Полный текст (1 720 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
لأن اليمين حق المدعى [كما أن البينة حق المدعى عليه] لما روى عن النبي ﷺ أنه قال:
"إنما لك شاهداك أو يمينه".
دل [على] أن اليمين حقه.
[١٩٣] فإن قال: نعم لي بينة حاضرة أو قال: حاضرة في المجلس، فالقاضي لا يجيبه، ولا يحلف المدعى عليه بالإجماع.
ذكر القدوري [﵀] في شرح هذا الكتاب: فإن قال:
стр. 212
لا يجيبه، ولا يحلف المدعى عليه في قول أبي حنيفة ﵀. وقال أبو يوسف: يجيبه ويحلفه، وقول محمد ﵀[في هذا] مضطرب.
стр. 213
ذكر القدوري قوله كقول أبي حنيفة [﵀].
وذكر الخصاف [﵀] قوله كقول أبي يوسف ﵀.
هما يقولان: اليمين حقه بالنص، فإذا طالبه بإيفاء حقه يجيبه إلى ذلك.
وأبو حنيفة ﵀ يقول: الشرع رتب اليمين على عدم البينة، قال عليه [الصلاة و] السلام: "ألك بينة؟ " فقال: لا. قال: لك يمينه".
ولأن اليمين كالخلف عن البينة، وإنما يصار إليه عند العجز عن الأصل.
فإذا كانت المسألة مختلفة، فإن كان القاضي ممن لا يرى استحلافه لا يحلفه، وإن كان ممن يرى استحلافه حلفه.
[١٩٤] فإن قال المدعي: لي بينة حاضرة فاسمع الشهادة منهم دعا بهم، وقد حفظ القاضي دعوى المدعى، ثم سمع من شهوده، فإن كانت الشهادة موافقة للدعوى أخذ القاضي جوا مع الشهادة في رقمة بين يديه، وبعث بهم إلى الكاتب، وكتب محضرهم.
[١٩٥] وذكر صاحب الكتاب تطويلًا ههنا.
قال:
стр. 214
وإذا كتب الدعوى والإنكار، قرأ على المدعى: كذا كذا أدعيت، وقرأ على المدعى عليه كذا كذا قلت.
فإن قالوا: نعم أمسكه بعد ذلك.
[هل يبدأ الشاهد بما عنده من الشهادة؟]
[١٩٦] قال:
ولا ينبغي للشاهد إذا جلس بين يدي القاضي أن يبدأ بما عنده من الشهادة حتى يقول له القاضي: بم تشهد؟.
فيسأل القاضي واحدًا واحداً عن شهادته، ويقف عليها.
وقال الطحاوي: لا بأس به.
стр. 215
وجه ما قال في الكتاب: أن الشهادة قبل الطلب من علامات الكذب. قال النبي ﷺ :
"ثم يغشو الكذب، فيشهد الرجل قبل أن يستشهد، ويحلف قبل أن يستحلف".
стр. 216
فإذا كان هذا من علامات الكذب فالكذب واجب الامتناع عنه، فيسكت حتى يسأله القاضي: بم تشهد؟
وجه ما قاله الطحاوي [﵀] أن هذا خير الشهداء على ما روى عن النبي ﷺ أنه قال:
"ألا أنبئكم بخير الشهداء؟ ".
قالوا: نعم يا رسول الله.
قال: "أن يشهد قبل أن يطلب منه".
стр. 217
فإذا كان هذا خير الشهداء فلا يستقيم أن يجعل هذا من علامات الكذب.
وتأويل قوله ﵊ "قبل أن يستشهد" قبل أن يتحمل، كما قال الله تعالى: "واستشهدوا شهيدين من رجالكم" والمراد من الاستشهاد هو التحميل.
стр. 218
[صيغة سؤال القاضي للشاهد]
[١٩٧] فإذا سأله القاضي يقول: بم تشهد؟ ولا يقول له: كيف تشهد؟؛ لأن ذلك [يكون] شبه التلقين.
[إجمال الشهادة وتفسيرها]
[١٩٨] فإن شهد شاهد وفسر الشهادة على وجهها، ثم شهد آخر فقال: أشهد على مثل شهادة صاحبي لا يقبل القاضي حتى يتكلم كل شاهد بشهادته.
لأن هذا محتمل، يحتمل أن يكون المراد منه: أشهد على مثل
стр. 219
شهادته من أوله، [أو خلاله]، أو من آخره، فيضمر الشاهد شيئًا في هذه الشهادة، فيتحرز عن الوبال، ويلبس [على] القاضي، والشهادة حجة القضاء، فمع الاحتمال لا يجب القضاء بهذا.
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة [أبو محمد عبد العزيز بن أحمد] الحلواني:
هذا احتياط من صاحب الكتاب أن لا يقبل من الشهود الإجمال، وهذا دأبه في هذا الباب، أما عندنا فإذا شهد الأول وفسر وقال الثاني: أشهد بما شهد به هذا كفى؛ لأنه بنى شهادته على شهادة صاحبه، والبناء يكون كالمبنى.
ثم قال ﵀:
المختار أن يجعل الجواب على التفصيل: إن كان الشاهد فصيحًا يمكنه بيان الشهادة على وجهها لا يقبل منه الإجمال كما قال صاحب الكتاب، وإن كان أعجميًا غير فصيح يقبل منه الإجمال إذا كان بحال لولا حشمة مجلس القاضي يمكنه أن يعبر الشهادة بلسانه. أما إذا كان
стр. 220
يحال لا يمكنه أن يعبر بلسانه أصلًا فإنه لا يقبل أيضًا.
وقال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀:
المختار أن يجعل الجواب على التفصيل: أن أحس القاضي بخيانة من الشهود بشهادة الزور كلف كل شاهد أن يفسر شهادته كما قال صاحب الكتاب، وإن لم يحس بشيء من الخيانة لا يكلف، ويحكم في ذلك برأيه.
هذا لما روى عن محمد ﵀ أن القاضي إذا اتهم الشهود بشهادة الزور فرق بينهم، وإن لم يتهم لم يتكلف لذلك.
ثم قال هو ﵀: هذه الأقاويل في ما إذا قال الثاني: أشهد بما شهد الأول.
أما إذا قال: أشهد على شهادة الأول فلا تقبل بالإجماع.
لأن هذه شهادة على الشهادة، وليست بشهادة على الحق.
وكذا إذا قال: على مثل ما شهد الأول.
لأن "مثل" قد تكون صلة. قال الله تعالى:
стр. 221
﴿ليس كمثله شيء﴾.
أي ليس كهو شيء، فيصير هذا وقوله: أشهد على شهادة الأول سواء فلا يقبل.
وكذلك إذا قال: أشهد على مثل ما شهد الأول.
لأن المثل قد يكون صلة، وما قد تكون [بمعنى] من. كأنه قال: أشهد على من شهد الأول.
[١٩٩] قال:
وإذا شهد شاهد بالكتاب بحق أو يكتب شهادته في بياض فقرأه بعضهم، أو يقرأ عليهم فيقول الشاهد: أشهد أن لهذا المدعي جميع ما سمى ووصف في هذا الكتاب على هذا المدعى عليه، أو يقول: هذا المدعي الذي قرأه ووصفه في هذا الكتاب في يد المدعى عليه بغير حق، وواجب عليه تسليمه، تصح هذه الشهادة؛ لأن الشهادة ربما تكون طويلة، فلا يمكن للشاهد حفظها عن ظهر قلبه، فلو لم يشهد من الكتاب لبطل حق المدعي، فيباح له ذلك.
[الشهادة على الحاضر]
[٢٠٠] ثم إن كانت الشهادة على الحاضر يحتاج إلى الشاهد إلى الإشارة
стр. 222
إلى ثلاثة مواضع: إلى المدعى، وإلى المدعى عليه، وإلى المشهود به.
[الشهادة على الميت أو الغائب]
[٢٠١] وإن كانت الشهادة على ميت حضر وصية، أو غائب حضر نائبه، فإذا شهدوا على الميت، أو على الغائب، فسموه، ونسبوه إلى أبيه فقط لا يقبل القاضي حتى ينسبوه إلى جده؛ لأن المعرفة لا تحصل باسم واحد؛ لأنه لا يقع به التمييز، ولا يزول به الاشتباه.
أما إذا ذكر أبوين فيقع به التمييز، ويزول به الاشتباه؛ لأن الاثنين جماعة، فيكون ذكر الاثنين كذكر العشرة والمائة.
[٢٠٢] قال صاحب الكتاب:
شرط ذكر الأب والجد للتعريف.
وهكذا ذكر في الشروط
واختلف مشايخنا فيه:
منهم من قال: هذا قول أبي حنيفة ومحمد [رحمهما الله].
أما على قول أبي يوسف [﵀] فذكر الأب يكفي في التعريف، ومحمد توسع في الكتب وترك [ذكر] اسم الجدود.
وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ في شرح هذا الكتاب: أن هذا على قول أبي حنيفة [﵀] وحده، أما على
стр. 223
قولهما فذكر اسم الأب يكفي.
[٢٠٣] قال:
وهكذا ذكر الاختلاف أبو زيد الكبير في شروطه، وإن ذكر اسمه واسم أبيه وصناعته لا يكفي.
لأن الصناعة ليست بشيء لازم، فإن الإنسان قد يشتغل بصناعة في زمان، ثم يشتغل بصناعة أخرى في زمان آخر، فلا يحصل به التعريف، إلا إذا كانت صناعة يعرف بها لا محالة، فحينئذ تكفي.
وهو تأويل ما قاله صاحب الكتاب لم يقبل القاضي ذلك حتى ينسبوه إلى جده وإلى قبيلته، أو إلى صناعته، أو إلى شيء يعرف ذلك الرجل الميت به.
وهذا لأن التعريف شرط، فأي شيء حصل التعريف فقد حصل الشرط، فكفاه.
[٢٠٤] فإن ذكر اسمه واسم أبيه واسم جده، أو اسم أبيه وقبيلته، أو حرفته على ما قال صاحب الكتاب، وفي المحلة رجلان بهذا الاسم،
стр. 224
أو في تلك القبيلة، أو في تلك الصناعة رجلان بهذا الإسم، لا يقبل القاضي حتى يذكر مع هذا شيئًا آخر يقع به التمييز ويزول به الاشتباه.
وهذا إذا لم يكن الرجل مشهورًا.
أما إذا كان مشهورًا كشهرة أبي حنيفة وابن أبي ليلى رحمهما الله فلا يشترط التسمية، لأن المقصود من ذكر التسمية التعريف، وأنه حاصل.
[دعوى الدار]
[٢٠٥] قال:
فإن ادعى المدعي دارًا في يد المدعى عليه ينبغي للقاضي أن يقبل على المدعي فيقول: سم البلد الذي فيه هذه الدار، والمحلة في ذلك البلد، والسكة التي الدار فيها من تلك المحلة، وحددها.
لأن المدعي إنما يستحق جواب الخصم بعد صحة الدعوى، والدعوى إنما تصح إذا كان المدعى به معلومًا، وإنما يصير معلومًا بما ذكرنا، فإن ذكر حدين لا يقبل.
وإن ذكر ثلاثة حدود قبل عندنا.
стр. 225
وعند زفر ﵀ لا يقبل.
[٢٠٦] وإن غلط في أحد الحدود الأربعة لا يقبل بالإجماع وفيه اختلاف المشايخ.
والصحيح أنه لا يقبل.
زفر ﵀ قاس ترك [أحد] الحدود الأربعة بوقوع الغلط في أحد الحدود الأربعة.
وعلماؤنا الثلاثة ﵏ فرقوا.
[٢٠٧] وإن كانت الدار مشهورة لا يستغنى عن ذكر الحدود عند أبي حنيفة [﵀] وعندهما يستغني.
هما قاسا شهرة الدار بشهرة المدعى والمدعى عليه.
وأبو حنيفة [﵀] فرق.
وموضع هذه المسائل كتاب الشهادات، وسيأتي بعضها في الباب الثاني والخمسين من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وكذلك لو كان مكان الدار ضيعة أو عقارًا فهو كما قلنا.
[دعوى الشيء القائم]
[٢٠٨] قال:
وإن ادعى المدعي شيئًا، فإن كان الشيء قائمًا في يد المدعى عليه يكلف المدعى عليه بالإحضار، ثم تشترط الإشارة إليه، ولا يحتاج إلى
стр. 226
بيان الجنس، والسن، والقيمة، والحلية، والصفة.
لأن بالإشارة يصير معلومًا.
[دعوى الشيء الهالك]
[٢٠٩] وإن كان ذلك الشيء هالكًا لا تصح الدعوى ألا أن يبين جنسه، وسنه، وحليته، وصفته، وقيمته.
لأنه لا يصير معلومًا إلا بذكر هذه الأشياء.
وكذلك جميع النقليات من الأثاث والثياب وغير ذلك على هذا.
وستأتي معرفة هذا في الباب الحادي والعشرين.
[آداب القاضي وصفاته حين جلوسه]
[٢١٠] قال:
ولا ينبغي للقاضي أن يجلس للقضاء وهو غضبان.
لأن النبي ﷺ "نهى أن يقضي القاضي وهو غضبان".
стр. 227
[٢١١] قال:
ولا يقضي وهو جائع.
لأن الجوع مما يقطع الرأي.
[٢١٢] قال:
ولا ضجر.
لأن الضجر يقطع الرأي كالغضب.
[٢١٣] قال:
ولا كظيظ من الطعام.
стр. 228
وهو أن يأكل فوق الشبع، لأن ذلك يؤذيه، فيضعف رأيه، فلا يهتدي للصواب.
وإنما ينهي عن هذا كله مخافة الجور؛ لأنه مأمور بالعدل.
[٢١٤] قال مشايخنا:
إن كان القاضي شابًا ينبغي أن يقضي شهوته في أهله قبل أن يجلس للقضاء، حتى إذا حضرته الشابة من النسوان لا يميل قلبه إليها فيجور.
[٢١٥] قال:
ويجعل سمعه، وقلبه، وفهمه، إلى الخصم.
لما روى عن عمر ﵁ أنه قال:
"الفهم، الفهم … ".
[٢١٦] ويسوى بين الخصمين في الإقبال عليهما، والنظر إليهما.
لما روى عن عمر ﵁ أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري:
стр. 229
آس بين الخصمين.
[٢١٧] ولا يمازح الخصوم ولا أحدهم.
لأن المزاح منهي عنه لغير القاضي، فما ظنك بالقاضي.
[٢١٨] قال:
ولا يضحك في وجه واحد منهما.
لأنه يجترئ على خصمه، ويطمع في الميل من القاضي إليه.
[٢١٩] قال:
ولا يساره، ولا يومئ إليه بشيء دون خصمه.
لأن ذلك يورث تهمة في أمر القاضي؛ فإن خصمه يظن أنه يمينه، أو يعلمه، أو يلقنه الصواب.
[٢٢٠] قال:
ويسوي بينهما في الجلوس.
стр. 230
لما روى عن عمر ﵁.
ويتفقد من ذلك ما يلزمه، ويجب عليه تفقده.
لأنه إذا لم يتفقد فربما يقع الجور في قضائه.
[تحلية المدعي والمدعى عليه والشهود في المحضر]
[٢٢١] وينبغي للكاتب إذا كتب محضرًا أن يكتب باسم المدعي وباسم أبيه وجده وكنيته وصناعته [وقبيلته] وما يعرف به.
لأنه محتاج إلى تعريف المدعي. وهذا أبلغ في التعريف.
[٢٢٢] قال:
وإن كان القاضي لا يعرفه حلاه.
وهذا ليس بواجب، لكن إن حلاه ليكون أبلغ في التعريف فلا بأس به.
[٢٢٣] فإذا حلاه فإنما يحليه بما يزينه لا بما يشينه، حتى إنه إذا كان به عور لا يحليه به؛ لأن ذلك لا يذكر فيه.
[٢٢٤] قال:
وكذا المدعى عليه والشهود.
أما المدعى عليه فلأن الحق لا يظهر له إلا بمعرفة المدعي والمدعى عليه.
стр. 231
وأما الشهود فلأنه يحتاج إلى معرفة الشهود للسؤال عنهم.
[٢٢٥] قال:
ويكتب للشهود مواضع منازلهم، ومحالتهم، ومصلياتهم.
لأن القاضي متى كان لا يعرف عدالة الشهود يحتاج إلى أن يتعرف عن عدالتهم، وإنما يمكنه التعرف من أهل المحلة.
[٢٢٦] قال:
ويخرج أسماء الشهود وحلاهم، ومنازلهم، ومصلياتهم في رقعة، ويشدها في رأس المحضر.
للمسألة عنهم إن كان القاضي لا يعرفهم. وإن كان يعرفهم لم يحتج إلى ذلك؛ لأنه إنما يكتب تلك لتقع المعرفة بحالهم.
فإذا عرفهم فقد وقع الاستغناء عن ذلك فلا يكتب.
[الشهادة على الصك والسجل والوصية]
[والوكالة في كتاب]
[٢٢٧] قال:
فإن كان الشهود شهدوا على صك أو سجل أو وصية، أو
стр. 232
وكالة، في كتاب نسخ الكاتب ذلك الكتاب في المحضر.
لأنه يحتاج إلى العرض على العلماء؛ لطلب الفتوى منهم، فيجب أن يكتب؛ حتى يمكنه أن يعرضه عليهم.
[تحلية المرأة]
[٢٢٨] قال:
وإذا كتب الكاتب محضر امرأة، وأراد أن يحليها فإنه ينبغي أن يترك موضع الحلية حتى يصير إلى القاضي، فيكون القاضي هو الذي يحليها، ويكتب حليتها في المحضر.
لأن الكاتب -وإن حلاها- لا يستغني القاضي عن النظر في وجهها، فيكون فيه نظر رجلين إليها، ولو حلاها القاضي كفى، فيكون فيه نظر رجل واحد، ونظر الواحد أستر. وما كان أستر لهن فهو أفضل.
فإن نظر القاضي وحلاها جاز.
وإن أملى على الكاتب أن يحليها جاز أيضًا؛ لأن في الحالين فيه نظر واحد.
وسواء كانت المرأة مدعية، أو مدعى عليها، أو شاهدة، فهو سواء.
стр. 233
لأن معرفة الكل محتاج إليها، فيكتب حلية الكل.
[٢٢٩] قال:
فإن رأي القاضي أن يقلد ذلك الكاتب، فيكون الكاتب هو الذي يحليها فله ذلك.
لأن القاضي ربما لا يتفرغ لذلك، أو لا يقدر على ذلك فيفوضه إلى الكاتب إذا كان الكاتب ورعًا عدلًا.
فإذا قرأ المحضر على القاضي نظر القاضي إلى وجه المرأة وإلى حليتها، فعارض به ما كتب الكاتب فعل ذلك، ويعمل القاضي في ذلك بما هو أحوط وأجود وأستر.
[تقديم بعض الدعاوى على بعض]
[٢٣٠] قال:
وإن حضر القاضي قوم غرباء يخاصمون إليه أحدًا من أهل المصر، أو غرباء يطالب بعضهم بعضًا، أو كان أحد [منهم] من أهل المصر يطالب غريبًا، ينبغي للقاضي أن يقدمهم، ويسمع منهم، ويجعلهم أول مجلسه، ألا أن يكونوا كثيرًا يشغلونه عن رقاع الناس، فيجعل لهم وقتًا من الأوقات.
стр. 234
وقد مر هذا الفصل في الباب السادس.
[٢٣١] قال:
ولا يحبسهم عن سفرهم إلا بحق يثبت أو [أن] تكون خصومتهم تطول، فيكونوا أسوة أهل المصر في التقدم.
يريد به أن يقدمهم؛ لأن في التأخير حبسهم عن السفر، فليس للقاضي أن يحبسهم عن السفر إلا بحق يثبت، ولم يثبت الحق، فيقدمهم، إلا أن تكون خصومتهم تطول، فيكونوا أسوة أهل المصر في التقدم.
[شهود القاضي للجنازة]
[وعيادته للمرضى]
[٢٣٢] ثم قال:
ولا بأس بأن يشهد القاضي الجنازة، ويعود المريض.
لأن هذه الأشياء من حقوق المسلم على المسلم.
قال النبي ﷺ :
"ست من حقوق المسلم على المسلم … ، وذكر من جملتها:
стр. 235
"أن يشهد الجنازة ويعود المريض".
وحق المسلم لا يسقط عنه بتلقده القضاء، لكنه لا يطيل مكثه في ذلك المجلس، ولا يمكن أحدًا [أن] يتكلم بشيء من الخصومات؛ لأن الخصم الآخر يتهمه.
стр. 236
[إجابة القاضي الدعوة]
[٢٣٣] قال:
ويجيب الدعوة إذا كانت دعوة عامة للجماعة؛ فإن النبي ﷺ كان يقضي بين الناس ويجيب الدعوة، وكان يقول:
"من لا يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم".
стр. 237
ولأن الدعوة إذا كانت عامة لا يكون المقصود منها القاضي.
[٢٣٤] وإن كانت الدعوة خاصة لا يجيب؛ لأن المقصود هو القاضي، فيصير آكلا بقضائه.
[٢٣٥] وفرق ما بين الدعوة العامة والخاصة تكلموا فيه:
منهم من قال: الدعوة العامة أن تكون كدعوة عرس، أو ختان، وما يشاكلهما، وما سوى ذلك خاصة.
ومنهم من قال: أن ما وراء العشرة فهو دعوة عامة، والعشرة وما دونها خاصة.
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀:
الصحيح أن صاحب الدعوة إن كان بحال لو علم أن القاضي لا يحضر
стр. 238
يتخذ الدعوة فهي دعوة عامة فيجيبه، وإن كان بحال لو علم أن القاضي لا يحضر لا يتخذها فهي دعوة خاصة، فلا يجيبه.
[٢٣٦] وهذا إذا لم يكن بين صاحب الدعوة والقاضي قرابة.
فإن كان بينهما قرابة [فإنه] يجيبه، وإن كانت الدعوة خاصة؛ لأن في إجابة دعوته صلة الرحم، وصلة الرحم فرض عليه.
هكذا ذكر الخصاف [﵀] ولم يحك خلافًا.
وذكر الطحاوي في مختصره خلافًا فقال:
إن على قول أبي حنيفة وأبي يوسف [رحمهما الله] لا يجيب الدعوة الخاصة للقريب، وعلى قول محمد يجيب.
стр. 239
[٢٣٧] ثم إنما يجيب الدعوة الخاصة للقريب إذا لم يكن للقريب خصومة، أما إذا كانت له فلا يجيب.
[٢٣٨] ثم إنما لا يجيب الدعوة الخاصة للأجنبي لمن لا يتخذ الدعوة لأجله قبل القضاء، إنما يجيب لمن يتخذ.
[قبوله الهدايا]
[٢٣٩] وهكذا الهدايا، لا يقبل الهدية إلا ممن كان بينهما قرابة.
وهكذا ذكر الطحاوي في مختصره، ولم يذكر خلافًا.
стр. 240
[٢٤٠] ولا يقبل من الأجنبي إذا كان [ممن] لا يهدي إليه قبل القضاء.
وإن كان [ممن] يهدي إليه قبل القضاء، فإن كانت له خصومة فلا ينبغي أن يقبل، نص عليه الخصاف ﵀ في آخر الباب الرابع عشر.
وإن لم تكن له خصومة: فإن كانت هذه الهدية مثل تلك الهدية أو أقل [منها] فإنه يقبلها؛ لأنه لا يكون آكلًا بقضائه.
وإن كانت أكثر رد الزيادة؛ لأنه إنما زاد لأجل القضاء.
стр. 241
الباب الثامن في القاضي يجلس معه غيره
[٢٤١] ذكر [عن] عبد الرحمن بن سعيد [﵀] قال:
رأيت عثمان بن عفان ﵁ جالسًا في المسجد، فإذا جاءه الخصمان قال لهذا: ادع عليًا، وقل لهذا: ادع طلحة والزبير، ونفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فإذا جاءوا قال لهما: تكلما. فإذا تكلما يقبل [عليهم] فيقول: ماذا تقولون؟ فإن قالوا ما يوافق قوله قضي عليهما، ولا ينظرهم بعد، فيقومان وقد سلما.
стр. 242
اشتمل الحديث على فوائد منها:
أنه لم يكن بين عثمان وعلي ﵄ إلا جميلًا، بخلاف ما قاله أهل البدع.
ومنها: أنه يجوز للقاضي أن يقضي في المسجد.
ومنها: أنه يجوز للقاضي أن يستفتي ويقضي بالفتوى.
ومنها: أن المشورة مستحبة.
ثم إنما يشاور إذا لم يكن وجه القضاء بينًا، أما إذا كان بينًا فلا يحتاج إلى المشورة.
وحديث عثمان ﵁ محمول على أن حكم الحادثة لم يكن بينًا.
ثم قال:
فإذا تكلما يقبل عليهم، فإن قالوا ما يوافق قوله إمضاء عليهما؛ لأنه صار إجماعًا منهم.
стр. 243
ثم قال:
ولا ينظرهم بعد.
لأن الحق قد ظهر، والصواب قد تبين، فلا يسعه التأخير، كما لا يسعه تأخير الفرائض.
ثم قال:
فيقومان وقد سلما.
يعني استسلما، وانقادا له.
[٢٤٢] ذكر عن إسماعيل بن أبي خالد قال:
رأيت شريحًا جالسًا على القضاء في المسجد معتمًا بعمامة بيضاء، قد ألقى طرفها بين كتفيه عليه مطرف خز، ورأيت ناسًا من العلماء يجالسونه على القضاء منهم أبو عمرو الشيباني والشعبي.
стр. 244
اشتمل الحديث على فوائد منها:
أنه يجوز للقاضي أن يقضي في المسجد.
ومنها: أنه ينبغي [للقاضي] أن يتعمم بعمامة.
وقد جرى الرسم في بعض الديار أن القاضي يتقلنس بقلنسوة، وذلك لا بأس به، والعمامة أولى.
[٢٤٣] ذكر عن الأعمش [أنه] قال:
قال لي القاسم بن عبد الرحمن [﵀]: لو أنك جئت،
стр. 245
فجلست إلي.
يعني في مجلس القضاء.
قال: فجلست إليه. فاختصم إليه خصمان، فأخذ الأعمش عليه [فيه] فقال: لئن قلت ذلك لقد قال عبد الله: إذا علم أحدكم فليقض، وإلا فليقر، ولا يستحي.
اشتمل الحديث على فوائد منها:
أنه إذا كان من رأي القاضي أن يجلس فقيهًا معه فإنما يجلسه بالتماس منه، ولا يجبر على ذلك.
ومنها: أن القاضي إذا زلت قدمه، فعلى الفقيه الذي يجلس معه أن يقومه ويرد عليه، إلا أن الأعمش جاهره بالرد؛ لأنه
стр. 246
علم أنه يغتنم ذلك، ولا يخجل بذلك.
ومنها: أن القضاة في زماننا لا يجاهرون بالرد عليهم.
وقوله: لئن قلت ذلك لقد قال عبد الله … يحتمل أن يكون هذا قول الأعمش، بأن خشي أن يخجل منه القاسم فقال: لقد قال عبد الله إذا علم أحدكم فليقض وإلا فليقر ولا يستحي، ويحتمل أن يكون هذا قول القاسم: لقد قال عبد الله: إذا علم أحدكم فليقض، وإلا فليقر ولا يستحي، وأما ابن عبد الرحمن [فقد] أقر بالعجز ولا استحيي.
стр. 247
[٢٤٤] ذكر عن ادريس عن أبيه رحمهما الله قال:
رأيت محارب بن دثار [﵀] يقضي وحماد والحكم أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، ينظر إلى حماد مرة، وإلى الحكم مرة، والخصوم بين يديه.
وهذا الحديث يفيد ما أفاد [الحديث] الأول.
[٢٤٥] ذكر عن معمر، عن أيوب، عن محمد ﵏ قال:
كانوا يرون للأمير ما ليس للقاضي، الأمير يدني منه، ويباعد عنه، والقاضي ليه له ذلك .... الحديث.
стр. 248
وإنما كان [ذلك] لأن الناس إنما يدخلون على الأمير لأجل الزيارة، فينبغي أن يعطي كل ذي فضل فضله.
وأما القاضي فإنما يدخلون عليه لفصل الخصومات، فينبغي أن يسوي بينهم في كل شيء.
وهذا ليس بحكم مختص بكونه أميرًا أو قاضيًا، بل الحكم يتعلق بالوصف الذي بينا، حتى أن الأمير إذا جلس لفصل الخصومة يسوي بين الخصمين، والقاضي إذا جلس للزيارة يدني منه ويباعد عنه.
[٢٤٦] ذكر عن علي ﵁ قال:
نزل به ضيف، فسأله عن شيء، قال:
-ألك خصم؟
قال: نعم.
قال: فتحو ل، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 249
"لا تضيفوا الخصم، إلا مع الخصم".
وهذا لأنه إذا أضاف أحد الخصمين يتهمه الآخر بالميل إلى خصمه.
[٢٤٧] قال:
قال أبو حنيفة ﵀: لا بأس بأن يجلس القاضي معه من يثق بدينه وأمانته وفقهه في مجلس الحكم قريبًا منه حيث يسمعون كلامه وكلام من يحضر معه من الخصوم بشرط ثلاثة أشياء:
стр. 250
الديانة.
والأمانة.
والعفة.
أما الديانة والأمانة فلأن مجلس القضاء يحضره امرأة شابة، فلو لم يكن متدينًا أمينًا ربما يتمكن فيه فساد.
وأما الفقه فلأن المقصود من المشورة إصابة الحق، واستخراج الحكم، وذلك إنما يتأتى بمشاورة الفقيه.
[٢٤٨] قال:
ولا ينبغي أن يشاورهم بمحضر من الخصوم في شيء مما يتقدم فيه.
لكيلا يعلم الخصوم ما يدور بين القاضي، وبين من يشاوره، وما يعزم عليه رأيه،
وقد ذكر قبل هذا في حديث عثمان ﵁ أنه شاور عليًا وطلحة والزبير [﵃]، وإنما كان، لأن الغالب في الناس في ذلك الزمان الأمانة؛ لأن النبي ﷺ شهد لأهل ذلك الزمان
следующие страницы →