مائة بيت لأبي طالب عن النبي ﷺ ، قالها في الشعب لما اعتزل قريشًا مع بني هاشم وبني عبد المطلب، عاد فيها بحرم

стр. 969

مكة وبمكانه منها، وتودد فيها إلى أشراف قومه، وأخبر قريشًا أنه غير مسلم محمدًا ﷺ ، لأحد أبدًا حتى يهلك دونه، ومدحه فيها أيضًا، قال ابن كثير: هي قصيدة بليغة جدًا لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى. وقد شرحتها محبة في النبي ﷺ حسبما رواها الشامي في "سيرته"، وأودعت شرحها في الشاهد الواحد والتسعين من "شواهد الرضي". قوله: وما ترك قوم .. إلخ، ما: استفهامية تعجبية مبتدأ، وترك: خبر، وهو مصدر مضاف إلى فاعله، وسيدًا: مفعوله، وقوله: لا أبا لك، يستعمل كناية عن المدح والذم، ووجه الأول: أن يراد نفي نظير الممدوح بنفي أبيه، ووجه الثاني: أن يراد أنه مجهول النسب، والمعنيان محتملان هنا. والسيد: من السيادة، وهو المجد والشرف، وحاطه يحوطه حوطًا: رعاه، وفي "الصحاح": قولهم: فلان حامي الذمار، أي: إذا ذمر وغضب حمى، وفلان أمنع ذمارًا من فلان، ويقال: الذمار: ما وراء الرجل مما يحق عليه أن يحميه، لأنهم قالوا: حامي الذمار، كما قالوا: حامي الحقيقة، وسمي ذمارًا، لأنه يجب على أهله التذمر له، وسميت حقيقة لأنه يحق على أهلها الدفع عنها، وظل يتذمر على فلان: إذا تنكر له وأوعده، والذرب: بفتح الذال المعجمة، وكسر الراء لكنه سكن هنا، وهو الفاحش البذيء اللسان، والمواكل: اسم فاعل من واكلت فلانًا مواكلة: إذا اتكلت عليه، واتكل هو عليك، ورجل وكل، بفتحتين، وركلة وتكلة، كهمزة فيها، أي: عاجز يكل أمره إلى غيره ويتكل عليه. وروي: "يحوط الذمار في مكر ونائل" والمكر: مصدر كرّ على العدو: إذا رجع عليه في الحرب، والنائل: العطية.

стр. 970

وقوله: وأبيض يستسقي، بالبناء للمفعول، والعرب تمدح السادة بالبياض، ولا يريدون بياض اللون، وإنما يريدون النقاء من العيوب، وربما أرادوا به طلاقة الوجه، لأن العرب تجعل العبوس سوادًا في الوجه، قال تعالى: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسودًا) [النحل ٥٨] فإذا كان العبوس يعد سوادًا في الوجه وجب أن تعد الطلاقة بياضًا. وقال زهير: وأبيض فيّاض يداه غمامة ... على معتقيه ما تغبُّ فواصله والثمال بالكسر: العماد والملجأ والمطعم والمغني والكافي، والعصمة: ما يعتصم به ويتمسك، قال الزركشي: يجوز فيها النصب والرفع، والأرامل: جمع أرملة، وهي التي لا زوج لها، لافتقارها إلى من ينفق عليها، وأصله من أرمل الرجل: إذا نفد زاده وافتقر، فهو مرمل، وجاء أرمل على غير قياس، قال الأزهري: لا يقال للمرأة أرملة إلا إذا كانت فقيرة، فإن كانت موسرة فليست بأرملة، والجمع أرامل، حتى قيل: رجل أرمل إذا لم يكن له زوج، قال ابن الأنباري: وهو قليل، لأنه يذهب بفقد امرأته لأنها لم تكن قيَّمة عليه، وقال ابن السكيت: الأرامل: المساكين رجالًا كانوا أو نساءً. قال السهيلي في "الروض الأنف": فإن قيل: كيف قال أبو طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه، ولم يره قط استسقي به، إنما كانت استسقاءاته، ﵊ بالمدينة في سفر وفي حضر، وفيها شوهد ما كان من سرعة إجابة الله له؟ فالجواب: إن أبا طالب قد شاهد من ذلك في حياة عبد المطلب ما دَّله، على ما قال. انتهى. ورده بعضهم بأن قضية الاستسقاء متكررة، إذ واقعة أبي طالب كان الاستسقاء به عند الكعبة، وواقعه عبد المطلب كان

стр. 971

أولها أنهم أمروا باستلام الركن، ثم بصعودهم جبل أبي قبيس ليدعو عبد المطلب ومعه النبي صلى الله عليه وسلام، ويؤمن القوم، فسقوا به، قال ابن هشام في "السيرة": حدثني من أثق به قال: أقحط أهل المدينة، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلام، فشكوا ذلك إليه، فصعد رسول الله ﷺ المنبر، فاستسقى، فما لبث أن جاء من المطر ما أتاه أهل الضواحي يشكون منه الغرق، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم حوالينا ولا علينا" فانجاب السحاب عن المدينة، فصار حواليها كالإكليل، فقال رسول الله ﷺ : "لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسره" فقال له بعض أصحابه، وهو علي: كأنك أردت يا رسول الله: "وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... البيت؟ ! "، قال: "أجل" انتهى، وبتصديق النبي ﷺ كون هذا البيت لأبي طالب، وعليه اتفق أهل السير، سقط ما أورده الدميري في "شرح المنهاج" في باب الاستسقاء عن الطبراني وابن سعد أن عبد المطلب استسقى بالنبي ﷺ ، فسقوا، ولذلك يقول عبد المطلب فيه يمدحه: "وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... البيت"؟ ! قال ابن حجر الهيتمي في "شرح الهمزية": وسبب غلط الدميري في نسبة هذا البيت لعبد المطلب أن رقيقة -براء مضمومة وقافين- بنت أبي صيفي أبن هاشم، وهي التي سمعت الهاتف في النوم أو اليقظة، لما تتابعت على قريش سنون أهلكتهم: يصرخ: يا معشر قريش! إن هذا النبي المبعوث قد أظلتكم أيامه، فحيهلا بالحيا والخصب، ثم أمرهم بأن يستسقوا به، وذكر كيفية يطول ذكرها، فلما ذكرت الرواية في القصة أنشأت تمدح النبي ﷺ بأبيات آخرها: مبارك الأمر يستسقى الغمام به ... ما في الأنام له عدل ولا خطر

стр. 972

فإن الدميري لما رأى هذا البيت في رواية قصة عبد المطلب التي رواها الطبراني، وهو يشبه بيت أبي طالب، إذ في كل استقساء الغمام به توهم أن بيت أبي طالب لعبد المطلب، وإنما هو لرقيقة المذكورة، والحكم عليه بأنه عين البيت المنسوب لأبي طالب ليس كذلك بل شتان بينهما، فتأمل هذا المحل فإنه مبهم، وقد اغتر بكلام الدميري من لا خبرة له بالسير، انتهى، وبعد ذلك البيت: يلوذ به الهلّاك من آل هاشم ... فهم عنده في رحمة وفواضل يلوذ: صفة أخرى لموصوف سيد، والهلّاك: الفقراء والصعاليك الذين ينتابون الناس طلبًا لمعروفهم من سوء الحال، وهو جمع هالك، قال جميل: أبيت مع الهلّاك ضيفًا لأهلها ... وأهلي قريب موسعون ذوو فضل وقال زياد بن حمل: ترى الأرامل والهلّاك تتبعه ... يستن منه عليهم وابل رذم وأبو طالب: عم النبي ﷺ وناصره، ولد قبل النبي بخمس وثلاثين سنة، ولما مات عبد المطلب أوصى بالنبي ﷺ ، فكفله وأحسن تربيته، وسافر به إلى الشام وهو شاب، ولما بعث ﷺ قام بنصرته، وذب عنه من عاداه، ومدحه عدة مدائح، واسمه عبد مناف على المشهور، واشتهر بكنيته، وقيل: اسمه

стр. 973

عمران، وقيل: شبيه، قال الواقدي: وتوفي أبو طالب في النصف من شوال في السنة العاشرة من النبوة وهو ابن بضع وثمانين سنة، واختلف في إسلامه، قال ابن حجر: رأيت لعلي بن حمزة البصري جزءًا جمع شعر أبي طالب، وزعم أنه كان مسلمًا ومات على الإسلام، وأن الحشوية تزعم أنه مات كافرًا، واستدل لدعواه بما لا دلالة له فيه، انتهى، ومن شعره فيه، ﷺ : ودعوتني وزعمت أنك صادق ... ولقد صدقت وكنت ثمَّ أمينا ولقد علمت بأنَّ دين محمد ... من خير أديان البرية دينا ومن شعره الذي قاله وهو في الشعب: ألا أبلغا عني على ذات بيننا ... لؤيًّا وخصَّا من لؤيِّ بني كعب ألم تعلموا أنَّا وجدنا محمدًا ... نبيًا كموسى خطَّ في أوَّل الكتب وأنَّ عليه في العباد مودَّة ... وخيِّر فيمن خصَّه الله بالحبِّ وهي قصيدة جيدة على هذا الأسلوب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن بعد المائتين: (٢٠٨) ألا ربَّ مولود وليس له أب ... وذي ولد لم يلده أبوان

стр. 974

وذي شامة غراء في حرِّ وجهه ... مجلَّلة لا تنقضي لأوان ويكمل في تسع وخمس شبابه ... ويهوم في سبع معًا وثمان على أن رب للتقليل، فإن مولودًا لا والد له في غاية القلة، وكذلك ذي ولد لا أبوين له، وكذلك الثالث. والبيت الأول استشهد به سيبويه في ترخيم اسحار في أنك تحركه بأقرب الحركات إليه، وكذا نقول: انطلق إليه في أمر، تكن اللام فتبقى ساكنة، والقاف ساكنة، فتحرك القاف بأقرب الحركات إليها وهي حركة الطاء، قال أبو جعفر النحاس: فإن قيل: فقد جئت بحركة موضع حركة، فما الفائدة في ذلك، فالجواب إن الحركة المحذوفة كسرة، انتهى، أي: فالفتحة أخف منها، فأصل يلده بكسر اللام وسكون الدال للجزم، فسكن المكسور تخفيفًا، فحركت الدال لالتقاء الساكنين بحركة هي أقرب المتحركات أيها، وهي الفتحة، لأن الساكن غير حاجز حصين. قال المبرد في "الكامل": كل مكسور ومضموم إذا لم يكن من حركات الإعراب يجوز فيه التسكين، وأنشد هذا البيت وقال: لا يجوز ذلك في المفتوح لخفة الفتحة، انتهى. ووقع صدر هذا البيت في رواية سيبويه: "ألا رب" كما هنا، وجاء في "إيضاح الفارسي" برواية: "عجبت لمولود" وكل منهما رواية صحيحة، ونسبه سيبويه لرجل من أزد السراة، والبيت الثاني رواه الجاريردي وغيره كذا:

стр. 975

وذي شامة سوداء في حرِّ وجهه ... مخلَّدة لا تنقضي لأوان وهي رواية أحسن من الأولى، وروي مصراع البيت الثالث: "ويهوم في سبع مضت وثمان". وقوله: وذي شامة، الشامة: علامة مخالفة لسائر البدن، والخال: هي النكتة السوداء فيه، وأراد بالشامة: المسحة التي في القمر يقال: إنها من أثر جناح جبريل ﵇، قال الخفاف: شبه النكتة التي تظهر في المسمى "أرنب القمر" بالشامة، انتهى. وأراد بكمال شبابه صيرورته بدرًا في الليلة الرابعة عشر، لأنه حينئذ في غاية البهاء والضياء، كما أن الشباب في غاية قوته وحسن منظره، وأراد بهرمه: ذهاب نوره ونقصان ذاته في الليلة التاسعة والعشرين، فإن السبعة والثمانية هي خمسة عشر، إذا انضمت مع الخمسة والتسعة المتقدمة وهي أربعة عشر، صارت تسعة وعشرين، وهذا الضم استفيد من قوله: معًا، ورواية "وذي شامة غراء" غير مناسبة، كرواية مجللة، اسم فاعل من التجليل، وهو التغطية، وحر الوجه: ما بدا من الوجنة، أو ما أقبل عليك منه، أو أعتق موضع فيه، ومخلدة: باقية، بالجر صفة لذي شامة، وبالنصب حال منه، واللام في قوله: لأوان، بمعنى في، أو بمعنى عند، وذكر العدد في الجميع، لأنه باعتبار الليالي.

стр. 976

قال أبن عبد البر في "مقدمة الاستيعاب": الأزد: جرثومة من جراثيم قحطان، وافترقت فيما ذكر ابن عبدة وغيره من علماء النسب على نحو سبع وعشرين قبيلة، ويقال لبعض منهم، أزد السراة، وهو من أقام منهم عند جبل السراة بفتح السين المهملة. وقوله: ألا رب مولود وليس له أب ... أي: رب إنسان مولود، فمولود: صفة لمجرور رب المقدر، أو جملة: "وليس له أب" في موضع الصفة لمجرور رب، وجوابها محذوف تقديره: وجد، وهذه الواو هي سماها الزمخشري واو اللصوق، أي: لصوق الصفة بالموصوف، وجعل من ذلك قوله تعالى: ﴿وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم﴾ [الحجر/٤] أو هي حال من مولود، ولا وصف لمجرورها، لأنه غير لازم عند سيبويه ومن تبعه. قال أبو حيان في "شرح التسهيل": واستدل ابن طاهر على أنه لا يلزمه الوصف بقوله: ألا رب مولود وليس له أب، ألا ترى أن مولودًا لم يوصف! قال ابن عصفور: ومما يبين أنه لا يلزمه الوصف أنك تجد أماكن إن جعلت ما بعد المخفوض صفة لم يبق للمخفوض ما يعمل فيه لا في اللفظ ولا في التقدير، لأن معنى الكلام لا يقتضي عاملًا محذوفًا بل تجد المعنى مستقلًا من غير حذف، نحو قول امرئ القيس: فيا ربّ يوم قد لهوت وليلة ... البيت ألا ترى أن المعنى مستقل بما في اللفظ خاصة، وإن رمت أن تتكلف حذف عامل فقدرت: ظفرت بها أو تمتعت بها، كانت زائدة غير مفيدة، لأن ذلك

стр. 977

المعنى حاصل من غير حذف، لأن لهوك بالآنسة في ذلك اليوم وتلك الليلة ظفر بها وتمتع، انتهى، وقد أطنب أبو حيان بنقل الخلاف وأطاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع بعد المائتين: (٢٠٩) فويق جبيل شامخ لن تناله ... بقنَّته حتَّى تكلَّ وتعملا على أن تصغير جبيل للتقليل، قال الدماميني: التصغير في كل من فويق وجبيل راجع إلى التقليل، ولا يجوز أن يراد به التحقير، لمنافاة وصفه بما ذكر للحقارة، انتهى. وعند الكوفيين: التصغير في هذا البيت والذي بعده للتعظيم، قال الرضي في "شرح الشافية": قيل: يجيء التصغير للتعظيم، فيكون من باب الكناية، يكنى بالصغر عن بلوغ الغاية، لأن الشيء إذا جاوز حده جالس ضده، وقريب منه قول الشاعر: دويهية تصفرُّ منها الأنامل ورد بأن تصغيرها على حسب اعتقاد الناس لها، وتهاونهم بها، إذ المراد بها الموت، أي: يجيئهم ما يحتقرونه، مع أنه عظيم في نفسه تصفر منه الأنامل، واستدل بقوله: فويق جبيل ... البيت، ورد بتجويز كون المراد دقة الجبل وإن كان طويلًا، وإذا كان كذا فهو أشد لصعوده، انتهى.

стр. 978

وقال ابن يعيش: للتصغير معان ثلاثة: تحقير ما يتوهم أنه عظيم كرجيل، وتقليل ما يتوهم أنه كثير كدريهمات، وتقريب ما يجوز أن يتوهم أنه بعيد، كبعيد العصر وقبيل الفجر، وأضاف الكوفيون تصغير التعظيم، كقوله: دويهية تصفر منها الأنامل، والمراد تعظيم، إذ لا داهية أعظم من الموت، وقال الآخر: فويق جبيل ... البيت، قال: جبيل، ثم قال: شاهق الرأس، وهو العالي، فدل على أنه أراد تفخيم شأنه، وهذا ليس من أصول البصريين، وجميع ما ذكروه راجع إلى معنى التحقير فأما قولهم: دويهية، فالمراد أن أصغر الأشياء قد يفسد الأمور العظام، فحتف النفوس قد يكون بصغير الأمر الذي لا يؤبه له، وأما: فويق جبيل، فالمراد أنه صغير العرض دقيق الرأس شاق المصعد، لطوله وعلوه، انتهى، وكذا قال ابن السكيت في شرح البيت، قال: يقول: هو صغير العرض ذاهب في السماء، وهو أشد لصعوده، ويروى: سامق الرأس، وشاهق الرأس، وشامخ الرأس، والجميع واحد، انتهى. والبيت في وصف نبعة قوس، من قصيدة ذكر فيها انواع سلاحه، قال بعد ستة أبيات من أولها: وإنِّي امرؤ أعددت للحرب بعد ما ... رأيت لها نابًا من الشَّرِّ أعصلا أصمَّ ردينيَّا كأنَّ كعوبه ... نوى القسب عرَّاصًا مزجَّى منصَّلا وأبيض هندَّيًا كأنَّ غراره ... تلألؤ برق في حبي تكلَّلا

стр. 979

ومبضوعة من رأس نبع شظية ... بطود تراه بالسَّحاب مجلَّلا على ظهر صفوان كأنَّ متونه ... عللن بدهن يزلق المتِّنزلا يطيف بها راع يجشِّم نفسه ... ليكلئ فيها طرفه متأمِّلا فلاقى أمرًا من ميدعان وأسمحت ... قرونته بالبأس منها وعجَّلا فقال له هل تذكونَّ مخبِّرًا ... يدلُّ على غنم ويقصر معملا على خير ما أبصرتها من بضاعة ... لملتمس بيعًا بها أو تبكُّلا فويق جبيل ... البيت فأصر ألهابًا من الطَّود دونها ... يرى بين رأسي كلِّ نيقين مهبلا فأشرط فيها نفسه وهو معصم ... وألقى بأسباب له وتوكَّلا وقد أكلت أظفاره الصَّخر كلَّما ... تعيا عليه طول مرقى تسهَّلا فما زال حتَّى نالها وهو معصم ... على موطن لو زلَّ عنه تفصلا فلمَّا نجا من ذلك الكرب لم يزل ... يمظِّعها ماء اللِّحاء لتذبلا فلمّا قضى ممّا يريد قضاءه ... وصلَّبها حرصًا عليها فأطولا أمرَّ عليها ذات حدِّ دعا لها ... رفيقًا بأخذ بالمداوس صيقلا فجردها صفراء لا الطُّول عابها ... ولا قصر أزرى بها فتعطَّلا ثم وصفها بعشرة أبيات فقال: فذاك عتادي في الحروب إذا التظت ... وأردف بأس من حرب وأعجلا

стр. 980

قوله: وإني امرؤ أعددت، أي: هيأت عدة، وأعصل، بمهملتين، أعوج، قال ابن السكيت في شرحه: يقول: هي حرب قدمت وأسنت، فهو أشد لها، وقوله: أصم ردينيا ... إلخ، هو مفعول أعددت، والأصم: المصمت الذي لا جوف له، أي: رمحًا أصم، والرمح الرديني: منسوب إلى ردينة، بالتصغير وهي امرأة كانت تقوم الرماح، وكان زوجها سمهر أيضًا يقوم الرماح، ويقال لرماحه: السمهرية، قال ابن السكيت: الكعب: الأنبوب، ويسمون العقدة كعبًا، وهو المراد هنا، والقسب: [تمر] يابس، نواه ضامر صلب، والعراص بمهملات: الشديد الاضطراب، والمزجي: الذي له زج، بضم الزاي وتشديد الجيم، وهي الحديدة التي في أسفل الرمح تغرز في الأرض، والمنصل: الذي جعل له نصل، وهو السنان. ثم وصف الرمح بأبيات أخر، وقال: وأبيض هنديًا ... الخ، معطوف على أصم، أي: وأعددت أيضًا سيفًا هنديًا، والغرار، بكسر المعجمة: حد السيف، والحبي: ما حبا من السحاب، أي: ارتفع وأشرف، وتكلل السحاب صار بعضه فوق بعض، وهو أشد لإضاءة البرق. ثم وصف السيف بأبيات، وقال: ومبضوعة؛ معطوف على أصم أيضًا، أي: وأعددت قوسًا مبضوعة، أي: مقطوعة، والفرع: أعلا الشجر، والشظية، بفتح الشين وكسر الظاء المعجمتين: الشقة والفلقة، وهي صفة لمبضوعة، والباء في بطود: متعلقة بمحذوف حال من رأس فرع، وجملة تراه: صفة لطرد،

стр. 981

والرؤية بصرية، ومفعولها الهاء الراجعة إلى طود، ومجللًا: حال من الهاء، وهو اسم مفعول من جلله بمعنى غطاه وألبسه، وبالسحاب متعلق به. وقوله: على ظهر صفوان ... الخ قال ابن السكيت: يقول نبتت على حجر يزلق الرجل المتنزل لملاسته، وعللن: سقين مرة بعد مرة، وقوله: يطيف بها راع ... الخ، قال ابن السكيت: يطيف بهذه القوس المبضوعة راع، أي: حافظ، ليجعل طرفه كالئًا يحفظ منها منظرًا، والكالئ: الحافظ، وقوله: فلاقى امرًا من ميدعان، قال ابن السكيت: فعجل به اليأس، أي: لم يتحبس به اليأس، هذا الذي رآها لاقى امرًا من ميدعان، وهي حي من اليمن من أزد السراة، وقد استشعر اليأس منها، فاستشار الآخر، فقال: هل تذكر رجلًا يصيب الغنم، ويقصر العمل، أي: يجيء بعمل قصير، أراد أنهما تشاورا، فدله على الذي رأي فعجلا، يقول: كأنه نسي أنه يئس منها، فلما دله عليها عجل إلى ما قال، وأسمحت قرونته وقرينته جميعًا، وهي النفس، باليأس، أي: تابعته نفسه على اليأس ولم تنازعه، وهذا مثل قولك: لقي فلان فلانا ونسي ما أتى إليه، أي: وقد نسي، انتهى كلامه. وقوله: فقال له، هل ... الخ، أي: هل تذكرن رجلًا يدل على غنيمة ويقصر معملًا، أي: ويقل العمل والعناء، وقوله: على خير ما أبصرتها ... الخ، قال ابن السكيت: أي: فقال: هل تدل على خير ما أبصرتها؟ أي خير ما أبصرت من بضائع الناس، والتبكل: التغنم، يقال: تبكل، أي: تغنم، إن أراد بيعًا أو غنمًا، وقال: المتبكل الذي يباكل بها الناس، يقول لهذا: سوف أبيعك، ولهذا: سوف أعيرك، انتهى. وقال أبو حنيفة في "كتاب النبات": ميدعان حي من أزد السراة، وهم أهل جبال شجيرة، يقول: إما لأن يبريها، وإما لأن يتخذها معاشًا لصيد أو

стр. 982

غزو، والتبكل: التكسب من هنا وههنا، وأصل البكل: الخلط، والقواسون يطلبون هذه العيدان العتق من مظانها، أي: من منابتها حيث كانت من السهول والوعور، ويستدلون عليها الرعاء وقناص الوعول، ويجعلون فيها الجعائل، وربما أبصروا الشجرة منها بحيث لا يستطيعه راق ولا نازل، فيتدلون عليها بالحبال في المهاوي والمهالك، كما يتدلى من يشتار العسل على الرقاب، وأخبرني بعض الأعراب قال: يطلب القواسون هذه العيدان العتق، فإن وجدوها مستحكمة اقتطوها، وإن لم تكن مستحكمة حوضوا حولها، وحملوا إليها الماء، فربما ربوها كذلك سنين حتى تستحكم، قال: وإذا وجد الرعاء منها شجرة دلوا عليها القواس، وأخذوا على ذلك ثوابًا، فقلت له: وكم يبلغ القوس عندكم؟ فقال: تبلغ إذا كانت جيدة خمسمائة درهم، وقد ذكر أوس بن حجر كل ذلك في وصفه القوس، فقال في منعة منبت عودها: ومبضوعة من الرأس فرع، إلى آخر أبيات ثلاثة، ثم ذكر استرشادها من عسى أن يدله، فقال: فلاقي امرًا من ميدعان، إلى آخر أبيات ثلاثة، ثم وصف امتناع منبتها، وتدليه عليها بالحبال: فويق جبيل شاهق الرأس، إلى آخر الأبيات. وقوله: فويق: مصغر فوق، وهو ظرف متعلق بأبصرتها من قوله: على خير ما أبصرتها، في البيت المتقدم، والبلوغ: الوصول، وكل يكل، من باب ضرب، كلالة، أي: تعب وأعيا، ويتعدى بالألف، وتعمل: أي تجتهد في العمل، فهو مضمن معنى الاجتهاد، ولهذا لم يتعد، وأصله التعدي، يقال: عملته أعمله عملًا، من باب فرح، أي: صنعته، والاجتهاد مقدم في المعنى على الكلال، ولا مانع من تأخره لفظًا، لأن الواو لمطلق الجمع لا تفيد ترتيبًا، وروي: "وتعملا" بضم التاء وكسر الميم، والمعنى: وتجهد نفسك أو غيرك، فالمفعول محذوف، وأصل أعمل تعديه إلى مفعولين، تقول: أعملته كذا، أي: جعلته

стр. 983

عاملًا له، والنيل، الإصابة والوصول إلى الشيء، وقنة الجبل، بضم القاف وتشديد النون: أعلاه، كقلّته باللام. وقوله: فأبصر ألهابًا .. إلخ؛ جمع لهب بكسر اللام وسكون الهاء، قال الجوهري: هو الفرجة، والهواء يكون بين الجبلين، وأنشد هذا البيت، والطود: الجبل، ودونها أي: دون المبضوعة، ودون هنا بمعنى أمام، وفاعل أبصر ضمير الرجل من ميدعان، والنيق بكسر النون: المشرف من الجبل، والمهبل بفتح الميم وكسر الموحدة: الهوى والمهلك. قال أبو حنيفة: ثم ذكر تدليه عليها بالحبال، ومخاطرته بنفسه فقال: فأشرط فيها نفسه .. إلى آخر أبيات ثلاثة، وقال ابن السكيت: أشرط نفسه: جعلها علمًا للموت، ومنه أشراط الساعة، ويقال: أشرط نفسه في ذلك الأمر، أي: خاطر بها، والمعصم والمعتصم واحد، وهو: المتعلق، أي: متعلقًا بالحبل فذلك الذي ألقى من أسباب حباله، والسبب: الحبل ويصلح أن يكون سبًا بالكسر، وقال أبو ذؤيب: تدلَّى عليها بين سبٍّ وخيطة فالسب: الحبل، والخيطة: الوتد. انتهى. وتوكل: اعتمد الله. وقوله: وقد أكلت أظفاره .. إلخ، قال ابن السكيت: يتوصل من مكان، ثم ينزل بعده، وروي: "طول مرقى توصلًا" أي: توصل من مكان، إلى مكان، كقولك: اجعل هذه وصلة، وقوله: فما زال حتى نالها، قال ابن السكيت: معصم: مشفق، والموطن: الموضع الذي صار إليه، انتهى.

стр. 984

وتفصل: تقطع، وقوله: فأقبل لا يرجو .. إلخ، قال ابن السكيت: يقول: عسى أن أفلت وأنجو. وقوله: فلما نجا من ذلك الكرب؛ هو الشدة، ويمظعها بالظاء المعجمة والعين المهملة، واللحاء بكسر اللام: قشعر العود، قال ابن السكيت: يمظّعها: يشربها، يقال: مظع الأديم الودك، أي: شربه، يقول: لم يزل يسقيها ماء لحائها ليكون أجود لها، ولو قشر اللحاء عنها لأفسدها. وقوله: فلما قضى مما يريد .. إلخ، صلبها: يبسها، يقال: تمرة مصلبة، أي: يابسة، وأطول: أطال. وقوله: أمرّ عليها .. ، قال ابن السكيت: الرفيق: الحاذق، والمداوس: المصاقل، واحدها مدوس، وهو الذي يصقل به. وقوله: فجردها صفراء، قال ابن السكيت: يقول: لو كانت قصيرة لتعطلت وكانت أصغر من أن يرمى عنها، ولم تعب من طول، فتعطل: تترك لا تتخذ قوسًا. وقوله: فذاك عتادي .. إلخ، الإشارة للرمح والسيف والقوس، والعتاد: العدة، والتظت: التهبت. ويعجبني قوله بعد هذا بأربعة أبيات: وإنِّي وجدت النَّاس إلا أقَّلهم ... خفاف العهود يسرعون التَّنقُّلا بني أمّ ذي المال الكثير يرونه ... وإن كان عبدًا سيِّد الأمر جحفلا وهم لمقلِّ المال أولاد علَّة ... وإن كان محضًا في العشيرة مخولا وليس أخوك الدائم العهد بالّذي ... يذمُّك إن ولّى ويرضيك مقبلا

стр. 985

ولكن أخوك الناء ما كنت آمنًا ... وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا وهذا آخر القصيدة. وأراد التنقل عن المودة، وجحفل: كثير الأتباع، وجيش جحفل: إذا كان كثير الأصوات، وقوله: وهم لمقل المال .. إلخ، أي: يبغضون من لا مال له وإن كان شريفًا، والمحض: الخالص النسب، ومخول: اسم مفعول، من أخول الرجل: إذا صار كثير الأخوال، والناء: البعيد، وحذفت الياء للضرورة، وأعضل الأمر: اشتد وقد تقدمت ترجمة أوس ابن حجر في الإنشاد الثاني والأربعين. وأنشد بعده: وكلُّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرُّ منها الأنامل وقد تقدم شرحه في الإنشاد الواحد والستين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد العاشر بعد المائتين: (٢١٠) فمثلك حُبلى قد طرقت ومرضع تمامه: فأليتها عن ذي تمائم محول على أن مثلك مجرور بعد الفاء بإضمار رب، وكذا استشهد به سيبويه، لكنه روى البيت، على غير هذا الوجه، قال في باب كم: وزعم الخليل أن قولهم: لاه أبوك، و: لقيته أمس، إنما هو على: لله أبوك، و: لقيته بالأمس، ولكنهم حذفوا الجار والمجرور والألف واللام تخفيفًا، وليس كل جابر يضمر،
следующие страницы →