← Сияса и кади

Сияса и кади · id 150967

شرح «أدب القاضي للخصاف» للصدر الشهيد - ت سرحان

الصدر الشهيد

Полный текст (1 720 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

قيل له: يجوز أن لا يثبت العقد إلا باتفاقهما، ثم ينفرد أحدهما بالإبطال؛ كما في المضاربة، والشركة. وهذا، لأنه لم يرض أحدهما بهذا التحكيم، ولو لم يرض في الابتداء لا يصح التحكيم، فإذا لم يرض بعد ذلك لا يبقي التحكيم، فإذا أمضي الحكم عليهما، فليس لواحد منهما أن يرجع عن ذلك؛ لأن السلطان لو عزل القاضي المولي بعد ما قضي لا يبطل ذلك القضاء، فكذا في حكم المحكم في حقهما، لكن ينبغي للقاضي إذا رفع إليه حكم هذا المحكم أن ينظر فيه: فإن كان موافقاً لرأيه وللحق عنده أمضاه. وإن كان مخالفاً لرأيه وللحق عنده رده. فرق بين هذا وبين ما إذا رفع إلى القاضي قضية قاض خر فإنه لا يرده، وإن كان مخالفاً لرأيه، إذا كان ذلك في فصل مجتهد فيه. والفرق: أن الحاكم المحكم له ولاية على المحكمين، وليس له ولاية على غيرهما، والقاضي الذي رفع إليه حكمها:

стр. 1227

غيرهما، فلا يكون حجة عليه، فكان بمنزلة الصلح في حقه، فكان له أن يرده، إذا كان مخالفاً لرأيه ويمضيه إذا كان موافقاً [لرأيه]. فأما القاضي فله ولاية على الناس كافة، فكان قضاؤه حجة في حق الكل، فلا يكون لهذا القاضي أن يرده إذا كان صادف القضاء محله، وهو الفصل المجتهد فيه. [تحكيم من لا تجوز شهادته] [١٠٧٧] ولو حكماً بينهما من لا تجوز شهادته؛ مثل المكاتب، والعبد، والأعمي، والمحدود في قذف، والذمي، فحكم بينهما، فإن ذلك لا يجوز. لأن المحكم في حق المحكمين بمنزلة القاضي المولي، وهؤلاء لا ينفذ قضاؤهم، بل يتوقف إذا كان مولي من جهة السلطان، فكذلك إذا كان محكماً بينهما لا ينفذ، بل يتوقف. والجامع بينهما: أن القضاء ينبني على الولاية، وهؤلاء ليس لهم ولاية الشهادة، فأولى أن لا تكون لهم ولاية القضاة.

стр. 1228

[تحكيم حكمين وامتناع أحدهما عن الحكم] [١٠٧٨] قال: ولو حكما رجلين، فحكم أحدهما، ولم يحكم الآخر، لم يجز ذلك حتى يحكما جميعاً. لأن الحكومة أمر يحتاج فيه إلى الرأي وهما رضياً برأيهما، والرضا برأي المثني فيما يحتاج فيه إلى الرأي لا يكون رضا برأي الواحد؛ كما في البيع، ونحوه". [الإشهاد على حكم المحكم] [١٠٧٩] قال: وأن حكماً بنيهما رجلاً فحكم بينهما، بحكم، ولم يشهد على ذلك في المجلس الذي حكم فيه، فإنه لا يصدق على ذلك، أن قال: حكمت بكذا وكذا [و] لا ينفذ عليهما. لأنه أقر بشيء لا يملك انشاءه، فلا يصح إقراره؛ كالقاضي المعزول إذا قال: قد قضيت عليك بكذا وكذا.

стр. 1229

[التحكيم في الحدود والقصاص] [١٠٨٠] قال: ولو أن رجلين حكما بينهما رجلاً في حد أو قصاص، فحكم بينهما لم يجز ذلك. ومن أصحابنا من قال: إنما لا يجوز هذا في الحدود الواجبة لله تعالي، أما في القذف والقصاص [فانه] يجوز. لكن صاحب الكتاب أطلق الحد، ونص على القصاص وهو الصحيح. لأن حكم المحكم بمنزله الصلح، فكل ما يجوز استحقاقه بالصلح يجوز التحكيم فيه، وما لا فلا، وحد القذف والقصاص لا يجوز استيفاؤهما بالصلح، وبعقد ما، فلا يجوز التحكيم فيهما. قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀، تخصيص صاحب الكتاب الحدود والقصاص دليل على أن فيما سوي ذلك ينفذ حكم الحاكم المحكم في المجتهدات، نحو الكنايات

стр. 1230

[في الطلاق]، والطلاق المضاف، وهو الظاهر عند أصحابنا، وإليه أشار بعد هذا، وهو الصحيح، لكن مشايخنا امتنعوا عن هذا في الفتوى وقالوا: يحتاج إلى حكم الحاكم كما في الحدود والقصاص كيلاً يتجاسر العوام فيه. [التحكيم في الدم الخطأ] [١٠٨١] قال: وإن حكما في دم خطأ، فحكم على العاقلة بالدية لم يجز ذلك. لأن العاقلة لم ترض به، وحكم المحكم إنما ينفذ على من رضي بحكمه وهو المحكم. وإن قضي بالدية على القاتل لا يجوز. لأن هذا الحكم مخالف للشرع، فإن الدية في قتل الخطأ على ناقلة، إلا أن يكون القاتل أقر بالقاتل خطأن فحينئذ يجوز حكمه بالدية عليه. لأن ما يجب بالاعتراف لا تتحمله العاقلة، وإنما يجب على المقر، فكان حكمه موافقاً للشرع فينفذ.

стр. 1231

وإن قضي على رجل بباء يمين، أو بإقرار، أو ببينة، فذلك جائز. لأن هذا الحكم موافق للشرع. [إنشاء الحكم في التحكيم] [١٠٨٢] قال: فان قال المحكم بينهما لأحدهما: قد أقررت عندي لهذا بكذا وكذا، أو قا مت عليك عندي بينه لهذا بكذا وكاذن فعدلوا عندي فقد ألزمتك ذلك، وحكمت به لهذا عليك، وأنكر المقضي عليه أن يكون أقر عنده بشيء، أو قامت عليه بينه بشي، لم يلتفت إلى قوله، ويمضي القضاء عليه، ونفذ. لأن المحكم يملك إنشاء الحكم عليه بذلك، فيملك الإقرار كالقاضي المولي إذا قال في حال قضائه لإنسان قضيت عليك لهذا بإقرارك، أو ببينة قامت عندي على ذلك، فإن يصدق في ذلك، ولا يلتفت إلى إنكار المقضي عليه، فكذا ههنا، إلا أن يخرج عن الحكم، أو يعزل عنه قيل أن يقول حكمت عليك، ثم قال المحكم بعد ذلك لم يصدق؛ لما قلنا.

стр. 1232

[تحكيم الرجلين لأبي أحدهما أو ابنة أو امرأته] [١٠٨٣] قال: وإن حكما بينهما أبا أحدهما، أو جده، أو ابنة، أو امرأته، وكانت المرأة هي المخاصمة زوجها، فإن حكم علي الابن أو الزوجة أنفذ ذلك القاضي إذا كان موافقاً لرأيه، وإن حكم لابنه، أو لأبيه، أو لامرأته، أبطل ذلك القاضي الذي يختصمون إليه، كان موافقاً للحق عنده، أو مخالفاً. لأن شهادته للمقضي له لا تجوز فالحكم أولى. [تحكيم الفاسق وقضاؤه] [١٠٨٤] قال: فان حكماً فاسقاً لم يجز حكمه عليهما. هذا رأي صاحب الكتاب على ما مر في صدر الكتاب؛ أن الفاسق عنده ليس من أهل القضاء، والقاضي إذا فسق ينعزل بنفس الفسق، فصار بمنزلة الأعمى والمكاتب والذمي والمحدود في القذف والصبي، فلا يجوز حكمه. فأما في ظاهر الرواية فيجوز عند أصحابنا: الفاسق

стр. 1233

من أهل القضاء والقاضي إذا فسق يعزل لكن لا ينعزل بنفس الفسق. والأولى أن لا يقلد الفاسق القضاء، وإذا قلد يصير قاضياً، فكذا هنا الأولى أن لا يحكم الفاسق، [وهو] مع هذا إذا حكما وحكم بينهما نفذ حكمه فيما بينهما. [التحكيم في دعوى الكفالة] [١٠٨٥] قال: ولو أن رجلاً أدعي على رجل ألف درهم، ونازعه في ذلك وأدعي أن فلانًا الغائب ضمنها له عن هذا الرجل، افتراضي هذان برجل يحكم بينهما، والكفيل غائب، فأقام المدعي شاهدين على المال و [علي] الكفالة بأمره، أو بغير أمره، فحكم له المحكم بالمال على المدعي عليه، وبالكفالة عنه، فحكمه جائز على المدعي عليه دون الكفيل. لأن المدعي عليه رضي بحكمه، والكفيل لم يرض، فصح التحكيم في حقهما دون الكفيل. [١٠٨٦] قال:

стр. 1234

وكذلك أن حضر الكفيل والمكفول عنه غائب، فتراضي الطالب والكفيل برجل حكم بينهما، فأقام الطالب شاهدين بالمال على المطلوب، وعلى كفالة الكفيل له بذلك بأمر المطلوب، أو بغير أمره، فحكم المحكم بذلك فإن حكمه جائز على الكفيل دون المكفول عنه. لما قلنا. [تحكيم حكمين واختلافهما في الحكم] [١٠٨٧] قال: فلو أن رجلين تنازعا في شيء فحكما بينهما رجلين، فاختلف المحكمان في الحكم، فرأي أحدهما في ذلك رأياً، ورأي الآخر خلافه، فإنه لا يجوز، إلا أن يجتمعا على حكم واحد. لأن المحكمين رضيا برأيهما، والرضا برأي المثني لا يكون رضا برأي الواحد. [١٠٨٨] قال: وكذلك رجل قال لامرأته: أنت على حرام، ونوي الطلاق، ولم ينو عدداً فحكما [بينهما] رجلين، فقال أحدهما: قد

стр. 1235

حكمت أن ذنبك تطليقه بائنة، وقال الآخر: قد حكمت أنها بائن بثلاث لا تنحل له حتى تنكح زوج غيره، فإنه لا يجوز الحكم في ذلك. لأنهما لا يجتمعا على أمر واحد. [شهادة الحكمين على الشهادة] [١٠٨٩] قال: ولو أدعي رجل على رجل حقاً، فحكما بينهما رجلين، وأحضر المدعي شاهدين، فشهدا له على حقه عندهما، فحكما له بحقه، أو لم يحكما، ثم مات الشاهدان، أو غابا، فسأل المدعي الحكمين أن يشهدا له على شهادة الشاهدين الذين شهدا عندهما على حقه، فإنه لا ينبغي لهما أن يشهدا على ذلك، وإن شهدا على ذلك وفسرا للقاضي لم تنفذ شهادتهما. لأن الإشهاد من الأصول شرط، والشاهدان لم يشهداهما على شهادتهما". والله أعلم بالصواب

стр. 1236

الباب السابع والسبعون (في الإقرار بالمال عند القاضي) [الإقرار بالمال عند القاضي] [١٠٩٠] ذكر عن حماد والحكم: أنهما [كانا] يقولان: سمعنا أن الحاكم إذا اعترف عنده جاز قوله إلا في الحدود. معناه: أن القاضي يقضي بعلمه إلا في الحدود، فإنه لا يقضي [في الحدود] بعلمه ما لم يوجد نصاب القرار بشرائطه، أو حجية البينة بشرائطها.

стр. 1237

[١٠٩١] ذكر عن الشعبي وغيره: أن شريحا كان يقضي في قوم بعلمه. وهذا يؤيد الأول، لكن أريد به في ما عدا الحدود، عرف ذلك بالحديث الأول. [١٠٩٢] ذكر عن عامر أنه قال: إذا أقر عند الحاكم بشيء ثم كافر أخذه بإقراره الا في الحدود.

стр. 1238

وهذا الحديث يفيد ما أفادته الأحاديث المتقدمة، أن القاضي يقضي بعلمه إلا في الحدود. وقوله: كافر، أي جاحد، فان محمداً ﵀ أورد في المبسوط: لو كان لرجل على رجل دين فكافره .. وهذا لأن قوله كفر معناه ستر، ولهذا سميت المزارعة مكافرة؛ لأن الزارع يستر الحب في الأرض والجاحد يستر الحق بالجحود. [تدوين الحجج وأول من دونها] [١٠٩٣] ذكر عن ابن شبرمة أنه قال: أنا أول من أثبت حجج الخصمين، ولا يتركه أحد بعدي أبداً. معناه إثبات الدعوي في الصحيفة. لأن في الابتداء كانوا لا يكتبون المحاضر، لكن المدعي يدعي عن ظهر قلبه، ويجيبه الخصم فيحفظه القاضي،

стр. 1239

ويحكم من غير أن يكتب، وكان هذا عسيراً، فأحدث ابن شبرمة هذا وهو كتُبُه المحاضر والدعوي؛ ليكون أسهل. والقضاة اليوم على هذا، ولم يتركه بعده أحد. [اختلاف الشهود] [١٠٩٤] ذكر عن الحكم أن رجلين شهدا على رجل بحق عند شريح، فشهد أحدهما بألف والآخر بألف ومائتين فقضي شريح بألف، فقال الرجل، أتقضي علي وقد اختلفا؟ فقال شريح: أنهما قد اجتمعا على الألف. وتأويل الحديث أن المدعي كان مدعياً لأكثر المالين، والشاهدان اتفقا على مدار الألف لفظاً ومعني، لكن زاد

стр. 1240

عليه أحد الشاهدين، فما اتفقا عليه ثبت، وما تفرد به أحد الشاهدين لم يثبت. [١٠٩٥] ذكر عن الشعبي في رجلين شهدا على رجل، فشهد أحدهما أنه طلق امرأته واحدة، وشهد الآخر أنه طلقها أثنتين فلم يجز الشعبي شهادتهما. وهذا حجة لأبي حنيفة ﵀ علي أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، فإنه يقول: لا تقبل هذه الشهادة كما قال الشعبي، وهما يقولان: تقبل، ويقضي بطلقة. [و] ذكر عن حماد أنه قال: إذا اختلف الشهود في الكلام وكان الأصل واحداً فلا بأس به. وبه نأخذ. [الإقرار أمام القاضي في مجلسين] [١٠٩٤] قال أحمد بن عمرو صاحب الكتاب: ولو أن رجلاً قدم رجلاً إلى القاضي فأدعي عليه ألفا، فأقر

стр. 1241

بها عند القاضي، وأثبتها في ديوانه، ثم أعاده إلى القاضي في مجلس آخر بعد ذلك فادعي عليه الفا، فأقر بها، فقال الطالب: قد أقر لي بألفين، وذلك لي عليه، وقال المطلوب: إنما هو مال واحد، فالقول قول المطلوب. وهذه من مسائل الإقرار، أوردها ههنا وشوش صاحب الكتاب، فنقول: من أقر لإنسان بألف وأشهد عليه، ثم أقر بألف، وأشهد عليه، فهذا على وجهين: أما أن يكون الإقرار مقيداً بسبب، أو لم يكن مقيداً بسبب: أما إذا كان مقيداً بسبب فلما أن يكون السبب متحداً، أو مختلفاً

стр. 1242

أما إذا كان السبب متحداً؛ بأن أقر بألف درهم من ثمن هذا العبد، وأشهد ع ليه، ثم أقر بألف درهم من ثمن هذا العبد، وأشهد عليه، فإنه يكون مالاً واحداً [بكل حال]. لأن السبب واحد، واتحاد السبب يدل على اتحاد الواجب، فكان المال واحداً. وإن كان السبب مختلفاً؛ بأن أقر بألف درهم ثمن هذا العبد، وأشهد عليه، ثم أقر بألف درهم ثمن هذه الجارية، وأشهد عليه، فإنه يكون المال مثني بكل حال. لأن السبب اختلف، واختلاف السبب يوجب اختلاف الواجب. وكذا على هذا إذا أقر سالف درهم، وكتب في صك، أقر بألف درهم أخرى، وكتب في صك آخر يكون المال مثني.

стр. 1243

لأنه ما جري الرسم باتخاذ الوثيقتين بمال واحد، فكان اختلاف الصحكين بمنزلة اختلاف السبب. وكذا لو كان الإقرار بالصك، فأقر بما في الصحكين [فانه] يكون المال مثني بكل حال لما بينا. وأما إذا لم يكن الإقرار مقيداً بسبب: بان أقر بألف درهم وأشهد عليه، ثم أقر بألف وأشهد عليه، فهدا على وجهين: أما أن يكون الإقرار في موطنين، أو في موطن واحد. فإن كان في موطنين: فأما أن أشهد على الإقرار الأول شاهدين، أو شاهداً واحداً. فإن أشهد شاهدين ثم أشهد على الإقرار الثاني، فأما أن أشهد على الإقرار الثاني الشاهدين اللذين أشهدهما على الإقرار الأول في الموطن الأول، أو غيرهما. فعند أبي يوسف ومحمد [رحمها الله] سواء أشهد

стр. 1244

الذين [أشهدهما على الإقرار الأول في الموطن الأول] أو غيرهما، فالمال واحد. وعند أبي حنيفة [﵀] في ظاهر الرواية: أن أشهد اللذين [أشهدهما] يكون المال واحداً، إلا أن يقول المطلوب أنه مالان، وأن أشهد غيرهما يكون المال مثني. هكذا ذكر صاحب الكتاب، وذكر الجصاص على قلب هذا فقال:

стр. 1245

أن أشهد الذين [أشهدهما] يكون المال مثني، وأن أشهد غيرهما يكون المال واحداً. الجصاص يقول: العادة جرت بالاستكثار من الشهود، والاستكثار إنما يكون بغير الشهود الأولين، فمتي أشهد غيرهما كان ذلك محمولاً على الاستكثار والاستيثاق، فيكون هو المال الأول. وأما إذا أشهد عينهما فلم يحمل هذا على الاستثكار فكان هذا حجة وإثباتاً مستقبلاً، فيكون إقرار بمال آخر. والخصاف يقول: أن أشهد اللذين [أشهدهما] بالمقصود من هذا

стр. 1246

الإشهاد التذكير لذلك الإقرار، فيكون هو المال الأول، فأما إذا أشهد غيرهما فالحجة قد تمت على المال الأول، فإذا أشهد غيرهما كان هذا حجة وإثباتا مستقبلاً. هذا إذا أشهد على الإقرار الأول في الموطن الأول شاهدين، أما إذا أشهد شاهداً واحداً ثم أشهد على الإقرار الثاني في الموطن الثاني شاهداً واحداً أو أكثر: فعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يكون المال واحداً، وأما عند أبي حنيفة ﵀ [فقد] ذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: أنه اختلف المشايخ على قول أبي حنيفة ﵀. وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀: أن المال واحد بالاتفاق. وإلى هذا أشار صاحب الكتاب، فإنه شرط أن يكون على الإقرار الأول إشهاد كامل. فرق أبو حنيفة ﵀ بين هذا وبين ما إذا أشهد على الإقرار الأول في الموطن الأول شاهدين. والفرق: أن المقصود من الإشهاد هو الاستيثاق، وإنما يحصل الاستيثاق هنا للمال الأول إذا كان المال الذي أقر

стр. 1247

به عند الثاني هو المال الذي أقر به عند الأول، حتى تتم الحجة على المال الأولن فيحصل الاستيثاق، ولا كذلك فيما إذا أشهد على الإقرار الأول في الموطن الأول شاهدين. هذا إذا كان الإقرار في موطنين. وأما إذا كان الإقرار في موطن واحد، فعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يكون المال واحداً بكل حال. و [أما] عند أبي حنيفة إذا أشهد على الإقرار الأول شاهدين ثم أشهد على الإقرار الثاني واحداً أو أكثر ففيه قياس واستحسان: فالقياس على قوله: أن يكون المال مثني. واستحسن وقال المال واحد. وجه القياس: أن الحجة هو الإقرار دون المجلس، والإقرار اختلف. وجه الاستحسان: أن المجلس يجمع الكلام المتفرق، ويجعل الكل كشيء واحد، فصار الإقراران كإقرار واحد، فيكون المال واحداً. وإن جاء بشاهدين على ألف درهم، وجاء بشاهدين على

стр. 1248

ألف، ولم يعلم في موطن واحد، أو في موطنين [بأن] نسي الشهود ذلك فهما مالان، ما لم يعرف أنه في موطن واحد. لأن اختلاف الشهود دليل على اختلاف المجلس، إلا أن يظهر بالدليل أنه أراد به مالاً واحداً، أو كان المجلس واحداً، والبيض والسود، وثمن الهروي والمروي دليل على أنهما مالان. هذا إذا أقر وأشهد، ثم أقر وأشهد. أما إذا أقر وأشهد، ثم قدمه الطالب إلى القاضي فأقر عند القاضي [فانه] يكون المال واحداً. لأنه لما أقر بين يدي الشهود، كان هذا الإقرار لوجوب المال والإقرار عند القاضي للخروج عن موجب الإقرار الأول، إلا أن يكون إقراراً بمال آخر. إذا ثبتت هذه التفاصيل ظهر لنا ما ذكر صاحب الكتاب فقال: لو أن رجلاً قدم رجلاً إلى القاضي فأدعي عليه ألفاً فأقر بها عند القاضي وأثبتها في ديوانه، ثم أعاده إلى القاضي في مجلس آخر بعد ذلك، فأدعي عليه ألفا فأقر بها، فقال الطالب: قد

стр. 1249

أقر لي بألفين، وقال المطلوب: إنما هو مال واحد، وألف واحدة فالقول قول المطلوب. لأن الإقرار في المجلس الأول كان لثبوت المال عليه، والإقرار في المجلس الثاني كان للخروج عن موجب الإقرار الأول، فلا يكون إقرارً بمال آخر. [١٠٩٥] قال: وكذلك لو أدعي عليه في المجلس الثاني خمسمائة، فأقر بها، فقال الطالب: قد أقر بألف وخمسمائة، وقال المطلوب: إنما له على ألف درهم، فالقول قول المطلوب. لأن الخمسمائة بعض الألف، وبالإقرار الأول ثبت وجوب ألف، فكان الإقرار الثاني للخروج عن بعض ما أقر به بالإقرار الأول، فلا يكون إقراراً بمال آخر. [١٠٩٦] قال: وكذلك لو أدعي عليه في المجلس الثاني الفين، فأقر بهما، فأدعي الطالب ثلاثة آلاف، وقال المطلوب: إنما له الفان، فالقول قول المطلوب. لأن الإقرار الثاني للخروج عن موجب الإقرار الأول [لا] إيجاب الزيادة فتجب الزيادة، فيجب عليه الفان.

стр. 1250

[١٠٩٧] قال صاحب الكتاب: وكذلك الشهادة في غير موطن. إذا كان إنما يشهد على ذلك رجلان فصاعداً في الموطنين جميعاً. ثم قال صاحب الكتاب: ثم أشهد على الإقرار الثاني غير الأولين، فهو مال واحد. قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: هذا اللفظ وقع مشوشاً لا يمكن تصحيحه. [١٠٩٨] قال: ولو أن رجلاً أشهد لرجل على نفسه بألف درهم في صك، ثم أشهد على نفسه في موضع آخر في صك آخر بألف درهم، أولئك الشهود بأعيانهم، أو غيرهم، فإن المالين جميعاً يلزمانه. وكذلك الإقرار بالصحكين عند القاضي يلزمه المالان جميعاً. والصحكان بمنزلة المالين المختلفين، [و] قد سمي ونسب كل واحد منهما إلى غير ما نسب إليه الآخر. لما قلنا من قبل.

стр. 1251

[تعارض البينتين] [١٠٩٩] قال: ولو أن رجلاً جاء بشاهدين على صك بألف درهم، وجاء المطلوب بشاهدين بالبراءة عن ألف درهم، فهذا على ثلاثة أوجه: لما أن يكون كل واحد منهما مؤرخاً. أ، لم يكن كل واحد منهما مؤرخاً. أو كان أحدهما مؤرخاً والآخر لا. أما في الوجه الأول [فانه] ينظر أن كان تاريخ البراءة [بعد] تاريخ الصك، يعمل بصك البراءة لا بصك المال. لأن البراءة إنما تكتب لتكون حجة، وإنما تكون حجة إذا صحت، وإنما تصح إذا كانت بعد وجوب المال، وليس ههنا مال آخر واجب سوي ما ظهر في هذا الصك، فتنصرف البراءة إليه، فصار المديون بريئاً عن صك المال. وإن كان صك المال بعد صك البراءة يعمل بصك المال، ويجب المال. لأن البراءة إنما تكتب لتكون حجة، وإنما تكون حجة إذا صحت، وإنما تصح بعد وجوب المال، فلا تعمل تلك البراءة

стр. 1252

في هذا المال الذي ظهر في هذا الصك؛ لأنه تأخر وجوبه، فإذا لم يدخل هذا المال تحت ذلك، صارت، صارت البراءة في حق هذا المال وجودها وعدمها سواء. وأما في الوجه الثاني: فالبراءة أولى؛ لأن البراءة إنما تكتب لتكون حجة، وإنما تكون حجه إذا صحت، وإنما تصح بعد وجوب المال، وتصرف العاقل يحمل على وجه الصحة، ولا صحة إلا يعد وجوب المال، فثبت تأخر البراءة دلالة. وكذلك إذا كان تاريخها في شهر واحد فالبراءة أولى، لأن هذا، وما لم يكن كل واحد متهماً مؤخراً سواء. وأما في الوجه الثالث: [فانه] ينظر: أما أن يكون صك المال مؤرخاً، وصك البراءة غير مؤرخ، أو على العكس. وفي الحالين جميعاً البراءة أولى. لأن البراءة أنما تكتب لتكون حجة، وإنما تكون حجة إذا كانت صحيحة، وصحتها تعتمد وجوب المال فالظاهر أنه كان بعد وجوب المال.

стр. 1253

[١١٠٠] قال: ولو أن رجلاً له على رجل صكان، كل صك بالف درهم، في كل صك شهود، وتاريخ الصكين مختلف، وعند المطلوب براءة في صك بألف درهم، وفي صك براءة بخمسمائة، فقال المطلوب: إنما ماله ألف درهم، وقد أخذ مني ألفا وخمسمائة، وقال الطالب: مالي ألفان، ولم أقبض شيئاً، فإن المطلوب يبرأ من ألف وخمسمائة، ويؤخذ بخمسمائة تمام الألفين. لأنه ثبت وجوب الألفين بصكين، فثبتت البراءة عن ألف وخمسمائة بصكين. لأن حجج البراءات على: قياس حجج الوجوب، ففي كل موضع كان مالان كان براءتان في البراءات، وفي كل موضع كان مال واحد كانت براءة واحدة في البراءات، واختلاف صك الطالب يوجب اختلاف المال، واختلاف صك المطلوب يوجب اختلاف البراءت، فثبتت البراءة عن

стр. 1254

ألف وخمسمائة وتبقي خمسمائة، ألا تري أن صك البراءتين لو كان كل واحد بألف لكان المطلوب مبرءاً من المال كله، كذا هذا. [١١٠١] قال: ولو أن الطالب قال: إنما، مالي ألف درهم، وإنما قبضت منك ألفا، فقال المطلوب [بل] قبضت مني ألفين، ومالك ألف، فإن المطلوب يرجع على الطالب بألف إذا ثبت استيفاء الألفين. لأنهما اتفقا أن المال كان ألفا، فإذا ثبت استيفاء الألفين كان له أن يسترد [منه] الزيادة. [١١٠٢] ثم ما بعد هذا إلى آخر الباب ثلاثة أنواع من المسائل: أحدها: أن الصكين بمنزلة شيئين مختلفين سواء كان الصكان في الإيجاب أو البراءة.

стр. 1255

وقد ذكرنا هذا النوع من قبل. [و] الثاني: إذا شهد شاهدان على براءة المديون عن ألف وشهد آخران على براءة المديون عن ألف في موطنين، فهذا وما لو شهد شاهدان على إقراره بألف في موطن، وشهد آخران على إقراره بألف في موطن آخر من حق ثبوت البراءتين سواء. وقد ذكرنا هذا من قبل. والثالث: إذا شهد أحد الشاهدين أنه أقر بألف درهم وشهد الآخر أنه أقر بألفين، فإن كان المدعي يدعي الأقل لا تقبل هذه الشهادة بالإجماع، إلا أن يدعي المدعي التوفيق بينهما. وإن كان يدعي الأكثر قال أبو حنيفة ﵀: لا تقبل [هذه] الشهادة. وقالا: تقبل. هذه الشهادة بالإجماع، إلا أن يدعي المدعي التوفيق بينهما. وإن كان يدعي الأكثر قال أبو حنيفة ﵀: لا تقبل [هذه] الشهادة. وقالا: تقبل. وعلى هذا الاختلاف مسائل [في] المبسوط في الطلاق والديون وغير ذلك. وموضع المسائل الإقرار والشهادات.

стр. 1256

[عودة إلى الإقرار في مجلسين] [١١٠٣] قال: ولو أن رجلا أقر، فقال: قتلت عبداً لفلان، وسماه أو قال ابن فلان [و] سماء أو لم يسمه، أو أخاً فلان، وسماه أو لم يسمه، [ثم أقر بمثل ذلك مرة أخرى]، فقال الطالب: قتلت لي عبدين، أو ابنين، أو أخوين، فهذا إقرار بعبد واحد، وابن واحد، وأخ واحد، إلا أن يكون المطلوب سمي اسمين مختلفين، فحينئذ لزمه كل واحد منهما. قال القاضي الإمام أبو الحسن على بن الحسين السغدي [﵀]: يجوز أن تكون هذه المسائل أيضاً على الاختلاف، ويجوز أن ولكن على الاتفاق وهو الصحيح. فرق بين هذا وبين الديون فإن المال يكون مبني عند أبي حنيفة ﵀ إذا كان في مجلسين مختلفين.

стр. 1257

وموضع هذا الفرق كتاب الإقرار. ثم أن صاحب الكتاب ﵀ جعل الغصوب والودائع والمضاربات بمنزله الدين وما كان يرجع إلى الذمة، حتى إذا أقر به في موطنين يكون إقراراً بالمثني. وذكر الجصاص في شرح هذا الكتاب فقال: هذا وهم من صاحب الكتاب، حيث جعل الودائع والمضاربات بمنزله الديون، بل اعتبار الودائع والمضاربات بالأعيان أشبه، حتى [أنه] إذا أقر به في موطنين يكون أقراراً بواحد. والله تعالي أعلم

стр. 1258

الباب الثامن والسبعون (في الحكومة، على أهل الكفر) [في حد الزني] [١١٠٤] ذكر حديث ابن عمر ﵄، أن النبي صلي الله عليه وسلم رجم يهودياً ويهودية. أورد صاحب الكتاب في هذا الباب أخباراً: منها هذا. ومنها حديث أبي هريرة. ومنها حديث [البراء] بن عازب.

стр. 1259

كلها تدل على إيجاب الرجم على اليهودي واليهودية. وهذا حجة للشافعي ﵀ علينا. وتأويل هذه الأحاديث عندنا: أنه كان في بدء الأمر حين قدم المدينة، فإنه ﵊ إنما رجم بحكم التوراة؛ لأنه لم يكن للزنا في شريعتنا حكم، ولما نزل قوله تعالي: "الزانية والزاني … " بعد انصرافه من خيبر بسبع فصار للزنا في شريعتنا حكماً، وهو جلد مائة، ثم ظهر بعد ذلك الرجم متى كان الزاني محصناً بحديث ماعز رضي

стр. 1260

الله عنه، والكافر ليس بمحصن على ما قال النبي صلي الله عليه وسلم: " من أشرك بالله فليس بمحصن". فبقي موجب زناه الجلد بظاهر الآية.

стр. 1261

[حد شرب الخمر] [١١٠٥] ذكر عن إبراهيم [أنه] قال: لا يقام على أهل الكتاب حد في شرب خمر ولا زنا. أما في شرب لخمر فنأخذ بهذا الحديث. لأن الحدود أن شرعت زاجرة عن ارتكاب أسبابها، وحرمة الخمر لم تثبت في دينهم، فلا يحدون [على شرب الخمر. و] أما في الزنا فلا نأخذ بهذا الحديث. لأنهم يحدون؛ لأن الزنا حرام في الأديان كلها. [يحكم بين المشركين بأحكام المسلمين] [١١٠٦] ذكر عن إبراهيم والشعبي [أنهما] قالا: إذا أتاك المشركون فحكموك فأحكم بحكم الإسلام، ولا

стр. 1262

تعدل إلى غيره، أو أعرض عنهم، وحلهم وأهل دينهم. لأنهم لما حكموا صار الحكم كالقاضي المولي، ولو رفعوا الأمر إلى القاضي للولي لحكم بحكم المسلمين؛ لقوله تعالي: "وإن أحكم بينهم بما أنزل الله". فكذا الحاكم المحكم. [١١٠٧] ذكر بعد هذا آثاراً عن الزهري وعن

стр. 1263

الحسن وغيرهما كلها تدل على أنهم إذا ترافعوا الأمر إلى القاضي، فالقاضي يقضي بينهم بحكم الإسلام. [اختصام أهل الذمة إلى قضاة المسلمين] [١ - في المواريث] [١١٠٨] قال أحمد بن عمرو صاحب الكتاب: فإذا اختصم أهل الذمة، وتحاكموا إلى قاض من قضاة المسلمين فينبغي أن يحكم بينهم، فإن كانت خصومنهم في مواريث حكم بينهم بأحكام المسلمين وألزمهم ذلك وأنفذه علهيم لما تلونا من الآية. [٢ - في البيع والشراء] وكذلك أشريتهم وبياعاتهم يلزمهم من ذلك ما يلز المسلمين إلى بيع الخمر والخنزير، فأمه يجوز بينهم ذلك.

стр. 1264

لأن الدلالة قد قامت لنا أن الخمر مال متقوم عندهم، فالقاضي يجيز ذلك ويقضي بصحة العقد، ووجوب الثمن على المشتري. [٣ - في النكاح] [١١٠٩] ذكر بعد هذا صاحب الكتاب مسائل كتاب النكاح: منها: أن الذمي إذا تزوج ذمية في دار الإسلام بغير شهود. ومنها: إذا تزوج امرأة بغير مهر. ومنها: إذا تزوج ذمية في عدة [من] ذمي كان النكاح جائزاً في هذه المواضع في قوله أبي حنيفة. وينبني على هذه المسائل تفريعات، وقد ذكرنا هذه المسائل في كتاب النكاح في شرح المختصر.

стр. 1265

[٤ - في الربي] [١١١٠] قال: ولو أن نصرانياً أربي لم يجز ذلك، ورد الزيادة، لأن الربا مستثني من عهودهم: قال النبي صلي الله عليه وسلم: "إلا من أربي فليس بيننا وبينه عهد". فصار هذا أكل مال الغير بالباطل، فالقاضي يمنعه عن ذلك. [٥ - في الطلاق] [١١١١] قال: ولو طلق الذمي امرأته ثلاثاً ثم أقام عليها، وخاصمته في ذلك لم يتركه الحاكم وأياها، بل يفرق بينهما. لأن الطلاق الثلاث قاطع للملك، فإذا انقطع الملك كان إمساكه إياها ظلماً منه، والظلم حرام، فالقاضي منعه عن ذلك. لكن لو تزوجها بعد ذلك فالقاضي لا يتعرض لهما، لأن الطلاق غير محصور بعدد عنده من فإذا تزوجها زال الظلم فلا يتعرض [لهما] القاضي، ما لم يسلما، كما لو تزوج المجوسي
следующие страницы →