← Сияса и кади

Сияса и кади · id 150967

شرح «أدب القاضي للخصاف» للصدر الشهيد - ت سرحان

الصدر الشهيد

Полный текст (1 720 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وعد هذا من فصاحة أبي بكر ﵁، حيث أجاب بهذه الصفة على البديهة. [٧٣] ثم قال: حتى لا يطمع شريف في حيفك. يعنى: في ميلك؛ قال الله تعالى: ﴿أم يخافون أن يحيف الله عليهم﴾. [٧٤] ثم قال: ولا ييأس ضعيف من عدلك. وذكر محمد ﵀ -في كتاب أدب القاضي: ولا يخاف ضعيف جورك، والمعنى واحد. [٧٥] ثم قال: البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وهذا حديث مرفوع إلى رسول الله ﷺ ، وهو من

стр. 107

جملة جوامع الكلم؛ فإنه تكلم بكلمتين، استنبط منهما العلماء ما بلغ دفاتر،

стр. 108

ولكل [واحدة] منهما إشارة في كتاب الله تعالى: أما قوله: البينة على المدعي، فأشار إليه قوله ﴿قل هاتوا برهانكم … ﴾ الآية. وقوله: اليمين على من أنكر، أشار إليه قوله تعالى: ﴿والله ربنا

стр. 109

ما كنا مشركين﴾. [٧٦] ثم قال: والصلح جائز بين الناس. وذكر محمد ﵀ -في كتاب أدب القاضي: والصلح جائز بين المسلمين. وما ذكر الخصاف ﵀ -ههنا أعم؛ لأنه يتناول المسلمين وغير المسلمين.

стр. 110

[٧٧] ثم استثنى صلحًا بوصف فقال: إلا صلحًا حرم حلالا، أو أحل حرامًا. وهو حجة الشافعي [﵀] علينا. وتأويله عندنا: حرم حلالا لعينه، وهو ما إذا صالحت إحدى المرأتين على أن لا يطأ الأخرى، أو أحل حراما لعينه، وهو ما إذا صالح على شرب الخمر، أو أكل الخنزير. فأما ما سوى ذلك فهو جائز. [٧٨] ثم قال: ولا يمنعك من قضاء قضيته بالأمس، وراجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك، أن تراجع فيه الحق؛ فإن الحق قديم لا يبطل، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. لأن أبا موسى ﵁ -لا يكون أعظم [شأنا] من عمر ﵁، وهو كان ينقض بعض قضاياه، إذا ظهر فيه نص بخلافه. وكذا عبد الله بن مسعود ﵁، رجع عن بعض

стр. 111

فتواه. وهذا إذا قضى عن اجتهاد، ثم ظهر [له] نص بخلافه. أما إذا ظهر بالاجتهاد فلا ينقض؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد. [٧٩] ثم قال: الفهم الفهم … هذا تكرار لما قال في الابتداء تأكيدا؛ فإن التكرار أصل في التأكيد: قال الله تعالى: ﴿أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى﴾.

стр. 112

كذا ههنا، كرر للتأكيد، يعني: فرغ خاطرك وقلبك؛ لتفهم ما طلب منك. [٨٠] ثم قال: فيما يختلج [في صدرك]. وفي بعض النسخ: يتخلج في صدرك. وفي بعضها: يتخالج … وفي بعضها: تلجلج … وفي بعضها: يتلجلج … مما ليس في قرآن ولا سنة: يعنى: الفهم فيما يتردد في صدرك؛ لتكون مقدمًا على القضاء عن بصيرة. [٨١] ثم قال: ثم أعرف الأشباه والأمثال. لأنه لابد من أن يعرف الحوادث ليرد الحكم في غير المنصوص

стр. 113

عليه إلى المنصوص عليه بالمعنى. [٨٢] ثم قال: فقس الأمور عند ذلك، وأعمد إلى أقربها إلى الله تعالى واشبهها بالحق، وأجعل لمن يطلب حقا غائبا أو شاهدا أمدًا ينتهي إليه. أراد به أن المدعي إذا استمهل من القاضي حتى يحضر بينته فيأخذ بحقه، إنه يمهله، وكذا المدعي إذا أقام البينة، ثم أن المدعى عليه يستمهل القاضي حتى يأتي بالدفع فإنه يجيبه إلى ذلك، ولا يعجل بالحكم. [٨٣] ثم قال: فإن احضر بينة أخذ بحقه؛ فإن عجز عنها استحللت عليه القضية. يعني وجهت عليه القضية.

стр. 114

[٨٤] قال: فإنه أبلغ في العذر، وأجلى للعمى. أما [أنه] أبلغ في العذر فإن القاضي لو استعجل، يقول الخصم: كان لي بينة، أو يقول: كان لي دفعة، ولكن القاضي لم يمهلني. وأما [كونه] أجلى للعمى فلأن قضاءه بعد ذلك يكون عن بصيرة، لا عن ريبة واشتباه. [٨٥] ثم قال: المسلمون عدول بعضهم على بعض. فظاهر الحديث حجة لأبي حنيفة ﵀، فإن يقول: القضاء بظاهر العدالة يجوز وعندهما لا يجوز.

стр. 115

وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان؛ فإن أبا حنيفة ﵀ -أفتى في القرن الثالث الذي شهد لهم رسول الله ﷺ -بالصدق، ووصفهم بالخيرية، [وهما افتيا في

стр. 116

زمانهما، وعند ذلك فسد الناس وفشا الكذب]. [٨٦] ثم استثنى في الحديث فقال: إلا محدودا في حد. فظاهر الحديث حجة لنا، فإنه استثنى المحدود من العدول، ولم يفصل بين ما قبل التوبة، وما بعد التوبة. [٨٧] ثم قال: أو مجربا عليه شهادة زور. وهذا لأن الشهادة خبر محتمل، وإنما يكون حجة باعتبار جانب الصدق؛ فمتى كان مجربا عليه شهادة زور ترجح جانب الكذب، فلا تكون شهادته حجة. [٨٨] ثم قال: أو ظنينا في ولاء أو قرابة. والظنين: هو المتهم. وقد قال النبي ﷺ : "لا شهادة لمتهم".

стр. 117

والمراد من الظنين في الولاء إذا كان قانعا بأهل البيت، يعد نفعهم نفع نفسه، وضررهم ضرر نفسه والمراد من الظنين في القرابة إذا كانت الشهادة للمشهود له تصير شهادة لنفسه معنى؛ كما في الوالدين والمولودين. [٨٩] ثم قال: فإن الله تولى منكم السرائر.

стр. 118

يعنى توحد الله تعالى بعلم الغيب، فلا يكلف القاضي الوقوف على الباطن؛ لأن ليس في وسعه. [٩٠] ثم قال: ودرأ عنكم بالبينات والإيمان. يعنى أسقط الوبال فيي الآخرة والذم في الدنيا بالبينات والإيمان. [٩١] ثم قال: إياك والغضب والقلق. أما الغضب فإنه مذموم؛ لما روي أن رجلا سأل رسول الله ﷺ -فقال: دلني على ما نفعني في الدنيا والآخرة، فقال له: "لا تغضب".

стр. 119

فإذا كان النفع في الدنيا والآخرة في ترك الغضب، كان الضرر في الدنيا والآخرة في الغضب، ولأنه إذا غضب لا يمكنه القضاء بحق. وكذا القلق، لأنه اضطراب النفس، والضجر. وهذا إذا كان في موضع الاجتهاد. فأما إذا كان في موضع النص فإنه يقضى؛ لأنه يكون واضحًا، ولا يشتبه عليه الأمر. [٩٢] ثم قال: والتأذي بالناس. يعنى: أن لا يتآذى بكثرة الازدحام والاجتماع على بابه؛ لأنه بتقلد القضاء التزم فصل الخصومة في ما بين الخصوم [٩٣] ثم قال: والتنكر عند الخصوم. يعنى: لا يعبس وجهه، ولا يرفع صوته على الناس. [٩٤] ثم قال:

стр. 120

فإن القضاء في مواطن الحق يوجب الله به الأجر، ويحسن به الذخر. لأن القضاء عبادة، وهو أفضل من نقل العبادة. [٩٥] ثم قال: ومن خلصت نيته في الحق. ويروى: ومن خلصت نيته، ولو على نفسه، لأن القضاء عبادة؛ فيكون الإخلاص فيه شرطًا؛ قال الله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾. [٩٦] ثم قال: وابقى على نفسه، زانه الله تعالى. لما روي عن رسول الله ﷺ -أنه قال: "إذا أصلح العبد سريرته أصلح الله علانيته". لأنه عامل لله تعالى. [٩٧] ثم قال: ومن تزين للناس بما يعلم الله تعالى أنه ليس في قلبه شانه الله. لأنه منافق متهاون. [٩٨] ثم قال:

стр. 121

فما ظنك بثواب الله تعالى مع عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام. يعنى القاضي إنما يقضى بغير حق، لينال شيئا من الدنيا، أو يمد في الناس، وما عند الله تعالى من الثواب أفضل من حظوظ الدنيا. [أصول الاجتهاد والقضاء عند ابن مسعود] [٩٩] ذكر عن عبد الله بن مسعود ﵁ -أنه قال: [قد] أتى علينا زمان -وفي بعض النسخ: حين -لسنا نقضى، ولسنا هناك، وذكر في كتاب أدب القاضي لمحمد: لسنا نسأل، ولسنا هناك. وهذا إشارة إلى زمن رسول الله ﷺ ؛ فإنه كان

стр. 122

يرجع في الحوادث إلى رسول الله ﷺ -و [إلى] أبي بكر وعمر ﵄، وما كان يرجع إلى عبد الله، ثم تعلم عبد الله واجتهد حتى صار مذكورا؛ فإنه لما قدم الكوفة اجتمع حوله أربعة آلاف نفر، فلما قدم علي [﵁ -الكوفة] تلقاه ابن مسعود ﵁ -في جميع أصحابه، فقال علي ﵁: لقد ملأن هذه البلدة علما وفقها. [١٠٠] ثم قال: ثم كان من قدر الله تعالى أن بلغنا من الأمر ما ترون. هذا يحتمل أن يكون بيانا للشكر؛ فإن الله تعالى أنعم عليه بهذا، فإنه بلغ مبلغا يصلح للقضاء والفتوى. ويحتمل أن يكون بيانا لتراجع الزمان، فإنه تراجع الزمان حتى وجب الرجوع إلى مثلي في القضاء والفتوى. [١٠١] ثم قال: فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم -وفي بعض النسخ: فمتى ابتلى أحد منكم بالقضاء -فليقض بما في كتاب الله تعالى، فإن أتاه ما ليس في كتاب الله تعالى، فليقض بما قضى به نبيه ﷺ ، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله تعالى، ولم يقض به نبيه فليقض بما

стр. 123

قضى به الصالحون، فإن أتاه ما ليس في كتاب الله تعالى، ولم يقض به نبيه، ولم يقض به الصالحون، فليجتهد رأيه، ولا يقولن أحدكم: أني أرى، وأني أخاف. يعنى: ينبغي أن لا يدع الاجتهاد؛ مخافة أن يغلط؛ فإن الشر في ترك الاجتهاد فوق الشر في الاجتهاد. [١٠٢] ثم قال: إن الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة، فدع ما يربيك إلى ما لا يريبك.

стр. 124

قوله: الحلال بين، إذا كان ثابتا بالنص فيكون الحكم فيه ظاهرا، واضحا. وقوله: دع ما يريبك، يعني: دع ما لا يطمئن قلبك إلى ما يطمئن قلبك إليه، قال رسول الله ﷺ : "الصدق طمأنينة والكذب ريبة".

стр. 125

[١٠٣] ذكر عن القاسم [بن] عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود نحو ما ذكرنا، إلا أنه زاد فيه: فإن أتاه أمر لا يعرفه فليقر به، ولا يستحي، وفي بعض النسخ فليفر يعنى: من النار ولا يستحي؛ بأن [لا] يجازف، فيستوجب النار.

стр. 126

[القضاء عند ابن عباس] [١٠٤] ذكر عن عبد الله بن عباس أنه كان إذا سئل عن الأمر فإن كان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن، وكان عن رسول الله ﷺ -أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر ﵄، فإن لم يكن قال فيه برأيه.

стр. 127

وإنما فعل ذلك؛ لأن عبد الله بن عباس ﵁ -كان شابا في زمن أبي بكر وعمر ﵄، والشاب في مثل هذا مأمور بتعظيم الشيخ وتوقيره. [اجتهاد الرسول ﷺ -] [١٠٥] ذكر عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة أنه سمع أم سلمة تقول: قال رسول الله ﷺ : "إنما اقضي بينكم في ما لم ينزل علي فيه برأيي".

стр. 128

فيه دليل على أن رسول الله ﷺ -كان يقضى بالاجتهاد، وهذا لأنه أن أصاب الحق باجتهاده فيها، وإن لم يصب لا يقر على الخطأ، فمتى قضى بالاجتهاد وأقر عليه صار ذلك شريعة له، فإن نزل القرآن بخلافه صار ناسخًا؛ فإن نسخ السنة بالكتاب جائز. [١٠٦] ذكر عن الشعبي قال: كان رسول الله ﷺ -يقضى بالقضاء ثم ينزل القرآن بغير الذي قضى، فلا يرد قضاؤه ويستأنف. لأنه صار الكتاب ناسخًا للسنة، والنسخ يظهر في المستقبل لا في الماضي. [قضاء شريح] [١٠٧] ذكر عن عمر بن الخطاب ﵁ -أنه استقضى شريحًا فقال له في الموسم: كيف تقضى في أموال الناس؟

стр. 129

قال: البينات والشهود: فقال عمر ﵁: احرزت نفسك وأهلكت أموال الناس. وقوله: احرزت نفسك إشارة إلى أنه من تمسك بطريق الرسول [ ﷺ ] فلا يكون عليه العتب في الدنيا والوبال في الآخرة. وقوله: أهلكت أموال الناس إشارة إلى فساد أحوال الناس؛ فإن غير العدل قد يعدل في الظاهر، والعدل قد يجرح، فإذا فسدت أحوال الناس فمن اعتمد الشهادة فقد اهلك أموالك الناس. [من آداب القضاة] [١٠٨] قال أحمد بن عمر صاحب الكتاب: وإذا ابتلى الرجل بالقضاء ودخل فيه فليتق الله تعالى وحده لا شريك له. لأن الإنسان إنما ينال ما يطلب في الدنيا والآخرة بتقوى الله تعالى؛ [قال الله تعالى]:

стр. 130

"ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا". [١٠٩] ثم قال: ويؤثر طاعة ربه، ويعمل لمعاده. لأن ما يأتي به القاضي يصلح سببا لنيل ثواب الله تعالى، ويصلح أن يكون سببا لنيل متاع الدنيا، فينبغي أن يختار ثواب الله تعالى؛ فإن ما عند الله خير وأبقى. وعن علي ﵁ أنه -قال: لو كانت الدنيا من ذهب تفنى، والآخرة من تراب تبقى، فالعاقل يميل إلى تراب يبقى كيف وأنه على العكس. [١١٠] قال: ويقصد الحق بجهده في ما تقلده. لأنه مأمور بالحكم بحق، فينبغي أن يجتهد لإصابة الحق. [كاتب القاضي] [١١١] ثم قال:

стр. 131

ويتخذ كاتبا ورعًا مسلمًا. لأن القاضي لا يجد بدا من الكتابة، وفي كل ما يحتاج إليه القاضي لا يمكنه أن يكتب بنفسه، ثم شرط أن يكون ورعًا مسلمًا، لأن عمل الكتابة من جنس القضاء؛ فيشترط في الكاتب ما يشترط في القاضي. [أعوان القاضي] [١١٢] ثم قال: ويتخذ أعوانا يكونون بين يديه. لوجهين: أحدهما: أن مجلس القضاء مجلس هيبة، فلو لم يتخذ الأعوان ربما يستخف بالقاضي فتذهب مهابته؛ إلا ترى أنه لا ينبغي للقاضي أن يمشي في السوق وحده؛ لأنه يستخف به، فتذهب مهابته. والثاني: أن القاضي يحتاج إلى إحضار الخصوم، ولا يمكنه ذلك بنفسه، وهم لا يحضرون بأنفسهم، فيتخذ أعوانا ليحضروا الخصوم مجلس القضاء. [رقاع المتخاصمين] [والسبق في الدعوى] [١١٣] ثم قال:

стр. 132

وإذا أراد أخذ الرقاع وجته كاتبه قبل ذلك إلى المسجد، وأخذ رفاع الناس. وكان المتقدمون من المشايخ قبل الخصاف يعتمدون السبق؛ فمن سبق يشتغل القاضي بسماع خصومته، وفصل حكومته. والخصاف [﵀] اعتمد على الرقاع؛ لأن الاعتماد على السبق يؤدي إلى المنازعة؛ فإن كل واحد يدعي السبق، وتكون هذه خصومة أخرى يحتاج القاضي إلى فصلها. فلذلك اعتمد على الرقاع، وله أصل في الشرع: فإن رسول الله ﷺ "كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فمن خرجت قرعتها سافر بها".

стр. 133

وهذا لأن القاضي لو ابتدأ بخصومة واحد منهم -كان له ذلك لكن يتهم لينيل، فيقرع نفيا للتهمة وهذا لأن كل ما للقاضي أن يفعل بنفسه كان له أن يقرع نفيا للتهمة؛ ألا ترى أن القاضي إذا قسم التركة فإنه يقرع، لأن له أن يعين نصيب كل واحد منهم بدون القرعة بينهم، فكان له أن يقرع نفيا للتهمة، كذا ههنا. [صورة الرقاع] [١١٤] وصورة الرقاع: أن يكتب في كل رقعة اسم المدعى واسم المدعى عليه، ويجعله في بندقة، فإن اجتمع الخصوم

стр. 134

على باب القاضي عشرون أو مائة، والقاضي يعرف بطريق الحزر أو الظن أنه يقدر على فصل الكل في هذا اليوم يقرع في ما بينهم، بعد ما يجعل الرقعة في البندقة، فمن خرجت قرعته أولا فصل خصومته، ثم فصل خصومة من خرجت قرعته بعد الأول، على هذا الترتيب، حتى يأتي على الكل. وإن كان يعرف القاضي أنه لا يقدر على فصل الكل في يوم واحد فالكاتب يأخذ الرقاع على الوصف الذي قلناه، ويجعل كل عشرين أو نحو ذلك على قدر طاقة القاضي للجلوس لهم، وأن يضبر عليهم اضبارة، ويكتب لكل اضبارة منها رقعة صغيرة فيها اسم أشهرهم، فتكون

стр. 135

أسماء مختلفة، ثم يجعل كل رقعة منها في بندقة، ويقرع في ما بين الكل جملة، فكل اضبارة خرجت أولا فله يوم السبت وما خرجت بعده فله يوم الأحد على هذا الترتيب، ويعلم الخصوم، إن اسمك في اضبارة كذا مع فلان الذي هو أشهر، وأثبت اسمه على الاضبارة أيضا حتى يعرف كل واحد نوبته، فلا يكثر تردد الخصوم على باب القاضي. وبعد الاقتراع يأمر القاضي أن ينادى على بابه: اضبارة فلان يوم كذا، فتعرف الخصوم نوبتهم، فيحضرون في ذلك الوقت. ويحتاج في هذه الحالة إلى الإقراع مرتين: مرة يقرع بين الاضارات، ومرة يقرع بين الخصوم الذين في كل اضبارة، فتكون إحداهما على طريق الجمل، والأخرى على طريق الأفراد، كما في باب الغنائم، يعزل انصباء العرفاء، فيقرع في ما بينهم جملة ثم يقسم في ما بين الرايات، ويقرع مرة أخرى. [١١٥] قال الشيخ الإمام الجل شمس الأئمة السرخسي

стр. 136

- ﵀: ما اعتمد الخصاف ﵀ -حسن، وما اعتمد المتقدمون من المشايخ قبل الخصاف أحسن؛ لأنه متى اعتمد القرعة، وأعلم الخصوم أن نوبتهم يوم السبت أو يوم الأحد، فإنما يمكنه فصل تلك الخصومات إذا كانت الحجج واضحة، أو كان الفصل بالإيمان، فإما إذا كان على وجه يحتاج القاضي في تلك الخصومات إلى المشاورة والنظر والاجتهاد، ولا يأتي على الكل في ذلك اليوم، فيصير مخلفا للوعد، فيجب التحرز عن هذا بالاعتماد على السبق. [١١٦] ثم قال في الكتاب: الاضبارة الأولى يوم السبت، والثانية يوم الأحد، والثالثة اليوم

стр. 137

الذي يجلس فيه القاضي بعد يوم الأحد؛ فإن كان يجلس يوم الاثنين قال لهم يوم الاثنين. وإن كان ممن لا يجلس يوم الاثنين قال لهم الاسم الثالث يوم الثلاثاء. وهذا لأن القاضي لابد له من يوم يستريح فيه؛ حتى لا يمل، أو ينظر في أموره. وكان الرسم في زمن أبي حنيفة ﵀ -أن يوم البطالة يوم السبت، وكان المدرس لا يدرس يوم السبت. وكان الرسم في زمن الخصاف ﵀ -أن يوم البطالة كان مترددا بين يوم الاثنين وبين يوم الثلاثاء، من القضاة من يختار هذا، ومنهم من يختار ذلك، فلهذا أمر بالنظر. والرسم في زماننا يوم الثلاثاء؛ لأن عمل القضاء من جنس أعمال السلطان، وعمال السلطان لا يشتغلون بالأعمال يوم الثلاثاء، ويقولون أنه يوم ذم؛ لأن قابيل قتل هابيل في هذا اليوم، فقالوا للخصوم: أن يوم البطالة يوم الثلاثاء، ثم يوم الأربعاء، ثم يوم الخميس على الترتيب الذي ذكرنا.

стр. 138

[هل يحط من رزق القاضي في يوم عطلته؟]. [١١٧] ثم القاضي إذا كان يستحق الكفاية من بيت المال، ففي يوم البطالة هل يستحق الكفاية؟ أو يحط بقدره؟ كان مشايخ بلخ يفتون بأنه لا يستحق، بل يحط من الرزق بقدره. ومشايخ هذه الديار يفتون بأنه يستحقون ولا يحط، وهو الأصح؛ لأن القاضي يستريح في هذا اليوم، فيكون أقوى على فصل الخصومات في اليوم الذي يجلس فيه للفصل، فكان منفعة هذا اليوم راجعة إلى الخصوم، فيستحق الكفاية، إلا ترى أن [القاضي] يستحق ما يحتاج إليه في الليل، وإن كان لا يفصل الخصومة بالليل؛ لما قلنا، كذا ههنا. ونظيره ما قال في الوصايا إذا أوصى برقاب النخيل لإنسان وبالثمار لإنسان، وكانت النخيل تثمر سنة ولا تثمر سنة أخرى، فإن نفقة النخيل كله من السقي وما يحتاج إليه من الإنفاق على النخيل كله في السنتين جميعا على الموصى له بالثمار. لأنه متى حالت سنة أثرت الثمار في السنة الأخرى، فتكون منفعة ذلك عائدة إلى الموصى له بالثمار في السنتين، فكانت المؤونة عليه في السنتين جميعا، كذا هنا.

стр. 139

[من أحق بالتقديم في سماع دعواه؟] [١١٨] قال: فإن اجتمع على باب القاضي أرباب الشهود، والأيمان، والغرباء، والنساء، فرأى القاضي أن يقدم رقاع أرباب الشهود في أول كل مجلس، فله ذلك. لأنا أمرنا بإكرام الشهود وتوقيرهم؛ قال للنبي ﷺ : "أكرموا الشهود، فإن الله تعالى يحيى الحقوق بهم". وترك الشهود على باب القاضي ليس من الإكرام في شيء. [١١٩] وإن رأى أن يقدم رقاع أرباب الإيمان في أول كل مجلس فله ذلك أيضا. لأن فصل الخصومة باليمين أيسر لأن في القضاء بالشهادة يحتاج

стр. 140

إلى إثبات أسامي الشهود، والنظر في لفظ الشهادة، وتعديل الشهود، وفي الفصل باليمين لا يحتاج إلى هذه الأشياء الكثيرة. [١٢٠] وإن رأى أن يقدم رقاع الغرباء في أول كل مجلس فله ذلك. لأن قلب الغريب يكون مع أهله وداره، فمتى كثر مكنه وتردده على باب القاضي يمل، فينصرف إلى وطنه، ويترك حقه. فيكون القاضي هو الذي ضيع حقه. للكن هذا إذا لم يكن بالغرباء كثرة. أما إذا كان فيعتمد في ذلك السبق أو القرعة على ما فسرنا. فإن رأى التقديم لأجل الغربة فلا يصدقه في قوله أني غريب عازم على الرجوع إلى وطني، لكنه يسأل البينة على أنه غريب عازم على الرجوع إلى وطنه؛ هكذا روى عن محمد ﵀. وإنما كان [كذلك] لأنه يدعى معنى يتقدم به على غيره، فيحتاج إلى الإثبات بالبينة، لكن لا يشترط العدالة في هذه الشهادة، وشهادة المستور تكفى.

стр. 141

ومن أصحابنا من قال: بأن القاضي يسأل أنه مع من يريد السفر، ويسأل الرفقة أنهم متى تخرجون؟، وأن فلانا هل يخرج معهم؟ وهل يستعد لأمر السفر. وهذا ليس في هذا الفصل خاصا، بل في الإجارة كذلك؛ فإن الإجارة تفسخ بسبب العذر في جهة المستأجر من السفر ونخوه، وبمجرد قوله أني أريد السفر لا يثبت العذر، ولا تفسخ به الإجارة، ولكن يسأل القاضي: مع من يريد الخروج؟ ثم يسأل رفقته: أنهم متى يخرجون؟ وأن فلانا هل يخرج معهم؟ وهل استعد للسفر؟ فإن قالوا: نعم، فحينئذ يتحقق العذر فتفسخ الإجارة، فكذا ههنا. وفي أخذ الكفيل كذلك على ما يأتي بيانه في الباب التاسع والعشرين أن شاء الله تعالى. [١٢١] فإن رأى القاضي أن يقدم رقاع النساء على الكل فله

стр. 142

ذلك [أيضا]. لأن أمر المرأة مبنى على الستر و [هي] مأمورة بالقرار في البيت، وإنما خرجت لأجل العذر، فكان له أن يفصل خصومتها أولا، لتنصرف إلى بيتها، فيكون ذلك استر لها. وإن رأى أن يجمل للنساء نوبة في يوم على حدة فله ذلك. هذا إذا كانت الخصومات بين النسوان. أما إذا كانت بين الرجال والنساء، فلا يمكن أن يجعل للنساء نوبة على حدة. [١٢٢] وإذا ثبت اسم عشرين نفرا في الاضبارة يجعل لكل اضبارة منها رقعة صغيرة كما قلنا ويقرع، وبعد الإقراع يأمر القاضي أن ينادي على بابه: اضبارة فلان في يوم كذا، ولا ينادي النسوان؛ لأن فيه تشهيرا، ومبنى أمورهن على الستر، لكن يبعث القاضي عجوزًا أمينة تخبرها أن نوبتها في يوم كذا؛ لتحضر في وقتها، وتخاصم، وتنصرف. [مساعد الكاتب] [١٢٣] قال:

стр. 143

وإن رأى القاضي أن يضم مع الكاتب رجلا ثقة مأمونا عند أخذ الرقاع، فعل ذلك؛ لأنه أحوط. ألا ترى أن في باب التزكية الواحد يكفى، والاثنان أحوط، كذا هذا. [تذكرة القاضي] [١٢٤] قال: فإذا أتوه بالرقاع، وقد فرقوها على عدد الأيام، يكتب القاضي ذلك في تذكرته. لأن القاضي يحتاج [إلى] أن يتذكر ذلك، ولو لم يتذكر ربما يقدم من كان سبيله التأخير. والنسيان صفة في الآدمي، فقلنا بأنه يستعين على ذلك. [خريطة القاضي] [أو قمطره] [١٢٥] فإذا فعل ذلك جعله في قمطره، وهو اسم لخريطة القاضي.

стр. 144

[ختم القاضي] [١٢٦] قال: ويختم عليها [القاضي] بخاتمه. لأنه متى لم يجعلها تحت خاتمه، لا يؤمن من الخيانة. والله أعلم بالصواب * * *

стр. 145

الباب السادس في قبض المحاضر من ديوان القاضي [المعزول] [عزل القاضي لريبة ولغير ريبة] [١٢٧] قال: فإذا أراد القاضي أن يقبض ديوان القاضي الذي قبله بعث رجلين من ثقاته فيقبضان من القاضي ديوانه. وهذا بناء على أن للسلطان أن يعزل القاضي لريبة ولغير ريبة. أما لريبة فلا شك. وأما لغير ريبة فإنه روي عن أبي حنيفة ﵀ -أنه قال: لا يترك القاضي على القضاء إلا حولاً. وهذا لأنه متى اشتغل بالقضاء ينسى العلم، فقلنا بأنه ينعزل، ويستبدل [به غيره] حتى يشتغل بالدرس. ومن حق السلطان أن ينظر لهذا القاضي إذا مضى عليه حول، فيقول له: لا فساد فيك، لكني أخشى عليك أن تنسى العلم، فعد وادرس العلم، ثم عد إلينا حتى نقلدك ثانيا. ومتى عزله لريبة أو لغير ريبة واستبدل [به] فإن القاضي المقلد
следующие страницы →