← Сияса и кади

Сияса и кади · id 150967

شرح «أدب القاضي للخصاف» للصدر الشهيد - ت سرحان

الصدر الشهيد

Полный текст (1 720 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

لأن حضرة الخصم ليست بشرط لقبول البينة لأجل الكتاب، كما لو قامت على مال. [٩٣٧] قال: [وقال] أبو حنيفة ﵀: لو أن رجلاً وكل رجلاً بقبض حقوقه قبل رجل كان الوكيل بالقبض وكيله بالخصومة، إن جحد المطلوب ذلك الحق، فللوكيل أن يقيم البينة. وكذلك أن أثبت الحق على المطلوب، فقال المطلوب: دفعت هذا الحق إلى الطالب، فأقام المطلوب بينة على ذلك، تقبل بينته على هذا الوكيل. وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: الوكيل بقبض الدين لا يكون وكيلاً بالخصومة. وهذا قول زفر ﵀. وذكر صاحب الكتاب بعد هذا [فقال]:

стр. 1087

واجمعوا أن الوكيل بقبض العين لا يكون وكيلاً بالخصومة، حتى لو ادعى المودع أن المودع وهب منه، أو تصدق عليه، أو باعه منه، وأراد إقامة البينة على الوكيل فإنه لا يقبل [ذلك]. فأما الوكيل بالخصومة في الدين أو في العين إذا خاصم فيه وأثبت هل يملك القبض؟ عند علمائنا الثلاثة ﵏: يملك. وعند زفر: لا يملك، بل يقبضه الموكل. واستحسن المتأخرون في أنه لا يملك كما قال زفر، وبه يُفتى. لأنه لا يؤتمن على المال من يوتمن على الخصومة. وقد ذكرنا هاتين المسألتين في شرح الجامع الصغير. [٩٣٨] قال: الوكيل بالخصومة إذا أقر أن الموكل قد كان قبض هذا الحق من المطلوب فهذا على وجهين: أما أن أقر في مجلس القاضي، أو في غير مجلس القاضي.

стр. 1088

ففي الأول صح إقراره عند علمائنا الثلاثة ﵏ استحساناً. وعند زفر ﵀ لا يصح قياساً، ويخرج من الوكالة، نص على هذا صاحب الكتاب بعد هذا. وإن أقر في غير مجلس القاضي لم يصح إقراره عند أبي حنيفة ومحمد وزفر. وعند أبي يوسف صح. [٩٣٩] قال صاحب الكتاب: وقال أبو يوسف وغيره من أصحابنا: أنه يجوز إقراره في غير مجلس القاضي. ولم يذكر أن ذلك الغير من هو. ثم عند أبي حنيفة ومحمد وزفر: إذا لم يصح الإقرار في غير مجلس القاضي، لكن إذا ثبت إقراره في غير مجلس القاضي عند القاضي، بأن أقام المطلوب بينة على ذلك يخرج عن الوكالة، إن لم يبرأ المطلوب. لأنه إن أقر أنه ليس عليه شيء، فكيف يخاصمه وهو بمنزلة الوكيل بالخصومة إذا استثنى الإقرار فأقر، لا يصح، لكن يخرج عن الوكالة، كذا هنا. وحق المسألتين كتاب الوكالة. [٩٤٠] قال: وكذلك إذا قال الوكيل: قد أخذت هذا الحق من المطلوب،

стр. 1089

ودفعته إلى الموكل، جاز إقراره. لأنه مسلط، وهو مؤتمن فيه، فيصدق كالمودع إذا قال: دفعت الوديع إلى المودع. وفي هذه المسألة دقيقة لم تذكر ههنا، وستأتي بعد هذا. [٩٤١] قال: فإن وهب الحق من المطلوب، أو أبرأه منه، أو تصدق به عليه، لم يجز على الموكل ذلك. لأنه غير مسلط على هذه التصرفات. [٩٤٢] قال: وإن تقدم رجل إلى القاضي وادعى أن فلان بن فلان وكله بقبض دينه الذي على فلان هذا فأحضره القاضي معه، فهذا على ثلاثة أوجه: أما أن أقر الغريم بالدين والوكالة جميعاً. أو أقر بالدين وجحد الوكالة. أو أقر بالوكالة وجحد الدين. أما إذا أقر بالدين والوكالة فإن القاضي يأمره بدفع الدين إلى الغريم. لأن إقراره على نفسه جائز. فإن أبي أن يدفع فالقاضي يجبره على الدفع. فرق بين هذا وبين الوكيل بقبض العين إذا جاء، وقال: أنا وكيل فلان وكلني بقبض الوديعة منك، فصدقه المدعى عليه في الوكالة

стр. 1090

والوديعة، ثم أبى أن يدفع إليه، فإنه لا يجبر على الدفع. والفرق أن في الوديعة أقر بثبوت الحق له في ملك الغير؛ لأن الوديعة ملك المودع، فلا يصح إقراره، فلا يجبر على الدفع. أما في الدين فافر بثبوت حق القبض له في ملك نفسه؛ لأن الديون تقضي بأمثالها لا بأعيانها، فصح الإقرار، فأجبر على الدفع. فإن حضر الطالب، وأنكر أن يكون وكل هذا كان للغريم أن يحلفه بالله ما قبض فلان بن فلان الفلاني هذا المال لهذا الغريم بأمرك ووكالتك إياه بذلك. لأنه يدعي عليه معنى لو أقر به يلزمه، فإذا أنكر يستحلف رجاء النكول، فإن حلف رجع على الغريم بالدين فيأخذه. وهل يرجع الغريم على الوكيل؟ فهذا على ثلاثة أوجه: أما أن يكون الدين الذي دفع إليه قائماً عنده، أو مستهلكاً استهلكه القابض أو هلك. ففي الوجه الأول: يرجع ويأخذ منه. وفي الوجه الثاني: يضمنه مثله. وفي الوجه الثالث: لا [يضمنه].

стр. 1091

وقد ذكرنا تمام هذه المسألة في شرح الجامع الصغير في كتاب القضاء. وأما إذا أقر بالدين وجحد الوكالة، فقال الوكيل: حلفه ما يعلم أن الطالب وكلني بقبض ذلك منه [فعند أبي حنيفة لا يحلف، وعند أبي يوسف ومحمد يحلف]. وذكر في بعض النسخ: وقال الحسن بن زياد: قال أبو يوسف: ذكره حالياً، وفي بعض النسخ: قال الحسن بن زياد: وقال أبو يوسف ذكره لا حاكياً عند أبي حنيفة يستحلف، وعندها لا يستحلف. هما يقولان: الوكيل يدعى عليه معنى لو أقر به لزمه، فإذا نكل وجب أن يستحلف رجاء النكول. وأبو حنيفة ﵀ يقول: اليمين تترتب على صحة الدعوى،

стр. 1092

وصحة الدعوى تترتب على كونه وكيلاً، ولم يثبت كونه وكيلاً، فلا تصح الدعوى فلا تتوجه اليمين. وأما إذا أقر بالوكالة، [وأن الطالب وكله بكل حق له قبله وبخصومته] وجحد الدين فقال الوكيل: أنا أقيم البينة على هذا الحق، لم يقبل القاضي ذلك منه، ولا يكون وكيلاً بإثبات الحق إلا بينة تشهد له على الوكالة، أو يحضر الموكل فيوكله. لأن البينة إنما تسمع من الخصم، وكونه خصماً لو ثبت إنما يثبت بإقرار المطلوب، وإقراره ليس بحجة في حق الطالب، فإن أقام البينة على الوكالة [ثبت كونه خصماً، فقبلت بينته بعد ذلك، وإن كان مقراً بالوكالة، لأن الوكالة] لم تثبت بإقراره، لأنه لم يصح إقراره، فجعل كالعدم. ونظير هذا ما قالوا: لو أن رجلاً ادعى على ميت ديناً، فأحضر واراثاً من ورثته، فأقر هذا الوارث بدينه، فإنه يستوفي من نصيبه خاصة. فإن قال المدعي: أنا أقيم البينة على هذا الدين على هذا الوارث المقر

стр. 1093

لكي يثبت حقي فأستوفيه من التركة، إنه يقبل. وكذا لو وكله بقبض عين له في يد إنسان، فأقر الذي في يديه، ثم أقام المدعى البينة على هذا المقر بالتوكيل جاز؛ لما قلنا. [٩٤٣] قال: وإن وكل رجلاً بطلب حقوقه، وقبضها، والخصومة فيها على أن لا يجوز إقراره عليه ولا صلحه، ولا تعديل شاهد يشهد عليه بشيء يبطل به حقاً، فالوكالة على [هذا] الشرط جائزة. لأن الوكيل قائم مقام الموكل، فإن أقام مطلقاً جاز، وإن قيد جاز. [٩٤٤] قال: فإن أقر هذا الوكيل أن الطالب قبض هذا الحق من الغريم لم يجز ذلك على الموكل. لأنه لما استثنى الإقرار عن الوكالة لم يكن وكيلاً في الإقرار، فلم يصح، لكن يصير به خارجاً عن الوكالة. لأن الإقرار من هذا الوكيل في مجلس القاضي بمنزلة إقرار الوكيل المطلق في غير مجلس القاضي عند أبي حنيفة ومحمد وزفر ﵏. ونمة لما لم يصح خرج من أن يكون وكيلاً كما مر فكذلك ههنا.

стр. 1094

[٩٤٥] قال: وإن قال الوكيل: قد قبضت أنا هذا الحق من الغريم فضاع مني، أو قال: دفعته إلى الطالب، صح إقراره وبرئ الغريم. فرق بين هذا وبين ما إذا أقر أن الطالب قبض هذا الحق من الغريم فإنه لا يصح. والفرق: أن الموكل استثنى من التوكيل الإقرار بما يبطل حقه في الاستيفاء، أما الإقرار بأني قبضت فليس بإقرار يبطل به حقه في الاستيفاء، بل يتقرر فصح فبعد ذلك إذا قال: دفعته إلى الطالب، أو يقول: ضاع مني، وهو أمين في ذلك فيصدق إذا حلف ويبرأ. [٩٤٦] قال: وإذا وكل الرجل رجلاً بقبض حقوقه، وبطلبها، والخصومة فيها، فليس للوكيل أن يوكل بذلك غيره. لأن الخصومة أمر يحتاج فيها إلى الرأي، والناس يتفاوتون في هذا، والموكل رضي برأيه، لا برأي غيره، فلا يكون له أن يوكل غيره بذلك. [٩٤٧] قال: فإن كان صاحب الحق أجاز أمره في ذلك، وما صنع فيه؛ بأن قال: ما صنعت فيه من شيء فهو جائز، فله أن يوكل بذلك.

стр. 1095

لأنه فوض إليه الأمر فيما يراه عاماً، والتوكيل من جملة ما رآه، فيصح، وليس للوكيل الثاني أن يوكل غيره؛ لأن الوكيل الثاني ما فوض إليه الأمر عاماً، وإنما فوض إليه الخصومة. [٩٤٨] قال: وإن مات صاحب الحق بطلت وكالتهما جميعاً. لأن كل واحد منهما نائب عن الموكل الأول، فموته يبطل وكالتهما [جميعاً]. لأن التركة انتقلت إلى الورثة. [٩٤٩] قال: ولو لم يمت صاحب الحق، لكن مات الوكيل الأول، فالثاني على وكالته على حاله. لأنه نائب عن الموكل، وليس بنائب عن الوكيل الأول، لكن ملك الوكيل الأول عزل الثاني، لأنه [في العزل] نائب عن صاحب الحق؛ لأن صاحب الحق فوض الأمر إلى رأيه عاماً.

стр. 1096

إلى هذا أشار صاحب الكتاب فقال: لأن الطالب سلطه على ذلك، فصار كأن صاحب الحق وكل رجلين ومات أحدهما. [٩٥٠] قال: وإذا ثبت الحق على المطلوب فقال للقاضي: حلف الوكيل بالله ما يعلم أن الطالب قد قبضه مني، فلا يمين عليه، وأن ادعى معنى لو أقر به لزمه. لأن اليمين تترتب على صحة الدعوى، وصحة الدعوى تترتب على كونه خصماً، والمدعى به قبض الموكل، فالوكيل لا يكون فيه خصماً. [٩٥١] قال: فإن قال المطلوب: أريد يمين الطالب، قيل له: ادفع الحق إلى الوكيل واتبع الطالب واستحلفه، وكذا الوكيل بأخذ الشفعة إذا أثبت الشفعة، فإذا ادعى المشتري أن الموكل سلم الشفعة، قيل له: لا يمين لك على الوكيل، سلم الدار إلى الوكيل، ثم اتبع الموكل وحلفه. فرق بين هاتين المسألتين وبين المشتري إذا وكل وكيلاً برد المشتري بالعيب وغاب فادعى البائع أن المشتري رضى بالعيب، فإن الوكيل لا يملك الرد، بل يتوقف إلى أن يحضر المشتري. والفرق قد ذكرناه في الجامع الصغير في كتاب البيوع.

стр. 1097

[٩٥٢] قال: وإذا وكل رجلين بطلب حقوقه، والخصومة فيها، فإن حضر أحدهما ومعه خصم يطالبه، فهو وكيل في خصومته في إثبات الحق له، إلا أنه ليس لأحدهما أن يقبض الحق دون صاحبه. وهذا الذي ذكرنا استحسان أخذ به علماؤنا الثلاثة. والقياس: أنه لا ينفرد أحدهما بالخصومة وإثبات الحق، وبه أخذ زفر، وهو يقول: بأن الخصومة إنما يحتاج فيها إلى الرأي، والموكل رضى برأيهما، لا برأي أحدهما، فلا ينفرد [أحدهما] كما لا ينفرد بالقبض. وأنا نقول بأنهما إذا حضرا لا يمكنهما [أن يتكلما] معاً، فإذا وكلهما مع علمه أنه لا يمكنهما أن يتكلما مما كان رضى [منه] بتفرد أحدهما، بخلاف القبض؛ لأنه يمكن اجتماعهما على القبض، والقبض يحتاج فيه إلى الأمانة، فيكون رضى بأمانتهما لا بأمانة أحدهما. [٩٥٣] قال: ولو أن رجلاً وكل رجلاً فقال: فلان وكيلي في كل شيء، فهذا

стр. 1098

وكيل في الحفظ لا غير، استحساناً. والقياس أنه لا يصير وكيلاً. وجه القياس: أن هذا توكيل بما هو مجهول، فلا يصح أصلاً. وجه الاستحسان: أن الوكالة مما تبنى على الحفظ، قال الله تعالى: ﴿وهو على كل شيء وكيل﴾. معناه حفيظ. فوجب أن ينصرف التوكيل إليه. ولأن التوكيل استعانة، والمرء إنما يستعين فيما هو منفعة له، فهذا هو الظاهر، والحفظ محض منفعة له، فهذا القدر متيقن، وما وراءه مشكوك، فثبت القدر المتيقن، فيصير وكيلاً بالحفظ. [٩٥٤] قال: وإن قال: فلان وكيلي في كل شيء جاز أمره، فهذا وكيل في الحفظ، والبيع، والشراء، والهبة، والصدقة، وتقاضى ديونه، وحقوقه، وغير ذلك. لأنه فوض إليه التصرفات عاماً، فصار بمنزلة ما لو قال له: ما صنعت من شي فهو جائز، فيملك جميع أنواع التصرفات. وبهذا يخدع الموكل فيقول له الوكيل: اجعلني وكيلاً في مالك جائز ما صنعت، فإذا فعل الموكل ذلك صار وكيلاً في كل شيء، [حتى] لو

стр. 1099

وهب، أو تصدق جاز، وإذا انفق على نفسه جاز؛ لأنه أجاز صنيعه، [وكل ذلك من صنيعه]. [٩٥٥] قال: ولو أن رجلاً ادعى أن فلاناً وكله وفلاناً الغائب بطلب كل حق له قبل فلان، رجل بعينه، والخصومة في ذلك وقبضه، وأقام على ذلك بينة، فإن القاضي يقبل ذلك منه، ويقضي بوكالته ووكالة الغائب، ويخاصم هذا الحاضر ويثبت الحقوق، فإذا أثبت لم يقبض حتى يحضر الغائب، فإذا قدم الوكيل الغائب، وادعى الوكالة، انفذها القاضي بتلك البينة، ولم يكلف إعادة البينة. أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله سوياً بين الوكالة والوصاية، فإنه لو حضر وادعى أنه وصي فلان بن فلان الميت، وفلان بن فلان الغائب وصي معه … إلى آخر المسألة، فإن القاضي يقبل البينة، ويقضي بوصايته وبوصاية الغائب، حتى لو حضر الغائب لم يحتج إلى إعادة البينة. وأبو يوسف ﵀ فرق. والفرق له أن أحد الوصيين عنده ينفرد بالتصرف فلم يكن حق الحاضر متصلاً بحق الغائب، فلا ينتصب الحاضر خصماً عن الغائب في

стр. 1100

إثبات الوصاية للغائب، فأما أحد الوكيلين فلا ينفرد بالقبض والتصرف، فصار حقه متصلاً بحق الغائب فينتصب هو خصماً عن الغائب في حق إثبات الوكالة للغائب، وإذا ثبت ثبتت الوكالة لهما، فأحد الوكيلين ينفرد بالخصومة، ولا ينفرد بالقبض، وإن قدم الغائب وجحد الوكالة ولم يدعها لم يكن للحاضر أن يقبض شيئاً من الغريم بهذه الوكالة. لما قلنا أن أحد الوكيلين لا ينفرد بالقبض. [٩٥٦] قال: ولو أن الحاضر أقام البينة أن فلاناً وكله، ووكل فلاناً الغائب بمطالبة فلان بحقوقه قبله، وبخصومته، على أن يقوم كل واحد منهما بانفراده جائز أمره، فإن القاضي ينفذ شهادتهم، ويقضى له بالوكالة، ولا يقضى بالوكالة للغائب، حتى لو قدم الغائب، وادعى الوكالة يحتاج إلى إعادة البينة. لأنه لما قال: على أن يقوم كل واحد [منهما] بانفراده جائز أمره، فقد جعل كل واحد منهما وكيلاً على الانفراد، فلم يكن حق الحاضر في هذه المسألة متصلاً بحق الغائب، فلا ينتصب خصماً عن الغائب فلهذا يقضى بوكالته لا غير. فإذا قضى، ملك [هو]. القبض.

стр. 1101

فإن حضر الغائب وادعى الوكالة احتاج إلى إعادة البينة، وإن جحد بقى الحاضر وكيلاً على الانفراد، فيملك القبض، بخلاف المسألة الأولى. لما قلنا. [٩٥٧] قال: ولو أن رجلاً قدم رجلاً إلى القاضي وقال: أن لفلان على هذا ألف درهم، وقد وكلني فلان بطلب كل حق له وقبضه، والخصومة فيه، وأحضر شهوداً فشهدوا له بالوكالة وعلى المال في ذلك المجلس، فإن على قول أبي حنيفة ﵀ لا يقبل القاضي الشهادة على المال، بل يقبل على الوكالة، ويقضي بالوكالة، ثم يأمره بإقامة البينة على المال. وقال أبو يوسف ﵀: يقبل البينة على الأمرين جميعاً، فإذا عدلت البينة يقضى بالوكالة أولاً ثم المال. وعلى هذا الخلاف الوصاية والوراثة أيضاً: أما صورة الوصاية: فإذا ادعى على آخر عند القاضي أنه وصى فلان بن فلان الميت، وإن للميت قبل هذا الرجل ألف درهم، وأقام البينة على الوصاية والمال في ذلك المجلس. وصورة الوراثة: إذا ادعى على رجل أن أباه مات، ولا وارث له

стр. 1102

غيره، وإن له على هذا الرجل الذي حضر ألف درهم، وأقام البينة يشهدون له على النسب، وعلى وفاة أبيه، وأنه وارثه، لا يعلمون له وارثاً غيره، وعلى أن للميت على هذا الرجل كذا من المال. وكذلك لو ادعى الوارث لأبيه داراً في يدي رجل، أو ضيعة أو غير ذلك، وأحضر على ذلك شهوداً، فشهدوا على ما قلنا. أبو يوسف ﵀ يقول: البينة لا توجب الحق بنفسها، وإنما توجب بقضاء القاضي، فكان الموجب هو القضاء، وإنما يعتبر هذا الترتيب في حق القضاء، لا جرم [أن] القاضي عندي يقضى بالوكالة أولاً، ثم بالمال، لكن يقبل البينة على الأمرين في الابتداء. وأبو حنيفة ﵀ يقول: بلى لكن البينة وإن كانت لا توجب الحق بنفسها، فإنها [لا] تسمع من [غير] الخصم، وإنما يصير المدعى خصماً في دعوى المال، إذا كان وكيلاً، ووصياً، ووارثاً، فما لم تثبت الوكالة والوصاية والوراثة لا يكون خصماً فصار هو كالأجنبي، والبينة أن كانت لا توجب الحق بنفسها [لا تسمع] من الأجنبي كذا ههنا. [والله تعالى أعلم]

стр. 1103

الباب التاسع والستون في الشهادة على الوكالة [٩٥٨] [قال]: وإذا شهد للوكيل على الوكالة ابنا الوكيل فلا تجوز شهادتهما. لأن الشهادة على الوكالة إنما يحتاج إليها إذا كان الأب [مدعياً]، فكان في الشهادة إثبات صدق الأب، وفيها إثبات حق القبض، والخصومة له، وفيه منفعة للأب فلا تقبل. [٩٥٩] قال: وكذلك شهادة أبوي الوكيل، وشهادة ولد ولده وإن سلفوا، وشهادة أجداده وإن علوا لا تجوز. لما قلنا. [٩٦٠] قال: وكذلك شهادة أبوي الطالب وابنيه وولده وأجداده. لأن الموكل إذا كان مدعياً فإن في قبول الشهادة إثبات

стр. 1104

صدق الأب، وإقامة الوكيل مقام الأب بحقوق الأب وباستيفائه، وفي ذلك منفعة للأب فلا تقبل. [٩٦١] قال: وكذلك امرأة الوكيل، وامرأة الطالب، وكذلك شهادة مولى العبد، ومولى المكاتب للعبد والمكاتب، إذا كان العبد أو المكاتب هو الوكيل. لأن شهادة المولى لعبده لا تقبل، وأم الولد والمدبر هما بمنزلة العبد والمكاتب. لأنهما أمتان. [٩٦٢] [قال]: وإذا شهد للوكيل شاهد: أن الطالب وكله بقبض دينه من هذا الرجل، وشهد الآخر: أنه جراه في ذلك، جازت الشهادة. لأن الجراية والوكالة سواء، والجري والوكيل سواء، فقد اتفق الشاهدان في المعنى، واختلفا في اللفظ، وأنه لا يمنع قبول الشهادة، كما لو شهد أحد الشاهدين على الهبة والآخر على العمري، أو أحدهما

стр. 1105

بالعربية والآخر بالفارسية. [٩٦٣] قال: وكذلك إن شهد أحدهما: نه وكله بقبضه، وشهد الآخر: أنه سلطه على قبضه، فالشهادة جائزة. لما قلنا. [٩٦٤] قال: وكذلك إن شهد أحدهما: أنه جعله وكيلاً في قبضه، وشهد الآخر: أنه جعله وصياً في حياته في قبضه، فالشهادة جائزة. لأن الوكالة بعد موت الموكل تكون وصاية، والوصاية في حال حياة الموصي تكون وكالة، فقد اتفق الشاهدان على معنى الوكالة، واختلفا في اللفظ. [٩٦٥] قال: وإن شهد أحدهما: أنه جعله وصياً في قبضه، ولم يقل في حياته لا تجوز الشهادة. لأن الوصاية أوان وجوبها بعد الموت، فإذا أطلق ينصرف إلى ما بعد الموت، والوكالة تكون ثابتة للحال، والوصاية تخالف الوكالة حكماً، فقد اختلفا لفظاً ومعنى. [٩٦٦] قال: فإن شهد أحدهما: أنه وكله بطلب دينه قبل فلان، وشهد الآخر:

стр. 1106

إنه وكله بتقاضيه، فالشهادة جائزة. لأنهما اتفقا معنى واختلفا لفظاً فتقبل. ويملك هذا الوكيل قبض الدين. لأن الوكيل بالطلب، والوكيل بالتقاضي يملك قبض الدين. ومشايخنا استحسنوا أنه لا يملك. وقد مر هذا في شرح الجامع الصغير في كتاب الوكالة. [٩٦٧] قال: وكذلك إن شهد أحدهما: أنه وكله بقبضه، وشهد الآخر: أنه وكله بتقاضيه، أو بطلبه منه، فالشهادة جائزة. لأن التقاضي والقبض سواء في اللغة، والوكيل بالطلب يملك القبض، فكان هذا كله توكيلاً بالقبض، فقد اتفقوا معنى، واختلفوا في اللفظ. وعلى ما استحسن مشايخنا [يجب] أن لا تقبل. فبعد ذلك المسألة على وجهين: أما إن أقر المطلوب بالدين. أو جحد. ففي الوجه الأول كان للوكيل قبضه. وفي الوجه الثاني عند أبي حنيفة ﵀ يملك الإثبات. وعندهما لا [يملك الإثبات] بناء على أن الوكيل يقبض الدين أو التقاضي هل يملك الخصومة؟

стр. 1107

عنده: يملك. وعندهما: لا [يملك]. [٩٦٨] قال: وإن شهد أحدهما: أنه وكله بقبضه، وشهد الآخر: أنه أمره يأخذه، أو أرسله في أخذه، فالمسألة على وجهين: أما إن أقر الغريم بالدين. أو جحد. ففي الوجه الأول: كان للوكيل قبض ذلك منه. لأن الشاهدين اتفقا على ثبوت حق القبض للمشهود له؛ لأن حق القبض كما ثبت للوكيل ثبت للرسول. وفي الوجه الثاني: لم يكن للوكيل إقامة البينة بالدين في قولهم جميعاً. أبو حنيفة ﵀ فرق بين هذا وبين ما تقدم. والفرق له: أن الشاهدين هنا ما اتفقا على ثبت حق الخصومة له، لأن الذي شهد أنه وكله بقبضه قد أثبت له حق الخصومة، والذي شهد أنه أمره، أو أرسله لم يثبت، لأن المأمور والرسول بالقبض لا يكون

стр. 1108

له حق الخصومة، فما اتفقا على ثبوت حق الخصومة له. أما فيما تقدم فقد اتفقا على أنه وكيل، لكن اختلفا في اللفظ، فكانا متفقين على ثبوت حق القبض. [٩٦٩] قال: وإن شهد أحدهما: أنه وكله بالخصومة في هذه الدار إلى قاضي الكوفة، وشهد الآخر: أنه وكله بالخصومة فيها إلى قاضي البصرة، فالشهادة جائزة، وهو وكيل بالخصومة. لأن الوكيل بالخصومة إلى قاضي الكوفة يكون وكيلاً بالخصومة إلى قاضي البصرة، والوكيل بالخصومة إلى قاضي البصرة يكون وكيلاً بالخصومة إلى قاضي الكوفة. لأن المطلوب نفس القضاء، ولقضية القضاة لا تختلف، والتقييد إنما يراعى إذا كان مفيداً، فإذا لم يكن مفيداً لغا فصار كأنه لم يوجد التقييد أصلاً. فرق بين هذا وبين ما إذا شهد أحدهما: أنه وكله بالخصومة إلى فلان الفقيه، وشهد الآخر: أنه وكله [بالخصومة] إلى فلان الفقيه رجل آخر، فإنه لا يجوز. والفرق: أن حكم الحاكم توسط، والمتوسطون مختلفون في

стр. 1109

ذلك، لاختلاف الذكاء والذهن، فالرضى يكون أحدهما حكماً لكون الحاكم عالماً بحقيقة الحال، لا يكون رضى بالآخر، فكان التقييد مفيداً، فصح. فإذا صح، فقد تفرد كل واحد من الشاهدين بما شهد به، والقضاء لا يقع بشهادة الواحد، فأما القاضي فإنما يقضى بحكم الشرع، وحكم الشرع أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وهذا لا يختلف، فلا يفيد التقييد، فلم يصح. والله تعالى أعلم

стр. 1110

الباب السبعون في ما لا تجوز فيه الوكالة [٩٧٠] [قال]: ولا تجوز الوكالة في حد. والحد على نوعين: أما أن يكون حداً لا تشترط فيه الدعوى من العبد، كحد الزنى. أو يكون حداً تشترط فيه دعوى العبد، كحد السرقة، وحد القذف، وكذا القصاص. والتوكيل على نوعين: وكيل بالاستيفاء. ووكيل بالإثبات. وكلا النوعين لا يصح في الضرب الأول. والنوع الأول لا يصح في الضرب الثاني حال غيبة الموكل، فإن حضرة الموكل شرط استيفاء هذه الحدود والقصاص، وتصح حال

стр. 1111

حضرة الموكل، فإن وكل إنساناً باستيفاء القصاص وهو حاضر صح. وأما النوع الثاني، في الضرب الثاني فيصح عند أبي حنيفة ﵀، ثم إذا جاء أوان الاستيفاء لا يستوفى إلا بحضرة الموكل. وعند أبي يوسف ﵀ لا يصح النوع الثاني من الضرب الثاني. وقول محمد مضطرب. والأظهر أنه مع أبي حنيفة. وقيل: هذا الاختلاف عند غيبة الموكل، أما عند حضرته فجائز بالإجماع كالنوع الأول. وهذا لأن كل كلام يوجد من الوكيل عند حضرة الموكل ينتقل إليه إذا لم يكن فيه عهدة على الوكيل. وحق المسألة كتاب الوكالة. وقد ذكرناها في شرح الجامع الصغير [٩٧١] قال: وكذلك الرجل يشتري العبد، فيجد به عيباً، فيوكل وكيلاً في رده، فإن وكيله لا يقدر على رده حتى يحضر [الموكل] فيحلف بالله ما رضي بهذا العيب، ولا أبرأه منه، ولا عرضه على بيع منذ علم

стр. 1112

بالعيب. وهذا إنما يستقيم على قول صاحب الكتاب، وهو المروي عن أبي يوسف ﵀: أن الموكل لو كان حاضراً يستحلف بغير دعوى البائع: بالله ما رضيت بهذا العيب، ولا أبرأته، ولا عرضته على بيع منذ علمت بالعيب، فإذا كان يستحلف الموكل من غير دعوى البائع لا تصح خصومة الوكيل حال غيبة الموكل. أما في ظاهر الرواية، [فلأنه] لما كان لا يستحلف الموكل حال حضرته من غير دعوى البائع يصح التوكيل، وتسمع خصومة الوكيل، فإذا ادعى البائع الرضى والإبراء توقف حتى يحضر الموكل. وهكذا ذكر في الدعوى في شرح الجامع الصغير. [٩٧١] قال: وكذلك الرجل يوكل في طلب سرقة سرقت منه، فإن كان إنما يطلب المال فالوكالة جائزة. لأن التوكيل بإثبات المال واستيفاء المال صحيح. وأما إذا كان بطلب القطع فالوكالة غير جائزة. لأن التوكيل باستيفاء القطع حال غيبة الموكل لا يجوز. والله أعلم بالصواب

стр. 1113

الباب الحادي والسبعون في الرجل يريد سفراً وهو مطلوب فيوكل [٩٧٢] قال: ولو أن رجلاً أراد سفراً، فطالبه رجل بحق يدعيه قبله، فقال المطلوب: أني أوكل وكيلاً بخصومته، جائز على ما قضى به عليه، وأعطى كفيلاً بما قضى به عليه لهذا الطالب، فإن القاضي يقبل ذلك منه، وإن أبى ذلك الطالب أجبره القاضي على قبوله ذلك. لأن مقصود الطالب الوصول إلى حقه، وحقه إما في جواب الخصومة، أو في المال. والأول حصل بالتوكيل، والثاني حصل بإعطاء الكفيل.

стр. 1114

فبعد ذلك إذا أبى صار متعنتاً، والمتعنت لا يقبل قوله. [٩٧٣] قال: وكذلك إن كان الكفيل غير الوكيل يجوز. لأن المعنى يجمعهما، وهو حصول مقصود الطالب. أبو حنيفة ﵀ فرق بين هذا وبين ما إذا كان مقيماً لا يريد السفر، فوكل إنساناً بالخصومة لا يجبر صاحبه على القبول. والفرق: أنه إذا كان مقيماً، فالحضور للجواب مستحق عليه، فلا يملك التفويض إلى غيره، إلا برضى من له الحق في الجواب، وأما إذا أراد السفر فالحضور للجواب غير مستحق عليه، فيملك التفويض إلى غيره. [٩٧٤] قال: فإن وكل المطلوب وكيلاً في خصومته بحضرة القاضي، أو بغير حضرة القاضي بشهود، وذلك بمحضر من الطالب، ثم أخرجه من الوكالة بغير محضر من الطالب، فأخرجه إياه باطل.

стр. 1115

لأنه يتضمن إلحاق الضرر بالغائب، فلا يملك ذلك. وهذا إذا كان التوكيل بسؤال الطالب. أما إذا كان بغير سؤاله فجاز إخراجه من غير علم الطالب، إلا أن في الكتاب لم يذكر التوكيل بسؤال الطالب. [وكذا] في المبسوط لم يذكر، لكن هذه الزيادة شرط. وإن أخرجه من الوكالة بمحضر من الطالب فإخراجه إياه جائز. لأن للطالب أن يطالبه بأن يوكل إنساناً آخر، أو يخاصم نفسه، ولا يمكنه من السفر حتى يفعل ذلك. فإذا جاز ذلك فبعد ذلك ينظر: إن كان هو كفيلاً بما يقضى به، فالكفالة لازمة، لا يملك الكفيل الرجوع، ولا المكفول عنه أنه يخرجه عن ذلك. فإن كان غيره كفيلاً بما يقضي به، فالكفالة أيضاً لازمة. لأن الكفالة حق الطالب، فلا يملك الكفيل ولا المكفول عنه إبطال حقه إلا برضاه.

стр. 1116

[٩٧٥] قال: فإن جاء المطلوب إلى القاضي وليس الطالب بحاضر، وقال: قد كنت وكلت هذا بين يديك بخصومة فلان، فيما يدعي، وهذا الوكيل يريد السفر، أو قال: أنا أتهمه أن يقر عليّ بشيء يلزمني، فقد أخرجته من الوكالة، ووكلت هذا الآخر لرجل أحضره للقاضي، وقبل الوكيل الوكالة، فإنه ينبغي للقاضي أن يأمره بإحضار الطالب حتى يوكل هذا بحضرته. لأن الطالب يتهم القاضي أن لو فعل ذلك، وللقاضي أن يتحرز عما يكون فيه تهمة، فإن طلبه فلم يقدر عليه، أثبت القاضي وكالة الثاني، وأخذ من الوكيل الثاني كفيلاً. فإذا فعل ذلك فالأول خارج عن الوكالة، والثاني خصم للطالب. لأن تصرف المتصرف إنما يمتنع عليه إذا كان فيه إلحاق الضرر بالغير، وليس فيه إلحاق الضرر بالغائب؛ لأنه يصل إليه حقه في الموضعين

стр. 1117

جميعاً. لكن القاضي يأخذ من الوكيل الثاني كفيلاً. لأن الطالب في الابتداء كان لا يرضى إلا بوكيل ثقة له عيال وثقل، والثاني لا يؤمن عليه، فيحتاط القاضي بأخذ الكفيل. فإذا فعل تم مقصود الطالب، فخرج الأول عن الوكالة، وصار الثاني خصماً للطالب. [٩٧٦] قال: وكذلك لو جاء إلى الشهود فقال: قد كنت أشهدتكم على وكالتي لهذا في خصومة فلان، فيما يدعي قبلي، وقبل الوكيل هذه الوكالة، وقد أخرجته عن وكالتي هذه، ووكلت فلاناً هذا في خصومة فلان في ما يدعي قبلي، وقبل الوكيل الوكالة هذه بمحضر من الشهود فهو جائز. لأن الشهود في هذا الباب بمنزلة القاضي؛ لأن التوكيل الأول لما كان عند الشهود فقد ثبت عليهم للطالب حق، وهو أن لا يمتنعوا عن أداء الشهادة إذا طلب الخصم منهم الشهادة.

стр. 1118

وإنما يصح هذا القول بمحضر من الطالب أو الشهود أو القاضي. [٩٧٧] قال: فإن أحضر الوكيل الثاني القاضي، وأحضر الطالب والوكيل الأول، فأقام هؤلاء الشهود، فشهدوا على وكالته إياه، وعلى إخراجه الأول، فهو وكيل في خصومة الطالب، يقوم مقام الأول. لأنه أثبت العزل للأول عند القاضي. [٩٧٨] قال: فإن لم يحضر الوكيل الثاني، ولم يحضر شهوده، فالأول وكيل على حاله. لأنه لم يثبت الثاني عزل الأول عند القاضي. [٩٧٩] قال: فإن كان الخصم أثبت حقه على الوكيل الأول ببينة أقامها عند القاضي، ثم أخرجه الموكل من الوكالة، ووكل غيره [بذلك] فهو جائز، والقاضي يقضي على الوكيل الثاني. لأن الوكيل نائب عن الموكل، والموكل نفسه لو حضر بعد أن أثبت الخصم حقه على الوكيل، وعزل الوكيل، وقال: أنا أحضر بنفسي

стр. 1119

كان له ذلك، والقاضي يقضي عليه بتلك البينة على الموكل، ولا يشترط إعادة البينة، فكذا الوكيل الثاني. [٩٨٠] قال: وكذلك لو أن القاضي سمع من بينة الطالب على الوكيل، ثم مات الوكيل، وحضر الموكل، فإن القاضي يحكم عليه بتلك البينة. لأن السماع على نائب الموكل كالسماع على الموكل. [٩٨١] قال: ولو وكل المطلوب وكيلاً في خصومة فلان هذا فيما يدعيه قبله من حقوق، وأجاز له أن يوكل بمثل ما وكله من ذلك من رأي كان جائزاً. لأنه فوض الأمر إلى رأيه على العموم، وتوكيل الثاني من رأيه، فيجوز. فإن وكل الأول وكيلاً، فأثبت الطالب حقه عليه، أو لم يثبت حتى أخرج الوكيل الأول [الوكيل] الثاني من الوكالة، فإنه يجوز، سواء كان بمحضر من الطالب، أو لم يكن. لأن الوكيل الأول قائم على حاله يخاصم. إلى هذا أشار صاحب الكتاب حيث قال: لأن الوكيل الأول ينوب عن الثاني في الوكالة، فذلك جائز.

стр. 1120

[٩٨٢] قال: واو أن الوكيل وكل وكيلاً بخصومة هذا الطالب عن فلان بمحضر من الطالب، وقبل الثاني الوكالة من الوكيل الأول، ثم إن الوكيل الأول مات، فالوكيل الثاني وكيل على حاله في خصومة الطالب. لأنه وكيل الأول، لا أنه وكيل الوكيل. إليه أشار صاحب الكتاب حيث قال: لأن المطلوب كأنه هو الذي وكله. [٩٨٣] [قال]: وكذلك لو أن المطلوب أخرج الوكيل [الأول] كان خارجاً منها، وكان الوكيل الثاني وكيلاً على حاله، في خصومة الطالب. لما قلنا. [٩٨٤] قال: ولو أن القاضي حيث أمر المطلوب أن يوكل وكيلاً بخصومة الطالب، فخرج من عند القاضي، وأشهد بمحضر من الطالب أنه وكل فلان ابن فلان بخصومة فلان هذا فيما يدعي قبله من حق، وليس الوكيل

стр. 1121

بحاضر كذلك فإن للطالب أن لا يقبل هذا. لأنه يقول: لا آمن من أن لا يقبل الوكيل هذه الوكالة، وتكون أنت قد غبت، فله أن لا يقبل. فإن قبل مع هذا فلما افترقا أشهد الموكل شهوداً أنه أخرج الوكيل من الوكالة، فإخراجه إياه جائز. لأن الوكالة إنما تتم بقبول الوكيل، ولم يوجد القبول، فلم تكن هذه الوكالة تامة، فيملك إخراجه بدون علم الوكيل، وهذه حيلة يحتال بها. [٩٨٥] قال: ولو أن المطلوب وكل رجلاً حاضراً في خصومته، وقبل الوكيل الوكالة بمحضر من الطالب، ثم إن الوكيل أقر هذا الحق على المطلوب، فهذا على وجهين: إما أن أقر عند القاضي، أو أقر عند غير القاضي. وفي الوجهين خلاف. وقد ذكرنا المسألتين، وإنما أوردهما هنا ليفرع عليهما من المسائل. [٩٨٦] قال: ولو أن المطلوب وكل وكيلاً في خصومة هذا الطالب وليس الوكيل بحاضر، وأشهد على خصومته، ورضي به الطالب،

стр. 1122

وقبل الوكيل الوكالة حين بلغه، صار وكيلاً مطلقاً، فإن أراد الموكل أن يستثنى إقرار هذا الوكيل عليه وأشهد شهوداً أنه قد أخرج الإقرار عنه فهذا على وجهين. أما إن كان بمحضر من الطالب. أو بغير محضر. ففي الوجه الأول يجوز. لأن في الوجه الأول يملك إخراجه من أصل الوكالة فلأن يملك تغييره كان أولى. وأما في الوجه الثاني [فقد] اختلفوا فيه. قال محمد ﵀: يصح. وقال أبو يوسف ﵀: لا يصح. محمد ﵀ يقول: هذه الزيادة ليست بحق للطالب، ألا ترى أن في الابتداء لا يملك أن يطالبه بالتوكيل المطلق، فكان للمطلوب أن يوكل، ويستثني الإقرار، فكذا في الانتهاء. وأبو يوسف ﵀ يقول: إنه قيد ما أطلق، وتقييد المطلق إبطال من وجه، ولو أراد إبطال أصل الوكالة لا يملك، فكذا لو أراد

стр. 1123

إبطال بعض الوكالة. أما قوله: هذه الزيادة ليست بحق للطالب [قلنا]: نعم في الابتداء، لكن إذا وكله مطلقاً صارت الزيادة مع الأصل حقاً له، فلا يملك الإبطال بغير محضر منه. وكذلك على هذا إذا وكل المطلوب وكيلاً في خصومته على أن للوكيل أن يوكل في خصومة الطالب من رأى، فأراد بعد ذلك أن يحجز على الوكيل في حق تلك الزيادة حتى لا يملك الوكيل الأول التوكيل، ففي الوجه الأول يصح، وفي الوجه الثاني عند محمد يصح، وعند أبي يوسف لا يصح. والله أعلم بالصواب

стр. 1124

الباب الثاني والسبعون في إثبات النسب [٩٨٧] بنى الباب على أصلين: أحدهما: أن من ادعى على إنسان شيئاً، إن كان المدعى عليه [بحال] لو أقر يصح إقراره، [فإنه] ينتصب خصماً في إقامة البينة بالإنكار. وإن كان [بحال] لو أقر لا يصح إقراره، فإنه لا ينتصب خصماً في إقامة البينة بالإنكار. لأن البينة إنما تقبل على الخصم المنكر ومن يصح إقراره يصح إنكاره، فيكون خصماً في إقامة البينة عليه. ومن لا يصح إقراره لا يصح إنكاره، فلا يكون خصماً في إقامة البينة عليه، بخلاف الوصي، فإنه لا يصح إقراره، ويصح إنكاره. لأن الوصي ليس بمدعى عليه، وإنما المدعى عليه في الحقيقة هو الصبي، والوصي نائب عنه شرعاً في ما صار نائباً. والثاني: أن من ادعى مالاً على غائب، فأراد أن يقيم البينة على رجل حاضر، فإن الحاضر ينتصب خصماً عنه، إذا كان ما ادعى على الحاضر حقاً لا يتوصل إليه إلا بإثبات ذلك على الغائب. [٩٨٨] إذا عرفنا هذا قال: وإذا ادعى رجل على رجل أنه أخوه لأبيه وأمه، فجحد ذلك عند

стр. 1125

القاضي، فقال المدعي: أنا أقيم البينة على ذلك، فإن القاضي يسأل المدعي: ألك قبله ميراث تدعيه من قبل أبيه أو من قبل أمه؟ أو كان المدعي زمناً يطالبه بالنفقة، أو ادعى قبله حقاً من الحقوق، ولا يقدر على أخذه إلا بإثبات النسب، فإن كان كذلك فإن القاضي يقبل بينته على إثبات النسب، وإلا فلا خصومة بينهما. لأنه إذا لم يكن يدعى ما لو أقر به لا يصح إقراره فلا ينتصب خصماً في إقامة البينة بالإنكار، وهذا [لأنه] إذا لم يدع عليه مالاً لم عليه حقاً، لأن الأخوة إنما هي المجاورة بين الأخوين في الصلب، أو في الرحم، فلم يكن مدعياً على الحاضر شيئاً. وإذا ادعى مالاً فقد ادعى على الحاضر حقاً لا يتوصل إليه إلا بعد إثبات النسب على الغائب، فينتصب الحاضر خصماً عن الغائب في إقامة البينة بالإنكار. [٩٨٩] قال: ولو أن رجلاً ادعى على رجل أنه أبوه، وأنكر الأب ذلك، وأقام البينة أنه أبوه، ثبت نسبه منه، وإن لم يدع قبله حقاً.
следующие страницы →