Полный текст (1 720 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الرجل معروفًا بالصلاح لا يضمنه القاضي استحسانًا.
لأنه فعل عين ما يفعله القاضي أن لو رفع إليه، فلا يضمن استحسانًا.
ومن هذا الجنس مسائل:
منها:
أن الميت إذا كفنه إنسان من تركته بدون إذن القاضي.
стр. 177
ومنها:
أوقاف المسجد إذا أخذها واحد من صلحاء المحلة وانفق في المسجد قدر ما لابد منه أنه لا يضمن استحسانًا لما قلنا.
والصحيح ما قاله صاحب الكتاب، وكذلك في المسائل التي عدها؛ لأنه إنما لا يضمن هنا وفي تلك المسائل استحسانًا في ما بينهم وبين الله تعالى، أما في الحكم فيضمنون.
كذا ذكر شمس الأئمة الحلواني في شرح نفقات الخصاف [﵀].
وهذا كله في الثمار والغلات التي تحصل من غير عقدة.
стр. 178
أما ما تحصل بعقدة كغلة الحوانيت [فإنه] لا يجب عليه الضمان.
لأنه لما لم يثبت إذن القاضي المعزول وإطلاقه كان غاصبًا، والغاصب إذا أجر المغصوب، واستوفى الأجر كانت الأجرة مملوكة له، فلا يتصور وجوب الضمان [عليه] سواء كان معروفًا بالصلاح أو لم يكن.
[١٦١] قال:
فلو قال القاضي للأمناء: لا أقبل منكم الجملة، لكن أحاسبكم شيئًا فشيئًا، شهرًا فشهرًا، وسنة فسنة، فهذا على وجهين:
إن كان الوصي والقيم معروفًا بالصلاح والأمانة وقال: إنما بقى في يدي هذا القدر من المال، فالقاضي المولى لا يجبره على التفسير شيئًا فشيئًا، فيكون القول قول الأمين مع يمينه.
وإن كان الوصي أو القيم غير معروف بالصلاح والأمانة، فالقاضي يحتاط في ذلك الباب ويبالغ ويحاسبه شيئًا فشيئًا.
فإن لج الرجل وقال: إنما بقى في يدي هذا القدر من المال، فالقاضي لا يجبره على التفسير، فإن في الإجبار إضرارًا به، فإنه إذا أقر بشيء لا يقبل قوله بعد ذلك في الصرف، وليس للقاضي ولاية الإضرار، فلا
стр. 179
يكون له ولاية الجبر، ولا ولاية التضمين؛ [لأنه، وإن كان متهمًا بالخيانة، لكن مجرد التهمة لا يكون سببًا للتضمين، وإذا بطل الجبر وتعذر التضمين] يحلفه، ويكف عنه.
هذا كله إذا انعزل القاضي الأول.
فإن مات القاضي الأول، فموته وعزله سواء، وكل جواب عرفناه في العزل في حق الأمناء وأمر المحبسين فهو الجواب في الموت.
[معرفة القاضي المقلد أحوال الناس قبل دخوله البلد]
[١٦٢] قال:
وإذا قلد الرجل قضاء بلدة ينبغي له أن يتعرف من الفقهاء، والصلحاء، والأمناء، والمدول؛ لينزل الناس منازلهم، في تلك البلدة، قبل أن يدخل البلدة؛ لوجهين:
أحدهما: أن القاضي يحتاج إلى الرجوع إلى الفقهاء في معرفة حكم الحوادث، وإلى الصلحاء، لتعديل الشهداء، وإلى الأمناء
стр. 180
والعدول؛ لكي إذا شهدوا بين يديه يمكنه القضاء للحال، لأن العدالة، متى ثبتت، تبقى ما لم يتغير حالهم.
والثاني: أنه إذا دخل البلدة والناس يدخلون عليه للزيارة من الفقهاء وغيرهم، فينبغي أن يتعرف حالهم لينزل الناس منازلهم.
فإذا احتاج إلى التعرف من هؤلاء، فالسبيل له أن يقدم نائبه حتى يتعرف عنهم، حتى إذا قدم يخبره بذلك.
ثم إذا قدم القاضي تلك البلدة يسأل أمينًا من أمناء البلدة: من الأمناء في هذه البلدة؟ فيسأل البعض عن البعض؛ لأن نائبه ربما يخون ويخفي البعض، وهذا الأمين قد ظهرت أمانته وعدالته، فيسأل هذا عن الباقين، ويقدم في الجلوس الأفضل فالأفضل.
وكذلك إذا كان القاضي المولى من أهل تلك البلدة.
لأنه يزوره بعد العمل من لم يكن يزوره قبل العمل، ويحتاج القاضي إلى معرفة من لم يكن يعرفه قبل العمل، فيقدم نائبه قبل أن
стр. 181
يرد البلدة؛ ليعرف من أحوال الناس، حتى يقدم القاضي.
ثم في الموضعين جميعًا يكتب [القاضي] أسماءهم، حتى إذا احتاج تيسر عليه الوصول إلى المقصود عن الحاجة.
[والله أعلم بالصواب]
стр. 182
الباب السابع في القاضي يقضي في المسجد
[اختلاف العلماء في مسألة القضاء في المسجد]
[١٦٣] قال:
ذكر [عن] الحسن ﵀ أنه قال:
أتيت مسجد المدينة ذات يوم بالهاجرة، فإذا أنا بابن عفان ﵁ قد كوم كومة من الحصى، ووضع رداءه ثم اتكأ، فإذا رجل حسن الوجه، حسن اللحية، وإذا بوجنتيه نكتات من أثر الجدري، وإذا الشعر قد كسا ساعديه، فجاء سقاء معه قربة له، يخاصم رجلًا، قال: فجعل ينظر في ما بينهما.
стр. 183
اشتمل هذا الحديث على فوائد:
منها:
أن عثمان بن عفان ﵁ كان جميلًا حسن الوجه واللحية.
ومنها:
أنه لا بأس بالجلوس في المسجد؛ فإن عامة جلوس عثمان ﵁ كان في المسجد، وعامة جلوس عمر ﵁ قبله كان في المسجد.
فهكذا ينبغي للسلطان والقاضي أن يكون جلوسه في المسجد ليتيسر على الناس الدخول.
[١٦٤] وهذه المسألة اختلف العلماء فيها: أنه هل يجوز للقاضي أن يجلس للقضاء في المسجد؟
قال علماؤنا ﵏: لا بأس به.
стр. 184
وقال الشافعي ﵀: يكره.
وقال مالك [بن أنس ﵄]: الجواب فيه على التفصيل: إن كان في المسجد وتقدم إليه الخصمان لا بأس بفصل الخصومة في المسجد، وإن تعمد الذهاب إلى المسجد لفصل الخصومة في المسجد يكره.
والشافعي ﵀ يقول: القاضي يحضر في مجلسه المشرك وهو نجس كما نطق به الكتاب، وكذا تحضره الحائض، وهي ممنوعة عن دخول المسجد، فيكره له الجلوس في المسجد لهذا.
ولنا ما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال:
"إنما بنيت المساجد لذكر الله تعالى والحكم".
стр. 185
سوى بين العبادة والحكم.
والدليل عليه ما روى أن رسول الله ﷺ كان يفصل بين الخصوم في معتكفة.
والخلفاء الراشدون كانوا يجلسون في المساجد لفصل الخصومات.
стр. 186
وأما قوله: فإنه يحضره في مجلسه المشرك وهو نجس، قلن: النجاسة في اعتقاده، لا على ظاهر بدنه، فلا يصيب الأرض منه شيء، والحائض مسلمة، فالظاهر أنها تتحرز عن دخول المسجد في حالة الحيض، وتخبر أنها حائض، فإذا أخبرت فإن القاضي لا يكلفها دخول المسجد، لكن يخرج إليها فينظر في خصومتها، أو يأتي إلى باب المسجد، كما لو وقعت الخصومة في الدابة والشاة والبقرة وغيرها. فإنه لا يمكن إحضارها في المسجد، لكن يخرج القاضي لسماع الدعوى والشهادة من الشهود والإشارة إليها، فهاهنا كذلك.
[١٦٥] وذكر عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه كتب: أن لا يقعد قاض في مسجد يدخل [فيه] المشركون، فإنهم نجس، قال الله تعالى: "إنما المشركون نجس".
стр. 187
[١٦٦] عن عمر بن عبد العزيز أيضًا أنه كتب أن لا يقضي القاضي في المسجد.
[١٦٧] أورد صاحب الكتاب في هذا الباب أحاديث من الجانبين؛ ليبين أن هذا مما اختلف فيه السلف أيضًا، بعضهم كرهوا وبعضهم لم يكرهوا.
[القضاء في الطريق]
[١٦٨] ذكر عن عبد الرحمن بن قيس أنه قال:
رأيت يحيي بن يعمر … يقعد في الطريق
стр. 188
فيقضي.
وهذا لأن القاضي بتقلده القضاء التزم فصل الخصومات، فإذا تقدم إليه الخصمان ينبغي أن يفصل الخصومة بينهما ولا يؤخر، لكن إنما يقعد في الطريق إذا كان الطريق لا يضيق بالمارة، أما إذا كان يضيق فلا يقعد، بل يقف في ناحية الطريق فينظر فيها.
وإنما يقف أيضًا إذا كان الطريق لا يضيق بالمارة.
стр. 189
أما إذا كان يضيق فلا يقف، بل يذهب، ولا يقضي وهو يمشي؛ لأنه يتفرق رأيه، لكن يقف في موضع ثم يقضي.
[قضاء القاضي في منزله]
[١٦٩] وعن ابن المبارك عن رجل قال:
أتيت يحيي بن يعمر في منزله، فقال: القاضي لا يؤتي في منزله.
تكلموا في تأويله من وجهين:
أحدهما: أن المراد منه إذا مل القاضي من سماع الخصومات فقام وذهب ليستريح، لا ينبغي للخصوم أن يتبعوه في داره.
والثاني: أن المراد منه لا يأتي أحد الخصمين في دار القاضي؛ لأن القاضي يتهم بالميل إليه، لا يؤتي في منزله نفيًا للتهمة عن القاضي.
[١٧٠] ذكر عن شريح أنه كان إذا كان يوم مطر قضى في داره.
стр. 190
وتأويله من وجهين:
أحدهما: يحتمل أنه إنما فعل ذلك رفقًا بنفسه فإنه يحتاج في الخروج إلى المسجد إلى تحمل الكلف والمشقة، فصار المطر عذرًا، ألا ترى أن رسول الله – ﷺ جعل المطر عذرًا في نظيره فقال:
"إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال".
стр. 191
فلما جاز له التخلف عن الجماعة بعذر المطر فلأن يجوز التخلف عن حضور المسجد لأجل القضاء أولى.
والثاني: يحتمل أنه إنما اختار ذلك صيانة للمسجد عن التلويث، إن أقدام الخصوم لا تخلو عن ذلك، وتلويث داره كان أيسر عليه من تلويث المسجد.
[هيئة القاضي وملبسه وزينته]
[١٧١] ذكر عن حسان بن إبراهيم رحمة الله قال:
رأيت محارب بن دثار يقضي في المسجد، قال: ورأيته مخضبًا بالسواد.
стр. 192
وهذا مختلف عن السلف.
قال بعضهم: يكره؛ لأن الثيب نور الله تعالى فيكره تغيير نور الله تعالى.
وعامة العلماء قالوا: لا يكره؛ لما روى عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه كان يخضب بالحناء والكتم.
стр. 193
وعن عبد الله بن عباس ﵁ قال:
كما يعجبني أن تتزين لي امرأتي يعجبها أن أتزين لها.
وعن أبي يوسف ﵀ في هذا الباب روايتان:
أحداهما: أنه قال: أن خضب حالة القتال فلا بأس به، وجعل هذا [على] قياس تطويل الشارب والأظفار لا بأس به في حال القتال: أما طول الشارب فليكون أهيب في عين من يارزه، وأما الظفر فليكون سلاحًا له، وفي غير حالة القتال لا يفعل فكذا ها هنا.
والثانية: إن كان له امرأة أو أمة فيتزين لها فلا بأس به.
[١٧٢] وذكر عن أبي طالوت قال:
رأيت شريحًا يقضي في المسجد عليه مطرف خز.
стр. 194
أورد الحديث ليبين أن القاضي يتكلف للباسه في مجلس القضاء؛ ليكون أهيب للناس.
الدليل عليه ما روى عن رسول الله ﷺ : "أنه كان له جبة فك كان يلبسها في الأعياد والجمع ودخول الوفود عليه".
стр. 195
[١٧٣] قال:
وكان يجلس حتى يقضي بين الخصوم، فإذا كان الغد واجتمعوا، صاح فيهم: أتتظالمون بالليل؟
كره [لهم] شريح الابتكار لأجل الخصومة؛ لأن الابتكار ينبغي أن يكون لطلب العلم.
[القضاء بين اليهود والنصارى والنساء]
[١٧٤] وذكر عن جابر أن عامرًا كان يقضي بين اليهود والنصارى
стр. 196
والنساء إذا كن لا يصلين على باب داره.
وعندنا لا بأس بإدخال أهل الذمة المسجد، أما في حق الحائض والنفساء فيقضي على باب المسجد وقد مر هذا.
[اختيار المكان المناسب للقضاء]
[١٧٥] قال أبو حنيفة ﵀:
ينبغي للقاضي أن يجلس للحكم في المسجد الجامع، فإنه أشهر المجالس.
وهذا لأن في الخصوم الغرباء، وأهل ذلك البلد، فينبغي أن يختار القاضي للجلوس موضعًا لا يخفي ذلك على الغرباء وأهل البلدة.
والمسجد الجامع في كل بلدة أشهر المواضع، ولا يخفي ذلك على أحد.
стр. 197
[١٧٦] قال:
فإن جلس في مسجد حيه فلا بأس به.
لأنه لا يجب على القاضي أن يأتي الخصوم، ولو عين المكان كان فيه إلزام القاضي أن يأتي الخصوم.
[١٧٧] وكذا إن جلس في بيته لا بأس به، ويأذن للناس، ولا يمنع أحدًا من الدخول عليه، فيجلس معه من كان يجلس معه أن لو كان في المسجد.
لأنه لو جلس وحده في بيته تتمكن فيه تهمة.
[افتتاح جلسة القضاء]
[١٧٨] قال:
وإذا دخل القاضي المسجد، فأحب له أن يبدأ فيصلي ركعتين أو أربعًا.
لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال:
"من دخل المسجد فليحيه بركعتين".
стр. 198
وإن شاء صلى أربعًا؛ لما روى عن رسول الله – ﷺ أنه قال:
"الصلاة خير دائم، فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر".
стр. 199
والأربع أفضل؛ لأن هذه صلاة النهار، والأربع في صلاة النهار أفضل.
[١٧٩] ثم اختلفوا في صلاة التحية: أنه يجلس ثم يقوم ويصلي، أو يصلي ثم يجلس.
قال بعضهم: يجلس ثم يقوم.
وعامة العلماء قالوا: يصلي كما دخل المسجد ثم يجلس.
[١٨٠] قال:
ويدعو الله تعالى أن يوفقه ويسدده للحق ويعصمه عن معاصيه. ثم يجلس للحكم.
[خير المجالس في القضاء ما استقبل به القبلة]
[١٨١] ويستقبل القبلة بوجهه.
لما روى عن النبي ﷺ أنه قال:
"خير المجالس ما استقبل به القبلة".
стр. 200
وهذا كان في عرف زمانهم.
أما في زماننا [فقد] جرى الرسم أن القاضي يسند ظهره للمحراب. وهو موافق لما روى عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا فرغ من صلاته يسند ظهره إلى المحراب، ويقول لأصحابه: "هل رأى أحد منكم رؤيا؟ ".
стр. 201
وكذا الخطيب يوم الجمعة يخطب على المنبر، مستدير القبلة.
وهذا لأن القاضي إذا جلس بهذه الصفة، فالخصوم بين يديه يستقبلون القبلة، فيكون ذلك أبلغ في المنع من الأقدام على الكذب.
[أعوان القاضي]
[١٨٢] قال:
ويكون الناس أمامه بالبعد حيث لا يسمعون ما يدور بينه وبين من يتقدم إليه من الخصوم.
أراد بالناس أعوانه.
وهذا لأن مجلس القضاء مجلس هيبة وحشمة، فيقفون بين يديه؛ ليكون أهيب في عيون الناظرين.
стр. 202
[قمطر القاضي]
[١٨٣] قال:
ويضع القمطر بين يديه إلى جانبه، وعن يمينه.
أما الوضع إلى جانبه فلأن القمطر سلاح القاضي، فإن فيه السجلات والمحاضر والصكوك، وسلاح الأمراء يجب أن يكون ممدًا بين أيديهم.
أما اختيار الجانب الأيمن، فلأن رسول الله ﷺ "كان يختار التيمن في كل شيء".
стр. 203
[١٨٤] قال:
وقد أخرجها القيم وحملها بين يديه من منزله إلى المسجد.
لأنه سلاح القاضي فيحمل بين يديه، ألا ترى ان المدة كانت تحمل بين يدي [رسول الله] ﷺ .
وهكذا جرى الرسم اليوم أن السلاح يحمل بين يدي الملوك.
[جلوس كاتب القاضي]
[١٨٥] [قال]:
ويجلس كاتبه ناحية عنه حيث يراه.
كي لا يخدع بالرشوة فيزيد في ألفاظ الشهادة أو ينقص.
[مجلس أهل الشورى في القضاء]
[١٨٦] قال:
стр. 204
وإذا أراد أن يجلس معه قومًا من أهل الفقه والأمانة أجلسهم قريبًا منه.
لأن أهل الفقه إنما يجلسون مع القاضي لأجل المشورة، وإنما يحصل هذا المقصود إذا كانوا بقرب منه، بخلاف الأعوان، فإنهم يكونون ببعد منه؛ لأن الأعوان إنما يقفون لأجل الهيبة، وإنما يحصل هذا المقصود إذا كانوا ببعد منه.
وكذا أهل الأمانة بقرب منه؛ لأن أهل الأمانة إنما حضروا [أما] لأجل الشهادة، أو ليذكروا القاضي ما جرى على لسانه، فإن كان الأول وجب على القاضي إكرامهم، وإن كان الثاني فإنما يحصل هذا المقصود بالقرب منه لا بالبعد عنه.
[إخراج رقاع الدعوى]
[١٨٧] قال:
ثم يفتح القاضي القمطر أو يفتح قيمه بين يديه، ولا يدخل القيم يده فيه؛ مخافة أن يدخل فيه ما لم يكن فيها [ويخرج رقاع ذلك اليوم ويجعلها بين يديه].
стр. 205
وقد تقدم رسم الرقاع في بابه.
[اختلافهم في سؤال المدعى عن دعواه]
[١٨٨] قال:
وإذا تقدم إليه الخصمان سأل القاضي المدعى عن دعواه: ماذا يدعي؟
وهذه مسألة اختلف فيها المشايخ:
قال بعضهم: القاضي يسكت حتى يدعي المدعي ولا يسأل عن دعواه.
ورأى صاحب الكتاب أنه يسأل؛ لأن مجلس القضاء مجلس هيبة وحشمة، فمن لم ير مثل هذا المجلس يتحير، ولا يمكنه أن يبين دعواه، فينبغي للقاضي أن يؤنسه بكلامه، فيسأله، حتى يقدر على الدعوى.
وروى عن محمد ﵀ أن القاضي بالخيار: إن شاء بدأ وسأل كما [هو] رأى صاحب الكتاب. وإن شاء سكت ونظر إليه.
[تسجيل الدعوى أو تدوين المحضر]
[١٨٩] فإذا ادعى فالقاضي يأخذ بياضًا ويكتب الدعوى في تلك الرقعة بلفظ لا يزيد [عليه] ولا ينقص. فينظر فيه أهو صحيح أو فاسد؟
стр. 206
فإن كان فاسدًا لا يقبل على المدعى عليه، ولا يسأل الجواب، لكن يقول: دعواك فاسدة، فاذهب وصحح دعواك.
وهذا يكون فتوى القاضي، وللقاضي أن يفتي في ما يكون معلومًا.
فإن كان صحيحًا على قول أولئك المشايخ لا يسأل المدعى عليه، بل ينظر إليه؛ لأنه قد سمع دعوى المدعى، فيجيب بنفسه، فينظر إليه القاضي.
وعلى ما هو رأى صاحب الكتاب أقبل على المدعى عليه، وسأله، وقال: ادعى عليك كذا وكذا فما تقول؟
فإن أقر أثبت إقراره، والتاريخ في تلك الرقعة، وأمر المقر بالخروج عما وجب عليه بالإقرار.
فإذا كتب الإقرار والتاريخ كتب الإقرار بلفظه لا يزيد ولا ينقص.
وذكر صاحب الكتاب هنا تطويلًا.
وإذا كتب فإن عرف القاضي المقر والمقر له أثبتهما معرفين وكتب:
أقر فلان بن فلان الفلاني لفلان بن فلان.
وإن لم يعرفهما القاضي أرسل الكلام إرسالًا وكتب:
стр. 207
أقر رجل ذكر أنه فلان بن فلان لرجل ذكر أنه فلان بن فلان.
وإن عرف أحدهما ولم يعرف الآخر، فمن عرفه أثبت معرفته إياه، ومن لم يعرف كتب وأرسل الكلام إرسالًا في حقه.
هذا إذا أقر المدعى عليه.
وإن جحد أثبت القاضي جحوده في الرقعة التي أثبت فيها دعوى المدعى.
لأن الجحود مما يحتاج إلى معرفته في حال الدعوى والخصومة، فإنه ربما ادعى المدعى الوديعة، وجحد المدعى عليه الوديعة أصلًا، ثم ادعى بعد ذلك الرد أو الهلاك، فإنه لا يسمع منه هذه الدعوى، فثبت أن الجحود مما يحتاج إلى معرفته في حال الخصومة، فوجب أن يكتب القاضي الجحود في تلك الرقعة كما أثبت الدعوى.
وإنما يكتب بلفظه وعبارته، ولا يحوله إلى لسان العربية إلا إذا أمكنه أن يحوله من غير زيادة ولا نقصان، ومن غير أن يأتي بكلمة مبهمة مشتركة تؤدي إلى الاشتباه.
стр. 208
فإن لم يمكنه بينه بلسانه، ويثبت التاريخ.
هذا الرسم رسم صاحب الكتاب.
والقضاة اليوم على رسم [آخر] أحسن من هذا، وهو أن المدعي متى أتى باب القاضي يشاور بعض الوكلاء على باب القاضي حتى يشيروا على الكاتب، ثم الكاتب يكتب دعواه في رقعة واسمه واسم خصمه، فإذا حضر خصمه تقدما إلى القاضي مع الرقعة، فيكون ذلك أيسر على القضاة، ولا يحتاج الخصم إلى كثير تردد بين القاضي والكاتب.
[سؤال المدعى عن بيئته إذا جحد المدعى عليه]
[١٩٠] قال:
فإن جحد المدعى عليه على قول أولئك المشايخ لا يسأل المدعى.
وعلى ما رأى صاحب الكتاب يسأل فيقول: ألك بينة؟ فقد
стр. 209
انكر ما ادعيت.
[هل يسأل المدعى عن بيئته حين يطلب
استحلاف المدعى عليه؟]
[١٩١] فإن قال: استحلفه لي على دعواي، فعلى قول أولئك المشايخ لا يسأل المدعى ألك بينة. وعلى رأي صاحب الكتاب يسأله فيقول: ألك بينة؟ لما روى عن النبي ﷺ أنه قال حين اختصم الحضرمي والكندي بين يديه للمدعى منهما: "ألك بينة؟ ".
قال: لا.
قال: "لك يمينه".
стр. 210
[١٩٢] فإن قال المدعى: لا [بينة لي] حلفه القاضي.
стр. 211
لأن اليمين حق المدعى [كما أن البينة حق المدعى عليه] لما روى عن النبي ﷺ أنه قال:
"إنما لك شاهداك أو يمينه".
دل [على] أن اليمين حقه.
[١٩٣] فإن قال: نعم لي بينة حاضرة أو قال: حاضرة في المجلس، فالقاضي لا يجيبه، ولا يحلف المدعى عليه بالإجماع.
ذكر القدوري [﵀] في شرح هذا الكتاب: فإن قال:
стр. 212
لا يجيبه، ولا يحلف المدعى عليه في قول أبي حنيفة ﵀. وقال أبو يوسف: يجيبه ويحلفه، وقول محمد ﵀[في هذا] مضطرب.
стр. 213
ذكر القدوري قوله كقول أبي حنيفة [﵀].
وذكر الخصاف [﵀] قوله كقول أبي يوسف ﵀.
هما يقولان: اليمين حقه بالنص، فإذا طالبه بإيفاء حقه يجيبه إلى ذلك.
وأبو حنيفة ﵀ يقول: الشرع رتب اليمين على عدم البينة، قال عليه [الصلاة و] السلام: "ألك بينة؟ " فقال: لا. قال: لك يمينه".
ولأن اليمين كالخلف عن البينة، وإنما يصار إليه عند العجز عن الأصل.
فإذا كانت المسألة مختلفة، فإن كان القاضي ممن لا يرى استحلافه لا يحلفه، وإن كان ممن يرى استحلافه حلفه.
[١٩٤] فإن قال المدعي: لي بينة حاضرة فاسمع الشهادة منهم دعا بهم، وقد حفظ القاضي دعوى المدعى، ثم سمع من شهوده، فإن كانت الشهادة موافقة للدعوى أخذ القاضي جوا مع الشهادة في رقمة بين يديه، وبعث بهم إلى الكاتب، وكتب محضرهم.
[١٩٥] وذكر صاحب الكتاب تطويلًا ههنا.
قال:
стр. 214
وإذا كتب الدعوى والإنكار، قرأ على المدعى: كذا كذا أدعيت، وقرأ على المدعى عليه كذا كذا قلت.
فإن قالوا: نعم أمسكه بعد ذلك.
[هل يبدأ الشاهد بما عنده من الشهادة؟]
[١٩٦] قال:
ولا ينبغي للشاهد إذا جلس بين يدي القاضي أن يبدأ بما عنده من الشهادة حتى يقول له القاضي: بم تشهد؟.
فيسأل القاضي واحدًا واحداً عن شهادته، ويقف عليها.
وقال الطحاوي: لا بأس به.
стр. 215
وجه ما قال في الكتاب: أن الشهادة قبل الطلب من علامات الكذب. قال النبي ﷺ :
"ثم يغشو الكذب، فيشهد الرجل قبل أن يستشهد، ويحلف قبل أن يستحلف".
следующие страницы →